من جلود قوية يشدّونها على أرجلهم. ويقرن [الرجل] بين اللوحين اللذين يكونان فى رجليه بشندال (حبل) طويل مثل عنان الفرس، يمسكه فى يده الشمال، وفى يده اليمى عصا بطوله، وفى أسفل العصا مثل كرة من الثياب محشوّة بصوف كثير مثل رأس الإنسان خفيفة. ويعتمد على تلك العصا فوق الثّلج. ويدفع العصا خلف ظهره كما يصنع الملاّح فى السفينة. فيذهب على ذلك الثلج بسرعة، ولولا تلك الحيلة لم يمكن أحدا أن يمشى هناك البتة، لأن الثلج على الأرض مثل الرمل لا يتلبّد البتة، وأى حيوان يمشى عليه يغوص فى ذلك الثلج فيموت إلا الكلاب والحيوان الخفيف كالثعلب والأرنب، فإنها تمشى عليه بخفة وسرعة». وهى صورة من التزحلق قديمة شبيهة أدق الشبه بصورة التزحلق الحديث الذى تعقد له المسابقات سنويا فى البلاد الأوربية.
ونلتقى بعد أبى حامد الغرناطى من رحالة الأندلس بابن جبير، وسنفرد له مع رحلته كلمة، ويلقانا من رحالة العصر الغرناطى القاضى أبو البقاء (١) البلوى خالد بن عيسى وسمى رحلته «تاج المفرق فى تحلية علماء إفريقيا والمشرق» وقد لقى فيها كثيرين من العلماء وروى عنهم، بدأها فى ١٨ من صفر سنة ٧٣٠ وظل يلقى العلماء سنوات ويأخذ عنهم، ونزل تونس وعيّنه أميرها كاتبا فى ديوانه زمنا يسيرا، ثم عاد إلى بلده فعيّن بها قاضيا. ويقول لسان الدين بن الخطيب فى الإحاطة إنه حجّ وقيدّ عن العلماء، ورحلته فى سفر وصف فيه البلاد ومن لقى بفصول، جلب أكثرها من كتابات العماد الأصبهانى وصفوان بن إدريس. ولابن جابر الوادى آشى الذى مرت ترجمته فى الفصل الماضى رحلة دوّن فيها ما اكتسبه من الفوائد الأدبية أثناء أسفاره الطويلة.
ويلقانا ابن (٢) الحاج النميرى المولود سنة ٧١٣ لأسرة كريمة وقد عنى أبوه بتربيته حتى إذا كانت سنة ٧٣٤ عيّن كاتبا فى ديوان أبى الحجاج يوسف الأول أمير غرناطة، وفى سنة ٧٣٧ رحل لأداء فريضة الحج، ونزل فى عودته بقسنطينة سنة ٧٣٩ وخدم أمراءها.
الحفصيين، ثم تركهم وخدم أبا الحسن المرينى حتى سنة ٧٤٧ إذ رأى العودة إلى أداء
стр. 4167
فريضة الحج وعاد فخدم الحفصيين سنة ٧٥٠ وبعد سنتين اعتزل للعبادة بتلمسان وأجبر فى سنة ٧٥٧ على خدمة السلطان أبى عنان وجعله رئيس ديوان الكتبة. وأفلت عند موته وعاد إلى غرناطة فعيّن قاضيا إلى وفاته بعد سنة ٧٧٤ وكان شاعرا مجيدا فى الشعر الغنائى والتعليمى. ويقول ابن الخطيب فى الإحاطة له رحلة «فيض العباب وإحالة قداح الآداب فى الحركة إلى قسنطينة والزاب» وقد حققها ونشرها بالرباط-كما ذكرنا فى الهامش-الدكتور محمد بن شقرون، ووضع بين يديها مقدمة قيمة. وهى فى وصف رحلة السلطان أبى عنان المرينى من فاس إلى سلا والعودة منها ثم إلى قسنطينة والزاب والعودة منها عن طريق الصحراء. والرحلة وثيقة تاريخية مهمة عن فتح بنى مرين لقسنطينة وعنّابة وتونس وبيعة البلدان المغربية لأبى عنان، وقد كتبها ابن الحاج بأسلوب أدبى التزم فيه السجع وبعض المحسنات البديعية مع العناية باستخدام التورية والتصنع للمصطلحات العلمية وبعض الألفاظ الغريبة مما أشاع غير قليل من التكلف فى صياغة الرحلة.
ولصديقه ابن الخطيب معاصره الذى مرت ترجمته بين كتاب الرسائل الديوانية رحلات بديعة فى بلدان الأندلس والمغرب، وأول ما نقف عنده رحلته (١) مع أميره أبى الحجاج يوسف الأول فى تفقده لبعض الثغور الشرقية لإمارته سماها: «خطرة الطيف فى رحلة الشتاء والصيف» وقد سار موكب أبى الحجاج فيها تلقاء الشمال الشرقى من العاصمة غرناطة إلى وادى آش فإلبيرة. ويعود الموكب من طريق آخر مارا بثغر المريّة على البحر المتوسط. وكانت زيارات الأمير أبى الحجاج لها ولغيرها من المدن أشبه باستعراضات عسكرية، يشترك فيها جند الأمير مع أهل البلدة إذ كانت بلاد الإمارة الغرناطية أشبه برباطات حربية، فكل من فيها حاملو سلاح. ويقول ابن الخطيب إن النساء فى هذه الاستعراضات كن كثيرات، وكن يحيين الرجال ويحييهن الرجال، ونظن ظنا أن كثيرات منهن كن سافرات إذ عرفت الأندلس-كما مر فى غير هذا الموضع- السفور مبكرا.
ولابن الخطيب رحلة ثانية سماها «معيار الاختيار فى ذكر الأحوال والديار» ويسميها مقامة وليست مقامة بل رحلة كسابقتها وصف فيها أربعا وثلاثين مدينة من مدن إمارة
стр. 4168
غرناطة وبعض مدن المغرب الأقصى مثل مكناسة. والمقامة مسجوعة مثل سابقتها، وتصور فى تلك المدن عمرانها ونشاطها الثقافى وكل ما بها من صور الحياة، مع ذكر محاسن كل مدينة وما قد يكون فيها من مساوئ. وله رحلة طويلة لم يكتبها سجعا مثل الرحلتين السالفتين بل كتبها مرسلة غير مسجوعة، وصف فيها المغرب الأقصى ومدنه سماها «نفاضة الجراب فى علالة الاغتراب» وكانت فى أربعة أجزاء، سقط منها ثلاثة من يد الزمن وبقى الجزء (١) الثانى وهو يفتتح هذا الجزء بالصعود إلى جبل هنتاتة بمنطقة أطلس ويزور هناك قبر السلطان أبى الحسن المرينى ويفيض فى الحديث عن أحوال قبيلة هنتاتة.
ويزور أغمات وقبر المعتمد بن عباد بها ويحيّيه بقصيدة ويلمّ بمراكش وغيرها من المدن فى طريقه إلى مدينة سلا على المحيط، ويذكر كل ما فى تلك المدن من مساجد ومكتبات ومدارس. ورحلات ابن الخطيب عامة تكتظ ببيان أحوال المدن الأندلسية والمغربية الاجتماعية والثقافية.
ونلتقى بأخرة من زمن دولة بنى الأحمر فى غرناطة بالقلصادى على بن محمد القرشى البسطى (٨١٥ - ٨٩١ هـ.) الذى مرّ ذكره فى الفصل الثانى بين علماء الرياضة، وله رحلة إلى الحجاز لأداء فريضة الحج والزيارة النبوية، سماها: «تمهيد الطالب ومنتهى الراغب إلى أعلى المنازل والمناقب» حققها وقدّم لها ونشرها بتونس الأستاذ محمد أبو الأجفان، وهو لا يتوسع-باستثناء مكة ومناسك الحج-فى وصف البلدان التى نزلها ذهابا وإيابا فى رحلته إلى الحجاز، بل يلمّ بها فى إيجاز شديد، ليحدثنا عن الشيوخ الذين تتلمذ لهم فيها، وخاصة فى تلمسان وتونس والقاهرة، ويبلغون عنده ثلاثة وثلاثين شيخا. والكتاب أشبه بكتب الفهرسة والبرامج منه بكتب الرحلات، وهى كتب اشتهرت بها الأندلس من قديم، وفيها يذكر مؤلفوها شيوخهم وما سمعوه منهم وأخذوه عنهم من مؤلفات. وحرى بنا الآن أن نتحدث عن رحلة ابن جبير.
стр. 4169
رحلة ابن جبير
هو محمد (١) بن أحمد بن جبير الكنانى البلنسى المشهور باسم ابن جبير، أصل أسرته من مدينة شاطبة، ولد ببلنسية سنة ٥٣٩ وقيل سنة ٥٤٠ وسمع فى نشأته من أبيه وعلماء موطنه وأكبّ على دراسة الفقه، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وطمح إلى العمل فى الدواوين، وألحقه أبو سعيد عثمان بن عبد المؤمن حاكم غرناطة لأبيه عبد المؤمن ثم لأخيه يوسف حتى وفاته سنة ٥٧٢. وكان عثمان شغوفا بالأدب، وخفّ على نفسه ابن جبير فكان يحضره مجالس شرابه وعبثا حاول أن يقنعه بالشراب معه، إذ كان يعافه تدينا، وذات يوم أقسم عليه ليشربنّ سبعا، ونزل مضطرا عند إرادته وشرب سبع كئوس، فملأ أبا سعيد الكأس دنانير سبع مرات وصبّ ذلك فى حجره، فحملها إلى منزله، وصمم أن يجعل كفارة شربه الخمر الحجّ بتلك الدنانير، حتى إذا كانت سنة ٥٧٨ باع ملكا له تزوّد به للحج، وفصل من غرناطة فى شوال، وركب البحر فى سفينة لبعض أهل جنوة قاصدا إلى الإسكندرية ونزل بها واتجه إلى القاهرة ومنها إلى قوص بصعيد مصر، ومنها إلى عيذاب حيث عبر البحر الأحمر إلى جدة، وقصد من فوره مكة، وأدى فريضة الحج، وزار القبر الشريف بالمدينة، ثم اتجه إلى الكوفة فبغداد فالموصل وبلدانه. وهو فى كل تلك البلدان يمكث بعض الوقت ويدوّن ما شاهده فيها من مساجد ومدارس وغرائب، ونزل الشام وكان لحملة الصليب فيها مستعمرات، فجاس خلال ديارهم وسجّل كثيرا من أحوالهم. وركب البحر المتوسط من عكا على سفينة مسيحية عائدا إلى موطنه. وألمت السفينة بصقلية فنزل فيها وتجوّل فى بلادها، ورجع إلى السفينة، ونزل منها فى قرطاجنة بساحل الأندلس فى ١٥ من المحرم سنة ٥٨١
ورحلة ابن جبير تقصّ ما شاهده فى البلدان التى زارها ونزل بها فى صورة مذكرات يومية، ومع كل بلدة وكل مشهد التاريخ باليوم والشهر، ويبدو أنه كتبها فى أوراق منفصلة، وكأن الموت عاجله قبل أن يجمعها نهائيا، فجمعها بعض تلاميذه ونشرها بعد وفاته باسم «تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار» وآثر من نشروها فى العصر الحديث
стр. 4170
من المستشرقين والعرب أن يطلقوا عليها اسم «رحلة ابن جبير». وله رحلتان بعد هذه الرحلة حجّ فى كل منهما، والسبب فى أولاهما أنه سمع بفتح صلاح الدين لبيت المقدس سنة ٥٨٢ واستيلائه عليه من أيدى الصليبيين، فحدثته نفسه أن يزور تلك الأماكن وعلم الإسلام يرفرف عليها، وارتحل لذلك سنة ٥٨٥ وعاد سنة ٥٨٧ إلى غرناطة وسكنها ثم سكن مالقة ثم سبتة منقطعا إلى إسماع الحديث النبوى وروايته. وكان قد تزوج من أم المجد عاتكة بنت أبى جعفر الوقّشى وزير ابن همشك أمير جيان قبل دخوله فى طاعة الموحدين، وكان كلفا بها، وتوفيت فعظم وجده عليها، ونظم فيها-بجانب ديوانين له أحدهما فى الشكوى من إخوان الزمان-ديوانا سماه: نتيجة وجد الجوانح فى تأبين القرين الصالح». ولكى يخفّف عن نفسه حزنه عليها رحل رحلته الأخيرة لأداء الحج سنة ٦١٤ وجاور بمكة فترة، ثم ارتحل إلى الإسكندرية وأدركته فيها منيته فى نفس السنة، ويغلب أن يكون مسجد سيدى جابر بها مسجده وأن تكون العامة حرّفت اسمه مع الزمن.
والرحلة مكتوبة بأسلوب مرسل تشيع فيه السهولة والسلاسة والعذوبة، مما جعلها نسيجة وحدها-كما يقول ابن الخطيب-كما جعلها تطير كل مطار، ونشعر فى أحيان كثيرة كأنما بيده ريشة يبدع بها لوحات رائعة كما فى تصويره للإسكندرية حين نزلها ومبانيها وأسواقها وشوارعها ومنارها العجيب وما بها من مساجد ومدارس وبيوت لطلاب العلم. ويقول إنه بمجرد أن ينزل بها طالب علم من الأقطار النائية يجد مسكنا والعالم الذى يدرس عليه والراتب الذى يرتفق به. وينزل القاهرة ويصف القلعة والأهرام وأبا الهول، ويرسم مشهد الحسين حفيد الرسول ﵇ فى لوحة باهرة. ويطيل فى وصفه للمارستان بالقاهرة وما به من خزائن الأدوية والأسرّة كاملة الكسوة للرجال وما اتّخذ فيه من قسم خاص بالنساء وقسم على مقاصيره شبابيك من حديد للمجانين.
وينزل مدينة قوص ويصف الحياة فيها كما يصف مدينة عيذاب على البحر الأحمر ويقول فى بحرها جزائر بها مغاص للؤلؤ نفيس. ويركب البحر إلى جدة وينزل مكة، ويرسم المسجد الحرام فى لوحة باهرة، تجمع كل تفاصيله بأركانه وأبوابه وكل ما يغشى جوانب فيه من ذهب وفضة وستور حريرية وما به من مقام إبراهيم المغطى بالفضة ومن حوائط رائقة الترصيع والتجزيع وقباب بديعة وسوار وأعمدة بديعة التركيب. وتشغل هذه اللوحة صفحات متصلة من الرحلة لا تترك شيئا فى المسجد ولا فى ظاهره وسطحه إلا تقيّده.
ويرسم لوحة باهرة لمسجد الرسول ﵇ كاللوحة التى رسمها للمسجد الحرام،
стр. 4171
ومن قوله فيها عن الروضة المقدسة: (قبر الرسول وصاحبيه أبى بكر وعمر) والمنبر الشريف:
«الروضة المقدسة مع آخر الجهة القبلية مما يلى الشرق. . وشكلها شكل عجيب لا يكاد يتأتّى تصويره ولا تمثيله. وجميع سعتها من جميع جهاتها مائتا شبر واثنان وسبعون شبرا، وهى مؤزّرة بالرخام البديع النّحت، الرائع النعت، وينتهى إزار منها إلى نحو الثلث أو أقل يسيرا، وعليه من الجدار المكرّم ثلث آخر قد علاه تضميخ المسك والطّيب، والذى يعلوه من الجدار شبابيك عود متصلة بالسّمك الأعلى، لأن أعلى الروضة المباركة متصل بسمك المسجد. وإلى حيّز إزار الرخام تنتهى الأستار، وهى لازورديّة اللون. . وفى الصفحة القبلية أمام وجه النبى ﷺ مسمار فضة، هو أمام الوجه الكريم فيقف الناس أمامه للسلام، وإلى قدميه ﷺ رأس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ورأس عمر الفاروق مما يلى كتفى أبى بكر الصديق رضى الله عنهما، فيقف المسلم مستدبر القبلة ومستقبل الوجه الكريم فيسلّم، ثم ينصرف يمينا إلى وجه أبى بكر، ثم إلى وجه عمر. وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو عشرين قنديلا معلّقة من الفضة، وفيها اثنان من الذهب. وعن يمين الروضة المكّرمة المنبر الكريم، ومنه إليها اثنتان وأربعون خطوة، وهو مرخّم كله، وارتفاعه نحو القامة أو أزيد، وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، وأدراجه ثمانية، وله باب على هيئة الشّبّاك مقفل، يفتح يوم الجمعة، وطوله أربعة أشبار ونصف، والمنبر مغشىّ بعود الآبنوس، ومقعد الرسول ﷺ من أعلاه ظاهر، قد طبّق عليه بلوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من القعود عليه، فيدخل الناس أيديهم إليه ويتمسّحون به تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم».
ويسترسل ابن جبير فى وصف المسجد وقبلته وما على جدارها من الفسيفساء بهذا التصوير البارع الدقيق. ويذكر أن المؤذن الراتب فيه من أحفاد بلال مؤذن الرسول رضى الله عنه، ويصف مشاهد المدينة. ويبارحها إلى الكوفة، ويصل إلى بغداد، ويصور بعض المجالس العظيمة لعلمائها ووعّاظها وخاصة ابن الجوزى إمام عصره فى الحديث والوعظ وفى وصف إحدى مواعظه يقول:
«أتى فيها برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر طارت لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الأنفس احتراقا، إلى أن علا الضّجيج، وتردد بشهقاته النّشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، فشاهدنا هولا يملأ
стр. 4172
النفوس إنابة وندامة، ويذكّرها هول يوم القيامة، فلو لم نركب ثبج البحر، ونعتسف مفازات القفر، إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة الرابحة، والوجهة المفلحة الناجحة».
ويصف بغداد ومساجدها ومبانيها وأسواقها ومحالّها، ويغادرها إلى الموصل فحلب، وتروعه مبانيها وقلعتها وجامعها والمدرسة الملحقة به وكأنهما فى الحسن روضة تجاور أخرى. ويصل دمشق جنة المشرق وعروس المدن، وتروعه بساتينها المحدقة بها إحداق الهالة بالقمر وما يمتد بشرقيهّا من غوطتها الخضراء بحللها السندسية البديعة، وينوه بحسنها، ويقول صدق القائلون عنها: «إن كانت الجنة فى الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت فى السماء فهى بحيث تسامتها (تقابلها) وتحاذيها». ويطيل الوصف لمسجدها الأموى العظيم وما به من عمد وقباب وأبواب وما عليها من نقوش وما يمتد على حيطانه وسقوفه من الفسيفساء البديعة وما به من مقاصير وغرائب التصاوير. ويفيض فى الحديث عن مشاهد دمشق وأسواقها ومدارسها ومارستانها وما بها من خانقاهات للمتصوفة.
وأشاد بأعمال صلاح الدين الأيوبى فى الشام، كما أشاد بها فى الإسكندرية والقاهرة، ونوه بانتصاراته على الصليبيين، وتغلغله فى ديارهم، ولا حظ أن تجارهم وتجار المسلمين يغدون ويروحون فى الدارين: دار الإسلام ودار حملة الصليب دون أى اعتراض، والحرب مع ذلك قائمة بين الفئتين والتجار فى عافية. ويبحر من ميناء عكّا مع التجار النصارى فى إحدى سفنهم المعدّة لسفر الخريف، وكانت متجهة إلى مسّينة فى صقلّية، فنزل بها وتجوّل فى بلدانها، وكان المسلمون قد فتحوا تلك الجزيرة فى مطالع القرن الثالث الهجرى وعرّبوها لمدة قرنين ونصف إذ فتحها النورمان، وكان ملوكهم الأولون يحتضنون الثقافة العربية ويرعون علماءها، ويجلسون منهم مجلس التلاميذ، مما أتاح لصقلّية حينئذ أن تصبح مجازا لعبور الثقافة العربية الإسلامية إلى أوربا وخاصة فى عهد روجر الثانى وابنه غليوم اللذين طبعا حياة الدولة فى أيامهما بالطوابع العربية الإسلامية، ويصوّر ذلك ابن جبير فى حديثه-برحلته-عن غليوم الذى زار الجزيرة فى عهده، فيقول عنه:
«هو كثير الثقة بالمسلمين، وساكن إليهم فى أحواله والمهمّ من أشغاله، حتى إن الناظر فى مطبخه رجل من المسلمين. . ومن عجيب شأنه المتحدّث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية، وعلامته (فى أول رسائله) -على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به- «الحمد لله حقّ حمده»، وكانت علامة أبيه «الحمد لله شكرا لأنعمه». وأما جواريه وحظاياه فى قصره
стр. 4173
فمسلمات كلهن، يقول: ومن أعجب ما حدّثنا به خديمه: يحيى بن فتيان الطرّاز أن الإفرنجية من النصرانيات تقع فى قصره، فتعود مسلمة، تعيدها الجوارى المذكورات مسلمة، وهنّ على تكتم فى ذلك كله، ولهنّ فى فعل الخير أمور عجيبة. . وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عمالته فى ملكه فهم مسلمون، ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوّعا وتأجّرا (طلبا للأجر) ويتصدّق تقربا إلى الله وتزلفا، ولهم فى فعل الجميل أخبار مأثورة».
وهى وثيقة تاريخية مهمة فيما كان من تعاون بين النورمان النصارى والمسلمين فى أيام ملوكهم الأولى بصقلية. ويتنقّل ابن جبير فى الجزيرة، ومما يذكره عن نساء النصارى فى «بالرم» العاصمة أنهن كن يلبسن نفس زىّ المسلمات ويتحجّبن مثلهن منتقبات بالنّقب الملونة كما يتزيّنّ على طريقتهن، ويقول إنهن فصيحات. ومع ذلك كله يقول ابن جبير إن راية الإسلام ستنكّس هناك وسيصبح كل ما للمسلمين من مساجد وغير مساجد هناك أثرا بعد عين، وصدق حدسه. وقد أبحر من صقلية إلى قرطاجنة على الشاطئ الأندلسى ومنها إلى غرناطة. والرحلة-بحق-ممتعة لا بأسلوبها الأدبى المرسل البليغ فحسب، بل أيضا بملاحظات ابن جبير الدقيقة المتنوعة.
стр. 4174
خاتمة
تحدثنا-فى الصحف الماضية-عن كثرة العناصر المكونة لسكان إيبيريا وأنها ظلت تستقبل عناصر متنوعة من القارات القديمة الثلاث: أوربا وإفريقيا وآسيا، ومن قديم ظلت تستقبل حضارات الفينيقيين واليونان والقرطاجينيين والرومان دون أن تضيف شيئا يميزها فى تاريخ الحضارة الإنسانية، وغزاها القوط المتبربرون فى القرن الخامس للميلاد وقضوا-أو كادوا يقضون-على كل ما وفد عليها من تلك الحضارات. ومرّ بنا فتح العرب لإيبيريا سنة ٩٢ هـ/٧١١ م والجهود التى بذلها موسى بن نصير وطارق بن زياد فى فتحها حتى خليج بسكاى وجبال البرينيه التى تفصلها عن غالة (فرنسا). ولم تكد تمضى أربع سنوات حتى أصبحت إيبيريا من جنوبّيها إلى شماليّها تدين بالولاء لدمشق كإقليم من أقاليم الدولة الأموية. ويستدعى الفاتحان العظيمان إلى دمشق بأخرة من سنة ٩٥ للهجرة ولا يعودان إليها. واستوطن الجيش الفاتح من العرب والبربر أواسط إيبيريا وجنوبيها، وسموا ديارهم-بل إيبيريا جميعها-باسم الأندلس أخذا من كلمة «قندالس» سكانها فى الجنوب. وتدخل الأندلس فى عصر الولاة منذ سنة ٩٥ إلى سنة ١٣٨ وأبلى نفر من ولاتها-حتى سنة ١١٦ - بلاء حسنا فى غزو غالة (فرنسا) ويفرضون على إقليم؟ ؟ ؟ سبثمانية بجنوبيها ولاءه للعرب، وتتقدم جيوشهم مرارا على نهر الرون وفى اتجاه بواتييه إلى الشمال وليون إلى الجنوب، وتدب العصبيات-بل تضطرم- بين قبائل العرب القحطانية والمضرية، وبين العرب والبربر، فيتوقف هذا المد العظيم، ولولا ذلك لفتح العرب شطرا كبيرا من أوربا الغربية.
ويقيّض لانتشال الأندلس من العصبيات المحتدمة فيها عبور عبد الرحمن بن معاوية ابن الخليفة هشام بن عبد الملك سنة ١٣٨ للهجرة بحر الزّقاق إليها وإعلانه فيها ميلاد دولة أموية غربية تخلف دولة آبائه فى دمشق التى قضى عليها العباسيون قضاء مبرما سنة ١٣٢ للهجرة. ويأخذ هو وأبناؤه وأحفاده الذين امتد حكمهم للأندلس نحو ثلاثة قرون فى تأسيس حضارة أندلسية عربية باهرة، وقد أخذت تلك الحضارة فى التكامل لعهد عبد الرحمن الأوسط الذى أنشأ للدولة أسطولا يحمى موانيها على المحيط الأطلسى
стр. 4175
والبحر المتوسط، ووضع لحكم البلاد نظاما إداريا حضاريا، إذ اتخذ لها مجلس وزراء على نحو ما نعرف الآن من مجالس الوزراء فى الأمم المتحضرة، وأضاف إليه هيئات-باسم خطط-للإشراف على مصالح الرعية. وبلغت الأندلس الذروة فى المكانة السياسية والحضارية لعهد عبد الرحمن الناصر الذى فرض سلطانه على المسيحيين فى الشمال.
وما يلبث عهد الدولة الأموية أن ينتهى بفتنة كبرى ظلت نحو عشرين عاما. وينشأ عصر أمراء الطوائف، وفيه تنقسم الأندلس إلى أندلسات، وبعبارة أخرى إلى إمارات كثيرة، ويتنافس الأمراء فى الإكثار مما يحيط بهم من شعراء وعلماء وكتّاب، وتنفق سوق الأدب والعلم، وتهبط كفّة الحكم والسياسة إلى أدنى مستوى، إذ يعيش الأمراء للترف واللهو وكل فنونه، ويتناحرون فيما بينهم، على حين يركعون-خانعين-للمسيحيين الشماليين، مما جعل ألفونس السادس ملك قشتالة ينقض على طليطلة واسطة عقد الأندلس سنة ٤٧٨ للهجرة ويستولى عليها، حتى إذا لم يبق منزع فى قوس الصبر لا للفقهاء ولا للرعية ولا للأمراء اللاهين استصرخوا جميعا يوسف بن تاشفين أمير المرابطين فى المغرب، فعبر إلى الأندلس سنة ٤٧٩ وسحق جموع ألفونس السادس فى الزلاقة سحقا ذريعا، وتطورت الأمور سريعا، وأظل لواء المرابطين الأندلس جميعا.
وتضعف دولتهم بعد نحو نصف قرن ونيّف، وتعود الأندلس فى بعض أجزائها إلى التفكك، وتتداركها دولة الموحدين، وتظل تحميها إلى أوائل العقد الثالث فى القرن السابع الهجرى، ومن مفاخرهم تدمير أميرهم يعقوب الموحدى لجيش ألفونس الثامن فى موقعة الأرك سنة ٥٩١. وتعود الأندلس منذ سنة ٦٢٣ إلى التفكك، وتقع كثرة من مدنها العريقة فى حجور المسيحيين الشماليين، ويستطيع ابن الأحمر سليل سعد بن عبادة الصحابى الجليل أن يستنقذ إمارة غرناطة له ولأسرته لأكثر من قرنين ونصف إلى أن سلّم أبو عبد الله الصغير مفاتيح المدينة لفرناند وزوجته إيزابيلا سنة ٨٩٧ للهجرة.
وذكرنا ما تم فى المجتمع الأندلسى من مزج سريع بين المسلمين من العرب والبربر وبين المسيحيين ومن دخلوا فى الإسلام منهم وأبنائهم، وكانت حياة المسيحيين حياة متبدية بها غير قليل من الشظف، بينما أخذ المسلمون الأندلسيون يتحولون إلى حياة حضارية، وخاصة منذ عهد عبد الرحمن الأوسط لشغفه بحضارة العرب المادية فى المشرق مما جعل التجار يحملون إليه كثيرا من أدواتها، وساعد على اكتمال الحضارة الأندلسية فى عهده وفود زرياب تلميذ إسحق الموصلى-أكبر الموسيقيين فى عهد الرشيد-على قرطبة، ومكّن له عبد الرحمن-إلى أقصى حد-من إحداث نهضة موسيقية فى الأندلس بإنشائه
стр. 4176
له معهدا موسيقيا تخرج فيه كثيرون، قادوا بالأندلس الحركة الغنائية والموسيقية قيادة بديعة. ولا يقف أثر زرياب عند هذا الجانب، بل يتسع ليشمل الجوانب الحضارية المادية فى المأكل وملبس الجنسين وتزينهما فى الهيئة والمظهر، وأيضا فى اتخاذ الرياش الفاخر. وأخذ عبد الرحمن الأوسط وأبناؤه يعنون ببناء القصور والتأنق فى أثاثها وزينتها، ولا يبنى حفيده الناصر قصرا فحسب بل يبنى مدينة عظيمة هى مدينة الزهراء. ومن يتابع ابن بسام فى وصفه لبعض قصور أمراء الطوائف مثل قصر المكرّم لبنى ذى النون يظن كأنها من قصور ألف ليلة وليلة الخيالية، وما يزال قصر الحمراء بغرناطة إلى اليوم يشهد بما بلغته الحضارة المادية فى المعمار إلى أوج لم تعرفه الأندلس قبل العرب وبعدهم إلى اليوم.
وكان للمرأة فى هذا المجتمع الأندلسى الحضارى مكانة عظيمة جعلتها تحظى من الحرية بما لم تحظ به أختها فى المشرق حتى كان بينهن كاتبات مشهورات للخلفاء الأمويين، وكان بينهن عالمات مقرئات ومحدّثات وطبيبات، وكان بينهن سيدات مجتمع راقيات كصواحب الصالونات بفرنسا فى القرنين السابع عشر والثامن عشر وكان لهن- مثلهن-غير قليل من التأثير فى الحياة الأدبية.
ولم تعرف الأندلس التشيع إلا قليلا وعند أفراد محدودين، وظلت النزعة الأموية تغلب عليها بعد سقوط الدولة الأموية، وعرفت الأندلس الزهد وتألق فيها أسماء زهاد كثيرين، كما عرفت التصوف منذ القرن الرابع الهجرى وأنجبت فيه مشاهير مثل ابن عربى وابن سبعين والششترى.
ولم يكن لإيبيريا دور علمى فى العصور القديمة، والعرب هم الذين بدأوا فيها الحركة العلمية بعلومهم اللغوية والدينية، وعمل عبد الرحمن الأوسط على السعة بهذه الحركة، إذ أدخل عليها بقوة العناية بعلوم الأوائل من رياضة وطب وصيدلة، وجلب كتب تلك العلوم من بغداد. وبلغ الناصر وابنه الحكم المستنصر بالحركة العلمية الغاية المأمولة باستدعاء العلماء من المشرق وإجزال العطاء لهم وجلب المخطوطات النفيسة فى مختلف العلوم والآداب، مما أتاح لدراسة علوم الأوائل الازدهار منذ القرن الرابع الهجرى، مع ما أضاف إليها علماء الأندلس من إضافات باهرة على مر العصور، وتلمع فى الرياضة أسماء مسلمة المجريطى والزرقالى والبطروجى والرّقوطى، وتلمع فى الطب أسماء الزهراوى وبنو زهر وابن رشد، وفى الصيدلة أسماء الغافقى وابن العوام وابن البيطار
стр. 4177
وفى الفلسفة أسماء ابن باجة وابن طفيل وابن رشد وفى الجغرافية أسماء الرازى وأبى عبيد البكرى وابن غالب وابن سعيد.
وينشط علماء النحو واللغة مبكرين، ويؤلف الزبيدى كتابا فى طبقاتهم حتى زمنه فى القرن الرابع الهجرى، ويبلغون عنده نحو مائة عالم نحوى ولغوى، ومن أشهرهم الرباحى راوى كتاب سيبويه عن أبى جعفر النحاس المصرى ومنذر بن سعيد راوى معجم العين للخليل بن أحمد عن ابن ولاد المصرى، والزبيدى نفسه صاحب الكتاب السالف، وأبو بكر بن القوطية وابن الإفليلى وابن سيده والشنتمرى وابن الطراوة وعيسى الجزولى وابن عصفور وابن مالك وابن حيان. وتنشط مباحث البلاغة على يد أمثال ابن الكتانى المتطبب وحبيب والكلاعى والمواعينى وابن رشد وأبى البقاء الرندى، وبالمثل تنشط الكتابات النقدية عند ابن شهيد وابن خفاجة وابن بسام وحازم القرطاجنى.
وينقل القراء مبكرين عن ورش المصرى قراءته وتشيع فى الأندلس، ومن أشهر علماء القراءات هناك القضاعى والطلمنكى ومكى بن أبى طالب وأبو عمرو الدانى والشاطبى وابن حيان. وتعنى الأندلس بتفسير القرآن مبكرة، وتلمع فيه أسماء بقى بن مخلد وابن أبى زمنين وابن عطية والقرطبى وابن حيان. ويتكاثر المحدّثون من أمثال ابن وضاح وقاسم بن أصبغ والحميدى وابن قرقول وابن الخراط وابن القطان. ويتكاثر الفقهاء كثرة مفرطة وخاصة على مذهب مالك، وتدور فتوى فقهائهم وقضاتهم عليه وعلى حملة مذهبه المصريين وخاصة عبد الرحمن بن القاسم، ومن أشهرهم شبطون وعيسى بن دينار ويحيى الليثى وعبد الملك بن حبيب وابن عتبة وابن عبد البر وأبو الوليد الباجى وابن رشد الجد. ويلقانا غير فقيه للشافعية من مثل ابن الخراز والأصيلى. وينشط المذهب الظاهرى هناك، ومن كبار أتباعه منذر بن سعيد وابن حزم وابن حوط الله. وعرفت الأندلس الاعتزال عند أمثال عبد الأعلى بن وهب وابن مسرة ومنذر بن سعيد وإسماعيل الرعينى، كما عرفت المذهب الأشعرى عند محمد بن خلف.
وكان للمؤرخين نشاط واسع فى الأندلس منذ القرن الثالث الهجرى، ومنهم من كتب فى التاريخ العام مثل عبد الملك بن حبيب وعريب وابن الخطيب، ومنهم من كتب فى تاريخ الأندلس مثل أحمد الرازى وابنه عيسى وابن القوطية وابن حيان ويحيى بن الصيرفى وابن صاحب الصلاة وأبى الحجاج البياسى وابن الخطيب. ومنهم من كتب فى
стр. 4178
السيرة النبوية مثل ابن حزم وابن عبد البر والكلاعى وابن سيد الناس. ومنهم من كتب فى تراجم الأدباء والعلماء من كل صنف. ومنهم من كتب فى الأنساب مثل ابن حزم وفى تراجم الصحابة مثل ابن عبد البر. ومنهم من كتب فى التراجم الأندلسية العامة مثل ابن الفرضى وصاعد والحميدى وابن بشكوال والضبى وابن الأبار والملاحى وابن الزبير وابن الخطيب. ومنهم من كتب فى تراجم الفقهاء والقضاة مثل ابن عبد البر أحمد بن محمد والخشنى والنباهى، ويشتهر فى الترجمة للأطباء ابن جلجل وللغويين والنحاة الزبيدى وللأدباء من شعراء وكتاب ابن دحية والفتح بن خاقان وابن بسام وابن الأبار وابن سعيد وابن الخطيب وابن الأحمر.
وأخذت أبحث بحثا تحليليا تاريخيا فى نشاط الشعر والشعراء موضحا كيف أن أهل الأندلس تمثلوا العربية تمثلا قويا، وشركهم المسيحيون فى هذا التمثل، حتى إن جمهورهم هجر لغته اللاتينية الدارجة، وأصبحت العربية لسانه ومهوى فؤاده وأداة تعبيره عن مشاعره وأفكاره، حتى ليعلن ذلك أحد قساوستهم متحسرا ومتعجبا أشد العجب من هجران الشباب المسيحى للغة وطنه الرومانثية وتمثله للعربية معجبا بها وبأدبها أشد الإعجاب، محاولا بكل ما استطاع أن يتقنها. ويقول القس إن كثيرين من الشباب أتقنوها وكتبوا بها أشعارا ورسائل بديعة. ويشهد لكلامه أننا نجد فعلا بين المسيحيين الإسبان من بلغوا من إتقان العربية والقدرة على التعبير الدقيق بها أن عيّنوا كتّابا فى دواوين الدولة، وبذلك وبأدلة أخرى مؤيدة أضفناها ما ينقض نظرية ريبيرا المفضية إلى أن عرب الأندلس كانوا يستخدمون فى حياتهم اليومية لهجة رومانثية من اللاتينية الدارجة، وما كانت الأندلس بدعا من الأقاليم العربية، فقد ظهرت فيها جميعا عاميات دخلتها فى جميع البلدان العربية ألفاظ من لغاتها الأصلية التى كانت متداولة فيها، وبالمثل كانت تشيع فى الأندلس عامية عربية تسربت إليها ألفاظ من اللاتينية الدارجة على نحو ما حدث فى عامية الشام ومصر وغيرهما من البلدان العربية.
وعاشت الفصحى بجانب هذه العامية الأندلسية العربية معيشة مزدهرة شأنها فى ذلك نفس شأنها وازدهارها فى جميع الأقطار العربية، وتدل على ذلك دلالة بيّنة كثرة الشعراء فى كل بلد بالأندلس حتى فى الريف وبين أهل القرى، وهى كثرة تأخذ فى الاتضاح منذ القرن الثالث الهجرى، وتتسع سعة شديدة فى عصر أمراء الطوائف، إذ تعدّد الأمراء الذين يغدقون عطاياهم على الشعراء. ويظلون يتكاثرون فى اطراد طوال العصور التالية.
стр. 4179
واستطاعت الأندلس فى أثناء هذا النشاط الشعرى الواسع أن تنفذ إلى ابتكار فن شعرى جديد هو فن الموشحات، وحاول بعض المستشرقين الإسبان مثل غرسية غوميس أن يقولوا إنها نشأت من المزج بين الشعر العربى وبين بعض الأغانى الرومانسية فى اللاتينية الإسبانية الشعبية، وليس فى أيديهم أغنية رومانثية واحدة يستطيعون أن يثبتوا عن طريقها هذا المزج. والصحيح-كما أثبتنا بأدلة متعددة-أن الموشحات إنما هى صورة أندلسية تطورت عن أصول مشرقية هى المسمطات، وكان أول من أحدثها عربى هو مقدم بن معافى، وأعطاها صورتها النهائية بعده عربيان هما الرمادى الكندى وعبادة ابن ماء السماء الأنصارى. وعرضنا أو أشرنا إلى طرائف من الموشحات على مر الأزمنة مع الترجمة لثلاثة من الوشاحين البارعين هم ابن عبادة القزاز ويحيى بن بقى وابن زهر، وألممنا بالأزجال وذهبنا مع ابن خلدون إلى أنها نشأت بعد الموشحات مع الاستشهاد ببعض روائعها ومع الترجمة للزجال الفذ ابن قزمان. ثم أخذنا فى دراسة أغراض الشعر دراسة تاريخية نقدية تحليلية تعقبنا فيها كل غرض وأهم شعرائه على مر التاريخ، وبدأنا بشعراء المديح مع نماذج من مدائحهم ومع الترجمة لسبعة من أعلامهم، وصنعنا نفس الصنيع بشعراء الفخر مع الترجمة لثلاثة من أفذاذهم، وبالمثل لشعراء الهجاء مع الترجمة لأربعة من كبار الهجائين، ولأصحاب الشعر التعليمى مع الترجمة لعلمين من أعلامهم.
وعلى نحو ما عرض من روائع الأغراض الشعرية السالفة عرضت روائع الغزل على مر العصور مجسّدة الشأو البعيد الذى بلغته الأندلس فى تلك الروائع، إذ تمثل شعراؤها إلى أقصى حد ما فى الحب العذرى العربى القديم من حنين ملتاع وحب ظامئ لا ينطفئ أواره، مع ما يلاحظ من أن ناظميه يعكسون مشاعرهم على عناصر الطبيعة من حولهم.
وتبادلهم المرأة الأندلسية-مع ما يحفها من عفة ووقار-حبا بحب. ويشترك معهم فى الغزل الفقهاء والفلاسفة هناك، مما أتاح للغزل فى الأندلس سموا بعيدا على نحو ما يتضح عند من ترجمنا لهم وخاصة ابن زيدون وولادة. ونلتقى بشعراء الطبيعة والخمر، وتبلغ الأندلس فى شعر الطبيعة ذروة لعل إقليما عربيا لم يبلغها على مر العصور، وتوضح ذلك غاية التوضيح النصوص والتراجم المختارة وخاصة تراجم ابن مقانا وابن خفاجة وابن سفر. ويلقانا شعراء الرثاء للأفراد وفى مقدمتهم ابن وهبون وتأملاته البديعة فى حقائق الحياة والموت، وشعراء الرثاء للدول الغاربة فى الأندلس وفى مقدمتهم ابن اللبانة وابن عبدون. ونقرأ خواطر بديعة لشعراء الزهد والتصوف، وتتيح الأندلس للتصوف الفلسفى ازدهارا عظيما على نحو ما هو معروف عن متصوفها ابن عربى. وتزدهر فيها
стр. 4180
المدائح النبوية ازدهارا رائعا على نحو ما يلقانا عند ابن جابر الوادى آشى. ومنذ سقطت طليطلة فى القرن الخامس يستصرخ الشعراء العرب ومواطنيهم لاستنقاذ مدنهم من أيدى حملة الصليب، ويتعالى الصراخ فى القرن السابع الهجرى وبعده، على نحو ما يلقانا عند ابن الأبار وأبى البقاء الرندى.
وازدهر النثر فى الأندلس ازدهارا لا يقل عن ازدهار الشعر فيها، ويتضح ذلك فى كثرة كتاب الرسائل الديوانية على مر العصور، وفى مقدمتهم البزليانى وأبو محمد بن عبد البرّ وابن القصيرة وابن أبى الخصال وابن الخطيب، كما يتضح فى كثرة كتّاب الرسائل الشخصية وفى مقدمتهم حبيب وابن الدباغ وابن طاهر وابن الجد. ونفذ الكتاب المبدعون هناك إلى رسائل أدبية بارعة، منها رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد المستوحاة من إحدى مقامات بديع الزمان، مع بث روح وفكر جديدين فيها، ومنها رسائل ابن برد الأدبية، وإحداها وهى فى تفضيل أهب (جلود) الشياه على البسط مستوحاة من رسالة سهل ابن هرون فى فاتحة كتاب البخلاء للجاحظ التى يحتج فيها للبخل ضد الكرم، ومنها الرسالة الهزلية لابن زيدون وأختها الجدية، وأولاهما مستوحاة من رسالة التربيع والتدوير للجاحظ مع اختلاف الموضوع، ومنها رسالة ابن غرسية الذميمة فى الشعوبية والردود عليها، ومنها الرسائل النبوية البديعة على نحو ما يلقانا عند ابن الجنان، ومنها مواعظ مؤثرة مثل مواعظ منذر بن سعيد وأبى بكر الطرطوشى. ونلتقى بأعمال نثرية متنوعة وفى مقدمتها كتاب طوق الحمامة لابن حزم الفقيه المبدع، وهو يكتظ بتجاربه وتجارب معاصريه فى الحب العذرى مع الشهادة الناطقة بازدهار هذا الحب العفيف الطاهر فى الأندلس. ونلتقى بالمقتبس لابن حيان وهو طراز فى الكتابة التاريخية لا نظير له فى كتابة التاريخ عند العرب، ومثله الذخيرة لابن بسام فى كتابة التراجم الأدبية وعرض ما لأصحابها من روائع شعرية ونثرية. وتلقانا مذكرات لأمير غرناطى هو عبد الله بن بلقّين، كما تلقانا قصة حىّ بن يقظان لابن طفيل، وهى قصة طفل ألقى به بعد مولده فى جزيرة مهجورة، فتبنته ظبية فقدت رضيعها وأرضعته، ونما وأخذ عقله ينمو معه ويرصد كل ما حوله حتى إذا بلغ الثلاثين أخذ يدرك حقائق الأشياء شأن الفلاسفة، وشعر أن للكون خالقا وأخذ يشعر برغبة شديدة للاتصال به، وبعد محاولات شتى استطاع الاتحاد بربه. وبذلك يثبت ابن طفيل أن التأمل العقلى الخالص المفضى إلى الفلسفة مثله مثل الإيمان عن طريق الأنبياء فى أن كلا منهما يؤدى إلى نفس الغاية وهى الاتحاد الصوفى بخالق الكون ومنشئه. وقد ثبت ثبوتا بيّنا أن عناصر القصة عناصر
стр. 4181
عربية إسلامية خالصة، وقد أثرت فى الأدب الإسبانى إذ استوحيت منها قصة موريسكية هى قصة الصنم والملك وابنته وقصة (الكريتيكون) للكاتب الإسبانى اليسوعى جراثيان المنشورة فى منتصف القرن السابع عشر، وأثرت القصة آثارا مختلفة فى الآداب العالمية على نحو ما هو معروف عن قصة روبنسن كروزو لكاتبها الإنجليزى دانييل ديفو.
ويعرض الفصل بعد ذلك فن المقامات فى الأندلس وسلوك بعض أصحابه مسلك الحريرى فى مقاماته القائمة على الكدية والشحاذة والتفاصح بالسجع والتعبيرات الأنيقة، مع عرض المقامات اللزومية للسرقسطى وبيان التزامه فيها ما لا يلزم من تعدد الحرف فى قوافى السجع محاكاة لأبى العلاء فى لزومياته، وتغلغله ببطل مقاماته فى أعماق المحيطات بالإضافة إلى ما تنقل بينه من البلدان العربية. وذكر-فى إجمال-ما أثرّ به فن المقامات فى الأدب الأندلسى إذ نشأت على غراره فى القرن السادس عشر للميلاد وخلال القرن السابع عشر قصص سميت بالقصص البيكارسية، وبطلها «البيكارو» يتجرّع-كبطل المقامات-آلام البؤس والفقر، ويعيش على التسول والشحاذة متوسلا إلى ما يكتسبه عن طريقهما بحيل وخدع شتى يستحوذ بها على إعجاب الناس فيوسعونه حفاوة وعطاء.
وتحدث الفصل عن رحلات الأندلسيين وبواعثها الكثيرة لأداء فريضة الحج والزيارة النبوية، وللإلمام بمراكز الثقافة فى المشرق والأخذ عن الشيوخ: أخذ المؤلفات والإجازات، وللسفارة إلى ممالك النصارى فى الشمال وأصحاب الإمارات المختلفة فى الأندلس ولمرافقه حكام غرناطة وسلاطين المغرب فى رحلاتهم، وللفرجة على ما وراء البلاد العربية فى آسيا وشرقى أوربا واكتشاف المجهول فى تلك الديار النائية من الأمم وظواهر الكون. ومن أطرف تلك الرحلات رحلة أبى حامد الغرناطى إلى بلاد البلغار والصقالبة وروسيا، ورحلة ابن جبير فى البلدان العربية، وتتميز بدقة الوصف وجمال السرد والأسلوب المرسل العذب.
стр. 4182
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١ - [ليبيا]
هذا الجزء من تاريخ الأدب العربى قبل العصر الحديث خاص بليبيا وتونس وصقلّية، وقد بدأته بليبيا، فتحدثت عن جغرافيتها ومناطقها: طرابلس وفزّان وبرقة، وعن زروعها وصناعاتها وتجارتها وموانيها، كما تحدثت عن تاريخها القديم وفتح العرب لها، وسطوع شمس الإسلام بديارها، وعن ولاتها أيام الأمويين والعباسيين وتبعية ولاية طرابلس وقسمها الغربى للدولة الأغلبية، وتبعية برقة وقسمها الشرقى لوالى مصر، وتبعيتهما معا للدولة العبيدية الفاطمية فى المهدية والقاهرة، وتسترجع الدولة الصنهاجية فى القيروان طرابلس، ويؤسس بها لنحو نصف قرن بنو خزرون إمارة لهم، وتكتسح ليبيا الهجرة الأعرابية الكبرى فى منتصف القرن الخامس الهجرى، وتتبع برقة مصر فى أيام الأيوبيين والمماليك، بينما تتبع طرابلس الدولة الحفصية فى تونس، وتتأسس بها دولة بنى عمار فى القرن الثامن الهجرى (٧٢٤ - ٨٠٣ هـ) وتسترجعها الدولة الحفصية، ويستولى عليها فرديناند ملك إسبانيا سنة ٩١٦ هـ/١٥١٠ م ويسلّمها بعده شارل الخامس إلى فرسان مالطة سنة ٩٣٦ هـ/١٥٣٠ م ويطردهم منها الأسطول العثمانى سنة ٩٥٨ هـ/١٥٥١ م، وتصبح ولاية عثمانية ويتولاها دايات مختلفون حتى إذا وليها أحمد القرمانلى سنة ١١٢٣ هـ/١٧٩٥ م جعلها وراثية فى أبنائه. وفى سنة ١٢٥١ هـ/١٨٣٥ م استردّتها الدولة العثمانية من الأسرة وحوّلتها من إيالة إلى ولاية، وبذلك تبدأ ليبيا عصرها الحديث.
وقد سكن ليبيا - من قديم - سلالات من البربر، ويقسمها النسابون إلى برانس، وهم الحضر أهل المدن، وبتروهم الرحّل أهل الهضاب والصحارى، ونزلها قديما الفينيقيون والإغريق والرومان وبعض اليهود والزنوج، ثم نزلها العرب ومن تألفت منهم جيوشهم من أهل إيران والعراق والشام ومصر، وهاجر إليها أندلسيون كثيرون بين القرنين السابع والحادى عشر للهجرة. ونزلتها حاميات تركية فى العهد العثمانى، وألقى إليها القراصنة ببعض أسراهم المسيحيين، وأسلم منهم كثيرون. وكل هذه العناصر انصهرت فى البوتقة الليبية وظل العنصر
стр. 4183
الليبى البربرى-مع ما حدث له من بعض التطور-هو العنصر الغالب على كل العناصر الوافدة على دياره. ومن قديم كانت التجارة رائجة رواجا كبيرا فى برقة وطرابلس، مما جعل الإغريق يحتلّون الأولى ويؤسسون بها مدنا تجارية متعددة، كما جعل الفينيقيين والرومان يحتلون-بدورهم-طرابلس. وكان الساحل الشمالى يموج بمصايد الأسماك فيه، وكان ما وراءه من المدن والسهول والوديان يكتظ بأشجار الزيتون والنخيل والفواكه والزروع والحبوب، واكتظت الواحات بالنخيل وأنواع التمور والفواكه، وامتلأت الهضاب والصحارى بمراعى الأغنام والأنعام. ونلتقى بصناعات يدوية كثيرة وخاصة صناعة النسيج والزجاج وعصر الزيت ودبغ الجلود وقطع الرخام: طيبات كثيرة من الرزق. وكان البربر وثنيين ونزل بديارهم اليهود وكانت لهم بطرابلس حارة خاصة بهم، واستجاب بعض أهل المدن فى عهد الرومان وبيزنطة للمسيحية، وكان بينهم أرثوذكس يتبعون كنيسة القبط فى الإسكندرية وكاثوليك يتبعون كنيسة روما البابوية. وما إن نزل الإسلام ليبيا حتى أسرعت جماهيرها إلى اعتناقه، وآثرت دائما مذهب مالك السنى واعتنق المذهب الإباضى جبل نفوسة وبعض أهل طرابلس. ومعروف أن الدولة العثمانية كانت تعمل على إشاعة مذهب الإمام أبى حنيفة فى الولايات التابعة لها، غير أن مذهب مالك ظل فى ليبيا-مثل جميع بلاد المغرب-هو المذهب العام للجماهير الليبية. وقد نزع كثير من أهل ليبيا إلى الزهد، وشاعت بينهم فى الحقب المتأخرة الطرق الصوفية السنية.
وأخذت الحركة العلمية تنشط فى ليبيا منذ الفتح، إذ لم يكن الفاتحون غزاة يبتغون المغانم، إنما كانوا مجاهدين فى سبيل الله يبتغون نشر دينه فى أرجاء الأرض، ولذلك كانوا بمجرد الفراغ من الفتح يتحولون معلمين يهدون أهل الشعوب المفتوحة للإسلام وتعاليمه مع تحفيظهم لبعض آيات وسور من الذكر الحكيم، وسرعان ما كانوا ينشئون لهم الكتاتيب-كما حدث فى طرابلس-يعلمونهم فيها مبادئ القراءة والكتابة ويحفّظونهم القرآن ويرشدونهم إلى تعاليم الإسلام. وأخذت حلقات العلماء تكثر فى المساجد بالمدن والقرى، وبالتدريج أخذوا يعنون بتفقيه الناس فى الدين وتعريفهم بالعربية وقواعدها السديدة فى النطق والتعبير. ولم يلبث أن رحل إلى المشرق بعض الليبيين فى طلب العلم. واشتهر فى كل مدينة ليبية بعض العلماء، وظهر فى كل علم أئمة كبار، ونمت العلوم اللغوية والإسلامية. ودار الزمن دورات، وازدهرت تلك العلوم فى عهد الدولة الحفصية وساعد على ازدهارها نشوء المدارس والزوايا، وخمدت الحركة العلمية فى العهد العثمانى، أو بعبارة أدق أصابها شئ من الركود.
وإذا أخذنا نراجع العلوم والعلماء على مر الزمن لاحظنا أن ليبيا لم تعرف بنشاط فى علوم الأوائل ولكنها عرفت ذلك فى العلوم اللغوية والدينية، إذ لمع فيها-طوال القرون الإسلامية-علماء مختلفون مثل الأجدابي اللغوى فى القرن الخامس الهجرى ومؤمن بن فرج
стр. 4184
المقرئ فى نفس القرن الخامس والمقرئ على بن عبد الحميد العوسجى فى القرن العاشر وفى التفسير الخروبى فى نفس القرن العاشر. ونبغ فى الحفاظ المحدثين أسرة أحمد بن صالح العجلى فى القرن الثالث وابن زكرون وأحمد بن نصر الداودى فى القرن الرابع وابن عبيد فى القرن السابع، ولمع فى الفقه السنى موسى بن عبد الرحمن القطان فى القرن الثالث وابن المنمر فى القرن الخامس وعمران بن موسى فى القرن السابع والزليطنى فى القرن التاسع، وممن نبغ فى الفقه الإباضى عمروس النفوسى فى القرن الثالث، وأحمد بن بكر النفوسى مؤسس جماعة العزابة فى القرن الخامس وعلى بن يخلف التيمجارى فى القرن السادس والجيطالى والشماخى فى القرن الثامن. وظهر بليبيا بعض المؤرخين.
وقد تعرّبت ليبيا سريعا لكثرة من نزل بها من القبائل العربية ومن الجند الناشرين للإسلام، وأكملت تعربها هجرة الأعراب الكبرى من بنى سليم وبنى هلال فى منتصف القرن الخامس الهجرى، إذ امتزجت عشائر القبيلتين أو بعبارة أدق من استقرّ منها فى ليبيا بأهلها من البربر، وأصبحوا شعبا عربيا كبيرا فى تقاليده وعاداته وملابسه ومطاعمه وأفراحه وأحزانه وأخلاقه وشيمه وفروسيته ومروءته ونجدته، وكان طبيعيا أن تنتصر العربية لغة الدين والثقافة أثناء ذلك على اللغة البربرية انتصارا حاسما، ويشهد الرحالة الكبير العبدرى لأهل برقة بالفصاحة، ويؤكد أنهم كانوا-حتى زمنه-فى آخر القرن السابع الهجرى-لا يزالون يتكلمون بالفصحى بأنصع وأدق مما ينطق بها ويتكلمها أهل الحجاز، ولا تزال لغة برقة-إلى اليوم بشهادة بعض المعاصرين-قريبة قربا شديدا من أمّها الفصحى. ولم تحدث فى ليبيا نهضة أدبية واسعة قبل عصرها الحديث، ومرجع ذلك-فى رأينا-إلى أنه لم ينشأ بها دولة ترعى الأدب والأدباء، ولا نشأ بها ديوان إنشاء يحدث فيها حركة نثرية أدبية، ولا كان فيها رعاة للشعر يجزلون العطاء للشعراء. ويلمع فيها بأخرة من القرن الثالث الهجرى شاعر طرابلسى يسمى خليل بن إسحاق ويلتحق بحاشية العبيديين فى عاصمتهم مدينة المهدية، ويلمع بها فى القرن السابع الهجرى فتح بن نوح الإباضى وابن أبى الدنيا وابن معمر، كما يلمع فى العهد العثمانى البهلول الطرابلسى، وله ديوان فى المديح النبوى، وألمع شاعر بعده أحمد بن عبد الدائم. وتذكر كتب التراجم-من حين إلى آخر-لبعض الكتاب الليبيين رسالة أو مقامة مكتفية بمثل هذه الإشارة دون أن تعرضهما على القارئ، وكان فتح بن نوح الإباضى ناثرا مجيدا، كما كان شاعرا مجيدا.
стр. 4185
٢ - [تونس]
وتركت ليبيا إلى القطر التونسى قلب إفريقية النابض، فتحدثت عن جغرافيته وتاريخه المغرق فى القدم وفتح العرب له واعتناق أهله الدين الحنيف وعن ولاته الأولين وفى مقدمتهم عقبة بن نافع مؤسس مدينة القيروان وحسان بن النعمان مؤسس مدينة تونس وموسى بن نصير فاتح الأندلس. ومن أهم ولاتها فى القرن الثانى. عبد الرحمن بن حبيب حفيد عقبة بن نافع المستولى على جزيرة قوصرة فى البحر المتوسط. ومن ولاتها بعده يزيد بن حاتم المهلبى وقد أحدث بها حركة أدبية نشيطة. ولم يلبث أن تولاها إبراهيم بن الأغلب وجعلها الخليفة هارون الرشيد وراثية فى أبنائه، وافتتحت تلك الدولة صقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م ونشرت بها أضواء الإسلام والعروبة كما نشرتهما فى مالطة بعد فتحها سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م. وتخلفها الدولة العبيدية سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٩ م إلى أن انتقل المعز العبيدى الفاطمى إلى مصر سنة ٣٦١ هـ/٩٧١ م وخلفه فى الإقليم التونسى الدولة الصنهاجية وظلت تستشعر ولاءها للدولة الفاطمية فى القاهرة إلى أن أعلن حاكمها الصنهاجى المعز بن باديس استقلاله عن مصر سنة ٤٣٨ هـ/١٠٤٦ م وقيل بل فى سنة ٣٩ أو أربعين، مما جعل الخليفة الفاطمى المستنصر يسلّط عليه أعراب بنى هلال وسليم، وكانوا قد نزلوا شرقى الصعيد وعاثوا فيه فسادا فنزحوا إلى ليبيا وإفريقية التونسية كجراد منتشر، ونازلوا المعز واضطروه إلى الانحياز إلى مدينة المهدية، واستقل بعض الولاة بمدنهم وأقاليمهم. وبذلك شاع فى إفريقية التونسية نظام أمراء الطوائف مثل بنى جامع الهلاليين فى قابس وبنى خراسان فى تونس. وفى سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م نزل الساحل التونسى ومدينة المهدية روجّار الثانى النورمانى وطرده عبد المؤمن الموحدى بعد اثنتى عشرة سنة، وعاث فى أرجائها قراقوش وابن قراتكين وابنا غانية، وأنقذ البلاد منهم الموحدون والدولة الحفصية، وعاشت لعهد الحفصيين فى رخاء وأمن، وحاصر تونس لويس التاسع وقبر تحت أسوارها، ونهضت البلاد نهضة علمية وأدبية طوال ثلاثة قرون، وأغار عليها شارل الخامس ملك إسبانيا سنة ٩٤٢ هـ/١٥٣٥ م وخلّصها منه بعد نحو أربعين عاما الأسطول العثمانى سنة ٩٨١ هـ/١٥٧٣ م وتبعت الدولة العثمانية، وتوالى عليها البايات، ومن خيرهم مراد باى وأسرته، والباي حسين بن على وأسرته.
ويزخر المجتمع التونسى-بجانب سلالات البربر-بعناصر جنسية كثيرة: فينيقية وقرطاجية وزنجية ويهودية ورومانية وألمانية من الوندال وبيزنطية وعربية وممن امتزج بهم العرب من إيران والشام ومصر وأيضا عناصر أندلسية وتركية ومسيحية ممن جلبهم القراصنة، وامتزجت هذه العناصر وكونت الشعب التونسى وظل للعنصر البربرى فيه الغلبة مع ما حدث
стр. 4186
له من صور تطور مختلفة إذ ظل يفرض هويته وشخصيته على كل ما وفد عليه من عناصر. وهيأ الإقليم التونسى دائما لسكانه رخاء واسعا قديما وحديثا من الزروع وأشجار الزيتون والنخيل من الفواكه والصناعات مثل صناعة الزجاج والبلور والخزف وعصر الزيت والمنسوجات والسجاجيد والوراقة وكل ما يلزم المنشآت العمرانية من فسيفساء وتفنن فى الزخرفة وضروب التجارات من منتوجاتها ومنتوجات ما يرد عليها من إفريقيا السوداء ومن أوربا إذ كانت سوقا عالميا ضخما. وأهّلها ذلك لرفه واسع فى الحياة وفى المطعم والملبس ولاحتفالات عظيمة بالأعياد ولاهتمام بالموسيقى والعزف على آلات الطرب والغناء فى الحضر وعند أهل الوبر. وحظيت المرأة فى المجتمع التونسى بمكانة كريمة جعلتها تستشعر كرامتها وشخصيتها إلى أقصى حد، كما جعلتها تستشعر حمايتها لوطنها حين تدلّهم به الخطوب، مع برهنتها على حصافتها وكياستها السياسية. وكان البربر-قديما-وثنيين ونزل بينهم يهود فى القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الأول بعده، وحاولوا نشر ديانتهم فيهم ولم يتبعهم إلا القليل. واستولى على ديارهم الرومان وحاولوا-كما حاولت كنيسة الإسكندرية-نشر المسيحية بينهم، وبنيت بعض كنائس وأسقفيات، واعتنقها بعض البربر فى المدن الشمالية، وظلت عناصر مسيحية-فيما بعد- تنزل البلاد وخاصة من الصقالبة وممن كان يجلبهم القراصنة من البحر المتوسط. والإسلام هو الدين الوحيد الذى عم إفريقية التونسية بعد الفتح العربى بحيث أصبح دين الأمة التونسية -بل الأمة البربرية جميعا-لبساطته وتحريره الشعوب من الظلم والاستعباد ومحوه الفوارق الطبقية والاجتماعية بين أفراد الشعوب. وكانت إفريقية التونسية دائما سنية، واختارت مذهب مالك الفقهى وعاش بجانبه المذهب الحنفى حتى نهاية القرن الثالث، وعم مذهب مالك بعد ذلك حتى إذا كان العهد العثمانى عاد المذهب الحنفى معه إلى الظهور، ولم تنجح فى إفريقية التونسية دعوة الإباضية ولا دعوة العبيديين الشيعية، وكثر فيها الزهد والزهاد، كما كثرت الرباطات لحراسة البلاد على السواحل وظل النسّاك لا يبرحونها، وكثرت بأخرة الطرق الصوفية.
ومنذ القرن الأول الهجرى ينشر الفاتحون فى القطر التونسى تعاليم الإسلام وشريعته السمحة فى معاملة الأمم المفتوحة، بحيث يصبح من أسلم منهم على قدم المساواة مع العربى الفاتح، ويقبل البربر على اعتناق الإسلام، وينشأ جيل من مواليد إفريقية التونسية من البربر والعرب ينقضّ انقضاضا على حلقات العلماء فى المساجد ويأخذ كل ما لديهم، ويطلب نفر منه المزيد، فيرحل إلى المشرق للقاء الإمامين الكبيرين أبى حنيفة ومالك، ويحمل مذهبيهما إلى العاصمة: القيروان وإلى تونس. وتنمو فى القيروان حركة أدبية ولغوية. وساعد فى ازدهار الحركة العلمية بإفريقيا التونسية-على مر العصور-جامع أو جامعة عقبة فى القيروان وجامع أو جامعة الزيتونة فى تونس وما أنشئ-أيام الحفصيين-من مدارس ومكتبات. ولم يبق علم
стр. 4187
إلا عنيت به إفريقية التونسية، ونبدأ بعلوم الأوائل فقد أسس لها إبراهيم بن أحمد الأغلبى فى عاصمته رقادة بجوار القيروان مدرسة كبرى باسم بيت الحكمة نبغ فيها أطباء عظام كان لهم ولتلاميذهم تأثير عظيم فى الغرب، وينبغ فى العهد الصنهاجى فلكى كبير كان له أثره فى علم الفلك الغربى، وتؤسس تلك الدولة مدرسة فى الكيمياء، ونلتقى فى عهد الدولة الحفصية بكيميائى كبير هو التيفاشى كما نلتقى بأطباء ورياضيين مختلفين وأيضا ببعض الجغرافيين، ويتكاثر اللغويون والنحويون فى العهد الصنهاجى ويلمع من بينهم عالمان لغويان كبيران هما القزاز وله معجم ومؤلفات لغوية كثيرة وعبد الدائم بن مرزوق حامل شعر أبى العلاء المعرى إلى القيروان والأندلس كما يلمع الحصرى بمختاراته الشعرية والنثرية فى كتابه زهر الآداب، ويضع ابن عصفور فى العهد الحفصى أسسا قويمة لمدرسة نحوية تونسية ويقود ابن رشيق بكتابه:
«العمدة فى صناعة الشعر ونقده» حركة نقدية وبلاغية واسعة لا في إفريقيا التونسية وحدها بل فى جميع المغرب. وكان علم القراءة للذكر الحكيم نشيطا إلى أقصى حد، ونقل ابن خيرون قراءة ورش المصرى عن نافع قارئ المدينة، وهى القراءة المنتشرة فى جميع بلدان المغرب إلى اليوم، ولم يلبث أن ظهر فى القراءات إمام كبير هو مكى بن أبى طالب، ومن أعلام القراء فى العهد الحفصى اللبيدى وابن بدال وفى العهد العثمانى باطاق. ومن أوائل المفسرين للذكر الحكيم عكرمة مولى ابن عباس ويحيى بن سلام، ومن كبار المفسرين فى العهد الصنهاجى على بن فضال وفى العهد الحفصى ابن بزيزة وفى العهد العثمانى محمد زيتونة. ويتكاثر المحدثون منذ القرن الثانى الهجرى، ومن أهمهم البهلول بن راشد، ومن كبار المحدثين القابسى فى القرن الرابع والمازرى فى القرن السادس ومحمد بن عمر الأبىّ فى القرن التاسع ومحمد بن برناز فى العهد العثمانى. ويتعايش فى الفقه المذهبان الحنفى والمالكى فى القرنين الثانى والثالث، ومن فقهاء المذهب الحنفى عبد الله بن فروخ ومن فقهاء المذهب المالكى على بن زياد حامل كتاب الموطأ عن مالك وسحنون المشهور صاحب المدوّنة التى حملها عن عبد الرحمن بن القاسم فى الفسطاط تلميذ مالك. ومن حملة المذهب الكبار فى القرن الرابع ابن أبى زيد. وكتب له أن يسود ويعم جميع بلدان المغرب منذ حمل المعز بن باديس الصنهاجى الفقهاء والناس عليه. ومن أهم فقهائه المازرى المذكور بين المحدثين وابن بزيزة المذكور بين المفسرين وتلميذه محمد بن عبد السلام أستاذ ابن خلدون وابن عرفة. ويجعل العثمانيون الفتوى بيد الفقهاء الأحناف ولهم الكلمة العليا فى القضاء واشتهر بينهم غير فقيه كما اشتهر غير قليل من فقهاء المالكية مثل محمد الحجّيج وله حاشيتان على مختصر خليل فى الفقه المالكى.
وكل ما كان يدور فى المشرق من جدل فى المذاهب الكلامية كان يدور مثله فى القيروان، وقد تجادلوا طويلا فى مذاهب الخوارج ومبادئ الإرجاء وما تجادل فيه المعتزلة مع غيرهم فى مسائل
стр. 4188
القدر وهل القرآن قديم أو حادث مخلوق، والتشبيه على الذات العلية. واشتد الجدال بين الفرق فى جامع عقبة واشتدت ضوضاؤهم مما اضطر سحنون حين ولى القضاء إلى تفريق حلقاتهم فيه وإبطالها، ومن كبار المتكلمين سعيد بن محمد المشهور بابن الحداد وله منازلات ضارية مع دعاة العبيديين الشيعة ودائما هو الغالب المنتصر. وشاع من قديم المذهب الكلامى الأشعرى، وكانت له الغلبة فى العصور التالية.
وازدهرت الكتابات التاريخية مبكرة فى القيروان عن مغازى إفريقيا وأخبارها وحروبها وعن الدولة الأغليية، وعنى بعض المؤرخين بتاريخ الدولة العبيدية وسيرة مؤسسها عبيد الله المهدى، وتكاثرت الكتابة عن علماء إفريقية التونسية كما يلقانا عند أبى العرب والخشنى، وللرقيق القيروانى كتاب فى تاريخ إفريقية والمغرب، ولابن رشيق كتاب نفيس فى تراجم الشعراء باسم أنموذج الزمان، وللمالكى رياض النفوس فى علماء إفريقية وزهادها، وللدباغ كتاب معالم الإيمان فى معرفة أهل القيروان وعليه تعليقات لابن ناجى، وللتجانى رحلة مشهورة تكتظ بالعلماء والأدباء فى البلاد التونسية، وليحيى بن خلدون كتاب فى تاريخ بنى عبد الواد بتلمسان، وتتوّج الكتابات التاريخية بتاريخ ابن خلدون ومقدمته النفيسة وما فيه من أخبار البربر. ويكتب ابن الهنتاتى عن تاريخ الدولة الحفصية وابن أبى دينار عن تاريخ إفريقية وتونس فى كتابه المؤنس ومحمد السراج عن الأخبار التونسية فى كتابه الحلل التونسية، ويترجم حسين خوجة-فى كتابه: ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان-لفقهاء البلدان الكبيرة فى حقبة من حقب العهد العثمانى.
وقد عايشت اللغة البربرية لغتين متحضرتين: الفينيقية واللاتينية قرونا طويلة ولم تتحول إلى لغة متحضرة لها أبجديتها الخاصة وكتبها التاريخية، وظل من يتحضر منهم أيام الفينيقيين يكتب بلغتهم، وبالمثل فى أيام الرومان. وكان كثيرون من البربر قبل الفتح العربى يحسن اللاتينية نطقا وكتابة، وظلت بعد الفتح بقايا من ذلك. ولكن سرعان ما أخذت البربرية لغة الشعب بعد الفتح واللاتينية لغة بعض الخاصة تزايلان الألسنة وتحل فيها محلهما العربية، وتظل البربرية حيّة فى جزيرة جربة وفى البوادى والجبال، حتى إذا كانت الهجرة الأعرابية الكبرى فى منتصف القرن الخامس الهجرى امتزج البربر والأعراب وكوّنوا شعبا عربيا مكتمل العروبة فى اللغة والدين والملبس والمطعم والأخلاق والعادات والأحزان والأفراح، وكان هؤلاء الأعراب من بنى هلال وسليم ينطقون عربية فصيحة، وظلوا ينطقون بها حتى القرن السابع الهجرى، وكانت تشيع بجانبها عامية فى ألسنة أهل المدن، وأخذ لسان هؤلاء الأعراب يتأثر بها مع طول السنين، ويقول ابن خلدون إنهم هجروا الإعراب لعصره فى القرن الثامن الهجرى ومع ذلك ظلت الفصحى لغة العلوم ولغة الأدب الرفيعة، وبث فيها المهاجرون الأندلسيون فى القرنين السابع والحادى عشر روحا وانتعاشا.
стр. 4189
ويكثر الشعراء فى القطر التونسى منذ منتصف القرن الثانى الهجرى بفضل ما أحدثه فيها واليها يزيد بن حاتم المهلبى من حركة أدبية واسعة بما صحبه إليها-ووفد عليه-من الشعراء، وكان إبراهيم بن الأغلب شاعرا، وبالمثل كثير من أهل بيته، فراج فى القيروان سوق الشعر وازداد رواجه فى عهد الخلفاء العبيديين وكانوا جميعا شعراء وأجزلوا لمادحيهم فى العطاء، وينهض الشعر نهضة عظيمة فى عهد المعز بن باديس الصنهاجى، وكان ينثر العطايا على مادحيه نثرا ويقال إنهم بلغوا مائة عدّا، وألف ابن رشيق كتابه أنموذج الزمان لعهده وترجم فيه لمائة من أفذاذ الشعراء ونابهيهم وجميعهم من معاصريه. وكان ابنه تميم جوادا ممدّحا وكان شاعرا وقصده الشعراء من جميع الآفاق: كما قصدوا ابنه يحيى وحفيده عليا وابنه الحسن، ولابن حمديس الصقلى وأمية بن أبى الصلت الأندلسى فى الثلاثة مدائح طنّانة سوى من كان يحفّ بهم من شعراء القيروان. ويتنافس حكام المدن بعهد أمراء الطوائف فى جمع الشعراء حولهم على نحو ما يصور ذلك العماد الأصبهانى فى كتابه الخريدة، وممن ذكرهم من شعراء أبى الحملات مدافع أمير مدينة قابس سلام بن فرحان القابسى وهو من الشعراء المجيدين وذكر من شعراء جبارة بن كامل أمير مدينة سوسه التراب السوسى وهو من الشعراء المبدعين، ومن الشعراء الأفذاذ لهذا العهد على الحصرى المهاجر إلى الأندلس وأبو الفضل بن النحوى وعبد الله الشقراطسى. ويزدهر الشعر فى العهد الحفصى. ويفد على مدينة تونس كثير من شعراء الأندلس ويستقرون فيها ويبعثون فيها حركة شعرية خصبة مثل ابن الأبار وابن عميرة وحازم القرطاجنى وابن القصير. وأخذ الشعراء يتكاثرون فى تونس مثل عنان بن جابر وابن عريبة ومحمد بن أبى الحسين وابن الشباط وابن السّماط وابن حسينة والشهاب بن الخلوف. ويزاحم منذ القرن الثامن الشعر الشعبى الشعر الفصيح. ويضعف الشعر فى أواخر العهد الحفصى وأوائل العهد العثمانى، وتبعث فيه هجرة الأندلسيين إلى الإقليم التونسى فى القرن الحادى عشر الهجرى غير قليل من النشاط ويسترد حيويته ونضرته فى عهد الأسرة الحسينية على لسان أمثال على الغراب ومحمد الورغى ومحمد ماضور وتكثر فيه المعارضات الشعرية. ويتكاثر أعلام الشعراء فى جميع أغراض الشعر وفنونه منذ الحقب التاريخية الأولى. ومن أعلام المديح على بن محمد الإيادي والكاتب الرقيق وابن رشيق والتراب السوسى وابن عريبة وعبد الله التجانى وعلى الغراب والورغى، ومن أعلام الفخر والهجاء تميم بن المعز الصنهاجى ومحمد الرشيد الحسينى، ويتكاثر شعراء الغزل من أمثال على الحصرى وأحمد الليانى ومحمد ماضور ومن شعراء الغربة والشكوى والعتاب ابن عبدون ومحمد بن أبى الحسين، ويكثر شعراء الطبيعة من مثل عبد الواحد بن فتوح وابن أبى حديدة وأبى على بن إبراهيم، وبالمثل شعراء الرثاء للأفراد والمدن والدول مثل ابن شرف القيروانى ومحمد بن عبد السلام، ومن شعراء الوعظ أحمد الصواف وشعراء التصوف محرز بن خلف وأبو الفضل بن النحوى ومن شعراء المديح النبوى
стр. 4190
الشّقراطسى وابن السماط المهدوى. ومع كل غرض من هذه الأغراض ما يوضح نشاط الشعراء فيه من الترجمة لنابهيهم وعرض روائع أشعارهم.
ونهض النثر مبكرا فى القيروان وتونس على لسان الولاة والقواد وتأسست الدواوين منذ القرن الأول الهجرى، ونهض أبو اليسر الشيبانى بالكتابة الديوانية لعهد الأغالبة نهضة عظيمة وكوّن فيها مدرسة، وأصبح لها فيها تقاليد متبعة، صوّرها القلقشندى فى صبح الأعشى، واحتفظ برسالة ديوانية فى العهد الحفصى بليغة بلاغة رائعة. وكثرت الرسائل الشخصية منذ القرن الثالث الهجرى بين استعطاف وعتاب ومديح وهجاء واستمناح وعزاء، وهى مسجوعة، ودخلها فى الحقب المتأخرة غير قليل من التكلف. ونلتقى ببعض مقامات، وهى لا تقوم على أديب متسول وحيله الكثيرة فى جذب السامعين وإثارة عطفهم، وإنما تقوم على موضوعات أدبية يراد بها إظهار التفنن فى الكتابة الأدبية. وترجمت لثلاثة من أهم الكتّاب، هم أبو اليسر الشيبانى رئيس ديوان الإنشاء فى عهد الأغالبة، وإبراهيم الحصرى صاحب زهر الآداب، وابن خلدون درة تونس الفريدة
٣ - [صقلية]
وانتقلت إلى جزيرة صقلّية، فتحدثت عن جغرافيتها وتاريخها القديم وفتح إفريقية التونسية لها فى عهد زيادة الله الأغلبى سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م ونشر الدين الحنيف فيها ولغتها العربية وغزو الدولة الأغلبية فيها قلوريّة جنوبى إبطاليا واستمرار استيلائها عليها إلى نهاية أيام الدولة الأغلبية وفتحها لجزيرة مالطة سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م ونشرها للدين الحنيف فيها واللغة العربية، ولا تزال إلى اليوم تتكلم لكنة عربية تونسية ودخلت عليها تحريفات كثيرة بحكم طول الزمن وما وقع على لغة مالطة من تأثيرات. وولى للدولة العبيدية على صقلية ولاة حكموها حكما جائرا، إلى أن وليها الحسن بن أبى الحسين الكلبى سنة ٣٣٦ هـ/٩٤٧ م وظلت وراثية فى أبنائه، وحكموها فى القرن الرابع حكما سليما، واضطرب حكمهم، وساء سوءا شديدا فى القرن الخامس، فثارت صقلية عليهم، واستحالت إلى أمراء طوائف وبلدان، وتحارب ابن الثمنة أمير بلرم مع أمير قصريانة، وهزم فاستغاث بالنورمان حكام قلوريّة، فأغاثه ملكهم روجار الأول، وسرعان ما تحولت الاستعانة به إلى الاستيلاء على مدينة بلرم سنة ٤٦٤ هـ/١٠٧٢ م وما توافى سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م حتى يكون قد استولى على جميع مدن صقلية. ويدور العام فيستولى على جزيرة مالطة سنة ٤٨٥ هـ/١٠٩٢ م. ورأى روجار أن شعب صقلية العربى أكثر حضارة ومدنية من شعبه مع تفوقه عليه فى شئون الزراعة والصناعة اليدوية، فأخذ يصانعه للإفادة منه وأخذ ما عنده مع التنكيل الغاشم به، وخفّف ابنه روجار الثانى وحفيده غليوم الأول
стр. 4191
من هذا التنكيل البشع، غير أنه من الخطأ ما يقال من أنهما عاملا المسلمين فى صقلية معاملة عادلة سمحة فإن ذلك إن صدق على تعاملهما مع حاشيتهما المسلمة فى بلرم فإنه لا يصدق على معاملتهما العامة للمسلمين فى البلدان الأخرى على نحو ما يصور ذلك ابن جبير فى رحلته حين زار صقلية أيام غليوم الأول. واستحالت المعاملة السيئة إلى عسف لا يطاق حين استولى على الجزيرة أباطرة الألمان منذ سنة ٥٩١ هـ/١١٩٤ م واستغاث أهلها بالمستنصر الحفصى، فاتفق سنة ٦٤٧ هـ/١٢٤٩ م مع فردريك الثانى على إجلائهم إلى إفريقية التونسية، فجلوا عنها جميعا، وأجلى فردريك من كان بمالطة من المسلمين أو بعبارة أدق أجبرهم على الجلاء عنها إلى مدينة أمالفى (Amalfi) جنوبى إيطاليا.
وقد عامل المسلمون-طوال حكمهم لصقلية-أهلها المسيحيين معاملة سمحة كريمة أقصى ما تكون السماحة والكرم، فحافظوا لهم على كنائسهم وقوانينهم الدينية والمدنية. وكان بصقلية ثلاث ولايات كبيرة، ولكل ولاية مساعدون للوالى يسمون قوادا، كما كان لها قضاة عدول ومجموعة من الدواوين، من أهمها ديوان المحاسبة، وكانت صقلية تزخر بطيبات كثيرة من الرزق، فكان أهلها يعيشون فى رخاء واسع بفضل زروعها وصناعاتها الكثيرة، وانتقلت إليها صناعة الورق من القيروان ونقلتها عنها أوربا، مما أتاح لغوتنبرج اختراع الطباعة. ونلتقى فى صقلية بنفر من الزهاد أمثال القاضيين ميمون وابن أبى محرز وببعض من لهم ميول صوفية مثل أبى القاسم عبد الرحمن بن محمد البكرى.
وقد فتح النورمان صقلية العربية الإسلامية حربيا وفتحتهم حضاريا، إذ رأوا-هم وملوكهم-سمو العرب المسلمين الحضارى، فحاولوا-بكل ما وسعهم-الإفادة من حضارتهم، ونكّل روجار الأول بالمسلمين تنكيلا شديدا، واضطرته هذه الحضارة أن يدفع ابنه روجار الثانى إلى تعلم العربية والإكباب على ثقافتها وعلومها، وأخذ الرومان يفيدون من نظم المسلمين وتراتيبهم الإدارية فى الجزيرة، واتخذوا لأنفسهم دواوين على شاكلة الدواوين العربية، واندفع غليوم الأول مثل أبيه إلى إتقان العربية ومعرفة علومها ودفع النورمان معه إلى اقتباس العلوم والفنون وعناصر الحضارة الإسلامية فتحضروا بعد أن كانوا متبدين، وانغمسوا فى تلك الحضارة، ومع ذلك ظلوا يقسون على المسلمين ويحاولون بكل ما استطاعوا فتنتهم فى دينهم الحنيف وازداد الظلم والعسف فى عهد أباطرة الألمان، مما اضطر من بقى بصقلية من المسلمين إلى الجلاء عنها نهائيا.
ونقل العرب إلى صقلية الإسلامية ما كان بالقيروان من حركة علمية، فإذا الشباب فيها يكبّ على ما لدى علمائها من علوم دينية ولغوية، ويرحل منهم نفر إلى القيروان والمشرق للتزود من علمائهما، ويرحل إليهم كثير من علماء القيروان لتزويدهم بالعلوم والآداب ونشير
стр. 4192
خاصة إلى رحلة ابن رشيق القيروانى بكتابه العمدة فى صناعة الشعر ونقده إلى صقلية، مما كان له أثر بعيد فى نهضتها الأدبية لعهد الكلبيين وبعدهم، وهاجر إليها كثير من شباب الأندلس وعلمائه للتعلم والتعليم، وبالمثل من علماء المشرق وأدبائه وكتب المشرق ودواوينه. ويقول ابن حوقل إنه كان فى مدينة بلرم وحدها أكثر من مائتى مسجد وثلاثمائة معلم، مما يدل على أنه كان بها نشاط علمى واسع، ومثلها بقية المدن. وكان نحو نصف سكانها المسيحيين فئتين: فئة تتكلم الإغريقية، وفئة تتكلم اللاتينية، وربما كان فى الفئتين من يتقن اللغتين جميعا، وكان فيهما من يتقن العربية، كما كان بين العرب من يتقن اللاتينية أو الإغريقية، وأهّل ذلك للاشتغال بترجمة بعض علوم الأوائل، ويدل على ذلك-من بعض الوجوه-أن الأمير إبراهيم الأغلبى مؤسس بيت الحكمة فى عاصمته رقّادة بجوار القيروان طلب إلى بعض الرهبان الصقليين المتكلمين بالعربية ترجمة بعض المصنفات اللاتينية فى العلوم الرياضية، كما يدل عليه طبيب صقلى يسمى أبا عبد الله كان يتقن الإغريقية ومعرفة أسماء العقاقير والأدوية رحل إلى الأندلس فى زمن عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) فضمه إلى من يشتغلون بالترجمة عن الإغريقية إلى العربية كتاب ديوسقيريدس فى الأدوية أو الصيدلة والنباتات، ومما يدل على شهرة صقلية حينئذ بالفلسفة وعلوم الأوائل أن نجد بعض متفلسفة الأندلس يهاجرون إليها. وكان بها علماء رياضيون متعددون ومهندسون كبار بشهادة عماراتها السامقة ومن تتردد أسماؤهم منهم فى الكتب. ورحل إليها غير لغوى من الأندلس ومن أشهر أبنائها ابن البرّ وقد أسس بها مدرسة لغوية خصبة، ومن أهم تلاميذه ابن مكى صاحب كتاب تثقيف اللسان فى أغلاط العلماء وغيرهم، وهاجرت إلى صقلية دواوين كثيرة على يده ويد غيره كما هاجرت إليها كتب لغوية وبلاغية ونقدية كثيرة. ونلتقى بغير مقرئ للذكر الحكيم مثل محمد بن خراسان الصقلى وبغير مفسر مثل ابن ظفر وغير حافظ محدّث مثل عتيق السمنطارى. ويتكاثر بها الفقهاء من قضاة وغير قضاة، ومن أهم فقهائها البراذعي ومحمد بن يونس التميمى وعبد الحق بن محمد القرشى.
وإذا تحولنا مع الثقافة إلى العهد النورمانى وجدنا علوم الأوائل تظل ناشطة فى صقلية ويعنى روجار الأول بترجمة الثقافة العربية ويتكفل بترجمة عيونها إلى اللاتينية القيروانية فى الطب والفلك وغيرهما قسطنطين الإفريقى، واشتهرت صقلية فى هذا العهد بفلكيين ورياضيين ومهندسين كبار من تلامذة الأساتذة فى العهد الإسلامى، وألّف الإدريسى الجغرافى المغربى لروجار الثانى كتابين جغرافيين للعالم كبير وصغير وبهما خرائط جغرافية مهمة، ووضع له خريطة كبرى للعالم على كرة ضخمة من الفضة، وكان حريا بالإدريسى أن يقدم هذه الأعمال الجغرافية الباهرة إلى حاكم عربى لا إلى حاكم نورمانى. وتظل العلوم اللغوية ناشطة فى العهد النورمانى وتسجل كتب التراجم أسماء غير عالم منهم سوى من بارحوا صقلية فرارا من الظلم
стр. 4193
النورمانى مثل ابن القطاع الصقلى وعثمان بن على الصقلى نزيلى مصر وقد رحبت هى وأدباؤها وعلماؤها بهم أيما ترحيب. ويهاجر منها فى العهد النورمانى إمام كبير من أئمة القراءات هو ابن الفحام إلى الإسكندرية ومفسر صقلى مهم هو ابن ظفر وفقيه كبير بل إمام من أئمة الفقهاء والحفاظ هو المازرى.
ويزدهر الشعر بصقلية منذ عهد الأسرة الكلبية فى القرن الرابع الهجرى، ولو أن كتاب الدرة الخطيرة لابن القطاع الذى ترجم فيه لمائة وسبعين شاعرا فى عهد الكلبيين وصلنا لرأينا بوضوح مدى ازدهار الشعر فى أيامهم، وكأنه كان ينافس بهم شعراء الأنموذج لابن رشيق الذى ترجم فيه لمائة شاعر. وقد وصلتنا منه اختيارات مبتورة لأبى إسحاق بن أغلب تشتمل على ثلاثة وأربعين شاعرا واختيارات أخرى لابن منجب الصيرفى المصرى تشتمل على تسعة عشر شاعرا وهى منشورة، وأهم من هاتين المجموعتين ما ضمنه العماد الأصبهانى فى كتابه الخريدة من اختيارات له من الدرة بلغت سبعة وأربعين شاعرا، وأضاف إلى مجموعته شاعرا من كتاب أمية ابن أبى الصلت من شعراء العهد الكلبى ثم ضم إليها اثنى عشر شاعرا فى العهد النورمانى اختارهم من كتاب لابن بشرون المهدوى يسمى المختار من النظم والنثر لأفاضل أهل العصر، وعرضت فى إجمال نشاط الشعراء فى عهد الأسرة الكلبية وأهم أمرائهم الذين التف حولهم شعراء صقلية والقيروان والجزائر. ثم تحدثت عن موضوعات الشعر الصقلى بادئا بالمديح وما نثره شعراء صقلية على الأمراء الكلبيين وعلى المعز بن باديس أمير القيروان وأمراء الطوائف من مدائح بديعة وما كان من تمجيد خلفاء هؤلاء الشعراء لملوك النورمان مكرهين إذ كانوا أسرى فى أيديهم فأشادوا بقصور روجّار الثانى: القبة والمنصورية والفوّارة، وكل ذلك-فى رأيى-على أمل أن يفكوا عنهم أغلال الأسر وقيوده، وترجمت لشاعر مهم من شعراء المديح فى عهد الكلبيين هو ابن الخياط. وعرضت طائفة من غزليات بديعة لشعراء صقلية فى عهد الكلبيين والعهد النورمانى، وترجمت لشاعر بارع فى نظم الغزل هو أبو الحسن البلّنوبى.
وتحدثت عن شعر الفخر فى عهد الكلبيين مع الترجمة لأبى الحسن الطوبى، وألممت بشعر الوصف وتصوير الشعراء الصقليين للطبيعة الفاتنة وللمغنين والراقصين وترجمت لأبى عبد الله بن الطوبى مع عرض تصاويره البديعة، وعرضت روائع الشعراء فى الرثاء مع الترجمة لمحمد بن عيسى ومراثيه وما أودع فيها من لظى نار متقدة، وألممت بما لشعراء صقلية من زهد فى متاع الحياة ومناجاة لربهم مع الأمل فى عفوه ومغفرته، يوم يؤخذ العاصون بالنواصى ويسأل كل شخص عما قدمته يداه، مع الترجمة لابن مكى ودعوته إلى العمل الصالح قبل الموت والعزلة عن الناس، بل حتى عن الزواج وتكوين الأسرة وما يصاحبه من عواصف. وآخر الموضوعات التى عرضتها التفجع والحنين واللوعة التى لا تنطفئ جذوتها أبدا فى نفوس المهاجرين من صقلية الذين لم يهاجروا منها طوعا، وإنما هاجروا قسرا وفرارا من جحيم ظلم
стр. 4194
لا يطاق. وقد ترجمت لابن حمديس الذى عاش مغتربا عن وطنه، يتفجع عليه ويتوجع له ويئن ويحنّ حنينا ظامئا دائما إلى رؤية عشه وسكنه وكل يوم يأتيه ما يزيده يأسا من لقائه وحرمانا من رؤيته، وحاولت أن أرسم حياته منذ خرج من فردوسه فى الرابعة والعشرين من عمره سنة ٤٧١ هـ/١٠٧٨ م إلى نهاية حياته غريبا فى بجاية، وهو فى أثناء ذلك يحاول أن يرسل إلى قومه فى صقلية شعلا من شعره تحمّسهم وتدفعهم دفعا إلى جهاد العدو الباغى. وتسقط فى أيدى النورمان سرقوسة مسقط رأسه وقصريانة بعد نضال مستميت امتد سنوات، ويودعهما بقصيد جنائزية تسيل حزنا وألما ويأسا مريرا، وظل يبكى صقلية طويلا ويبكى معها راعيه المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية حين نفاه يوسف بن تاشفين إلى أغمات فى مراكش، وتعاوده مرارا ذكرياته فى صقلية ويذرف الدمع عليها حارا، ويلمع له شئ من الأمل حين ينتصر الحسن بن على بن تميم أمير المهدية على النورمان سنة ٥١٧ هـ/١١٢٣ م فيصوب إليهم قذيفة ملتهبة من مدحة له.
وديوانه ضخم وليس فيه هجاء فقد كان أكرم على نفسه من أن يؤذى أحدا إلى وفاته سنة ٥٢٧ هـ/١١٣٣ م ويكتظ الديوان بكثير من المعانى والأخيلة المبتكرة. وهو يعد فى الذروة الرفيعة من شعراء العرب قاطبة.
وتحدثت عن النثر فى صقلية وكتّابه البارعين، واحتفظ ابن بشرون المهدوى فيما عقد من ترجمات لبعض شعراء صقلية برسائل لهم بديعة، وترجم ابن بسام فى الذخيرة لكاتب بارع من كتابها قبل العصر النورمانى، هو ابن الصباغ، وأفردت له ترجمة، وبالمثل لابن ظفر وعرضت له كتابين بارعين هما: أبناء نجباء الأبناء، وسلوان المطاع فى عدوان الأتباع. وألحقت بالحديث عن صقلية كلمة عن رحلة ابن قلاقس الإسكندرى إليها وأشعاره فيها ومدائحه لأعيانها ولغليوم الثانى وبعض قواده من النورمان، وربما اضطر إلى ذلك اضطرارا، وله فى راعيه هناك أبى القاسم بن الحجر كتاب سماه: «الزهر الباسم» ضمنه مدائحه فيه. والله اسأل أن يلهمنى السداد والإخلاص فى القول والفكر والعمل وهو حسبى ونعم الوكيل.
شوقى ضيف
القاهرة فى ١٥ من أبريل سنة ١٩٩٢ م
стр. 4195
القسم الأول
ليبيا
стр. 4196
الفصل الأوّل
الجغرافية والتاريخ
١ - الجغرافية (١)
ليبيا أول أقاليم المغرب الممتد على البحر المتوسط غربا من مصر إلى المحيط الأطلسى، وتنقسم من قديم إلى ثلاث مناطق: منطقة مجاورة لمصر هى برقة، ومنطقة مجاورة لتونس هى طرابلس، ومنطقة جنوبى طرابلس وصحرائها المتسعة خلف جبالها هى فزان أو منخفض فزان.
وعلى طول البحر المتوسط سهل ساحلى يتراوح بين نحو ميل وعشرة أميال أو يزيد قليلا.
ووراء طرابلس سلسلة جبال تسمى نفوسة غربا ويفرن فى الوسط وغريان شرقا إلى أن تنقطع عند ترهونة فى أواسط منطقة طرابلس. وتعود الجبال إلى الظهور فى ساحل برقة من قرب بنغازى إلى درنة شرقا وتسمى الجبل الأخضر. وتترامى وراء جبال طرابلس هضبة صحراوية متسعة بها جبال السودا، ومنذ واحة غدامس فى الغرب تصبح منطقتها ملاصقة للجزائر حتى أقصى الجنوب، ونلتقى عنده بجمهورية النيجر. والهضبة تمتد إلى ما وراء الساحل والجبال فى برقة وهى هناك رملية وترتكز على قواعد صخرية، وفى كثير من جهاتها تصبح أمواجا متلاطمة من الرمال، وتمتد إلى شرقى مصر، وتترامى جنوبا حتى تتصل بالسودان فى الجنوب الشرقى، وتلاصق تشاد فى أقصى الجنوب. ومنطقة فزان فى أقصى الجنوب إلى الغرب منخفض شديد الاتساع، وأعدّه ذلك من قديم لتكثر فيه الواحات والوديان. وتتميز ليبيا بكثرة الواحات، وتلقانا بكثرة فى ساحل طرابلس من زواوة فى الغرب إلى مصراته فى الشرق، ونلتقى بها فى
стр. 4197
ساحل برقة عند بنغازى ودرنة، وتكثر فى الداخل، وتلقانا على حدود مصر واحة جغبوب وغربيها واحة أوجلة وواحة جالو وإلى الجنوب واحة كفرة. والواحات كثيرة أيضا فى الصحراء المترامية بمنطقة طرابلس مثل واحة غدامس غربا وبونجيم شرقا ومزدة إلى الشمال وغات فى أقصى الجنوب، وشماليها شرقى فزان واحة القطرون.
وإذا جاوزنا ساحل ليبيا والجبال وراءه وجدنا المادة الغذائية للأشجار والنباتات قليلة فيما عدا الواحات التى تخلع فيها الصحارى الليبية ثيابها الرملية الصفراء وترتدى حللا خضراء من حين إلى حين. ومن المؤكد أن فى الشمال وفى مناطق قريبة منه مساحات كثيرة قابلة للزراعة.
غير أن المياه بصفة عامة قليلة، مما يسبب قلة الزروع، وأكثر جهات ليبيا أمطارا ساحل منطقة طرابلس والجبال وراءها وساحل برقة من بنغازى إلى درنة وما وراءهما من الجبل الأخضر. وتقل الأمطار فى خليج سرت وفى المناطق الصحراوية. ويمكن تلافى قلة الزراعة فى ليبيا بتوفير مياه كثيرة لها عن طريق ثلاث وسائل: أولاها حفر آبار ارتوازية، ومعروف أنه يمكن أن تتعمق فى الأرض إلى أكثر من مائة متر بينما الآبار العادية قلما تتعمق إلى أكثر من ثلاثة أمتار أو أربعة، وثانيتها تركيب مراوح هوائية على الآبار تديرها الرياح السريعة التى تهبّ هناك، وثالثة تلك الوسائل إصلاح السدود والصهاريج والقنوات المطمورة التى كانت مبنيّة زمن الرومان أو محفورة للحفاظ على السيول المنحدرة من الجبال وعلى أمطار الشتاء المنهمرة حول المدن فى الشمال وفى الداخل. ومن المؤكد أن الزراعة كانت مزدهرة بليبيا أيام الرومان، إذ كانوا يعدّونها مخزنا لغلاتهم وحاجتهم من زيت الزيتون. ومن أهم أشجارها-بجانب أشجار الزيتون- أشجار النخيل، وخاصة فى الواحات ويقال إن فى واحة غات خمسين نوعا من البلح الليبى، ومن أشجارها اللوز، وتكثر فى الشمال كل أنواع الخضروات والفواكه والكروم، وتكثر فى طرابلس الثمار الحمضية مثل البرتقال والليمون واليوسفى. وعلى الجبال والهضاب والأجزاء الصحراوية مراع متسعة ترعى بها الإبل والبقر وقطعان الأغنام والخراف. والمعادن بليبيا كثيرة، فبجانب البترول المكتشف حديثا الكبريت ويشغل مساحة واسعة فى خليج سرت، ولذلك يسمّى خليج الكبريت. ويوجد المرمر فى غربى طرابلس وبنغازى ويوجد فى الأخيرة الشب والفوسفات، وتشتهر فزان بالنطرون. والمظنون أن بليبيا معادن كثيرة مثل القصدير والرصاص والزنك والحديد. والمناخ فى ساحل ليبيا مناخ البحر المتوسط المعتدل فيما عدا خليج سرت، فمناخه وخيم. وأكثر اعتدالا وأقل حرارة فى الصيف مناخ الجبال وراء طرابلس وبرقة لارتفاع سفوحها ومصاطبها المختلفة، أما ما وراء الجبال من الهضاب والصحارى الداخلية فتشتد فيه الحرارة كلما توغّلنا جنوبا حتى لتصبح بعض الأنحاء فى الصيف أشبه بحمامات عالية الحرارة، فضلا عما يهبّ فيها من لهب متّقد محمّل بغلالات ساخنة من التراب والرمل اللافح.
стр. 4198
٢ - التاريخ القديم (١)
تاريخ ليبيا المغرق فى القدم يختلف باختلاف منطقتيها الغربية والشرقية: منطقة طرابلس ومنطقة برقة، ومعروف أن الفينيقيين ارتادوا ساحل طرابلس فى القرن الثانى عشر قبل الميلاد بقصد التبادل التجارى مع أهلها الليبيين، وكانوا شعبا ملاحيّا عريقا يحترف التجارة، مما جعلهم يجوبون سواحل إفريقيا الشمالية وإسبانيا فى القرن المذكور وبعده، وفى أول الأمر كانوا يقنعون بإقامات مؤقتة فى أثناء تبادل العروض (السّلع) التجارية مع شعوب الأقاليم والمناطق التى نزلوا فيها، ومع الزمن آثروا أن يقيموا لهم مدنا-أشبه بمستعمرات-ليتخذوها مراكز ثابتة لما يحملون وينقلون من عروض تجارية. وفى تاريخ غير معروف بالضبط هل هو القرن الثامن قبل الميلاد أو قبله أو بعده أقاموا على ساحل طرابلس ثلاث مدن متقاربة، هى طرابلس، وكانوا يسمونها وايات Vaiat وحرّفها الرومان فسمّوها أويا Oea وأقاموا غربيها مدينة صبراته Sabrata فى موضع العجيلات الحالية وسماها العرب صبرة ومعناها بالفينيقية سوق القمح، وهو اسم يرمز إلى ما ستئول إليه المنطقة فى عهد الرومان إذ سيعدّونها مخزن قمح لهم. وأقام الفينيقيون شرقى أويا أو طرابلس مدينة لبدة Leptis فى موضع مدينة الخمس الحالية.
وهذه المدن الثلاث سماها اليونان Tripolis أى المدن الثلاث وأطلق العرب هذا الاسم على أويا Oea فأصبح اسمها طرابلس، وسمّيت بها المنطقة جميعها فيما يقابل برقة فى المنطقة الشرقية من ليبيا.
وإقامة الفينيقيين لهذه المدن الثلاث الكبيرة تشير بوضوح إلى نقلهم الليبيين نقلة كبرى من
стр. 4199
حياة التجوال والرعى إلى حياة الاستقرار والزراعة، ويظنّ أنهم أدخلوا إلى منطقة طرابلس زراعة الفواكه مثل الخوخ والتين والبرقوق والكروم، والنباتات التى تنتج الحنّاء والزعفران والشيح، وبعض الأشجار مثل أشجار اللوز وربما أشجار الزيتون أيضا. وبذلك بثوا فى مدن طرابلس نشاطا زراعيا بجانب نشاطهم التجارى. وخلفهم فى المنطقة بالقرن الخامس قبل الميلاد أبناء عمومتهم القرطاجيون، واتسعوا بالضربين من النشاط التجارى والزراعى فى طرابلس. وفى عهدهم أخذت تنظّم الصلة بين مدن الساحل الطرابلسى الثلاث وبين الواحات الداخلية وغدامس وغات وفزان، بل أخذت القوافل التجارية تتغلغل فى قلب إفريقيا وتنقل من تلك الأنحاء الرقيق والعاج وريش النعام، ويظن أن الواحات المذكورة آنفا كانت تستشعر الولاء للقرطاجيين.
وتتوالى الحقب حتى إذا اصطدم القرطاجيون بالرومان وتمت الغلبة للأخيرين استولوا على طرابلس ومدنها من أيدى القرطاجيين سنة ١٤٦ قبل الميلاد، وفى عهدهم ازداد ازدهار المدن الطرابلسية الثلاث ووجهوا حملة إلى غدامس وفزان استولت عليهما، واتسعوا بالنشاط التجارى إلى قلب إفريقيا، وأرسلوا لذلك ثلاث حملات استكشافية، أولاها لكشف مناطق طرابلس الجنوبية، والثانية لكشف أو اكتشاف السودان والثالثة لاكتشاف السودان الغربى.
ويبدو أن أسرا رومانية كثيرة استوطنت منطقة طرابلس يدل على ذلك مالا يزال إلى اليوم من كثرة الأطلال لمعابد وحصون وأبراج ومقابر وتماثيل ونصب عليها كتابات لاتينية متأكلة، ولا نلتقى بها فى المدن الكبرى الثلاث: أويا وصبراته ولبدة فحسب. بل نجدها أيضا فى أماكن مختلفة على الساحل مثل ترهونة وفى مواضع مختلفة منها إلى طرابلس وأيضا فى الداخل مثل يفرن فى المنطقة الجبلية الوسطى إذ على برج بها كتابات لاتينية، ومثل بونجيم إذ فى الشمال مبنى رومانى كبير به كتابة لاتينية نقشت عليه سنة ٢٠١ للميلاد باسم الإمبراطور الرومانى سبتيموس سيفيروس Septimus Severus وكان قد ولد ونشأ فى مدينة لبدة إحدى المدن الطرابلسية الثلاث المذكورة آنفا، ثم رحل إلى روما ليكمل تعلمه وتطورت به الظروف إلى أن أصبح إمبراطورا للدولة الرومانية، وقد أعفى أهل بلدته الطرابلسية: لبدة من الضرائب الحكومية، وتقديرا منهم لصنيعه كانوا يهدون روما سنويّا كمية وافرة من الزيت، ويقال إنها حين وزّعت على سكان روما بعد وفاته سنة ٢١١ للميلاد كفتهم خمس سنوات. وحين اعتنقت روما المسيحية وعملت على نشرها فى الولايات التابعة لها نشرتها أو حاولت نشرها فى طرابلس لما كان بها من جالية رومانية كبيرة، وتدل على ذلك بعض الكنائس المطمورة فى الأماكن الأثرية الرومانية. وعنيت روما عناية واسعة بازدهار الزراعة فى طرابلس إذ كانت تعدها-كما أشرنا-مخزنها الضخم للغلال ولزيت الزيتون وغير ذلك من الطيبات، وهو ما جعلها تكثر فيها
стр. 4200
من القنوات لحمل مياه الأمطار من الجبال كما تكثر من الخزانات والصهاريج والسدود على الوديان لخزن مياه الأمطار وتوزيعها على الزروع. وازدهار الزراعة-حينئذ-جعل القرى والبلدان تكثر فى الأنحاء الشمالية من منطقة طرابلس، كما جعل السكان يزدادون بها زيادة كبيرة.
وإذا كان الفينيقيون والقرطاجيون نزلوا طرابلس قديما قرونا متعاقبة فإن اليونان هم الذين نزلوا برقة قديما على نحو ما يحدثنا هيرودوت فى تاريخه، إذ يذكر أن السكان اليونان ازدادوا زيادة كبيرة فى إحدى جزر بحر إيجة، فأرسلوا فى سنة ٦٥٠ قبل الميلاد بعثة منهم إلى الشاطئ الإفريقى فى اتجاه برقة لعلها تجد لهم أراضى صالحة للنزوح إليها، ونزلت البعثة فى جزيرة بلاتيا بخليج بمبه شرقى درنة، وبعد سنوات قليلة نزحوا منها إلى الشاطئ الإفريقى، وأسسوا به مدينة سيرين) Cyrene شحات الحالية) غربى درنة، ثم أسسوا أربع مدن أخرى غربيّها، هى على الترتيب) Appollonise سوسة الحالية) و) Barca سميت منذ القرن السادس الهجرى المرج مع أن المنطقة مسماة باسمها: برقة) و) Arsimoenoe طوكره الحالية) و) Berenice بنغازى الحالية) وأطلق اليونان على هذه المدن اسم بنطابلس Pentapolis أى المدن الخمس. وغلب على المنطقة جميعها اسم برقة كما ذكرنا وبالمثل غلب على منطقة ليبيا الغربية اسم طرابلس.
وظلت سيرين تعد مدينة برقة الأولى فى عهد اليونان، ولذلك سموا أراضى الساحل حتى بنغازى باسم سيرينايكا. وعلى نحو عناية الفينيقيين والقرطاجيين والرومان بالتجارة فى طرابلس عنى بها اليونان فى سيرينايكا أو برقة مما جعلها تنشط فى عهدهم بين مدنها الخمس وبين الواحات الداخلية من جهة، وبينها وبين السودان من جهة ثانية، فكانت القوافل التجارية تسير منحدرة وصاعدة بين بنغازى وسيرين فى أقصى الشمال وواحات كفرة وأوجلة وفزان، ويتغلغل بعضها إلى السودان وخاصة إلى دارفور وواداى حاملة من هناك الرقيق وسنّ الفيل وريش النعام والكركم. وكانت برقة على علاقة حسنة مع مصر، وتوطّدت هذه العلاقة بعد موت الإسكندر المقدونى وقيام دولة البطالسة بمصر إذ أصبحت جزءا من دولتهم مما نشّط تجارتها مع مصر إما عن طريق شاطئ البحر المتوسط والإسكندرية، وإما عن طريق الصحراء وواحة سيوة. وتدخل برقة فى حوزة الرومان سنة ٩٦ قبل الميلاد، وبذلك تصبح ليبيا جميعها شرقا وغربا فى نطاق دولتهم الرومانية، ولذلك تلتقى فيها الآثار اليونانية بالآثار الرومانية، وتكثر الأولى فى سيرين (شحات الحالية) حيث ترى بها أطلال لآلهة اليونان ومقابرهم ولمدرجات مسارحهم، وتلك المدرجات سمة دائما لليونان فى كل بلد أقاموا به، وحاكاهم فى ذلك الرومان.
وقد ذكر بنتاءور الشاعر اليونانى فى القصيدة التاسعة من قصائده مدينة سيرين. وأخذت
стр. 4201
مكانتها تهبط منذ قضى الإمبراطور الرومانى تراجان على ثورة اليهود بها، وما تصل إلى القرن الثالث الميلادى حتى تصبح أنقاضا وأثرا بعد عين. وتابعت روما فى برقة صنيعها فى طرابلس من حيث العناية بالزراعة إذ كانت تعدّهما جميعا مخزنين لما يلزمها من الغلال، فحفرت لذلك كثرة من القنوات ترى-إلى اليوم-وراء ساحل برقة وقد طمرتها الرمال، كما ترى هناك آثار السدود والخزانات والصهاريج التى أقامها الرومان واليونان بطالسة وغير بطالسة فى كل مكان شمالا، وتحجب كثرتها عن البصر اليوم الأتربة والرمال التى انهالت عليها عبر القرون.
وهذا النشاط الزراعى وما اتصل به من النشاط التجارى أهّل برقة قديما لرخاء جعل المدن-بجانب مدنها الخمس المارة-تكثر فيها مثل درنة وطبرق، واشتهرت الأخيرة بأن جيزيلا أحد ملوك إسبرطة المشهورين كان يتخذها دار إقامة له.
وما يوافى العقد الرابع من القرن الخامس الميلادى حتى تغزو جموع الواندال الجرمانية الشمال الإفريقى وتسقط على ليبيا-كأمواج من جراد-تعيمو تفسد فى البلاد لنحو مائة عام، بل تدمّر وتحطم كل ما شاده الفينيقيون والقرطاجيون والرومان فى طرابلس وكل ما شاده اليونان والرومان فى برقة إلى أن تجرّد لهم القائد البيزنطى بليزير Belisaire وكشف غمّتهم عن صدر ليبيا سنة ٥٣٤ للميلاد وأصبحت-من حينئذ-تابعة لبيزنطة. ولا نصل إلى أواخر القرن السادس الميلادى وأوائل السابع حتى نجد إمبراطور بيزنطة يتبع ليبيا لحاكم الإسكندرية، إذ تذكر المصادر العربية أنه حين فتح عمرو بن العاص ليبيا كانت برقة تتبع هذا الحاكم، بينما كانت طرابلس تتبع حاكم قرطاجة بإفريقية التونسية المعروف عند العرب باسم جرجير تحريفا لاسمه الحقيقى جريجوريوس، ويبدو أنه حين رأى عمرو بن العاص يستولى على مصر سارع بالاستيلاء على طرابلس ليحوز لنفسه شيئا من الغنيمة، إذ رأى الدولة البيزنطية توشك على الانهيار.
٣ - من الفتح العربى إلى منتصف القرن الخامس الهجرى
لما أتمّ عمرو بن العاص السياسى البصير فتح مصر واستقامت له رأى أن يؤمّن حدودها الغربية ضد الدولة البيزنطية حاكمة الشمال الإفريقى حينذاك، فأعدّ جيشا فى أواخر سنة ٢١ للهجرة فتح به برقة، إذ استجابت له سريعا، وأرسل ابن خالته عقبة بن نافع إلى الداخل،
стр. 4202
ففتح الديار فى الصحراء حتى وصل إلى زويلة حاضرة فزان، واستسلمت سنة ٢٢ للهجرة.
وبعد أن رتب عمرو بن العاص شئون الحكم فى برقة اتجه إلى طرابلس ففتحها سنة ٢٣ للهجرة، واستعان ببعض قواده فى فتح ما بقى من بلدانها وبلدان برقة. وتمّ ذلك كله فى عهد الخليفة العظيم عمر بن الخطاب واستتم عمرو بن العاص فى سنة ٢٣ فتح نفوسة وبذلك عمت ديار ليبيا جميعا أضواء الإسلام. وظل عمرو طوال هذه السنة والسنة التالية أو أكثرها ينظّم شئونها، وترك لأهلها أن يجمعوا بأنفسهم الجزية والضرائب المفروضة ويؤدّوها فى الموعد المضروب. وكانت هذه سياسة رشيدة، ولم تفرض ضرائب فادحة كما كان الشأن أيام الدولة البيزنطية، وأحسّ البربر فى ليبيا بتعاليم الإسلام فى العدل والمساواة المثلى بين من يسلمون منهم وبين العرب، فأقبلوا على الدين الحنيف وأخذ يعتنقه كثيرون منهم. ويعود عمرو إلى مصر مخلفا وراءه ابن خالته عقبة بن نافع. ويتولى الخلافة بعد عمر عثمان بن عفّان، فيولّى على مصر عبد الله بن أبى سرح سنة ٢٥ للهجرة وتظل ليبيا لأيامه هادئة حتى فتنة عثمان سنة ٣٥ للهجرة، فتضطرب الأمور فيها وفيما وراءها من إفريقية التونسية، ويتولّى عمرو بن العاص مصر ثانية لعهد معاوية. ويعنى معاوية ببرقة وطرابلس وإفريقية ويجعلها ولاية مستقلة ويولى عليها معاوية بن حديج السّكونى سنة ٤٥ للهجرة، ويولّى بدوره رويفع بن ثابت الأنصارى على طرابلس، ويترك معه كتيبة، ويدور عام وقيل بل عامان ويفتح رويفع جزيرة جربة شرقى مدينة قابس. حتى إذا كانت سنة ٥٠ للهجرة ولّى معاوية على المغرب جميعه عقبة بن نافع، فرأى بثاقب بصيرته أن يتخذ للجيش العربى قاعدة تكون معسكرا له، فيها ينزل الجيش ويسكنها ويخرج منها لمتابعة الفتوح فى المغرب، واختار موقعا فى داخل إفريقية التونسية غربى ميناء سوسة على بعد نحو ثلاثين ميلا من البحر المتوسط، وشيد فيه مدينته وسماها القيروان أى المعسكر، وجعل حولها سورا من القرميد، وشيّد فيها جامعا كبيرا، وسرعان ما استحالت القيروان مدينة ضخمة واستحال جامعها جامعة كبرى، ويعيد عقبة إلى إفريقية الهدوء والاستقرار ويقضى على الحكم البيزنطى فى الشمال الإفريقى جميعه. وبمجرد إتمامه لمدينته سنة ٥٥ للهجرة عزل، وتولّى المغرب أبو المهاجر، وقد نازل قبيلة أوربة من البرانس وزعيمها كسيلة فى تلمسان ودارت عليها الدوائر، وأسر كسيلة ودخل فى الإسلام. وتولّى الخلافة يزيد بعد أبيه معاوية، فأعاد إلى المغرب عقبة بن نافع سنة ٦٢ للهجرة، فسار بجيش ضخم اخترق به الجزائر والمغرب الأقصى حتى بلغ المحيط الأطلسى، وكان قد وبّخ كسيلة زعيم أوربة لما كان من حربه للمسلمين فأسرّها فى نفسه، وصمم على الانتقام، وفى عودة عقبة بالجيش تأخر عنه فى كتيبة صغيرة بجبال الأوراس جنوبى مدينة بسكرة فى الجزائر وكان كسيلة قد جمع من أنصاره جمعا كبيرا، فانتهز الفرصة وهجم على عقبة وصحبه واستشهد البطل العظيم، وأقيم له مسجد ضمّ رفاته، وسميت المنطقة باسمه: سيدى عقبة.
стр. 4203
ويتولى المغرب حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) فيثبّت الدين الحنيف هناك ويدخل فيه البربر أفواجا، إذ سوّى-حسب تعاليم الإسلام-بين البربر والعرب فى كل شئ: فى الأعطيات وفى الخراج وفى الجيش فلا فرق بين جند عربى وجند بربرى لا فى المعاملة ولا فى الفيئ وغنائم الفتوح، ولو أن الولاة فى القرن الثانى اتبعوا هذه السياسة مع البربر ما انتقضوا عليهم ولا شهروا السلاح ضدهم كما سنرى عما قليل. وأسّس حسان مدينة تونس وبنى بها دار صناعة متخذا منها نواة لإنشاء أسطول مغربى عربى لحماية السواحل المغربية من القراصنة والمغامرين الأوربيين، واستقدم من مصر ألف أسرة قبطية للمساعدة فى إنشائه. ونظّم إدارة الحكم والدواوين تنظيما دقيقا. وأتمّ هذا التنظيم بعده موسى بن نصير والى المغرب الجديد (٨٥ - ٩٦ هـ) إذ جعل المغرب خمس ولايات: ولاية برقة، وولاية إفريقية التونسية ومعها طرابلس، وولاية المغرب الأوسط، وولاية المغرب الأقصى، وولاية السوس أو سجلماسة. وكان يرسل لبرقة وطرابلس عمّالا أو ولاة كانوا يعدّون مستقلين فى الشئون الداخلية للمنطقتين، مع إرسالهم نصيبا من الضرائب وبعض الجنود إلى القيروان. وعمل موسى-بكل ما فى وسعه- على نشر الدين الحنيف بين البربر بإنشائه فى أنحاء المغرب لكتاتيب كثيرة تحفظ فيها الناشئة القرآن الكريم مع إحسانها لتلاوته ومع تعليمها بعض مبادئ الدين الحنيف. وتمّ هذا الرسوخ للإسلام فى المغرب وأرجاء ليبيا لعهد عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) الخليفة التقىّ إذ أرسل إلى المغرب عشرة من كبار الفقهاء للعمل على نشر الدين الحنيف هناك، واختار أحدهم واليا على المغرب جميعه هو إسماعيل بن أبى المهاجر المخزومى واستجاب إليهم آلاف من البربر حتى ليمكن القول بأننا لا نصل إلى مطلع القرن الثانى الهجرى حتى يصبح المغرب جميعه دارا إسلامية يؤدّى فيها الجمهور الأكبر فروض الدين الحنيف.
ولا تعود ليبيا وما وراءها من المغرب تحظى بوال من أمثال ابن أبى المهاجر وموسى بن نصير وحسان بن النعمان وعقبة بن نافع منذ وفاة عمر بن عبد العزيز، فقد أخذ يتولى المغرب ولاة ساموا البربر كثيرا من العسف والظلم، حتى إذا تولى عبيد الله بن الحبحاب المغرب زاد الطين بلّة، بتشدده فى جباية الأموال من البربر ورفضه رفضا باتا التسوية بينهم وبين العرب.
وانتهز الفرصة دعاة الخوارج من صفرية وإباضية ودعوا بقوة إلى مبادئهم فى التسوية المطلقة بين العرب والموالى من بربر وغير بربر فى جميع الحقوق والشئون المالية، وحتى فى الخلافة نفسها فلا تقتصر على قريش وأبنائها بل يتولاها أكفأ المسلمين ولو كان عبدا حبشيّا. واستجاب المغرب الأقصى سريعا لمبادئ الصفرية ونشبت فيه ثورة سنة ١٢٢ للهجرة، وتهزم جيوش الدولة جيشا من وراء جيش إلى أن يكتب لها النصر بعد سنوات. أما مذهب الإباضية فقد انتشر انتشارا واسعا فى طرابلس وجبل نفوسة وغربى ليبيا، وكان قد أصبح زمام الحكم فى
стр. 4204
المغرب بيد عبد الرحمن بن حبيب حفيد عقبة بن نافع منذ سنة ١٢٦ للهجرة، فأخذ يرقبهم ويكثر من العيون عليهم، وعرف أن رئيسهم فى طرابلس عبد الله بن مسعود التّجيبى، فأرسل إليه أخاه إلياس فى قوة عسكرية كبيرة فقتله. ولم تنته بذلك الحركة الإباضية فى طرابلس فقد بايع الإباضيون فى طرابلس بعده بالإمامة الحارث بن تليد الحضرمى سنة ١٣٠ للهجرة واتخذ وزيرا له عبد الجبار بن قيس المرادى، والمظنون أنهما كانا من جيش أبى حمزة الخارجى الذى أرسله الإمام طالب الحق اليمنى لفتح الحجاز ومدينتيه المقدستين، ولم يكتب له النصر أخيرا على الجيش الأموى، وتسلل من جيشه الحارث وعبد الجبار إلى طرابلس، وأخذا يدعوان للمذهب بها، ونجحت دعوتهما وبويع الحارث إماما، وأرسل إليه عبد الرحمن بن حبيب جيشا، ويقال بل ذهب إليه بنفسه على رأس جيش، غير أن جيشه هزم شر هزيمة، وأصبح إقليم طرابلس من سرت فى ليبيا إلى قابس فى إفريقية التونسية يعترف بإمامته معتنقا لمذهب الإباضية. وفى سنة ١٣٢ للهجرة يغتال الحارث بن تليد ووزيره عبد الجبار فى ظروف غامضة، ويدخل عبد الرحمن بن حبيب طرابلس ويفتك بكثيرين من زعماء الإباضية.
وتعيش طرابلس وإقليمها نحو ثمانى سنوات فى هدوء، حتى إذا كانت سنة ١٤٠ للهجرة ثار الإباضية بقيادة إمامهم أبى الخطاب عبد الأعلى المعافرى واستولى على طرابلس وأعلن بها إمامته، وكان حازما مقداما جسورا غيورا على الدين، وكانت قبيلة ورفجومة الصفرية استولت على القيروان منذ سنة ١٣٨ للهجرة واستباحتها واستحلت المحارم وارتكبت كثيرا من المآثم والفظائع بها وجروحها تنزف بالدماء وأهلها يكثرون من العويل ولا مغيث، وعلم أبو الخطاب بعيث ورفجومة واستحالة أبنائها فى القيروان إلى ذئاب هائجة مسعورة، فثارت ثائرته واتقدت حميته لأهلها وأعدّ فى سنة ١٤١ للهجرة جيشا ضخما نازل به ورفجومة النفزاوية فى معركة طاحنة قتل فيها قائدها عبد الملك بن أبى الجعد وهزمت هزيمة ساحقة، ودخل أبو الخطاب القيروان وطهّرها من رجس هذه القبيلة الباغية، وأقام عليها عبد الرحمن بن رستم واليا عليها من قبله، وعاد إلى طرابلس عاصمته. وكل ذلك علم به الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور، فاختار أحد قواده العظام محمد بن الأشعث وولاه على المغرب، وأرسل معه جيشا بالغ الضخامة فى نحو سبعين ألف مقاتل يقودهم صفوة كبيرة من القواد، ونشبت بينه وبين أبى الخطاب معركة حامية الوطيس سنة ١٤٤ للهجرة قتل فيها أبو الخطاب وأكثر أنصاره بحيث لم تقم للإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة بعدها قائمة. وفرّ عبد الرحمن بن رستم من القيروان إلى تيهرت فى المغرب الأوسط، وبها أقام للإباضية دولة ظلت نحو قرن ونصف. ويتولى المغرب يزيد بن حاتم المهلبى سنة ١٥٣ للهجرة ويعود النظام والاستقرار والهدوء إلى طرابلس حتى نهاية ولايته سنة ١٧٠ وقد ضم برقة إلى مصر. وتولى المغرب بعد يزيد أخوه روح بن حاتم
стр. 4205
ثم هرثمة بن أعين حتى سنة ١٨١ وكان عهدهما عهد أمن وطمأنينة فى طرابلس. وكان الخليفة العباسى هارون الرشيد سئم من كثرة الاضطرابات والثورات فى البلاد المغربية، فسأل عن مقدام جريء سيوس يستطيع ضبطها ضبطا محكما فأشار عليه قائده هرثمة بن أعين بإبراهيم بن الأغلب التميمى لما يعرف من كياسته ورجاحة عقله، فمنحه حكمها هو وأولاده وأحفاده طوال إقرارهم النظام فيها والأمن، وبذلك تأسست فى إفريقية التونسية دولة الأغالبة منذ سنة ١٨٤ للهجرة حتى سنة ٢٩٦ وتبعتهم طرابلس وظلوا يرسلون إليها عمالا وظلت ثوراتها لا تهدأ بسبب من كان فيها وفى جبل نفوسة من الإباضية، وكان إباضية تيهرت لا يزالون يمدون إلى إباضيتها عونا مستمرا. ولعل ما كان يوليها الأغالبة من الأهمية هو الذى جعلهم دائما يولّونها ولاة بارزين من الأسرة، وكثيرا ما كانت تنتقض عليهم، على نحو ما حدث سنة ١٩٦ فى عهد واليها عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، واستطاع القضاء على الثورة، ومن أهم ولاتها من أبناء الأسرة أبو العباس عبد الله بن محمد الأغلبى، ونقله الأمير أبو الغرانيق، ثم أعاده إلى طرابلس، ومنهم أحمد بن سوادة الأغلبى وكان شاعرا بارعا ومحمد بن زيادة الله الثانى وكان أديبا وشاعرا وخطيبا ومؤلفا بارعا، ونفس عليه ذلك ابن عمه إبراهيم بن أحمد الأغلبى (٢٦١ - ٢٨٩ هـ) وغار من سمعته الطيبة عند خليفة بغداد الرشيد فتسلل إليه خفية فى طرابلس وقضى عليه. وفى عهد هذا الأمير الأغلبى شهدت برقة سنة ٢٦٥ ثورة عباس ابن والى مصر أحمد بن طولون على أبيه، واتخذها قاعدة له وجهز منها حملة كبيرة زحف بها على طرابلس، غير أن جيش عاملها الأغلبى محمد بن قرهب هزمه وردّه على أعقابه. ولم يلبث أبوه أن قضى على ثورته سنة ٢٦٨ وولى على برقة عاملا يصلح فيها ما أفسده ابنه. وثار جبل نفوسة فى سنة ٢٨٣ ثورة عنيفة قضى عليها إبراهيم بن أحمد الأغلبى قضاء مبرما.
وحين قضت الدولة العبيدية الفاطمية على دولة الأغالبة سنة ٢٩٦ حاولت أن تبسط سيادتها على طرابلس وتم لها ذلك، وأرسل مؤسسها عبيد الله المهدى جيشا إلى برقة، فاستولى عليها من يد واليها العباسى، وكانت برقة سنّية وطرابلس إباضية، وكانتا ترفضان العقيدة العبيدية الإسماعيلية، ولم تلبث طرابلس فى سنتى ٢٩٩ - ٣٠٠ للهجرة أن حملت لواء الثورة فى وجه ماقنون واليها من قبل عبيد الله المهدى وفتكوا برجاله من قبيلة كتامة التى كانت تؤيد الدعوة الفاطمية وأتاحت للمهدى استيلاءه على صولجان الحكم من أيدى الأغالبة. وصمم المهدى على الانتقام من طرابلس وأهلها، فجرّد لها حملة كبيرة بحرية وبرية ولم يلبث أسطوله أن قضى على الأسطول الطرابلسى، وضرب الحصار برّا حول طرابلس حتى ساءت أحوال أهلها سوءا شديدا، فطلبوا الأمان، فأمنهم القائد أبو القاسم بن المهدى، وكان فى الجيش معه أحد أبناء طرابلس ممن كانوا قد سارعوا بالالتفاف حول المهدى، وكان ابنا عاقا فعذب أهل بلدته ونكل