← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

مكانتها تهبط منذ قضى الإمبراطور الرومانى تراجان على ثورة اليهود بها، وما تصل إلى القرن الثالث الميلادى حتى تصبح أنقاضا وأثرا بعد عين. وتابعت روما فى برقة صنيعها فى طرابلس من حيث العناية بالزراعة إذ كانت تعدّهما جميعا مخزنين لما يلزمها من الغلال، فحفرت لذلك كثرة من القنوات ترى-إلى اليوم-وراء ساحل برقة وقد طمرتها الرمال، كما ترى هناك آثار السدود والخزانات والصهاريج التى أقامها الرومان واليونان بطالسة وغير بطالسة فى كل مكان شمالا، وتحجب كثرتها عن البصر اليوم الأتربة والرمال التى انهالت عليها عبر القرون. وهذا النشاط الزراعى وما اتصل به من النشاط التجارى أهّل برقة قديما لرخاء جعل المدن-بجانب مدنها الخمس المارة-تكثر فيها مثل درنة وطبرق، واشتهرت الأخيرة بأن جيزيلا أحد ملوك إسبرطة المشهورين كان يتخذها دار إقامة له. وما يوافى العقد الرابع من القرن الخامس الميلادى حتى تغزو جموع الواندال الجرمانية الشمال الإفريقى وتسقط على ليبيا-كأمواج من جراد-تعيمو تفسد فى البلاد لنحو مائة عام، بل تدمّر وتحطم كل ما شاده الفينيقيون والقرطاجيون والرومان فى طرابلس وكل ما شاده اليونان والرومان فى برقة إلى أن تجرّد لهم القائد البيزنطى بليزير Belisaire وكشف غمّتهم عن صدر ليبيا سنة ٥٣٤ للميلاد وأصبحت-من حينئذ-تابعة لبيزنطة. ولا نصل إلى أواخر القرن السادس الميلادى وأوائل السابع حتى نجد إمبراطور بيزنطة يتبع ليبيا لحاكم الإسكندرية، إذ تذكر المصادر العربية أنه حين فتح عمرو بن العاص ليبيا كانت برقة تتبع هذا الحاكم، بينما كانت طرابلس تتبع حاكم قرطاجة بإفريقية التونسية المعروف عند العرب باسم جرجير تحريفا لاسمه الحقيقى جريجوريوس، ويبدو أنه حين رأى عمرو بن العاص يستولى على مصر سارع بالاستيلاء على طرابلس ليحوز لنفسه شيئا من الغنيمة، إذ رأى الدولة البيزنطية توشك على الانهيار. ٣ - من الفتح العربى إلى منتصف القرن الخامس الهجرى لما أتمّ عمرو بن العاص السياسى البصير فتح مصر واستقامت له رأى أن يؤمّن حدودها الغربية ضد الدولة البيزنطية حاكمة الشمال الإفريقى حينذاك، فأعدّ جيشا فى أواخر سنة ٢١ للهجرة فتح به برقة، إذ استجابت له سريعا، وأرسل ابن خالته عقبة بن نافع إلى الداخل،

стр. 4202

ففتح الديار فى الصحراء حتى وصل إلى زويلة حاضرة فزان، واستسلمت سنة ٢٢ للهجرة. وبعد أن رتب عمرو بن العاص شئون الحكم فى برقة اتجه إلى طرابلس ففتحها سنة ٢٣ للهجرة، واستعان ببعض قواده فى فتح ما بقى من بلدانها وبلدان برقة. وتمّ ذلك كله فى عهد الخليفة العظيم عمر بن الخطاب واستتم عمرو بن العاص فى سنة ٢٣ فتح نفوسة وبذلك عمت ديار ليبيا جميعا أضواء الإسلام. وظل عمرو طوال هذه السنة والسنة التالية أو أكثرها ينظّم شئونها، وترك لأهلها أن يجمعوا بأنفسهم الجزية والضرائب المفروضة ويؤدّوها فى الموعد المضروب. وكانت هذه سياسة رشيدة، ولم تفرض ضرائب فادحة كما كان الشأن أيام الدولة البيزنطية، وأحسّ البربر فى ليبيا بتعاليم الإسلام فى العدل والمساواة المثلى بين من يسلمون منهم وبين العرب، فأقبلوا على الدين الحنيف وأخذ يعتنقه كثيرون منهم. ويعود عمرو إلى مصر مخلفا وراءه ابن خالته عقبة بن نافع. ويتولى الخلافة بعد عمر عثمان بن عفّان، فيولّى على مصر عبد الله بن أبى سرح سنة ٢٥ للهجرة وتظل ليبيا لأيامه هادئة حتى فتنة عثمان سنة ٣٥ للهجرة، فتضطرب الأمور فيها وفيما وراءها من إفريقية التونسية، ويتولّى عمرو بن العاص مصر ثانية لعهد معاوية. ويعنى معاوية ببرقة وطرابلس وإفريقية ويجعلها ولاية مستقلة ويولى عليها معاوية بن حديج السّكونى سنة ٤٥ للهجرة، ويولّى بدوره رويفع بن ثابت الأنصارى على طرابلس، ويترك معه كتيبة، ويدور عام وقيل بل عامان ويفتح رويفع جزيرة جربة شرقى مدينة قابس. حتى إذا كانت سنة ٥٠ للهجرة ولّى معاوية على المغرب جميعه عقبة بن نافع، فرأى بثاقب بصيرته أن يتخذ للجيش العربى قاعدة تكون معسكرا له، فيها ينزل الجيش ويسكنها ويخرج منها لمتابعة الفتوح فى المغرب، واختار موقعا فى داخل إفريقية التونسية غربى ميناء سوسة على بعد نحو ثلاثين ميلا من البحر المتوسط، وشيد فيه مدينته وسماها القيروان أى المعسكر، وجعل حولها سورا من القرميد، وشيّد فيها جامعا كبيرا، وسرعان ما استحالت القيروان مدينة ضخمة واستحال جامعها جامعة كبرى، ويعيد عقبة إلى إفريقية الهدوء والاستقرار ويقضى على الحكم البيزنطى فى الشمال الإفريقى جميعه. وبمجرد إتمامه لمدينته سنة ٥٥ للهجرة عزل، وتولّى المغرب أبو المهاجر، وقد نازل قبيلة أوربة من البرانس وزعيمها كسيلة فى تلمسان ودارت عليها الدوائر، وأسر كسيلة ودخل فى الإسلام. وتولّى الخلافة يزيد بعد أبيه معاوية، فأعاد إلى المغرب عقبة بن نافع سنة ٦٢ للهجرة، فسار بجيش ضخم اخترق به الجزائر والمغرب الأقصى حتى بلغ المحيط الأطلسى، وكان قد وبّخ كسيلة زعيم أوربة لما كان من حربه للمسلمين فأسرّها فى نفسه، وصمم على الانتقام، وفى عودة عقبة بالجيش تأخر عنه فى كتيبة صغيرة بجبال الأوراس جنوبى مدينة بسكرة فى الجزائر وكان كسيلة قد جمع من أنصاره جمعا كبيرا، فانتهز الفرصة وهجم على عقبة وصحبه واستشهد البطل العظيم، وأقيم له مسجد ضمّ رفاته، وسميت المنطقة باسمه: سيدى عقبة.

стр. 4203

ويتولى المغرب حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) فيثبّت الدين الحنيف هناك ويدخل فيه البربر أفواجا، إذ سوّى-حسب تعاليم الإسلام-بين البربر والعرب فى كل شئ: فى الأعطيات وفى الخراج وفى الجيش فلا فرق بين جند عربى وجند بربرى لا فى المعاملة ولا فى الفيئ وغنائم الفتوح، ولو أن الولاة فى القرن الثانى اتبعوا هذه السياسة مع البربر ما انتقضوا عليهم ولا شهروا السلاح ضدهم كما سنرى عما قليل. وأسّس حسان مدينة تونس وبنى بها دار صناعة متخذا منها نواة لإنشاء أسطول مغربى عربى لحماية السواحل المغربية من القراصنة والمغامرين الأوربيين، واستقدم من مصر ألف أسرة قبطية للمساعدة فى إنشائه. ونظّم إدارة الحكم والدواوين تنظيما دقيقا. وأتمّ هذا التنظيم بعده موسى بن نصير والى المغرب الجديد (٨٥ - ٩٦ هـ) إذ جعل المغرب خمس ولايات: ولاية برقة، وولاية إفريقية التونسية ومعها طرابلس، وولاية المغرب الأوسط، وولاية المغرب الأقصى، وولاية السوس أو سجلماسة. وكان يرسل لبرقة وطرابلس عمّالا أو ولاة كانوا يعدّون مستقلين فى الشئون الداخلية للمنطقتين، مع إرسالهم نصيبا من الضرائب وبعض الجنود إلى القيروان. وعمل موسى-بكل ما فى وسعه- على نشر الدين الحنيف بين البربر بإنشائه فى أنحاء المغرب لكتاتيب كثيرة تحفظ فيها الناشئة القرآن الكريم مع إحسانها لتلاوته ومع تعليمها بعض مبادئ الدين الحنيف. وتمّ هذا الرسوخ للإسلام فى المغرب وأرجاء ليبيا لعهد عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) الخليفة التقىّ إذ أرسل إلى المغرب عشرة من كبار الفقهاء للعمل على نشر الدين الحنيف هناك، واختار أحدهم واليا على المغرب جميعه هو إسماعيل بن أبى المهاجر المخزومى واستجاب إليهم آلاف من البربر حتى ليمكن القول بأننا لا نصل إلى مطلع القرن الثانى الهجرى حتى يصبح المغرب جميعه دارا إسلامية يؤدّى فيها الجمهور الأكبر فروض الدين الحنيف. ولا تعود ليبيا وما وراءها من المغرب تحظى بوال من أمثال ابن أبى المهاجر وموسى بن نصير وحسان بن النعمان وعقبة بن نافع منذ وفاة عمر بن عبد العزيز، فقد أخذ يتولى المغرب ولاة ساموا البربر كثيرا من العسف والظلم، حتى إذا تولى عبيد الله بن الحبحاب المغرب زاد الطين بلّة، بتشدده فى جباية الأموال من البربر ورفضه رفضا باتا التسوية بينهم وبين العرب. وانتهز الفرصة دعاة الخوارج من صفرية وإباضية ودعوا بقوة إلى مبادئهم فى التسوية المطلقة بين العرب والموالى من بربر وغير بربر فى جميع الحقوق والشئون المالية، وحتى فى الخلافة نفسها فلا تقتصر على قريش وأبنائها بل يتولاها أكفأ المسلمين ولو كان عبدا حبشيّا. واستجاب المغرب الأقصى سريعا لمبادئ الصفرية ونشبت فيه ثورة سنة ١٢٢ للهجرة، وتهزم جيوش الدولة جيشا من وراء جيش إلى أن يكتب لها النصر بعد سنوات. أما مذهب الإباضية فقد انتشر انتشارا واسعا فى طرابلس وجبل نفوسة وغربى ليبيا، وكان قد أصبح زمام الحكم فى

стр. 4204

المغرب بيد عبد الرحمن بن حبيب حفيد عقبة بن نافع منذ سنة ١٢٦ للهجرة، فأخذ يرقبهم ويكثر من العيون عليهم، وعرف أن رئيسهم فى طرابلس عبد الله بن مسعود التّجيبى، فأرسل إليه أخاه إلياس فى قوة عسكرية كبيرة فقتله. ولم تنته بذلك الحركة الإباضية فى طرابلس فقد بايع الإباضيون فى طرابلس بعده بالإمامة الحارث بن تليد الحضرمى سنة ١٣٠ للهجرة واتخذ وزيرا له عبد الجبار بن قيس المرادى، والمظنون أنهما كانا من جيش أبى حمزة الخارجى الذى أرسله الإمام طالب الحق اليمنى لفتح الحجاز ومدينتيه المقدستين، ولم يكتب له النصر أخيرا على الجيش الأموى، وتسلل من جيشه الحارث وعبد الجبار إلى طرابلس، وأخذا يدعوان للمذهب بها، ونجحت دعوتهما وبويع الحارث إماما، وأرسل إليه عبد الرحمن بن حبيب جيشا، ويقال بل ذهب إليه بنفسه على رأس جيش، غير أن جيشه هزم شر هزيمة، وأصبح إقليم طرابلس من سرت فى ليبيا إلى قابس فى إفريقية التونسية يعترف بإمامته معتنقا لمذهب الإباضية. وفى سنة ١٣٢ للهجرة يغتال الحارث بن تليد ووزيره عبد الجبار فى ظروف غامضة، ويدخل عبد الرحمن بن حبيب طرابلس ويفتك بكثيرين من زعماء الإباضية. وتعيش طرابلس وإقليمها نحو ثمانى سنوات فى هدوء، حتى إذا كانت سنة ١٤٠ للهجرة ثار الإباضية بقيادة إمامهم أبى الخطاب عبد الأعلى المعافرى واستولى على طرابلس وأعلن بها إمامته، وكان حازما مقداما جسورا غيورا على الدين، وكانت قبيلة ورفجومة الصفرية استولت على القيروان منذ سنة ١٣٨ للهجرة واستباحتها واستحلت المحارم وارتكبت كثيرا من المآثم والفظائع بها وجروحها تنزف بالدماء وأهلها يكثرون من العويل ولا مغيث، وعلم أبو الخطاب بعيث ورفجومة واستحالة أبنائها فى القيروان إلى ذئاب هائجة مسعورة، فثارت ثائرته واتقدت حميته لأهلها وأعدّ فى سنة ١٤١ للهجرة جيشا ضخما نازل به ورفجومة النفزاوية فى معركة طاحنة قتل فيها قائدها عبد الملك بن أبى الجعد وهزمت هزيمة ساحقة، ودخل أبو الخطاب القيروان وطهّرها من رجس هذه القبيلة الباغية، وأقام عليها عبد الرحمن بن رستم واليا عليها من قبله، وعاد إلى طرابلس عاصمته. وكل ذلك علم به الخليفة العباسى أبو جعفر المنصور، فاختار أحد قواده العظام محمد بن الأشعث وولاه على المغرب، وأرسل معه جيشا بالغ الضخامة فى نحو سبعين ألف مقاتل يقودهم صفوة كبيرة من القواد، ونشبت بينه وبين أبى الخطاب معركة حامية الوطيس سنة ١٤٤ للهجرة قتل فيها أبو الخطاب وأكثر أنصاره بحيث لم تقم للإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة بعدها قائمة. وفرّ عبد الرحمن بن رستم من القيروان إلى تيهرت فى المغرب الأوسط، وبها أقام للإباضية دولة ظلت نحو قرن ونصف. ويتولى المغرب يزيد بن حاتم المهلبى سنة ١٥٣ للهجرة ويعود النظام والاستقرار والهدوء إلى طرابلس حتى نهاية ولايته سنة ١٧٠ وقد ضم برقة إلى مصر. وتولى المغرب بعد يزيد أخوه روح بن حاتم

стр. 4205

ثم هرثمة بن أعين حتى سنة ١٨١ وكان عهدهما عهد أمن وطمأنينة فى طرابلس. وكان الخليفة العباسى هارون الرشيد سئم من كثرة الاضطرابات والثورات فى البلاد المغربية، فسأل عن مقدام جريء سيوس يستطيع ضبطها ضبطا محكما فأشار عليه قائده هرثمة بن أعين بإبراهيم بن الأغلب التميمى لما يعرف من كياسته ورجاحة عقله، فمنحه حكمها هو وأولاده وأحفاده طوال إقرارهم النظام فيها والأمن، وبذلك تأسست فى إفريقية التونسية دولة الأغالبة منذ سنة ١٨٤ للهجرة حتى سنة ٢٩٦ وتبعتهم طرابلس وظلوا يرسلون إليها عمالا وظلت ثوراتها لا تهدأ بسبب من كان فيها وفى جبل نفوسة من الإباضية، وكان إباضية تيهرت لا يزالون يمدون إلى إباضيتها عونا مستمرا. ولعل ما كان يوليها الأغالبة من الأهمية هو الذى جعلهم دائما يولّونها ولاة بارزين من الأسرة، وكثيرا ما كانت تنتقض عليهم، على نحو ما حدث سنة ١٩٦ فى عهد واليها عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، واستطاع القضاء على الثورة، ومن أهم ولاتها من أبناء الأسرة أبو العباس عبد الله بن محمد الأغلبى، ونقله الأمير أبو الغرانيق، ثم أعاده إلى طرابلس، ومنهم أحمد بن سوادة الأغلبى وكان شاعرا بارعا ومحمد بن زيادة الله الثانى وكان أديبا وشاعرا وخطيبا ومؤلفا بارعا، ونفس عليه ذلك ابن عمه إبراهيم بن أحمد الأغلبى (٢٦١ - ٢٨٩ هـ) وغار من سمعته الطيبة عند خليفة بغداد الرشيد فتسلل إليه خفية فى طرابلس وقضى عليه. وفى عهد هذا الأمير الأغلبى شهدت برقة سنة ٢٦٥ ثورة عباس ابن والى مصر أحمد بن طولون على أبيه، واتخذها قاعدة له وجهز منها حملة كبيرة زحف بها على طرابلس، غير أن جيش عاملها الأغلبى محمد بن قرهب هزمه وردّه على أعقابه. ولم يلبث أبوه أن قضى على ثورته سنة ٢٦٨ وولى على برقة عاملا يصلح فيها ما أفسده ابنه. وثار جبل نفوسة فى سنة ٢٨٣ ثورة عنيفة قضى عليها إبراهيم بن أحمد الأغلبى قضاء مبرما. وحين قضت الدولة العبيدية الفاطمية على دولة الأغالبة سنة ٢٩٦ حاولت أن تبسط سيادتها على طرابلس وتم لها ذلك، وأرسل مؤسسها عبيد الله المهدى جيشا إلى برقة، فاستولى عليها من يد واليها العباسى، وكانت برقة سنّية وطرابلس إباضية، وكانتا ترفضان العقيدة العبيدية الإسماعيلية، ولم تلبث طرابلس فى سنتى ٢٩٩ - ٣٠٠ للهجرة أن حملت لواء الثورة فى وجه ماقنون واليها من قبل عبيد الله المهدى وفتكوا برجاله من قبيلة كتامة التى كانت تؤيد الدعوة الفاطمية وأتاحت للمهدى استيلاءه على صولجان الحكم من أيدى الأغالبة. وصمم المهدى على الانتقام من طرابلس وأهلها، فجرّد لها حملة كبيرة بحرية وبرية ولم يلبث أسطوله أن قضى على الأسطول الطرابلسى، وضرب الحصار برّا حول طرابلس حتى ساءت أحوال أهلها سوءا شديدا، فطلبوا الأمان، فأمنهم القائد أبو القاسم بن المهدى، وكان فى الجيش معه أحد أبناء طرابلس ممن كانوا قد سارعوا بالالتفاف حول المهدى، وكان ابنا عاقا فعذب أهل بلدته ونكل

стр. 4206

بهم وأغرمهم ثلاثمائة ألف دينار، واستكانت طرابلس. وفى سنة ٣٠٤ ثارت برقة فنكل بها العبيديون تنكيلا شديدا. وفى سنة ٣١٠ ثار الإباضيون فى جبل نفوسة ثورة عنيفة، وقضت عليها جيوش العبيديين. وتظل ليبيا غربا وشرقا خاضعة لهم إلا ثورات صغرى كثورة أبى حاتم وثورة أبى يحيى الإباضيين وقضى على الثورتين يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ). وحرى بنا أن نذكر أن من أهم قضاتهم الذين كانوا يرسلون بهم إلى طرابلس لنشر دعوتهم القاضى النعمان صاحب المؤلفات المشهورة فى الدعوة إلى العقيدة الإسماعيلية الفاطمية، وتبع المعز الفاطمى فى ارتحاله إلى عاصمته الجديدة: القاهرة سنة ٣٦١ للهجرة. وكان المعز قد ترك على بلاد إفريقية التونسية والمغربين الأوسط والأقصى بلكّين بن زيرى زعيم قبيلة صنهاجة، وجعل جبل نفوسة تابعا له، وفصل عن ولايته طرابلس وبرقة ملحقا لهما بمركز الخلافة فى القاهرة، وجعل لكل منهما واليا تابعا له، ولم يدم ذلك لطرابلس طويلا، فإن بلكين ألحّ على الخليفة الفاطمى العزيز (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) أن يلحقها بولايته هى ومنطقتها، وأجابه إلى أمنيته سنة ٣٦٧ وولى عليها بلكّين حتى سنة ٣٧٣ هـ ولاة من قبله، وخلفه ابنه المنصور ثم حفيده باديس سنة ٣٨٦ للهجرة وأخذ يرسل إليها بدوره ولاة مختلفين، كان آخرهم عسيلة بن بكار سنة ٣٩٠ فخانه بتسليمها إلى يانس الصقلى حاكم برقة، وأرسل إليه باديس أحد قواده على رأس جيش حاصر طرابلس. وفى هذه الأثناء تسلّل إلى طرابلس مغامر من قبيلة زناتة يسمى فلفل بن سعيد واستولى عليها وأسّس بها دولة بنى خزرون، وأخذت تكثر بها الاضطرابات والمنازعات بين أفراد الأسرة ومن الطريف أنه تأسس فى طرابلس حينئذ مجلس شورى يساعد الحاكم الخزرونى فى تصريف الأمور، وأول من رأسه على بن محمد بن المنمر، وقد قضى هذا المجلس على آثار المذهب الشيعى فى طرابلس وثبت المذهب المالكى السنى بها، وظلت أسرة بنى خزرون تحكم طرابلس حتى منتصف القرن الخامس الهجرى. وإذا ولينا وجوهنا نحو برقة فى تلك الفترة وجدنا أمويا أندلسيا يسمى أبا ركوة يدعو لنفسه فيها بالخلافة، ويتبعه بنو قرة البرقيون أصحاب الجبل الأخضر، ويحاربون معه الفاطميين ثم يتخلّون عنه ويقتل. وتظل الزعامة فى برقة لبنى قرّة طوال النصف الأول من القرن الخامس الهجرى.

стр. 4207

٤ - من الهجرة الأعرابية إلى منتصف القرن العاشر الهجرى هاجرت إلى ليبيا وإفريقية التونسية والمغرب الأوسط جموع أعرابية كبيرة من قبائل بنى سليم وبنى هلال كان القرامطة فى البحرين قد ضموها من نجد إلى جيش ضخم نازلوا به الفاطميين فى الشام ومصر، وما كادت تدخل فى الديار المصرية حتى انضمت إلى الجيش الفاطمى، مما كان سببا فى اندحار الجيش القرمطى وارتداده إلى البحرين، وقد نقلها العزيز بالله الفاطمى إلى الضفة الشرقية على النيل بالصعيد الأعلى، وظلت هناك مصدر قلاقل واضطرابات لأهل الريف الصعيدى، مما جعلها تتحول إلى مشكلة كبرى للحكم الفاطمى بمصر. ودار الزمن دورات وإذا الحاكم الصنهاجى الرابع المعز بن باديس (٤٠٦ - ٤٥٤ هـ) فى إفريقية التونسية والمغرب الأوسط يؤثر المذهب السنى مشايعة لشعبه المغربى ويقطع الدعوة الفاطمية الإسماعيلية منضويا تحت لواء الخليفة العباسى سنة ٤٣٨ للهجرة، وامتلأ الخليفة الفاطمى المستنصر سخطا وموجدة عليه، ولكن ماذا يفعل وهو لا يملك من الجند والجيوش ما يستطيع به القضاء على المعز بن باديس، وانتهز الفرصة وزيره الحسن بن على اليازورى، فأشار عليه بإقطاع مشايخ بنى سليم وبنى هلال أعمال المعز بن باديس فى المغربين الأدنى والأوسط وهجرتهم إليهما مع قبيلتيهما، وقال له إنهم إن ظفروا بالمعز وقبيلته: صنهاجة تحققت أمنيته وصاروا أولياء للدولة وعمالا لها فى تلك الأنحاء القاصية مع زوال عيثهم وفسادهم عن أهل الصعيد بمصر، وإن هم لم يظفروا بالمعز نكن قد تخلصنا منهم، ودبّرنا له ما يقضى عليه. ووقعت المشورة من نفس المستنصر موقعا حسنا، واستدعى مشايخ القبيلتين وقال لهم: «قد أعطيتكم المغرب وملك المعز بن باديس الصنهاجى العبد الآبق فلا تفتقرون» وأغرى الشيوخ بجوائز كبيرة، وأمر لكل بدوى من القبيلتين ببعير ودينار. وانطلقت جموع بنى سليم وبنى هلال بفروعها (الأثبج وزغبة ورياح وجشم وعدى وربيعة والزواودة) سنة ٤٤٣ للهجرة إلى برقة وانسابوا فيها بخيلهم ورجلهم ينهبون ويسلبون واستقرت فيها مجاميع من بنى سليم، وتقدمت بقية هذه القبيلة مع بنى هلال بفروعها إلى طرابلس وإفريقية التونسية، وكان يتولى قيادتها جميعا يحيى الرياحى شيخ بنى رياح الهلاليين، ولما استقرت جموع القبيلتين فى طرابلس انعقدت له الرياسة فيها وفى انتقالهم إلى إفريقية التونسية، ولا يعرف عدد من دخل المغرب من القبيلتين، ويرى بعض المؤرخين أنهم لم يكونوا يقلون عن خمسمائة ألف ويقول ابن خلدون إنهم كانوا يسيرون فى جموعهم كجراد منتشر لا يمرون على شئ إلا أتوا عليه، فهم يطلقون

стр. 4208

قطعانهم من الإبل والغنم على الزروع وهم يخرّبون المنشآت والقصور ويقتلعون الأبواب ويقدمونها وقودا للنار. وحقا قد يكون ابن خلدون مسرفا فيما وصف به القبيلتين المذكورتين من النهب والسلب وتخريب العمران ولكن من الحق أيضا أن أعراب هاتين القبيلتين لم يكونوا مثل عرب الأجيال العربية الأولى الذين فتحوا بلدان الدولتين الساسانية والبيزنطية وأقاموا دولة الإسلام الكبرى المجيدة، إذ لم يكونوا جيوشا نظامية، وكانوا بدوا لا صلة لهم بالحضارة، ولم يكن لهم فى هجرتهم إلى المغرب لا هدف دينى ولا هدف قومى، كما كان الشأن فى فتوح العرب الإسلامية الكبرى وقد نازلهم المعز بن باديس فى مكان يسمى حيدران بالقرب من قابس ودارت عليه الدوائر ودخلوا القيروان سنة ٤٤٦ ونهبوها وخرّبوها، واضطر أن ينسحب منها إلى المهدية عاصمة الفاطميين بالقرب منها وبها توفى سنة ٤٥٤ للهجرة. وظل هؤلاء الأعراب سادة القسم الأكبر من إفريقية التونسية وسادة طرابلس إلى عهد الموحدين فى القرن السادس الهجرى. وقد تحولت برقة منذ هجرة بنى سليم إليها فى أواسط القرن الخامس الهجرى من حياتها المستقرة فى المدن الشمالية والواحات الداخلية إلى مشيخات بدوية لبنى سليم واستحالت فى جميع أجزائها إلى مراع واسعة، وظل ذلك فترة طويلة نحو مائة عام، بل تزيد وكانت فى أثناء ذلك تدين بالولاء لمصر، وانشغل حكامها عنها بالحروب الصليبية وتزعزع هذا الولاء فى أواخر زمن الدولة الفاطمية لهذا السبب. ونرى صلاح الدين الأيوبى حين قضى على تلك الدولة يفكر فى برقة وفرض ولاء مصر عليها وعلى إفريقية التونسية، ويكلف بهذه المهمة ابن أخيه المظفر تقى الدين، فتستولى فرق أو كتائب من جيشه على أجزاء من برقة ويعهد إلى اثنين من قواده-ربما بمشورة صلاح الدين-بإتمام هذه المهمة، هما إبراهيم بن قراتكين وقراقوش، أما ابن قراتكين فتوغل فى أوائل العقد الثامن من القرن السادس فى ليبيا، ومضى حتى بلغ قفصة فى إفريقية التونسية، واتخذها مقرا له، واستقر بها إلى أن فتكت به دولة الموحدين المغربية سنة ٥٨٣ ودخلت قفصة فى حوزتهم. وأما قراقوش فقد مضى إلى أوجلة فافتتحها، وتقدم إلى فزّان فاستولى على عاصمتها زويلة من بنى الخطاب واتجه إلى الشمال واستولى على طرابلس سنة ٥٧٩ فترة وتقدم فاستولى على قابس، ومنه استردها الموحدون بعد استردادهم لقفصة من ابن قراتكين سنة ٥٨٣ مما اضطره إلى إعلان طاعته لهم، غير أنه عاد إلى العيث والإفساد واضعا يده فى يدى ابنى غانية على ويحيى حين عاثا فى إفريقية التونسية ضد الموحدين، وبعد مغامرات شتى مع من انضم إليه من بنى سليم قتل سنة ٦٠٩ للهجرة، وظلت برقة بعده موالية لمصر طوال العصر الأيوبى، واطرد ولاؤها فى زمن المماليك، ونرى الظاهر بيبرس سلطانهم (٦٥٨ - ٦٧٦ هـ) بطل موقعة عين جالوت ضد التتار الذى دفع سيولهم عن الشام إلى غير

стр. 4209

رجعة يولى برقة اهتمامه منذ سنة ٦٦٢ للهجرة ويولّى عليها شيخا حصيفا من بنى سليم هو عطاء الله بن عزاز، ويكل إليه جباية الزكاة من الإبل والأغنام وعشر الزروع والثمار. وحين غزا لويس التاسع تونس سنة ٦٦٨ بعد إخفاقه المشهور فى غزو مصر وأسره فى دار ابن لقمان بالمنصورة أمر بيبرس ابن عزاز بإرسال نجدة سريعة إلى تلك المدينة، وأخفقت غزوة لويس التاسع لها، ومات مقهورا تحت أسوارها. وكانت بعض البلدان فى برقة تثور أحيانا على ابن عزاز، فكانت مصر تسارع إلى تأييده على نحو ما حدث فى طلميثة شمالى بنغازى وعودتها سريعا إلى الطاعة. وظل بنو عزاز يتولون برقة ويصرّفون شئونها ويشرفون على قبائلها إن لم يكن فيها جميعا ففى أكثر بلدانها وبواديها. وفى النصف الأول من القرن التاسع الهجرى نازعهم فيها عريف بن عمر وابنه. وتظل برقة موالية لمصر إلى أن استولى العثمانيون على القطر المصرى من أيدى المماليك سنة ٩٢٣ للهجرة، وطبيعى أن يمدوا سلطانهم إلى برقة التى ظلّت تدين بالولاء طويلا لمصر، وظلت تستشعر هذا الولاء إلى أن ضمّها والى طرابلس العثمانى محمد الساقلى (١٠٤٣ - ١٠٥٩ هـ). إلى ولايته. وتاريخ طرابلس ينفصل عن تاريخ برقة منذ انضمامها إلى إفريقية التونسية سنة ٣٦٧ هـ/٩٧٧ م فى عهد حكامها من بنى زيرى الصنهاجيين، وقد استقل بها بنو خزرون منذ أواخر القرن الرابع الهجرى إلى نحو سبعين عاما، وتكتسحها الهجرة الأعرابية الكبيرة لبنى هلال وبقايا بنى سليم، وتعانى من ذلك طويلا، وفى هذه الأثناء زالت السيادة العربية عن صقلية وسقطت فى حجر النورمان سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩٢ م نهائيا، وحينئذ أخذت تتراءى فى الأفق نذر خطر جسيم على الساحل الإفريقى، فقد استولى النورمان على مالطة سنة ٤٨٥ هـ/١٠٩٣ م وأعلن روجار الثانى ملك صقلية الحرب الصليبية على الساحل الإفريقى سنة ٥٣٧ هـ/١١٤٢ م وجهّز أسطولا يحاصر طرابلس وينقب سورها، غير أن أهلها ومن وراءهم من الأعراب ردوا الأسطول على أعقابه وغنموا أسلحته، ولم يلبث شيخ من شيوخ العرب هو أبو يحيى بن مطروح التميمى أن استخلص طرابلس لنفسه، ونازعه فى سيادتها وسلطانها بعض أهليها، ونشبت بينهما الحرب، وكان النورمان يعلمون ما صار إليه الشمال الإفريقى من ضعف الدولة الزيرية الصنهاجية وانزواء تميم بن المعز وأبنائه فى المهدية وأنحائها وما تبعهم من شريط ساحلى ضيق، به جزيرة جربة وصفاقس وقابس، ولم يلبث الأسطول النورمانى أن استولى على المهدية وجزيرة جربة وصفاقس سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٨ وعاد إلى طرابلس يريد الاستيلاء عليها، وبدلا من أن تغمد الفئتان المتنازعتان فى طرابلس أسلحتهما ويوجهاها إلى صدور أعدائهما الصليبيين ظلا يتحاربان ويقتتلان، وبذلك هيئ الفرصة لأعدائهما النورمان، فتسلقوا الأسوار، ودخلوا طرابلس وأمعنوا فى النهب والسلب والقتل وفرضوا على أهلها جزية يؤدونها لملك صقلية، وتركوا

стр. 4210

حكمها فى يد أبى يحيى بن مطروح، فحكمها حكما شوريا، إذ ألّف لها مجلسا مكونا من عشرة شيوخ كانوا يعقدون اجتماعاتهم فى مسجد خارج المدينة للتشاور والتداول فى تدبير أمورها. وظل النورمان الصقليون يحكمون طرابلس أكثر من عشر سنوات، ولاح لابن مطروح وأهلها نور قوة كاسحة فى المغرب الأقصى، هو نور دولة الموحدين التى أخذت تستولى على بلدان المغرب، فعظم الأمل فى نفوس الطرابلسيين أن تمد إليهم يد العون فى التخلص من حملة الصليب، وما توافى سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م حتى يشتد بهم الغضب لأدائهم جزية لنصارى صقلية، وفى إحدى الليالى يهجمون على الحامية الصقلية، فيحرقون بيوتها بالنار حرقا، ويذبحونها عن آخرها ذبحا، حتى لا يفكر النورمان فى النزول بطرابلس ثانية. وينزل خليفة الموحدين عبد المؤمن بن على المهدية سنة ٥٥٥ بعد طرد النورمان من ساحل إفريقية التونسية نهائيا، ويفد عليه ابن مطروح على رأس وفد من رجالات طرابلس، ويحتفى بهم، ويولى ابن مطروح حاكما على طرابلس من قبله، وما زال يتولاها حتى أدركته الشيخوخة، فرأى فى سنة ٥٨٦ للهجرة أن يؤدى فريضة الحج فاستأذن أبا زيد بن أبى حفص والى تونس للموحدين، وأذن له واستقلّ سفينة، واضطرت فى طريقها إلى الإسكندرية أن تتوقف قبل الوصول إليها ورست فى موضع لا يزال ينسبه المصريون إليه هو: «مرسى مطروح» المدينة المعروفة الآن على الشاطئ المصرى. وتنبّه عبد المؤمن خليفة الموحدين للانتفاع بأعراب بنى سليم وبنى هلال فى جهاده لأعداء الدين الحنيف فى الأندلس، فكلّف القاضى ابن عمران بنظم قصيدة يستحث فيها بنى سليم للجهاد فى نصرة الإسلام كما نصره آباؤهم قديما، وصنع صنيعه ابنه يوسف حين اعتزم غزو نصارى الأندلس سنة ٥٦٦ هـ/١١٧٠ م إذ طلب إلى صديقه ابن طفيل الفيلسوف الأندلسى المشهور أن يستنفر الأعراب بقصيدة حماسية، فنظم قصيدة تتأجج حماسة ملتهبة استهلّها بقوله: أقيموا صدور الخيل نحو المغارب ... لغزو الأعادى واقتناء الرغائب وتأخر وفودهم على يوسف خليفة الموحدين، فأرسل إليهم ابن طفيل قصيدة ثانية، فلبّى يوسف كثيرون منهم انتظموا فى جيشه المتجه لغزو النّصارى فى الأندلس، وأكبر الظن أن ابنه يعقوب خليفة الموحدين بعده جنّد منهم كثيرين فى جيشه المظفّر الذى جاز به إلى الأندلس، وأوقع بالقشتاليين ومن كانوا معهم من نصارى الشمال وقعة الأرك المشهورة سنة ٥٩١ التى مزّق فيها أعداء الدين الحنيف كل ممزّق. ومرّ فى حديثنا عن برقة أن المظفر تقىّ الدين ابن أخى صلاح الدين الأيوبى كان قد أرسل إلى ليبيا وإفريقية التونسية قائدين من قواده للاستيلاء عليهما، هما إبراهيم بن قراتكين وقراقوش وأن الأول استطاع الاستيلاء على قفصة بإفريقية التونسية إلى أن استولت عليها

стр. 4211

دولة الموحدين سنة ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م وأن الثانى استطاع الاستيلاء على أوجلة وفزان، كما استولى على طرابلس فترة محدودة سنة ٥٧٩ بعون بنى رياح وبنى دياب الهلاليين، واتجه غربا واستقر فى قابس بإفريقية التونسية، واستولى عليها منه الموحدون سنة ٥٨٣ وفى هذه الأثناء كان على بن غانية صاحب ميورفة حفيد يوسف بن تاشفين يضطغن على دولة الموحدين إزالة ملك أسرة ابن تاشفين أصحاب دولة المرابطين من المغرب والأندلس، فرأى أن يقدم على أعراب طرابلس ويكوّن منهم جيشا لحرب الموحدين واسترداد ملك المرابطين، ووجد قراقوش يحاول دفع هؤلاء الأعراب للانتقاض على الموحدين، فوضع يده فى يد قراقوش مددا متطاولة مثيرين للقلاقل والاضطرابات فى المنطقة، وحين استولى الموحدون من قراقوش على قابس أعلن طاعته لهم مداراة ومكرا، ودار العام ففتك الموحدون بعلى بن غانية سنة ٥٨٤ هـ/١١٨٨ م وكان يرافقه أخوه يحيى، فخلفه فى الشغب على الموحدين، واشتبك مع جنودهم فى معارك مختلفة، واشترك مع قراقوش فى الاستيلاء على طرابلس سنة ٥٩٩ هـ/١٢٠٢ م واختار يحيى بن غانية واليا عليها تاشفين بن غازى، ووالته قابس وصفاقس، وفسد ما بينه وبين قراقوش، فحاصره فى ودان جنوبى مدينة سرت حتى نفد زاده واضطر إلى الاستسلام وقتله وصلبه سنة ٦٠٩ واسترد الموحدون طرابلس سنة ٦١٤ هـ/١٢١٧ م وأداروا مع يحيى بن غانية بالقرب من تونس سنة ٦٢١ معركة حامية الوطيس هزم فيها هزيمة ساحقة، وفر إلى الجنوب هاربا، وظل يتنقل بين الأعراب إلى أن توفى سنة ٦٣١ للهجرة. وظلت طرابلس-منذ استولى عليها الموحدون- تتبع حاكم تونس-وتطورت الظروف سريعا وأسس بتونس أبو زكريا الحفصى الدولة الحفصية سنة ٦٢٥، وأخذ فى العمل على تأسيسها وعاشت قرونا متوالية حتى القرن العاشر الهجرى. وعاشت طرابلس فى إطار سيادتها وأخذت تسترد نشاطها الزراعى والتجارى، واشتهر من قضاتها الطرابلسيين فى أوائل هذا العصر أبو موسى عمران بن معمر الهوارى، وظل يقوم على القضاء العادل البصير بها حتى سنة ٦٥٨ هـ/١٢٥٩ م وطارت شهرة أحكامه وفتاويه إلى تونس وسلطانها المستنصر الحفصى فاستدعاه وأسند إليه القضاء فى عاصمته: تونس. وولى إفريقية التونسية بعد المستنصر ابنه الواثق يحيى سنة ٦٧٤ هـ/١٢٧٥ م وخلع سنة ٦٧٨ للهجرة وتولاها عمه إبراهيم. وظهر-حينئذ-دعىّ من بجاية يسمى ابن أبى عمارة أحمد بن مرزوق طمح إلى الملك فترك مهنة الحياكة التى كان يمتهنها فى بلدته، ونزح إلى سجلماسة، وادّعى فى الأعراب هناك أنه المهدى المنتظر، وبايعه بعضهم، غير أنه شعر أن دعوته لن تنجح هناك، فتركهم، ونزل بين أعراب طرابلس، وادّعى أنه ابن الخليفة الواثق المخلوع وأن اسمه الفضل وبايعه كثيرون من بنى سليم على نصرته، ودانت له طرابلس وبعض البلدان فى غربى ليبيا وشرقى تونس وتقدم فاستولى على تونس سنة ٦٨١ وولى على طرابلس مرغم بن صابر من بنى سليم، وأسره الصقليون فى بعض غاراتهم سنة ٦٨٢ للهجرة، وباعوه لملك أراجون البرشلوني.

стр. 4212

ولم يلبث الخليفة الحفصى عمر بن أبى زكريا أن استرد ملك آبائه الحفصيين سنة ٦٨٣ وأرسل إليه والى طرابلس محمد بن عيسى الهنتانى رسالة مذعنا فيها لطاعته. وفى سنة ٦٨٨ أرسل ملك أراجون سنة ٦٨٨ مع أسيره مرغم بن صابر حملة إلى طرابلس يريد الاستيلاء عليها وباءت بالفشل الذريع. ونزل بطرابلس سنة ٧٠٨ أمير حفصى فى أثناء توجهه إلى أداء فريضة الحج هو أبو يحيى زكريا بن محمد اللحيانى وفى عودته سنة ٧٠٩ أقام بها فترة جعلت أهلها يجلّونه ويقدرونه. وكان الحكم فى إفريقية التونسية قد ساء سوءا شديدا، إذ تولاه خليفتان اختلّت الدولة فى عهدهما اختلالا سيّئا. فتحدث كثيرون من أهل طرابلس إلى الأمير المذكور محرّضين له على تولّى مقاليد الخلافة بتونس حتى يصلح شئون الحكم بها وتعهدوا له بتأييده ونصرته، ونجحت الخطة، واحتل اللحيانى تونس سنة ٧١١ هـ/١٣١١ م وأخذت له فيها البيعة، وظل يلى شئونها ويصرف أمورها تصريفا حسنا لمدة ست سنوات، ونهض فى آخرها لمقاومته أمير قسنطينة بالجزائر وكأنما داخله اليأس من الانتصار عليه، فلجأ إلى طرابلس آملا أن يعود منها بجموع تنصره، وترك الحكم فى تونس لابنه محمد الملقب بأبى ضربة، وأخذ يكوّن فى طرابلس جيشا فتح به كثيرا من البلدان الليبية، غير أن أمير قسنطينة تغلب على ابنه أبى ضرية، وشعر أن وضعه فى طرابلس لم يعد آمنا، فرحل من طرابلس بحرا إلى الإسكندرية وحلّ بها ضيفا على السلطان قلاوون إلى أن توفّى، أما طرابلس فقد ترك الحكم فيها إلى صهره محمد بن عمران، وظل يلى شئونها إلى أن ثار عليه أهلها سنة ٧٢٤ هـ/١٣٢٣ م واختاروا بعده لحكمهم شخصا من أسرة طرابلسية نابهة هو ثابت بن محمد بن ثابت بن عمار، وبه تأسست دولة بنى عمار فى طرابلس من سنة ٧٢٤ للهجرة إلى سنة ٨٠٣ وظل الأميران الأولان من هذه الأسرة يسوسان طرابلس وإقليمها سياسة حسنة، ويقول ابن خلدون إن تجارا من جنوة كانوا يترددون على طرابلس ولاحظوا ضعف تحصيناتها لعهد أميرها الثالث من بنى عمار ثابت بن محمد بن ثابت وأغراهم ذلك بمهاجمتها، وتجمع أسطولهم فى مينائها، وانتشروا فى أسواقها يتظاهرون بأن غرضهم التجارة ومبادلة السلع وفى الليل أو فى إحدى الليالى سنة ٧٥٦ هـ/١٣٥٥ م تسلقوا أسوار طرابلس واستولوا عليها فى غفلة من أهلها، وفرّ ثابت أو حاول الفرار فى أثناء حصارهم لقصره بها، ورآه بعض الأعراب ممن يعادى قبيلته فقتله. وظل الجنويون بطرابلس نحو عام، ودفعت الحمية لأهلها وللدين الحنيف أبا العباس أحمد بن مكى حاكم قابس فى إفريقية التونسية إلى أن يفاوض قائد البحرية الجنوية لإخلائها والنزوح عنها فطلب لقاء ذلك خمسين ألف دينار ذهبا، فجمع ما عنده وأكمل ما بقى من أهل قابس والحامّة وبلاد الجريد، دفعوها له متحمسين، وأداها ابن مكى، وبارح الجنويون طرابلس بعد أن تركوا لهم فيها قنصلية ومستودعا لبيع سلعهم. وتولى شئونها ابن مكى حتى وفاته سنة ٧٦٦ هـ/١٣٦٤ م وخلفه عليها ابنه عبد الرحمن. وكان أحد أبناء أسرة بنى عمار: أبو بكر بن محمد بن ثابت فرّ عنها-حين نزلها الجنويون-

стр. 4213

إلى الإسكندرية، فعاد إليها سنة ٧٧٢ هـ/١٣٧٠ م فى أسطول، فحاصرها، وأعانه أهلها فى استيلائه عليها، حتى يتخلصوا من عبد الرحمن لسوء سيرته. ولما استولى عليها أبو بكر استسلم له عبد الرحمن، فأرسله مكرّما إلى بلدة قومه قابس، وظل أبو بكر يدبّر شئون طرابلس عشرين سنة. وخلفه عليها أخوه عمران حتى سنة ٨٠٠ هـ/١٣٩٧ م وأخذ أبناء الأسرة يحملون السلاح بعضهم ضد بعض، وحاول أحدهم وهو على بن عمار الاستعانة بملك صقلية المسيحى مما جعل السلطان الحفصى أبا فارس عبد العزيز يذهب إلى طرابلس بنفسه سنة ٨٠٣ هـ/١٤٠٠ م ويعزل عنها آخر ولاتها من بنى عمار: يحيى بن أبى بكر ويعيدها إلى حظيرة الدولة الحفصية ويولى عليها أحد قواده، وبذلك انتهت دولة بنى عمار فى طرابلس. وظل الولاة الحفصيون يلون شئونها فى القرن التاسع الهجرى، وكانوا يوجهون إليها أحيانا بعض حملات، وآخرها حملة أبى عمرو عثمان الحفصى سنة ٨٦٣ وبلغ فيها تاجوراء شرقى طرابلس. وحين أخذت الدولة الحفصية فى الضعف أخذت طرابلس تحكم حكما ذاتيا بمجلس شورى يرأسه أحد الشيوخ النابهين، وكان آخرهم الشيخ عبد الله الذى رأس مجلسها وحكمها منذ سنة ٨٩٨ هـ/١٤٩٢ م إلى أن هاجمها الأسطول الإسبانى سنة ٩١٦ هـ/١٥١٠ م. وكان يتولّى إسبانيا فرديناند الكاثوليكى الذى استولى على غرناطة من يد أبى عبد الله الصغير وأخرج العرب من الأندلس وقد سوّل له شيطانه أن يستأنف الحرب الصليبية بتعقبهم فى الساحل الإفريقى الذى نزلوا فيه، ولم يكن للدولة الزيانية فى الجزائر ولا للدولة الحفصية فى تونس وطرابلس أسطول يحمى الساحل الإفريقى، واستطاع أسطول فرديناند الاستيلاء على المرسى الكبير فى الجزائر سنة ٩١٠ هـ/١٥٠٥ م وعلى وهران سنة ٩١٤ هـ/١٥٠٨ م. وفى سنة ٩١٦ هـ/١٥١٠ م هاجم الأسطول الإسبانى طرابلس، واحتلها بعد مقاومة عنيفة من أبنائها استشهد فيها منهم كثيرون، وخرج منها أكثر سكانها إلى تاجوراء واتخذوها مركزا لمقاومة العدو الصليبى، وبذلك توقف كل ما كان بطرابلس من نشاط وتعطلت حركتها التجارية بينها وبين الإسكندرية والشرق وأيضا بينها وبين صقلية والبندقية وجنوة فى الغرب وساءت أحوال أهلها الاقتصادية، وفى سنة ٩٣٦ هـ/١٥٣٠ م سلم المدينة شارل الخامس ملك إسبانيا إلى فرسان مالطة المعروفين باسم القديس يوحنا، وظلت الأحوال فى طرابلس تزداد سوءا على سوء، وظل كثير من سكانها يغادرونها إلى مدينة تاجوراء مركز المقاومة.

стр. 4214

٥ - فى العهد العثمانى كانت الدولة العثمانية بالقرن العاشر الهجرى فى أوج قوتها، فانتخب أهل تاجوراء وفدا ذهب إلى إستانبول مستغيثا بتلك الدولة طالبا منها حمايتها لطرابلس وإقليمها وطرد فرسان مالطة من ديارها، ولقيهم السلطان العثمانى: سليمان لقاء كريما، وأمر فورا الأغا مرادا بمرافقتهم للتعرف على أحوال المنطقة ونزل تاجوراء سنة ٩٥٧ هـ/١٥٥٠ م وأنشأ بها جامعا ومدرسة، وأرسل إلى السلطان بالأحوال فى المنطقة، فأمر سنان باشا قائد الأسطول العثمانى أن ينسق كافة العمليات الحربية مع مراد أغا لإخراج فرسان مالطة من طرابلس، فأمر سنان باشا درغوت الذى كان مرابطا-حينئذ-ببعض قطع من الأسطول أمام الجزائر بمهاجمته لأولئك الفرسان بطرابلس وطردهم منها، وصدع توا لأمره وهاجم طرابلس، واستسلم له فرسان مالطة سريعا سنة ٩٥٨ هـ/١٥٥١ م. وأصبحت طرابلس ومنطقتها تابعة للدولة العثمانية، وكان مراد أغا أول من شغل منصب الوالى التركى بها، فعمل توا على ترميم القلعة وتعمير المدينة، وحوّل الكنيسة التى بناها فرسان مالطة بالقلعة إلى مسجد، وأخذت الحياة العامة فى طرابلس تنشط ونشطت معها التجارة، وسرعان ما أصبحت طرابلس قاعدة مهمة من قواعد البحرية العثمانية فى البحر المتوسط. وأدركته الشيخوخة سريعا، فرأى ترك طرابلس سنة ٩٦٤ هـ/١٥٥٦ م إلى تاجوراء، لتمضية بقية حياته، وخلفه على البلاد من قبل الدولة العثمانية درغوت، وكان قائدا بحريا عظيما، فاتخذ طرابلس قاعدة كبرى لعملياته البحرية الحربية ضد قراصنة وأساطيل الأوربيين من إسبان وغير إسبان، وكثرت بها الغنائم والأسرى الأوربيون، وبذلك أعاد إلى الأذهان سيرة خير الدين (بربروس) فى الساحل الجزائرى واتخاذه الجزائر وغيرها من مدن هذا الساحل قاعدة لأعماله البحرية العظيمة التى ظلت ترتعد لها فرائص الأوربيين، وبالمثل أنزل بهم الفزع والرعب درغوت بسفنه البحرية وجنوده من الترك والطرابلسيين المغاوير. وعنى عناية واسعة بتحصين المدينة فأنشأ بها أبراجا مختلفة وقصرا له ودارا للبارود وأذن للأسرى المسيحيين بإنشاء مقبرة خاصة بهم مما يدل على كثرتهم فى أيامه بسبب حملات أسطوله البحرية وجهاد جنوده البحرى فى سبيل الإسلام وحماية ديار أبنائه المغاربة. وأنشأ بطرابلس جامعا عظيما ضم رفاته حين توفى سنة ٩٧٠ هـ/١٥٦٢ م ووليها بعده علج على ساعده الأيمن فى القيادة البحرية لفترة محدودة، وخلفه عليها جعفر باشا وولاة آخرون منهم مصطفى باشا وفى عهده استولى ثائر من أهل البلاد هو يحيى الجبالى سنة ٩٩٢ هـ/١٥٨٤ م على كل ما سوى

стр. 4215

طرابلس من المدن والأوطان وجبى خراجها، وزحف إلى المدينة وحاصرها، واستدعت الدولة العثمانية الوالى سنة ٩٩٧ هـ/١٥٨٨ م لتهدئة الثائرين، وأرسلت أسطولا لفك الحصار عن طرابلس وتعقب الثائر، وسرعان ما فكّ الحصار وهزم يحيى الجبالى وتوغّل فى الصحراء مع الأعراب، وقتل، وانتهت ثورته. وكانت الدولة العثمانية ترسل مع ولاتها فى الولايات المختلفة التابعة لها حاميات عسكرية من جنودها الانكشارية، وكثرتهم كانت من أطفال البلاد الأوربية النصرانية التى كانت تحاربها أو الولايات التى كانت تدين لها بالولاء، أو من أبناء الشعب الذين رغبوا فى الانضمام إلى هؤلاء الجنود، وكانت تربّيهم تربية عسكرية إسلامية، وتؤلف منهم عددا ضخما فى جيوشها وترسل منهم مع ولاتها حرسا أو حامية كبيرة، وكانت الحامية تنقسم إلى فرق، ولكل فرقة رئيس منها يلقّب بالداى بمعنى ملازم. وما نصل إلى القرن الحادى عشر الهجرى حتى تبرز نزعة قوية فى صفوف حاميات الانكشارية بالولايات العثمانية المختلفة للاستقلال بها وأن يتولاها داياتهم، وفى سنة ١٠٢٠ هـ/١٦١١ م نلتقى بصفر أول داى يحكم طرابلس ويدبّر شئونها، وعنى بالحرب البحرية أو الجهاد البحرى الطرابلسى مما جعل الأسرى المسيحيين يكثرون بطرابلس فى أيامه. وحكم طرابلس بعده الداى مصطفى الشريف سنة ١٠٣٤ هـ/١٦٢٤ م وفى عهده نشطت البحرية، وعنى بتحسين بعض الحصون، وتولّى طرابلس بعده الداى رمضان، وكان ضعيف الشخصية، وتخلّى عن الحكم سريعا إلى صهره محمد الساقزلى (١٠٤٣ - ١٠٥٩ هـ/ ١٦٣٣ - ١٦٤٩ م) وهو ثالث ولاة طرابلس العثمانيين العظام بعد مراد أغا ودرغوت، وكانت له مثل درغوت شهرة بين أبطال البحر العثمانية، وكان الأسطول الطرابلسى فى عهده يتكوّن من ٢٤ قطعة، وكانت برقة قد دخلت فى طاعة العثمانيين منذ استيلائهم على مصر سنة ٩٢٣ هـ/١٥١٧ م وضمّها محمد الساقزلى إلى ولايته فى طرابلس ونشطت التجارة وحركة العمران فى عهده نشاطا عظيما. وتوفى سنة ١٠٥٩ للهجرة وخلفه عثمان الساقزلى وهو مثل محمد الساقزلى من أهم ولاة ليبيا، وقد طال حكمه لها إلى نحو ثلاث وعشرين سنة، وازدهرت التجارة فى عهده ازدهارا عظيما، كما ازدهر النشاط البحرى، وزار طرابلس لأول عهده العياشى فى رحلته المشهورة إلى الحج، وفيها يشيد بطرابلس ومبانيها وأهلها وكرمهم الفياض وواليها عثمان الساقزلى ويقول إن له نكاية فى العدو، وله مراكب قلّ نظيرها معدّة للجهاد، ويذكر أنه رأى ستة من هذه المراكب أو السفن وهى تخرج لجهاد أعداء الدين، وكانت تحمل نحو ألفى مقاتل خرجت-كما يقول-مجتمعة إرهابا للعدو حين يراها. وكانت تجلب كثيرا من الغنائم والأسرى مما جعل عثمان الساقزلى يبنى لهم سجنا كبيرا كان به نحو تسعين غرفة أو زنزانة بجانب سجنى الداى صفر ومحمد الساقزلى، وجعل بعض القاعات فى قصر درغوت

стр. 4216

مستشفى خاصا بالأسرى، وخصّص لرعايتهم طائفة من الأطباء، وألحق بالمستشفى صيدلية لتحضير ما يلزمهم من الأدوية. وأنشأ لنفسه قصرا بديعا، كما أنشأ مدرسة قرب باب البحر لا تزال قائمة إلى اليوم، وبنى فى سنة ١٠٦٥ هـ/١٦٥٤ م فندقا كبيرا كان به مائة غرفة كما كان به بئر فى ساحته، وعنى بأسواق البلدة، وكان عهده عهد أمن واستقرار وعمران مزدهر إلى أن توفى سنة ١٠٨٢ هـ/١٦٧١ م. وتعاقب دايات بعده ضعاف الشخصية على حكم ليبيا وكثرت تهديدات الأساطيل الأوربية إنجليزية وفرنسية، وكانوا يشفعون التهديد بقصف طرابلس حتى تضطر إلى مفاوضتهم وإرجاع أسراهم إليهم، وكانت طرابلس تردهم إليهم طلبا من داياتها للمهادنة ورغبة فى السلام. ومن خير ولاتها فى أوائل القرن الثانى عشر الهجرى محمد الإمام الذى أقام علاقات حسنة مع بعض الدول الأوربية وخاصة فرنسا، وبنى له مسجدا بسوق الترك وجدّد بناء هذا السوق وسوق الحرير. وسمح الوالى بعده خليل الأرناء وطى (١٠٩٠ - ١٠٩٦ هـ) لإسبانيا بإقامة قنصلية لها فى طرابلس، وكان ظلوما غشوما واتخذ بطانة له من النصارى ضعف دين وسوء سياسة. وتتردّى طرابلس وليبيا فى هاوية من الصراعات والانقسامات، وينقذهما منها إجماع رأى الانكشارية على تولى أحمد القرمانلى طرابلس وليبيا سنة ١١٢٣ هـ/١٧١١ م وكان شخصية قوية، فأخذ يعمل على استقلاله بليبيا وطرابلس وجعلها وراثية فى أبنائه، وتلقّب بأمير المؤمنين، وأخذ يعنى بشئون الدفاع عن طرابلس وتجديد أسوارها وأبراجها وتزويد الحصون بمدافع من عيارات كبيرة، وبنى مسجدا كبيرا وألحق به مدرسة، كما بنى بعض قصور له، منها قصر للاّزينوبا الذى نفّذ فيه مذبحته للإنكشارية، إذ دعاهم إليه، وقد أكمن لهم فى سقوفه ودهاليزه من اغتالوهم حتى يستطيع أن يحكم البلاد حكما نظيفا من شغبهم، وكأنما حاكاه محمد على-فيما بعد-حين اغتال المماليك بالقلعة. وكان حكمه حكما عادلا رشيدا، وامتد إلى نحو خمسة وثلاثين عاما، مما أعطاه الفرصة لينهض بأعمال كثيرة، من ذلك إجراؤه الماء لطرابلس على حنايا ليسقى به أهلها وينتفعوا به، ومنها بناء سوق فسيح الفناء وبناء بيوت ومقاصير أنيقة فى القلعة، ومنها بناء فسقية بقرب البحر لينهل منها أهل السفن من أسطوله وغيرهم، وفى سنة ١١٤١ هـ/١٧٢٨ م اندفع إلى طرابلس أسطول فرنسى فى مظاهرة بحرية ليرغم القرمانلى على رد بعض غنائم لأسطوله ورد الحرية إلى الأسرى الفرنسيين ودفع بعض التعويضات، فرفض مطالبه بعنف، وأخذ الأسطول الفرنسى يقذف طرابلس بالقنابل قذفا شديدا لمدة ثلاثة أيام والقرمانلى مصر على موقفه ونفدت ذخائر الأسطول الفرنسى فانسحب إلى البحر ولم يعد ثانية إلى المياه الطرابلسية. وحمد له الطرابلسيون هذا الموقف الشجاع. وانتعشت الحركة التجارية لعهده انتعاشا كبيرا إلى أن توفى سنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٥ م وخلفه ابنه محمد حتى سنة

стр. 4217

١١٦٧ هـ/١٧٥٣ م وكان عهده عهد أمن ورخاء واستقرار كعهد أبيه وخلفه ابنه على الذى ظل بيده صولجان الحكم فى طرابلس وليبيا لنحو أربعين عاما إذ توفى سنة ١٢٠٨ هـ/١٧٩٣ م وتميزت الفترة الأولى من عهده بالأمن والرخاء ونشاط الزراعة والتجارة، حتى إذا كانت سنة ١١٩٩ هـ/١٧٨٤ م حدثت كارثة خطيرة عصفت بطرابلس وإقليمها: كارثة مجاعة كبرى ظلت عامين وانتشر معها وباء الطاعون، وانهار لذلك اقتصاد طرابلس فى العهد الأخير لعلى القرمانلى، وظلت لهذا الانهيار بعده آثار غير قليلة، وفى عهده أقامت دول البحر المتوسط الأوربية قنصليات لها فى طرابلس مع مصادقته على ما منحته من امتيازات أجنبية، مما يدل على حمقه وهوجه وقصر نظره. وبعد وفاته حدثت انقسامات بين أبنائه على الحكم، وقتل ابنه يوسف أخاه الحسن، وشق عصا الطاعة عليه أخوه أحمد، وانتهز الفرصة مغامر عثمانى هو على برغل كان يقود بعض سفن صغيرة مسلحة فى البحر المتوسط، فنزل طرابلس واستولى عليها سنة ١٢٠٨ هـ/١٧٩٣ م دون مقاومة تذكر، وغضب لذلك باى تونس، إذ استغاثت به الأسرة القرمانلية، وردت إليها سنة ١٢١٠ هـ/١٧٩٥ م وتولّى مقاليد الحكم بطرابلس وليبيا يوسف القرمانلى، ومهما كانت الطرق التى سلكها مع إخوته للاستيلاء على الحكم فإنه كان حاكما ممتازا، ونعمت البلاد فى عهده بالأمن والرخاء والانتعاش التجارى ونشاط العلاقات بين طرابلس ومدن الشواطئ والانفتاح على الغرب والتعرف على مدنيته، مما أعدّها لاستقبال العصر الحديث. وكانت الأقطار العربية قد أخذت تستعد-منذ فاتحة القرن التاسع عشر الميلادى- لاستقبال هذا العصر عقب نزول الحملة الفرنسية مصر واندحارها بفضل مقاومة الشعب المصرى. وقد أيقظ هذا الحدث الخطير البلاد العربية جميعا من سبات عميق كان قد استغرقها منذ احتلال العثمانيين لأراضيها فى القرن العاشر الهجرى/السادس عشر الميلادى، وأخذت كل منها تستشعر شخصيتها وتحاول انبعاثها انبعاثا جديدا بصور تختلف سرعتها باختلاف ظروفها الخاصة، وكانت مصر أسرعها إلى هذا الانبعاث، وهو انبعاث كان يقوم فيها-وفى جميع الأقطار العربية-على ركنين: ركن التمسك بالتراث الإسلامى العربى على نحو ما يمثله الأزهر. وتمخض هذا التمسك فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر عن ظهور الشيخ محمد عبده ودعوته الإصلاحية الدينية الكبيرة، والركن الثانى ركن التعرف على ما سبقت إليه أوربا فى ميادين العلم والأدب والحضارة، مما جعل مصر تسبق شقيقاتها العربيات فى إرسال البعوث إلى الغرب وإنشاء المدارس العلمية المختلفة فى الطب وغير الطب لعهد محمد على. وفى رأينا أن فجر العصر الحديث بليبيا أخذ ينشر أضواءه بطرابلس فيها لعهد يوسف القرمانلى وإن لم تكن أضواء مكتسحة، ولكنها أضواء على كل حال، إذ أخذ يوسف يحاول

стр. 4218

انفتاح طرابلس على الغرب، عن طريق عنايته بأسطوله وما كان يجنى منه من اتفاقيات الحماية الكثيرة لسفن الدول الأوربية فى البحر المتوسط. وكانت الدولة تأخذ من ذلك إتاوات واسعة تفرضها على تلك الدول، وكان من بينها السويد، فطالبها يوسف بمائة ألف فرنك هدية وبدفع إتاوة سنوية قدرها ثمانية آلاف فرنك. وامتنع قنصلها فى طرابلس من أداء ما طلبه يوسف، فأمر بإغلاق قنصليته، واستولى أسطوله على بعض السفن السويدية فى البحر المتوسط، ووسّطت السويد نابليون عند يوسف، فوافق على أن تخفّض الهدية إلى ثمانين ألف فرنك، وتظل الإتاوة البحرية السنوية كما هى: ثمانية آلاف فرنك، وأعاد يوسف إلى السويد سفنها الأسيرة. ورأى فى سنة ١٢١٧ هـ/١٨٠٢ م أن يفرض على السفن الأمريكية التى تمخر عباب البحر المتوسط إتاوة سنوية على شاكلة ما يفرض على السفن الأوربية، وأبت تلك السفن أن تدفع شيئا، فصادرها، وحاصر الأسطول الأمريكى طرابلس عشرين يوما، وهزمه الأسطول الطرابلسى، فانسحب إلى مالطة-ووسّط الأمريكيون القنصل الإنجليزى ووالى الجزائر العثمانى، وقبل يوسف وساطتهما، وردّ إلى الأمريكيين سفنهم. وواضح أن طرابلس احتلّت لعهد يوسف القرمانلى مكانة كبيرة فى العلاقات الدولية لم تحظ بها فى أى عهد سابق، لا بما كانت تفرضه من إتاوات سنوية على سفن الدول الأوربية فحسب، بل أيضا بكثرة الوفود الأوربية التى كانت تقدم على طرابلس للتفاوض والتصالح أو للتهديد والوعيد أو لدفع الإتاوات المفروضة. وكل ذلك كان بشارة العصر الحديث فى ليبيا واستشعار طرابلس لشخصيتها العربية بقوة، غير أن المسيحيين الأوربيين كانوا لهذه النهضة بالمرصاد، فتجمعوا فى مؤتمر اكس لاشابيل سنة ١٢٣٣ هـ/١٨١٨ م وقرروا تفويض الدول الأوربية منع الإتاوات البحرية لمدن الشمال الإفريقى: طرابلس وغيرها وما يتصل بتلك الإتاوات من جهاد رجال البحرية الإفريقية فى البحر المتوسط، وسموه قرصنة. وأخذت طرابلس تشهد مظاهرات واستعراضات لأساطيل إنجلترا ودول البحر المتوسط، وأخذت تلك الأساطيل ترغم يوسف القرمانلى على تحرير الأسرى المسيحيين والكف عن الغارات البحرية، ففقدت طرابلس موردا كبيرا من المال كانت تعتمد عليه فى إدارة البلاد ونهضتها، وأخذ يوسف القرمانلى يشعر بالضيق، ويزداد ضيقه سنة بعد أخرى لتراكم الديون على الدولة، مما دفعه فى النهاية إلى أن يتنازل لابنه على القرمانلى عن الحكم سنة ١٢٤٨ هـ/١٨٣٢ م. ولم تكد تستدير ثلاثة أعوام حتى استردت الدولة العثمانية طرابلس وليبيا، إذ أرسلت إليهما حاكما جديدا استسلم له على القرمانلى، وبذلك انتهى عهد الأسرة القرمانلية فى طرابلس وليبيا، وتعاقب عليهما ولاة عثمانيون طوال القرن التاسع عشر، وأخذ كثيرون منهم يستجيبون لمقتضيات العصر الحديث من التطور بطرابلس وليبيا وبأسلوب الحكم.

стр. 4219

وظلت صور التعليم القديم فى الكتاتيب والزوايا وحلقات المساجد قائمة، وعنى العثمانيون بإنشاء مدارس تركية فى مدن طرابلس والخمس وبنغازى ودرنة، وكان يراد بها إلى تخريج موظفى الدولة، وألم الطلاب فيها ببعض العلوم العصرية مما يصلهم بالحياة العصرية بعض الاتصال، وأخذت إيطاليا تنشئ مدارس لها فى طرابلس والخمس تصل من يتعلمون بها باللغة والثقافة الإيطاليتين إعدادا خبيثا لما كانت تنتويه من احتلال ليبيا. وكان القرن التاسع عشر فى ليبيا يحمل كل ذلك وأهم منه الزوايا السنوسية التى بدأ إنشاءها محمد بن على السنوسى الجزائرى الأصل والمولد والأسرة وكان قد طوف بالبلاد المغربية وتغلغل فى الصحراء الجنوبية لتلك البلاد حتى السودان، وشاهد زوايا المتصوفة المنبثة فى تلك الأنحاء، وأدّى فريضة الحج سنة ١٢٤١ هـ/١٨٢٥ م وظل بمكة خمسة عشر عاما عرف فى أثنائها الدعوة الوهابية وما تدعو إليه من الرجوع إلى مصادر الإسلام الأولى من القرآن الكريم والحديث النبوى، فرأى أن يدعو نفس الدعوة، وأن يتخذ لدعوته نظام الزوايا المعروف فى البلاد المغربية، ولكن أى بلاد المغرب يختاره لزواياه. إن الطريقة الشاذلية تعم المغرب الأقصى وتونس وتعم الجزائر طريقة أبى مدين، وتزاحم الطريقتين فى تلك البلدان طرق أخرى بينما ليبيا-وخاصة برقة فيها-لا تشيع بها طريقة صوفية معينة، وكان قد زار أنحاءها البدوية ورأى أهلها غارقين فى دياجير الجهالة بمبادئ الإسلام وتعاليمه وهم لذلك فى حاجة إلى داع ودعوة تهديهم إلى سبيل الرشاد. ونزل برقة، وأقام لنفسه الزاوية البيضاء فى الجبل الأخضر بها، ورأى الناس يستجيبون لدعوته، فعاد إلى مكة وكان قد ترك بها أهله، ثم رجع إلى برقة ونقل مركز دعوته من الزاوية البيضاء إلى واحة جغبوب، وأخذت الدعوة السنوسية تنتشر فى عهده وعهد ابنه محمد المهدى، حتى أصبح لها نحو مائة زاوية فى بوادى برقة وحضرها فى بنغازى ودرنة. وبذلك عمت اليقظة الإسلامية العربية التى كانت أضواؤها أخذت تتفلّت إلى طرابلس وإقليمها فى عهد يوسف القرمانلى إذ أشاعتها الدعوة السنوسية فى بوادى برقة وحضرها. ولعل فى ذلك كله ما يوضح كيف كان القرن التاسع عشر مبدأ تاريخ ليبيا الحديث وكل ما يتصل به من أدب وغير أدب.

стр. 4220

الفصل الثّانى المجتمع الليبى (١) ١ - عناصر السكان سكان ليبيا-منذ الأزمان السحيقة-سلالات عريقة من البربر الذين استوطنوا قديما الشمال الإفريقى من مصر إلى المحيط الأطلسى، واختلف المؤرخون فى بيان أصل منشئهم، فمن قائل إن جدودهم هاجروا إلى بلاد المغرب من فلسطين، ومن قائل إنهم عرب هاجروا من جنوب الجزيرة: من حمير، ويقال بل إن أصلهم من عرب الشمال، ويقول الطبرى إنهم أخلاط من كنعان والعماليق وغيرهم، ويقول ابن خلدون إنهم من ولد كنعان بن حام. وعلى هذا النحو يضطرب المؤرخون فى أصلهم وهل هم من العرب الساميين أو هم حاميون أو هم من الفلسطينيين الذين أخرجوا قديما من ديارهم. ومعروف أن قبائل منهم حين اعتنقت الدين الحنيف وتعرّبت انتسبت إلى حمير أو إلى بعض القبائل العدنانية، وهو إحساس عميق بأنهم يرجعون إلى أصول عربية. وليس هؤلاء السكان للشمال الإفريقى هم الذين سموا أنفسهم بربرا، إنما سماهم بذلك الرومان أخذا من الكلمة الإغريقية: «بربروس» ومعناها: الأجنبى الذى يتكلم لغة غير

стр. 4221

مفهومة، إذ كان لسان المغاربة بالقياس إلى الرومان أصواتا مبهمة لا يفهمونها. وحين فتح العرب البلاد المغربية وجدوا هذا الاسم «البربر» يطلق على سكانها، فاستخدموه، ومن الغريب أن فعل بربر فى العربية بمعنى قريب من المعنى الإغريقى، إذ يراد به التمتمة فى الكلام بحيث لا يفهم. ويقسّم النسّابون هذه الأمة الضخمة من حيث أسلوب الحياة إلى حضر وبدو رحّل، ويسمون الأولين البرانس وهم سكان المدن الشمالية مثل هوارة ونفزاوة فى ليبيا وتونس وكتامة وصنهاجة فى الجزائر ومصمودة فى المغرب الأقصى. ويسمون الثانيين الرحّل باسم البتر وهم سكان الهضاب والصحارى مثل لواته فى برقة ونفوسة فى طرابلس. والمظنون أن أهل ليبيا كانوا يعيشون أولا على الترحال وراء المراعى، حتى قدم عليهم الفينيقيون فى طرابلس واليونان فى برقة، فأنشئوا المدن وأخذ الليبيون يستقرون فيها وفيما وراءها من السهول والوديان. ونزل القرطاجيون مع الفينيقيين فى طرابلس، واكتسح الرومان طرابلس وبرقة جميعا. وبذلك تكاثرت العناصر التى نزلت ليبيا قديما من الفينيقيين والقرطاجيين واليونان والرومان ونزلتها -وظلت تنزلها-سلالات من الزنوج منذ زمن الفينيقيين بعامل الاتجار فى الرقيق ومن أجل الانتفاع بهم فى المزارع والمراعى، وكانوا يكثرون فى فزّان. ونزلت ليبيا فى زمن القرطاجيين- منذ القرن الثالث قبل الميلاد-جماعات من اليهود، وبالمثل بعد تخريب تيتوس لمعبد بيت المقدس سنة ٧٠ للميلاد. ونزلتها فى القرن الخامس الميلادى جماعات من الواندال الألمان. ونزلها لخدمة الكنائس المسيحية بها بعض رهبان القبط المصريين. ومعنى ذلك أن سلالات ليبيا الأصيلة من البربر وفدت عليها عناصر جنسية أجنبية كثيرة من قارات العالم الثلاث القديمة: من آسيا ممثلة فى الفينيقيين والقرطاجيين واليهود، ومن أوربا ممثلة فى الإغريق والرومان والواندال، ومن إفريقيا ممثلة فى الزنوج والقبط المصريين. وهذا كله قبل الفتح العربى، وأخذ ينزلها معه وبعده مزيد من الأجناس الوافدة وخاصة من العرب وجيوشهم الباسلة ومن كان بها من الفرس والعراق والشام ومصر. ولا ننسى هجرة العرب الكبرى إلى ليبيا وإفريقيا فى القرن الخامس الهجرى وقد استوطن بنو سليم برقة. ومنذ القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) أخذ ينزلها أندلسيون كثيرون فى أثناء سقوط مدنهم فى حجر الإسبان، وتكاثر نزولهم فى أوائل القرن السابع عشر الميلادى حين أخرج الإسبان من بقى بديارهم من المسلمين. ونزلت طرابلس بعض أسر إسبانية حين احتلها الإسبان سنة ٩١٦ هـ/١٥١٠ م وبالمثل نزلتها أسر مالطية كثيرة حين احتلها بعدهم فرسان مالطة. وفى العهد العثمانى الذى ظل حقبا متطاولة نزل طرابلس وليبيا كثير من الترك والأسر التركية بجانب من نزلوها من الانكشارية وجنود الترك سوى عناصر الأكراد والشركس.

стр. 4222

وقد اندمج كثير من هذه العناصر قديما فى البربر وحديثا أو بعد الفتح العربى فيهم وفى العرب فقد ظلوا دائما العناصر الأساسية فى ليبيا وأكثرها نبلا واحتراما وشعورا بالشخصية، حتى لنستطيع أن نقول بصفة عامة، رغم كل العناصر التى نزلت ليبيا، إنها تكوّن وحدة كبيرة من عرب وبربر، بل لقد اندمج بعضهم فى بعض بحيث لا تستطيع أن تميز الوجه العربى من الوجه البربرى، بل لقد أصبحت الوجوه جميعا ليبية لا فرق بين بربرى وغير بربرى. ٢ - المعيشة مرّ بنا أن الفينيقيين أقاموا فى طرابلس لتكون مركزا لتجارتهم وأقاموا معها صبراتة غربيها ولبدة شرقيها، وبالمثل أقام الإغريق فى شرقى ليبيا سيرين، وأضافوا إليها أربعة مدن: مدينة مكان سوسة الحالية، وبرقة، ومدينة مكان طوكره الحالية، وبنغازى. وكل هذه المدن حول طرابلس وفى شرقى البلاد كانت مراكز تجارية فى العصور السحيقة، وظلت التجارة النشاط الأساسى لأهلها، يتخذونها معاشا لهم طوال العصور الماضية، وأخذت تقام معها على الساحل الليبى مدن أخرى مثل زواوة غربى طرابلس وإلى شرقيها لبده وزليطن ومصراته وسرت، ومثل أجدابية وطلمثية ودرنة وطبرق فى إقليم برقة. وسكان كل هذه المدن كانوا يعنون بالتجارة وما تحمل إليهم القوافل من السودان والجنوب وما تحمل إليهم السفن من عروض البحر المتوسط شرقا وشمالا. وكانوا يعنون-إلى جانب ذلك ببعض الصناعات اليدوية وصيد البحر، ويصف ابن حوقل-فى القرن الرابع الهجرى-طرابلس قائلا: «بها من الفواكه الطيبة اللذيذة كالخوخ والكمثرى اللذين لا شبه لهما بمكان، وبها الجهاز الكثير من الصوف والأكسية الفاخرة الزرق والكحل النفوسية السود والبيض الثمينة» ولا يلبث أن يذكر النشاط التجارى بها قائلا: «إلى مراكب ترسو ليلا ونهارا وترد بالتجارة على مر الأوقات والساعات صباحا ومساء، من بلد الروم وأرض المغرب، بضروب الأمتعة والمطاعم» ويقول البكرى: «لطرابلس أسواق حافلة جامعة». ويضعف نشاط طرابلس التجارى حين اكتسحتها موجات الهجرة الأعرابية فى منتصف القرن الخامس الهجرى، ويعود إليها نشاطها فى التجارة مع استيلاء دولة الموحدين إليها وعودة الأمن والاستقرار إلى ربوعها، وظلت إلى اليوم أهم مدينة تجارية فى ليبيا. وكانت برقة منذ نزلها اليونان وأسّسوا بها المدن الخمس المذكورة آنفا تلعب دورا كبيرا فى التجارة بليبيا، وحين نزلها ابن حوقل كانت لا تزال مدينة برقة (المرج منذ أواسط القرن السابع

стр. 4223

الهجرى) قائمة وتحدث عن نشاطها التجارى قائلا: «وجوه أموالها جمّة، وبها من التجار وكثرة الغرباء فى كل وقت مالا ينقطع، طلاّبا لما فيها من التجارة، وعابرين عليها مغرّبين ومشرّقين» وقال إنها تنفرد بالتجارة فى القطران والجلود المجلوبة للدباغة بمصر والتمور الواصلة إليها من واحة أوجله (والواحات الأخرى) ولها أسواق عدة لبيع الصوف والفلفل والعسل والشمع والزيت وضروب المتاجر الصادرة من المشرق والواردة من المغرب. وذكر ابن حوقل للفلفل يجعلنا نذكر كيف أن ميناءى برقة وطرابلس كانا من قديم-كما مر بنا-مصبّا للقوافل المصعدة من السودان وأواسط إفريقيا إليهما والمنحدرة منهما إلى تلك الأنحاء، وكانت تلك القوافل تأتى محمّلة بسلع الرقيق وريش النعام والعاج أو سن الفيل والجلود، وتعود محمّلة بسلع ليبيا والبحر المتوسط، بحيث ظلت ليبيا قرونا متطاولة الباب أو المنفذ الكبير بين البحر المتوسط وبلدانه الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية، وكان ذلك عاملا قويا فى ازدهار التجارة بطرابلس وبرقة والموانى الساحلية بالإضافة إلى ما كان بليبيا من سلع كثيرة من مثل القمح والشعير والزيت والملح والجلود والتمور والعسل والبسط والسجاجيد والأكلمة. وهذا النشاط التجارى لسكان ليبيا كان يرافقه نشاط زراعى حول المدن الساحلية حيث تكثر الأمطار ومن ورائها فى السهول وفى وديان الجبال وفى المنطقة شبه الصحراوية والواحات من مثل واحة فزان. وتكثر زراعة الخضر والكروم والفواكه من كل صنف، وينمو الزيتون بكثرة فى جبال طرابلس والجبل الأخضر ببرقة، وكانت روما قديما تعتمد فى الزيت على ما تستورده من معاصر طرابلس. وتنمو بليبيا أشجار الحناء والجدارى التى تستخدم جذورها فى الصبغة، كما تنمو فى المنطقة شبه الصحراوية الحلفاء البرية ذات الأوراق الخيطية الشكل، وكانوا يستخدمونها فى صنع القفاف والحبال، وهى صالحة كل الصلاحية لصنع الورق. ويبذر الفلاحون الحبّ ويجنون القمح والشعير. وكانت روما تعتمد قديما على ما يأتيها من حبوب طرابلس، وبالمثل الإغريق بالقياس إلى ما يأتيهم من برقة، ومما يدل-بوضوح-على أنه كان بليبيا قديما نشاط زراعى واسع ما لا يزال ماثلا فى كثير من أنحائها من مجارى المياه وقنواتها وسدودها وخزاناتها التى أنشأها الرومان والإغريق، وتحجب عنا كثرته الآن الرمال بغطائها الثقيل التى ظلت تنسجه طوال القرون الماضية، وإن ليبيا لحرية أن يعود لها هذا المجد الزراعى العريق. ولم أذكر أهم شجر يتراءى بقامته الهيفاء فى كل مكان بأنحاء ليبيا فى السهل الشمالى وفى المنطقة شبه الصحراوية وفى جميع الواحات، وأقصد النخيل وثماره من البلح، ويقال إن بطرابلس من أنواعه ما يزيد عن ثلاثين نوعا وأن فى واحة غات وواحات فزان ما يبلغ خمسين نوعا. والزراعة لا تحتل فى ليبيا إلا الشطر الأقل فى الساحل والسهل الريفى وسفوح الجبال وبعض الوديان فى المنطقة شبه الصحراوية والواحات. والشطور الأخرى الكبيرة من ليبيا

стр. 4224

يحتلها من قديم بدو رحّل يعيشون على رعى الأنعام والأغنام، وهم يربونها للحومها وألبانها وجلودها وأوبارها وشعرها وصوفها. وينوّه البكرى الأندلسى المتوفى سنة ٤٨٧ بكثرة السائمة فى ليبيا ونموها الواسع فى مراعيها، ويقول إن كثرة ذبائح أهل مصر من ليبيا. وكان رعاتها من قبائل البدو الليبية يقتسمون مناطق الرعى بحيث لا يحق لقبيلة أن ترعى ماشيتها فى منطقة قبيلة أخرى دون استئذانها، وإلا شهرت عليها الحرب، بالضبط كما كان يحدث بين القبائل فى نجد بالجزيرة العربية. وكان الجفاف يصيب أحيانا ليبيا، فلا تنزل بها الأمطار التى تعوّدتها، فيعانى أهلها مجاعة شديدة، وربما كان ذلك هو سبب إيقاعهم-أحيانا-بحجاج المغرب والأندلس، بالضبط كما كان يصنع أهل نجد-بسبب ما يعانون من فقر وضنك-بحجاج العراق والشام ومصر، على أنه كان من شيوخ الليبيين فى قفار طرابلس وبرقة من يحمون الحجاج، مما جعل العبدرى يشهد لهم فى رحلته إلى الحج سنة ٦٨٩ للهجرة بأنهم لا يتعرّضون للحجاج بأذى إلا فى الندرة. وبجانب هذا النشاط الرعوى والزراعى والتجارى الذى كان مصدر معيشة أهل ليبيا طوال الحقب والقرون الماضية كانوا ينشطون من قديم فى الصناعات اليدوية من مثل صناعة الزجاج وآنيته التى مهر فيها الفينيقيون، وصناعة عصر الزيت من الزيتون، وكانت صناعة رائجة فى عصر الرومان، إذ كانوا يعتمدون-إلى حد كبير-على ما يستوردونه منه من طرابلس، وهيّأت الملاحات الكبيرة غربى طرابلس وفى بنغازى لقيام صناعة دبغ الجلود، كما هيأت لطحن الملح وتصديره، واشتهر بأنه لا يحتوى من سلفات الكلسيوم إلا على نسبة واحد فى المائة مما يجعله نوعا جيدا من الملح إلى أقصى غايات الجودة. ويشتهر الجبل الأخضر فى برقة بما ينتج من عسل النحل وشمعه، ويوجد المرمر فى بعض جهات طرابلس وبنغازى وخاصة فى غات، ومنه نوع وردى اللون وآخر ناصع البياض، وقد قامت حول اقتطاعه فى عهد الإغريق والرومان صناعة نشيطة، وبدون ريب أتاحت لهما كثرة هذا المرمر نحت ما شاءوا من التماثيل والمعابد والصهاريج، ولا يزال أطلال كثير منها قائما بليبيا إلى اليوم. وهيأت المراعى الكثيرة فى إقليمى طرابلس وبرقة وما وراءهما من الصحارى لكثرة الأصواف والأوبار المجزوزة من الأغنام والماعز والإبل، مما أتاح لقيام صناعات واسعة من النسيج: نسيج الملابس الرجالية والنسائية والسجاجيد والبسط التى يلائمها أشد الملاءمة الصوف الليبى لخشونته الطبيعية، بينما تلائم أوبار الإبل أقمشة الخيام. ولا ننسى ما كان يتعيش عليه بعض أهل ليبيا على امتداد الساحل الشمالى من صيد الحيتان والأسماك، وعنيت جماعة فى طرابلس وأخرى فى بنغازى بجلب الإسفنج الكثير فى مياههما. وفى كل ذلك ما يوضح كيف أن ليبيا كانت-حتى العصر الحديث-كثيرة الخيرات والطيبات من الرزق.

стр. 4225

٣ - الدين كان شأن أهل ليبيا فى العصور السحيقة شأن كل الأقاليم المغربية وثنيين يعبدون الكواكب والنجوم من مثل الشمس والقمر والكواكب السيارة جميعا ويقدمون لها القرابين ويقيمون لها المعابد. ويبدو أن اليهود لما نزلوا بديارهم منذ القرن الثالث قبل الميلاد أخذوا يحاولون نشر دينهم بين المغاربة، ويظن أن بعض جماعات منهم تهودت قديما وظلت جماعات منهم تعيش فى المدن المغربية، وجاءهم مدد جديد حين قوّض الإمبراطور تيتوس معبدهم فى بيت المقدس سنة ٧٠ للميلاد، ونلقاهم بعد إسلام أهل المغرب-بفضل تسامح الإسلام العظيم-منتشرين فى إقليم طرابلس: فى طرابلس نفسها وفى مصراته وسيرين، ويذكر المؤرخون والرحالة حارة لهم بطرابلس، ويقال إنها كانت شديدة القذارة كما يذكرون أنه كان لهم معبد خاص. وكانت المسيحية منتشرة-قبل الفتح العربى-بالمدن الساحلية فى ليبيا وغيرها من البلدان المغربية، وكانت شائعة فيها بين سلالات الفينيقيين والإغريق والرومان، بينما ظل جمهور البربر وثنيا. وربما اعتنق المسيحية بعض جماعات منهم فى المدن لما رأوا فيها من الدعوة إلى العدل والمساواة، ولكن لا شك أن هؤلاء كانوا أقلية، إذ كان الشعب البربرى يعدها دين حكامه الرومان المستبدين الطاغين، وهو ما جعلهم ينفرون منها نفورا شديدا وخاصة فى الهضاب والصحارى والجبال، ومع ذلك فقد سقط إلى هذه الأنحاء بعض القسس حينما اشتد أوار الخلافات الدينية واضطر بعض القساوسة إلى الفرار نحو الجبال أو نحو الجنوب، وأكبر الظن أنهم حاولوا الدعوة هناك إلى المسيحية، غير أنها لم تجد بين البربر هناك آذانا صاغية. وبدون ريب كانت المسيحية منتشرة-كما ذكرنا-بين المدن الساحلية، وربما عملت روما على نشرها منذ أعلن الإمبراطور قسطنطين سنة ٣١٢ للميلاد أنها دين الدولة الرسمى، وأخذت تعمل على نشرها فى البلاد التابعة لها. ويبدو أن القبط المصريين كانوا أسبق من هذه الحركة الرومانية فى نشر المسيحية بليبيا إذ تتحدث المصادر العربية عن مناطق بليبيا كان أهلها أقباطا، ولا بد أن عملوا على نشر عقيدتهم الأرثوذكسية المسيحية فيها، وبذلك عرفت ليبيا-قبل الفتح العربى-الكنيسة الأرثوذكسية المصرية كما عرفت الكنيسة الكاثوليكية عن طريق روما وتشييدها لها فى طرابلس وغيرها. وقد أخذ أبناء الكنيستين يتعايشون مع العرب فى العصور الإسلامية بالرغم من أن المسيحية

стр. 4226

تراجعت فى ليبيا وكاد يقضى عليها الدين الحنيف، إذ نجد أبا عبيد البكرى المتوفى سنة ٤٨٧ للهجرة يذكر أنه شاهد القبط فى طرابلس وبرقة لا يزالون يحتفظون بالقبطية فى زمنه ويتحدثون بها فى لغتهم اليومية مع أنها كانت قد اختفت فى ألسنة القبط بمصر وحلّت محلها العربية إلا ما كان فى بعض الأديرة المتعمقة فى الصحراء الغربية، وكان مما عمل على استمرار الكنيسة الأرثوذكسية وبقائها وجود أسر وسلالات من اليونان فى ليبيا، ومعروف أن كنيستهم مثل كنيسة القبط المصريين أرثوذكسية. ويدل على ذلك من بعض الوجوه أن نجد الواليين العثمانيين. محمد الساقزلى وعثمان الساقزلى يرخّصان لليونانيين فى زمنهما بإنشاء كنيسة أرثوذكسية قرب باب البحر وجعلاها تابعة لباترك الإسكندرية. وظلت الكنيسة الكاتوليكية- منذ أنشأها الرومان-حية فى طرابلس، وكانت تتبعها الجالية الرومانية القديمة، وظل يمدّها من تأسرهم سفن طرابلس الحربية فى البحر المتوسط من أوربا الشمالية والغربية وخاصة من إيطاليا وإسبانيا، وكانوا يعتنقون العقيدة الكاثوليكية المسيحية، ولا بد أن عنى الإسبان حين احتلوا طرابلس سنة ٩١٦ هـ/١٥١٠ وظلوا بها عشرين عاما بهذه الكنيسة، وبالمثل عنى بها فرسان مالطة حين تبعوا الإسبان فى احتلالها لنحو عشرين عاما أخرى، وقد كثر فى عهدهم نزول المالطيين بطرابلس، واستقرت بها من حينئذ بعثة الإرسالية الفرنشيسكانية للعناية بأمر المسيحيين وخاصة من كثر أسرهم فى البحر المتوسط من مسيحيى الغرب لعهد العثمانيين. ويفتح عمرو بن العاص برقة سنة ٢١ هـ/٦٤١ م ويدور العام وتفتح طرابلس، ولم يكن العرب المسلمون غزاة فاتحين ينهبون البلاد التى يفتحونها ويسوسون أهلها بالقهر والبطش كما كان الرومان والواندال يصنعون، بل كانوا-قبل كل شئ-ناشرين للإسلام وتعاليمه السمحة، دون محاولة لإكراه المغاربة عليه، ودون أى محاولة لإساءة معاملتهم، ومع إنقاذهم مما كان يفرضه عليهم البيزنطيون والرومان من الظلم والاستعباد، ومع ما يدعو إليه الدين الحنيف من عبادة إله واحد رحيم وسعت رحمته كل شئ، وهو دين الفطرة الإنسانية التى فطر الله الناس عليها، ليس فيه شئ من تجسيد اليهودية ولا من تثليث المسيحية التى يعجز المغربى عن فهمها وتصورها. والمسلمون جميعا عرب ومغاربة سواسية فى الحقوق والواجبات ولا سيد ولا مسود. وأخذ الحكام: عقبة بن نافع ومن جاءوا وراءه يصدرون عن هذه السياسة، وخاصة حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) الذى سوّى بين العرب والبربر فى الفيئ والخراج وعدّ أرضهم مفتوحة صلحا لا قهرا فلم يسلبها منهم. وشعورا منهم بهذه المساواة الكاملة بينهم وبين العرب فى جميع الحقوق انتظمت كتيبة منهم فى جيشه تبلغ اثنى عشر ألفا كما يقول ابن عذارى تجاهد فى سبيل الله نصرة لدينه. ويتسع انتشار الإسلام فى عهد الوالى بعده موسى بن نصير (٨٥ - ٩٧ هـ) من برقة إلى المحيط الأطلسى، إذ عمل-بكل جهده-على أن يعلم العرب البربر القرآن

стр. 4227

وتعاليم الإسلام، ولم يكتف بانتظام جماعات من البربر فى جيشه، فقد رأى إشراكهم فى الحكم، وولى منهم طارق بن زياد على طنجة وإقليمها، وعهد إليه بقيادة جيش لفتح إيبيريا، وكان جيشه مؤلفا من سبعة عشر ألفا من العرب واثنى عشر ألفا من البربر، كما يقول ابن عذارى-ويرسل عمر بن عبد العزيز على رأس المائة بعثة مكوّنة من عشرة فقهاء على رأسها إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر للدعوة للإسلام ونشره بين البربر. ومنذ هذا التاريخ أصبح الإسلام دين البربر فى كل مكان: فى الحواضر والبوادى وسفوح الجبال والهضاب والصحارى، ونعمت به ليبيا وغير ليبيا من بلاد المغرب، وقوّض الديانتين اليهودية والمسيحية، إذ انتشر بسرعة عجيبة لا فى المناطق الشمالية المحدودة التى كانا يوجدان فيها فحسب، بل أيضا بين سكان الصحارى والجبال، بحيث انضوى المغرب وجميع أرجائه تحت لوائه، وهو ما لم تستطع المسيحية أن تحققه فى عهد الرومان والبيزنطيين، بل إن من تبعها من البربر كانوا فئة أو فئات قليلة، وكأنما كان فى الإسلام سحر جذبهم إليه، وليس السحر إلا ما قدمناه من ملاءمة عقيدته للفطرة الإنسانية التى فطر الله الناس عليها، وأيضا لأنه يسوّى بين رعاياه القدماء من العرب والجدد من البربر ويرفعهم إلى أعلى المناصب. غير أنه بمجرد أن توفى الخليفة عمر بن عبد العزيز وتولّى بعده يزيد بن عبد الملك ثم أخوه هشام، إذا هما يوليان على البربر ولاة باغين طاغين ظلموهم ظلما شديدا، كما أسلفنا فى غير هذا الموضع، وكان أشدهم بغيا وطغيانا عبيد الله بن الحبحاب هو وولاته، وبلغ من سوء سياسته أن أخذ يفرق بين العرب والبربر فى الخراج وغير الخراج، فعمّ الاستياء فى كل مكان من سياسته، وأدهى من ذلك أن واليه على طنجة لم يكتف بالعدوان على البربر فى الخراج، فقد أعلن أنه يريد تخميس أراضيهم متناسيا أو متعاميا عما أعلنه حسان بن النعمان فى ولايته من أن أرض البلاد المغربية فتحت صلحا لا قهرا، فهى ملك لأهلها منهم ولا يصح العدوان عليها بحال من الأحوال. ٤ - الإباضية والشيعة كان طبيعيا-كما ذكرنا-أن تثور البلاد المغربية وأذكى ثوراتها وأمدّها بوقود جزل دعاة لمذهبين من مذاهب الخوارج هما مذهب الإباضية ومذهب الصفرية، عرفوهم بهما وبدعوة الخوارج عامة التى تدعو إلى الأخذ بنظرية الإسلام فى المساواة المطلقة فى الحكم وغير الحكم بين المسلمين جميعا عربا وغير عرب، فليس فى الإسلام أشراف هم العرب ومشروفون هم غير العرب،

стр. 4228

والخلافة لا تقصر على قبيلة قريش وحدها، بل هى حق للمسلمين جميعا، يتولاها أكفؤهم سواء أكان عربيا أم غير عربى، وسواء أكان قرشيا أم بربريا أم عبدا حبشيا. (ا) الإباضية اعتنق عقيدة الإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة كثيرون، ومرّ بنا إشعالهم لثورات فى طرابلس منذ سنة ١٢٦ للهجرة إلى أن أخمدتها سنة ١٤٤ الجيوش العباسية نهائيا إلا ما كان من حركات صغرى فى طرابلس وجبل نفوسة قضى عليها يزيد بن حاتم المهلبى حين ولاه المنصور سنة ١٥٤ للهجرة كثورة أبى حاتم الإباضى وثورة أبى يحيى الهوارى، وكان الحكام- وخاصة حكام الأغالبة-يستطيعون دائما قمعها، ولكن دون أن يستطيعوا القضاء على الدعوة قضاء مبرما، فقد ظلت حية هناك حياة مستمرة إلى اليوم. وكان ينبغى أن يشيد الباحثون الغربيون بالإسلام وأنه استطاع فى نحو ثمانين عاما أن ينتشر فى ديار المغرب: فى مدنه وجباله وصحاريه وبواديه وأن يمتلك من المغاربة أو قل من البربر قلوبهم وأفئدتهم بحيث أصبحوا يخلصون له ويحملون السلاح مع أهله للدفاع عنه ونشره فى أقاصى بلادهم المغربية وفى الأندلس، كما مر بنا، واتخذوا لغته لغة قومية لهم ورسخت-أو أخذت ترسخ-بينهم فى الجبال القاصية، بينما ظل الرومان قرونا متعاقبة يحكمون بلاد المغرب ويحاولون-بكل ما وسعهم-نشر لغتهم اللاتينية فيه ونشر عقيدتهم المسيحية، وخاصة منذ عهد قسطنطين وإعلانه أنها دين الدولة الرسمى، وظل البابا وقسسه ورهبانه يجاهدون فى نشرها بين البربر دون جدوى إلا ما كان من نفر ضئيل فى المدن الساحلية الشمالية، وبدلا من أن يسجلوا ذلك ويعترفوا للإسلام بمبادئه الروحية البسيطة التى لقيت استجابة لا تماثلها استجابة لا فى البقاع المغربية وحدها بل فى كل البقاع التى فتحها العرب الأولون: بقاع العراق وإيران والشام ومصر، إذ سرعان ما دخل أهلها جميعا فى الدين الحنيف بمجرد أن وقفوا على مبادئه وتعاليمه الدينية الروحية، أقول بدلا من أن يسجل الباحثون الغربيون هذه الظاهرة الكبرى للإسلام بالقياس إلى المسيحية وما تحمل من عقيدة التثليث المعقدة نرى نفرا منهم يطيب لهم أن يزعموا زعما باطلا أن حركات الإباضية بليبيا فى القرن الثانى الهجرى وبالمثل حركات الصفرية فى المغرب الأقصى والأوسط كانت حركات استقلالية قومية (١)، وهو زعم مخطئ أشد الخطأ، إذ لم يحاول أحد من البربر فى تلك الحركات الردة-أو الدعوة إلى المسيحية، كما لم يحاول أحد الردة، أو الدعوة إلى العودة إلى اللاتينية التى كانت منتشرة فى المدن الساحلية

стр. 4229

الشمالية وأخذت تنسحب أمام العربية دون عودة. ومن أكبر الأدلة على أن الدين الحنيف ولغته احتلاّ قلوب المغاربة وتغلغلا إلى السويداء منها أن نجد قبائل بربرية كثيرة تصطنع لها أنسابا تصلها بالعرب الجنوبيين فى اليمن أو بالعرب الشماليين سكان نجد، ومن يرجع إلى قواد ثورات الإباضية فى طرابلس ونفوسة الذين ذكرناهم فى غير هذا الموضع يرى أنهم كانوا عربا، ولم يكونوا من البربر، إذ كانوا فعلا بين تجيبى وحضرمى ومرادى ومعافرى، وجميعهم من العرب، مما يدل دلالة قاطعة على أن ثورات الإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة-وبالمثل ثورات الصفرية فى المغرب الأقصى والأوسط-لم تكن ثورات بربرية قومية، وإنما كانت ثورات إسلامية ضد الحكام الغاشمين الذين انحرفوا عن مبادئ الإسلام فى سياسة البربر وحكمهم، فأهدروا حقوقهم وفرّقوا بينهم وبين العرب فى الشئون المالية وغيرها. هى إذن ثورات كانت تستمد من روح الإسلام ومقاصده وتعاليمه فى نشر العدل والمساواة بين شعوبه عربا وغير عرب، وأيضا فإن هذه الثورات لم تقم على مبادئ بربرية إقليمية أو قومية، إنما قامت على مبادئ فرقتين من فرق الخوارج فى عمان والعراق، وقد تغيّتا فيهما سواء الإباضية أو الصفرية أغراضا وأهدافا إسلامية فى الحكم وتطبيقه وما ينبغى فيه من المساواة والعدالة المطلقة بين المسلمين جميعا عربا وغير عرب. وحرى بنا أن نتوقف قليلا لنعرف مبادئ الإباضية التى شاعت فى طرابلس وجبل نفوسة، وأول مبدأ لهم أن الخلافة-أو كما يسمونها الإمامة-ليست حقا لقريش ولا ميراثا لأسرة قرشية، بل هى حق لله وللمسلمين جميعا، وينبغى أن يتولاّها خير المسلمين تقوى وزهدا وورعا وتطبيقا لتعاليم الإسلام فى الحكم القائمة على العدالة والمساواة، وهم يفترقون عن عامة الخوارج فى أنهم لا يعدون مرتكب الكبيرة كافرا، بل يعدونه مسلما عاصيا ولا يعدون دار المسلمين سواهم دار حرب وينبغى أن يحملوا السلاح دائما ضدهم، وأيضا فإنهم يتوارثون معهم ويحلّون الزواج منهم، وهم بذلك أكثر مذاهب الخوارج قربا إلى الجماعة الإسلامية، حتى ليمكن أن يفصلوا عن الخوارج ويلحقوا بتلك الجماعة. ومعروف أن مؤسس العقيدة الإباضية هو عبد الله بن إباض التميمى، وعنه حملها جابر بن زيد الأزدى العمانى، وعن جابر حمل لواءها أبو عبيدة مسلم بن أبى كريمة التميمى ولاء البصرى موطنا، وقد أرسل سلمة بن سعد أحد تلاميذه إلى جبل نفوسة ليدعو الناس للدخول فى عقيدتهم الإباضية، واستجاب له كثيرون فاختار منهم خمسة للقاء ابن أبى كريمة بالبصرة، وعادوا مملوءين حماسة للعقيدة أو الدعوة، وأخذوا ينشرونها فى جبل نفوسة وطرابلس وإقليمها، حتى إذا كثر أتباع الدعوة أخذوا يثورون على الدولة الأموية ثم على الدولة العباسية على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع.

стр. 4230

(ب) الشيعة: الدعوة العبيدية إذا كان الإباضية نجحوا فى أن يظل جبل نفوسة موطنا لهم إلى اليوم وبعض أنحاء من طرابلس وإقليمها فإن الدعوة العبيدية الإسماعيلية، على الرغم من أنها أسست لها دولة فى إفريقية التونسية وانضوى تحت لوائها المغرب جميعه من برقة إلى المحيط الأطلسى فترة غير قليلة فى القرن الرابع الهجرى، لم تستطع أن تبقى فى طرابلس وإفريقية التونسية إلى ما بعد القرن الرابع. ومعروف أن فرقة الشيعة الإمامية انقسمت منذ أواسط القرن الثانى الهجرى إلى اثنى عشرية يؤمنون بأن الإمامة انتقلت من جعفر الصادق سادس الأئمة الفاطميين إلى ابنه موسى الكاظم، ويدين بذلك الآن شيعة العراق وإيران، وإلى إسماعيلية يؤمنون بأن الإمامة انتقلت من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل المتوفّى فى حياته، لأن الإمامة تنتقل فى عقيدتهم إلى الابن الأكبر حتى لو مات فى عهد أبيه، ونظّم هذه الدعوة عبد الله بن ميمون القدّاح واتخذ مركزا لها قرية سلمية بقرب اللاذقية، وأخذت تنتقل الإمامة فى تلك الدعوة سرا من أب لابن، حتى إذا كنا فى آخر القرن الثالث الهجرى كان الإمام عبيد الله المهدى، وتسلّل أحد دعاته الدهاة أبو عبد الله الصنعانى إلى الجزائر، واستطاع أن يقنع بتلك الدعوة الشيعية قبيلة كتامة، ولم يلبث أن قضى بها على الدولة التى كوّنتها الإباضية فى تيهرت بالجزائر، والأخرى التى كوّنتها الصفرية فى سجلماسة جنوبى المغرب الأقصى، وقاد من كتامة حملة قضى بها على دولة الأغالبة فى إفريقية التونسية سنة ٢٩٦ وكان قد ظل يدعو للرضا من آل البيت، حتى إذا قضى على الأغالبة كشف القناع عن وجهه، فأعلن قيام الدولة الفاطمية الإسماعيلية، واستدعى من سلمية الإمام المستتر بها أو المختفى عبيد الله. ووصل القيروان سنة ٢٩٧ وبويع بالخلافة بيعة عامة، ويسمى مؤرخو إفريقية التونسية الدولة باسم الدولة العبيدية نسبة إليه، وخاصة أن بعض المؤرخين تشكك فى نسب هذه الدولة إلى السيدة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، غير أن ابن خلدون أكد صحة نسبتها إليها وأنها فاطمية حقّا. وكان طبيعيا أن يحاول عبيد الله-حين بويع له بالخلافة-الاستيلاء على ليبيا ونشر الدعوة الإسماعيلية بها، لما فيها من طيبات الرزق، ولأنها طريقه إلى مصر المأمولة. وبمجرد استيلائه على القيروان تبعته طرابلس إذ كانت تتبعها فى أيام الأغالبة، وولّى عليها كتاميّا سنة ٢٩٨ فسلّط جنده الكتامى على أهلها من قبيلة هوارة، فغضبوا غضبا شديدا وفتكوا بجنده، ولم يلبث جيش كتامى أن حاصرها، ولم يفك حصاره لها إلا بعد أن أغرم أهلها غرامة ضخمة: ثلاثمائة ألف دينار. وحاول عبيد الله المهدى ضمّ برقة إلى دولته واستعصت عليه، فأرسل إليها جيشا كتاميّا على رأسه قائد يسمى حباسة الكتامى، ففتك بكثيرين من أهلها واستصفى أموالهم، وغرّم أهلها مائة ألف دينار. وعادت برقة سريعا إلى الثورة سنة ٣٠٤ للهجرة، وردّها أحد قادة عبيد الله إلى الطاعة. وثار الإباضية فى جبل

стр. 4231

نفوسة سنة ٣١٠ وهزموا جيشين لعبيد الله، وأخيرا انتصر جيش له على إباضية نفوسة، واستكانت ليبيا-منذ هذا التاريخ-لحكم الفاطميين طوال بقائهم فى إفريقية التونسية وفترة بعد مغادرة المعز العبيدى لها إلى القاهرة ولكنها كانت استكانة على مضض غير قليل، فقد ظل من بها من الإباضية فى جبل نفوسة وأنحاء طرابلس يعادون الدعوة العبيدية-أو الفاطمية- الإسماعيلية، كما ظل أهل السنة الذين تتألف منهم جماهير غفيرة فى طرابلس وبرقة يستنكرون الدعوة الإسماعيلية الشيعية ويرفضونها رفضا باتّا. وبمجرد أن انسحب حكمهم من إفريقية التونسية فى عهد المعز بن باديس (٤٠٦ - ٤٥٤ هـ). انسحبت معه عقيدتهم الإسماعيلية لا فى إفريقية التونسية وحدها بل أيضا فى طرابلس وإقليمها وجبل نفوسة، وبقيت لتلك العقيدة ظلال باهتة فى برقة لأنها كانت تتبع الدولة الفاطمية فى القاهرة، أما فى طرابلس وإفريقية التونسية وما وراءهما من البلاد المغربية فإنه لم يبق لها أى ظلال لا باهتة ولا غير باهتة، ويرجع ذلك فى رأينا إلى التطرف الشديد فى انحراف مبادئها عن الدين الحنيف وتعاليمه، حتى لتنسلخ جملة عنه، إذ تحيط أئمتها بهالة من التقديس لا يقرها الإسلام حتى لتزعم عصمتهم رافعة لهم فوق المستوى الإنسانى، بل إنها لتزعم أن الإمام العبيدى الإسماعيلى هو التجسّد الربانى للذات العليّة على الأرض، وهو لذلك المشرّع وصاحب الأمر العالم بالغيب وما سجّل فى ألواحه، وكل صفات الله- ﷻ -إنما هى صفاته، إلى غير ذلك من مبالغات بل من ترهات، سوّلت لبعض دعاة الخليفة العبيدى الحاكم بأمر الله أن يدعو إلى عبادته، وقد عرضت مبادئ هذه الدعوة الضالة بالتفصيل فى الجزء الخاص بمصر من هذه السلسلة الخاصة بتاريخ الأدب العربى، موضحا كيف أن مصر انصرفت عنها، بل رفضتها رفضا، وهو ما حدث فى طرابلس والبلاد المغربية. وكأنما دخلتها جميعا-حين كانوا يحكمونها-من باب شديد الضيق، ثم خرجت بعدهم-حين رحلوا عنها-من باب آخر ولم تترك وراءها أثرا. وعبثا حاول أبو عبد الله الصنعانى أن يقنع بها فقهاء القيروان وردوا عليه ردودا مفحمة، وأحسّ عبيد الله المهدى-بوضوح-نفور الناس من عقيدتهم الإسماعيلية نفورا شديدا، فطلب إلى دعاتها أن يخففوا من النشاط للدعوة لها، وبنى «المهدية» على رأس بارز فى الساحل على البحر المتوسط شرقى سوسة، وأحاطها بأسوار عالية قوية مع أبراج ضخمة وأبواب مصفحة بالحديد-كما يقول الحسن الوزان فى وصف إفريقيا-سنة ٣٠٥ ونقل إليها أسرته وأمواله وجنده حتى يأمن على نفسه. وظلت طرابلس وإقليمها بل أيضا برقة وإقليمها كما ظلت إفريقية التونسية مزورتين عن الدعوة الشيعية، وظلت الجماهير فيها جميعا مرتبطة بمذاهب أهل السنة إلى أن خرجت طرابلس وإقليمها كما خرجت إفريقية التونسية من الدعوة السيدية الاسماعيلية فى عهد المعز بن باديس على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع.

стр. 4232

٥ - الزهد والتصوف ازدهر الدين الحنيف فى جميع أنحاء ليبيا منذ القرن الأول الهجرى، وأخذت مساجده تبنى فى كل مكان: فى الحضر والبدو، ويرمز إلى ذلك المسجد الجامع الذى بناه فاتح ليبيا العظيم عمرو بن العاص فى طرابلس أمام باب قبيلة هوارة، وتنافس ولاة طرابلس وليبيا بعده فى بناء المساجد وخاصة ولاة الدولة الأغلبية، وخلفتها الدولة العبيدية، فعنى المهدى ببناء جامعها المتسع الأعظم، وبنى ابنه القائم جامعا حسن البناء فى مدينة أجدابية. وكان الشعب يشارك فى بناء الجوامع والمساجد فاكتظت بها ليبيا، وكانت جميعا بيوتا كبرى للعبادة والنسك، وكانت حلقات الفقهاء والعلماء فيها أشبه بمدارس للتعليم والدراسة، واشتهر كثيرون فى جميع أنحاء ليبيا بأنهم كانوا زهادا فى المتاع الدنيوى وأنهم كانوا عبّادا نسّاكا ينتظرون ما عند الله من ثواب الآخرة، ويسوق المالكى فى رياض النفوس وابن الدباغ فى معالم الإيمان والتجانى فى رحلته المشهورة وأحمد النائب فى نفحات النسرين والمنهل العذب والطاهر الزاوى فى أعلام ليبيا أسماء عشرات من زهاد ليبيا ونساكها على مر القرون. وممن نذكره من زهاد ليبيا ونساكها عبد الله الشعّاب المتوفى بعهد الأغالبة سنة ٢٤٣ للهجرة ولد بطرابلس ونشأ بها، وكان نجارا لا يأكل إلا من كسب يده، وتمّم بناء مسجد كان البناء فيه توقف، وسكنه وعاش يتعبّد لربه فيه، ونسب إليه إذ سمى بمسجد الشعاب ويقول مترجموه إنه كان من كبار الصوفية والنساك الورعين، ومن هؤلاء النساك عبد الجبار السّرتى المتوفى سنة ٢٨١ كان يختم القرآن مرة كل ليلة وختمه فى مسجده أكثر من ألف ختمة، ومنهم عبد الله بن إسماعيل البرقى المتوفى سنة ٣١٧ وكان يختم القرآن يوميا، ومنهم سعيد بن خلفون المتوفى سنة ٣٦٢ وكان من أكابر الصوفية واقفا على المعارف اللدنّية والقدسية وكان يسكن بمسجد منسوب إليه فى طرابلس، وكان للناس اعتقاد فيه حتى لقبوه بلقب المستجاب وأكثروا من الحديث عن كراماته، وكان يعاصره بطرابلس ابن زكرون على بن أحمد بن زكريا ابن الخطيب المتوفى سنة ٣٧٠ وكان يتخذ مسجد المجاز فى بلدته مسكنا ومأوى له، وكان عابدا ناسكا ورعا، وكان يعاصرهما أبو نزار خطاب البرقى المتوفى سنة ٣٧٣ وكان يعاشر الصوفية وينزع منزعهم، وكان مثل صاحبيه يسكن جامعا إلى الشرق خارج المدينة. ومن كبار الزهاد بطرابلس فى القرن الخامس الهجرى أبو الحسن السيقاطى المتوفى سنة ٤٢٠ للهجرة وكان يتعبد لربه بمسجد سيقاطة على ساحل طرابلس. وأبو مسلم مؤمن بن فراج الهوارى المتوفى

стр. 4233

سنة ٤٤٢ للهجرة وله مسجد كان يتعبد فيه ويدرس لطلابه منسوب إليه. ويتكاثر زهاد ليبيا ونسّاكها ومتصوفتها فى القرون التالية، وهم أكثر من أن نحصيهم ونعدّهم عدّا، وقد أخذ نفر منهم-منذ القرن السابع-ينتمى إلى الطرق الصوفية السنية، وطبيعى أن لا ينتسبوا إلى الطرق الصوفية الفلسفية عند أبى مدين وابن عربى وابن سبعين وأضرابهم إذ لم يكن أهل ليبيا يأخذون أنفسهم بشئ من الفلسفة أو التفلسف يفسح لهذه الطرق بينهم، ونظن ظنّا أن بعض زهادها ونسّاكها تبع الطريقة الشاذلية الصوفية (١) السنية التى أخذت تشيع فى تونس ومصر منذ أواسط القرن السابع الهجرى حين أسسها بتونس أبو الحسن الشاذلى، ثم غادرها إلى القاهرة، وكان من أهم أتباعه فيها ابن عطاء الله السكندرى الذى اشتهر بحكم له بديعة. ويلقانا من كبار أتباع الطريقة الشاذلية فى القرن التاسع الشيخ زروق المولود بمدينة مصراته شرقى طرابلس سنة ٨٤٦ للهجرة، وقد رحل إلى القاهرة ودرس بالأزهر وأخذ عن علمائه، ويبدو أنه اعتنق الطريقة الشاذلية حينذاك، وكان فقيها مالكيا ضليعا وله مؤلفات مهمة فى الفقه المالكى، وأكثر مؤلفاته فى التصوف وبخاصة فى الطريقة الشاذلية وله فيها مخطوطة بدار الكتب المصرية بعنوان أصول الطريقة الشاذلية، ومخطوطة ثانية شرح فيها حزب الشاذلى المسمى بحزب البحر، ويقال إن له ستة عشر شرحا لحكم ابن عطاء الله السكندرى، وطبع أحد هذه الشروح بالقاهرة مرارا، وطبع له فى القاهرة كتاب بعنوان قواعد التصوف. وتوفى زروق بمصراته مسقط رأسه سنة ٨٩٩ للهجرة. ويلقانا بعده من أتباع الطريقة الشاذلية الخروبى محمد بن على المتوفى سنة ٩٦٣، وكان أبوه من تلامذة الشيخ زروق، وعنه أخذ الطريقة الشاذلية، وتوفى فرعته أمه وكانت سيدة صالحة، فلقنته كثيرا من المدائح النبوية والتراتيل الدينية، وكان لها ابن عمة شاذليّا، فدرس عليه الخروبى مسالك الطريقة الشاذلية وحكم ابن عطاء الله السكندرى، واندمج روحيّا فى تلك الطريقة طوال حياته، وله شرح لحكم ابن عطاء الله، وفى دار الكتب المصرية له تفسير مخطوط كبير. ومن أكبر أتباع الطريقة الشاذلية فى القرن العاشر الهجرى عبد السلام الأسمر المولود بمدينة زليطن شرقى طرابلس ولبدة سنة ٨٨٠ للهجرة، وكان صوفيا مجذوبا فى حب ربه، وكانت تعتريه حالات وجد وهيام شديدة واستخدم فى حلقاته ومجالسه الدف والبندير والغناء والرقص، مما جعل كثيرين من معاصريه النساك ينتقدونه نقدا شديدا، واضطره ذلك إلى الخروج عن بلده مرارا إلى جهات مختلفة فى ليبيا وفى إفريقية التونسية، واستقر أخيرا فى زاويته بمسقط رأسه زليطن إلى أن توفى سنة ٩٨١ للهجرة، وكان يقرأ لأتباعه فى الزاوية كتبا مختلفة فى التوحيد

стр. 4234

والفقه المالكى، كما كان يقرأ لهم حكم ابن عطاء الله السكندرى، وله مؤلفات مختلفة فى التصوف، وكان له مريدون كثيرون لزموه فى حياته من بيته مثل ابنه عمران ومن غير بيته مثل إبراهيم بن على العوسجى المتوفى سنة ٩٩٨ ومثل كريم الدين البرموني المصراتى المتوفى بأخرة من القرن العاشر الهجرى وله كتاب فى أستاذه. ويتكاثر الزهاد والصوفية فى ليبيا طوال العصر العثمانى، وتتكاثر زواياهم وتعم فى البلاد الطريقة الشاذلية، وتزاحمها بعض الطرق الصوفية السنية، ولكن تظل لها الغلبة.

стр. 4235

الفصل الثالث الثقافة ١ - الحركة (١) العلمية (أ) فاتحون وناشرون للإسلام منذ فتح عمرو بن العاص ليبيا وولاتها يعنون بنشر الدين الحنيف وتعاليمه وثقافته فيها، فقد كان ذلك الغاية المثلى والمقصد الأسمى من الفتوح الإسلامية لا فى ليبيا وحدها، بل أيضا فى كل ما فتحه المسلمون فى عهد أبى بكر وعمر وعثمان، ولذلك نرى ولاة المغرب فى ليبيا وغير ليبيا يحثّون كثيرين من جنودهم-وخاصة من أقاموا واستوطنوا هناك-إلى تحفيظ البربر القرآن الكريم وتعليمهم مبادئ العربية كى يستطيعوا تلاوته تلاوة سليمة، وحثّهم على ذلك-بقوة-عقبة بن نافع مؤسس مدينة القيروان فى أواسط القرن الأول الهجرى، وبالمثل مؤسس مدينة تونس: حسّان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) واتسع خلفه: موسى بن نصير-فى هذه الغاية من تعليم البربر القرآن وتعاليم الإسلام، ويقال إنه كلّف بذلك سبعين رجلا من جنوده بثّهم فى قبائل البربر، ويقال: بل إنه جعل ذلك فريضة على جميع جنود العرب الفاتحين.

стр. 4236

ولا بد من ملاحظة أن البربر الذين اعتنقوا الدين الحنيف أخذوا يشتركون مع الجيوش العربية فى الفتوح وحرب الكفار، وكان زملاؤهم من العرب فى حمل السلاح يلقّنونهم آى الذكر الحكيم ومبادئ الإسلام وتعاليمه، ويذكر المالكى فى كتابه «رياض النفوس» أن جيش زهير بن قيس والى المغرب بعد عقبة بن نافع كان مكوّنا-فى بعض حربه لكسيلة الثائر المغربى-من ألفين من البربر وأربعة آلاف من العرب، كما يذكر ابن عذارى فى كتابه «البيان المغرب» أنه كان فى جيش حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) اثنا عشر ألفا من البربر، ويذكر أيضا أن جيش طارق بن زياد البربرى والى طنجة لموسى بن نصير كان مكونا-فى فتحه لإيبيريا-من سبعة عشر ألفا من العرب واثنى عشر ألفا من البربر، ويعقّب ابن عذارى على ذلك بأن موسى بن نصير «أمر العرب أن يعلّموا البربر القرآن وأن يفقّهوهم فى الدين». ومعنى ذلك أن الجند العربى الذى كان يعايش الجند البربرى فى حرب الكفار ونشر الإسلام كان يعلّمه القرآن وتعاليم الإسلام الدينية. ويصوّر ذلك من بعض الوجوه ما رواه الشمّاخى فى كتابه السّير عن عمر بن يمكتن أول معلم من البربر للقرآن الكريم فى جبل نفوسة بطرابلس قبيل اشتراكه فى ثورة أبى الخطاب المعافرى سنة ١٤٠ للهجرة وتوليته له على مدينة سرت، فقد روى عنه أنه تعلم القرآن بطريق (مقمداس) كان يتلقّى فيها السّابلة والمارّة من المشرق (يريد الجند العربى الداخل إلى إفريقية التونسية) فيكتب عنهم لوحا من القرآن وينصرف إلى منزله، فإذا حفظ ما فيه رجع إلى المحجّة (الطريق) فيكتب من المارّة والرّفاق كذلك حتى حفظ القرآن وتعلّم العلم». ويقول الشمّاخى إنه «كان يصنع ذلك لحرصه على طلب العلم والقرآن فى أول الإسلام وقلة المعلمين فى البلدان». ونظن أنه إنما كان يصنع هذا الصنيع حتى يتلقّن بدقة أداء ألفاظ الذكر الحكيم على وجوهها الصحيحة، لأن أداءها لا يكفى فيه ما كتب فى مصاحفه أو فى الصحف، بل لا بد فى القرآن الكريم من أخذه شفاها، حتى يحكم الشخص تلاوة آياته بنطقها وأدائها الدقيق، وهو ما دفع ابن يمكتن إلى أخذه شفاها من أفواه السابلة والمارّة من الجند العربى الداخل إلى إفريقية التونسية والبلاد العربية. وفى هذا الخبر ما يوضح مدى ما أسداه الجند العربى الفاتح للمغرب-حتى المارّة منهم بالطرق-فى تحفيظ القرآن وحسن أدائه للمغاربة شبابا وغير شباب، ويقول ابن يمكتن إنه تعلم-من مارّة الجند أيضا-العلم يريد تعاليم الإسلام والفقه بالدين الحنيف. فأينما كان الجند العربى مجاهدا فى سبيل الله مع البربر ومقيما بين ظهرانيهم ومارا بطرقاتهم كان يعنى بشدّ أزرهم فى حفظ القرآن الكريم والمعرفة الدقيقة بمبادئه والتفقه البصير بتعاليمه.

стр. 4237

(ب) الكتاتيب إيمانا من الولاة فى ليبيا وغير ليبيا من أن الدين الإسلامى العظيم جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم حتى يعلم بدقة فروض دينه وتعاليمه أخذوا يعنون ببناء كتاتيب لتحفظ فيها ناشئة البربر القرآن وتعرف مبادئ الشريعة الإسلامية، وكان المعلمون فيها يبدءون بتعليم القراءة والكتابة وبعض مبادئ العربية، لإحكام النطق السديد بألفاظ الذكر الحكيم. وكانت تلك الكتاتيب تلحق بالمساجد أو تخصّص لها غرفة بداخلها ثم أخذت تشيع فى الحارات والدروب بالمدن وفى الواحات والأحياء بالوديان، وظلت تحلّ فى ليبيا وغير ليبيا محل التعليم الابتدائى فى عصرنا، وكانت الناشئة تزوّد فيها ببعض الأحاديث النبوية وببعض سيرة الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، وكانت تزوّد فيها بمبادئ الحساب، وأهم من ذلك تعلّم فروض الإسلام وخاصة الصلاة وكيفية أدائها وما ينبغى لها من الوضوء والطهارة كما تتعلم بعض إرشادات تهدى إلى الخلق المستقيم والسلوك القويم. (ج) المساجد وهذا التعلّم المبكر للقرآن وتعاليم الإسلام الذى أنشئت من أجله الكتاتيب فى كل أنحاء ليبيا كانت الناشئة تنتقل منه إلى حلقات العلماء الذين كانوا يرابطون فى المساجد ملقين على طلابهم مختلف الدروس والمحاضرات فى فنون العلوم المختلفة من لغوية ودينية. وكانت ليبيا تكتظ بهذه المساجد فى مدنها وقراها وواحاتها، ولم يكن يخلو مسجد من عالم كبير يحاضر الطلاب أو يعظ الناس، ومرّ بنا فى حديثنا عن الزهد والتصوف ذكر بعض مساجد اشتهرت فى طرابلس وساحلها، ويذكر التجانى فى رحلته أن بخارجها مساجد كثيرة، أما مساجدها فى أحيائها المختلفة ودروبها فلا تحصى كثرة، ويقول إن بساحلها مساجد كثيرة. ولا نلتقى بالمساجد فى ليبيا بالمدن فحسب، بل نلتقى بها أيضا فى القرى على شاكلة مسجد على بن عبد الحميد العوسجى المقرئ الذى بناه فى قريته «الحرشا» من قرى مدينة الزاوية، وكانت مدن جبل نفوسة وقراه تكتظ أيضا بالمساجد. وكان العلماء ينتصبون فى تلك المساجد لإلقاء دروسهم فى قراءات القرآن الكريم وفى تفسيره وفى الحديث النبوى وفى الفقه والشريعة وفى العربية وقواعدها السديدة، وقد أصبحت طرابلس وبرقة منذ عهد يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ) مركزين من مراكز العلم، وبعث فيهما الأغالبة (١٨٤ - ٢٩٦ هـ) حركة علمية خصبة، إذ عنوا بعلمائهما وأسبغوا عليهم من الرواتب ما يسد حاجتهم، وكان المجتمع الليبى بجميع طوائفه يجلّ هؤلاء العلماء ويعرف لهم قدرهم وأنهم منارة الدين وحملة أضوائه.

стр. 4238

(د) الرحلة فى طلب العلم والوافدون على نحو ما كان الشباب المغربى فى إفريقية التونسية يرحل إلى مصر والشام والحجاز والعراق للتزود من العلوم الإسلامية واللغوية كذلك كان الشباب الليبى يرحل فى طلب العلم وأخذه عن أعلامه، وسنذكر-عما قريب-بعض من حملوا عن الإمام مالك كتابه الموطأ وأذاعوه فى وطنهم. ولا بد أن بعض المعلمين للعربية فى ليبيا مدّ رحلته فى المشرق إلى العراق للاختلاف إلى علماء العربية بها وحمل كتبهم إلى البلدان الليبية. وكان موقع ليبيا فى طريق الأندلسيين والمغاربة إلى الحج وزيارة الأماكن المقدسة ذهابا وإيابا يتيح لبلدانها مثل طرابلس وبرقة أن ينزلها بعض العلماء ويطيب له الإقامة فيها شهرا أو أشهرا، ويلتف به طلابها يحاولون أن يأخذوا عنه ما عنده من العلم أو ما اشتهر به، على شاكلة محمد بن عيسى البيانى الذى مر بطرابلس وبرقة فى عامى ٣٣٢ و ٣٣٨ فالتف به طلابهما يكتبون عنه، ومثل الفقيه أبى الحسين محمد بن إبراهيم الأندلسى الذى نزل طرابلس فى عودته من أداء فريضة الحج، فقرأ عليه طلبتها بعض مؤلفاته. وكثر نزول مثل هذين العالمين بها فى عهد الدولة الحفصية، ويقال إن ابن منظور العالم اللغوى المشهور المتوفى سنة ٧١١ بمصر تولى القضاء بها. ويروى عن بعض هؤلاء العلماء الوافدين-وخاصة على طرابلس-أنهم توقفوا بها للأخذ عن علمائها ونسمع بذلك منذ القرن الثالث الهجرى، مما يدل بوضوح على ازدهار الحركة العلمية بطرابلس وأن أسماء بعض علمائها أخذ فى الذيوع مما جعل بعض العلماء الوافدين يشغف بلقائه والأخذ عنه، على نحو ما نجد عند ابن الفرضى فى كتابه «تاريخ علماء الأندلس» إذ ذكر نفرا نزلوا بطرابلس فى رحلاتهم إلى المشرق للتزود من علمائها وحمل ما عندهم من العلم، وممن ذكرهم محمد بن قاسم بن سيار المحدث الأندلسى المشهور، إذ قال عنه إنه سمع بطرابلس عن علمائها فى رحلته سنة ٢٩٤ للهجرة وممن ذكرهم أيضا محمد بن عبد الملك بن ضيفون قائلا عنه: إنه سمع بطرابلس فى رحلته سنة ٣٣٨ من يحيى بن دحمان، كما سمع منه مواطنه هاشم بن يحيى بن حجاج البطليوسى فى رحلته إلى المشرق، وسنذكر- فيما بعد-أن التجانى صاحب الرحلة المشهورة التى نرجع إليها حين زار طرابلس واستمع إلى محدّث فيها هو ابن عبيد انبهر انبهارا شديدا والتمس منه أن يقرأ عليه صحيحى مسلم والبخارى. (هـ) المدارس عرف العالم الإسلامى فكرة المدارس منذ أواخر القرن الرابع الهجرى وتوسع فيها نظام

стр. 4239

الملك وزير ألب أرسلان فى النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى إذ بنى طائفة من المدارس فى العراق وإيران سمّيت كل منها باسم المدرسة النظامية، وكانت أشبه بجامعات يحاضر بها الأساتذة فى فروع العلوم المختلفة، ولهم فيها مساكن ورواتب معلومة وللطلاب نفقات تكفيهم، ولكل مدرسة مكتبة نفيسة. وأخذت تتكاثر المدارس فى البلدان العربية منذ القرن السادس الهجرى، ويشيد التجانى وغيره من الرحالة الذين زاروا طرابلس بمدرسة بديعة قام على بنائها بين سنتى ٥٥٥ و ٥٥٨ الفقيه الطرابلسى عبد الحميد بن أبى البركات بن أبى الدنيا. ونمضى إلى القرن السابع وكانت طرابلس تتبع الدولة الحفصية التى عنيت ببناء المدارس فى تونس وأرجاء دولتها، ويبدو أنه بنيت فى عهدها بطرابلس مدارس متعددة بشهادة التجانى فى رحلته إذ يذكر أن بطرابلس مدارس متعددة أو كما يقول مدارس كثيرة. ويذكر الشماخى فى كتابه السير وعلى يحيى معمر فى كتابه الإباضية فى موكب التاريخ مدارس متعددة للإباضية بنوها فى جبل نفوسة. ومع أن العثمانيين فى زمن حكمهم لطرابلس وليبيا لم يكونوا يولون الحركة العلمية العناية الواجبة نجد بعض ولاتهم يعنون ببناء بعض المدارس، يتقدمهم فى ذلك مراد أغا إذ بنى مدرسة بمدينة تاجوراء، ولا بد أن هؤلاء الولاة بنوا مدارس متعددة فى البلاد، ويذكر أن عثمان الساقزلى بنى مدرسة بطرابلس قرب باب البحر، كما يذكر أن أحمد القرمانلى بنى مسجدا كبيرا وألحق به مدرسة. ولا بد أن مدارس تركية متعددة أنشئت فى بلدان طرابلس وأيضا فى بلدان برقة حين انفكت عن تبعيتها للقاهرة، وكانت تتبعها منذ العصر الفاطمى إلى أن ضمها إلى ولاية طرابلس محمد الساقزلى. وبدون ريب ساعدت المدارس فى النشاط العلمى بتلك الديار، ولو أنه كان فى العصر العثمانى نشاطا محدودا. (و) الزوايا عرفت المغرب الزوايا وأخذت تستكثر منها منذ القرن السابع الهجرى، وكانت الزاوية تتكون من قاعة ومحراب للصلاة وغرفة لتحفيظ القرآن أو تلاوته وبعض غرف للضيوف والطلبة وبعض الزوار ممن ينزلون بها مع ما تحتاج إليه من المرافق. وكان بعضها يتسع فى مبانيه، حتى تصبح الزاوية كأنها مسجد يموج بطلابه وزواره، وكان يكثر أن يكون لشيخها ضريح يدفن فيه، ومن فوقه قبة كبيرة. وتحوّل كثير من الزوايا إلى ما يشبه دور علم مع ما تتيحه من العبادة والنسك، ويتحدث التجانى الذى نزل بطرابلس فى أوائل القرن الثامن الهجرى عن زاوية أولاد سهيل وعنايتها بتحفيظ القرآن وما بها من كتب كانت موقوفة على الطلاب وما كان لهم بها من غرف للسكنى. ومن أشهر زوايا ليبيا زاوية عبد السلام الأسمر بمدينة زليطن، وكانت تعنى- مع تحفيظ القرآن الكريم-بالعلوم الدينية، وكان بها حجر كثيرة لسكنى الشيوخ والطلاب، وقد أسسها صاحبها سنة ٩٠٠ هـ وظل الطلاب يؤمونها بعده من أنحاء ليبيا وغيرها، وكانت

стр. 4240

مكتبتها تشتمل على خمسمائة مجلد من الكتب النفيسة. ولم تكد تخلو بلدة فى ليبيا من زاوية تعنى بالعبادة وبث العلم والمعرفة. (ز) خمود فى الحركة العلمية أصاب الحركة العلمية بليبيا غير قليل من الخمود فى فترتين أما أولاهما فحين هاجر إلى ليبيا والمغرب أعراب بنى سليم وبنى هلال منذ سنة ٤٤٣ وكانوا بدوا جفاة، فأنزلوا بليبيا دمارا كثيرا، وخاصة فى حضرها ومدنها، شلّ العمران فيها والحياة العلمية إلى نحو قرن من الزمان، ولم تلبث طرابلس أن محنت باحتلال نورمان صقلية لها ثلاث عشرة سنة طوالا، وثار أهلها عليهم ومزّقوهم ذات ليلة شر ممزّق، ودانوا لدولة الموحدين المغربية، ولم يكد يمضى نحو ربع قرن حتى أصبحت ليبيا فى طرابلس وبرقة مسرحا لأطماع قراقوش وابنى غانية على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وظلوا يعيثون فى ليبيا فسادا عشرات السنين. وكل ذلك أثر فى الحركة العلمية بليبيا واعتراها كثير من الخمود، غير أنه خلال كل هذا الرماد الثقيل الذى انهال عليها لنحو قرن ونصف من الزمان ظل بها وميض جمر علمى يلمع من حين إلى حين، مما هيأ لاستمرار الحركة العلمية ببلدانها وظهور نفر من العلماء بها حملوا مصابيح العلوم المختلفة شرعية ولغوية. وتصبح برقة-أو تظل-موالية لمصر فى عهد الأيوبيين والمماليك وتصبح طرابلس موالية للدولة الحفصية، وترعى حركتها العلمية بما أنشأت فيها من مدارس وتعيد لها غير قليل من ازدهارها القديم. وتعود الحركة العلمية إلى الخمود بطرابلس حين ظلت نحو أربعين عاما فريسة للإسبان ثم لفرسان مالطة فى القرن العاشر الهجرى، وتخلفهما الدولة العثمانية، ولم يكن العثمانيون أصحاب حضارة ولا أصحاب علم وثقافة، ولذلك انتكست البلاد الإسلامية جميعها التى ضموها إلى دولتهم سواء فى المشرق مثل العراق والشام ومصر أو فى المغرب مثل ليبيا وتونس والجزائر وتراجعت فيها الحركة العلمية وأصابها غير قليل من العطل والخمود، إذ لم يكن الولاة العثمانيون يشجعون العلماء فى طرابلس-وبالمثل فى برقة حين دانت لهم-تشجيعا ماديا بفرض رواتب لهم ثابتة بحيث تحدث بينهم غير قليل من التنافس والنشاط العلمى الخصب، كما تحدث فى مجالسهم غير قليل من الجدل فى العلوم ومسائلها الشرعية واللغوية، ويلاحظ ذلك الرحالة المغاربة فى رحلاتهم إلى الحج ومرورهم بطرابلس على نحو ما ذكر عند ابن عبد السلام الناصرى فى رحلته الحجازية الكبرى حين مر بطرابلس سنة ١٢١١ هـ/١٧٩٦ م إذ يقول: «إن أئمة طرابلس مع لطافتهم وديانتهم وحسن أخلاقهم لا يقيمون بها مجالس العلم والتدريس، غافلين عن المنافسة فى هذا الأمر النفيس، وكأنها عليهم تعذّرت أو عادة عندهم قد
следующие страницы →