← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

ولا بد من ملاحظة أن البربر الذين اعتنقوا الدين الحنيف أخذوا يشتركون مع الجيوش العربية فى الفتوح وحرب الكفار، وكان زملاؤهم من العرب فى حمل السلاح يلقّنونهم آى الذكر الحكيم ومبادئ الإسلام وتعاليمه، ويذكر المالكى فى كتابه «رياض النفوس» أن جيش زهير بن قيس والى المغرب بعد عقبة بن نافع كان مكوّنا-فى بعض حربه لكسيلة الثائر المغربى-من ألفين من البربر وأربعة آلاف من العرب، كما يذكر ابن عذارى فى كتابه «البيان المغرب» أنه كان فى جيش حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) اثنا عشر ألفا من البربر، ويذكر أيضا أن جيش طارق بن زياد البربرى والى طنجة لموسى بن نصير كان مكونا-فى فتحه لإيبيريا-من سبعة عشر ألفا من العرب واثنى عشر ألفا من البربر، ويعقّب ابن عذارى على ذلك بأن موسى بن نصير «أمر العرب أن يعلّموا البربر القرآن وأن يفقّهوهم فى الدين». ومعنى ذلك أن الجند العربى الذى كان يعايش الجند البربرى فى حرب الكفار ونشر الإسلام كان يعلّمه القرآن وتعاليم الإسلام الدينية. ويصوّر ذلك من بعض الوجوه ما رواه الشمّاخى فى كتابه السّير عن عمر بن يمكتن أول معلم من البربر للقرآن الكريم فى جبل نفوسة بطرابلس قبيل اشتراكه فى ثورة أبى الخطاب المعافرى سنة ١٤٠ للهجرة وتوليته له على مدينة سرت، فقد روى عنه أنه تعلم القرآن بطريق (مقمداس) كان يتلقّى فيها السّابلة والمارّة من المشرق (يريد الجند العربى الداخل إلى إفريقية التونسية) فيكتب عنهم لوحا من القرآن وينصرف إلى منزله، فإذا حفظ ما فيه رجع إلى المحجّة (الطريق) فيكتب من المارّة والرّفاق كذلك حتى حفظ القرآن وتعلّم العلم». ويقول الشمّاخى إنه «كان يصنع ذلك لحرصه على طلب العلم والقرآن فى أول الإسلام وقلة المعلمين فى البلدان». ونظن أنه إنما كان يصنع هذا الصنيع حتى يتلقّن بدقة أداء ألفاظ الذكر الحكيم على وجوهها الصحيحة، لأن أداءها لا يكفى فيه ما كتب فى مصاحفه أو فى الصحف، بل لا بد فى القرآن الكريم من أخذه شفاها، حتى يحكم الشخص تلاوة آياته بنطقها وأدائها الدقيق، وهو ما دفع ابن يمكتن إلى أخذه شفاها من أفواه السابلة والمارّة من الجند العربى الداخل إلى إفريقية التونسية والبلاد العربية. وفى هذا الخبر ما يوضح مدى ما أسداه الجند العربى الفاتح للمغرب-حتى المارّة منهم بالطرق-فى تحفيظ القرآن وحسن أدائه للمغاربة شبابا وغير شباب، ويقول ابن يمكتن إنه تعلم-من مارّة الجند أيضا-العلم يريد تعاليم الإسلام والفقه بالدين الحنيف. فأينما كان الجند العربى مجاهدا فى سبيل الله مع البربر ومقيما بين ظهرانيهم ومارا بطرقاتهم كان يعنى بشدّ أزرهم فى حفظ القرآن الكريم والمعرفة الدقيقة بمبادئه والتفقه البصير بتعاليمه.

стр. 4237

(ب) الكتاتيب إيمانا من الولاة فى ليبيا وغير ليبيا من أن الدين الإسلامى العظيم جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم حتى يعلم بدقة فروض دينه وتعاليمه أخذوا يعنون ببناء كتاتيب لتحفظ فيها ناشئة البربر القرآن وتعرف مبادئ الشريعة الإسلامية، وكان المعلمون فيها يبدءون بتعليم القراءة والكتابة وبعض مبادئ العربية، لإحكام النطق السديد بألفاظ الذكر الحكيم. وكانت تلك الكتاتيب تلحق بالمساجد أو تخصّص لها غرفة بداخلها ثم أخذت تشيع فى الحارات والدروب بالمدن وفى الواحات والأحياء بالوديان، وظلت تحلّ فى ليبيا وغير ليبيا محل التعليم الابتدائى فى عصرنا، وكانت الناشئة تزوّد فيها ببعض الأحاديث النبوية وببعض سيرة الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين، وكانت تزوّد فيها بمبادئ الحساب، وأهم من ذلك تعلّم فروض الإسلام وخاصة الصلاة وكيفية أدائها وما ينبغى لها من الوضوء والطهارة كما تتعلم بعض إرشادات تهدى إلى الخلق المستقيم والسلوك القويم. (ج) المساجد وهذا التعلّم المبكر للقرآن وتعاليم الإسلام الذى أنشئت من أجله الكتاتيب فى كل أنحاء ليبيا كانت الناشئة تنتقل منه إلى حلقات العلماء الذين كانوا يرابطون فى المساجد ملقين على طلابهم مختلف الدروس والمحاضرات فى فنون العلوم المختلفة من لغوية ودينية. وكانت ليبيا تكتظ بهذه المساجد فى مدنها وقراها وواحاتها، ولم يكن يخلو مسجد من عالم كبير يحاضر الطلاب أو يعظ الناس، ومرّ بنا فى حديثنا عن الزهد والتصوف ذكر بعض مساجد اشتهرت فى طرابلس وساحلها، ويذكر التجانى فى رحلته أن بخارجها مساجد كثيرة، أما مساجدها فى أحيائها المختلفة ودروبها فلا تحصى كثرة، ويقول إن بساحلها مساجد كثيرة. ولا نلتقى بالمساجد فى ليبيا بالمدن فحسب، بل نلتقى بها أيضا فى القرى على شاكلة مسجد على بن عبد الحميد العوسجى المقرئ الذى بناه فى قريته «الحرشا» من قرى مدينة الزاوية، وكانت مدن جبل نفوسة وقراه تكتظ أيضا بالمساجد. وكان العلماء ينتصبون فى تلك المساجد لإلقاء دروسهم فى قراءات القرآن الكريم وفى تفسيره وفى الحديث النبوى وفى الفقه والشريعة وفى العربية وقواعدها السديدة، وقد أصبحت طرابلس وبرقة منذ عهد يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ) مركزين من مراكز العلم، وبعث فيهما الأغالبة (١٨٤ - ٢٩٦ هـ) حركة علمية خصبة، إذ عنوا بعلمائهما وأسبغوا عليهم من الرواتب ما يسد حاجتهم، وكان المجتمع الليبى بجميع طوائفه يجلّ هؤلاء العلماء ويعرف لهم قدرهم وأنهم منارة الدين وحملة أضوائه.

стр. 4238

(د) الرحلة فى طلب العلم والوافدون على نحو ما كان الشباب المغربى فى إفريقية التونسية يرحل إلى مصر والشام والحجاز والعراق للتزود من العلوم الإسلامية واللغوية كذلك كان الشباب الليبى يرحل فى طلب العلم وأخذه عن أعلامه، وسنذكر-عما قريب-بعض من حملوا عن الإمام مالك كتابه الموطأ وأذاعوه فى وطنهم. ولا بد أن بعض المعلمين للعربية فى ليبيا مدّ رحلته فى المشرق إلى العراق للاختلاف إلى علماء العربية بها وحمل كتبهم إلى البلدان الليبية. وكان موقع ليبيا فى طريق الأندلسيين والمغاربة إلى الحج وزيارة الأماكن المقدسة ذهابا وإيابا يتيح لبلدانها مثل طرابلس وبرقة أن ينزلها بعض العلماء ويطيب له الإقامة فيها شهرا أو أشهرا، ويلتف به طلابها يحاولون أن يأخذوا عنه ما عنده من العلم أو ما اشتهر به، على شاكلة محمد بن عيسى البيانى الذى مر بطرابلس وبرقة فى عامى ٣٣٢ و ٣٣٨ فالتف به طلابهما يكتبون عنه، ومثل الفقيه أبى الحسين محمد بن إبراهيم الأندلسى الذى نزل طرابلس فى عودته من أداء فريضة الحج، فقرأ عليه طلبتها بعض مؤلفاته. وكثر نزول مثل هذين العالمين بها فى عهد الدولة الحفصية، ويقال إن ابن منظور العالم اللغوى المشهور المتوفى سنة ٧١١ بمصر تولى القضاء بها. ويروى عن بعض هؤلاء العلماء الوافدين-وخاصة على طرابلس-أنهم توقفوا بها للأخذ عن علمائها ونسمع بذلك منذ القرن الثالث الهجرى، مما يدل بوضوح على ازدهار الحركة العلمية بطرابلس وأن أسماء بعض علمائها أخذ فى الذيوع مما جعل بعض العلماء الوافدين يشغف بلقائه والأخذ عنه، على نحو ما نجد عند ابن الفرضى فى كتابه «تاريخ علماء الأندلس» إذ ذكر نفرا نزلوا بطرابلس فى رحلاتهم إلى المشرق للتزود من علمائها وحمل ما عندهم من العلم، وممن ذكرهم محمد بن قاسم بن سيار المحدث الأندلسى المشهور، إذ قال عنه إنه سمع بطرابلس عن علمائها فى رحلته سنة ٢٩٤ للهجرة وممن ذكرهم أيضا محمد بن عبد الملك بن ضيفون قائلا عنه: إنه سمع بطرابلس فى رحلته سنة ٣٣٨ من يحيى بن دحمان، كما سمع منه مواطنه هاشم بن يحيى بن حجاج البطليوسى فى رحلته إلى المشرق، وسنذكر- فيما بعد-أن التجانى صاحب الرحلة المشهورة التى نرجع إليها حين زار طرابلس واستمع إلى محدّث فيها هو ابن عبيد انبهر انبهارا شديدا والتمس منه أن يقرأ عليه صحيحى مسلم والبخارى. (هـ) المدارس عرف العالم الإسلامى فكرة المدارس منذ أواخر القرن الرابع الهجرى وتوسع فيها نظام

стр. 4239

الملك وزير ألب أرسلان فى النصف الثانى من القرن الخامس الهجرى إذ بنى طائفة من المدارس فى العراق وإيران سمّيت كل منها باسم المدرسة النظامية، وكانت أشبه بجامعات يحاضر بها الأساتذة فى فروع العلوم المختلفة، ولهم فيها مساكن ورواتب معلومة وللطلاب نفقات تكفيهم، ولكل مدرسة مكتبة نفيسة. وأخذت تتكاثر المدارس فى البلدان العربية منذ القرن السادس الهجرى، ويشيد التجانى وغيره من الرحالة الذين زاروا طرابلس بمدرسة بديعة قام على بنائها بين سنتى ٥٥٥ و ٥٥٨ الفقيه الطرابلسى عبد الحميد بن أبى البركات بن أبى الدنيا. ونمضى إلى القرن السابع وكانت طرابلس تتبع الدولة الحفصية التى عنيت ببناء المدارس فى تونس وأرجاء دولتها، ويبدو أنه بنيت فى عهدها بطرابلس مدارس متعددة بشهادة التجانى فى رحلته إذ يذكر أن بطرابلس مدارس متعددة أو كما يقول مدارس كثيرة. ويذكر الشماخى فى كتابه السير وعلى يحيى معمر فى كتابه الإباضية فى موكب التاريخ مدارس متعددة للإباضية بنوها فى جبل نفوسة. ومع أن العثمانيين فى زمن حكمهم لطرابلس وليبيا لم يكونوا يولون الحركة العلمية العناية الواجبة نجد بعض ولاتهم يعنون ببناء بعض المدارس، يتقدمهم فى ذلك مراد أغا إذ بنى مدرسة بمدينة تاجوراء، ولا بد أن هؤلاء الولاة بنوا مدارس متعددة فى البلاد، ويذكر أن عثمان الساقزلى بنى مدرسة بطرابلس قرب باب البحر، كما يذكر أن أحمد القرمانلى بنى مسجدا كبيرا وألحق به مدرسة. ولا بد أن مدارس تركية متعددة أنشئت فى بلدان طرابلس وأيضا فى بلدان برقة حين انفكت عن تبعيتها للقاهرة، وكانت تتبعها منذ العصر الفاطمى إلى أن ضمها إلى ولاية طرابلس محمد الساقزلى. وبدون ريب ساعدت المدارس فى النشاط العلمى بتلك الديار، ولو أنه كان فى العصر العثمانى نشاطا محدودا. (و) الزوايا عرفت المغرب الزوايا وأخذت تستكثر منها منذ القرن السابع الهجرى، وكانت الزاوية تتكون من قاعة ومحراب للصلاة وغرفة لتحفيظ القرآن أو تلاوته وبعض غرف للضيوف والطلبة وبعض الزوار ممن ينزلون بها مع ما تحتاج إليه من المرافق. وكان بعضها يتسع فى مبانيه، حتى تصبح الزاوية كأنها مسجد يموج بطلابه وزواره، وكان يكثر أن يكون لشيخها ضريح يدفن فيه، ومن فوقه قبة كبيرة. وتحوّل كثير من الزوايا إلى ما يشبه دور علم مع ما تتيحه من العبادة والنسك، ويتحدث التجانى الذى نزل بطرابلس فى أوائل القرن الثامن الهجرى عن زاوية أولاد سهيل وعنايتها بتحفيظ القرآن وما بها من كتب كانت موقوفة على الطلاب وما كان لهم بها من غرف للسكنى. ومن أشهر زوايا ليبيا زاوية عبد السلام الأسمر بمدينة زليطن، وكانت تعنى- مع تحفيظ القرآن الكريم-بالعلوم الدينية، وكان بها حجر كثيرة لسكنى الشيوخ والطلاب، وقد أسسها صاحبها سنة ٩٠٠ هـ وظل الطلاب يؤمونها بعده من أنحاء ليبيا وغيرها، وكانت

стр. 4240

مكتبتها تشتمل على خمسمائة مجلد من الكتب النفيسة. ولم تكد تخلو بلدة فى ليبيا من زاوية تعنى بالعبادة وبث العلم والمعرفة. (ز) خمود فى الحركة العلمية أصاب الحركة العلمية بليبيا غير قليل من الخمود فى فترتين أما أولاهما فحين هاجر إلى ليبيا والمغرب أعراب بنى سليم وبنى هلال منذ سنة ٤٤٣ وكانوا بدوا جفاة، فأنزلوا بليبيا دمارا كثيرا، وخاصة فى حضرها ومدنها، شلّ العمران فيها والحياة العلمية إلى نحو قرن من الزمان، ولم تلبث طرابلس أن محنت باحتلال نورمان صقلية لها ثلاث عشرة سنة طوالا، وثار أهلها عليهم ومزّقوهم ذات ليلة شر ممزّق، ودانوا لدولة الموحدين المغربية، ولم يكد يمضى نحو ربع قرن حتى أصبحت ليبيا فى طرابلس وبرقة مسرحا لأطماع قراقوش وابنى غانية على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وظلوا يعيثون فى ليبيا فسادا عشرات السنين. وكل ذلك أثر فى الحركة العلمية بليبيا واعتراها كثير من الخمود، غير أنه خلال كل هذا الرماد الثقيل الذى انهال عليها لنحو قرن ونصف من الزمان ظل بها وميض جمر علمى يلمع من حين إلى حين، مما هيأ لاستمرار الحركة العلمية ببلدانها وظهور نفر من العلماء بها حملوا مصابيح العلوم المختلفة شرعية ولغوية. وتصبح برقة-أو تظل-موالية لمصر فى عهد الأيوبيين والمماليك وتصبح طرابلس موالية للدولة الحفصية، وترعى حركتها العلمية بما أنشأت فيها من مدارس وتعيد لها غير قليل من ازدهارها القديم. وتعود الحركة العلمية إلى الخمود بطرابلس حين ظلت نحو أربعين عاما فريسة للإسبان ثم لفرسان مالطة فى القرن العاشر الهجرى، وتخلفهما الدولة العثمانية، ولم يكن العثمانيون أصحاب حضارة ولا أصحاب علم وثقافة، ولذلك انتكست البلاد الإسلامية جميعها التى ضموها إلى دولتهم سواء فى المشرق مثل العراق والشام ومصر أو فى المغرب مثل ليبيا وتونس والجزائر وتراجعت فيها الحركة العلمية وأصابها غير قليل من العطل والخمود، إذ لم يكن الولاة العثمانيون يشجعون العلماء فى طرابلس-وبالمثل فى برقة حين دانت لهم-تشجيعا ماديا بفرض رواتب لهم ثابتة بحيث تحدث بينهم غير قليل من التنافس والنشاط العلمى الخصب، كما تحدث فى مجالسهم غير قليل من الجدل فى العلوم ومسائلها الشرعية واللغوية، ويلاحظ ذلك الرحالة المغاربة فى رحلاتهم إلى الحج ومرورهم بطرابلس على نحو ما ذكر عند ابن عبد السلام الناصرى فى رحلته الحجازية الكبرى حين مر بطرابلس سنة ١٢١١ هـ/١٧٩٦ م إذ يقول: «إن أئمة طرابلس مع لطافتهم وديانتهم وحسن أخلاقهم لا يقيمون بها مجالس العلم والتدريس، غافلين عن المنافسة فى هذا الأمر النفيس، وكأنها عليهم تعذّرت أو عادة عندهم قد

стр. 4241

تقررت، سوى فرد من الناس، بدا فى جنح ليلها كالنبراس». وعالم طرابلسى واحد فقط هو الذى لفت الناصرى، والبلد لم تكن قفرا من العلماء، ولكنها كانت قفرا ممن يشجعونهم ويثيرون فيهم الرغبة فى المنافسة العلمية، وبالتالى فى البحث والجدل والمناظرة. ٢ - علوم الأوائل-علوم اللغة والنحو والعروض (أ) علوم الأوائل لم يكن لليبيا نشاط واضح فى علوم الأوائل قبل العصر الحديث، إنما يذكر عرضا أن هذا العالم اللغوى أو الفقيه المالكى بجانب علمه الواسع بمادته كان عالما بالحساب والهندسة والكيمياء مثل عبد الله بن عبد الله البرقى الراحل إلى الأندلس زمن الخليفة المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ). ويقال إنه كان عالما باللغة والنحو وإماما فيهما وعالما بالحساب والهندسة، ويقال عن الجلالمى الفقيه الإباضى فى القرن الرابع إنه كان مع براعته فى علمى الأصول والمنطق كان بارعا فى الحساب، ومثله معاصره ابن المنمر الفقيه المالكى، وكان عبد الرحمن بن محمد التاجورى الطرابلسى الفقيه المالكى فى القرن العاشر الهجرى علامة زمانه فى علم الميقات. وهى إشارات متباعدة زمنيا ولا تحمل لليبيا نشاطا بيّنا فى علوم الأوائل. (ب) علوم اللغة والنحو والعروض طبيعى أن تعنى ليبيا وبلدانها بالعربية، وكان الليبيون على مثال عمر بن يمكتن فى تلقفه للقرآن الكريم وآياته من أفواه الجند العربى يتلقفون كلهم العربية منهم وما يجرى على ألسنتهم من بعض الأشعار. ونشأت الكتاتيب، وأخذوا يتلقنون مع آيات الذكر الحكيم بعض الأمثال العربية وبعض الأحاديث النبوية، وربما ألم لهم الشيخ بشئ من خطب الرسول والخلفاء الراشدين، حتى إذا كان القرن الثانى أخذت ناشئة من العلماء من أهل ليبيا تحسن قراءة الذكر الحكيم وتروى بعض الأحاديث وتنشد بعض الأشعار، ورحل عدد منهم غير قليل لأداء فريضة الحج ولقاء العلماء فى مصر والحجاز والعراق، وسمع بعضهم بوضع علماء البصرة لقواعد العربية، فرحلوا إليهم وتتلمذوا عليهم، وعادوا إلى الكتاتيب فى ليبيا يعلمون الناشئة ما سمعوه من تلك القواعد، وعلّموها أيضا للشباب فى المساجد وأخذ يشاركهم فى هذا التعليم وافدون من المشرق: من البصرة أحيانا ومن الكوفة أحيانا أخرى، وما تلبث ليبيا أن يصبح لها لغويون ونحاة من أهلها، يتقدمهم أربعة عاشوا فى عصر الدولة الأغلبية (١٨٤ - ٢٩٦ هـ)

стр. 4242

ترجم لهم جميعا الزبيدى فى طبقاته، وأولهم محمد بن صدقة المرادى الطرابلسى، وغلب عليه التقعر فى اللغة، إذ كان لا يكتفى بالمألوف من اللغة فى محاضراته وإملاءاته، بل يطلب دائما الشواذ والنوادر والغرائب اللغوية حتى يبهر تلاميذه وسامعيه. والثانى خلف بن مختار الطرابلسى المتوفى سنة ٢٩٠ وكان صاحب نحو ولغة ويقرض الشعر ويجيد المعانى، والثالث محمد بن سالم الطرابلسى المعروف بالعقعق وكان صاحب نحو ولغة مثل سالفه مع علم بالجدل وإيمان بالاعتزال ومبادئه، والرابع عبد الله بن محمود من أهل سرت، نشأ فيها وأخذ عن علمائها، ورحل إلى القيروان للتزود من حلقات علمائها وبها دوّت شهرته فى اللغة والغريب وشرح الدواوين الشعرية وأيام العرب، وله كتب أملاها فى اللغة والعربية والغريب والعروض، يقول الزبيدى: «وإليه كانت الرحلة من جميع إفريقية التونسية والمغرب، وعليه قرأ الناس المشروحات توفى سنة ٣٠٨ للهجرة». ونلتقى عند القفطى فى إنباه الرواة بأبى بكر محمد بن مؤمن الكندى البرقى، وفد على مصر وتوفى فيها سنة ٣٥١ وقد قارب الثمانين وكان نحويّا كبيرا، كما نلتقى بعلى بن مضر البرنيقى أو البنغازى نزيل مصر، كان نحويا لغويا كبيرا وكتب بخطه كثيرا من الكتب اللغوية وكان الناس يتنافسون فى تحصيل ما يكتبه، ويقول القفطى إنه رأى نسخة بخطه من معجم الجمهرة لابن دريد، وقد بيعت بأربعة وعشرين دينارا مصريا، وإذا كان قد حمل إلى القاهرة نسخة من الجمهرة بخطه، فإننا سنرى ابن القطاع بعده بأكثر من قرن يحمل إلى القاهرة من صقلية نسخة من صحاح الجوهرى، وكان عليها اعتماد المصريين فى رواية معجم الجوهرى، كما كان اعتمادهم على نسخة معجم الجمهرة بخط على بن مضر البنغازى، ولعل فى حمله لها إلى القاهرة ما يدل على ما بلغه أهل ليبيا من العلم باللغة ومعاجمها الكبيرة فى القرن الرابع الهجرى، إذ توفى سنة ٣٨٤ للهجرة. وإذا مضينا إلى القرن الخامس الهجرى التقينا فى طرابلس بعالم فذ من علماء اللغة العربية يحق لطرابلس-بل لليبيا عامة-أن تفاخر به، ويحسن أن نتوقف عنده قليلا لنتخذ منه رمزا قويا على مدى ما حذقته ليبيا وطرابلس حتى زمنه من علوم العربية والتعمق فيها، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الأجدابي الطرابلسى اللواتى، فهو ليبى من قبيلة لواتة البربرية التى سكنت الساحل الليبى منذ العصور السحيقة، وأصل أسرته من أجدابية فى إقليم برقة، ولذلك نسب إليها، وقد ولد ونشأ وأمضى حياته فى طرابلس إلى أن توفى بها، ولذلك عرف بالطرابلسى. واختلف من ترجموا له أو ذكروه فى القرن الذى عاش فيه، فقيل عاش فى القرن السابع الهجرى، وقيل: بل فى القرن السادس، وقال التجانى فى رحلته إنه عاش فى القرن الخامس الهجرى، ويؤيده-بل يقطع به-خبر له مع قاضى بلدته ابن هانش الذى ولى قضاءها بين سنتى ٤٤٤ و ٤٧٧ فقد ذكر الرواة أنه حضر مجلس قضائه، فرآه يحكم بحكم مخطئ

стр. 4243

فردّه، فقال له ابن هانش: «اسكت يا أحول فما استدعيت، ولا استفتيت» وانصرف من مجلسه غاضبا، فألف رسالة فى الحول تدل على سعة علمه، وهى سعة شهد له بها كثيرون مثل القفطى فى ترجمته له بإنباه الرواة، إذ يقول عنه: «من أهل اللغة، وممن تصدّر فى بلده واشتهر بالعلم. . وكانت له يد جيدة فى اللغة وتحقيقها وإفادتها». ويقال إنه سئل من أين لك كل هذا العلم ولم ترحل؟ فأجاب: اكتسبته من بابى هوارة وزناتة فى بلدتى، يريد من العلماء الذين كانوا يفدون على طرابلس من الشرق والغرب، مما يدل على الأثر الواسع للوافدين على طرابلس فى ثقافة شبابها ومعارفهم العلمية على نحو ما أشرنا إلى ذلك فيما أسلفنا من حديث. ويقول التجانى فيه برحلته: «كان الفقيه أبو إسحاق هذا من أعلم زمانه بجميع العلوم كلاما وفقها ونحوا ولغة وعروضا ونظما ونثرا». وينوه بمؤلفاته، ويذكر منها كتابه فى العروض، ويقول: «ناهيك به حسنا وترتيبا وتهذيبا، وهو نسختان: كبرى وصغرى» كما يذكر له كتابا مختصرا فى علم الأنساب، اختصر فيه أنساب قريش للزبير بن بكار، ويقول: «قد رأيت أبا إسحاق قد أدخل من حفظه فى هذا المختصر زوائد تشتمل على فوائد نبّه عليها». ومن مؤلفاته الطريفة كتاب فى الرد على ابن مكى فى كتابه: «تثقيف اللسان» وما جمعه فيه من الأخطاء اللغوية التى تدور فى أفواه الناس والعلماء، وقد راجعه فى كثير من هذه الأخطاء محاولا تصحيح بعض ما ظنه خطأ وتسويغه. وينوه التجانى بكتاب له فى شرح ما آخره ياء مشددة من الأسماء وبيان اعتلالها، ويقول التجانى: «استوفى فيه جميع أحكام هذه الياء على اختلاف أحوالها. . ولما استوفى ذلك استيفاء جميلا تعرّض لشرح المقاطع (الفواصل اليائية) الواقعة فى سورة مريم لاشتمالها على كثير من تلك الأحكام، فجاء هذا التأليف فى غاية الإفادة». ويبدو أنه كان فقيها كبيرا، وتشهد له بذلك مراجعته لابن هانش السالفة فى حكم قضائى له، ويقول التجانى: له تآليف جليلة وأسئلة مفيدة فى الفقه، ولكن لا شك فى أن نشاطه اللغوى كان أكبر وأخصب من نشاطه الفقهى. وقد نشر من مؤلفاته كتابان لغويان نفيسان هما: كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ، والأزمنة والأنواء. أما كتاب كفاية المتحفظ فهو على مثال كتاب فقه اللغة للثعالبى، ويتوزّع مثله إلى عدة أبواب، فباب فى صفات الرجال المحمودة ويتلوه بصفات الرجال المذمومة، وباب فى صفات النساء المحمودة، ويتلوه بالمذموم من صفاتهن، وباب فى خلق الإنسان، وباب فى الخيل، وباب فى السلاح، وباب فى السباع والوحش، وباب فى الطير، وباب فى النبات إلى غير ذلك من أبواب كثيرة، ويقول فى مقدمته: «هذا كتاب مختصر فى اللغة وما يحتاج إليه من غريب الكلام، أودعناه كثيرا من الأسماء والصفات، وجنّبناه حوشىّ الألفاظ واللغات، وأعريناه من الشواهد، ليسهل حفظه ويقرب تناوله، وجعلناه مغنيا لمن اقتصد فى هذا الفن، ومعينا لمن أراد الاتساع فيه». وقد

стр. 4244

نال هذا الكتاب شهرة واسعة فى العالم العربى من قديم شرقا وغربا وعكف عليه غير عالم يشرحه أو ينظمه شعرا ليسهل على الطلاب حفظ ما فيه، وعدّد بروكلمان فى ترجمته مخطوطاته ومخطوطات شروحه ونظمه، وطبع الكتاب فى عصرنا بالقاهرة وبيروت وحلب، ونسوق مثالا من صفحاته الأولى يوضح مدى أهميته والفائدة-أو الفوائد-اللغوية منه، يقول فى باب الصفات المحمودة فى الرّجال: «الجواد: الرجل السخىّ، والخرق: الكريم، والخضمّ: الكثير العطية، والخضرم: الكثير الإنفاق، والأريحىّ: الذى يرتاح للعطاء، والحسيب: الكريم الآباء، والماجد: الشريف، والصّنديد: الرئيس العظيم وكذلك الهمام، والسميدع: السيد وكذلك الجحجاح والأريب: العاقل، والحلاحل: الوقور، والمنجّذ الذى قد جرّب الأمور، والمدره: الذى يكون رأس القوم ولسانهم، واللّوذعىّ: الذكىّ القلب، والمصقع: البليغ اللسان، والسّرىّ: المرتفع القدر وجمعه سراة بفتح السين». وتشهد هذه الألفاظ بأنه كان صاحب حسّ أدبى وذوق مرهف وذاكرة لاقطة، مما جعله يعرف كيف يختار فى كل باب من أبواب الكتاب من معاجم اللغة ومما حفظه من الشعر والنثر ألفاظا مصفّاة نقية من شوائب الغرابة والإغراب كما قال فى مقدمة الكتاب ومع تفسيرها بحيث تكون معانيها واضحة تمام الوضوح للشباب والأدباء حين يستخدمونها ويتلفظون بها، وهو ما دفع الناس-كما يقول القفطى-فى مصر والمغرب إلى الاشتغال بالكتاب والعناية بحفظ ما فيه من الكلم المتخيّر المستعذب. وأما كتاب الأزمنة والأنواء فقد حققه ونشره الدكتور عزة حسن بدمشق سنة ١٩٦٤ للميلاد، ويقول ابن الأجدابي الطرابلسى فى مقدمته: «هذا كتاب مختصر أودعناه أبوابا حسنة فى علم الأزمنة وأساساتها، والفصول وأوقاتها، ومناظر النجوم وهيآتها، بأوضح ما أمكننا من التبيين، وبأسهل ما حضرنا من التقريب». والكتاب-كما يدل عنوانه-فى علم الفلك وما يتصل به من الكواكب وأوضاع الشمس والقمر على مدار العام والأمطار والرياح وتغير الفصول. والعرب منذ الجاهلية يعنون بهذا العلم لشدة حاجتهم لمعرفة مواقع النجوم فى ظلمات لياليهم الصحراوية الطويلة، حتى لكأنها المصابيح التى تهديهم فى سراهم ليلا فلا يضلون السبل، وقد أكثروا من التأليف فى هذا العلم منذ القرن الثانى الهجرى، ونقلوا عن الأمم القديمة: اليونانية والفارسية والهندية ما كتبوه فيه ومزجوه بمعارف العرب فى صور مختلفة. وكتاب ابن الأجدابي يكتظ بمعلومات طريفة، وقد استهله بحساب الأزمنة والسنين والشهور الشمسية عند الروم وغيرهم والقمرية عند العرب ثم يذكر الكواكب المشهورة ومواقعها فى القبّة الزرقاء والكواكب السيّارة فى السماء، ويتحدث عن بيان أزمنة السنة وبروج الشمس ومنازلها والرياح

стр. 4245

وأسمائها، ويختم الكتاب بتفصيل الحديث فى الشهور الشمسية وأسمائها عند الأعاجم. ويذكر مع كل موضوع الأشعار والأمثال المسجوعة المرتبطة به، مع ما يعم فى الكتاب من جمال الصياغة وحسن العبارة، وبذلك استحال علم الفلك عند ابن الأجدابي الطرابلسى إلى علم أدبى، مما يدل بوضوح على قدرته وبراعته الأدبية. وفى كتب الطبقات بعد ابن الأجدابي الطرابلسى أسماء لبعض اللغويين والنحاة الليبيين على مدار الحقب إلى العصر الحديث، غير أن أحدا من الليبيين لم يبلغ مبلغه فى التعمق اللغوى مع حسن العرض وجمال البيان، وممن تذكره كتب التراجم بعده معاصره خلوف بن عبد الله البرقى النحوى نزيل صقلية وأبو الحسن على البرقى المتوفى سنة ٥٢٢ للهجرة، وكان نحويا كما كان شاعرا. وتمر قرون ولا يلمع فى ليبيا اسم لغوى أو نحوى، ويلقانا فى القرن التاسع يوسف بن على الجعرانى فى القصبات عاصمة مسلاتة سنة ٨٢٠ وله شرح على متن الأجرومية، وبنى له زاوية ببلدته كان يتعبد فيها لربه ويدرس النحو وغيره لطلابه، وممن نلقاهم فى القرن العاشر الهجرى محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخطاب الطرابلسى المتوفى سنة ٩٥٤ للهجرة، وله حاشية على كتاب قطر النّدى لابن هشام وأخرى على كتابه التوضيح أو أوضح المسالك، وله كتاب لغوى فى المواضع التى غلط فيها الجوهرى صاحب معجم الصحاح والفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط. ٣ - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام تمثّل قرّاء ليبيا للذكر الحكيم-مثل بقية قرّاء المغرب-قراءة ورش المصرى التى تلقّنها عن نافع مقرئ المدينة المشهور وأحد القرّاء السبعة، ولا يزال القرّاء-إلى اليوم-يدوّون بها فى ليبيا والبلاد المغربية دوىّ النّحل، ومن القراء المبكرين بليبيا فى جبل نفوسة عمر بن يمكتن الذى مر بنا ذكره فى الحركة العلمية، ومن كبار القراء فى القرون التالية بعده مؤمن بن فرج الهوارى الطرابلسى المتوفى سنة ٤٤٢ للهجرة، وكان يقرئ القرآن فى مسجد عرف باسمه بعده كما يقول التجانى فى رحلته، واشتهر عبد السلام بن عبد الغالب المسراتى المتوفى سنة ٦٤٦ للهجرة بأنه كان يعنى بالقراءات السبع جميعا، ومثله على بن عبد الحميد العوسجى المتوفى سنة ٩٢٥ وكان يحفظ الذكر الحكيم بالقراءات السبع، وكان يحفّظه للغلمان فى مسجد بناه فى حياته واشتهر بأنه مؤدب الصبيان. وكانت المساجد والزوايا والكتاتيب جميعا تموج بقراءة القرآن الكريم على مر الحقب.

стр. 4246

وعلى نحو ما كانت ليبيا تعنى بقراءات الذكر الحكيم كانت تعنى بتفسيره، وكان علماؤها يتلقون ما كتبه الطبرى وغيره من علماء المشرق ويعرضونه على الطلاب والناس، ومن كبار مفسريه بطرابلس مؤمن بن فرج الهوارى المذكور آنفا بين القراء، ومنهم أيضا محمد بن محمد الحطاب المتوفى سنة ٩٥٤ وله فى التفسير حاشية على تفسير البيضاوى، ويقال إنه حاول أن يكتب تفسيرا للقرآن وأنه مضى فيه حتى سورة الأعراف، ولم يكتب له أن يتمه، ومن مؤلفاته القرآنية كتاب فى تجويد القراءات أو فى علم تجويده. وكان يعاصره مفسر طرابلسى هو محمد بن على الخروبى المتوفى سنة ٩٦٣ وله تفسير تحتفظ به رفوف دار الكتب المصرية فى ثمانى مجلدات، سماه: «رياض الأزهار وكنز الأسرار» وكان صوفيا كبيرا وربما نزع فيه منزع المتصوفة فى تفسير الذكر الحكيم. ولم تكن تقل عناية ليبيا بالحديث النبوى عن عنايتها بالتفسير للقرآن الكريم وقراءاته، ومن محدّثيها سعيد بن عباس من أهل مدينة سرت، توفى سنة ٢٠٠ للهجرة، وتشتهر بروايته وتدريسه بعض البيوت أو الأسر مثل أسرة أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم العجلى فى طرابلس المتوفى سنة ٢٦١ للهجرة، وكان يشبّه بأحمد بن حنبل فى كثرة ما يروى من الأحاديث، وكان ابناه عبد الله وصالح محدثين، وظلت أسرته فى طرابلس تشتهر بروايتها للحديث النبوى وتدريسه للطلاب. وكان يعاصره فى برقة محدثان جليلان هما إبراهيم البرقى وعبد الكريم البرقى. ونلتقى فى القرن الرابع الهجرى بيحيى بن دحمان، وكان محدثا كبيرا، تسامع به أهل الحديث النبوى فى البلاد المغربية والأندلسية، ومرّ بنا أن أندلسيين محدثين سمعا منه الحديث. ومن نابهى المحدثين فى هذا القرن ابن زكرون على بن أحمد بن زكريا المار ذكره فى الفصل الماضى بين الزهاد، وهو تلميذ صالح بن أحمد العجلى، وكان يلقى دروسه فى الحديث النبوى بمسجد المجاز فى طرابلس، وإليه كانت الرحلة من بلدان إفريقية التونسية والبلدان المغربية، وممن رحل إليه للسماع عنه أبو الحسن القابسى محدث تونس المشهور، وله فى الحديث والفقه والرقائق الوعظية تآليف كثيرة. ومن كبار المحدثين بعده أحمد بن نصر الداودى المتوفى سنة ٤٠٢ هـ/١٠١٢ م كان من أئمة المالكية، أنجبته طرابلس، وألّف فيها كتابه: «النامى» فى شرح الموطأ لمالك، وانتقل منها إلى تلمسان، وفيها ألف كتبا متعددة، منها: «النصيحة فى شرح كتاب البخارى» ويقال إنه أول من شرحه فى العالم الإسلامى، وألف كتاب الواعى فى الفقه وكتاب الأموال وهو فتاوى وأحكام فى غنائم وأراضى البلدان المفتوحة. ومن أهم المحدثين بعده إبراهيم بن عبد السلام المسراتى المتوفى سنة ٧٠٤ اشتهر بعنايته البالغة بغريب الحديث، وأهم منه معاصره الإمام الحافظ الكبير أبو فارس عبد العزيز بن عبد العظيم المشهور باسم ابن عبيد المولود بطرابلس سنة ٦٣٩ وينوّه به وبعلمه التجانى فى رحلته التى تحدث فيها عن زيارته

стр. 4247

لطرابلس سنة ٧٠٧ للهجرة بصحبة الأمير الحفصى زكريا بن اللحيانى، وفيه يقول: «القائم برسم العلم فى هذه البلدة (طرابلس) فى وقتنا هذا شيخنا الإمام الحافظ أبو فارس عبد العزيز بن عبد العظيم حضرت درسه بمسجد مجاور لداره، فرأيت رجلا متضلعا من العلم، ذاكرا بالمذهب (المالكى) ذكرا لا يجاريه فيه أحد، ولا تكاد مسألة من مسائله تشذ عنه، حسن العبارة، مشاركا فى علوم جمّة وله اعتناء بحفظ كلام (الأئمة) القرويين (بالمغرب الأقصى) فى المذهب (المالكى) من تعليل أو تفسير أو توجيه أو تخريج، واعتماده فى الأصول الدينية والفقهية على كلام أبى المعالى (الجوينى إمام الحرمين) وكلام الشيخ أبى حامد الغزالى. . ولما حضرت درسه وتحققت مكانته المكينة فى العلم أحببت القراءة عليه مدة إقامتنا هنالك (بطرابلس) وطلب مخدومنا (الأمير أبى زكريا اللحيانى) أن يكون ذلك بمحضر منه، فلم يكن بد من استدعاء الشيخ لموضع سكنانا، فعقدنا مجلسه لذلك بالقصبة (قصر البلدة) وفى مجلس الأمير منها، وطلب الحضور بذلك المجلس جماعة من أعيان الطلبة بالبلد، فأذن لهم، ورأينا أن يكون المقروء حديث خير الأنام». ويذكر التجانى أن ابتداء هذه المجالس كان فى شهر شعبان من سنة ٧٠٧ وأنه بدأ بقراءة صحيح مسلم، والشيخ يعلق ويفسر ويجيب على الأسئلة، حتى إذا أتمّ التجانى قراءة صحيح مسلم على الشيخ أخذ يقرأ عليه صحيح البخارى، والشيخ يفسر ويعلق تعليقات علمية ويرد على الأسئلة ردودا دقيقة غاية الدقة، وأجاز ابن عبيد التجانى بما رواه عن شيوخه من هذين الصحيحين فى صفر سنة ٧٠٨ للهجرة. وبدون ريب يمثل ابن عبيد الذروة التى انتهى إليها علماء الحديث وحفاظه فى طرابلس وأنهم لم يكونوا يقلون علما وحفظا ودراية للحديث النبوى وتعمقا فى دراسته عن أندادهم فى البلدان العربية: فى تونس وغير تونس بل إن هذا أحد الأفذاذ المتأدبين بتونس يقطع مع أميره رحلتهما ويظلان بطرابلس أشهرا ليحظيا بأخذ صحيحى مسلم والبخارى عن هذا الحافظ الكبير الثبت الحجة، وقد سأله التجانى عن شيوخه فأعطاه ثبتا بأهمهم، ونفر منهم كانوا طرابلسيين ونفر آخر كانوا من الوافدين على طرابلس إما لتولى منصب القضاء وإما مارّين بها فى الطريق لأداء فريضة الحج أو عائدين إلى ديارهم المغربية، ويذكر له الكتب التى أخذها عنهم، وفى مقدمتها كتاب الإرشاد لأبى المعالى إمام الحرمين الجوينى وكتاب البرهان له أيضا وكتاب المستصفى للغزالى. وفى ذلك ما يؤكد ما قلناه فى غير هذا الموضع من أن الوافدين على طرابلس والمجتازين بها كان لهم تأثير واسع فى حركتها العلمية. وتظل رواية الحديث النبوى ودراسته متصلتين فى طرابلس وكل أنحاء ليبيا طوال القرون التالية. ويعدّ الفقه أهم علم إسلامى استوعب نشاط العلماء الليبيين، وطبيعى أن لا ينشأ فى ليبيا فقهاء يحسنون العلم بالمذاهب الفقهية المشهورة: مذهب أبى حنيفة ومذهب مالك ومذهب

стр. 4248

الشافعى ومذهب ابن حنبل إلا بعد نشوء هذه المذاهب، وقد نشأت الثلاثة الأولى فى القرن الثانى الهجرى، ونشأ الرابع فى القرن الثالث الهجرى على نحو ما هو معروف، وظل بعيدا عن أهل ليبيا لا يعرفه-ولا يعتنقه-أحد منهم، وكان مذهب أبى حنيفة فى العراق بعيدا عنهم، غير أن إمامه لعهد الرشيد: أبا يوسف حمله على أن يخص القضاء فى الدولة الإسلامية جميعها بأهله، فكان يشترط فى القاضى بأى بلد إسلامى أن يكون فقيها حنيفا، وكان إبراهيم بن الأغلب والى الرشيد ومؤسس الدولة الأغلبية فى إفريقية التونسية وطرابلس يصدع هو والحكام من أسرته لمشيئة الرشيد وأبى يوسف فى أن يكون القضاة بدولتهم أحنافا ما أمكن ذلك، مما يجعلنا نظن أنه تولى القضاء فى زمنهم بطرابلس بعض القضاة الأحناف، مما جعل المذهب الحنفى يعرف فيها بعض المعرفة، وبانتهاء زمن الدولة الأغلبية تنتهى صلة طرابلس بالمذهب، حتى إذا والت ليبيا الدولة العثمانية عادت هذه الصلة. إذ كان العثمانيون يفرضون على البلدان الموالية لهم أن يكون قضاتها أحنافا. وكان المذهب الشافعى قد انتشر بمصر وكثر فقهاؤه، ولا نسمع أن ليبيّا اعتنقه، إذ كان قد جذبهم إليه مذهب مالك أستاذ الشافعى وإمام المدينة والحجاز. ولم يكد يبقى فى علماء ليبيا بقية لمذهب سواه، وخاصة أن نفرا منهم كانوا قد حضروا دروس مالك وحملوا عنه كتاب مذهبه: الموطأ وأخذوا يشيعون المذهب فى ليبيا على نحو ما نعرف عن معاوية بن محمد الحضرمى الطرابلسى تلميذ مالك، وكان قد حمل المذهب عنه جلة من الفقهاء المصريين، فكان الليبيون يأخذون عنهم مثل إبراهيم بن أبى الفياض فقيه برقة المتوفى سنة ٢٤٥ تلميذ عبد الله بن وهب بالفسطاط حامل مذهب مالك عنه إلى مصر، أو بعبارة أدق أحد حملته عنه المصريين المهمين، وكان سحنون إمام المذهب فى المغرب وحامله عن عبد الرحمن بن القاسم فى مصر قد نزل قبل قدومه إلى القيروان فى أجدابية بليبيا سنة ١٩١ وأذاعه فيها وانتقل إلى طرابلس وظل بها ثلاث سنوات يدرس لأهلها المذهب ويشيعه، ويلقانا فقهاء ومالكية كثيرون فى بلدان ليبيا المختلفة مثل ابن أبى زرعة البرقى المتوفى سنة ٢٤٩ وله مؤلفات مختلفة فى المذهب ورجال الموطأ وزيادات على مختصر الفقيه المالكى المصرى ابن عبد الحكم ذكر فيها اختلافات فقهاء الأمصار، ونلتقى فى مدينة سرت بعبد الجبار بن خالد السرتى المتوفى سنة ٢٨١ للهجرة، وهو من تلامذة سحنون، وممن نلتقى به فى طرابلس موسى بن عبد الرحمن بن حبيب القطان المتوفى سنة ٣٠٦ وهو تلميذ محمد بن سحنون خليفة أبيه فى حلقته بالقيروان، وتولى القضاء ببلدته فترة، ويقول ابن فرحون فى الديباج إنه كان يحسن الكلام فى الفقه على مذهب الإمام مالك، ويذكر له كتابا ضخما فى أحكام القرآن فى اثنى عشر جزءا، ونلتقى فى برقة بالفقيه المالكى عبد الله بن إسماعيل البرقى المتوفى سنة ٣١٧ ومرّ بنا ذكره مع عبد الجبار البرقى بين الزهاد، ويلقانا فى سرت الفقيه المالكى محمد بن حسن الزويلى السرتى المتوفى سنة ٣٨٣. ونلتقى بإمام كبير من أئمة الفقه المالكى بطرابلس، هو على بن محمد بن المنمر المتوفى سنة

стр. 4249

٤٣٢، وهو أول من انتصر لمذهب أهل السنة فى بلده ضد المذهب الفاطمى الشيعى، وأمر بمنع شارتهم فى الأذان: «حىّ على خير العمل» ودعا الناس إلى صلاة الضحى جهارا ولم يكونوا يصلونها فى زمن الفاطميين إلا مستخفين، وأعاد صلاة القيام فى رمضان وكان الفاطميون قد محوا رسمها محوا تامّا فى أيامهم، وعنى فى كتاباته ومحاضراته بمناصرة أهل السنة، ومن مؤلفاته التى عنى بها الطرابلسيون طويلا كتابه: «الكافى فى الفرائض». ومن أئمة الفقه المالكى بطرابلس عمران بن موسى بن معمر المتوفى سنة ٦٦٠ وهو أستاذ ابن عبيد الحافظ الكبير الذى نوه به التجانى طويلا كما مرّ بنا، وكان يدرس لطلابه من أمهات المذهب المالكى كتاب التفريع لابن الجلاب وتهذيب المدوّنة للبرادعى. كما كان يدرس لهم كتاب المستصفى للغزالى والمحصول لابن العربى الأندلسى، وظل قاضيا على طرابلس أكثر من ثلاثين عاما واشتهر بدقته فى أحكامه وأقضيته، فاستدعاه المستنصر الحفصى لتولى القضاء فى تونس سنة ٦٥٨ للهجرة، وتولاه لمدة عامين بها حتى توفى. وعرف شيوخ طرابلس حينئذ نظام المعيدين المعروف بمصر وغيرها فى زمانهم، وكان المعيد عنده عبد الوهاب بن محمد الهنزولى، وخلفه فى حلقته ودروسه حين بارح طرابلس إلى تونس بدعوة المستنصر الحفصى، ومن نابهى فقهاء المالكية عبد الحميد بن أبى البركات بن أبى الدنيا المتوفى سنة ٦٨٤ وهو مثل ابن معمر من أساتذة الحافظ المحدث ابن عبيد، وكان يدرس لطلابه بطرابلس كتابى الإرشاد والبرهان لأبى المعالى الجوينى وكتاب المستصفى للغزالى، وسأعود للترجمة له بين الشعراء، إذ كان شاعرا كبيرا. ومن فقهاء المالكية النابهين أحمد بن عبد الرحمن الزليطنى الفقيه الأصولى المتوفى بأخرة من القرن التاسع، وهو أستاذ زروق أو بعبارة أدق أحد أساتذته، وله مؤلفات كثيرة، منها شرحان على مختصر خليل فى الفقه المالكى أحدهما ضخم فى ستة مجلدات، ومنها شرحان على أصول السبكى، ومنها شرح مختصر فتاوى البرزالى، وتولى القضاء بطرابلس فترة ثم أسندت إليه بتونس مشيخة المدارس. ومرّ بنا زروق فى حديثنا عن الصوفية، وكان فقيها مالكيا كبيرا، ومن كتبه الفقهية شرحان لرسالة ابن أبى زيد فى الفقه، وشرح مواضع من مختصر خليل، وشرح الإرشاد فى الفقه. ويظل الفقه المالكى مزدهرا فى طرابلس-مثلها فى ذلك مثل بقية البلاد المغربية، ومن فقهائها النابهين فى العصر العثمانى محمد بن شعبان الطرابلسى المتوفى سنة ١٠٢٠ وقد أسند إليه القضاء فى طرابلس والفتوى والتدريس، واشتهر بمناظرته لعلماء إستانبول. ومر العياشى بطرابلس سنة ١٠٥٩ هـ/١٦٥٠ م وذكر من فقهائها فى رحلته أثناء وصفه للمدينة محمد بن أحمد بن عيسى اليربوعى ومحمد بن مساهل مفتيها وقد ظلت ولايته للفتوى بها نحو أربعين سنة حمدت فيها سيرته، ونوّه بالفقيه محمد المكى وقال إن بيته بيت علم وذكر له خزانة كتب ليس لأحد من أهل بلدته خزانة تماثلها، وذكر من مؤلفاته: «شكر المنة فى نصر السنة» وهو فى الرد على عقيدة الإباضية.

стр. 4250

والحق أن فقهاء المذهب المالكى فى ليبيا يفوتون الحصر، مثلها فى ذلك مثل الأقاليم المغربية المختلفة، وكانت الجماهير فيها جميعا تعتنق مذاهب أهل السنة وخاصة مذهب مالك فهو المذهب الذى ذاع وشاع فى جميع البقاع المغربية، إلا ما كان من جبل نفوسة فى ليبيا وجزيرة جربة فى تونس وبلاد ميزاب فى جنوبى الجزائر، فإنها جميعا اعتنقت العقيدة الإباضية إلى اليوم، ونلتقى بفقهاء لها عديدين فى جبل نفوسة، ومن أوائلهم إسماعيل بن ضرار الغدامسى أحد الذين رحلوا إلى البصرة للتلمذة على أبى عبيدة مسلم بن أبى كريمة داعية العقيدة الإباضية وظل ملازما له خمس سنوات وعاد إلى موطنه فولاّه أبو الخطاب عبد الأعلى المعافرى فى ثورته بجبل نفوسة وطرابلس سنة ١٤٠ القضاء فى دولته ووكل إليه بجانبه شئون التعليم، وأخذ الفقهاء الإباضيون بعده يتكاثرون فى جبل نفوسة ومن أهمهم فى القرن الثالث الهجرى عمروس بن فتح النفوسى المتوفى سنة ٢٨٣ للهجرة وله كتب فى العقيدة الإباضية: فى الأصول والفروع، من أهمها كتاب منسوب إليه يسمى «العمروسى» ولما نزل داعية الإباضية بشر بن غانم الخراسانى جبل نفوسة استودعه مدونة فى الفقه الإباضى رواها عن تلامذة داعية الإباضية الكبير بالبصرة أبى عبيدة مسلم بن أبى كريمة، فتفرّغ هو وأخت له ليل نهار لنسخها، وكانت تقع فى اثنى عشر جزءا، حتى أتمّا نسخها، وتصادف أن الأيام حفظتها بينما احترقت النسخة الأصلية. وعليها اعتماد الإباضية فى الفقه، وهى تقوم عندهم مقام مدوّنة سحنون فى مذهب الإمام مالك. ومن فقهاء الإباضية فى القرن الرابع الهجرى سليمان بن ماطوس الشروسى، وتعد فتاويه مرجعا مهما عند الإباضية، وموسى بن يونس الجلالمى، وقد برع فى الأصول والمنطق والرياضيات وأسس مدرسة كبيرة كان بها أقسام داخلية للطلاب والغرباء، ونلتقى فى القرن الخامس بالفقيه أحمد بن بكر النفوسى مؤسس جماعة العزابة، وكانت لها هيئة عليا وفروع فى كل بلد وقرية تضم خير أهلهما علما وصلاحا، ومهمتها خدمة المصلحة العامة، ولهذا الفقيه الإباضى مؤلفات كثيرة، منها أصول الأرضين فى ستة أجزاء والجامع فى الفروع فى جزءين والقسمة وتبيين أفعال العباد فى ثلاثة أجزاء، ونلتقى فى القرن السادس بيوسف بن إبراهيم السدراتى المتوفى سنة ٥٧٠ وله كتاب العدل فى أصول الفقه وكتاب الترتيب فى علم الحديث، ومن كبار فقهاء الإباضية فى القرن على بن يخلف التّيمجارى النفوسى، ناشر الإسلام فى مملكة مالى فقد رحل إليها سنة ٥٧٥ وأقنع ملكها ووزراءه وأهلها بالدين الحنيف فاعتنقوه، وظل فى ديارهم يعلمهم فرائض الإسلام ويحفّظهم القرآن الكريم ويفقههم فى الدين، وهى يد عظيمة لأباضية نفوسة بجانب الأيادى الأخرى العظيمة لصوفية المغرب ودراويشها فى نشر الإسلام بإفريقية السوداء غربا ووسطا وشرقا. ومن كبار فقهاء الإباضية فى القرن الثامن الهجرى أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالى نسبة إلى جيطال مدينة كبيرة فى جبل نفوسة، توفى سنة ٧٥٠ للهجرة، وهو كثير التأليف، له كتاب فى الفرائض وكتاب فى الحج والمناسك

стр. 4251

وكتاب قواعد الإسلام وكتاب قناطر الخيرات فى ثلاثة أجزاء. ونلتقى بأبى ساكن عامر الشماخى المتوفى سنة ٧٩٢ عزم على أن يؤلف مدونة كبرى فى الفقه وأخرج منها أربعة أجزاء أولها فى الصلاة، والثانى فى الزكاة والصوم والحج والنذور والأيمان والحقوق، والثالث فى البيوع والقسمة والرهن، والرابع فى الوصايا والهبات. ونلتقى فى القرن العاشر ببدر الدين أحمد الشماخى المتوفى سنة ٩٢٨ ومن أهم كتبه مقدمة فى أصول الفقه. وللإباضية مجموعتان فقهيتان: مجموعة تسمى الديوان ألفها سبعة من فقهائهم فى نفوسة، ومجموعة ثانية تسميها ديوان العزابة ألفها عشرة من فقهاء نفوسة الكبار. وقد مر المذهب الفقهى الإسماعيلى الفاطمى على ليبيا مرورا سريعا فقد كان الناس منصرفين عنه إلا نفرا قليلا بل أقل من القليل رأوا التعلق بدنيا الفاطميين، وربما ألجأتهم إلى ذلك الضرورة، ولا نسمع فى طرابلس عن فقيه إسماعيلى إلا ما يروى عن خليل بن إسحاق ولم يكن فقيها بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ولا كانت له مؤلفات فقهية، إنما حضر حلقات بعض الفقهاء حتى إذا دوّى طبل المهدى وابنه القائم أسرع فى الانضواء تحت لوائهما، ومثله محمد بن سيار الفقيه البرقى المتوفى سنة ٣١٠ ومثلهما محمد بن الحسن الطرابلسى الذى استدعاه يعقوب بن كلس وزير المعز الفاطمى إلى القاهرة وفوض إليه قضاء دمياط وبلبيس والفرما، وعلى شاكلتهم أبو جعفر أحمد بن خالد البرقى المتوفى سنة ٣٧٦ ومالك بن سعيد القرافى ولى القضاء بمصر فى عهد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله، وأمر بضرب عنقه سنة ٤٠٥ للهجرة. وإذا كانت ليبيا نشطت فى علوم الفقه والحديث والتفسير والقراءات فإن نشاطها كان محدودا فى علم الكلام، إذ لا يعدو ما يقال عن اشتغالهم به وأن يذكر أن شخصا كان نحويا أو لغويا أو فقيها كبيرا كان يعتنق الاعتزال مثل محمد بن سالم الطرابلسى، ولا نعرف إلى أى حد كان يتمثل مبادئه، ويذكر أن معاصره أبا خزر النفوسى الإباضى ناظر أحد المعتزلة فى القرن الرابع وانتصر عليه، ويقال إن الفقيه المالكى الكبير أحمد بن نصر الداودى ألف رسالة فى الرد على القدرية (المعتزلة) بعنوان الإيضاح ولو أنها وصلتنا لاستطعنا أن نأخذ صورة عن مباحث علم الكلام فى ليبيا وبالأخص فى طرابلس بلدته. ويقال إن الفقيه المالكى الكبير الدوكالى كان يدرس لطلابه من أمثال عبد السلام الأسمر فى القرن العاشر الهجرى مقدمة الأشعرى فى التوحيد، ويبدو أن ليبيا أصبح مثلها مثل البلاد المشرقية والمغربية منذ القرن الخامس الهجرى وما بعده تؤثر المذهب الأشعرى الكلامى على الاعتزال وغيره من المذاهب الكلامية.

стр. 4252

٤ - التاريخ طبيعى أن يشغف بعض العلماء فى ليبيا بالكتابة فى التاريخ الإسلامى، كما شغف به كثيرون فى البلدان العربية، ومن أوائل مؤرخيهم عبد الرحيم بن عبد الله بن أبى زرعة البرقى المتوفى سنة ٢٥٦ للهجرة روى السيرة النبوية ومغازيها عن ابن هشام مؤرخها بالفسطاط، ويبدو أن أخاه أحمد رواها معه عن ابن هشام، ويقال إن لأحمد كتابا فى التاريخ دون إشارة إلى موضوعه، ويذكر ابن ناجى فى معالم الإيمان مؤرخين فى أجدابية، هما أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن الأجدابي المتوفى سنة ٣٨٤ وأبو عبد الله الحسين بن عبد الرحمن الأجدابي المتوفى سنة ٤٣٢ ونلتقى فى طرابلس بمؤرخين لها، هما الحسن بن فراج المتوفى سنة ٥٢١ وعلى بن عبد الله بن مخلوف الطرابلسى المتوفى سنة ٥٣٣. ومن المؤرخين المهمين فى القرن العاشر الهجرى كريم الدين البرموني المصراتى المتوفى سنة ٩٩٩ للهجرة، وأبوه مصرى نزل مصراته مع الشيخ زروق فى عودته من مصر، وقد بدأ كريم الدين تعلمه فى زاوية الشيخ زروق ثم تركها إلى زاوية الشيخ المحجوب، وشغف بالتاريخ وله فيه كتاب روضة الأزهار ومنية السادات الأبرار، وفيه عرّف بطائفة كبيرة من الأتقياء الصالحين وبأنساب الأشراف فى طرابلس وأنساب بعض القبائل العربية وله بجانب هذا الكتاب كتاب عن عبد السلام الأسمر الصوفى معاصره المار ذكره بين المتصوفة. ويشتهر بين علماء نفوسة الإباضيين مؤرخان، أولهما أحمد بن سعيد الدرجينى الفقيه الإباضى فى القرن السابع وله كتاب طبقات المشايخ ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية، وفيه عرض تراجم مفصلة لأئمة المذهب الإباضى رتّبها فى طبقات كل طبقة تضم خمسين عاما حتى نهاية القرن السادس الهجرى، والثانى أبو العباس بدر الدين أحمد بن عثمان بن عامر الشماخى المذكور بين الفقهاء الإباضيين وله فى تاريخ الأئمة الإباضية كتاب «السير»، وفيه يعرّف بالمذهب الإباضى منذ نشأته ويترجم لرجاله حتى أوائل القرن العاشر الهجرى.

стр. 4253

الفصل الرّابع الشعر والنثر ١ - تعرب (١) ليبيا أخذت ليبيا والبلدان المغربية تدخل فى الإسلام منذ فتحها العرب، ومنذ اعتنقته ليبيا لم تقم فيها أى حركة ثورية ضد العرب، كما حدث أيام كسيلة والكاهنة فى إفريقية التونسية والجزائر، وحتى هما لم يعودا إلى شق عصا الطاعة منذ عهد حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ). ومع ذلك فإن الإسلام عمّهما بحيث لا نصل إلى أواخر القرن الأول الهجرى حتى يكون قد تغلغل إلى جميع البقاع فى المغرب، بين الحضر شمالا والبدو جنوبا وفى السهول وعلى سفوح الجبال وفى الهضاب وفى الصحارى، وهو ما ملأ نفوس المؤرخين الغربيين حيرة، فإن الفينيقيين أقاموا بين البربر قرونا، ولم يستطيعوا نشر دينهم ولغتهم فيهم بهذه الصورة الجماعية، وبالمثل الرومان، وظلت المسيحية التى حاولوا نشرها بين البربر غريبة ولا تعرف إلا فى بعض البلدان الشمالية وبتأثير جاليات رومانية فيها. وأخذت تنسحب وتتقوض أمام المد الإسلامى منذ القرن الأول الهجرى. ولا ريب فى أن مرجع ذلك إلى أن دين الإسلام دين الفطرة الإنسانية، ويخلو من نظرية التثليث المعقدة عند المسيحيين، وأيضا فإنه يحرر البربر وغيرهم من فكرة الاستعباد للرومان وغير الرومان ممن يستولون على الديار ويتملكون كل ما فيها من الخيرات وطيبات الرزق، ثم هو لا يظلم أهل البلاد المفتوحة أى ظلم مالى أو غير مالى، وهو يسوى بين أتباعه من العرب وبين مسلمى البلدان المفتوحة فى جميع الحقوق: فى الغنائم وفى الضرائب وفى مختلف الشئون. ظلت ليبيا طوال القرن الأول الهجرى مركزا مهما للجيوش العربية، وكان كل جندى فيها

стр. 4254

يحاول تحفيظ بعض البربر الليبيين القرآن وتعليمهم مبادئ الدين الحنيف والعربية، والفرائض المكتوبة عليهم وينبغى أن يؤدوها على خير وجه، ولم تلبث الكتاتيب أن أسست فى المدن وغير المدن، مما أسرع بأهل ليبيا إلى دخول الدين الحنيف أفواجا بعد أفواج، ومما أسرع بهم إلى التعرب الاختلاط بالعرب والمصاهرة بينهم وبين أسرهم. وأيضا مما أسرع بهم إلى التعرب هجرات مبكرة للقبائل والعشائر العربية نزلت ديارهم، إذ يذكر اليعقوبى المتوفى فى أواخر القرن الثالث الهجرى أنه سكن جبل برقة الشرقى عشائر يمنية من الأزد ولخم وجذام والصّدف وغيرهم وسكن جبل برقة الغربى عشائر من غسان والأزد وتجيب، ونزلت الرمادة عشائر من بنى مدلج وبلىّ وجهينة، ونزلت ودّان فى الهضبة جنوبى طرابلس عشائر سهمية وحضرمية، وكل ذلك عمل على المزج بين العرب والليبيين، ولا نكاد نصل إلى منتصف القرن الخامس الهجرى حتى يحدث طوفان الهجرة الأعرابية الكبرى لبنى سليم وبنى هلال من صعيد مصر إلى ليبيا والديار المغربية على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، ونزلت أمواج بنى سليم-وخاصة بنى قرة منهم-فى برقة، وتغلغلت أسراب منها فى ليبيا إلى إقليم طرابلس فى الغرب، ومعها عشائر من بنى هلال. وأعد هذا الطوفان الأعرابى الكبير ليبيا ليتكامل تعربها، إذ انصهر البربر بها فى الأعراب، وأصبحوا معا شعبا عربيا كبيرا فى تقاليده وعاداته وتناول حياته اليومية وفى أزيائه وملابسه وطعامه وفى أحزانه وأتراحه وفى أفراحه وأعراسه، وتعرّبوا أيضا فى الأخلاق والشّيم الكريمة من المروءة والنجدة والفروسية، ولم تتعرب برقة وحدها هذا التعرب الواسع فى جميع مناحى الحياة، بل تعربت أيضا طرابلس وسكان إقليمها من أفراد قبيلة هوارة البربرية، ويشهد بذلك ابن خلدون قائلا عنهم فى الجزء السادس من تاريخه: «إنهم صاروا فى عداد الناجعة من عرب بنى سليم فى اللغة والزّىّ وسكنى الخيام وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين فى الشتاء والصيف فى تلالهم، قد نسوا رطانة البربر واستبدلوا منها فصاحة العرب فلا يكاد يفرّق بينهم» ويشهد ابن خلدون نفس الشهادة لبنى يفرن فى جبل نفوسة قائلا: «إنهم تبدّوا مع بنى سليم، ونسوا رطانة الأعاجم وتكلّموا بلغات العرب، وتحلّوا بشعارهم فى جميع أحوالهم». واتسع هذا الشعور بالعروبة بين البربر، فإذا هم ينسبون أنفسهم إلى القبائل العربية شمالا وجنوبا، وكانت هوارة تنسب نفسها إلى اليمن كما يقول اليعقوبى. وبذلك لا نبالغ إذا قلنا إن بربر ليبيا تحوّلوا شعبا عربيّا تامّا منذ نزل بديارهم بنو سليم وبعض عشائر من بنى هلال، فقد أصبحوا عربا دينا إذ اعتنقوا الدين الحنيف، وعربا أسلوب حياة وعادات وتقاليد، وعربا زيا وملبسا ومطعما، وعربا لغة، كما لاحظ ابن خلدون. ويبدو أن انتصار العربية على اللغة الوطنية المغربية فى ليبيا وغيرها من بلدان المغرب كان حاسما منذ اعتناق البربر للدين الحنيف، وكانوا يسمون لغتهم-كما يقول الحسن الوزان- آوال أمازيغ أى اللغة النبيلة، وسماها العرب اللغة البربرية، وكانت لهجات شتى. وفى العصر

стр. 4255

الحديث اكتشفت نقوش فى إقليمى تونس والجزائر وفى الصحراء الكبرى تدل على أن البربر عرفوا الكتابة، غير أنه لم يؤثر عنهم أى كتاب دينى ولا أدبى ولا عملى زراعى مثلا، ومعنى ذلك أن البربرية لم يكن لها تراث تستطيع أن تلقى به العربية، بحيث يمكن أن يحدث صراع بينها وبين العربية، ومن أجل ذلك لم تقاوم العربية أى مقاومة، بل سرعان ما قهرتها واحتلت ألسنة أهلها وأصبحت لغة الحياة فى ليبيا وغيرها من البلدان المغربية. ولكن هل حدث فيها ما حدث مثلا فى مصر من حدوث تحريفات فى الكلم العربية أهّل لظهور اللغات العامية. وكلام ابن خلدون عن هوارة سكان إقليم طرابلس وبنى يفرن سكان جبل نفوسة يدل على أنه لم تشع فى ألسنتهم عامية مستحدثة، إذ قال إنهم استبدلوا من رطانة البربر فصاحة العرب، مما يؤكد أن الفصحى شاعت فى ليبيا وظلت فى ألسنة أهلها طويلا. وإذا كان ابن خلدون شهد لأهل طرابلس من هوارة ولبنى يفرن فى نفوسة بأنهم لم يكونوا يقلّون فصاحة عن بنى سليم فإن العبدرىّ الرحّالة المغربى يشهد لبرقة-حين مرّ بأحيائها فى رحلته سنة ٦٨٨ - بفصاحة أهلها فصاحة تامة، إذ يقول: «كلام عرب برقة من أفصح كلام عربى سمعناه، وعرب الحجاز أيضا فصحاء، ولكن عرب برقة لم يكثر ورود الناس عليهم، فلم يختلط كلامهم بغيره، وهم الآن على عربيتهم، لم يفسد من كلامهم إلا القليل، ولا يخلّون من الإعراب إلا بما لا قدر له بالإضافة إلى ما يعربون. وقد سألت بدويا لقيته يسقى إبله فى «الحصوى» على ماء يقال له أبو شمال: هل نورد على أبو شمال، وذكرته بالواو فى موضع الخفض على عادة أهل المغرب، فقال لى: نعم تطئون أبا شمال، وأثبت النون فى الفعل ونصب المفعول. وليس فى المغرب عربى ولا حضرى يفعل ذلك. ومررنا بأطفال منهم يلعبون، فقال لنا واحد منهم: يا حجاج معكم شئ تبيعونه، وأثبت النون وسكّن الهاء للوقف. ورأيت أعرابيا منهم قد ألّحت عليه امرأة تسأله (شيئا) من طعام يأكله. فقال لها: والله ما تذوقينه، فأتى بضمير المخاطبة على وجهه، وأثبت النون وسكّن الهاء. وسمعت شخصا ينشد فى الركب مكترى راحلة، ويقول: من يكرى زاملة، فسمعه بدوى، فقال له: أعندك الزاملة؟ فقال: نعم: فلا تقل من يكرى وقل: من يستكرى. وذكر لى بعض أصحابنا ممن حجّ معنا أن شخصا شرب من بئر، فقال: فى هذا الماء رائحة الحبل، وحرّك الباء بالفتح على لغة أهل المغرب يعنى الرّشاء المستسقى به، فسمعه أعرابى، فقال له: ومن أين جاءت رائحة الحبل إلى الماء، فأشار المغربى إلى الرّشاء، فقال له الأعرابى، قل الحبل ولا تقل الحبل. وأما نادر ألفاظ اللغة وما جرت عادة أهل المغرب بتفسيره فهم-حتى الآن- يتحاورون به على سجيّتهم، فمن ذلك أن شخصا منهم وقف علىّ بموضع نزولى من محلّة الرّكب، وكانت الترعة (قناة الماء) منه بعيدة، فقال لى: يا سيدى تدعنى أظهر يعنى أخرج، وسألت

стр. 4256

شخصا منهم عن الطريق، فقال لى: إذا ظهرتم من الغابة فخذوا صوب (ناحية) كذا وكذا يعنى إذا خرجتم منها، وهذا اللفظ قد أكثر فيه أهل الغريب فى تفسير قول عروة بن الزبير رضى الله عنه: لقد حدثتنى عائشة-رضى الله عنها-زوج النبى ﷺ بأن رسول الله ﷺ كان يصلى العصر والشمس فى حجرتها قبل أن تظهر. . وأتوا عليه بشواهد وأمثال. وسمعت صبيا منهم ينادى فى الركب: يا حجاج من يشترى الصفيف؟ فلم يفهم عنه أكثر الناس، فقلت له: اللحم معك، فقال: نعم وأبرز لحم ظبى مقدّد (مجفّف) وهذا اللفظ (أى الصفيف) ذكره الإمام مالك فى الموطأ وقال بإثر الحديث: الصفيف القديد. وسألت شخصا عن ماء هل هو معين (سائل) فقال لى: هو ماء عدّ (جار) وهذا اللفظ فسّره أبو عبيد فى غريبه، وما يتكلمون به من الغريب أكثر من أن يحصى». وإنما نقلت هذا النص بطوله من رحلة العبدرى-مقارنا بصورته فى كتاب ورقات للأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب-لأهميته، ولأنه يثبت أن أهل برقة كانوا لا يزالون يتكلمون بالفصحى حتى أواخر القرن السابع وكانت فصحاهم تتفوق على فصحى أهل الحجاز، معللا العبدرى ذلك بأنهم لا يختلطون بغيرهم اختلاط أهل الحجاز بالحجاج من كل فجّ وطريق، ويقول إنهم لا يزالون يتمسكون بالإعراب مع سقوطه حينئذ من الألسنة فى بلدان العالم الإسلامى فى المغرب-كما يقول العبدرى-وفى غير المغرب إلا فى زبيد باليمن كما أوضحنا ذلك فى حديثنا بالجزء الخامس من هذه السلسلة. ويضرب مثالا لبدوى أثبت فيه نون الرفع فى المضارع ونصب المفعول وهو «أبا» فى قوله للعبدرى: «تطئون أبا الشمال» ويعلق العبدرى على ذلك قائلا: «ليس فى المغرب عربى ولا حضرى يفعل ذلك» ومثل المغرب مصر فى لغتها العامية. وذكر مثالا ثانيا أثبت الأعرابى فيه ياء المخاطبة مع نون الرفع فى قوله «تذوقينه» والاثنان يحذفان فى العامية المصرية والمغربية ويورد مثالا على دقة الحس اللغوى وأن بدويا سمع شخصا يقول من يكرى زاملة أى بعيرا راحلا، ويكرى معناها يؤجر، فسمعه بدوى، فقال له أعندك الزاملة؟ فقال له نعم، فنبّهه إلى أنه يستخدم فعل يكرى وهو يريد يستأجر، فقال له لا تقل: من يكرى وقل من يستكرى أى يستأجر. وذكر العبدرى أنه سمع بدويا يقول أظهر بمعنى أخرج، ويعلق على ذلك بأن لفظه ظهر بهذا المعنى ورد فى حديث نبوى وعدّ غريبا، ولذلك أكثر أصحاب الغريب فى الحديث النبوى من الإتيان له بالشواهد والأمثال، ثم يذكر أن صبيا نادى فى الركب من يشترى الصّفيف؟ ولم يفهم من معه معنى الصفيف وهو اللحم المقدد، وفهمه هو لأنه قرأه فى كتاب الموطأ للإمام مالك وتفسيره له بأنه القديد، ومن ذلك أنه يسأل شخصا عن ماء هل هو معين أى سائل فقال له عدّ أى جار، وقد عرف معناها لأنه قرأها عند أبى عبيد القاسم بن سلام فى كتابه «غريب الحديث». ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب فى الجزء الأول من كتابه الورقات بعد أن نقل هذا الفصل الطريف من رحلة العبدرى: «إن

стр. 4257

ممّا نقلناه من رحلة العبدرى وما سنذكر من أقوال أهل برقة فيما بعد يتضح لك أن لهجة هؤلاء الأعراب لم تتغير وأنها إلى الآن قريبة جدا من أمها الفصحى» -ويستدل على ذلك ببعض الأشعار الشعبية لأهل برقة بعد الاحتلال الإيطالى لوطنهم، ملاحظا أن اللهجة الليبية الحديثة عربية خالصة وإن اعتراها ما اعترى سائر اللهجات العربية من إهمال الإعراب. وأضاف الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إلى هذه الملاحظات فى الجزء الأول من كتابه الورقات ملاحظة مهمة فى الجزء الثالث منه، إذ قال إن استخدام نون النسوة مع الأفعال فى مثل: «يأكلن-يشربن-يغزلن» منتشر فى كلام الأعراب بنواحى طرابلس وبرقة، وهى مبثوثة فى أقوالهم الشعرية. ويبدو أن أهل ليبيا ظلوا يحافظون بقوة على الفصحى-بعد الهجرة الأعرابية إلى ديارهم-قرونا متطاولة ربما امتدت حقبا بعد شهادة العبدرى فى أواخر القرن السابع الهجرى. ٢ - نشاط (١) الشّعر والشعراء لعل أول ما أنشد من الشعر فى ليبيا كان على لسان الشعراء الوافدين عليها مع الجند الفاتح لها وللبلاد المغربية، ونرمز لهم بالشاعر الهذلى المشهور أبى ذؤيب، فقد خرج مع عبد الله بن الزبير فى جند عبد الله بن سعد بن أبى سرح إلى فتح إفريقيا سنة ست وعشرين وأعجب بشجاعة ابن الزبير حين فتك فى موقعة ضارية بوالى البيزنطيين: جريجوريوس وتسميه العرب جرجير، ومن قوله فى الإشادة ببطولته: وصاحب صدق كسيد الضّرا ... ء ينهض فى الغزو نهضا نجيحا والسّيد: الذئب، والضّراء: شجر يتوارى فيه وهو أفتك الذئاب فى الجزيرة العربية. وكثير من أمثال أبى ذؤيب الشاعر النابه استقروا فى برقة وطرابلس ينشدون أشعارهم وينشرون الإسلام ويأخذ البربر عنهم القرآن الكريم والعربية. غير أنه لم يكن يهمهم-فيما يبدو-أن تحمل عنهم أشعارهم أو أن تذكر أخبارهم، فهم من عامة العرب المسلمين، وهم آخر من يفكر فى هذا الشرف. وممن نزل ليبيا من الشعراء النابهين دعبل الشاعر العباسى، نزلها فى العقد الثالث

стр. 4258

من القرن الثالث، نزلها على إثر خلاف بينه وبين والى مصر، وكان قد ولاه أسوان فتركها واتجه إلى ليبيا والبلاد المغربية، ويبدو أنه حاول الرحلة عن طريق واحة سيوه، واتجه منها إلى واحات ليبيا، وربما كان يقصد القيروان لمدح أمراء الأغالبة، غير أن الموت أدركه فى زويلة عاصمة فزّان، فلم تحظ به ليبيا ولا حظى به الأغالبة. وكانت طرابلس قد أصبحت تابعة للأغالبة فى إفريقية التونسية، بينما تبعت برقة مصر، ويتولى طرابلس بعض شعراء الأغالبة مثل عبد الله بن محمد الأغلبى واليها لابن عمه أبى الغرانيق سنة ٢٥٩ وكان-مع اهتمامه بالشعر-يعنى بالفقه والحديث النبوى، وعزله عنها أبو الغرانيق وولاه صقلّية ثم أعاده إليها، ولم يلبث أن ولاه القيروان، ولم يذكر مترجموه له سوى قطعة أرسل بها إلى صديقه موسى بن مرزوق لما بلغه نبأ عزله عن طرابلس وله يقول: قد أتى فى الكتاب ما قد علمنا ... من تناء ورحلة وفراق فعليك السلام إن فراقى ... قد دنا والفراق مرّ المذاق وكان على شاكلته فى نظم الشعر ابن عمّ له هو محمد بن زيادة الله والى طرابلس لإبراهيم بن أحمد الأغلبى (٢٦٢ - ٢٨٩ هـ) وكان عالما وشاعرا خطيبا، وله كتاب راحة القلب والزهر. وأشعر منه ومن سالفه أحمد بن سفيان بن سوادة الأغلبى الذى ولى طرابلس وأعمالها سنوات كثيرة. وأنشد له ابن الأبار قصيدتين حماسيتين يقول فى إحداهما: قرّبوا الأبلق إنّى ... أعرف الخيل العتاقا وعليها أصرع الأب ... طال طعنا واعتناقا وأروّى من نجيع ال ... هام أسيافا رقاقا وليس بين أيدينا ما يؤكد أن هؤلاء الولاة الأغلبيين الشعراء أحدثوا فى طرابلس حركة أدبية أغدقوا فيها الأموال على الشعراء كما كان يصنع قبلهم يزيد بن حاتم المهلبى حين ولى القيروان سنة ١٥٤ فإنه أحدث فيها حركة أدبية واسعة نثر فيها على الأدباء أموالا طائلة، ومع ذلك نظن ظنا أن تولى هؤلاء الولاة الأغالبة الشعراء لطرابلس كان له بها أثر غير قليل، إذ نجد الشعر يسيل على ألسنة بعض الليبيين من اللغويين والفقهاء وغيرهم، من ذلك أن إسحاق بن خنيس هجا العالم اللغوى عبد الله بن محمود المكفوف بقصيدة طويلة قال فيها: ألا لعنت سرت وما جاء من سرت ... فقد حلّ من أكنافها جبل المقت فقال فيه المكفوف: إن الخنيسىّ يهجونى لأرفعه ... إخسأ خنيس فإنّى غير هاجيكا

стр. 4259

لم تبق مثلبة تحصى إذا جمعت ... من المثالب إلا كلّها فيكا ويقول مترجمو المكفوف السّرتى إن له أشعارا فصيحة وأراجيز غريبة، وقد سقطت جميعا من يد الزمن ولم يصلنا منها شئ. وكان يعاصره خليل بن إسحاق شاعر المهدى الفاطمى وابنه القائم وسنفرد له ترجمة عما قليل. ونلتقى بخلوف بن عبد الله البرقى النحوى المقرئ نزيل صقلية، وكان يعيش فى أواسط المائة الخامسة وله ترجمة فى إنباه الرواة للقفطى، ومن قوله: كتبت إليك مشتاقا ... كثير الوجد توّاقا سئولا داعيا للّ ... هـ آصالا وإشراقا بأن تبقى على الأيّا ... م للأقران سباقا والقطعة رقيقة وهى تدل على حس دقيق وذوق مرهف وقدرة على صياغة الكلام صياغة رشيقة، وله: يا أيها المغرور دهر ... ك كم تقيم على الغراره إذ جمع شملك للشّتا ... ت وربح مالك للخسارة والبيتان فى الدعوة للزهد والانصراف عن حطام الدنيا والاغترار بما فى يده منها، فليس فى شمله إلا الشتات والفراق وليس فى يده إلا الضياع والخسارة. وكان يعاصره أبو الحسن على بن أبى إسحاق الودّانى صديق ابن رشيق وصاحب الديوان بصقلية ومن شعره: من يشترى منى النهار بليلة ... لا فرق بين نجومها وصحابى دارت على فلك الزمان ونحن قد ... درنا على فلك من الآداب ودنا الصباح-ولا أتى-وكأنه ... شيب أطل على سواد شباب والألفاظ منتقاة والصور بديعة فلا فرق بين النجوم المتألقة ووجوه صحابه المشرقة وقد دارت الليلة على فلك الزمان ودار مع صحابه على فلك الآداب، وهى مشاكلة بديعة. وقرب الصباح ويقول: لا أتى فى خفّة وعذوبة، ويتصوره بأضوائه التى تنفّلت فى آخر تلك الليلة كأنه شيب مشتعل يطل على سواد شباب. ونلتقى بشاعر برقى أقام بالقاهرة طويلا مما جعل العماد يترجم له بين شعراء مصر فى الخريدة هو أبو الحسن على بن محمد المعروف بابن البرقى المتوفى سنة ٥٢٢ ومن شعره الطريف الذى أنشده العماد: رمانى الدّهر منه بكل سهم ... وفرّق بين أحبابى وبينى ففى قلبى حرارة كلّ قلب ... وفى عينى مدامع كلّ عين

стр. 4260

والبيتان فى غاية الرقة مما يدل على شاعرية خصبة مرهفة، وهى شاعرية أتاحت له أصدقاء مصريين تبادلوا معه مثل هذين البيتين الرقيقين. وكان يعاصره شاعر نفوسى إباضى هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، وله مرثية بديعة يرثى بها شيخه أبا سليمان أيوب بن إسماعيل، وفيها يتحدث عن تقواه وبرّه وذكائه: من للصلاة بجوف ليل مظلم ... والليل أسود حالك غربيب أو للصيام إذا تطاول يومه ... وامتدّ طرفاه وهاج لهيب أو لليتامى والأرامل بعده ... وتواترت فى العالمين حروب أو للأمور إذا تفاقم حولها ... أهل النّهى والرّأى-بعد-غريب وكأنما يفتقد بموت شيخه من يصلى آناء الليالى المظلمة الحالكة ومن يصوم فى الأيام الطويلة الملتهبة أو من يأخذ بيد اليتامى والأرامل فى الحروب الضارية ومن يحل الأمور المشكلة حين يعزّ الرأى الصائب المحكم. وحرى أن نتوقف قليلا لنترجم لشاعر أنجبته طرابلس فى حقبها الأولى. خليل بن إسحاق هو أبو العباس خليل بن إسحاق بن ورد، ترجم له ابن الأبار فى كتابه الحلة السّيراء ترجمة ضافية افتتحها بقوله: «مولده بطرابلس وهو من أبناء جندها (أيام الأغالبة) وكان فى أول أمره يطلب العلم والأدب ويصحب الصوفية ويبيت فى المساجد» وما إن انتهى حكم الدولة الأغلبية سنة ٢٩٧ وتحوّلت مقاليد الحكم إلى عبيد الله المهدى الفاطمى، حتى رحل إليه وانضوى تحت لوائه، وانتقض أهل بلدته: طرابلس سنة ٢٩٩ على واليهم الفاطمى فأرسل إليهم المهدى ابنه أبا القاسم لمحاربتهم وردّهم إلى الطاعة، وفى ركابه خليل، فحاصرهم أبو القاسم حتى اضطروا إلى الاستسلام، وكشّر لهم خليل عن أنيابه الغليظة التى كان يخفيها، وتولى تعذيبهم، لا تأخذه فيهم-وهم أهله-شفقة ولا رحمة، وأغرمهم ثلاثمائة ألف دينار. وما توافى سنة ٣٠٢ حتى يرسل المهدى ابنه أبا القاسم الملقب بالقائم فى جيش لمحاربة أهل مصر، فلحق به خليل بن إسحاق فى الإسكندرية فولاه القيام على أموال الجيش، وعاد القائم بجيشه، وعاد معه خليل، فقدّم على خيل إفريقية، وجعل أمر جندها إليه مع النظر فى البحر وشئون الأسطول الفاطمى. وفى سنة ٣٢٥ ولاّه القائم الفاطمى صقلّية، فاستحال حاكما لها باغيا طاغيا أشد ما يكون البغى والطغيان، وأهلك أهلها جوعا وقتلا وجار فيها أشد ما يكون الجور والظلم، مما جعل كثيرين من أهلها يفرّون إلى بلاد الروم. وعزله الخليفة القائم عنها، وكان يقول بعد وصوله إلى إفريقية

стр. 4261

مفتخرا: «المكثر يقول إنّي قتلت من أهل صقلية وأهلكت ألف ألف، والمقلل يقول ستمائة ألف». وكان حريا بالقائم أن ينزل به عقابا صارما، ولكن بدلا من ذلك أخرجه إلى مدينة القيروان سنة ٣٣٣ فى ألف فارس لقتال أبى يزيد الصّفرى فى القيروان، فحاصره أبو يزيد فيها واعتقله وسفك دمه وصلبه. وأنشد له ابن الأبار قصيدة ومقطوعتين فى مديح المهدى الفاطمى وابنه القائم، وكأنما كان يقف شعره على مديحهما زلفى وتقربا إليهما، والقصيدة فى مديح عبيد الله المهدى نظمها على شاكلة قصيدة مشهورة لمروان ابن أبى حفصة صاغها فى مديح المهدى الخليفة العباسى، بدأها مثله بالتشبيب وبكاء الأطلال والديار قائلا: قف بالمنازل واسألن أطلالها ... ماذا يضيرك إن أردت سؤالها هل أنت أول من بكى فى دمنة ... درست وغيّرت الحوادث حالها (١) يا دار زينب هل تردّين البكا ... عن مقلة سفحت عليك سجالها (٢) بدّلت بالإنس الخرائد كالدّمى ... وحش الفلاة ظباءها ورئالها (٣) ولقد عهدت لآل زينب حبرة ... فيها ودنيا أقبلت إقبالها (٤) بيضاء ناعمة يجول وشاحها ... وتهزّ دقّة خصرها أكفالها (٥) ولها قوام كالقضيب وفوقه ... جعد تصافح كفّه خلخالها (٦) وكأنّ فى فيها بعيد رقادها ... عسلا أصاب من السماء زلالها (٧) ولقد عصيت عواذلى فى حبّها ... والنّفس تعصى فى الهوى عذّالها والأبيات تسيل عذوبة، إذ عرف خليل بن إسحاق كيف يصطفى لها الألفاظ وكيف يلائم بين جرسها، مع حلاوة الصوت، ومع تشابك الكلمات فى كل بيت، وكأن كل كلمة لبّت قرينتها، واستجابت لصاحبتها وجارتها، وحقا الصور فى الأبيات ألمّ بها الشعراء أو طالما ألمّ بها الشعراء قبله، غير أنه أعاد عرضها عرضا يستهويك بصياغته وما يبث فيه من الجناسات والطباقات. ويخرج إلى المديح منشدا: صلّى الإله على النبىّ محمّد ... وعلى الإمام وزاده أمثالها

стр. 4262

إن الإمام أقام سنّة جدّه ... للمسلمين كما حذوت نعالها أحيا شرائعها وقوّم كتبها ... وفروضها وحرامها وحلالها وهدى به الله البريّة بعد ما ... طلب الغواة الظالمون ضلالها إن الخلافة يا بن بنت محمّد ... حطّت إليك-عن النبىّ-رحالها وهو يزعم أن الله- ﷻ -يصلى على إمامه كما يصلى على نبيه، بل يزعم أنه يزيد صلاة إلى صلاة، ويقول إنه أقام سنّة جدّه حذوك النعل بالنعل أو كما نقول مطابقا لها أشد المطابقة، ويزعم له أنه أحيا الشريعة وقوّم كتبها وأزال عنها عوجها وانحرافها، كما قوّم فروضها وحلالها وحرامها، وكل تلك مبالغات شائنة، وكأنه يدبّر الدين الحنيف ويصرّفه، وقد هدى الله به الناس كما هداهم برسوله. ولم يسق ابن الأبار مديح القصيدة تامّا، ولعله صنع ذلك لما فى بقية القصيدة من مبالغات شديدة الإفراط فى تصوير قدسية المهدى، وحسنا صنع. وله فى القائم وقد فصده الطبيب أو بعبارة أخرى أخرج مقدارا من دم وريده للعلاج: قل للطبيب الذى أوصى ليفصده ... رفقا ولا زلت بالإسعاد ترتفق كيف استطعت ترى بالله طلعته ... ومن سنا نوره ما يشرق الأفق أم كيف تخرج من كفّ تقبّلها ... دما ومنها بحار الجود تندفق إنّي لأعجب من كفّ مسست بها ... خير الورى كيف لم ينبت بها الورق (١) وهو يدعو فى البيت الأول للطبيب متلطفا أن يظل الإسعاد يرافقه ويجانس بين أول الشطر الثانى ونهايته جناسا سائغا، وما يلبث فى البيت الثانى أن يبالغ فى مديح القائم مبالغة مفرطة، إذ يجعل ضوء النور فى وجهه نور الأنوار الذى يعم الآفاق، وكأن نور وجهه من نور الله ومشكاته فى الكون. وحين أمر القائم أن يخرج فى ألف فارس ليحارب أبا يزيد مخلد بن كيداد الصفرى كتب إليه مودّعا: وما ودّعت خير الناس طرّا ... ولا فارقته عن طيب نفس وكيف تطيب نفسى عن حياتى ... أفارقها وعن قمرى وشمسى ولكنى طلبت رضاه جهدى ... وعفو الله يوم حلول رمسى (٢) فعاش مملّكا ما لاح شمس ... على الثّقلين من جنّ وإنس وهو يجعله فى أول الأبيات خير الناس طرا، وكان قد جعله خير الورى فى آخر الأبيات

стр. 4263

السالفة، وهما صفتان للرسول ﷺ يتغنى بهما الشعراء فى مديحه، ويتصوره حياته، وكأنه هو الذى يدبرها، إنه نور حياته، ويقول إنه يطلب رضاه على نحو ما يطلب المسلمون رضا ربهم. وكأنى به يظن أنه هو الذى سيمنحه عفو الله يوم حلوله فى قبره. وهى مبالغات ستتضخم فيما بعد عند ابن هانئ الشاعر الأندلسى فى مديحه للمعز الفاطمى وترهاته ومبالغاته الملحدة فيه. ٣ - الشعراء فى عصر (١) الدولة الحفصية عنيت هذه الدولة بالحركة الأدبية، وحظيت-لعهدها-بغير قليل من النشاط والانتعاش، وكان للشعر والشعراء من ذلك نصيب موفور، إذ فتحت الدولة الحفصية الأبواب للشعراء فى إفريقية التونسية وطرابلس كى يفدوا عليها مادحين، وينالوا جوائزها السنية، وكان مؤسسها أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد شاعرا فسنّ للحكام الحفصيين من بعده نثر الجوائز والعطايا على الشعراء، مما جعلهم يتكاثرون. وسنترجم لثلاثة منهم: إباضى وطرابلسيين. وقد ثار عليه ثائر طرابلسى هو يعقوب بن أبى يعقوب سنة ٦٣٩ وقتل هو وأتباعه، وصلبت جثثهم بباب هوّارة، ونصبت رءوسهم فى تونس، فهنّأ أبا زكريا الحفصى بالقضاء على تلك الثورة شاعر طرابلسى يسمى أبا زيد عبد الرحمن بن محمد الأصولى بقصيدة طويلة صوّر فيها المصير المشئوم لهذا الثائر وصلبه: ملقبا له بالفاطمى: لقد عجّلت للفاطمىّ فطامه ... وما سوّغته درّها البيض والسّمر رجا رفعة فاعتاض فيها بمنصب ... نماه به للجذع منصبك الحرّ يرى شرفات السور قد قمن حوله ... يصحن لأمر منه أكذبه الأمر ضحى فلحرّ الشمس لعج إهابه ... وللريح لا للروح فى جسمه كرّ (٢) وكم رام تشييد القصور فحلّها ... وأعظم ما يرجوه-لو أسعف-القبر فدونك يا يعقوب عقبى منافق ... إلى النار عقباها، إذا ضمّك الحشر

стр. 4264

والأبيات تحمل شماتة مرة بهذا الثائر، فقد عجّل أبو زكريا بفطامه، فلم يطب له شئ من أمنيته، إذ سرعان ما قضت عليه وعلى أتباعه الرماح والسيوف، وكأنما أراد رفعة فنالها ولكن على جذع نخلة، ولكأنما الشرفات من حوله تصيح به: يا لهول ما حاولت، وتلك جثته مصلوبة وحرّ الشمس يحرق إهابه وجلده، والريح أو الرياح تسفى عليه من كل جانب، وكم أمّل أن تنجح ثورته ويسكن القصور المشيدة، وها هو أعظم ما يرجوه قبر يضم جسده وأشلاءه وتلك عاقبة ثورته فى دنياه أما فى أخراه فعاقبتها نار حامية. ونتوقف قليلا لنترجم للشعراء الثلاثة الذين أشرنا إليهم آنفا، وهم فتح بن نوح وابن أبى الدنيا وابن معمر. (أ) فتح بن نوح الإباضى هو أبو نصر فتح بن نوح النفوسى، من شعراء النصف الأول من القرن السابع الهجرى ولد ونشأ بجبل نفوسة، ورعاه خير رعاية علمية وأدبية خاله أبو يحيى زكريا بن إبراهيم البارونى، وكان مع شعره وأدبه عالما بالمذهب الإباضى متعمقا فيه، وكان يدرس للشباب صباحا، وفى المساء بعد صلاة العشاء يلقى فى الناس بالمسجد فى نفوسة دروسا عامة، وأكثر أشعاره فى الموعظة بحكم أنه كان واعظا حقيقيّا، إذ كان ما يزال يعظ الناس كل مساء، ومن قصيدة يصور فيها نفسه: أنا المتيّم لا باليوسفيّات ... ما نهنهتنى إليها قط همّاتى (١) بل تيّمتنى فنون العلم أطلبها ... ما النفس باقية فى هيكل الذات لست الغداة بصبّ خاضع طمعا ... فى وصل غانية أرجو مودّات بل فى منادمة الأخيار راغبة ... نفسى إلى أجل يفضى بموتات فهو لا يشغل بحب يوسفيات فاتنات، ولم يحدث أن هماته وطموحاته كفّته أو زجرته عنها، لأنه لا يفكر فيها أى تفكير إذ شغله عنها العلم ومعرفته أن كل ما عليها فان وأنه لا يبقى للإنسان إلا عمله، وإنه لذلك لا يهوى غانية ولا يتذلل لها راجيا منها المودة والعطف، فلذته فى دنياه إنما منادمة التقاة الأخيار، حتى يوافيه أجله. وتكثر فى مواعظه المخمسات على نحو ما تكثر عند الأندلسيين، وله مخمس أدواره موزعة على جميع حروف الهجاء، وفى أول كل دور حرف القافية على هذا النمط: حاء حذار-واسمعن يا صاح- ... من سحر ثغر الأبرق الوضّاح (٢)

стр. 4265

يلهيك تخلابا عن الأرباح ... عما قليل أضت صفر الراح (١) من صالح الأعمال جمّ الحاب (٢) ... خاء خبت نار امرئ شمّاخ ... يفخر بالأنجار والأسناخ (٣) ما الفخر إلا للفتى النوّاخ ... حيث التقى مخيّم الأشياخ (٤) أولى النّهى والعزم والألباب وهو يحذر صاحبه من سحر ثغر المرأة الجميلة، إذ يخلب لبه ويلهيه عن أرباح الأعمال الصالحة، فيعود صفر الكف من الصالحات مملوءة بالآثام والذنوب، ويقول: خمدت نار شخص شامخ بأنفه كبرا واستعلاء، يفخر بالأصول والأنساب، وليس ذلك بفخر، إنما الفخر للفتى المقيم حيث منزل الأشياخ من التقى والصلاح أولى العزم والعقول الراجحة. وفى مخمّس ثان له ينشد: وأوّل ما أوصى به فى مخمّسى ... لباس سرابيل التّقى خير ملبس به ساد أقوام من الجنّ والإنس ... وليسوا ذوى مال ولا بذوى فلس ولا نيل ما نالوا ببيض ولا سمر ... بذلك أوصى الله من كان واعيا من اهل القرون السالفات الخواليا ونادى به أهل العصور البواقيا ... وقال: اتّقون اليوم حقّ تقاتيا يطاع فلا يعصى وشكر بلا كفر وهو يقول: أول ما يوصى به فى مخمسه أن يلبس الإنسان سرابيل التقوى ولا يخلعها عن جسمه ونفسه أبدا فهى خير ملبس، وطالما ساد بها أقوام من الجنّ والإنس وأصبحوا من أكبر الأثرياء وليسوا بأصحاب أموال كثيرة ولا قليلة، ولا نالوا ما نالوا من غنائم حرب بالرماح والسيوف، ومع ذلك هم أغنى الأغنياء. ويقول إن تلك وصية الله أوصى بها ذوى الألباب من أهل القرون السالفة، وبالمثل من أهل العصور الباقية، إذ قال-عزّ من قائل-اتّقون اليوم حق تقاتى، وطاعته واجبة وشكره فرض بلا كفر. وقرأ مخمسته مؤسس الدولة الحفصية أبو يحيى زكريا، فعشّرها بمخمس ثان. وله مرثية بديعة فى خاله مربّيه وراعيه أبى يحيى زكريا بن إبراهيم، وفيها يقول: أحرى وأجدر للأجفان والمقل ... تقنى بكاء على الإسلام لم تبل (٥)

стр. 4266

دعها تسيل أسال الله مقلة من ... يسطو عليها بسطو العتب والعذل (١) أبعد ما غاب بدر الدين فى جدث ... يهنا الحياة بنو الآداب بالأمل (٢) كيف البقاء لطرف زال ناظره ... حين اعترته بنات الدهر بالسّمل (٣) زر ساحة السّفح واسفح عندها حزنا ... دمعا يزيد على التسكاب والهطل أعنى الولىّ أبا يحيى الذى حييت ... صوى العلوم بمحياه ولم يؤل (٤) وهو يبكى خاله، ويقول إنه أحرى وأجدر للأجفان والمقل أن تبكى دما على الإسلام وفقيده، ويعجب أن لا تذرف الدمع مدرارا، ويدعو على من يعاتب الناس على بكائهم عليه ويعذلهم لائما، حتى ليتمنى لهم حزنا موجعا كحزنه، ويقول إن بنى الآداب بعد أن غيّب عنهم لن يهنئوا بأمل ولا بأمنية، وإنه لم يعد يرى من حوله، إذ أصابته بنات الدهر ونكباته فى ناظره وكأنما فقأت عينه بحديدة محماة. ويطلب إلى رفاقه أن يزوروا معه القبر ويسكبوا دموعهم هناك، فقد توفى أبو يحيى زكريا الذى طالما اتّقدت منارات العلوم وصواها فى حياته، وقد مات ولم يعد. ويمضى الشاعر فى مرثية خاله منشدا: يا غربة الدين بعد الشيخ مفتقدا ... يا وحشة السّير الغرّاء عن الأول لا عن تراض جرى حكم المنون به ... قدما جرى فى نبىّ الله والرّسل قسرا على الأسد فى الأغيال واغلة ... وفى الذّرى لوعول صعبة السّبل (٥) كمثله فلتلد أنثى مفاخرة ... أو لا فلا ولدت عن آخر الطّول (٦) يا أيها الشامت المبدى شماتته ... مهلا بفيك تراب السهل والجبل وهو يبالغ إذ يجعل الدين بعد وفاة خاله يعود غريبا، ويبدو من الشطر الثانى أن خاله كان يعنى بالسير التاريخية، ويعود إلى المبالغة فى البيت إذ يقرن وفاة خاله بوفاة الرسول ﷺ ووفاة الأنبياء! ويقول إن حيّا لا يستعصى على الموت، لا الأسد فى أغيالها ولا الوعول فى ذرى الجبال وقممها العالية، وينوّه به ويفاخر، إذ يقول مثله فلتلد الأمهات وإلا فلا تلد إلى آخر الدهر، ويدعو على الشامتين بموته. ولعل فيما أنشدناه من شعر فتح بن نوح ما يصور ملكته الشعرية الخصبة.

стр. 4267

(ب) ابن أبى الدنيا هو أبو محمد عبد الحميد بن أبى البركات بن عمران بن أبى الدنيا الصدفى الطرابلسى المولود بطرابلس سنة ٦٠٦ وفيها نشأ ونهل من حلقات علمائها وأدبائها، وارتحل إلى المشرق لقضاء فريضة الحج، واستمع إلى كثير من العلماء، وعاد إلى تونس فى عهد مؤسس الدولة الحفصية أبى زكريا (٦٢٥ - ٦٤٧ هـ). ونال حظوة عنده، ورجع إلى بلدته: طرابلس فترة، واستدعى إلى تونس، فولى بها الخطط الرفيعة إذ ولى قضاء الجماعة، كما ولى الخطابة بالجامع الأعظم وغير ذلك من المناصب حتى وفاته سنة ٦٨٤ للهجرة. وله تصانيف ومؤلفات قيمة، منها: العقيدة الدينية وشرحها وجلاء الالتباس فى الرد على نفاة القياس وكتاب مذكّر الفؤاد فى الحض على الجهاد. ومرّ فى حديثنا عنه بين الفقهاء أنه كان يدرس لطلابه فى بعض دروسه بطرابلس كتاب الإرشاد والبرهان للجوينى إمام الحرمين وكتاب المستصفى للغزالى. وبجانب هذه الثقافة الدينية المتعمقة كان شاعرا، وفيه يقول التجانى فى رحلته: «من فضلاء طرابلس المشهورين بالعلم والمشاركة فى الأدب». وقد أنشد له بعض أشعاره، وذكر أن له قصيدة طويلة افتتحها بقوله: بحمد الله نبتدئ الأمورا ... ونختم آخرا فيه الحبورا ولم يذكر التجانى سوى المطلع، ويبدو أنها كانت موعظة طويلة، وقد سقطت من يد الزمن وربما سقطت له معها أشعار أخرى له فى المواعظ والدعوة إلى الزهد، ومما أنشده له التجانى قوله: طرق السلامة والفلاح قناعة ... ولزوم بيت بالتوحّش مؤنس يكفيه أنسا أن يكون أنيسه ... آى القرآن ونوره فى الحندس (١) وإذا رأت عيناه إنسانا أتى ... فلينفرنّ نفور ظبى المكنس (٢) ولقلّما ينفكّ صاحب مقول ... من زلّة أو عثرة فى المجلس ويبدو أن الأبيات مقتطعة من قصيدة طويلة فى النصح بالقناعة فهى الطريق الذى لا يخطئ إلى السلامة والفلاح، والعاقل من اعتزل الناس ولزم بيته منقطعا إلى الائتناس بمجالس الذكر الحكيم ومناراته الساطعة فى الليالى الشديدة الظلام. ويدعو إلى النفور من الاجتماع بأى إنسان

стр. 4268

خشية لدغاته التى يصيب بها من حوله، وكأنما يرتسم فى مخيلته قول القائل: عوى الذّئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوّت إنسان فكدت أطير ويقول أخيرا منفرا من مجالسة الناس إن الجلوس إليهم قد يؤدّى إلى عثرات اللسان وزلاته منك أو منهم. فأولى لك أن تبتعد عنهم وعن مجالسهم، وأن تعتزلهم معتصما ببيتك حتى لا تغلط وحتى لا تسمع غلطا من إنسان. وولى المستنصر الحكم بعد أبيه أبى زكريا، وأحسّ ابن أبى الدنيا بجفوة منه، وأنه ربما أسرّ فى نفسه شيئا منه، فكتب إليه يستعطفه: أمولاى ما زلتم تنيلون عبدكم ... ضروبا من النّعماء جلّت عن المثل ولم يبق إلا العفو وهو أجلّ ما ... ينال فأكمل لى به منحة الفضل فما العيش فى الدنيا بغير رضاكم ... بصاف ولا طعم الحياة بمحلولى وقد كدّر الإعراض صفو معيشتى ... فأنكرت أحوالى وأنكرنى أهلى وابن أبى الدنيا يعترف للمستنصر الحفصى بأنه ما يزال يغمره بنعم لا مثيل لها ولا قرين، ويتوسل إليه أن يمنّ عليه بنعمة كبرى، هى نعمة العفو، حتى يكمل بها ما يمنحه من أفضال كثيرة، ويقول له إن الحياة بدون رضاكم تكدّرت مياهها، ولم يعد فى طعمها شئ من الحلاوة، ولقد بدّل إعراضكم عنى معيشتى، حتى أصبحت أنكر أحوالى، بل إن أهلى أنكرونى لما يعترينى من قلق وضيق لم يألفوه منى. ويستمر فى استعطافه منشدا. ولى أمل يقضى بغفران زلّتى ... وبالعفو عن جرمى وبالصّفح عن فعلى بقيت تزيد الملك عزّا وبهجة ... وتحمى رسوم الفضل والدين والعدل ولا يخطئنّى منك عفو ورحمة ... فإنهما ما أخطأ أحدا قبلى وصلّى إله العرش بدءا وعودة ... على المصطفى من خلقه خاتم الرّسل وهو يسأل المستنصر ضارعا أن يغفر له زلّته ويعفو عن جرمه ويصفح عن فعله الذى اقترفه، ويأخذ فى الدعاء له أن يظل يزيد الملك عزا وأبّهة وبهجة ومسرة ويحمى رسوم الفضل والإحسان والدين الحنيف والعدل الذى لا تصلح حياة الرعية بدونه، وهو بهذا الدعاء وما يسوق فيه من صفاته فى رأيه يحاول أن يستدر عطفه ويسأله العفو، بل يسأله الرحمة وأن يرقّ له قلبه، ويقول له إنك دائما تسبغهما على الناس، فلا تحرمنى منهما، ويختم دعاءه بالصلاة على الرسول ﷺ ، وكأنما يذكره ليكون شفيعا عنده. وأسدل عليه المستنصر عفوه، وعاد إليه رضاه. ولعل فيما أنشدت له من أشعار ما يصور شاعرية غزيرة خصبة، وأنه كان يعرف كيف يصطفى ألفاظه ومعانيه فى لغة شعرية مصفاة، وبدون ريب كان معروفا بقدرته فى حوك الكلم،

стр. 4269

مما أتاح له أن يشغل منصب الخطابة فى الجامع الأعظم، كما أتاح له هذه الأبنية الشعرية المحكمة فكرا وصياغة. (ج) ابن معمر هو أبو على الحسن بن موسى بن معمر الهوّارى الطرابلسى، كان فقيها ممتازا وشاعرا نابها مثل ابن أبى الدنيا معاصره، وفيه يقول التجانى فى رحلته: «أحد أرباب الرتب الجامعين بين رياسة الفقه ورياسة الأدب. ولد بطرابلس سنة ٦٠٩ وقرأ بها يسيرا، ثم توجه إلى (مدينة) المهدية (بتونس) للقراءة بها على الفقيه أبى زكريا البرقى» ويقول أيضا: «كان فقيها مفوّها خطيبا لسنا» وطمحت نفسه للنزول بتونس عاصمة الدولة الحفصية لعله يأخذ مكانه بها بين فقهائها وأدبائها ونزلها. ولفت إليه الأنظار بتعمقه فى المذهب المالكى، مما أتاح له أن يتولى مناصب متعددة فى دولة الخليفة المستنصر الحفصى (٦٤٧ - ٦٧٥ هـ) إذ أسند إليه منصب القضاء فى كثير من بلاده فى إفريقية التونسية وفى الجزائر مثل باجة التونسية وبجاية الجزائرية. وولى خطة أو منصب العلامة الكبرى فى ديوان الإنشاء، كما ولى النظر فى خزانة الكتب، ويقول التجانى: «كان فى لسانه فضول كثر امتحانه به والتعرض له بسببه» وفعلا نقل إلى المستنصر عنه ما جعله يسخط عليه وينفيه إلى مدينة المهدية سنة ٦٦٧ ويعفو عنه، ولكن بعد عام كامل. وتوفى المستنصر وخلفه ابنه الواثق (٦٧٥ - ٦٧٨ هـ) فأسند إليه النظر فى خزانة الكتب بتونس، ويبدو أن فضول لسانه عاد إليه فغضب عليه رئيس الدولة ابن أبى مروان، فأدخله السجن تأديبا، ثم ردّت إليه حريته إلى أن فارق دنياه سنة ٦٨٣ للهجرة. وأنشد له التجانى بعض أشعاره، من ذلك قوله متغزلا: لولا احورار جفون أودعت سقما ... ما أمطرت سحب أجفانى الدموع دما ولا وقفت أصيلانا بربعكم ... ولا سقيت رباه من دمى ديما (١) ولا نثرت عقيق الدمع فى طلل ... منه أذيع الذى قد كان مكتتما شمل السلوّ شتيت بعد بعدكم ... وطالما كان قبل اليوم ملتئما البين يقطع منه كل متّصل ... والشوق ينثر منه كلّ ما انتظما والوجد شاد بجسمى ما يهدّمه ... آه على ما بنى فيه وما هدما وهو يقول لولا جمال الحور وما أودع العيون مما يشبه السقم ما هطلت سحب أجفانى بدم الدموع القانى ولا وقفت فى الأصيل بربعكم ودياركم أسقى رباها أمطارا من دمى، ولا نثرت

стр. 4270

محمرّ الدمع فى طلل ذاع منى فيه ما كنت أكتمه وأداريه، وقد فارقنى السلو وكان لا يبارحنى وقطّع البين والفراق منه كل ما كان متصلا ونثر منه كل ما كان منتظما والوجد آخذ بجسمى يبنى ويهدم مسببا لى التياعا شديدا لا أكاد أطيقه، ويستمر ابن معمر فى غزله: يا من يلوم على ما جلّ من أسفى ... هذا اليسير من الأمر الذى كتما ما خطّط النوم فى جفنىّ رسم كرى ... إلا محا السّهد ما قد خطّ أو رسما أنبيكم أنّنى من يوم بينكم ... ما زلت للسّهد والتذكار ملتزما أرتاح إن هبّ ريح من جنابكم ... أو لاح برق بذاك الأفق وابتسما أما ومن قدّر الأشياء مقتدرا ... وحبّكم وكفى بالحبّ لى قسما ما رام قلبى اصطبارا بعد بعدكم ... وما تأخّر بى من وجده قدما وهو يقول لمن يلومه على ما يظهر من عظيم الوجد واللوعة إن ذلك بعض ما أكتمه من حرقة الحب، ويشكو من السّهد مفكرا فيمن يحبهن حتى يقول إن ما قد يخططه النوم فى جفنىّ من أثر للنعاس يمحو السهد خطوطه ورسومه محوا، فسهده وتذكاره لمن يحبهن يلازمانه وإنه ليشعر براحة ما مثلها راحة حين تهب ريح من جهتهن أو يلوح برق من أفقهن مبتسما وكأنما يحمل أثرا من ابتسامهن، ويقسم بربه المقتدر وبحبّه أن قلبه لم يحاول صبرا على فراقهنّ وبعدهن، ولا يزال يلتاع وجدا وهياما. والأبيات تسيل عذوبة مع ما تشفع به من التصاوير، مما يدل على قدرة ملكته الشعرية وأنها تواتيه بما يريد من الأخيلة ومن الألفاظ السهلة التى تبدو لسهولتها وقربها من اللغة المألوفة كأنها طوع اليد، وهى لا تطاوع إلا الشاعر الأصيل الذى يعرف كيف يؤثر فيك بتصاويره وبلغته السلسة، ومن رقيق غزلياته قوله: آها نردّد لو تشفى لنا كربا ... وبالتّعلاّت نحيا لو قضت أربا (١) وبالأمانى ينال القلب بغيته ... وقد تحقّق من معتادها كذبا يرتاع إن لاح برق من جهامتها ... وما تراءى له إلا وقد ذهبا (٢) يسرّ إن مدّ يوما حبل منيته ... وما تطاول إلا جذّ وانقضبا (٣) إن عزّ ما يبتغيه فهو فى هرج ... ويختشى الفقد إن ما يبتغى قربا (٤)

стр. 4271

وهو يقول إنه لا يزال يردّد لفظة آه تعبيرا عن وجده الملتاع غير أنها لا تشفيه من كرب الوجد ولوعاته، ولا يزال يعلّل نفسه ويمنيها باللقاء، غير أن التعلات لا تقضى مأربا ولا حاجة وإن القلب لا يزال ظامئا متلهفا إذ لا يسعفه إلا سراب الأمانى الكاذب الخادع، وقد يلوح له أمل، وسرعان ما يتوارى كالبرق يختفى بمجرد ظهوره ولمعانه-إنه يعيش بالأمانى فى اللقاء، فهى حسبه، على أن حبلها لا يمدّ ولا يطول إلا جذّ وانقطع، ولا يزال عقله فى اختلاط، كلما شعر أن أمنيته لن تتحقق، وحتى إن ظن أنها اقتربت لا يزال فى خوف من ابتعادها بل من فقدها فقدا لا أوبة معه. ويستمر ابن معمر فى غزله منشدا: وا رحمتاه لقلبى كم أجشّمه ... أمرا يذيب من الأصلاد ما صلبا وكم يعانى ملمّات بأيسرها ... يهوّن الأمر من دنياه ما صعبا وكم يلجّج فى أفكاره لججا ... سودا تؤجّج فى أحشائه لهبا وكم تهبّ سموما من تنفّسه ... لو استمرّت لما هبّت نسيم صبا أستغفر الله لا أشكو الزمان ولا ... أبدى-إذا طرقت أحداثه-رهبا ولا أئنّ لحظّ منه أعوزنى ... ولا أسرّ إذا ماء المنى انسكبا أنّى يسرّ لبيب أن رأى حلما ... وكيف يطرب من خمر الفنا شربا وهو يأسى لقلبه وما يجشّمه من متاعب حبّ تذيب الصخر الصلد الصلب وما يحمله من ملمات يعانى منها أشد العناء، وإن أيسرها ليهوّن أى أمر صعب من دنياه ما ظلت صعوبته راسخة جاثمة فيه، فما بالنا بأثقال تلك الملمات وما تحمل من صعوبات لا تطاق، وما أشقى قلبه بها جميعا وما أعظم عناءه، وكم يخوض هذا القلب من أفكاره لججا شديدة السواد تؤجج نيران وجد فى أحشائه ماتنى تلتهب التهابا، وإنها لتقذف بسموم من تنفسه لو استمرت -كما يزعم-لمنعت نسيم الصبا اللبن من الهبوب. ويعود ابن معمر إلى نفسه، ويستشعر قوة عاتية، ويستغفر الله فإنه لا يشكو الزمان ولا يصيبه جزع من أحداثه، ولا يئن لحظ فاته منه، ولا يحزن لخطوب طرقته ولا يفرح لأمانىّ طوّقته، ويقول كيف يسر لبيب عاقل رأى حلما تراءى له وكيف يطرب لمسرة من مسرات الدنيا من شرب من كأس الفناء وأسكره. وله وقد أبلّ الخليفة الحفصى-ولعله المستنصر-من مرضه. الله أنعم بعد اليأس بالفرج ... يا أزمة الدّهر عند الشدّة انفرجى شكر الخلائق لا يكفى لأيسر ما ... كفى وسكّن من هرج ومن رهج (١)

стр. 4272

أبقى الأنام بإبقاء الإمام فكم ... بصونه صان من مال ومن مهج إذا رعى الله للإسلام راعيه ... لم نأس من فقد ذى قدر ولا همج وهو يقول إن الله أنعم على الرعية بعد يأسها بنعمة الفرج وكشف الغم الذى اعتراها بمرض الخليفة، ويتجه إلى أزمات الدهر يسألها أن تنفرج وتنكشف وتنحسر عند الشدة أو الشدائد إلى غير رجعة، ويقول إن شكر الرعية لا يفى بهذه النعمة الكبرى نعمة شفاء الخليفة من مرضه وتهدئة ما كان قد حدث فيها من اختلاط واضطراب بسببه. ويفزع ابن معمر إلى المبالغة أو قل يتمادى فيها، إذ جعل بقاءه بقاء للرعية وصونا لأموالها ونفوسها، ويجعله راعيا للإسلام ويرفعه فوق أفراد الرعية درجات. ولعل فيما أسلفت من أشعار ما يصور شاعرية ابن معمر وأنه يعد بحق أشعر شعراء ليبيا حتى عصره لحسن صياغته وروعة تصاويره ودقة أفكاره. ٤ - الشعراء فى العهد العثمانى مرّ بنا أن العثمانيين استولوا على طرابلس فى أواسط القرن العاشر الهجرى، وقد ضمّ محمد الساقزلى والى طرابلس برقة إلى ولايته بعد نحو قرن، وبذلك أصبح لليبيا حاكم عثمانى واحد يتخذ طرابلس عاصمة له، وكان حكامها يتخذون التركية لغة رسمية لدواوينهم، وأخذوا مع الزمن يقيمون مدارس فى ليبيا ولكنها كانت تصب عنايتها على تعليم التركية لتخريج موظفين للدواوين يساعدون فى تصريف شئون الولاية. غير أن الثقافة الإسلامية العربية ظلت ترعاها المساجد والزوايا. وكانت ليبيا قد أخذت تشغل منذ القرن الثامن الهجرى بالتصوف وزواياه وشيوخه، واتسع انشغالها بذلك منذ حكمها العثمانيون فى أواسط القرن العاشر الهجرى أو بعبارة أدق منذ حكموا طرابلس، إذ كثر الشعر حينئذ على لسان الصوفية، غير أن الكثرة الغامرة منه عامية، وما ليس عاميا يكثر فيه اللحن، وممن يضاف إليه أشعار كثيرة من دراويشهم عبد السلام الأسمر المتوفى سنة ٩٨١ وكانت له زاوية بمدينة زليطن على نحو ما ذكرنا فى حديثنا عن الزهد والتصوف، وتكثر العامية الليبية فى أشعاره ويكثر فيها الخروج على العروض، وربما لم يكن هو نفسه السبب فى ذلك، فقد تحول كثير منها شعرا شعبيا، فربما عبث به الرواة والمنشدون من العوام، ومن أهم أشعاره قصيدة نظمها فى التسعين من عمره، ونقتطف منها بعض أبيات تستقيم فصاحة وعروضا (١):

стр. 4273

شربت شراب العزّ من خمرة الصّبا ... سقانيه محبوبى بسرّ العناية وبانت لى الأنوار وانكشف الغطا ... وألهمت أسرارا بسرّ الجلالة ونمّقت منشورا إلى كل عاشق ... بأنهم حزبى وأهل إرادتى وكان الشطر الأول فى هذه الأبيات مضطربا وأصلحته ليستقيم الوزن. وكان للشيخ أتباع كثيرون جاءوه من كل فج فى ليبيا وتونس والبلاد المغربية، وأقاموا له-حين توفى-مأتما كبيرا أنشد فيه بعض مريديه مراثى مضطربة الوزن والصياغة، وإنما ذكرت بعض أشعاره لأدلّ على تدهور التصوف لغة ووجدا ملتاعا، فالأبيات لا تحمل أى وجد، إنما هو ظاهر مما كان يردّده الصوفية قديما من كلمات الشراب والخمرة وانكشاف الغطاء والعشق وما إلى ذلك. وقد أحالوا الزوايا فى ليبيا وبلاد المغرب من دور عبادة ونسك وتجمّع فيها لجهاد أعداء الله أو قل أحالوا كثيرا منها إلى دور شعوذة واعتقاد فى شيوخها بأنهم أولياء الله يطلعون على الغيب وتجرى على أيديهم أعظم الخوارق، واستخدموا فيها حلقات الذكر مع التثنى والنشوة بالاستماع إلى أناشيد صوفية ممسوخة ومع استخدام الدفوف والبنادر ونفس زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر بزليطن استحالت إلى هذه الصورة، فقد كان يستخدم فى زاويته الدف والبندير والأناشيد والتثنى فى الذكر، مما أثار عليه حملات شعواء من فقهاء عصره، وهو لا يبالى، بل يوهم أتباعه أنه ناظر وجادل نفرا منهم وتبعوه، يقول فى نفس القصيدة: وكم من فقيه كان ينكر حالنا ... فصار بفضل الله من أهل حضرتى فأعطى له التصريف حيّا وميّتا ... وصرت إمام الوقت شيخ الطريقة وهو يزعم-زعما باطلا-أن من تبعه من الفقهاء أصبحوا من الأولياء، وأصبح لهم التصرف فى القضاء أحياء وأمواتا مثله، وهى شعوذة ملأ بها أمثاله نفوس العامة فى ليبيا والعالم العربى: أن زيارة قبور الأولياء والمتصوفة تنفعهم وينبغى أن يقدموا لها النذور، وهى لا تنفع ولا شفع، إنما ينفع الإنسان-ويشفع له-عمله. ولكن إذا كان التصوف ساء سلوكا فى العصر العثمانى بليبيا وهبط شعرا فإن المديح النبوىّ ظل له غير قليل من الرونق عند شاعر ليبى لقّب بالبهلول، وهو-لغة-الجامع لخصال الخير وسنترجم له، ونتبعه بترجمة أحمد بن عبد الدائم.

стр. 4274

(أ) البهلول (١) الطرابلسى هو أحمد بن الحسين الملقب بالبهلول، ولد بطرابلس حوالى منتصف القرن الحادى عشر الهجرى وتوفى سنة ١١١٣ هـ/١٧٠٢ م ولما نهل من حلقات الشيوخ فى مسقط رأسه، وعبّ منها ما شاء، رأى أن يرحل إلى القاهرة للتزود من أعلام الأزهر الشريف وظل فترة به ملازما حلقتى إمامى المالكية فيه: الشيخ محمد الخرشى والشيخ عبد الباقى الزرقانى، ولكل منهما شرح على مختصر الشيخ خليل بن إسحاق فى الفقه، والشيخ خليل-بدوره-فقيه مالكى مصرى، وقد طارت شهرة مختصره فى البلاد المغربية إلى اليوم، وتفتحت موهبة البهلول-حينئذ- فأنشأ قصيدة يتشوق فيها إلى موطنه طرابلس، وفيها يقول: طرابلس الغرّاء ترى لى عودة ... إليك وهل يدنو الذى كان قد ذهب سقى الجانب الشرقىّ منك سحابة ... ولا زال فيك من رياح الصّبا مهبّ بديعة حسن زادها الله بهجة ... وآمن أهليها من الخوف والشّغب وكيف بدار قد حوت كلّ رقعة ... بقوم لهم فى العلم باع وفى الأدب ورجع إلى طرابلس بعلم غزير وأدب وفير وملكة شعرية خصبة، ولم يسخّرها فى مديح حكام بلده، وإنما سخّرها فى مديح صفوة الخلق سيد ولد آدم محمد ﷺ ، ونظم فى ذلك ديوانا، قصائده مخمّسات موزعة على الحروف الهجائية، وأضاف إلى تلك الحروف الثمانية والعشرين: «لا» فأصبحت تسعة وعشرين حرفا، ولكل حرف قصيدته وهو قافيتها وكل قصيدة تتألف من عشرين دورا، أو قل كل مخمس، وقد عرف شعراء المغرب والأندلس بهذه المخمسات العشرينية، وعلى شاكلتهم ألف البهلول أو نظم هذا الديوان، ويقال إنه نظم مخمساته على أساس قصيدة عياضية، وهى لا توجد بين قصائد القاضى عياض إمام مدينة سبتة المشهور وربما كانت لعياض آخر، إذ يتسمى باسمه كثيرون بين مغاربة وأندلسيين، وأول دور فى المخمس الأول يجرى على هذا النمط: أذوب اشتياقا والفؤاد بحسرة ... وفى طىّ أحشائى توقّد جمرة متى ترجع الأحباب من طول سفرة ... أحبّة قلبى علّلونى بنظرة فدائى جفاكم والوصال دوائى

стр. 4275

وقافية الشطر الخامس همزية ومثلها جميع الشطور الخامسة فى أدوار المخمّس، وإلى قافية هذا الشطر ينسب المخمّس جميعه. والأدوار العشرة الأولى فى كل مخمس تتخذ الغزل موضوعا لها بينما الأدوار العشرة الثانية فى مديح المصطفى ﷺ كما يقول محقق الديوان الأستاذ الطاهر الزاوى. ونظن ظنا أن وراء الظاهر فى العشرة الأولى نفحات من الغزل الصوفى الحسى الذى نقرؤه فى ديوان ترجمان الأشواق لابن عربى إذ يتشابه معه فى أنه يجمع فى غزله ما يختلج فى قلوب المحبين العذريين إزاء محبوباتهم من لواعج الحب والافتتان بجمالهن وسحر عيونهن وورد خدودهن، ودائما محبوباتهم فى ارتحال وفراق وبين، وهم مسهّدون يبكون بدموع غزار، ولا يبلغ المحب مراده من الوصال، وهو-لذلك موجع الفؤاد، إذ لا شفاء له بلقاء أو ما يشبه اللقاء، بل قطيعة متصلة، والحب-بل العذاب-يتجدد ألوانا. وجميع العشرينيات عند البهلول تبتدئ بهذا الغزل الملتاع، ومما يؤكد تأثره فى غزله بالغزل الصوفى ذكره فى مخمسه الخائى معروفا الكرخى الصوفى وتلميذه السرى السقطى والجنيد تلميذ السرىّ، والثلاثة من صوفية القرن الثالث الهجرى المشهورين، وهو ما يجعلنا نزعم أن شعاعات من الغزل الصوفى الحسى سقطت فى الأدوار العشرة الأولى بمخمّساته من مثل قوله فى مخمّسه السينى: نفوس عزيزات ترى من أذلّها ... وسفك دماها فى الهوى من أحلّها وبى غادة كالشمس تمنع وصلها ... سمحت بنفسى فى هواها لعلّها تدوم على حفظ المودّة والأنس ... تحمّل قلبى فى هواها تحيّة ولم ترع بالتفريق ودّا وصحبة أنادى عساها أن تفرّج كربة ... سقتنى كئوسا بالمحبّة صرفة ثملت بها سكرا وغبت على حسّى وظاهر الدّور الأول كأنه غزل طبيعى لمحبّ يتذلّل لمن تدلّه فى حبها وأصابته بسهامها حتى كأنما سفكت دمه غير مبالية بحبه، وتمنع وصالها، وتمعن فى هجرانها، وهو لا يزال يأمل أن تراجع نفسها وتذكر له أيام المودة والأنس، وهى معان يقولها الغزلون العذريّون ولكن تأمّل فى الدور الثانى وما ذكر فيه من كئوس المحبة وارتوائه منها صرفة صافية وكأنما ارتوى من كئوس المحبة الربانية التى طالما ردّدها الصوفية، ويقول إن نشوة السكر غلبت عليه حتى غاب عن حسّه، وكأنه يعنى فكرة الفناء الصوفية فى الذات العلية إذ يبلغ الصوفى من محبته لربه غيابه عن حسّه، فقد أصبح روحا فانية فى ربه لا يشعر بشئ فى الوجود سواه وسوى محبته التى استغرقت حواسه حتى كأنما أصبح فى غيبوبة مطلقة. وحقا لا يمعن البهلول فى غزله الحسى الذى يقدم به المديح النبوى كل هذا الإمعان الصوفى، ولذلك نقول إن فى غزله بعض شعاعات من المحبة الصوفية.
следующие страницы →