وهو يقول إنه لا يزال يردّد لفظة آه تعبيرا عن وجده الملتاع غير أنها لا تشفيه من كرب الوجد ولوعاته، ولا يزال يعلّل نفسه ويمنيها باللقاء، غير أن التعلات لا تقضى مأربا ولا حاجة وإن القلب لا يزال ظامئا متلهفا إذ لا يسعفه إلا سراب الأمانى الكاذب الخادع، وقد يلوح له أمل، وسرعان ما يتوارى كالبرق يختفى بمجرد ظهوره ولمعانه-إنه يعيش بالأمانى فى اللقاء، فهى حسبه، على أن حبلها لا يمدّ ولا يطول إلا جذّ وانقطع، ولا يزال عقله فى اختلاط، كلما شعر أن أمنيته لن تتحقق، وحتى إن ظن أنها اقتربت لا يزال فى خوف من ابتعادها بل من فقدها فقدا لا أوبة معه. ويستمر ابن معمر فى غزله منشدا:
وا رحمتاه لقلبى كم أجشّمه ... أمرا يذيب من الأصلاد ما صلبا
وكم يعانى ملمّات بأيسرها ... يهوّن الأمر من دنياه ما صعبا
وكم يلجّج فى أفكاره لججا ... سودا تؤجّج فى أحشائه لهبا
وكم تهبّ سموما من تنفّسه ... لو استمرّت لما هبّت نسيم صبا
أستغفر الله لا أشكو الزمان ولا ... أبدى-إذا طرقت أحداثه-رهبا
ولا أئنّ لحظّ منه أعوزنى ... ولا أسرّ إذا ماء المنى انسكبا
أنّى يسرّ لبيب أن رأى حلما ... وكيف يطرب من خمر الفنا شربا
وهو يأسى لقلبه وما يجشّمه من متاعب حبّ تذيب الصخر الصلد الصلب وما يحمله من ملمات يعانى منها أشد العناء، وإن أيسرها ليهوّن أى أمر صعب من دنياه ما ظلت صعوبته راسخة جاثمة فيه، فما بالنا بأثقال تلك الملمات وما تحمل من صعوبات لا تطاق، وما أشقى قلبه بها جميعا وما أعظم عناءه، وكم يخوض هذا القلب من أفكاره لججا شديدة السواد تؤجج نيران وجد فى أحشائه ماتنى تلتهب التهابا، وإنها لتقذف بسموم من تنفسه لو استمرت -كما يزعم-لمنعت نسيم الصبا اللبن من الهبوب. ويعود ابن معمر إلى نفسه، ويستشعر قوة عاتية، ويستغفر الله فإنه لا يشكو الزمان ولا يصيبه جزع من أحداثه، ولا يئن لحظ فاته منه، ولا يحزن لخطوب طرقته ولا يفرح لأمانىّ طوّقته، ويقول كيف يسر لبيب عاقل رأى حلما تراءى له وكيف يطرب لمسرة من مسرات الدنيا من شرب من كأس الفناء وأسكره. وله وقد أبلّ الخليفة الحفصى-ولعله المستنصر-من مرضه.
الله أنعم بعد اليأس بالفرج ... يا أزمة الدّهر عند الشدّة انفرجى
شكر الخلائق لا يكفى لأيسر ما ... كفى وسكّن من هرج ومن رهج (١)
стр. 4272
أبقى الأنام بإبقاء الإمام فكم ... بصونه صان من مال ومن مهج
إذا رعى الله للإسلام راعيه ... لم نأس من فقد ذى قدر ولا همج
وهو يقول إن الله أنعم على الرعية بعد يأسها بنعمة الفرج وكشف الغم الذى اعتراها بمرض الخليفة، ويتجه إلى أزمات الدهر يسألها أن تنفرج وتنكشف وتنحسر عند الشدة أو الشدائد إلى غير رجعة، ويقول إن شكر الرعية لا يفى بهذه النعمة الكبرى نعمة شفاء الخليفة من مرضه وتهدئة ما كان قد حدث فيها من اختلاط واضطراب بسببه. ويفزع ابن معمر إلى المبالغة أو قل يتمادى فيها، إذ جعل بقاءه بقاء للرعية وصونا لأموالها ونفوسها، ويجعله راعيا للإسلام ويرفعه فوق أفراد الرعية درجات. ولعل فيما أسلفت من أشعار ما يصور شاعرية ابن معمر وأنه يعد بحق أشعر شعراء ليبيا حتى عصره لحسن صياغته وروعة تصاويره ودقة أفكاره.
٤ - الشعراء فى العهد العثمانى
مرّ بنا أن العثمانيين استولوا على طرابلس فى أواسط القرن العاشر الهجرى، وقد ضمّ محمد الساقزلى والى طرابلس برقة إلى ولايته بعد نحو قرن، وبذلك أصبح لليبيا حاكم عثمانى واحد يتخذ طرابلس عاصمة له، وكان حكامها يتخذون التركية لغة رسمية لدواوينهم، وأخذوا مع الزمن يقيمون مدارس فى ليبيا ولكنها كانت تصب عنايتها على تعليم التركية لتخريج موظفين للدواوين يساعدون فى تصريف شئون الولاية. غير أن الثقافة الإسلامية العربية ظلت ترعاها المساجد والزوايا. وكانت ليبيا قد أخذت تشغل منذ القرن الثامن الهجرى بالتصوف وزواياه وشيوخه، واتسع انشغالها بذلك منذ حكمها العثمانيون فى أواسط القرن العاشر الهجرى أو بعبارة أدق منذ حكموا طرابلس، إذ كثر الشعر حينئذ على لسان الصوفية، غير أن الكثرة الغامرة منه عامية، وما ليس عاميا يكثر فيه اللحن، وممن يضاف إليه أشعار كثيرة من دراويشهم عبد السلام الأسمر المتوفى سنة ٩٨١ وكانت له زاوية بمدينة زليطن على نحو ما ذكرنا فى حديثنا عن الزهد والتصوف، وتكثر العامية الليبية فى أشعاره ويكثر فيها الخروج على العروض، وربما لم يكن هو نفسه السبب فى ذلك، فقد تحول كثير منها شعرا شعبيا، فربما عبث به الرواة والمنشدون من العوام، ومن أهم أشعاره قصيدة نظمها فى التسعين من عمره، ونقتطف منها بعض أبيات تستقيم فصاحة وعروضا (١):
стр. 4273
شربت شراب العزّ من خمرة الصّبا ... سقانيه محبوبى بسرّ العناية
وبانت لى الأنوار وانكشف الغطا ... وألهمت أسرارا بسرّ الجلالة
ونمّقت منشورا إلى كل عاشق ... بأنهم حزبى وأهل إرادتى
وكان الشطر الأول فى هذه الأبيات مضطربا وأصلحته ليستقيم الوزن. وكان للشيخ أتباع كثيرون جاءوه من كل فج فى ليبيا وتونس والبلاد المغربية، وأقاموا له-حين توفى-مأتما كبيرا أنشد فيه بعض مريديه مراثى مضطربة الوزن والصياغة، وإنما ذكرت بعض أشعاره لأدلّ على تدهور التصوف لغة ووجدا ملتاعا، فالأبيات لا تحمل أى وجد، إنما هو ظاهر مما كان يردّده الصوفية قديما من كلمات الشراب والخمرة وانكشاف الغطاء والعشق وما إلى ذلك. وقد أحالوا الزوايا فى ليبيا وبلاد المغرب من دور عبادة ونسك وتجمّع فيها لجهاد أعداء الله أو قل أحالوا كثيرا منها إلى دور شعوذة واعتقاد فى شيوخها بأنهم أولياء الله يطلعون على الغيب وتجرى على أيديهم أعظم الخوارق، واستخدموا فيها حلقات الذكر مع التثنى والنشوة بالاستماع إلى أناشيد صوفية ممسوخة ومع استخدام الدفوف والبنادر ونفس زاوية الشيخ عبد السلام الأسمر بزليطن استحالت إلى هذه الصورة، فقد كان يستخدم فى زاويته الدف والبندير والأناشيد والتثنى فى الذكر، مما أثار عليه حملات شعواء من فقهاء عصره، وهو لا يبالى، بل يوهم أتباعه أنه ناظر وجادل نفرا منهم وتبعوه، يقول فى نفس القصيدة:
وكم من فقيه كان ينكر حالنا ... فصار بفضل الله من أهل حضرتى
فأعطى له التصريف حيّا وميّتا ... وصرت إمام الوقت شيخ الطريقة
وهو يزعم-زعما باطلا-أن من تبعه من الفقهاء أصبحوا من الأولياء، وأصبح لهم التصرف فى القضاء أحياء وأمواتا مثله، وهى شعوذة ملأ بها أمثاله نفوس العامة فى ليبيا والعالم العربى: أن زيارة قبور الأولياء والمتصوفة تنفعهم وينبغى أن يقدموا لها النذور، وهى لا تنفع ولا شفع، إنما ينفع الإنسان-ويشفع له-عمله. ولكن إذا كان التصوف ساء سلوكا فى العصر العثمانى بليبيا وهبط شعرا فإن المديح النبوىّ ظل له غير قليل من الرونق عند شاعر ليبى لقّب بالبهلول، وهو-لغة-الجامع لخصال الخير وسنترجم له، ونتبعه بترجمة أحمد بن عبد الدائم.
стр. 4274
(أ) البهلول (١) الطرابلسى
هو أحمد بن الحسين الملقب بالبهلول، ولد بطرابلس حوالى منتصف القرن الحادى عشر الهجرى وتوفى سنة ١١١٣ هـ/١٧٠٢ م ولما نهل من حلقات الشيوخ فى مسقط رأسه، وعبّ منها ما شاء، رأى أن يرحل إلى القاهرة للتزود من أعلام الأزهر الشريف وظل فترة به ملازما حلقتى إمامى المالكية فيه: الشيخ محمد الخرشى والشيخ عبد الباقى الزرقانى، ولكل منهما شرح على مختصر الشيخ خليل بن إسحاق فى الفقه، والشيخ خليل-بدوره-فقيه مالكى مصرى، وقد طارت شهرة مختصره فى البلاد المغربية إلى اليوم، وتفتحت موهبة البهلول-حينئذ- فأنشأ قصيدة يتشوق فيها إلى موطنه طرابلس، وفيها يقول:
طرابلس الغرّاء ترى لى عودة ... إليك وهل يدنو الذى كان قد ذهب
سقى الجانب الشرقىّ منك سحابة ... ولا زال فيك من رياح الصّبا مهبّ
بديعة حسن زادها الله بهجة ... وآمن أهليها من الخوف والشّغب
وكيف بدار قد حوت كلّ رقعة ... بقوم لهم فى العلم باع وفى الأدب
ورجع إلى طرابلس بعلم غزير وأدب وفير وملكة شعرية خصبة، ولم يسخّرها فى مديح حكام بلده، وإنما سخّرها فى مديح صفوة الخلق سيد ولد آدم محمد ﷺ ، ونظم فى ذلك ديوانا، قصائده مخمّسات موزعة على الحروف الهجائية، وأضاف إلى تلك الحروف الثمانية والعشرين: «لا» فأصبحت تسعة وعشرين حرفا، ولكل حرف قصيدته وهو قافيتها وكل قصيدة تتألف من عشرين دورا، أو قل كل مخمس، وقد عرف شعراء المغرب والأندلس بهذه المخمسات العشرينية، وعلى شاكلتهم ألف البهلول أو نظم هذا الديوان، ويقال إنه نظم مخمساته على أساس قصيدة عياضية، وهى لا توجد بين قصائد القاضى عياض إمام مدينة سبتة المشهور وربما كانت لعياض آخر، إذ يتسمى باسمه كثيرون بين مغاربة وأندلسيين، وأول دور فى المخمس الأول يجرى على هذا النمط:
أذوب اشتياقا والفؤاد بحسرة ... وفى طىّ أحشائى توقّد جمرة
متى ترجع الأحباب من طول سفرة ... أحبّة قلبى علّلونى بنظرة
فدائى جفاكم والوصال دوائى
стр. 4275
وقافية الشطر الخامس همزية ومثلها جميع الشطور الخامسة فى أدوار المخمّس، وإلى قافية هذا الشطر ينسب المخمّس جميعه. والأدوار العشرة الأولى فى كل مخمس تتخذ الغزل موضوعا لها بينما الأدوار العشرة الثانية فى مديح المصطفى ﷺ كما يقول محقق الديوان الأستاذ الطاهر الزاوى. ونظن ظنا أن وراء الظاهر فى العشرة الأولى نفحات من الغزل الصوفى الحسى الذى نقرؤه فى ديوان ترجمان الأشواق لابن عربى إذ يتشابه معه فى أنه يجمع فى غزله ما يختلج فى قلوب المحبين العذريين إزاء محبوباتهم من لواعج الحب والافتتان بجمالهن وسحر عيونهن وورد خدودهن، ودائما محبوباتهم فى ارتحال وفراق وبين، وهم مسهّدون يبكون بدموع غزار، ولا يبلغ المحب مراده من الوصال، وهو-لذلك موجع الفؤاد، إذ لا شفاء له بلقاء أو ما يشبه اللقاء، بل قطيعة متصلة، والحب-بل العذاب-يتجدد ألوانا. وجميع العشرينيات عند البهلول تبتدئ بهذا الغزل الملتاع، ومما يؤكد تأثره فى غزله بالغزل الصوفى ذكره فى مخمسه الخائى معروفا الكرخى الصوفى وتلميذه السرى السقطى والجنيد تلميذ السرىّ، والثلاثة من صوفية القرن الثالث الهجرى المشهورين، وهو ما يجعلنا نزعم أن شعاعات من الغزل الصوفى الحسى سقطت فى الأدوار العشرة الأولى بمخمّساته من مثل قوله فى مخمّسه السينى:
نفوس عزيزات ترى من أذلّها ... وسفك دماها فى الهوى من أحلّها
وبى غادة كالشمس تمنع وصلها ... سمحت بنفسى فى هواها لعلّها
تدوم على حفظ المودّة والأنس ... تحمّل قلبى فى هواها تحيّة
ولم ترع بالتفريق ودّا وصحبة
أنادى عساها أن تفرّج كربة ... سقتنى كئوسا بالمحبّة صرفة
ثملت بها سكرا وغبت على حسّى
وظاهر الدّور الأول كأنه غزل طبيعى لمحبّ يتذلّل لمن تدلّه فى حبها وأصابته بسهامها حتى كأنما سفكت دمه غير مبالية بحبه، وتمنع وصالها، وتمعن فى هجرانها، وهو لا يزال يأمل أن تراجع نفسها وتذكر له أيام المودة والأنس، وهى معان يقولها الغزلون العذريّون ولكن تأمّل فى الدور الثانى وما ذكر فيه من كئوس المحبة وارتوائه منها صرفة صافية وكأنما ارتوى من كئوس المحبة الربانية التى طالما ردّدها الصوفية، ويقول إن نشوة السكر غلبت عليه حتى غاب عن حسّه، وكأنه يعنى فكرة الفناء الصوفية فى الذات العلية إذ يبلغ الصوفى من محبته لربه غيابه عن حسّه، فقد أصبح روحا فانية فى ربه لا يشعر بشئ فى الوجود سواه وسوى محبته التى استغرقت حواسه حتى كأنما أصبح فى غيبوبة مطلقة. وحقا لا يمعن البهلول فى غزله الحسى الذى يقدم به المديح النبوى كل هذا الإمعان الصوفى، ولذلك نقول إن فى غزله بعض شعاعات من المحبة الصوفية.
стр. 4276
والأدوار العشرة الثانية فى مخمسات البهلول خصّها بمديح الرسول ﷺ ، ويفيض فى ذكر معجزاته التى تتحدث عنها السيرة النبوية مثل انصداع إيوان كسرى وانطفاء نار فارس عند مولده ومثل شقّ جبريل لصدره ووضعه النور الربّانى فيه بمنازل مرضعته حليمة السعدية، وشكوى الصحابة إليه من قلة الماء فى بئر صغيرة كان يتوضأ منها، ففار الماء وتكاثر ببركته وما قيل من أن الغزالة كلمته وكذلك الذئب والضب، ومعروف أن معجزة الرسول الكبرى إنما هى القرآن الكريم ورسالته العظيمة التى وضعت أسسا قويمة لهداية البشرية. ويذكر البهلول مرارا وتكرارا إسراء الرسول على البراق إلى بيت المقدس وصلاته فيه إماما للرسل، ومعراجه إلى السموات السبع وما غشيه من الأنوار القدسية عند سدرة المنتهى وما ينى يتحدث عن محبته للرسول مصورا فضائله وشمائله المثالية السامية، ضارعا إليه دائما أن يكون شفيعه يوم المحشر، وتتراءى فى جوانب من مديحه النبوى شعاعات من فكرة الحقيقة المحمدية التى تغنى بها الحلاج والبوصيرى لما جاء فى الأثر من قول الرسول ﷺ : «كنت نبيا وآدم بين الماء والطين» وكأن حقيقته أقدم من حقيقة آدم وخلقه، وكأنه المبدأ لكل النبوات والرسالات، وفى ذلك يقول البهلول فى مخمّسة الخائى:
سما مجده بين الأنام وفخره ... وقد جلّ من بين البريّة قدره
له المنصب الأعلى لقد تمّ نصره ... ختام وإن كان المقدّم ذكره
أخير وإن كان المبدأ فى النّسخ
فالرسول ﷺ -مع تأخره فى الرسالة-متقدم فى الرتبة على جميع الرسل والأنبياء، بل إنه المبدأ لهم جميعا، فمن رسالته استمدّت جميع الرسالات، وكأنما نسختها منذ الأزل، بل إن الوجود جميعه ليستمد منه، إذ هو نور الله، وكل نور فى الوجود يستمد من نوره، يقول:
نبىّ تسامى فى الأنام بمجده ... لقد ضاءت الآفاق من نور سعده
وما ذكاء أو الشمس فى أضوائها الزاهية إلا فيض من نور وجهه وطلعته السنية، يقول:
له الشرف العالى بفخر وسؤدد ... ذكاء بدت من نور وجه محمد
فالرسول ﷺ منشأ النور فى الوجود وإن نور وجهه ليشاهد فى كل نور: فى الشمس وغير الشمس، إذ هو الحقيقة الأزلية أو النور الأزلى الذى يضيئ الكون والآفاق منذ الأزل أضواء نيّرة غامرة.
وأدوار المخمسات فى ديوان البهلول تفيض بالسلاسة والعذوبة دون أى غرابة فى كلمة أو صيغة، مما جعل أهل ليبيا-فضلا عن أهل طرابلس-يشغفون بالديوان ومخمساته لما يشيع فيه من السهولة والوضوح والصفاء الموسيقى، واعتادوا أن يقيموا لإنشاده حفلات تبدأ من
стр. 4277
غرة شهر ربيع الأول كل عام حتى اليوم الثانى عشر يوم مولد المصطفى ﷺ ، وربما صحبت الإنشاد ألحان بعض الآلات الموسيقية. وكانت للبهلول-بجانب هذا الديوان النبوى- أشعار تعليمية فى فقه مذهب مالك وفى العقائد ولم تصلنا، وكانت له مقامات على نمط مقامات الحريرى سقطت-بدورها-من يد الزمن ويكفيه فخرا ومجدا هذا الديوان النبوى الذى صوّر فيه مشاعره الصوفية ومحبته المتقدة بين جوانحه لصاحب الرسالة المحمدية.
(ب) أحمد (١) بن عبد الدائم
هو أحمد بن عبد الدائم الأنصارى، ولد بطرابلس ونشأ بها، وحفظ القرآن الكريم واختلف إلى حلقات علمائها، وتفتحت موهبته الشعرية، وكان فقيها ومؤرخا غير أن الشعر هو الذى جذبه، وكان معاصرا لأحمد القرمانلى والى طرابلس (١١٢٣ - ١١٥٨ هـ) فأخذ يدبج فيه بعض المديح وحدث فى أثناء ولايته سنة ١١٤١ هـ/١٧٢٨ م أن قام أسطول فرنسى بمظاهرة أمام طرابلس وأرسل قبطانه إلى القرمانلى بشروط ينبغى أن يرضخ لها وإلا ضرب المدينة بقذائفه، ولم يرضخ القرمانلى ولا قبل الشروط، رافضا تهديد القبطان ووعيده، وضرب الأسطول طرابلس بقذائفه أربعة أيام طوالا، وأرسل القبطان أو قائد الاسطول الفرنسى بعدها خطابا يحث فيه القرمانلى على الصلح غير أنه صمم أن لا يستسلم، وكان الاسطول قد دمر أكثر من ثلث المدينة إذ ألقى عليها نحو ألفى قنبلة، واستنفد مالديه من القذائف، فلم يجد قائده بدا من فك الحصار عن طرابلس وعودته إلى بلاده. كل ذلك حدث والخليفة العثمانى لا يحرك ساكنا ولا يحاول الثأر لطرابلس من الفرنسيين. فنظم ابن عبد الدائم قصيدة يستثيره فيها ضدهم محاولا أن يملأه حمية وحماسة بمثل قوله فيها:
يا واحدا ما فى البسيطة مثله ... ملك الملوك بتاجه المتكلّل
أو ما يغيظك حال قلعتك التى ... فازت بفتحك فى الزمان الأوّل
إنّا لنرجو منك أخذ الثأر من ... شعب الفرنسيس اللئيم الأرذل
وكان العبدرى المغربى قد نزل طرابلس فى رحلته إلى الحج سنة ٦٨٨ ويبدو أنه أصابه حيف من بعض أهلها. فعمّ المدينة وأهلها جميعا بذم شديد ضمنه رحلته المغربية، ذمّ المغيظ المحنق، ولا نعرف الأسباب الحقيقية لهذا الذم، وردّ عليه رحّالة مغربى مواطن له زارها بعده، هو ابن عبد السلام الناصرى، إذ دافع عنها دفاعا حارا فى رحلته الحجازية الكبرى، واستشهد على
стр. 4278
مدحها بأشعار لمغاربة فى تقريظها وتقريظ أهلها، ومن قوله: «وحسن أخلاق أهلها وجودهم سارت به الركبان، وعلم علمائها امتلأ به الخافقان، وفضلهم من شمس الضحى أظهر وأوضح، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح». وابن عبد الدائم أحد من امتعضوا امتعاضا شديدا من ذم العبدرى لها ولأهلها، مما جعله ينظم قصيدة فى الرد عليه، كان لها دوىّ غير قليل، وفيها يقول:
طرابلس لا تقبل الذمّ إنها ... لها حسنات جاوزت سيئاتها
إذا أمّها من قد نأته بلاده ... وأوحشه ذو أمرها من حماتها
تطامن عن نفس ومال وعشرة ... ويضحى بعزّ ما ثوى بجهاتها
لها همّة تعلو لتأييد سنّة ... بحفظ مبانيها وجمع رواتها
وهو يقول إن طرابلس لا تذم ولا تهجى، فحسناتها أكثر من سيئاتها ومحامدها أكثر من أن تحصى، ويذكر أن الغريب الطريد من بلاده وحكامها الجائرين إذا نزلها أمن على نفسه وماله وأهله، ويشعر بعز ما بعده عز طوال إقامته، وينوه بهمتها فى العلوم وخاصة فى تأييد السنة بحفظ نصوصها وأسانيد رواتها. والقصيدة فى تسعة وعشرين بيتا وقد شرحها مواطنه ابن غلبون المتوفى سنة ١١٧٧ هـ/١٧٦٤ م فى كتاب سماه: «التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخيار». وشعر القصيدة وأختها السابقة متوسط، وكأن طرابلس وليبيا جميعا استبقتا نهضتهما فى الشعر إلى عصرهما الحديث عند رفيق المهدوى ونظرائه.
٥ - النّثر
من المؤكد أن ليبيا أنتجت نثرا كما أنتجت شعرا غير أن نثرها لم تحتفظ به الكتب إلا قليلا جدا إذ كثيرا ما نقرأ فى كتب التراجم لهذا الطرابلسى أو لهذا البرقى رسالة أو مقامة، ويكتفى بمثل هذه الإشارة ولا تذكر المقامة ولا تذكر الرسالة، وبالمثل نسمع عن هذا الفقيه الكبير أو ذاك أنه تولى قضاء طرابلس والخطابة أو تولّى الخطابة بالجامع الأعظم فى تونس ولا تذكر لهذا ولا لذاك خطبة. وقد يكون من أسباب عدم الاهتمام بتسجيل فنون النثر فى طرابلس وبرقة وغيرهما من مدن ليبيا أنه لم تنشأ بها دولة ترعى الأدب وتحميه وتحدث بتشجيعها له وحاجتها إليه نهضة أدبية واسعة كما حدث فى تونس وغير تونس من البلدان العربية، ولو أنه نشأت فى
стр. 4279
طرابلس أو برقة دولة وأنشأت لها ديوان إنشاء لتألّق لها كتاب نابهون يدبّجون رسائل سياسية بديعة تلفت معاصريهم وتجعلهم يسجلونها لهم ولبثّ ذلك فيها نشاطا أدبيا جمّا فى النثر لا فى فن الرسائل وحده بل أيضا فى مختلف الفنون النثرية. ومع ذلك فقد بقيت من النثر الليبى قطع صغيرة وشظايا متفرقة من وصايا الفقهاء والزهاد ونصائحهم من مثل قول عبد الجبار السّرتى المذكور بين الفقهاء الزهاد والمتوفى سنة ٢٨١. «من قلّ كلامه قلّت آثامه-الصوم عن الكلام أفضل من الصوم عن الطعام-من زمّ (صان) لسانه كثّر فى الدنيا والآخرة أمانه». وسئل الزاهد عبد الله بن إسماعيل البرقى المار ذكره والمتوفى سنة ٣١٧ عن كثرة بكائه خشية وتقوى، فقال: «إنما جعلت عيناى للبكاء، ولسانى لتعظيم الله وتحميده والصلاة على نبيه، وبدنى للتراب والبلى، وقلبى للخوف والرجاء، لم أخلق للعب ولا للهو، وإنما خلقت للعمل الصالح».
وكان الإباضية أكثر احتفاظا بأقوال أئمتهم، ونجد فى كتاب السير للشماخى خطبة لأبى الخطاب المعافرى الثائر بطرابلس سنة ١٤٠ وهى فصيحة، غير أنها شديدة البساطة ولا تعنى بجمال الصباغة، إذ ارتجلها فى مخاطبة الجيش الذى وجّهه لإخراج الصفرية من القيروان. ويذكر الشماخى نصّا من أقصر الرسائل المتبادلة بين متوعد لأهل نفوسة ومجيب له، إذ كتب الأول مهددا ومنذرا: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهما عبارتان قرآنيتان، فأجابه محمد بن جنون الشروسى النفوسى من القرآن أيضا: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ.﴾ ونرى الشاعر فتح بن نوح الإباضى الذى ترجمنا له بين شعراء الدولة الحفصية يعارض أبا العلاء المعرى فى كتابه الوعظى: «ملقى السبيل» الذى جعله على الحروف الأبجدية، وفيه يذكر سجعات نثرية قليلة ويتبعها ببيتين بنفس معناهما، وهو ما تقيد به فتح بن نوح فى معارضته إلى نهاية الحروف الهجائية بادئا ببيتين بقافية الهمزة، ودائما يذكر البيتين أولا ويتلوهما بالسجعات الوعظية، ومن سجعاته قوله:
«كلّ من غدا على ظهرها (١) وراح، مشغول البال ما استراح، حتى الأجنّة فى الأرحام، من بنى سام ويافث وحام، كلّ أهداف السهام، أرونى خلقا خلوا، وسليم الخاطر سفلا وعلوا، وهيهات لن ترى إلا نضوا (٢)، فإنا لله. . لم نر إلا عبد آمال، وعابد مال، وفاسد أعمال، ومتصنعا بأسمال (٣)، فسد العمران والبيد، وأشرفنا على ما ذكره لبيد» والسجعات تطير عن الفم بخفة لعذوبتها، وهو يعرف كيف يصطفى ألفاظه ومعانيه بحيث تلذ السامع وتمتع عقله، مضيفا إليها
стр. 4280
بعض محسنات البديع وطباقاته من مثل: «غدا-راح. وسفلا-علوا» وجناساته من مثل:
«عبد آمال-عابد مال. والبيد-لبيد) وتصاويره من مثل: «أهداف السهام-نضوا» ولا نشعر فى شئ منها جميعا بتكلف أو تصنع فما تميز به من حسن البيان، ويشير إلى بيت لبيد العامرى المشهور:
ذهب الذين يعاش فى أكنافهم ... وبقيت فى خلف كجلد الأجرب
ومن طريف سجعاته قوله فى بعض هذا الوعظ:
«صين الدّين والعرض، ومؤدّى الواجب والفرض، ومطيع ديّان السماء والأرض، وحوشى من اللّوم من ليس على الدنيا بهجوم، ولا للورى بظلوم». وقوله:
«لو علم الغابر، مصرع العابر، وفهم مضمون المقابر، ما أغضى جفنا على سنة (نعاس)، ولا ادّخر شهرا لسنة. حبّذا من اعتنى بذا، وهجر الخنا والبذا (البذاء) وأغضى على القذى، وآمن الناس من الأذى».
والسجعات فى غاية السلاسة والرشاقة وحسن النسق فى الجرس، بحيث تستهويك وتخلب لبّك، وهى ملحقة بالديوان، وإنها لحرية بأن تحقق مع ما يسبقها من أشعار وعظية وتنشر نشرة مستقلّة.
стр. 4281
القسم الثانى
تونس
стр. 4282
الفصل الأوّل
الجغرافية والتاريخ
١ - الجغرافية (١)
جلب هذا القطر قديما بحسن موقعه على البحر المتوسط وكثرة خيراته الفينيقيين ومن بعدهم الرومان فالواندال فالروم البيزنطيين، وهو يقع فى المنطقة الوسطى من الشمال الإفريقى بين البحر المتوسط فى الشمال والشرق وليبيا فى الجنوب الشرقى والصحراء فى الجنوب الغربى والجزائر فى الغرب. وتبلغ مساحته نحو مائة وخمسة وعشرين ألف كيلومتر مربع. وتدخل إليه جبال أطلس من الجزائر قرب مدينة تبسّة فى الجنوب الغربى، وتصعد بعض فروعها إلى الشمال الشرقى مارّة بجبل زغوان شمالى القيروان وتنعطف منها مرتفعات-فى شكل تلال-إلى بنزرت. وتمتد سهول تحت أقدام جبال أطلس وخاصة فى الشمال. وليس فى الاقليم التونسى نهر كبير سوى نهر مجردة المنحدر من الغرب إلى الشمال الشرقى فى اتجاه تونس، وسهوله من أخصب السهول، وتنتج مقادير ضخمة من الحبوب سوى ما ينمو فيها من الزروع والغروس.
وتمتد فى الساحل على طول البحر المتوسط أراض خصبة وافرة السكان والعمران. ووراء قابس فى الساحل الشرقى إلى شط الجريد وواحاته تترامى فى الجنوب أراض منبسطة واسعة فى وسطها مراع كثيرة وبعض المزارع، وغربيها بقاع شاسعة من الحلفاء وتوجد بعض السبخات، وشرقيها منطقة نفزاوة. ومدينة توزر هى قاعدة منطقة أو شط الجريد الذى تلتف به غابة واسعة من النخيل، ومياهها تنبع من الرمل وتتجمع خارجها، وتتشعب فى جداول عليها أرحاء صنعها ابن الشباط المهندس فى القرن السابع الهجرى، وتوزر من قديم تعدّ من أهم البلاد التونسية لإنتاجها الوافر من البلح والتمور فضلا عما بها من البساتين والفواكه المتنوعة وفى الشمال الشرقى من توزر مدينة قفصة، ويقول جغرافيو العرب إنها من أكثر بلاد الله فستقا، وكان
стр. 4283
يحمل منها إلى سجلماسة فى المغرب الأقصى ومدن الأندلس. وكانت تمدّ القيروان بأصناف التمور والفواكه. ومدن نهر مجردة هى مدن الحبوب ومن أهمها مدن الكاف وسليانة وتبرسق وباجة غربى تونس وبينهما نحو مائة كيلومتر، ويقول البكرى إنها كثيرة الأنهار (لعله يريد جداول المياه) وهى على جبل فى هيئة الطيلسان، واشتهرت قديما بإنتاج الحبوب، وخاصة القمح، ولذلك سموها قديما باجة القمح. ونمرّ بالساحل من الغرب ابتداء من مدينة بنزرت، وهى ثغر فى أقصى الغرب التونسى على البحر المتوسط فى موقع ممتاز، تحف بها مزارع مثمرة وغابات كثيفة.
وتشتهر بإنتاجها من الحبوب والبقول والزيتون، فضلا عن أنها ميناء تجارى مهم، وفى شرقيها بحيرة ويقول عنها الإدريسى: فمها متصل بالبحر المتوسط وكلما دخلت فى البر اتسعت وكلما قربت من البحر ضاقت، ويصاد بها أنواع كثيرة من الأسماك. وكان بجانبها محارس أو رباطات ينزلها النساك المجاهدون فى سبيل الله لحماية تونس من القراصنة والغزاة. ونمضى شرقا على الساحل فى الشمال، فتلقانا تونس على خليجها، وقد بناها حسان بن النعمان والى إفريقية (٧١ - ٨٥ هـ) بالقرب من قرطاجة الفينيقية، متخذا منها دار صناعة كبيرة لبناء أسطوله.
واتخذها عاصمة، غير أن الولاة والحكام بعده تركوها إلى القيروان التى كان قد بناها عقبة بن نافع بين سنتى ٥٠ و ٥٥ للهجرة واتخذها هو ومن بعده عاصمة لإفريقية، حتى إذا استولت الدولة الحفصية على صولجان الحكم فى الاقليم اتخذت تونس عاصمة للبلاد، وما تزال هى العاصمة إلى اليوم. وإلى الشرق من خليج تونس خليج الحمامات وبينهما شبه جزيرة من أخصب الأراضى التونسية، وتكتظ بغابات الزيتون وبساتين الفواكه وخاصة البرتقال.
وتلقانا بعد خليج الحمامات فى الشرق مدينة سوسة، وقد اتخذتها الدولة الأغلبية منذ أواخر القرن الثانى الهجرى دار صناعة لسفن أسطولها الحربى، وبواسطة هذا الأسطول استطاعت تلك الدولة الاستيلاء على صقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م وعلى مالطة سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م ويقول ابن رستة فى كتابه: «الأعلاق النفيسة»: إن ساحل سوسة كثير السواد من الزيتون والكروم والأشجار، وبه قرى كثيرة يتصل بعضها ببعض، وهى-مثل بنزرت-يصاد بها أنواع مختلفة من الأسماك، وخاصة من الحيتان. وجنوبى سوسة مدينة المنستير وكانت فى الأصل محرسا كبيرا أو رباطا بناه هرثمة بن أعين والى الرشيد لحماية الساحل وحراسته وظلت تتسع مع الزمن إلى أن أصبحت مدينة كبيرة. وإلى الجنوب منها مدينة المهدية التى بناها المهدى مؤسس الدولة العبيدية الفاطمية بتونس، بناها على نتوء صخرى بالساحل لتكون حاضرة له ودار صناعة لأسطوله، ويقول البكرى إنها من أعاجيب الدنيا. وإلى الجنوب منها صفاقس وهى مدينة تجارية مهمة، وتحيط بها أشجار الزيتون والفواكه، وفى كتاب الحلل السندسية أنه يصاد بها أنواع من السمك تفوق الحصر، وببحرها صوف تصنع منه ثياب رفيعة، وقد يوجد فى بحرها صدف يشتمل
стр. 4284
على لؤلؤ صغير الحب، وأمامها جزر قرقنة ويشتهر سكانها بصيد الإسفنج. وإذا سرنا نحو الجنوب لقيتنا مدينة قابس متوسطة خليجها ويصاد فيه الإسفنج أيضا بكثرة، ويكثر بها النخيل والعيون الجارية، ويقول البكرى إن اللوز كثير بها وبالمثل جميع الثمار، ويكثر بها التوت، وحريرها أطيب الحرير وأرقه. وإلى الجنوب الشرقى من خليجها جزيرة جربة الكبيرة الخصبة.
وإلى الجنوب منها منطقة نفزاوة المشهورة بواحاتها وتشتهر ناحية طرّة فيها بصنع الزجاج من قديم لوجود الكارتز هناك بكثرة. والأشجار والزروع تحيط بالاقليم التونسى على امتداد سواحله شمالا وشرقا وفى حوض نهر مجردة غربا وفى واحات نفزاوة وشط الجريد. والمنطقة الوسطى وحدها منطقة المراعى وفيها تنتقل القبائل الرحّل.
ومناخ القطر التونسى-فى جملته-مناخ البحر المتوسط دافئ معتدل، ونزول الأمطار بها يختلف كثرة وقلة حسب أنحائها، وهى تكثر فى الشمال شتاء، وتقل قلة شديدة فى الجنوب، وتختلف درجة الحرارة فيها باختلاف البقاع ووقوعها على الجبال وسفوحها وفى السهول الزراعية وبقرب البحر أو فى داخل الصحراء.
٢ - التاريخ (١) القديم
كانت تعيش فى القطر التونسى وغيره من أقاليم المغرب-فى العصور السحيقة-قبائل لا حضارة لها سماها الرومان باسم البربر، وحوالى القرن العاشر قبل الميلاد ارتاد سواحل إفريقيا الفينيقيون بحثا عن مواقع غنية بالخيرات يرسون بها سفنهم للتبادل التجارى، وكانوا شعبا ملاحيا احترف التجارة، وأعجبهم ساحل الإقليم التونسى، فاتخذوا فيه مواقع لإقامات مؤقتة يتبادلون فيها السلع التجارية مع أهله وسكانه. ومع الزمن ومرور دوراته المتعاقبة رأوا أن يقيموا لهم فى ذلك الإقليم مدينة تكون لبعض أسرهم مستقرا كما تكون مركزا ثابتا لمتاجرهم.
وفى تاريخ غير معروف بالضبط هل هو القرن الثامن قبل الميلاد أو قبله أو بعده أسسوا لهم مدينة غربى مدينة تونس الحالية سموها قرطاجة، وأخذت تزداد قوة، وأخذ بحارتها وتجارها ينشئون لهم مراكز تجارية جديدة فى الساحل الإفريقى مثل بجاية وشرشال فى الجزائر وطنجة فى
стр. 4285
المغرب الأقصى ونزلوا ساحل إسبانيا فى الجنوب الشرقى والغربى وأسسوا لهما مدينتين:
قرطاجنة على البحر المتوسط وقادس على المحيط الأطلسى.
وكان الفينيقيون أصحاب حضارة، ومعروف أنهم اشتقوا لهم من حروف الهيروغليفية المصرية أبجديتهم التى نشروها فى البلاد التى نزلوها قديما كما نشروها فى العالم القديم. وقد نزل قرطاجة التونسية كثير من أسرهم، وخالطوا السكان الإفريقيين، وامتزجوا بهم مصاهرة وغير مصاهرة، بحيث أصبحت لهم فى قرطاجة دولة كبيرة، كما أصبح لهم شعب ضخم يتألف منهم ومن البربر، واتسعوا فى تجارتهم مع المراكز التجارية التى أنشئوها فى المواقع المذكورة آنفا وفى فرنسا وصقلية، وجابت قوافلهم الصحراء فى الجنوب وحملت من السودان الرقيق والعاج والتّبر.
ولا نصل إلى أواسط القرن الثالث قبل الميلاد، حتى نجد روما تحاول أن تخضد من شوكة نفوذهم فى البحر المتوسط، وسرعان ما نشبت الحروب بين الطرفين وظلت أكثر من مائة عام ابتداء من سنة ٢٦٤ إلى سنة ١٤٦ قبل الميلاد، وكان ميدانها لنحو عشرين عاما جزيرة صقلية موضع النزاع بين القوتين الكبيرتين، وأذعنت قرطاجة فى نهايتها للصلح، وعادت الحرب بينهما للنشوب سنة ٢١٨ قبل الميلاد واستمرت حتى سنة ٢٠٢ إذ باءت حملة هانيبال الكبرى بالإخفاق، وكان قد كوّن جيشا ضخما اقتحم به جبال البرانس وجنوبى فرنسا وشمالى إيطاليا محاولا أن يفتح روما، غير أن الأقدار لم تسعفه، وبعد ذلك بنحو خمسين عاما نشبت بين روما وقرطاجة حرب ثالثة ظلت ثلاث سنوات من سنة ١٤٩ إلى سنة ١٤٦ قبل الميلاد انتهت بانتصار روما وتدميرها نهائيا لقرطاجة الفينيقية. وكانت حضارتها قد استقرت فى الشمال التونسى قرونا وأجيالا متعاقبة، وكانت حضارة متقدمة لا فى شئون الملاحة والتجارة فحسب فهم أساتذتها فى العالم القديم بل أيضا فى صناعة السفن والمعادن والزجاج وفى زراعة الحبوب والبقول وأشجار الفاكهة وغراسة الزيتون والمظنون أنهم نقلوه-كما نقلوا كثيرا من أشجار الفاكهة-إلى إفريقية فى تونس وغيرها من موطنهم الأصلى فى الشام، ومن أكبر الأدلة على اهتمامهم بالشئون الزراعية فى إفريقية التونسية أن نجد عالمهم الزراعى الكبير: ماجون (Magon) يؤلف أقدم كتاب عالمى فى الزراعة وغراسة الأشجار وقد نقله الرومان إلى اللاتينية حينما قهروا القرطاجيين التونسيين واستولوا على البلاد منذ سنة ١٤٦ قبل الميلاد. كما استولوا على ما فيها من كنوز العلم والعرفان وكنوز الخيرات والطيبات.
ومنافسة لقرطاجة الفينيقية وهياكلها الضخمة ومبانيها السامقة أقام الرومان لهم بجانبها قرطاجة جديدة شادوا فيها هياكل ومعابد ومبانى باسقة كما شادوا مسرحا للتمثيل وملعبا لمصارعة الحيوان وبعض الحمامات. وكانوا يحكمون قرطاجة والقسم الشمالى من الاقليم التونسى مباشرة، وما وراءه فى نفس الإقليم وفى نوميديا (القسم الشرقى من الجزائر) كان
стр. 4286
يحكمه ولاة تابعون لهم من البربر، واشتهر من بينهم وال يسمى يوغرطة حارب الرومان وحاول الاستقلال ببلاده ووقع فى أيدى أعدائه فسجنوه بروما إلى أن قضى نحبه سنة ١٠٦ قبل الميلاد. وأخذت البلاد تستكين لروما، وأخذ بعض البربر ينشأ بها ويتعلم فيها مثل يوبا الثانى المتوفى سنة ٢٢ للميلاد. وهو جزائرى، وقبره بالقرب من شرشال، وله مؤلفات مختلفة باللاتينية فى تاريخ الرومان وفى الجغرافية والموسيقى. واندمج بعض البربر فى الحياة الرومانية واستطاعوا الوصول إلى أعلى الوظائف فى الدولة، حتى ليصبح أحد أباطرة روما ويجلس على عرشها سنة ١٩٣ للميلاد بربرى من مواليد لمطة على الساحل الإفريقى ويقال: بل من مواليد لبدة بجوار طرابلس، وهو سبتيموس سيفيروس. وتابعت روما قرطاجة فى العناية بالزراعة فى إفريقية التونسية وشق القنوات بها وإقامة السدود والخزانات والصهاريج والمواجل، مما جعل الزراعة تزدهر بها فى زمنهم الذى امتد نحو ستة قرون طوال. وتظل التجارة مزدهرة بها أيضا وتظل القوافل تنحدر إلى الجنوب لحمل السلع من السودان. وقد نزلتها-وعاشت فيها- أسر رومانية كثيرة. وحين اعتنقت روما المسيحية حاولت نشرها فيها، وابتنت لها بعض الكنائس، ويبدو أنها عملت على نشر لغتها اللاتينية، وقد ظلت حية فى بعض الألسنة بعد الفتح الإسلامى-كما سنرى-قرونا طويلة، وسنرى بعض الأمراء الأغالبة يتعلمونها، كما تعلمها المعز لدين الله الفاطمى.
وتأخذ الأحوال فى روما تسوء، حتى إذا مضينا فى القرن الخامس الميلادى زادت سوءا على سوء، مما جعل أحد ولاتها فى إفريقية المسمى بونيفاس يخرج عليها ويستغيث بقبائل الواندال الجرمانية التى كانت قد استولت على إسبانيا، وتقدم تلك القبائل، وتعيث فى إفريقية التونسية دمارا وفسادا لمدة مائة عام من سنة ٤٣٩ إلى سنة ٥٣٤ للميلاد، خرّبت فيها كل-أو أكثر- ما كانت تزدهى به البلاد من أسباب الحضارة والعمران مما أقامه بها الفينيقيون والرومان إلى أن خلصها منهم القائد البيزنطى بليزير Be? lisaire سنة ٥٣٤ للميلاد، وأصبحت إفريقية التونسية-من حينئذ-تابعة لقيصر بيزنطة (القسطنطينية) ويسمى العرب سكان هذه الدولة باسم الروم. وكانت بيزنطة تولّى على إفريقية حاكما عامّا يلقّب بالبطريق Patricius مقامه بقرطاجة، وأسندت إليه إصدار الأوامر والإشراف على الموظفين وعلى أداة الحكم والشئون المالية، وكانوا يتبعون سياسة خرقاء ظالمة فى فرض الضرائب الفادحة والجبايات والإتاوات الباهظة. ولم تعن بيزنطة-وبالتالى حكامها-بنشر لغتها اليونانية فى البلاد على نحو ما عنيت روما وحكامها-من قبل-بنشر اللغة اللاتينية، فلم تكن اليونانية تتجاوز ألسنة الموظفين والجند البيزنطيين، وظلت اللاتينية هى اللغة المسيطرة فى المدن الإفريقية: فى قرطاجة وسوسة وغيرهما بسبب ما كان فيها من جاليات رومانية كبيرة.
стр. 4287
٣ - الفتح (١) -بقية الولاة-الدولة الأغلبية
(ا) الفتح
كان يحكم قرطاجة وإفريقية قبيل الفتح العربى بطريق بيزنطى يسمى جريجوريوس وسماه العرب جرجير، وحين رأى ضعف الدولة البيزنطية واستيلاء العرب على أكبر درّتين فى تاجها:
الشام ومصر صمّم على الاستقلال، فخلع طاعة بيزنطة وضرب الدنانير باسمه، وبينما هو غارق فى حلمه إذا الجيش العربى الفاتح للشام ومصر يستولى على برفة وطرابلس وتوابعها فى سنتى ٢٢ - ٢٣ هـ/٦٤٢ - ٦٤٣ م. ويتوفى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ويخلفه عثمان بن عفان فيولى على مصر عبد الله بن سعد بن أبى سرح ويأمره بغزو إفريقية، فيسير إليها فى عشرين ألفا من الصحابة والتابعين يتقدمهم نفر من الصحابة أو من أبناء كبارهم، مثل ابن أبى سرح الصحابى وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن جعفر وعبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، ولذلك سمّى الجيش جيش العبادلة، ووصلت طلائع الجيش إلى إفريقية التونسية فى سنة ٢٧ هـ/٦٤٧ م واستولت على قابس، وكان جريجوريوس قد عرف أن العرب لا بد أن سينازلونه، فانسحب من قرطاجة إلى الداخل محتميا بحصن أنشأه البيزنطيون إلى الجنوب الغربى من القيروان يسمى سبيطلة وجمع إليه جيشا جرارا من البيزنطيين والبربر، يقال إنه كان مائة ألف، والتحم الجيشان وانتصر المسلمون وقتل جريجوريوس فى المعركة، قتله عبد الله بن الزبير، وفتحت إفريقية التونسية أبواب مدنها لسرايا الجيش العربى الباسل، وأسرع البيزنطيون والبربر فى كل مكان إلى طلب الصلح، وصالحهم القائد ابن أبى سرح على مقدار من المال، وكانت الوقعة حاسمة، فلم تقم بعدها لبيزنطة قائمة، ويقال إن ابن أبى سرح ترك بعد ذلك القطر التونسى وعاد إلى مصر دون أن يولّى عليها أحدا وهو قول غير صحيح، لأنه لم يحدث أن العرب فى فتوحهم الأولى فتحوا
стр. 4288
بلدا وفرضوا عليها إتاوات وضرائب وتركوها وانصرفوا، وكأن فتحا لم يحدث، مما يجعلنا نرجح ما قاله بعض المؤرخين من أنه خلّف عليها نافع بن عبد القيس الفهرى، وكان يتخذ زويلة التى فتحها فى حملة عمرو بن العاص مقرا لحكمه فى طرابلس وبعد ضم إفريقية التونسية إليه.
ولإقامته فى زويلة ظنّ خطأ أن ابن أبى سرح لم يترك وراءه فى إفريقية التونسية عاملا، ويبدو أن الخليفة عثمان بن عفّان ولّى عليها بأخرة من أيامه سنة ٣٤ للهجرة معاوية بن حديج السّكونى. وتحدث فتنة عثمان فيعود، وتضطرب الأمور فى إفريقية كما اضطربت فى الولايات الأخرى.
ولما استقرت الأمور لمعاوية بن أبى سفيان أرسل إلى إفريقية جيشا عداده عشرة آلاف بقيادة معاوية بن حديج سنة ٤٥ هـ/٦٦٥ م وعلم قيصر بيزنطة بهذا الجيش فأرسل إلى قرطاجة نجدة بحرية والتحم بها وبمن انضم إليها من البربر معاوية بن حديج وهزمهم هزيمة ساحقة لم يعد البيزنطيون بعدها يقدمون لعون قرطاجة، واستشهد فى هذه الغزوة أبو زمعة عبيد الله البلوى الصحابى، وكلف معاوية عبد الله بن الزبير بفتح سوسة ففتحها وفتح عبد الملك بن مروان بنزرت.
وولّى معاوية عقبة بن نافع الفهرى على إفريقية سنة ٥٠ هـ/٦٧٠ م وبمجرد وصوله إليها رأى أن الحكم العربى لا يثبت فيها ولا يستقرّ إلا إذا أنشئت بها مدينة عربية تكون معسكرا للجيش العربى الذى تتغلغل جنوده فى إفريقية بحيث تكون دارا لأسرهم وقاعدة لنشر الدين الحنيف ولغته العربية، واختار للمدينة موقعا على بعد نحو ثلاثين ميلا من البحر المتوسط، وسماها «القيروان» أى المعسكر، وبدأ فيها بإنشاء الجامع المنسوب إليه فى وسطها، وبنى بجواره دار الإمارة، وأحاط بها سورا، وسرعان ما أصبحت مدينة كبرى وظلت أم المدن فى إفريقية قرونا متطاولة فى العلم والثقافة وفى التجارة، واستغرقت عمارتها منه خمس سنوات حتى سنة ٥٥ هـ/٦٧٤ م وأصبحت مركزا لتحركات الجيش الفاتح بعد أن كان مركز تلك التحركات برقة وزويلة. وعزله معاوية وولاها أبا المهاجر فى نفس السنة المذكورة آنفا، ومن أعماله الجليلة فتحة لجزيرة شريك وإدخاله جميع بلاد الجريد فى الإسلام، وبالمثل جميع بلاد الجزائر وتغلغل فيها بجيشه إلى تلمسان حيث دارت بينه وبين قبيلة أوربة البرنسية وزعيمها كسيلة معركة انتصر فيها وأسر كسيلة فعامله معاملة كريمة جعلته يعتنق الإسلام واعتنقته معه قبيلة أوربة.
ويتوفى معاوية ويخلفه ابنه يزيد فيعيد عقبة بن نافع ثانية واليا على إفريقية سنة ٦٢ هـ/٦٨١ م واستخلف زهير بن قيس البلوى على القيروان واتجه بجيشه إلى شط الجريد وأذعن له، كما أذعن الزاب فى الجزائر ومضى يجاهد فى سبيل الله إلى أن وصل إلى البحر المحيط، فأدخل فيه قوائم فرسه ورفع يده إلى السماء قائلا بأعلى صوته: «اللهم إنّي أشهدك أنى وصلت براية
стр. 4289
الإسلام إلى آخر المعمورة حتى لا يعبد أحد سواك» وكرّ راجعا بعد أن دوّخ القبائل المغربية ودانت له، وكان قد وبّخ كسيلة زعيم قبيلة أوربة فى أول ولايته الثانية لوقوفه قديما ضد الإسلام، وأسرّها فى نفسه هو ومن غضبوا له من البربر الذين لم ينسوا قوميتهم البربرية، وصمّم كسيلة على الثأر، حتى إذا تقدم عقبة جيشه بالزاب فى عودته، وبقى فى نفر قليل معه إذا كسيلة الأثيم يحاصر عقبة مع جمع من الروم ومن قومه سنة ٦٤ هـ/٦٨٣ م ويهجمون عليه وعلى من معه من أصحابه وكانوا نحو ثلاثمائة، وقاتلوهم قتال الأبطال، وتكاثروا عليهم فاستشهدوا جميعا، ودفنوا فى نفس المكان-نضّر الله وجوههم-وأقيم على قبر عقبة مسجد يعرف باسمه، وهو من المزارات الكبرى فى المغرب. واتسعت ثورة كسيلة، وتبعته جموع غفيرة من البربر دخل بها القيروان، وتراجع الجيش العربى بقيادة زهير بن قيس إلى برقة انتظارا لجيش عربى يقدم عليه للقضاء على تلك الثورة، وتصادف أن ثورة عبد الله بن الزبير فى الحجاز كانت قد بدأت وشغل بها مروان بن الحكم حتى إذا أصبحت الخلافة خالصة لعبد الملك بن مروان وهدأت الأمور فى المشرق أرسل إلى زهير سنة ٦٩ هـ/٦٨٨ م جيشا جرارا زحف به زهير إلى كسيلة وجموعه، فمزّقهم شر ممزق، وقتل كسيلة وخلق كثير من البربر، واسترجع زهير القيروان وتعقب المنهزمين فى الجزائر إلى أن أخرجهم منها، وعاد إلى العاصمة ورتّب شئونها، ورأى أن يعود بعد هذا النصر العظيم إلى المشرق، وبينما هو فى نفر قليل من صحبه عند برقة إذا هو يرى بعض سفن للروم وهم يسوقون أمامهم بعض المسلمين، أسروهم على حين غفلة، فنازلهم وكتبت له الشهادة عند ربه، ويقول الرقيق القيروانى عنه: «كان زهير من رؤساء العابدين وكبراء الزاهدين».
وولّى عبد الملك بعد زهير على إفريقية حسان بن النعمان سنة ٧١ هـ/٦٩٠ م وكانت لا تزال للروم جالية كبيرة فى قرطاجة تتجسّس لبيزنطة وتعيث فسادا ضد العرب فحاصر البلدة وفتحها عنوة وأذعن من بها من النصارى، ولم يكد ينصرف عنها حتى تحصنوا بها فعاد إليهم وهدم حصون قرطاجة وأسوارها حتى لا يحميهم منه شئ، وفرّ منها كثيرون إلى البحر المتوسط وما وراءه، وطهّر بنزرت وشمال إفريقية التونسية من الروم وفرض الجزية على من ظل منهم ومن البربر على دينه المسيحى، واشتعلت فى أوائل عهده فتنة فى قبيلة جراوة الزناتية بجبال الأوراس فى الجزائر تزعمتها امرأة بربرية اسمها «دهيا» وسماها العرب الكاهنة، ونازلها حسان سنة ٧٦ هـ/٦٩٥ م ولم يكتب للمسلمين النصر، واضطر حسان إلى التراجع حتى مدينة سرت بليبيا، وظل بها خمس سنوات منتظرا مددا من مصر أو من دمشق، وأتاه فى سنة ٨٠ هـ/٦٩٩ م مدد ضخم فاشتبك مع الكاهنة فى معركة عنيفة قتلت فيها سنة ٨١ هـ وأسلم ابنان لها فجعلهما قائدين لجيش مكون من اثنى عشر ألفا من العرب والبربر، وبذلك دعم نظرية
стр. 4290
الإسلام فى المساواة التامة بين العرب والموالى المسلمين بربرا وغير بربر فلا فرق بين عربى وبربرى فى جميع الحقوق حتى فى قيادة الجيوش. وساد الأمن والنظام المغرب جميعه. واتجه إلى عمارة البلاد فجدّد بناء الجامع الأعظم بالقيروان، ورأى بثاقب بصيرته ضرورة أن يكون لإفريقية التونسية ميناء بدلا من قرطاجة، ولم يلبث أن اختار للميناء موضعا بجوار قرية تسمى تينس أو ترشيش، وشق إلى البحر المتوسط قناة تدخل إليها السفن وتخرج منها وألحق بالميناء دار صناعة كبرى لإنشاء أسطول ضخم يحمى شواطئ الديار الإفريقية من غارات الروم، وجلب من مصر ألف أسرة قبطية لمساعدته فى إنشاء تلك الدار والأسطول، وسمّى الميناء تونس، ولم تلبث تونس أن أصبحت أما كبيرة من أمهات المدن المغربية إلى اليوم، وبنى بها الجامع الكبير المسمى جامع الزيتونة لزيتونة كانت فيه. واستحدث حسان للولاية تنظيما إداريا وماليا عمّمه فى جميع البلاد المغربية، ونشر العربية فى المغرب وجعلها اللغة الرسمية فى جميع الدواوين، ونظم الجبايات فى المدن ومع رؤساء القبائل، وقسم الأراضى التى كانت ملكا للدولة البيزنطية بين صغار الفلاحين من البربر، مما جعلهم يدخلون فى دين الله أفواجا نصرة للدين الحنيف. وبكل ما قدمت عن حسان بن النعمان تعد ولايته على إفريقية خاتمة الفتح الذى بدأه عمرو بن العاص سنة ٢٢ هـ/٦٤٢ م فقد استقر الدين الحنيف فى جميع البلدان المغربية واعتنقه المغاربة، لما تحمل تعاليمه من المساواة التامة بين جميع المسلمين عربا وبربرا وغير بربر.
(ب) بقية الولاة
ويخلف حسّان بن النعمان على المغرب موسى بن نصير سنة ٨٦ هـ/٧٠٥ م وكان ماهرا فى الإدارة وشئون الحرب وبدأ أعماله بتوجيه حملة إلى جبل زغوان-وأتبعها بحملات أخرى عادت بغنائم وافرة، ثم قام بحملته الكبرى التى اكتسحت المغرب حتى طنجة على المحيط وإقليم السوس فى أقصى الجنوب. وأتم التنظيمات الإدارية لبلاد المغرب، إذ قسّمه ولايات، وجعل لكل ولاية قاعدة عربية يحكمها أحد ولاته، فالمغرب الأقصى عاصمته طنجة، والمغرب الأوسط عاصمته تلمسان، والمغرب الأدنى عاصمته القيروان، ومدّه شرقا حتى شمل طرابلس وغربا حتى شمل نوميديا (قسنطينة وبجاية) وإقليم الزاب إلى نهر شلف فى الجزائر، وجعل برقة ولاية قائمة بنفسها وعاصمتها برقة (المرج منذ القرن السابع الهجرى) وأضاف إلى هذه الولايات ولاية جنوبىّ المغرب الأقصى، هى ولاية السوس الداخلة فى الصحراء، وجعل عاصمتها سجلماسة، وولّى عليها طارق بن زياد النفزاوى البربرى، ثم نقله إلى طنجة.
وفى سنة ٩١ هـ/٧٠٩ م عزم على غزو إيبيريا، فأرسل إليها حملة استطلاعية بقيادة طريف، وهو أيضا بربرى، فنزل بإيبيريا فى موضع يقابل مدينة طنجة، سمّى جزيرة طريف لنزوله فيه، وعاد يحمل إلى موسى أنباء طيبة، فأرسل فى السنة التالية طارقا على رأس حملة كبيرة، وجاءته أنباء
стр. 4291
فتوحاته، واستمدّه طارق، فذهب إليه على رأس حملة جديدة أتم بها معه فتح الأندلس.
والحملتان الأوليان كانتا تتكونان من العرب والبربر، ونفس قائديهما: طارق وطريف كانا-كما أسلفنا-بربريين وبذلك خطا بسياسة حسان خطوات، فجعل من البربر ولاة وقوادا للجيوش. ومنذ عقبة بن نافع كان البربر يشتركون مع العرب فى حملاتهم الحربية وجهادهم فى سبيل الله، مما يدل-بوضوح-على تغلغل الإسلام فى نفوسهم، حتى أصبحوا سريعا من دعاته وحماته، وكانت كثرة جند موسى بن نصير منهم سواء فى فتوحه لبقية المغرب حتى ديار السوس أو فى فتوحه لإيبيريا.
ويعزل سليمان بن عبد الملك قصير النظر موسى بن نصير عن إيبيريا والمغرب جميعا سنة ٩٦ هـ/٧١٤ م ويصبح صولجان الخلافة بيد عمر بن عبد العزيز سنة ٩٩ هـ/٧١٧ م فيدخل إصلاحا كبيرا على أداة الحكم فى الدولة إذ يأمر الولاة بالتسوية المطلقة بين العرب والموالى أو الشعوب المفتوحة فى الخراج وجباية الأموال أخذا بتعاليم الدين الحنيف، ويرسل إلى إفريقية عشرة من الفقهاء على رأسهم إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر ويقال إنه أسند إليه الولاية، وكلّفهم أن يعملوا على نشر الإسلام، وأسلم على أيديهم أفواج بربرية لا تكاد تحصى فضلا عن أنهم بثوا فى الشباب فكرة التفقه فى الدين، مما أعد أهل إفريقية التونسية والمغرب ليشاركوا سريعا فى الدراسات الدينية.
ولا نكاد نمضى فى القرن الثانى الهجرى حتى يتوفى الخليفة العظيم عمر بن عبد العزيز، ويتولى بعده الخليفة الطائش يزيد بن عبد الملك، فيعزل ابن أبى المهاجر عن إفريقية ويولّى عليها عاملا ظلوما غشوما هو يزيد بن أبى مسلم صاحب شرطة الحجاج، فقدم إلى القيروان سنة ١٠٢ هـ/٧٢٠ م وسرعان ما أخذ البربر بسياسة الحجاج فى ظلم موالى السواد فى العراق والتفريق بينهم وبين العرب فى الخراج، مما يتعارض تعارضا شديدا مع تعاليم الإسلام فى رفع الفروق بين المسلمين عربا وموالى، وكأنما عمى يزيد ابن أبى مسلم عن رؤية الفروق الواضحة بين الموالى الفلاحين فى سواد دجلة والفرات من جهة والبربر من جهة ثانية، فإن البربر قبل ولايته كانوا قد أصبحوا مع العرب رفقاء سلاح وجهاد، وأتموا معهم فتح بقية البلاد المغربية وإيبيريا، مما جعل البربر-حين طفح الكيل-يجمعون على قتل يزيد بن أبى مسلم الباغى وقتلوه سنة ١٠٣ هـ/٧٢١ م وتولّى بعده بشر بن صفوان الكلبى، ويذكر له أنه غزا صقلية سنة ١٠٧ هـ/٧٢٥ م وأصاب منها غنائم وافرة، وولّى بعده هشام بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن السلمى وأساء السيرة، فعزله وولاّها سنة ١١٤ سفيها كبيرا هو عبيد الله بن الحبحاب، ويذكر له أنه جدد جامع الزيتونة وعنى بدار الصناعة وغزا أسطوله صقلية، غير أنه كان باغيا طاغيا هو وعماله، فتعسفوا فى جمع الخراج وجباية الأموال من البربر، وبلغ من سفه
стр. 4292
عامله على طنجة عمر بن عبيد الله المرادى أن صرّح بأنه يريد تخميس أراضى البربر أى أخذ خمسها للدولة زاعما أنها فيء للعرب وغنائم حرب لهم. وكان الخوارج صفرية وإباضية قد دأبوا منذ ولاية يزيد بن أبى مسلم وما أنزل بالبربر من حيف وعسف فى شئون الخراج يدعون لعقيدتهم ومبادئها التى توجب التسوية بين العرب والموالى بربرا وغير بربر فى الشئون المالية ومناصب الدولة حتى منصب الخلافة، فهى ليست حقا لقريش وحدها دون العرب وبقية المسلمين بل هى حق لأكفأ المسلمين جميعا عربا وغير عرب حتى لو كان عبدا حبشيا، ووجد الخوارج فى بلاد المغرب تقبّلا شديدا لمبادئهم بسبب سياسة ولاة بنى أمية الغاشمين فى القرن الثانى الهجرى، إذ رأى البربر-أو كثير منهم-فيها ما يخلصهم من ظلم الأمويين وعسف ولاتهم. وأخذ جبل نفوسة فى ليبيا يصغى للدعوة الإباضية، وهى دعوة معتدلة إذ تدعو لإمام يحقق العدالة والمساواة المطلقة بين المسلمين عربا وغير عرب، ولا تكفر المسلمين ولا تقاتلهم إلا إذا بادروها بالقتال، واستجاب-أو أخذ يستجيب-المغرب الأقصى للصفرية، وهى دعوة متطرفة إذ تكفّر المسلمين وتعد دارهم دار حرب، وتزعّم دعوتهم بالقرب من طنجة بربرى من قبيلة مضغرة البتريّة هو ميسرة، وبايعه البربر وكوّن منهم جيشا احتلّ به طنجة، وفتك بعاملها الغشوم عمر بن عبيد الله المرادى، وهزم ميسرة فى بعض الوقائع، فولت الصفرية عليها خالد بن حميد الزناتى سنة ١٢٣ ولقيه جيش لابن الحبحاب فى الجزائر على نهر شلف، وهزمه خالد فى معركة عنيفة، سميت معركة الأشراف لكثرة من قتل بها من أشراف العرب. وعزل هشام بن عبد الملك واليه ابن الحبحاب سنة ١٢٤ هـ/٧٤١ م وولّى على إفريقية كلثوم بن عياض القشيرى يعاونه ابن أخيه بلج بن بشر، ويلتقيان بخالد بن حميد والصفرية جنوبى طنجة ويهزمان ويقتل كلثوم، ويضطر بلج إلى العبور إلى الأندلس ببقية الجيش. ويولى هشام على إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبى، ويقدم إلى القيروان، وسرعان ما يستنفر الصّفريّة لحربه قائدان صفريان: عربى هو عكاشة بن محصن وبربرى هو عبد الواحد بن يزيد الهوارى، وكانا قد اجتمعا فى الزاب بالجزائر، واتفقا على أن يسير عكاشة مع جيشه فى السهول شمالى جبال الأوراس ليهاجم القيروان من الجنوب ويسير عبد الواحد من ناحية قسنطينة ليهاجم القيروان من الشمال، وعرف حنظلة خطتهما، فأسرع بلقاء عكاشة وهزمه هزيمة ساحقة، وتقدم عبد الواحد إلى القيروان، فاستثار حنظلة فقهاءها، فخرجوا مع جيشه لمنازلته، وخرج معهم نساء القيروان حاملات للسلاح مستبسلات للموت مع الجيش، فامتلأ الرجال حمية ودارت الدوائر على عبد الواحد وجيشه من الصفرية، وحمل رأسه إلى حنظلة فخرّ لله ساجدا.
وقتل الوليد بن يزيد الخليفة الأموى سنة ١٢٦ فطمع عبد الرحمن بن حبيب حفيد عقبة بن نافع فى الاستيلاء على ولاية إفريقية وأعلن الثورة سنة ١٢٧ هـ/٧٤٤ م ففكر حنظلة
стр. 4293
فى حربه، وكان تقيا ورعا، فكره أن يتقاتل المسلمون، وترك القيروان عائدا إلى المشرق.
وصارت الخلافة إلى مروان بن محمد سنة ١٢٩ هـ/٧٤٦ م فأقرّ ولاية عبد الرحمن بن حبيب على إفريقية درءا للانقسامات والفتن بها، ولأنه أعلم بشئونها إذ هى داره ودار جده عقبة بن نافع. ولم تلبث الإباضية أن ثارت بطرابلس سنة ١٣٠ هـ/٧٤٧ م بإمامة عبد الله بن مسعود التجيبى فأرسل إليه عبد الرحمن أخاه إلياس، فقضى على ثورته، وبايع الإباضية بعده الحارث بن تليد بالإمامة، واتخذ وزيرا له عبد الجبار بن قيس المرادى، ونازلا جيوش عبد الرحمن مرارا، واغتيلا سنة ١٣٢ هـ/٧٤٩ م وبذلك انتهت ثورتهما. وفى نفس السنة قضى العباسيون على الدولة الأموية، فأقروا عبد الرحمن بن حبيب فى ولايته على القيروان وإفريقية، وسمع بتجمع للصّفرية فى تلمسان سنة ١٣٥ هـ/٧٥٢ م ففاجأهم وهزمهم. وأرسل حملة إلى صقلية وعادت بغنائم كثيرة، ومن أهم أعماله استيلاؤه على جزيرة قوصرة التى تبعد عن تونس نحو ثلاثين ميلا، واستمرت تابعة للقيروان وإفريقية حتى تنازل عنها أبو زكريا مؤسس الدولة الحفصية لفردريك الثانى ملك صقلية سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م. وتآمر على عبد الرحمن أخواه إلياس وعبد الوارث وقتلاه سنة ١٣٧ هـ/٧٥٤ م وتولى إلياس وقتله حبيب بن عبد الرحمن، وتولى مكانه، وفى سنة ١٣٨ هـ/٧٥٥ م ثارت عليه قبيلة ورفجومة النفزاوية الصّفرية واستولت على القيروان منه واستباحتها، واشتبك معها حبيب سنة ١٤٠ هـ/٧٥٧ م وقتلته، وظلت فى القيروان تستحلّ المحارم وترتكب العظائم، فامتعض لأهلها أبو الخطاب عبد الأعلى بن السّمح إمام الإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة، فخلّص القيروان منهم سنة ١٤١ هـ/٧٥٨ م وولّى عليها عبد الرحمن بن رستم الإباضى، وأرسل المنصور العباسى محمد بن الأشعث والى مصر بجيش جرار إلى إفريقية، فنازل أبا الخطاب فى معركة حامية الوطيس قتل فيها، ففرّ واليه على القيروان عبد الرحمن بن رستم إلى الزاب فى الجزائر وأسس للإباضية دولة فى تيهرت استمرت حتى سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٩ م وتولّى الأغلب بن سالم التميمى على إفريقية سنة ١٤٨ هـ/٧٦٥ م وقتل سنة ١٥٠ هـ/٧٦٧ م فى بعض حروبه، وخلفه عمر بن حفص المهلبي، وكان بطلا مغوارا وابتنى بالزاب مدينة طبنة، وثار عليه إباضية طرابلس بزعامة أبى حاتم وحاصروا القيروان، وخرج إليهم وقتل سنة ١٥٤ هـ/٧٧٠ م.
وولى القيروان وإفريقية بعد ابن حفص المهلبى ابن عمه يزيد بن حاتم، وفيه يقول مؤرخ القيروان الرقيق: «كان كثير الشبه بجده المهلب فى حروبه ودهائه وكرمه وسخائه، وقلم أظفار الصفرية فى الزاب، وانسحبت فلولهم إلى ديار زناتة فى الصحراء، كما قلّم أظفار الإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة وفتك بأبى حاتم الإباضى وصحبه هناك وبذلك ظلت لأهل السنة المنزلة العليا فى القيروان وجميع بلاد المغرب. وقد ضبط أمور الدولة بمنتهى الحزم، ومن أعماله تجديده بناء جامع القيروان سنة ١٥٧ هـ/٧٧٣ م وترتيبه للأسواق فيها، إذ أفرد لكل صناعة وتجارة
стр. 4294
مكانا معينا. وكان أديبا حفيا بالشعراء يجزل لهم العطاء، وشدوا إليه الرحال من المشرق، وبذلك أحدث فى القيروان حركة أدبية، وكان يعقد لها الندوات فى دار الإمارة. ومما يروى من سيرته الزكية أنه رأى يوما بإحدى ضواحى القيروان غنما كثيرا فسأل عن صاحبه فقيل له إنه لابنه، فطلبه وعنّفه على مزاحمته الرعية فى صور التكسب وأمر بذبحها وتوزيعها على الناس. وظل واليا على إفريقية سبعة عشر عاما حتى توفى سنة ١٧٠ هـ/٧٨٦ م وولى بعده أخوه روح بن حاتم سنة ١٧١ هـ/٧٨٧ م وكان عالى الهمة عادلا حسن السيرة، وفى أيامه ظهرت دولة الأدارسة بالمغرب وبويع إمامها الأول إدريس الحسنى سنة ١٧٢ هـ/٧٨٨ م وأسسوا مدينة فاس واتخذوها عاصمة لهم، وتوفى روح سنة ١٧٤ هـ/٧٩٠ م ودفن مع أخيه فى قبر واحد. وتولاها بعده نصر بن حبيب المهلبى وكان حسن السيرة، وعزله الرشيد وولّى عليها الفضل بن روح، واضطربت عليه الأمور، فولّى الرشيد عليها سنة ١٧٩ هـ/٧٩٥ م هرثمة بن أعين وكان من كبار قواده وكان حسن السياسة والإدارة، وايتنى رباط المنستير بين سوسة والمهدية لحماية الساحل من غارات نصارى البحر المتوسط، وظلت الأبنية تتسع حوله حتى أصبح مدينة كبيرة فى القرن السادس الهجرى. ولم يلبث هرثمة أن آثر العودة إلى المشرق سنة ١٨١ هـ/٧٩٧ م، وولى عليها الرشيد محمد بن مقاتل العكى ولم تحمد سيرته فعزله.
(ج) الدولة الأغلبية
كان إبراهيم بن الأغلب التميمى قد ولاه هرثمة على الزاب، فضبطه بحزمه، وأعجب به هرثمة لقوة شخصيته، واستشار الرشيد هرثمة فى وال كفء يوليه إفريقية، فأشار عليه بإبراهيم وامتدحه له، وكانت إفريقية تكلف الدولة العباسية نفقات باهظة بما ترسل إليها من الجيوش، وكان والى مصر يرسل إلى واليها سنويا مائة ألف دينار، وكان إبراهيم يتطلع لحكم إفريقية -مثل أبيه-وكان الرشيد يأمل فى وال يريحه من نفقاتها الباهظة، ولم يجد بأسا من كثرة ثناء هرثمة على إبراهيم بن الأغلب فى أن يوليه عليها وسرّ إبراهيم، وقال له إننى لن أحتاج إلى ما ترسله مصر لإفريقية من أموال، وأتعهد أن أرسل سنويا إلى بيت المال ببغداد أربعين ألف دينار، وكأنه وفّر للدولة أو تعهد أن يوفر لها مائة وأربعين ألف دينار سنويا، سوى ما كانت تكلفها الجيوش من أموال ونفقات ضخمة. وكان قد درس فى شبابه بمصر وحضر حلقات فقيهها: الليث بن سعد، مما أتاح له أن يكون فقيها مثل أستاذه، وكان الليث يعجب بتلميذه، مما جعله يهبه جارية، هى جلاجل زوجه وأم ابنه زيادة الله، وكان شاعرا خطيبا. واقتنع به الرشيد فكتب له العهد بولاية إفريقية سنة ١٨٤ هـ/٨٠٠ م وجعلها لعقبه يتوارثونها من بعده.
ومن حينئذ بدأت شخصية إفريقية-وخاصة إفريقية التونسية-فى الظهور، فقد أصبحت بها دولة مستقلة وإن ظلت تدين بالولاء اسميا للعباسيين، وأخذت تعمل جاهدة على
стр. 4295
النهوض بالبلاد نهضة حضارية قوية. وقد ساس إبراهيم إفريقية سياسة رشيدة، وصمم على أن تكون له قوة عسكرية تحميه هو وأسرته ممن كانوا لا يزالون بالقيروان من الخراسانيين وغيرهم من الجند، وكوّنها من ثلاثة عناصر: البربر المستعربة والصقالبة الذين كان يجلبهم تجار الرقيق وزنوج السودان الذين كانت تجلبهم القوافل. وابتنى له ولأهل بيته ضاحية على بعد نحو أربعة كيلومترات من القيروان، سماها «العباسية» ونقل إليها معسكرات جنده وخزائن السلاح والأموال كما نقل إليها حواشيه واتخذها دار إمارته. وظل يدير دفّة هذه الدولة إدارة حازمة ويؤسس بنيانها الشامخ طوال اثنى عشر عاما إلى أن توفى سنة ١٩٦ هـ/٨١١ م ويخلفه ابنه أبو العباس عبد الله، ولم يكن سيوسا ويتوفى سنة ٢٠١ هـ/٨١٦ م فيخلفه أخوه زيادة الله، وكان من أعلم أهل بيته فصيح اللسان بصيرا بشئون الإدارة والحكم، فثبّت سلطان أسرته، وتغلب دائما على خصومه، وشجّع العلم والعلماء. ومرّ بنا أن ولاة إفريقية حاولوا غزو صقلية مرارا، وكان زيادة الله عظيم الهمة، فأخذ يعد العدّة لفتحها، بادئا ببناء سور حصين حول ثغر سوسة، وبنى بجوارها رباطا لحمايتها وحماية الساحل واتخذها مرساة لأسطوله، وبنى له فيها دار صناعة كبيرة، وأخذ يكثر من قطعه وسفنه، حتى أصبح أقوى أسطول حربى فى البحر المتوسط، ويغزو به سردانية سنة ٢٠٦ هـ/٨٢١ م ويعود محمّلا بالغنائم. ويرسل إلى صقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م جيشا بقيادة الفقيه أسد بن الفرات قاضى القيروان لفتحها، ونزل الجيش بمدينة مازر، والتقى بجموع الصقليين وهزمهم، وأخذ يستولى على حصون ومدن متعددة، وفى حصار سرقوسة شرقى صقلية توفى القائد العظيم أسد بن الفرات، ومضى الجيش فى فتوحه.
وهو حدث من أعظم الأحداث فى تاريخ الأمة العربية، ولزيادة الله وقائده ابن الفرات مجده وشرفه. ويدل أكبر الدلالة على قوة هذا الأسطول الأغلبى الفاتح لصقلية أن نجد أهل مدينة نابولى فى إيطاليا يستنجدون بزيادة الله ضد أعدائهم المجاورين لهم من الفرنج سنة ٢٢٢ هـ/٨٣٦ م وينجدهم الأسطول وتظل نابولى بأيدى جنوده وبحارته زمنا غير قليل. وجدّد زيادة الله بناء جامع عقبة فى القيروان ولبّى نداء ربه سنة ٢٢٣ هـ/٨٣٧ م وخلفه أخوه الأغلب، وفى عهده فتح الجيش أكثر ما بقى من صقلية سنة ٢٢٤ هـ/٨٣٨ م وتمكن الأسطول من الاستيلاء على مدينة بارى شرقى إيطاليا سنة ٢٢٥ هـ/٨٣٩ م واتخذها قاعدة حربية ومرساة لسفنه فى البحر الإدرياتى، ويتوفى سنة ٢٢٦ هـ/٨٤٠ م ويتولى مقاليد الحكم أخوه أبو العباس محمد، وفى أيامه أغارت بغتة سنة ٢٣٠ هـ/٨٤٤ م بعض سفن إيطالية على شواطئ الساحل ونهبت بعض أقوات السكان وأسرت عددا منهم، ساقتهم إلى إيطاليا عبيدا أرقاء وباعتهم فى الأسواق، وغضب الأمير الأغلبى محمد حمية لمواطنيه، فأمر الأسطول بخروج قطع منه لغزو إيطاليا وأرست عند مصب نهر تيبر المنحدر من جهة روما، وانتشر جنودها فى ضواحى روما واقتحموها عنوة واستولوا على بعض ما فى كنيستها الكبرى من تحف، وظلوا يترددون عليها
стр. 4296
وعلى أنحائها نحوا من شهرين، وعادوا دون أن يصاب أحد منهم بأذى، ويتوفى الأمير محمد سنة ٢٤٢ هـ/٨٥٦ م ويتولّى ابن أخيه أحمد وفى أيامه استولى المسلمون فى صقلية على مدينة قصريانة المنيعة سنة ٢٤٤ هـ/٨٥٨ م وأعاد بناء جامع تونس وزيّنه بقباب ونقوش وأعمدة رخام بديعة كما زين جامع عقبة فى القيروان بقبّة خارجة عن البهو ومحراب رخام مزودين بالنقوش، وبنى الماجل (الصهريج) الكبير بالقيروان وماجل سوسة، وتوفى سنة ٢٤٩ هـ/٨٦٣ م وخلفه ابنه زيادة الله الثانى، ودار العام، فتوفى، وتولّى بعده ابن أخيه أبو الغرانيق سنة ٢٥١ هـ/٨٦٥ م وفى عهده فتح الأسطول سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م جزيرة مالطة وظلت تابعة للقيروان نحو قرنين ونصف حتى استولى عليها روجار الأول ملك صقلية سنة ٤٨٥ هـ/١٠٩٢ م ويتوفّى أبو الغرانيق سنة ٢٦١ هـ/٨٧٤ م ويخلفه أخوه إبراهيم وفى أيامه فتحت سرقوسة آخر معاقل الروم فى صقلية سنة ٢٦٤ هـ/٨٧٧ م. وفى نفس السنة بنى مدينة رقادة على بعد ثمانية أميال جنوبى القيروان، ونقل إليها أهل بيته ودار إمارته ورجال دولته وجنده، ويعد عهده من أزهى العهود علما وحضارة فى الدولة الأغلبية إذ بنى فى عاصمته: رقّادة بيت حكمة كبيت هارون الرشيد والمأمون فى بغداد، وجلب إليه طائفة بارعة من العلماء أطباء ورياضيين وفلكيين وموسيقيين وألحق به مكتبة ضخمة، فتح أبوابها للطلاب والقصّاد. وبعث بذلك فى إفريقية التونسية نهضة علمية وثقافية واسعة. وأنشأ إبراهيم محارس ورباطات كثيرة على الساحل واستحدث فيها نظام إشارات بالأضواء ترسل توّا من رباط إلى رباط عند حدوث أى هجوم، بحيث إذا حدثت أى غارة بحرية للأعداء فى أى بقعة على الساحل علمت بذلك فى الحال جميع الرباطات والمحارس.
وأصيب فى أواخر ولايته بمرض السوداء، مما جعله يسفك دم كثيرين من أقاربه، وعلمت بذلك الدولة العباسية فأرسلت إليه سنة ٢٨٩ هـ/٩٠١ م أن يعفى نفسه من الحكم ويتنازل عنه لابنه عبد الله. وصدع لهذا الأمر، وسلم صولجان الحكم لابنه، وكأنما أراد أن يكفر عما صنع من سفك الدماء فرأى أن يمضى بقية حياته فى الجهاد، وأعدّ أسطوله إعدادا كبيرا لغزو إيطاليا فى نفس السنة، وعبر به مضيق مسينا قاصدا قلوريّة وأرض إيطاليا الجنوبية، واستولى على عدد من الحصون الإيطالية فى الجنوب غير أن الموت باغته، فعاد به الأسطول إلى بالرم فى صقلية ودفن بها، ونقل ابنه عبد الله رفاته إلى القيروان. وكان عبد الله على جانب كبير من التقوى والصلاح وكتب إلى عماله بالرفق فى معاملة الرعية، وتوفى سريعا سنة ٢٩٠ هـ/٩٠٢ م. وخلفه ابنه أبو مضر زيادة الله، وكان أبو عبد الله الصنعانى داعية عبيد الله الفاطمى قد نشر دعوته الإسماعيلية الفاطمية فى كتامة بالجزائر، ودخل فى دعوته كثيرون، فكوّن منهم جيشا قضى به على دولة تيهرت الإباضية، وتقدم بجموعه من الجزائر قاصدا القيروان ولقيه جيش أغلبى فى قرية الأربس، فهزمه، وأحس أبو مضر زيادة الله الأغلبى أنه لن يستطيع الصمود لأبى عبد الله الصنعانى داعية الفاطميين، فخرج عن ملكه فارّا إلى المشرق وتردّد بين مصر والشام فى
стр. 4297
انتظار نجدة من العباسيين، ووافاه الأجل بمدينة الرملة فى فلسطين. وهكذا انتهت فى إفريقية التونسية دولة الأغالبة التى استطاعت فى نحو مائة عام أن تنهض بها نهضة حضارية ثقافية كبرى، كما استطاعت أن تكوّن لإفريقية وللعرب أكبر أسطول فى البحر المتوسط لزمنها، ومن أعمالها المجيدة فتح صقلية ومالطة وتعريبهما ونشر الإسلام بهما آمادا طويلة إلى أن استولى عليهما النورمان.
٤ - الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-الهجرة الأعرابية
(أ) الدولة (١) العبيدية
كان أبو عبد الله الصنعانى قد تعرف على جماعة من قبيلة كتامة الجزائرية فى الحج وقدم معهم إلى ديارهم، وكان لسنا جدلا، فأعجب من اجتمعوا حوله من هذه القبيلة، ولما اطمأن لهم أخذ يعلن بينهم أن آل البيت هم الأحق بإمامة المسلمين وخلافتهم، ودعا للرّضا المعصوم المستتر منهم صاحب الزمان، وأخذ المستجيبون له يتكاثرون ودخلت كتامة فى دعوته وطاعته فأخذ ينظمها تنظيما عسكريا، وزحف بها-كما أسلفنا-إلى إفريقية التونسية وهزم جيش الأغالبة فى الأربس، وتقدم إلى القيروان ودخلها بجنوده واستولى على دواوينها وخزائنها، وكان قد أرسل إلى عبيد الله المهدى إمامه يستقدمه من سلمية فى سوريا مقر الدعوة الإسماعيلية. وخوفا من ولاة العباسيين اتجه به رفاقه إلى سجلماسة مركز الصفرية فى المغرب الأقصى فسجنه صاحبها، وخلصه أبو عبد الله الصنعانى، وقدم به إلى القيروان سنة ٢٩٧ هـ/٩٠٩ م وسلّمه مقاليد الحكم.
وسمى المؤرخون دولته باسم الدولة العبيدية تمييزا لها فى إفريقية من دولة أحفاده بمصر التى لقبوها باسم الدولة الفاطمية. وبايع أهل القيروان عبيد الله وتلقب بأمير المؤمنين. ويبدو أنه أحسّ فى أبى عبد الله الصنعانى ندمه على ما أولاه من الخلافة والملك فبادر إلى سفك دمه على نحو ما صنع قديما المنصور العباسى بأبى مسلم الخراسانى داعيتهم، وبين المؤرخين خلاف فى نسب عبيد الله المهدى إلى البيت الفاطمى وهل هو على حقيقة أو غير علوى، وصحح نسبه
стр. 4298
ابن خلدون. وأخذ يصرف الأمور فى الدولة، وقرب منه قبيلة صنهاجة الجزائرية وأرسل زعيمها مصالة على رأس جيش إلى المغربين الأوسط والأقصى واستطاع الاستيلاء على مدينة فاس من الأدارسة الحسنيين. وأخذ دعاته يحاولون إقناع فقهاء السنة بمبادئ الدعوة الفاطمية وعقدوا لذلك مجالس تجرّد لهم فيها كبار الفقهاء فى القيروان وناظروهم مناظرات حامية مبيّنين ما فى الدعوة العبيدية الإسماعيلية من مبادئ تخالف الإسلام من مثل تقديس الخليفة العبيدى وادّعاء أنه الصورة المجسّدة لله فى الأرض وأنه معصوم وأنه يعلم الغيب إلى غير ذلك مما كان يزعمه دعاة عبيد الله المهدى، وشعر أن القيروان ليست-بفقهائها وشيوخها-دار أمن له ولأسرته، فرأى أن يختار موضعا على الساحل لمدينة جديدة له، واختار رأسا بارزا بين سوسة وصفاقس، وأخذ منذ سنة ٣٠٣ يؤسسها، وتم له تأسيسها سنة ٣٠٨ هـ/٩٢٠ م وسماها المهدية نسبة إليه ونقل إليها آله وجنده ودواوينه وأمواله واتخذها مقر حكمه. وكانت قد عصت عليه صقلية فردها إلى طاعته وولّى عليها أحد عماله، كما كانت قد عصت عليه طرابلس وشبت بها ثورة إباضية، فردّها ابنه وولىّ عهده القائم إلى الطاعة وأغرمها ثلاثمائة ألف دينار، ومضى القائم فى حملة إلى الإسكندرية والفيوم وعاد دون طائل، وفى سنة ٣١٥ خرج القائم إلى المغرب الأوسط وبنى مدينة المحمدية (المسيلة). وتوفى عبيد الله المهدى سنة ٣٢٢ هـ/٩٣٣ م وخلفه ابنه القائم، واهتم-مثل أبيه-بالأسطول وبعث على بعض قطعه وسفنه يعقوب بن إسحاق فغزا جنوة وكرسيكا وسردانيه، وعاد بغنائم وافرة، وثار عليه سنة ٣٢٦ هـ/٩٣٣ م أبو يزيد مخلد بن كيداد الزناتى من الصّفرية النّكّاريّة الذين يستحلون سفك الدماء، وتبعه خلق كثير، وفى سنة ٣٣٣ هـ/٩٤٤ م زحف إلى إفريقية التونسية، واستولى على تبسة والأربس وباجة وتونس ورقادة بجوار القيروان وعلى القيروان نفسها وحاصر المهدية واستولى على سوسة، وتوفى القائم فى أثناء ذلك سنة ٣٣٤ هـ/٩٤٥ م وخلفه ابنه المنصور واستنجد بقبيلة صنهاجة، فجاءته وفكت عن المهدية الحصار، وأرسل أسطوله إلى سوسة ونصرها ضد أبى يزيد واستبيح معسكره نهبا وإحراقا واتجه إلى القيروان فمنعه أهلها من دخولها وظل المنصور يتعقبه، وظفر به فى أرض كتامة بالجزائر فى أول سنة ٣٣٦ هـ/٩٤٧ م. وأنشأ المنصور-ابتهاجا بانتصاره عليه-مدينة بالقرب من القيروان سنة ٣٣٧ هـ/٩٤٨ م سمّاها «المنصورية». وولّى على صقلية ابن أبى الحسين الكلبى، وظلت إمارتها لعقبة حقبة طويلة. وتوفى سنة ٣٤١ هـ/٩٥٢ م وخلفه ابنه المعز، وفى سنتى ٣٤٧ و ٣٤٨ دوّخ قائده جوهر الصقلى البلاد المغربية إلى المحيط، ودان له المغرب الأوسط (الجزائر) والأقصى. وبلغ المعز اضطراب أحوال مصر بعد موت كافور الإخشيدى ولانشغال بغداد عنها بما كان بها من الفتن، فأرسل إليها قائده جوهرا الصقلّى فى جيش جرار سنة ٣٥٨ هـ/٩٦٨ م فدخلها حتى الفسطاط دون مقاومة تذكر، وخطب جوهر فى الجامع العتيق جامع عمرو بن العاص بالفسطاط باسم المعز، وأقام بمصر الدعوة الفاطمية وأخذ فى بناء
стр. 4299
القاهرة، واستولى عسكره على الرملة وبعض بلدان الشام. وأرسل إلى المعز يحثّه على القدوم إلى مصر فعزم المعز على المسير إليها، ورتّب شئون الدولة فى إفريقية، ورحل فى موكب ضخم فى شوال سنة ٣٦١ هـ/٩٧١ م ونزل القاهرة التى بناها له جوهر سنة ٣٦٢ هـ/٩٧٢ م وظلت مقر خلافته وخلافة الفاطميين من بعده إلى نهاية دولته، وكان محظوظا إذ أظلت خلافته البلاد العربية من الشام إلى السوس الأقصى.
(ب) الدولة الصنهاجية (١)
لما عزم المعز على الرحيل إلى مصر ونقل خلافتهم إليها فكر فيمن يولّيه على إفريقية، وكانت قبيلة صنهاجة البربرية قد أيدت دعوتهم بزعامة شيخها زيرى فى حرب الثائر الصّفرى مخلد بن كيداد، وكان لزيرى اليد الكبرى فى هزيمة مخلد وإنقاذ المهدية والقيروان منه وكافأه الخليفة المنصور على ذلك بتوليته على المنطقة الغربية فى الجزائر، وفيها أسس مدينة أشير ودفع ابنه بلكين إلى تأسيس ثلاث مدن: الجزائر ومليانة جنوبى شرشال والمدية إلى الجنوب منها، وكان بلكين ذا بأس وحزم وشجاعة ونجدة مع إخلاصه للعقيدة العبيدية وتفانيه فى نصرتها، فرأى المعز أن ينيبه عنه فى إفريقية، وأنزله القيروان وكناه أبا الفتوح يوسف، ولم يجعل له ولاية على طرابلس وصقلية، وكان حريا أن يضيف إليه صقلية خاصة لأنها بعيدة عن مصر ولن يستطيع نجدتها سريعا لا هو ولا عقبه، وأيضا فإنها تعدّ امتدادا لإفريقية التونسية فى البحر المتوسط وهى التى فتحتها وأدخلت بها سكانها والإسلام وحضارته فكان ينبغى أن يتركها لبلكين. وكان بلكين ثاقب البصيرة، فأخذ يعمل على إقامة دولة بربرية إسلامية فى الديار المغربية، وهى أول مرة فى التاريخ الإسلامى يتاح لبربرى من صميم أهل المغرب تأسيس دولة مغربية إسلامية، وكان الأمويون فى الأندلس يثيرون أهل فاس والمغرب الأقصى على العبيديين وواليهم بلكين، فقاد جيشا سنة ٣٦٨ هـ/٩٧٨ م لتأديب الخارجين على الدولة هناك، ودخل فاسا كما دخل أصيلا على المحيط الأطلسى. وتوفى سنة ٣٧٤ هـ/٩٨٤ م وخلفه فى ولايته ابنه المنصور ونشبت حروب بينه وبين أعمامه، وانهزموا ولحق بعضهم بالأندلس واتفق لهم-فى عهد الطوائف-أن أسسوا لهم مملكة بغرناطة، واشتبك فى حروب طويلة مع قبيلة زناتة، وأنهكته الحروب معها ومع أعمامه، فرأى أن ينسحب جنوده من المغرب الأقصى حتى يضع نهاية للحروب المستمرة مع زناتة، وقصر إمارته على إفريقية التونسية والجزء الشرقى من الجزائر حتى
стр. 4300
الزاب ووادى نهر شلف، وكانت جاءته هدية ثمينة من الخليفة الفاطمى بها فيلة وزرافات تبارى الشعراء القيروانيون فى وصفها، وتوفى سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٦ م وخلفه ابنه باديس أبو مناد، ولما جاء تقليد الخليفة الفاطمى له أمور إفريقية سنة ٣٨٧ هـ/٩٩٧ م أقام بالمهدية موكبا استعرض فيه الجنود وسفن الأسطول وقذف النفّاطون بالنار، ولعبت بين يديه الفيلة والزرافات وإبل شديدة البياض. واستقرت له الأمور فى إفريقية التونسية، وثارت عليه قبيلة زناته فى المغرب الأوسط (الجزائر) سنة ٣٨٨ هـ/٩٩٨ م فسيّر إليها جيشا جرارا وجعل عمه حمادا قائده، وله ملك ما يفتحه، وانتصر عليهم، وعاد إلى قسنطينة، وأسس لنفسه قلعة حصينة نسبت إليه باسم قلعة بنى حماد، وجعلها قاعدة لحكمه ومركزا لجيشه، ويبدو أن باديس ندم على ما تعهد به لعمه أن يمتلك ما يفتحه، فطلب إليه التنازل عنه، وأبى حماد، ونشبت بينهما حروب كادت ترجح فيها كفة باديس، غير أن الموت عاجله-وهو يوشك على النصر-فى المحمدية بالجزائر سنة ٤٠٦ هـ/١٠١٥ م.
وتولّى المعز بعد أبيه باديس وكان فى الثامنة من عمره فقام بشئون الدولة كبار رجالاتها وأعمامه ما عدا حمادا فإنه ظل مصمما على الاستقلال بقلعته عن القيروان وابن أخيه المعز، واستولى على بعض مدن فى الزاب، ونازله جيش للمعز سنة ٤٠٨ هـ/١٠١٧ م وهزمه فتقدم يطلب الصلح مع المعز حقنا للدماء على أن يظل مواليا له مع تمتعه بالاستقلال فى قلعته ومنطقته.
وانقسمت بذلك دولة صنهاجة إلى إمارة شرقية عاصمتها القيروان وإمارة غربية عاصمتها قلعة بنى حماد، وبلغ المعز سن الرشد وكان يحسن تدبير الحكم فنبه ذكره وعلت شهرته وهادته الملوك على تنائى الديار، إذ جاءته هدية من السودان تحمل إليه عبيدا وزرافات وأسودا، وجاءته هدية من قيصر القسطنطينية، وجاءه تقليد من الخليفة الفاطمى بلقب شرف الدولة. وكان الشعب حانقا على العقيدة العبيدية لمبادئها المنحرفة عن روح الإسلام، وأخذت تنشب فى القيروان ثورات على أتباع تلك العقيدة، فتابع المعز شعبه، وخلع طاعة الفاطميين فى القاهرة، وحمل جميع رعيته على مذهب الإمام مالك الذى ارتضته المغرب وفقهاؤها منذ القرن الثانى الهجرى، حتى إذا وافت سنة ٤٣٨ هـ/١٠٤٧ م كشف القناع عن وجهه وأمر بقطع اسم خلفاء القاهرة الفاطميين من خطب الجمعة وذكر اسم الخليفة العباسى فى بغداد. وبذلك تطهّر المغرب على يده من المذهب الشيعى الاسماعيلى الفاطمى. وحين جاءت هذه الأنباء الخليفة الفاطمى امتلأ غيظا وموجدة، فعرض عليه أحد وزرائه المسمى باسم اليازورى أن يتخلص من جموع نجدية بدوية نزلت بشرقى النيل فى الصعيد وأخذت تعيث فيه فسادا بدفعها إلى المغرب لضرب المعز بن باديس والقضاء على سلطانه ونفوذه، ولقى هذا العرض استحسانا من المستنصر، وأقبلت جموع هؤلاء الأعراب-وكانت تقدر بمئات الألوف-على ليبيا وإفريقية التونسية وواقعت المعز، وهزمته، واضطرته إلى إخلاء القيروان والانتقال إلى المهدية-وكان عاملها ابنه تميم-فانتقل
стр. 4301
بأهله وحاشيته إلى تلك المدينة، وظل بها إلى وفاته سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م ودفن برباط المنستير مع آبائه، وقد بلغت القيروان وإفريقية التونسية فى عهده كل ما كان يأمله أهلها من تقدم فى المدنية والحضارة والعلوم، وازدهرت الزراعة والصناعة والتجارة، كما ازدهرت النهضة الأدبية وتكاثر الشعراء كثرة مفرطة مما سنعرض له فى غير هذا الموضع. واستخلف على الدولة بعده ابنه تميما وانكمشت الدولة إذ لم يعد يتبع تميما منها إلا جزء من ساحل البحر المتوسط بين سوسة وقابس، وكان عالما وشاعرا ومثالا للحاكم العربى الصلب وفى عهده أغار أسطول جنوى من ثلاثمائة سفينة على المهدية سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م ولم يلبث أن انصرف لشدة مقاومته وأغارت بعده ثلاث وعشرون سفينة إيطالية فهزم بحارتها وقتل كثيرين منهم وعادوا مدحورين إلى البحر المتوسط وما وراءه. وفى أيامه استولى النورمان سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م على جزيرة صقلية وفى السنة التالية على جزيرة مالطة، ولم يكن يشاغب تميما أساطيل الغرب وقراصنته فحسب، فقد كان يشاغبه الأعراب المهاجرون إلى إفريقية التونسية، وظل صامدا على الرغم من قلة جنده وقلة موارده إلى أن توفى سنة ٥٠١ هـ/١١٠٧ م. وخلفه ابنه يحيى، وكان محبوبا من الرعية، وأنشأ أسطولا كبيرا غزا به جنوة وسردانية وعاد بأموال وغنائم وافرة وتوفى سنة ٥٠٩ هـ/١١١٥ م وولى بعده ابنه على وقد أنشأ فى عاصمته مدرسة للكيمياء عهد بها إلى الكيميائى الأندلسى أمية بن أبى الصلت ونابزه أحمد بن خراسان أمير تونس، فأرسل إليه جيشا اضطره إلى إعلان الطاعة، وتوفى سنة ٥١٥ هـ/١١٢١ م وخلفه ابنه الحسن فى الثانية عشرة من عمره، وفى أوائل عهده سنة ٥١٧ هـ/١١٢٣ م هاجم أسطول نورمانى المهدية، ولقيهم جنود الحسن وأنزلوا بهم مقتلة عظيمة، وعادوا خاسئين مدحورين. وأعد رجار الثانى أسطولا ضخما مكونا من ثلاثمائة سفينة وهجم به على المهدية، ورأى الحسن أن لا طاقة لجنده القليلين بلقائه فانسحب سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م من المهدية حقنا للدماء، واستغاث بعبد المؤمن بن على أمير دولة الموحدين بالمغرب الأقصى وكان النورمان قد احتلوا المهدية فخلصها منهم سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م وولى عليها الحسن بن على الصنهاجى وأشرك معه عاملا من الموحدين، وبذلك انتهت الدولة الصنهاجية من إفريقية التونسية بعد ما أدى حكامها الأولون والأخيرون من أعمال ومآثر جليلة.
(ج) الهجرة (١) الأعرابية
أعلن المعز بن باديس استقلاله بالقطر التونسى عن الدولة الفاطمية بمصر، وأسقط اسم الخليفة الفاطمى المستنصر من خطب الجمعة، وأمر الخطباء أن يذكروا الخليفة العباسى القائم
стр. 4302
بأمر الله على المنابر، وجاءه منه تقليد يعترف له فيه بالاستقلال، وعلم بذلك كله المستنصر الفاطمى فاستشار وزراءه ماذا يصنع، وتقدم منه وزيره اليازورى. ذاكرا له أن خير تأديب للمعز يردعه أن نطلق عليه الأعراب البدو من قبائل سليم وهلال وزغبة ورياح الذين نزلوا فى قفار الصعيد بين النيل وزروعه والبحر الأحمر، والذين يشكو الفلاحون المصريون من غاراتهم، فنكون قد تخلصنا منهم، وانتقمنا بهم من المعز وصنيعه. واستصوب المستنصر رأيه ومشورته، فاستدعى شيوخ هذه القبائل وعرض عليهم الهجرة إلى بلاد المغرب، ووعدهم أن يوليهم أعمالها، ومنح الشيوخ أعطيات كبيرة، ومنح كل أعرابى من عامتهم بعيرا ودينارا، وقال لهم المستنصر: «قد أعطيتكم المغرب وملك المعز بن بلكين الصنهاجى» وكانوا يعدون بمئات الألوف، فانصبوا على المغرب كسيل جارف، وبدءوا بأرض برقة وطرابلس فاستولوا عليها، وتقدموا فاحتلوا مدينة قابس، وحاول المعز بن باديس إيقاف هذا الطوفان المنهمر على بلاده، فالتقى بجموعهم فى موضع يسمى «حيدران» بين قابس وصفاقس ولكنه هزم وانسحب مع فلول جنده إلى القيروان. ورأى خطأ أن يستقدم بعض شيوخهم إلى القيروان ويزوجهم من كريماته، زلفى لهم وقربى، ونصحه ابنه تميم أن لا يستدعيهم، ولم يستمع لنصحيته، وجاءوه وانتهبت جماعاتهم القيروان، واضطر إلى الانسحاب والالتجاء إلى المهدية لحصانة قلاعها وأسوارها وكان قد ولّى تميما عليها، فاتخذها قاعدة لما بقى من ملكة منذ سنة ٤٤٩ هـ/١٠٥٧ م. ولم يقض هؤلاء الأعراب المهاجرون على دولة المعز بن باديس وسلطانه فحسب، بل لقد قضوا على كثير من الزروع والمنشئات وأحدثوا كثيرا من الاضطراب والفوضى، ووقفوا-إلى حين-النهضة الحضارية التى كان قد بثّها الأغالبة فى البلاد ونمتّها الدولة الصنهاجية، وليس ذلك أيضا فحسب، فقد تحولوا بإفريقية التونسية من نظام الوحدة السياسية إلى نظام التفرق والتشتت، فلم تعد لها دولة واحدة منظمة ترعى مصالحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، بل أصبحت دولا متفرقة أو قل وحدات صغرى من الدول، على نحو ما كان يعيش هؤلاء البدو فى قبائلهم من انقسامها إلى عشائر، وكما أن لكل عشيرة شيخها وحياتها المستقلة، كذلك أصبحت إفريقية التونسية إفريقيات وتحولت مدنها إقطاعيات وإمارات لنحو مائة عام ويلاحظ ذلك ابن خلدون قائلا: «لما تغلب العرب على إفريقية وانحلّ نظام الدولة الصنهاجية وارتحل المعز بن باديس من القيروان إلى المهدية انتزى الثوار فى البلاد» وكوّن كل ثائر فى بلد دولة أو إمارة صغرى وراثية.
وهكذا تأسس فى البلاد-على هدى نظام العشائر المتفرقة-نظام أمراء الطوائف، ولكل أمير بلدته أو إقطاعيته، وهو غالبا أمير أعرابى ورثت عنه أسرته إمارته، ونذكر من أهمهم: بنى الورد من لخم فى بنزرت، وبنى جامع من بنى هلال فى قابس، وبجانبهم أمراء بربريون مثل بنى الرند من مغراوة الزنانية بقفصة وبنى مليل من برغواطة بصفاقس، ومن أهم هذه الامارات الصغرى إمارة تونس وكانت لبنى خراسان. وبدون ريب أضعف هذا التفتت إفريقية التونسية، مما جعل
стр. 4303
النورمان-كما مرّ بنا آنفا-يغزون المهدية سنة ٥١٧ ويعيدون الكرة سنة ٥٤٣ بقيادة روجار الثانى ويظلون بها نحو اثنى عشر عاما ويستولون على ساحل إفريقية التونسية الشرقى ومدنه:
قابس وصفاقس والمنستير وسوسة، وينزل روجار فى قصور المهدية الشامخة، ويتخذ فيها دواوين لحكم تلك المدن وإدارتها إلى أن خلصته ا دولة الموحدين سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م. وكل ما حدث من ذلك إنما كان بسبب هجرة الأعراب الكبيرة إلى إفريقية وما نشأ عنها من تفتت قواها فى عهد إماراتها أو دولها الصغرى، فإذا روجار الثانى ملك صقلية يغزوها ولا يجد على أسوارها من كانوا يحمونها ويسحقون أعداءها سحقا.
٥ - دولة (١) الموحدين-الدولة الحفصية
(أ) دولة الموحدين
أنشأ هذه الدولة ابن تومرت المصلح الدينى المغربى الذى زار المشرق وتتلمذ فيه على الأشعرية وغيرهم، ورجع إلى المغرب، فنظم فيه ثورة واسعة ضد دولة المرابطين المغربية وفقهائهم المالكية، وتبعه كثيرون، وسمّى جمهورهم باسم الموحدين، وإليهم نسبت الدولة. وبدأ منازلة المرابطين سنة ٥٢٤ هـ/١١٢٩ م غير أنه توفى سريعا فخلفه عبد المؤمن بن على وهو يعد المؤسس الحقيقى لتلك الدولة، وقد استطاع القضاء على دولة المرابطين وأخذ يتملك الأندلس منذ سنة ٥٤٠. وذكرنا-آنفا-أن الحسن بن على آخر أمراء الدولة الصنهاجية استنجد به حين استولى منه روجار الثانى على المهدية وساحل إفريقية التونسية الشرقى، وما إن علم بجلية الأمر حتى امتلأ غيظا ولباه بجيش جرار سنة ٥٥٣ هـ/١١٥٨ م ومضى يفتح مدن المغرب الأوسط. الجزائر وبجاية وقسنطينة وبعض مدن إفريقية التونسية، وكان بنو خراسان يحكمون تونس ففتحها عنوة سنة ٥٥٤ هـ/١١٥٩ م ورافقه فى هذه الرحلة أسطول كبير، وتقدم إلى المهدية وحاصرها بجنوده برا وبأسطوله بحرا، وطال الحصار إلى ستة أشهر، واحتلها عبد المؤمن يوم عاشوراء سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م وأقطعها الأمير الحسن بن على الصنهاجى وأشرك فى حكمها أحد الموحدين. ونقل عبد المؤمن عاصمة إفريقية التونسية منها إلى مدينة
стр. 4304
تونس، وتظل عاصمة للبلاد إلى اليوم ويقيم فيها دواوين الحكم، ويطبق فيها وفى ولايتها ما اتخذه فى دولته بالمغرب من التراتيب المخزنية فى تنظيم المصالح الحكومية وظلت هذه التراتيب قائمة إلى نهاية حكم الدولة الحفصية، ويتوفى سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٢ م ويخلفه ابنه يوسف وتظل إفريقية التونسية هادئة لعهده حتى إذا كانت سنة ٥٧٥ هـ/١١٧٩ م ثار عليه بنو الرّند فى قفصة بشط الجريد فخرج إليهم وتغلب سريعا عليهم، وعاد إلى عاصمته: مراكش وتوفى سنة ٥٨٠ وخلفه ابنه يعقوب وكان من وزرائه الشيخ عبد الواحد جد الحفصيين، وكان تقى الدين بن أخى صلاح الدين الأيوبى فكر فى الاستيلاء على ليبيا وإفريقية التونسية للاستعانة بهما فى حرب الصليبيين، وكلف بهذه المهمة قراقوش وابن قراتكين، واستولى الأول على مدينة قابس واستولى الثانى على مدينة قفصة، وفى هذه الأثناء فكر بنو غانية ولاة المرابطين فى جزر ميورقة ومنورقة ويابسة أن يثأروا لدولتهم من الموحدين، وتسلّل منهم إلى إفريقية التونسية على وأخوه يحيى يريدان أن يقيما فيها دولة ويعدّا جيشا للانقضاض على الموحدين. وعلم يعقوب بما يحدث فى إفريقية التونسية فخرج إليها فى جيش جرار سنة ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م وظل طوال طريقه يبنى فى سائر أعماله المارستانات للمرضى والمساجد للمصلين وانقضّ على قفصة وقتل ابن قراتكين كما انقض على قابس ولم يجد بها قراقوش واستولى على أمواله وأهله مما اضطره إلى إعلان طاعته، أما ابنا غانية فحين علما بمقدم يعقوب انسحبا إلى شط الجريد وفيه لقى على مصرعه سنة ٥٨٤ هـ/١١٨٨ م. وعاد يعقوب إلى عاصمته، وأخذ ينهمك فى الإعداد لموقعة الأرك التى سحق فيها سنة ٥٩١ هـ/١١٩٥ م ملك قشتالة ألفونس الثامن ومن تجمع له من حملة الصليب الهولنديين والإنجليز، وازداد حينئذ عيث يحيى بن غانية واستولى على شط الجريد والقيروان وطرابلس وقابس وصفاقس وتونس، وتوفى يعقوب سلطان الموحدين سنة ٥٩٥ هـ/١١٩٨ م وتولى ابنه الناصر وظل يفكر فى شأن يحيى ورأى أن يرسل حملة بحرية كبرى إلى أخيه عبد الله فى جزائر البليار (ميورقة ومنورقة ويابسة) حتى يجتث جذور جرثومة الفساد واستولى عليها أسطوله سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٣ م وصمّم بعد ذلك على قطع فروع الجرثومة فى إفريقية التونسية واستئصال يحيى بن غانية، فخرج فى جيش جرار ومعه وزيره أبو محمد عبد الواحد بن يحيى بن أبى حفص سنة ٦٠٢ هـ/١٢٠٥ م وأوقع بيحيى هزيمة ساحقة بالقرب من مدينة قابس، واسترجع مدينة المهدية وغيرها من المدن التونسية، وعاد إلى مراكش سنة ٦٠٣ واستخلف أبا محمد عبد الواحد بن يحيى بن أبى حفص على تونس (إفريقية التونسية) وطرابلس، وأخذ زمام الأمور بها يتجمع ويستقر فى يده ويد أبنائه، وكأنما كان حكمه لتونس وطرابلس تمهيدا قويا لقيام الدولة الحفصية، وقد نازل يحيى بن غانية فى نواحى طرابلس وهزمه وفرّ جريحا.
стр. 4305
(ب) الدولة (١) الحفصية
استقام حكم عبد الواحد فى تونس وطرابلس وأحبه الناس وعظّموه إلى أن توفى سنة ٦١٨ هـ/١٢٢١ م وخلفه ابنه عبد الرحمن، وعزله سريعا سلطان الموحدين وولّى أخاه عبد الله، فعهد لأخيه أبى زكريا يحيى بحكم قابس سنة ٦٢٠ هـ/١٢٢٣ م ولم يلبث أن غضب عليه ونهض لحربه، وخالفه بعض القواد، والتحقوا بجيش يحيى وتمت له الغلبة على أخيه، فدخل تونس سنة ٦٢٥ هـ/١٢٢٧ م وبايعته بمجرد دخوله، وأخذ يعمل على الاستقلال بولايته وكان مما حفزه على ذلك أن أبناء سلطان الموحدين يعقوب العظيم صاحب موقعة الأرك وأبناء عمومتهم أخذوا يتصارعون على الملك والحكم وأخذت دولة الموحدين تضعف ضعفا شديدا وسرعان ما قطع أبو زكريا اسم سلطان الموحدين من خطب الجمعة وجعلها باسمه سنة ٦٢٧ هـ/١٢٢٩ م وبذلك أعلن قيام دولته الحفصية واستقلاله نهائيا عن دولة الموحدين. وفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م وقع مع فريدريك الثانى إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة-تفاديا لغارات أسطوله على ساحل تونس-معاهدة اعترف فيها بتملك فريدريك لجزيرة قوصرة (بنطلارية) بعد أن ظلت تابعة لإفريقية التونسية خمسة قرون وكان من شروط المعاهدة أن تظل الدولة الحفصية تأخذ نصف جبايتها وظل هذا الشرط ساريا طوال حياة أبى زكريا، وبمجرد وفاته انتقض هذا الشرط وأجبر المسلمون فيها وفى مالطة وصقلية على الخروج منها جميعا إلى العدوة الإفريقية، ومن بقى أجبر على اعتناق النصرانية. وظل أبو زكريا يتعقب يحيى بن غانية حتى توفى فى برية تلمسان سنة ٦٣١ هـ/١٢٣٣ م. وفى سنة ٦٣٤ هـ/١٢٣٦ م بايعت تونس أبا زكريا ثانية، ويقال إنه أعلن حينئذ قطع اسم سلطان الموحدين من خطب الجمعة أو خليفتهم وذكر اسمه فيها. وكأن بدء قيام الدولة الحفصية إنما كان فى سنة ٦٣٤ هـ والرأى الأول أكثر سدادا.
وتعاظمت حملات نصارى الإسبان ضد عرب الأندلس وأخذت مدنهم الكبرى تسقط فى
стр. 4306
حجورهم فأرسل إليه زيان بن مردنيش صاحب بلنسية سنة ٦٣٥ هـ/١٢٣٧ م وفدا يستنجده لنصرته ضد أعداء الاسلام، كان فيه أبو عبد الله بن الأبار، وأنشده قصيدة فريدة منها قوله:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
ولبّاهم بأسطول محمّل بالأغذية والأسلحة، ووقعت فى أيدى النصارى. وقد ابتنى جامع القصبة فى تونس وصومعته ونقش عليها اسمه، وحين تمّت أذّن فيها بنفسه، وأنشأ فى قصره دارا للكتب جمع فيها ستة وثلاثين ألف مجلد فى مختلف العلوم والآداب. وكان عادلا حسن السيرة كما كان فقيها وشاعرا أديبا، وكان يأخذ نفسه بالتقشف والزهد فى متاع الحياة، وجمع للدولة بعدله وسياسته الرشيدة أموالا طائلة، وأخذت تونس (إفريقية التونسية) تستعيد مجدها وشخصيتها القوية أيام الأغالبة والصنهاجيين، ونفقت سوق العلم والأدب وكثر العلماء والشعراء وتوفى أبو زكريا سنة ٦٤٧ هـ/١٢٤٩ م.
وخلفه ابنه المستنصر محمد وكان أبوه عنى بتربيته فدبّر أمور الدولة تدبيرا محكما وانتعشت تونس فى عهده. ولما قضى التتار فى بغداد على الخلافة العباسية وقتلوا الخليفة العباسى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م وأصبح المسلمون بدون خلافة وخليفة جاءته فى سنة ٦٥٧ هـ بيعة أمير مكة بالخلافة بإنشاء عبد الحق بن سبعين صوفىّ الأندلس، وكان مجاورا هناك فقرئت على الملأ واحتفل بها احتفالا عظيما، ومن حينئذ تلقب بأمير المؤمنين، وبايعه بنو مرين بفاس. وفى ذى القعدة سنة ٦٦٨ هـ/١٢٦٩ م غرّت الأمانىّ لويس التاسع بعد تنكيل مصر به وبحملته المشهورة، فقاد حملة كبيرة هاجم بها تونس برا وبحرا، وحاصرها ستة أشهر، ودفن تحت أسوارها، وعادت الحملة مدحورة إلى البحر المتوسط وما وراءه بعد أن أغرمها المستنصر مالا كثيرا. ومن أعماله الجليلة بناء الحنايا التى كان يجرى عليها الماء إلى مدينة قرطاجة من زغوان فى أيام الرومان وأصلح ما أفسده الزمن منها، ومدّها فى تونس إلى السقايات المختلفة: جامع الزيتونة وغيره، وازدهرت الحياة والحضارة بتونس لعهده ازدهارا عظيما. وتوفى سنة ٦٧٥ هـ/١٢٧٦ م وتولّى بعده ابنه يحيى الواثق وكان حسن السيرة غير أن عمه أبا إسحاق إبراهيم ثار عليه سنة ٦٧٨ واستولى على أزمة الحكم، وخرج عليه فى سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م ثائر يسمى أحمد بن مرزوق المسيلى ادّعى أنه الفضل ابن أمير المؤمنين الواثق بن المستنصر، وتمكن من الاستيلاء على تونس بمساعدة أعراب قابس الهلاليين، وبعد سنة ونصف من حكمه تصدّى له الأمير عمر أخو الواثق وجمع له جموعا سنة ٦٨٣ هـ/١٢٨٤ م وقبض عليه وقتله، وتولى شئون الحكم. وسرعان ما خرج عليه بالجزائر ابن عمه يحيى بن إبراهيم واستقل ببجاية وقسنطينة، وتوفى عمر سنة ٦٩٤ هـ/١٢٠٤ م وخلفه أبو عصيدة محمد بن الواثق وحاول استرجاع القسم الشرقى فى الجزائر وأخفق، وتوفى سنة ٧٠٩ هـ/١٣٠٩ م دون عقب واضطربت
стр. 4307
الأمور فى تونس، واستطاع أبو يحيى زكريا بن اللحيانى أن يستولى على زمام الأمور سنة ٧١١ هـ/١٣١١ م وكان شيخا كبيرا، فتخلى عن الحكم لابنه أبى ضربة، وحاربه أمير قسنطينة الحفصى أبو بكر سنة ٧١٨ هـ/١٣١٨ م وهزمه وقبض على صولجان الحكم فى تونس وتلقب بالمتوكل على الله، وخرج عليه بعض الأمراء من أسرته وأمدهم بنو زيان أمراء تلمسان من بنى عبد الواد، فأصهر إلى سلطان بنى مرين فى المغرب الأقصى، وهاجم معه ديار هذه الإمارة أو المملكة سنة ٧٢٠ هـ/١٣٢٠ م واقتسماها فيما بينهما. وصفا له الجو حتى وفاته سنة ٧٤٧ هـ/١٣٤٦ م وأخذ يعنى بالحركتين العلمية والأدبية وازدهرت لعهده، كما عنى بشئون الزراعة والصناعة والتجارة، فازدهرت جميعا، ومما يدل على هذا الازدهار ما ذكره المؤرخون من أن عدد دكاكين العطارين وحدهم فى أيامه بلغ فى تونس سبعمائة دكان. وبويع بعده لابنه أبى حفص الثانى، وثار عليه أخوه أبو العباس. وانتهز السلطان المرينى أبو الحسن فرصة هذه الفتن فاتجه فى جيش جرار إلى تونس سنة ٧٤٨ وفتك بسلطانها أبى حفص، واستقام له ملك المغرب الأوسط، والأدنى لمدة سنتين ونصف، غير أنه لم يحسن السياسة مع الأعراب كما كان يحسنها سلاطين تونس فثاروا عليه ونازلوه فى تونس وهزموه، وجاءه الخبر بأن ابنه أبا عنان ثار عليه فى مراكش، فعاد سريعا إلى عاصمته سنة ٧٥٠ هـ/١٣٤٩ م. وعادت تونس للحفصيين، وتولّى زمام الخلافة والحكم الفضل بن أبى بكر الحفصى، ودبّر له الحاجب القديم الشرير ابن تافراجّين مؤامرة قتل فيها، وتولى أخوه أبو إسحاق إبراهيم سنة ٧٥١ هـ/١٣٥٠ م واتخذ ابن تافراجّين حاجبا له، واضطربت عليه الأمور إلى أن توفى ابن تافراجّين سنة ٧٦٦ ولم يلبث أن توفى سنة ٧٧٠ هـ/١٣٦٨ م. واستولى على زمام الأمور فى تونس أبو العباس أحمد الحفصى سنة ٧٧٣ هـ/١٣٧٠ م وهو من خيرة الحكام الحفصيين قمع الأعراب وأهل الفساد، واسترجع ما ضاع من الدولة فى أثناء الفتن مثل المهدية وسوسة وقابس وشط الجريد وجزيرة جربة، وساد الأمن والعدل فازدهرت البلاد. وفى أيامه غزا الجنويون والفرنسيون المهدية فى ثمانين قطعة، ودافعهم عنها جيشه وردهم على أعقابهم خاسرين، وتوفى سنة ٧٩٦ هـ/١٣٠٣ م بعد ما أعاد لتونس ما كان لها من هيبة وقوة.
وخلفه ابنه أبو فارس عبد العزيز، وفيه يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب: «هذا السلطان درة عقد الدولة الحفصية وفخر من مفاخر البلاد التونسية، سار بعدل وتدبير وسياسة، فازدهت إفريقية (التونسية) فى أيامه، وبلغت شأوا بعيدا فى الثروة والعمران». وقد بدأ عهده بإخضاع طرابلس وقابس وقفصة والجريد وبسكرة والصحراء، وكان بنو سليم قد أكثروا من الثورات فقلّم أظفارهم، واستصرخوا سلطان فاس المرينى بالمغرب الأقصى فأرسل لهم جنودا من عنده وانضم إليهم أمير بجابة الحفصى ابن أبى زكريا، واتجهوا بجموعهم إلى تونس سنة ٨١٢ هـ/١٤٠٩ م فهزمهم وقتل الثائر الحفصى، وصمم على الثأر من السلطان المرينى،
стр. 4308
فلما شارف عاصمته «فاس» أرسل إليه بالطاعة، فعفا عنه ونصحه أن يحكم بالعدل الذى لا تستقيم حياة الرعية بدونه. ورجع إلى عاصمته بعد أن دان له شمال إفريقية بالسمع والطاعة. وفى سنة ٨٣٥ هـ/١٤٣٢ م احتلّ ملك أرجون جزيرة جربة وأنجدها ولاذ المحتلون بالفرار. وقد أنشأ طائفة من القلاع والمحارس لحماية السواحل والثغور، وبنى مارستانا للمرضى والعجزة، وأنشأ لنفسه قصرا بضاحية باردو فى تونس وأحاطه بحديقة بديعة وشيد فيه خلفاؤه الحفصيون والعثمانيون قصورا وحدائق أنيقة. ومن مآثره الجليلة تشييده مكتبة لطلاب العلم فى أحد أروقة جامع الزيتونة إلى الشمال وجمع لها آلافا من المجلدات وقفها عليها، وقد نحّى عن كاهل الشعب كثيرا من الضرائب الفادحة وبسط العدل والأمن، وتوفى سنة ٨٣٧ هـ/١٤٣٤ م.
وتولى بعده حفيده محمد المنتصر، وأنشأ مدرسة سميت المدرسة المنتصرية، وبنى زاوية الشيخ الصالح أحمد بن عروس وتوفى بعد عام وشهرين، وخلفه أخوه أبو عمرو عثمان سنة ٨٣٩ هـ/١٤٣٥ م وظلّل العدل والأمن والاستقرار الرعية طوال حكمه الذى امتد إلى نحو أربعة وخمسين عاما إذ توفى سنة ٨٩٣ هـ/١٤٨٨ م وقد قمع ثورة لعمه أبى الحسن فى قسنطينة وبجاية، وثارت عليه تلمسان وأعادها إلى طاعته، وكان أخوه المنتصر توفى ولم يكمل مدرسته المنتصرية فأكملها، وشيد لنفسه مدرسة كبيرة جعل فيها مسجدا للصلاة وغرفا للدراسة ومساكن للطلبة وسماطا يمتدّ كل يوم للفقراء، ووقف عليها ما يكفيها ويكفى من بها من العلماء والطلبة، وبنى ثلاثة مكاتب لقراءة القرآن، وعنى بإنشاء مكتبة عمومية فى أحد أروقة جامع الزيتونة، وأتمها بعده حفيده أبو عبد الله محمد، ونسبت إليه فسميت العبدلية. ومن حسناته كتابة مصحف بخطّ يده فى عدة أسفار جعله بجانب نسخة البخارى التى وقفها أبوه فى جامع الزيتونة. وخلفه حفيده أبو زكريا، لمدة ست سنوات، ووليها بعده أخوه أبو عبد الله محمد الذى أتمّ المكتبة العمومية التى ابتدأها جده كما أسلفنا.
وكانت الدولة العثمانية قد عظم شأنها وأصبح لها أسطول ضخم ينافس الأسطول الإسبانى أقوى أساطيل أوربا حينذاك فى البحر المتوسط، وكان لها أميران من أمراء البحر هما الأخوان:
عرّوج وخير الدين ويسميه الإفرنج بربروسة، وكانا يشتغلان بالقرصنة لحساب الدولة العثمانية، وتقدما إلى الأمير أبى عبد الله محمد الحفصى المذكور آنفا طالبين منه الموافقة على أن يتخذا من جزيرة جربة قاعدة لأعمالهما البحرية ضد السفن الإسبانية لتخليص مدينة الجزائر من احتلال الإسبان على أن يكون له الخمس من غنائمهما، وقبل منهما هذا العرض، وظل ذلك مدة، وحدث أن استطاع عروج وخير الدين تخليص مدينة الجزائر فعلا من يد الإسبان واتخذاها منذ سنة ٩١٦ هـ/١٥١١ م قاعدة لأعمالهما البحرية واستغنيا عن جزيرة جربة التونسية. وكانت الدولة التونسية قد أخذت فى التدهور والضعف الشديد لعهد الأمير أبى عبد الله محمد، ورأى
стр. 4309
ذلك خير الدين رأى العين، وتوفى الأمير أبو عبد الله سنة ٩٣٢ هـ/١٥٢٦ م وخلفه ابنه الحسن فرأى خير الدين أن يزحف إلى تونس من الجزائر، ويضمها إلى الدولة العثمانية كما ضم إليها الجزائر، وزحف إليها فعلا واستولى عليها سنة ٩٣٥ هـ/١٥٢٩ م فلجأ الأمير الحفصى الحسن إلى كارلوس الخامس ملك إسبانيا، فرآها فرصة عظيمة، وقدم معه سنة ٩٤٣ هـ/١٥٣٧ م ودخل مع الحسن تونس عنوة، وفرّ خير الدين بجنده إلى الجزائر وأذن كارلوس لجنده بنهب تونس، فاستباحوا حماها، وأجلس الحسن على عرشها وأشرك معه فى الحكم أحد قواده، وعقد معاهدة معه بمقتضاها يتنازل للإسبان عن بعض المدن التونسية سوى ما اشترطه عليه من دفع أموال باهظة سنويا، وثار على الحسن ابنه أحمد حاكم عنابة (بونة) وانضم إليه كثيرون. وبعد قتال عنيف استولوا على تونس وسملوا عينى الحسن، ففقد بصره وفر إلى القيروان وتولى ابنه أحمد مكانه، واستولى الإسبان على المهدية والمنستير وجزيرة جربة والقيروان وكان أهل طرابلس قد استغاثوا بالدولة العثمانية فأزاحت عنهم فرسان مالطا كما ذكرنا فى حديثنا عن ليبيا. سنة ٩٥٨ هـ/١٥٥١ م بفضل أسطول درغوت الذى كان مرابطا أمام الجزائر، وقد استطاع أن يفتكّ المهدية والقيروان وجربة والمنستير من أيدى الإسبان وأقام بكل منهما حامية عثمانية ونائبا، وكان خير الدين (بر باروسة) قد حرّر الجزائر من الإسبان وأصبحت ولاية عثمانية، فأرسل الأمير أحمد الحفصى إلى واليها سنة ٩٧٧ هـ/١٥٧٠ م أحد وزرائه يستنجد به ضد الإسبان، فانتهز الفرصة وقدم بجيش استولى به على تونس وأخذ البيعة فيها للسلطان العثمانى، فاستنجد الأمير الحفصى أحمد بالإسبان أعدائه فأعادوا الحماية وعرف الأمير أحمد خطأه، فترك الحكم لأخيه محمد سنة ٩٨٠ هـ/١٥٧٣ م ورحل إلى صقلية وظل بها إلى مماته، وخضع محمد للحماية الإسبانية، وأشرك الإسبان فى الحكم الكنت سربلونى وازدادوا عسفا وعتوا، وتكررت استغاثة التونسيين بالدولة العثمانية، فأرسلت إليهم فى سنة ٩٨١ هـ/١٥٧٣ م قوة عثمانية كبيرة بقيادة الوزير سنان باشا، ففتك بالحامية الإسبانية فتكا ذريعا وطرد بقيتهم من البلاد إلى البحر المتوسط وما وراءه، وأرسل بالأمير الحفصى محمد إلى الأستانة فظل معتقلا بها إلى وفاته.
وبذلك انتهت الدولة الحفصية بعد أن حكمت تونس نحو ثلاثمائة وخمسين عاما.
стр. 4310
٦ - العهد (١) العثمانى
كانت فاتحة أعمال سنان باشا بعد تحريره القطر التونسى أن أعلن إلحاقه بالدولة العثمانية، فأصبحت إحدى ولاياتها فى إفريقية الشمالية الممتدة من مصر إلى الجزائر، وأخذ يرسى النظام الذى سيقوم على أسسه الحكم فى تونس، فنظم الديوان الذى تجتمع فيه الهيئة الحاكمة للنظر فى شئون الجند والولاية، وقدّر الرواتب، ورتّب لجباية الأموال مشرفا باسم الباي، وجعل للبلاد حامية عسكرية عدادها أربعة آلاف جندى من الانكشارية، وهم جند الدولة الذين كانت تربيهم تربية إسلامية عسكرية، وكانت تجلبهم من الأناضول ومن سباياها فى أوربا، وجعل على كل مائة منهم أميرا يسمى «الداى» وجعل عليهم رئيسا هو الأغا، وانتخب بعض الأعيان من البلاد لمشاركة الديوان فى الحكم، وضرب السكة باسمه. ولما أنهى كل هذه الترتيبات وخطب الخطباء فى تونس باسم السلطان العثمانى عاد إلى إستانبول دار دولته وحكومته. وعينت إستانبول لتونس واليا بلقب باشا، ولم يلبث الدايات أن شغبوا على الوالى سنة ٩٩٩ هـ/١٥٩١ م واتفق الرأى على اختيار أحدهم ليكون له الرأى النافذ فى شئون الانكشارية، وسرعان ما أخذ هؤلاء الدايات يتسلطون على الحكم فى تونس ويعينون الوالى منهم وتضطر الدولة إلى قبول الواقع، وأول داى مهم منهم تولى شئون البلاد عثمان داى، وكان من خيرة الجند الذين رافقوا سنان باشا، وقد تولاها سنة ١٠٠٧ هـ/١٥٩٩ م فسنّ قوانين وطّد بها الأمن والعدل فى البلاد، وأشرف على القرصنة فى البحر المتوسط وعظم حظ تونس من غنائمها الوافرة، وفى أيامه سنة ١٠١٦ هـ/١٦٠٩ م أخرج الإسبان من بقى بديارهم من الأندلسيين إلا من تنصر أو تظاهر بتنصره، فهاجر منهم آلاف إلى تونس، وأكرمهم عثمان داى، إذ أقطع ذوى اليسار منهم ما اختاروه من الأراضى ووزع على المحتاجين منهم الأموال والنفقات فانتشروا فى أرجاء البلاد وأخذوا يؤسسون فيها المدن والقرى وينشئون المصانع والمزارع والبساتين، وبذلك أحدثوا فى إقليم تونس نهضة عمرانية وصناعية وزراعية، ويقال إن