← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

تجد هنا ولا هناك كلمة متوعرة ولا لفظا ضعيفا، إنما تجد روعة الأسلوب دائما وجزالته وعذوبته ونصاعته، مع دقة العبارات واستيفائها لمعانيها، ومع الألفاظ المستحسنة فى الآذان وعلى الأفواه، الألفاظ التى تغذى العقول برحيقها الصافى وتشفى القلوب والنفوس. وهذا الأسلوب البالغ الروعة الذى ليس له سابقة ولا لاحقة فى العربية هو الذى أقام عمود الأدب العربى منذ ظهوره، فعلى هديه أخذ الخطباء والكتاب والشعراء يصوغون آثارهم الأدبية مهتدين بديباجته الكريمة وحسن مخارج الحروف فيه، ودقة الكلمات فى مواضعها من العبارات بحيث تحيط بمعناها، وبحيث تجلّى عن مغزاها، مع الرصانة والحلاوة. وكان العرب-ولا يزالون- يتحفّظونه، فهو معجمهم اللغوى والأدبى الذى ساروا على هداه، مهما اختلفت أقطارهم أو تباعدت أمصارهم وأعصارهم. يقول الجاحظ: «وكانوا يستحسنون أن يكون فى الخطب يوم الحفل وفى الكلام يوم الجمع آى من القرآن فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة وسلس الموقع. وقال الهيثم بن عدى: قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها عند زياد-أو عند ابن زياد-فأعجب بها الناس وشهدها عمى وأبى، ثم إنى مررت ببعض المجالس فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان فى خطبته شئ من القرآن» (١). وما ذلك إلا لفتنتهم بأسلوبه وإحكام نظمه، فإنك تجد العبارة منه، بل اللفظة، حين تأتى فى سياق كلام كاتب أو خطيب أو شاعر تضئ، كأنها الشهاب الساطع. ولا يزال أدباء العرب يستقون من فيضه وينهلون من نبعه الغزير ما يقوّم ألسنتهم، ويكفل لهم إحسان القول بدون تكلف أو تعمل أو اجتلاب للألفاظ من بعيد. ٤ - الحديث النبوى الحديث هو كل ما حكى عن النبى ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وهو بذلك ليس جميعة أقوالا له، بل منه ما يسمّى باسم

стр. 457

الآثار وهى ما رواه الرواة حكاية عن خلقه أو عمله أو فى شأن من شئونه. وضم إليه الرواة كثيرا مما حكى عن الصحابة وخاصة الخلفاء الراشدين، إذ كانوا يقتدون به فى أقوالهم وأفعالهم عملا بقوله تعالى: ﴿(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)﴾ ويقول الجاحظ: «كانوا يكرهون أن يقولوا سنّة أبى بكر وعمر، بل يقال: سنة الله وسنة رسوله» (١). وفى ابن سعد عن صالح بن كيسان قال: «اجتمعت أنا والزّهرى ونحن نطلب العلم فكنا نكتب السّنن، قال: وكتبنا ما جاء عن النبى ﷺ ، قال: ثم قال: نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنّة، قال: قلت إنه ليس بسنة، فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضيّعت (٢)». وأهمية الحديث ترجع إلى أن القرآن الكريم يذكر أصول الدين الإسلامى وأحكامه مجملة دون تفصيل وأنه هو الذى يفصّلها، فالقرآن مثلا لم يذكر تفاصيل الصلاة والزكاة وهما من أهم أركان الإسلام، بل اكتفى بمثل قوله تعالى ﴿(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ)﴾ وفصّل الحديث أوقات الصلاة وكيفياتها، كما فصل القواعد والأسس التى يجب اتباعها فى جمع الزكاة وتوزيعها. وهذان أمران من مئات الأوامر التى تناولتها أفعال الرسول وأقواله. فهو الذى بيّن أحكام الشريعة وصوّرها عمليا كما صور المبادئ الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية التى جاء بها الرسول. وبذلك كان مكملا للقرآن، وخاصة حين تجمل أحكامه أو ينبهم المراد من معنى بعض آياته، فقد روى عن على بن أبى طالب أنه لما أرسل ابن عباس ليحاجّ بعض الخوارج أوصاه بأن لا يعارضهم بالقرآن لأنه حمّال أوجه، ويحتمل معانى مختلفة، وبأن يكون عماده السّنة فلا يجدوا منها مخرجا (٣). وكان الصحابة يروون حديث الرسول ﷺ فى حياته وكان هو نفسه يحثهم على ذلك، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله: «اللهم ارحم خلفائى قلنا

стр. 458

يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يروون أحاديثى ويعلمونها الناس (١)». وكان كثيرا ما يقول للوفود: احفظوا أحاديثى واخبروا بها من وراءكم من العشائر، وتتكرر فى خطبة حجة الوداع المشهورة: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب». وكان يرسل فى القبائل رسله ليعلموهم القرآن وسنته. ومرّ بنا أنه لما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن سأله: بم تقضى؟ فقال: بكتاب الله، فقال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسوله. فالحديث كان متداولا فى حياة الرسول وكان الرسول يأمر بنشره وإذاعته فى الناس، حتى يقفوا على أوامر الدين ونواهيه وما أخذهم به من آداب ونظم. ولما توفّى الرسول وانتشر الصحابة فى الأمصار الإسلامية أخذوا يبلّغون كتاب الله وسنة رسوله أينما ذهبوا، وكادوا لا يتركون صغيرة ولا كبيرة من أفعاله وأقواله إلا أحصوها وتناقلوها، واشتهر من بينهم جماعة بكثرة ما روى عنهم فى هذا الباب مثل أبى هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وابن عباس وأنس بن مالك، وكثير غيرهم. حتى إذا ذهب الصحابة خلفهم التابعون يحكون ما سمعوه منهم. وبذلك أخذ الحديث ينتقل من جيل إلى جيل، فالمحدّث يقول: سمعت من فلان عن فلان أو حدثنى أو أخبرنى أو أنبأنى. ومن ثمّ تكوّن سند الحديث وتكونت السلاسل الطويلة من رواته، تلك السلاسل التى تضخمت مع مر الزمن بعامل طول المسافة بين المحدّث ومن ينقل عنهم حتى عصر الرسول. وقد يكون للحديث الواحد أكثر من سند بسبب تفرّق الصحابة فى الأرض، وبذلك تعددت طرق رواية الحديث، كما تعدد حاملوه، وأصبح يحتوى متنا وسندا يطول ويقصر. وطبيعى أن يسمّى حديثا لأنه كان يعتمد على الرواية والنقل الشفوى، وهو يسمّى أيضا السنة، وهى فى اللغة العادة ويراد بها العادة المقدسة التى رويت عن النبى وصحابته، وهى تستعمل فى القرآن بمعنى تقاليد الأسلاف الأولين وقد حوّلها المسلمون إلى التقاليد التى حكيت عن الرسول وصحبه. ومما لا ريب فيه أن بعض أحاديث الرسول دوّن فى حياته، وخاصة تلك

стр. 459

التى تتصل بالزكاة حين كان يكتب إلى بعض الأقوام يبيّن لهم فرائض دينهم، على نحو ما نجد ذلك فى بعض كتبه المأثورة (١). ورخّص النبى فى بعض الأحوال لنفر من الصحابة أن يكتبوا حديثه، فقد أذن لرجل من الأنصار شكا إليه سوء حفظه لما يسمع منه أن يستعين على حفظه بيمينه (٢)، وعن رافع بن حديج قال: «قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: اكتبوا ولا حرج (٣)»، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب ما يسمع من حديث فأذن له (٤)، وكان يسمّى صحيفته التى كتبها عن الرسول الصادقة (٥). وفى بعض الأحاديث أن الرسول أمر أصحابه أن يكتبوا لرجل يمنىّ خطبة سمعها منه، تضمنت بعض الأحكام الدينية (٦). على أنه ينبغى أن لا نبالغ فى تصور ما كان من هذه الكتابة لحديث الرسول فى حياته، فإنها كانت محدودة جدّا، وكان الرسول ينهى أن تصبح كتابة حديثه عامة، حتى لا يختلط بالقرآن، وهذا هو السبب فيما أثر عنه من أقوال تنهى عن تدوين حديثه من مثل قوله لأصحابه: «لا تكتبوا عنى شيئا إلا القرآن فمن كتب شيئا فليمحه» (٧). ومما يدل دلالة قاطعة على أن جمهور الحديث لم يكتب على عهد الرسول أن نجد عمر بن الخطاب يستشير الصحابة فى كتابته، وطفق يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إنى كنت أردت أن أكتب السّنن وإنى ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله تعالى، وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشئ أبدا» (٨). فترك كتابة السنن، وتبعه كثير من الصحابة يروون الحديث ويكرهون أن يكتبه سامعهم مثل زيد بن ثابت وأبى هريرة وأبى سعيد الخدرى وأبى موسى الأشعرى، واقتدى بهم كثير من التابعين وإن كانت أخذت تظهر عند بعضهم بوادر كتابته، ولكنه على كل حال لم يدوّن فى القرن الأول للهجرة تدوينا عامّا: وظل الأمر على ذلك حتى تولى عمر بن عبد العزيز

стр. 460

الخلافة (٩٩ - ١٠١ هـ) فأمر بتدوينه. جاء فى حاشية (١) الزرقانى على موطأ مالك: «لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدّونها لفظا ويأخذونها حفظا إلا كتاب الصدقات والشئ اليسير. . حتى خيف عليها الدروس وأسرع فى العلماء (من حفّاظها) الموت، فأمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمى (والى المدينة) فيما كتب إليه: أن انظر ما كان من سنّة أو حديث فاكتبه. وقال مالك فى الموطأ رواية محمد بن الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبى بكر محمد بن عمرو بن حزم، أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سنتّه أو نحو هذا فاكتبه لى فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، علّقه البخارى فى صحيحه، وأخرجه أبو نعيم فى تاريخ أصبهان بلفظ: كتب عمر إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه». وتوفّى عمر قبل أن يصله عمل ابن حزم فى هذا الصدد. وأول مدوّن للحديث بالمعنى الدقيق لكلمة تدوين هو ابن شهاب الزهرى (٢) المتوفى سنة ١٢٤ للهجرة. وأخذ التصنيف والتأليف فى الحديث يكثر بعده ويتسع، وسرعان ما ظهر موطأ مالك ثم تتابعت صحاحه مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم. وإنما قدمنا ذلك ليقف القارئ على أن الحديث تأخر تدوينه، وكان طبيعيّا أن يتداوله الأعاجم والمولدون قبل هذا التدوين حتى ينهجوا نهج الرسول ويقتفوا أثره، فزادوا ونقصوا فى عبارته وقدموا فى كلماتها وأخّروا وأبدلوا ألفاظا بألفاظ، ومن أجل ذلك رأى أئمة اللغة والنحو من علماء البصرة والكوفة وبغداد أن لا يحتجوا بشئ من الحديث فى إثبات لغة العرب والاستدلال على القواعد التى دونوها، لأن الأحاديث لم تكن تروى بألفاظها كما جاءت عن الرسول إنما كانت-تروى غالبا-بمعانيها، ومن أجل ذلك كان كثير من الأحاديث تتعدد رواياته.

стр. 461

على أن طائفة من الأحاديث رويت رواية تواتر، ومن ينظر فى هذه الأحاديث وما نصّ عليه العلماء بأنه روى بلفظه يعرف أنه ﵇ أوتى جوامع الكلم، وحقّا ما بقوله الجاحظ من أنه «لم يتكلم إلا بكلام قد حفّ بالعصمة وشيّد بالتأييد ويسّر بالتوفيق» (١) ويضرب الجاحظ لبيانه الرائع بعض الأمثله من حديثه الذى قلّ عدد حروفه وكثرت معانيه، فمن ذلك قوله للأنصار: «أما والله ما علمتكم إلا لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع» وقوله «المسلمون تتكأفأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، وقوله: «لا تزال أمتى صالحا أمرها ما لم تر الأمانة مغنما والصّدقة مغرما»، وقوله «المستشار مؤتمن»، وقوله: «إن أحبّكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطّئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون. وإن أبغضكم إلىّ وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة الثرثارون المتفيهقون»، وقوله «لا تجن يمينك على شمالك» وقوله: «ما أملق تاجر صدوق» وقوله: «رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» وقوله: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرّقوا وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» وقوله: «يقول ابن آدم: مالى مالى، وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو وهبت فأمضيت» وقوله: «إن قوما ركبوا سفينة فى البحر فاقتسموا فصار لكل رجل موضع، فنقر رجل موضعه بفأس، فقالوا: ما تصنع؟ قال: هو مكانى أصنع به ما شئت، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا وإن تركوه هلك وهلكوا» وقوله: «حصّنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة» وقوله: «من ذبّ عن لحم أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يحرّم لحمه على النار» وقوله: «أوصانى ربى بتسع: أوصانى بالإخلاص فى السرّ والعلانية، وبالعدل فى الرّضا والغضب، وبالقصد فى الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمنى، وأعطى من حرمنى، وأصل من قطعنى، وأن يكون صمتى فكرا ونطقى ذكرا ونظرى عبرا» وقوله: «إن الأحاديث ستكثر

стр. 462

بعدى كما كثرت على الأنبياء من قبلى، فما جاءكم عنى فاعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو عنى قلته أو لم أقله». ويذكر الجاحظ طائفة من أقواله التى دارت بين الناس دوران الأمثال والتى تعدّ ذخيرة أدبية رائعة من نحو قوله ﷺ (١): يا خيل الله اركبى-مات حتف أنفه (٢) -لا تنتطح فيه عنزان-الآن حمى الوطيس (٣) -كل الصّيد فى جوف الفرا (٤) -هدنة على دخن وجماعة على أقذاء (٥) -لا يلسع المؤمن من جحر مرتين. ومن أمثاله أيضا: إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (٦) -إياكم وخضراء الدّمن (٧) -الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة (٨). وإذا كنا قد عرضنا فى غير هذا الموضع لأثر القرآن فى اللغة والأدب فإن للحديث هو الآخر أثرا فيهما، وإن كان لا يبلغ أثر القرآن العظيم، لأنه دونه فى البلاغة، وإن كان قائله أبلغ العرب قاطبة وأفصحهم. ويمكن أن نلاحظ أثره فى أنه عاون القرآن الكريم فى انتشار العربية، وفى حفظها وبقائها، وكان له أثر أيضا فى توسيع المادة اللغوية بما أشاع من ألفاظ دينية وفقهية لم تكن تستخدم من قبل هذا الاستخدام الخاص، وقد أقبل العلماء فى مختلف الأمصار الإسلامية، وعلى تعاقب الأعصار، يدرسونه ويتحفظونه ويشرحونه ويستنبطون منه. وحقّا أن كثرته رويت بالمعنى، ولكن هذا لا يقلل من قيمته اللغوية، إذ كانت ألفاظه تدور فى عصور سبقت عصر فساد اللغة، وهى من أجل ذلك ألفاظ عربية سليمة، وبالتالى هى كنز ثمين. وقد استمد المتأدبون من هذا الكنز فى رسائلهم وأشعارهم ما أضاف إليها-على مر العصور-رونقا وطلاوة، وما يزال ذلك شأنهم إلى اليوم. وقد

стр. 463

جاءت فيه أحرف غريبة من لغات القبائل، إذ كان الرسول يخاطب بعض وفودهم بلغاتهم، وبقيت من ذلك آثار مختلفة كحديثه المشهور الذى أبدل فيه أل بأم كما يصنع بعض العرب من حمير إذ قال: «ليس من امبرّ امصيام فى امسفر»، أى ليس من البر الصيام فى السفر. ومن أجل هذا وأمثاله ألف العلماء فى غريبه كتبا، من أهمها كتاب غريب الحديث للقاسم بن سلام. ومن تأثيره أيضا نشأة الكتابة التاريخية لا فى السيرة النبوية فحسب، بل أيضا فى تراجم المحدّثين للحكم لهم أو عليهم فيما نقل عنهم. ومن غير شك هو السبب فى أن المسلمين أشد الأمم عناية بتواريخ رجالهم على نحو ما نعرف فى مثل طبقات ابن سعد وأسد الغابة والإصابة والاستيعاب وميزان الاعتدال للذهبى. فالحديث هو الذى فتح باب الكتابة التاريخية وهيّأ لظهور كتب الطبقات فى كل فن. وهذا غير ما نشأ عنه من علوم الحديث وغير مشاركته فى علوم التفسير والفقه، مما بعث على نهضة علمية رائعة.

стр. 464

الفصل الثالث الشعر ١ - كثرة الشعر والشعراء المخضرمين تزخر كتب الأدب والتاريخ بما نظم من أشعار فى صدر الإسلام، وهى أشعار كثيرة، نلقاها فى كل ما يصادفنا من أحداث العصر، فليس هناك حدث كبير إلا ويواكبه الشعر ويرافقه، وكان أكبر الأحداث دعوة الرسول ﷺ إلى الإسلام، وهى دعوة اضطرته إلى حمل السيف للذياد عنها، وانقسم العرب بإزائها مؤمنين ومشركين فكان هناك من آمنوا وحسن إيمانهم ومن وقفوا يدافعون عن الدين القديم ويصدّون عن سبيل الله، وكل ذلك نجده ماثلا على ألسنة الشعراء. واستقام أمر الإسلام فى الجزيرة، غير أن أقواما ارتدوا لعهد أبى بكر، فحاربهم ومثّل الشعر هذه الحرب، ثم كانت الفتوح، فانطلق العرب يحملون مشاعل الإسلام إلى العالم وهم ينشدون أناشيد الجهاد. وتلت ذلك فتنة عثمان وحروب على وطلحة والزبير وعائشة من جهة وحروب على ومعاوية من جهة ثانية، فعلت أصوات الشعراء وتصايحوا بأشعارهم فى كل مكان. ومضى كثيرون ينظمون فى هذا العصر لامع الأحداث، بل مع أنفسهم وقبائلهم مستضيئين إلى حد كبير بالإسلام وهديه الكريم. فالشعر لم يتوقف ولم يتخلف فى هذا العصر، وهذا طبيعى لأن من عاشوا فيه كانوا يعيشون من قبله فى الجاهلية وكانوا قد انحلت عقدة لسانهم وعبرّوا بالشعر عن عواطفهم ومشاعرهم، فلما أتمّ الله عليهم نعمة الإسلام ظلوا يصطنعونه وينظمونه. واقرأ فى كتب الأدب والتاريخ مثل الأغانى والطبرى وسيرة ابن هشام وكتب الصحابة مثل الإصابة والاستيعاب فستجد الشعر يسيل على كل لسان، واقرأ فى

стр. 465

المفضليات والأصمعيات فستجد المفضل الضبى والأصمعى يحتفظان فى كتابيهما بغير مطولة للمخضرمين، وقد عقد ابن قتيبة فى الشعر والشعراء تراجم لكثيرين منهم، وسلك ابن سلام فى كتابه «طبقات فحول الشعراء» طائفة من مجوّديهم البارعين. ومن يرجع إلى كل هذه المصادر يستقر فى نفسه أن الشعر ظل مزدهرا فى صدر الإسلام، وليس بصحيح أنه توقّف أو ضعف كما ظن ذلك ابن خلدون وتابعه فيه بعض المعاصرين إذ يقول فى مقدمته: «انصرف العرب عن الشعر أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحى وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه فأخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض فى النظم والنثر زمانا، ثم استقرّ ذلك وأونس الرشد من الملة، ولم ينزل الوحى فى تحريم الشعر وحظره وسمعه النبى ﷺ وأثاب عليه، فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه (١)». وكأنه يجعل توقفهم عن الشعر مدة نزول الوحى لعصر الرسول، وواضح أن هذا لا يصدق على المشركين لأنهم لم يشغلوا بالدعوة، ومعروف أن جمهور القبائل العربية إنما دخل فى الإسلام بعد فتح مكة فى العام الثامن للهجرة. وإذن فانصرافهم عن الشعر-إن صح-إنما كان لمدة عامين أى إلى أن انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى. وهو نفسه ينقض ما قاله فى أول كلامه بما قاله فى آخره من أن الرسول سمع الشعر وأثاب عليه، ونحن نعرف أنه كان يقف بجانبه ثلاثة من شعراء المدينة ينافحون عنه ويردّون على شعراء مكة وغيرهم من خصومه ذائدين مدافعين، وهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة. وحتى فى العامين الأخيرين من حياته عامى الوفود كان كل وفد يقدم ومعه خطباؤه وشعراؤه، وبمجرد أن يمثلوا بين يديه يتحدث خطباؤهم وينشد شعراؤهم ويردّ عليهم خطباء الرسول ﷺ وشعراؤه (٢). ولعل الذى دفع ابن خلدون إلى كلامه السابق ما جاء عند ابن سلاّم وتناقله الرواة بعده من قوله: «فجاء الإسلام وتشاغلت عن الشعر العرب وتشاغلوا

стр. 466

بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت (العرب) عن الشعر وروايته فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنّت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدوّن ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقا؟ ؟ ؟ وذهب عليهم منه كثير» (١). وابن سلام إنما يقول ذلك ليدلّ على؟ ؟ ؟ عربيّا كثيرا ضاع من يد الزمن، وكان يكفيه ما قاله من أنهم لم يدوّنوه وأنهم اكتفوا بروايته، فإن من شأن الرواية إذا طال العهد بها أن لا تحتفظ بكثير من الشعر وأن يسقط منه غير قليل، أما قوله بأن العرب لهت عن الشعر وشغلت عنه بالجهاد فينقضه ما تحمله كتب الأدب والتاريخ من منظوماته الكثيرة ومن أسماء ناظميه. وربما جاءت شبهة إصغار العرب للشعر فى صدر الإسلام وإعراضهم عنه من مهاجمة القرآن للشعراء فى قوله تعالى: ﴿(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَاِنْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا»﴾. وواضح من نفس هذه الآيات أن القرآن إنما يهاجم شعراء المشركين الذين كانوا يهجون الرسول ويثبّطون عن دعوته. فالقرآن لم يهاجم الشعر من حيث هو شعر، وإنما هاجم شعرا بعينه كان يؤذى الله ورسوله، وهو نفسه الذى قال فيه الرسول الكريم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» (٢) أما بعد ذلك فإن الرسول كان يعجب بالشعر ويقول حين يسمع بعض روائعه: «إن من البيان لسحرا وإن من الشعر لحكما أو حكمة» (٣)، وكان يحضّ حسان بن ثابت وغيره على نظمه ويثيبهم. وكان بعض خصومه ممن توعدهم يتخذه وسيلة إلى استرضائه وعفوه عنه، على نحو ما هو معروف عن كعب بن زهير الذى أحفظه بأشعار مختلفة ندّد فيها بالإسلام، ثم قدم عليه فأنشده لاميته المشهورة يطلب الصفح عن إساءته، فتهلل وجهه بشرا وخلع عليه بردته (٤).

стр. 467

والحق أن الإسلام لم يردّ العرب عن الشعر ونظمه، وسنرى عما قليل أن الرسول ﵇ اتخذه سلاحا ماضيا ضد خصومه من مشركى قريش وأعداء رسالته، إذ كان يرى أن وقع نبله عليهم أشد من وقع الحسام (١). وكان الخلفاء الراشدون من بعده يرددونه دائما على ألسنتهم (٢)، كما كان صحابته كثيرا ما يتناشدونه فى المسجد (٣). وقد اشتهر عمر بن الخطاب بأنه كان كثيرا ما يسأل وفود القبائل عن شعرائهم، وكانوا ينشدونه بعض أشعارهم وقد ينشدها هو متعجبا مستحسنا (٤)، ويقال إنه كتب إلى أبى موسى الأشعرى واليه على البصرة: «مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالى الأخلاق وصواب الرأى ومعرفة الأنساب» (٥)، ويقول ابن سلام إنه «كان لا يكاد يعرض أمر إلا أنشد فيه بيت شعر» (٦). وكل ذلك معناه أن الإسلام لم يثبّط عن الشعر إلا حين وقف معارضا لدعوته، أما بعد ذلك فقد كان يرتضيه ويستحسنه. وقد مضى الخلفاء الراشدون مهتدين بهدى الإسلام الحنيف ينهون عن الهجاء ويعاقبون فيه، وقصة عمر بن الخطاب مع الحطيئة معروفة، فقد حبسه. حين أقذع فى هجائه للزّبرقان بن بدر، ولما استرحمه على أفلاذ كبده بأبياته المشهورة عفا عنه، بعد أن عاهده على أن لا يعود إلى مثل هذا الهجاء (٧). واتبع عثمان سنة عمر فى التشديد على من يسلقون المسلمين بألسنة حداد، وقصته مع ضابئ بن الحارث البرجمى مشهورة فقد هجا جماعة من الأنصار هجاء مقذعا أفحش فيه، فاستعدوه عليه فحبسه، وظل فى حبسه حتى مات (٨).

стр. 468

ولكن هاتين القصتين شئ ونظم العرب للشعر حينذاك وروايته شئ آخر. فقد كانت حريتهم مكفولة فى هذه الرواية وذلك النظم ما لم يتعرضوا للأعراض، ومن الظلم للإسلام أن يقال إنه كفّ العرب عن الشعر ووقف نشاطه، فقد كان ينشد على كل لسان، وساعدت الأحداث على ازدهاره لا على خموله سواء فى معركة الإسلام مع الوثنيين والمرتدين أو فى الفتوح أو فى معركة على مع خصومه فى العراق. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الإسلام أذكى جذوته وأشعلها إشعالا، فإن أحداثه حلّت من عقد الألسنة وأنطقت بالشعر كثيرين لم يكونوا ينطقونه، فإذا بنا نجد مكة التى لم تعرف فى الجاهلية بشعر كثير يكثر شعراؤها، وإذا بنا إزاء عشرات من الشعراء فى الفتوح لم يشتهروا بالشعر ونظمه قبلها. وهم يسمون جميعا مخضرمين من الخضرمة وهى الاختلاط لأنهم خلطوا فى حياتهم بين الجاهلية والإسلام فعاشوا فى العصرين معا. ٢ - الشعر فى عصر الرسول ﷺ مما لا ريب فيه أن شعراء القبائل ظلوا ينظمون شعرهم بالصورة الجاهلية إلى أن دخلوا فى الإسلام، وكان الموت قد سبق إلى كثيرين منهم، فماتوا قبل إسلامهم وحرى بهؤلاء أن يدخلوا فى غمار الجاهليين، فهم ليسوا مخضرمين بالمعنى الصحيح للخضرمة، ومن ثمّ كنا نخرج دريد بن الصّمّة والأعشى وأمية ابن أبى الصلت والأسود بن يعفر النّهشلى وأضرابهم من سلك المخضرمين وننظمهم فى سلك الجاهليين، لأن الموت أدركهم قبل أن يتمّ الله عليهم نعمة الإسلام. ومعروف أن قريشا حادّت الله ورسوله حين بعث مما اضطره الى الهجرة من مكة إلى المدينة، وسرعان ما نشبت بين البلدتين معركة حامية الوطيس، تقف فيها قريش ومن يعينها من العرب فى جانب، ويقف الرسول صلوات الله عليه ومن هاجروا معه من مكة ومن التفّوا حوله فى المدينة فى جانب آخر. وبمجرد أن

стр. 469

اشتبكت السيوف أخذ الشعراء فى الجانبين المتناقضين يسلّون ألسنتهم، ولم تكن مكة فى الجاهلية-كما قدمنا-تعرف بشعر إلا بعض مقطوعات تنسب لورقة ابن نوفل وغيره من المتحنّفين، ومقطوعات أخرى تنسب لبعض فتيانها مثل نبيه ومسافر اللذين ترجم لهما أبو الفرج فى أغانيه. فلما نشبت الحرب بينها وبين الرسول لمعت فيها أسماء شعراء كثيرين مثل أبى سفيان بن الحارث وعبد الله بن الزّبعرى وضرار بن الخطاب الفهرى وأبى عزّة الجمحى وهبيرة بن أبى وهب المخزومى، وقد أخذوا يسدّدون سهام أشعارهم إلى الرسول ﷺ وأصحابه من المهاجرين وأنصاره من المدينة. وعزّ ذلك عليه لا لأنهم كانوا يهجونه فحسب، بل أيضا لأنهم كانوا يصدّون عن سبيل الله بما يذيع من شعرهم فى القبائل العربية، فقال للأنصار: «ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسّان بن ثابت: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، وقال: والله ما يسرّنى به مقول بين بصرى وصنعاء» (١) وانضم إليه كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، فاحتدم الهجاء بينهم وبين شعراء مكة. واقرأ فى سيرة ابن هشام فستجده ينقل عن ابن إسحق عقب كل موقعة حربية ما قيل فيها من شعر، تجد ذلك عقب غزوة بدر فى السنة الثانية للهجرة وعقب غزوة أحد فى السنة الثالثة وغزوة الخندق فى السنة الخامسة كما تجد أطرافا من ذلك فى فتح مكة للسنة الثامنة. على أنه ينبغى أن نشك فى كثير من هذه الأشعار لأن ابن إسحق-كما يقول ابن سلام-كان يحمل كل غثاء من الشعر حتى أفسده وهجّنه (٢)، ونرى ابن سلام يقول فى ترجمته لأبى سفيان بن الحارث: «لسنا نعدّ ما يروى ابن إسحق له ولا لغيره شعرا، ولأن لا يكون لهم شعر أحسن من أن يكون ذاك لهم» (٣). على أن ابن سلام نفسه يثبت لأبى سفيان بن الحارث قصيدة كافية ناقض بها فى يوم أحد كافية كان قد نظمها حسان بعد وقعة بدر (٤)، وقد

стр. 470

أثبت لابن الزّبعرى قصيدته التى قالها فى نفس اليوم (١)، والتى يقول فيها: ليت أشياخى ببدر شهدوا ... ضجر الخزرج من وقع الأسل (٢) حين ألقت بقباء بركها ... واستحرّ القتل فى عبد الأشلّ (٣) فقبلنا النّصف من سادتهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل (٤) وأيضا فإنه أثبت لأبى عزّة ميمية يحرّض فيها بنى كنانة (٥)، وقال عن هبيرة بن أبى وهب: إنه كان شديد العداوة لله ولرسوله، وهو الذى يقول فى يوم أحد (٦): قدنا كنانة من أكناف ذى يمن ... عرض البلاد على ما كان يزجيها (٧) قالت كنانة: أنّى تذهبون بنا ... قلنا: النّخيل، فأمّوها وما فيها (٨) وكان فى الطرف المقابل حسان وكعب وابن رواحة، وحسان أشعر الثلاثة، يقول ابن سلام: «وهو كثير الشعر جيده»، ويقال إن أول ما جرى به لسانه حين سلّه على قريش هذه الأبيات يتحدّى بها أبا سفيان بن الحارث (٩): هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء فإن أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمد منكم وقاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء

стр. 471

ويقول ابن سلام: «وكعب شاعر مجيد، قال يوم أحد فى كلمة: فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنّع (١) ثلاثة آلاف ونحن نصيّة ... ثلاث مئين إن كثرنا وأربع (٢) فراحوا سراعا موجفين كأنهم ... جهام هراقت ماءه الرّيح مقلع (٣) ورحنا وأخرانا بطاء كأننا ... أسود على لحم ببيشة ظلّع (٤) وقال فى أيام الخندق: من سرّه ضرب يرعبل بعضه ... بعضا كمعمعة الأباء المحرق (٥) فليأت مأسدة تسلّ سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق (٦) ووقف ابن سلام عند ابن رواحة وتحدث عن حسن إسلامه وأنه كان أحد الأمراء الثلاثة الذين قتلوا يوم مؤتة وأثبت له من هجائه لقريش قوله (٧): نجالد الناس عن عرض فنأسرهم ... فينا النبىّ وفينا تنزل السّور (٨) وقد علمتم بأنا ليس غالبنا ... حىّ من الناس إن عزّوا وإن كثروا يا هاشم الخير إن الله فضّلكم ... على البريّة فضلا ماله غير (٩) فثبّت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذى نصروا (١٠)

стр. 472

وفى الأغانى أن حسانا وكعبا «كانا يعارضان شعراء قريش بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيّرانهم بالمثالب، وكان عبد الله بن رواحة يعيّرهم بالكفر، فكان فى ذلك الزمان أشدّ القول عليهم قول حسان وكعب وأهون القول عليهم قول ابن رواحة، فلما أسلموا وفقهوا الإسلام كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة» (١). ومن المؤكد أن حسانا وكعبا كانا يرميان قريشا عن بصيرة حين غلبت على هجائهما صورة الهجاء القديمة، لأنها هى التى كانت تؤذى نفوس القرشيين المكّيين ولو أنهما رمياهم بالشرك وعبادة الأوثان لما نالا منهم، إذ كانت تلك عقيدتهم وكانوا يعتزّون بها، ومن ثم اتجه حسان وكعب هذه الوجهة، فطعنا فى الأحساب والأنساب، وعيّرا سادتهم وفرسانهم بالفرار من الحرب وتوعداهم بالبلاء المستطير. وطبيعى لذلك أن لا نجد عندهما تأثرا واضحا بمثالية القرآن الكريم فى ذم المشركين، إذ نراه خاليا من الشتم والسباب والطعن فى الأعراض والأحساب، وأيضا فإنه لا يتوعد المشركين بحرب مبيرة تأتى على الشيب والشبان، إنما يتوعدهم بالنار، ومع ذلك يفتح الأبواب واسعة لرحمة الله وغفرانه وتوبته على المشركين الذين يثوبون إلى عقولهم ويدخلون فى دينه الحنيف. وكان يشرك شعراء قريش فى التأليب على رسول الله وأنصاره وأصحابه نفر من شعراء اليهود نكثوا ما عاهدوه من الموادعة وحقوق الجوار (٢) وأخذوا يهجونه هو والمسلمين ويخذّلون عنه قريشا والعرب، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون. وكان من رءوسهم فى هذا الفساد كعب بن الأشرف (٣)، وقد بلغ من سوء فعله أن كان يشبّب بنساء الرسول ونساء المسلمين، مما جعل محمد بن مسلمة يقتله فى رهط من الأنصار (٤). غير أن اليهود لم يرتدعوا وأخذوا يعملون سرّا وجهرا على تقويض الدعوة المحمدية، فاضطر الرسول إلى إجلائهم عن المدينة، حتى إذا انتهينا إلى خلافة عمر رأيناه ببصيرته النافذة يأمر بإجلائهم عن الجزيرة.

стр. 473

وكان كثير من شعراء العرب يقفون مع قريش باكين قتلاها ومحرّضين لها على كفاحها ضد الرسول مثل أمية بن أبى الصلت، ورثاؤه لقتلى بدر مشهور (١) ومثل الأسود بن يعفر الذى أشاد بانتصارها فى يوم أحد (٢)، وقد ماتا فى أثناء هذا الصراع. وكان يقف هذا الموقف نفر من شعراء القبائل التى لما تدخل فى الإسلام. وكان يرد عليهم جميعا شعراء المدينة متوعدين مهددين على شاكلة قول كعب بن مالك يهدد ثقيفا بعد انتصار الرسول ﷺ على يهود خيبر (٣): قضينا من تهامة كلّ وتر ... وخيبر ثم أحجمنا السيوفا (٤) نخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ: دوسا أو ثقيفا (٥) فلست لحاصن إن لم تروها ... بساحة داركم منا ألوفا (٦) فننتزع العروش ببطن وجّ ... ونترك داركم منا خلوفا (٧) ونردى اللاّت والعزّى وودّا ... ونسلبها القلائد والشّنوفا (٨) وتفتح مكة فى السنة الثامنة للهجرة، ولكن تظل للصراع بقية فى شعراء هذيل، على نحو ما يمثلهم أبو خراش الهذلى فى بكائه لدبيّة سادن العزّى حين قتله خالد بن الوليد (٩). وتظل بقية أخرى فى ثقيف ومعاركها مع الرسول فى حنين. على أنه بمجرد أن دخلت مكة فى الإسلام أدمجت الجزيرة كلها فيه، وأخذت وفودها تفد على الرسول معلنة اعتناقها الدين الحنيف. وفى هذه الأثناء نجد كثيرا من الشعراء وعلى رأسهم شعراء قريش يفزعون إلى ساحة الرسول الكريم

стр. 474

يطلبون عفوه، وقصة كعب بن زهير مشهورة، وقد مرت بنا الإشارة إليه، ومثله أنس بن زنيم، فإنه كان هجا الرسول، ثم ثاب إلى رشده، فقدم عليه معتذرا، وأنشده أبياتا مدحه بها، يقول فى تضاعيفها (١): وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد ونظم أبو سفيان بن الحارث أشعارا كثيرة يأسى فيها على ما فرّط فى جنب الله ورسوله على شاكلة قوله (٢): لعمرك إنى يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللاّت خيل محمد لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أوان حين أهدى وأهتدى وكان كثير من الشعراء المسلمين يمتدح الرسول وهديه الكريم، يتقدمهم فى ذلك شعراء المدينة، وتنسب إلى الأعشى قصيدة فى مديحه (٣) لا شك أنها منحولة، وتنسب لأبى طالب قصيدة مدحه بها يقول فيها: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل ويقول ابن سلام: «قد زيد فيها وطوّلت» (٤) وتنسب إلى عباس بن مرداس فارس بنى سليم أشعار كثيرة يمدحه بها من مثل قوله (٥): نبىّ أتانا بعد عيسى بناطق ... من الحق فيه الفصل منه كذلكا أمينا على الفرقان أول شافع ... وآخر مبعوث يجيب الملائكا ونظم كثير من المراثى فى قتلى المسلمين والمشركين، ورثاء قتيلة لأبيها النّضر بن الحارث ذائع مشهور. ولما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى بكاه الشعراء بكاء حارّا، ومن أرق ما رثى به قصيدة حسان التى يستهلها بقوله (٦): ما بال عينى لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد

стр. 475

وأكبر الظن أنه اتضح كيف أن الشعر فى حياة الرسول ﷺ كان يجرى على كل لسان، ويكفى أن نرجع إلى سيرة ابن هشام فسنرى سيوله تتدافع من كل جانب، وحقّا فيها شعر موضوع كثير، ولكن حينما يصفّى وحين نقابل عليه ما ارتضاه ابن سلام وغيره من الرواة الموثوق بهم نجدنا إزاء ملحمة ضخمة تعاون فى صنعها عشرات من الشعراء والشاعرات. ٣ - الشعر فى عصر الخلفاء الراشدين عمّت أضواء الإسلام فى الجزيرة العربية كلها منذ السنة التاسعة للهجرة، فقد أعلن فى الحج لهذه السنة أنه من شعائر الإسلام وأن الجزيرة دار المسلمين، وبذلك قضى على الوثنية فى أنحائها قضاء مبرما من جهة، وأصبح الإسلام والعروبة شيئا واحدا من جهة ثانية، وهذا هو السر فى نشوء نظام الولاء حين فتحت البلاد الأجنبية، فإنه كان حتما على من يسلم أن يلتحق بقبيلة عربية ويصبح كأنه فرد من أفرادها. ولم يكد يتسلّم أبو بكر الصديق مقاليد الخلافة حتى طغت على الجزيرة موجة حادة من الردة، إذ امتنع كثير من العرب عن أداء الزكاة على شاتهم وبعيرهم، فاستشار الصدّيق كبار الصحابة فيما يصنع، فكلهم قالوا: إنه لا طاقة لنا بقتال العرب جميعا، فقال: «والله لأن أخرّ من السماء فتخطفنى الطير أحبّ إلى من أن يكون رأيى هذا» ثم صعد المنبر فخطب الناس خطبة مشهورة قال فيها: «والله لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه» ثم نزل فوجّه الجيوش إليهم بقيادة خالدين الوليد وغيره. وكانت قبيلة أسد قد تجمعت حول متنبئ ظهر فيها يسمى طليحة بن خويلد، وانضمت إليها غطفان. وعبثا حاول من حسن إسلامهم فى القبيلتين أن يردوهما عن غيّهما، ولم يلبث أن التقى بهما خالد عند بئر بزاخة، فنكّل بهما تنكيلا شديدا، استسلمتا على إثره. واتجه خالد توّا إلى تميم ومتنبئتها سجاح فلم تلبث بعد مناوشات صغيرة أن أذعنت له،

стр. 476

وقتل حينئذ مالك بن نويرة سيد بنى يربوع، ولأخيه متمم فيه مراث رائعة (١). واتجه خالد بجيوشه نحو بنى حنيفة فى اليمامة ومتنبئها مسيلمة، فالتقى بها فى «عقربة» ونشبت بين الطرفين معارك حادة استحرّ فيها القتل، غير أن الدوائر لم تلبث أن دارت على بنى حنيفة، فسقط متنبئها فى ميدان المعارك، وأعلنت استسلامها. وكان ذلك نصرا مؤزرا لدين الله، وسرعان ما دانت «البحرين» بالطاعة، واتجهت أسراب من هذه الجيوش إلى حضرموت ونجران واليمن، حيث التفّ الناس هناك حول متنبئ يسمى الأسود العنسى ومتنبئ آخر يسمى قيس بن عبد يغوث، ولم تلبث كل هذه الأنحاء أن استسلمت. وإذا كانت معركة الشرك لعهد الرسول ﷺ قد خلّفت ملحمة كبيرة فإن معركة الردة هى الأخرى قد خلّفت أشعارا كثيرة، بعضها كان إنذارا وتخويفا ووعظا من مثل قول الحارث بن مرة فى وعظه لبنى عامر (٢): بنى عامر إن تنصروا الله تنصروا ... وإن تنصبوا لله والدين تخذلوا وإن تهزموا لا ينجكم منه مهرب ... وإن تثبتوا للقوم والله تقتلوا وبعضها كان حماسة دينية يهتف بها المحاربون من المسلمين من مثل قول أوس بن بجير الطائى فى موقعة بزاخة (٣): وليت أبا بكر يرى من سيوفنا ... وما تختلى من أذرع ورقاب (٤) ألم تر أن الله لا ربّ غيره ... يصبّ على الكفار سوط عذاب وللمرتدين أشعار مختلفة يستثيرون بها العزائم (٥).

стр. 477

ورئب الصّدع وعاد الحق إلى نصابه، فرأى أبو بكر بثاقب بصيرته أن يدفع العرب إلى خارج جزيرتهم كى ينشروا الإسلام فى آفاق الأرض، فاندفعوا جميعا يجاهدون فى سبيل الله ويبتغون رضوانه، وسرعان ما سقطت الحيرة وجنوبى العراق أمام جيوش المثنى بن حارثة وخالد بن الوليد، وجهز أبو بكر جيشين لغزو الشام، أحدهما بقيادة عمرو بن العاص والآخر بقيادة يزيد بن أبى سفيان وشرحبيل بن حسنة، وانتصر الجيشان فى فلسطين. ولم يلبث أن أمدهما أبو بكر بخالد بن الوليد، وجعل له إمارة الجيوش، فانتصر على أرطبون فى موقعة أجنادين كما انتصر فى موقعة اليرموك، وهو رافد من روافد نهر الأردن، وحاصر دمشق، واستطاعت جماعات من جيوشه أن تستولى على حمص. ويتوفّى أبو بكر فى السنة الثالثة عشرة للهجرة قرير العين بما أدى لله ولرسوله، وكان آخر ما تكلم به «ربّ توفّنى مسلما وألحقنى بالصالحين» (١)، وبكاه كثير من الشعراء (٢) ومن خير ما قيل فيه قول حسان بن ثابت (٣): إذا تذكرت شجوا من أخى ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا التالى الثانى المحمود سيرته ... وأوّل الناس منهم صدّق الرسلا وثانى اثنين فى الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا وكان حبّ رسول الله قد علموا ... خير البريّة لم يعدل به رجلا وأوصى أبو بكر من بعده بالخلافة لعمر بن الخطاب، فسار بأحسن سيرة مقتديا بهدى الله ورسوله وخليفته الصديق، لا يخاف فى الحق لومة لائم. وهو أول من دوّن الدواوين ورتّب الناس فيها على سوابقهم، وأول من رتّب التاريخ العربى وجعله من الهجرة، وأول من تلقب بأمير المؤمنين. وفتح الله له الفتوح، وكان من أول أمره فى ذلك أن عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجيوش فى الشام وولّى أبا عبيدة بن الجراح مكانه، فأتمّ يعاونه خالد فتوح الشام، وانطلق عمرو بن العاص بجيشه ففتح مصر. أما فى الشرق فكانت المعركة

стр. 478

حامية الوطيس. وقد أمدّ عمر المثنى بن حارثة بجنود يقودها أبو عبيد الثقفى، ونشبت سلسلة من الوقائع عند قسسّ الناطف والبويب انتصر فيها المسلمون، وبينما كان الفرس يستعدون لمعركة أخيرة هى معركة القادسية توفّى المثنى فخلفه فى قيادة الجيوش سعد بن أبى وقاص، ومنى الفرس بهزيمة شديدة، وقتل قائدهم رستم فى المعركة. وتقدم سعد إلى عاصمتهم المدائن فاستولى عليها. ولم يلبث الفرس أن تجمعوا فى جلولاء شرقى دجلة، ولكنهم هزموا هزيمة ساحقة. وانسحب يزدجرد ملك الفرس إلى إيران وتبعته الجيوش الإسلامية بقيادة النعمان ابن مقرّن وتوفى فخلفه حذيفة بن اليمان. ولم تلبث هذه الجيوش أن استولت على نهاوند ثم أصفهان ثم إصطخر، وعاش يزدجرد طريدا، حتى أرسل إليه عامل خراسان لعهد عثمان من قتله فى مخبئه الأخير. وتلقانا فى كل موقعة حربية شرقا وغربا أشعار حماسية كثيرة، سنعرض لها عما قليل، ويخيّل إلى الإنسان كأنما الجزيرة كلها قد تحولت جيشا يجاهد فى سبيل الله ونشر الإسلام، فقد أحسّ العرب فى عمق أن عليهم أن ينشروا الدين الحنيف فى أنحاء الأرض. ومن غير شك كان المتخلفون من الشيوخ والنساء وغيرهما يحسون ألما عميقا لفراق ذويهم، على نحو ما يصور لنا ذلك البريق بن عياض الهذلى، إذ يقول (١): وإن أمس شيخا بالرجيع وولدة ... وتصبح قومى دون دارهم مصر (٢) أسائل عنهم كلما جاء راكب ... مقيما بأملاح كما ربط اليعر (٣) فما كنت أخشى أن أقيم خلافهم ... بستة أبيات كما نبت العتر (٤) وكان عمر ينهى من لهم آباء شيوخ يعولونهم عن الهجرة برّا بهم، ويروى أن المخبّل السعدى جزع جزعا شديدا حين هاجر ابنه شيبان لحرب الفرس مع سعد بن أبى وقاص، وكان قد أسنّ وضعف، فافتقد ابنه فلم يملك الصبر عنه، ومضى إلى عمر فأنشده أبياتا يقول فيها:

стр. 479

إذا قال صحبى يا ربيع ألا ترى؟ ... أرى الشخص كالشخصين وهو قريب ويخبرنى شيبان أن لن يعقّنى ... تعقّ إذا فارقتنى وتحوب (١) فرقّ له عمر، وكتب إلى سعد يأمره أن يرد شيبان إلى أبيه فردّه إليه ولم يزل عنده حتى مات (٢). وليس المخبّل وحده الذى فزع إليه يشكو هجرة ابنه، فقد فزع إليه أيضا أمية بن حرثان بن الأسكر حين هاجر ابنه كلاب إلى حرب الفرس، وكان مما أنشده فيه: لمن شيخان قد نشدا كلابا ... كتاب الله إن حفظ الكتابا (٣) إذا هتفت حمامة بطن وجّ ... على بيضاتها ذكرا كلابا تركت أباك مرعشة يداه ... وأمّك ما تسيغ لها شرابا فأمر بإشخاصه إليه (٤). وممن فزع إلى عمر أيضا فى ذلك أبو خراش الهذلى حين هاجر ابنه مع المجاهدين إلى الشام، وقد أنشده شعرا مؤثرا، فأمر برده عليه وأن لا يغزو من له أب هرم إلا بعد أن يأذن له راضيا بهجرته (٥). ولعل فى هذا كله ما يصور كيف كان يترامى شباب العرب على الجهاد فى سبيل الله، ومع هذا يأبى المستشرقون إلا أن يجعلوا تلك الفتوح الرائعة ابتغاء الدنيا والغنائم (٦) لا ابتغاء الله وثواب الآخرة، وربما كان من خير ما يرد عليهم قول النابغة الجعدى لامرأته، وقد أظهرت تأثرها لهجرته فى فتوح فارس (٧): يا ابنة عمى كتاب الله أخرجنى ... طوعا وهل أمنعنّ الله ما فعلا فإن رجعت فربّ الناس يرجعنى ... وإن لحقت بربّى فابتغى بدلا ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرنى ... أو ضارعا من ضنّى لم يستطع حولا (٨)

стр. 480

وكان عمر من وراء هذه الجيوش مثالا رائعا للعدل والتقوى والزهد فى الدنيا. وما زال يسوس العرب سياسة مثالية، حتى امتدت إلى جسده الطاهر يد أبى لؤلؤة المجوسى الآثمة فى الظلام، فطعنته بخنجر مسموم طعنات لأربع ليال بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة، ولم يلبث أن توفّى بين بكاء المسلمين وتشيجهم، ومن رائع ما قيل فيه من رثاء قول جزء بن ضرار أخى الشماخ (١): جزى الله خيرا من أمير وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق (٢) فمن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما حاولت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق فى أكمامها لم تفتّق (٣) وكان عمر وهو على فراش الموت قد جعل الخلافة شورى فى ستة من أصحاب رسول الله توفّى وهو عنهم راض، وكانوا من المهاجرين الأولين، وهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص. ووقع اختيارهم على عثمان، فمضى ينفّذ سياسة عمر فى إتمام فتح إيران وإفريقية، وأقرّ معاوية بن أبى سفيان على الشام، إلا أنه عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاّها عبد الله بن سعد بن أبى سرح، ففتح إفريقية. وما نصل إلى سنة أربع وثلاثين للهجرة حتى تندلع ثورة عنيفة على عثمان فى الكوفة يقودها الأشتر النخعى وفى مصر يقودها محمد بن أبى حذيفة ومحمد بن أبى بكر الصديق. وكان من أهم أسباب هذه الثورة ضعف عثمان، إذ كان شيخا كبيرا، واستسلامه لأهل بيته من الأمويين وتوليته لهم كثيرا من الأعمال، مما أحفظ عليه كبار الصحابة وملأهم موجدة. وكانت هناك أسباب وراء ذلك، فإن عمر رأى أن يترك للجيش خمس الغنائم وأن تستأثر الدولة بالفئ وهو الأرض الثابتة، ومعروف أنها تركت لأصحابها على أن يؤدوا عنها إتاوة عادلة وأن يؤدوا الجزية إن لم يسلموا نظير حماية الجيش لهم وإعفائهم من

стр. 481

الواجبات العسكرية، وكان كثير من المحاربين يرون أن يشركوا الدولة فى الفئ، ولكن صوتهم لم يرتفع فى عهد عمر لقوة شخصيته، حتى إذا كان عهد عثمان بدأ التذمر يشتد، وتطورت الظروف، فاشتعلت الثورة عليه اشتعالا أدّى إلى قتله فى ذى الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة، وبكاه كثير من شعراء الصحابة (١)، من ذلك قول أيمن بن خريم (٢): ضحّوا بعثمان فى الشهر الحرام ضحى ... وأىّ ذبح حرام لهم ذبحوا إن الذين تولّوا قتله سفها ... لاقوا أثاما وخسرانا فما ربحوا ماذا أرادوا أضلّ الله سعيهم ... بسفحهم للدّم الزّاكى الذى سفحوا وكان علىّ يعدّ أكبر الشخصيات بين المهاجرين، فبايعه الثوار وبايعته المدينة، ولكن هذه البيعة لم ترض طلحة والزبير وانضمت إليهما السيدة عائشة أم المؤمنين، فأعلنوا سخطهم، وولوا وجوههم نحو البصرة مستنفرين الناس ضده، وتبعهم على، فنزل فى الكوفة، ولم تلبث الحرب أن نشبت بين الفريقين، وسرعان ما انتصر على فى موقعة الجمل المشهورة، وقتل طلحة والزبير وانسحبت عائشة إلى المدينة. وكان علىّ قد عزل معاوية ابن عم عثمان وواليه على الشام، فلم يصدع لأمره واعتبر نفسه ولىّ دم عثمان، فجهز الجيوش لحربه وانضم إلى معاوية عمرو بن العاص وكثير من قريش. وسار إليه علىّ بجموعه، فالتقوا على الحدود العراقية السورية فى صفّين الواقعة على الضفة اليمنى للفرات، واحتدمت معركة عنيفة كاد فيها النصر أن يكتب لعلىّ، غير أن معاوية عمد-بمشورة عمرو بن العاص-إلى الحيلة، إذ جعل طائفة من جنوده ترفع المصاحف على أسنّة رماحها طالبة الاحتكام إلى القرآن ووقف هذه الحرب المبيرة للمسلمين، وتنبه علىّ للحيلة غير أن كثرة جيشه أجبرته على وقف القتال والدخول مع معاوية فى مفاوضات. واتفق الفريقان على اختيار حكمين، هما عمرو بن العاص عن معاوية وأبى موسى الأشعرى عن على ليحكما بينهما على أساس من القرآن. واستطاع عمرو أن يقنع أبا موسى بخلع على ومعاوية

стр. 482

معا. ولم يلبث مركز على أن تزعزع فى العراق فإن طائفة كبيرة من جيشه كانت قد أسرعت منذ قبوله التحكيم إلى الخروج عليه، واتخذت معسكرا لها فى حروراء بالقرب من الكوفة وبايعت عبد الله بن وهب الراسبى بالخلافة. فلما ظهرت نتيجة التحكيم انضم إليها كثير من أتباع على. وعبثا حاول إقناعهم بخطئهم، ولم ير أخيرا بدّا من حربهم، فالتقى بهم عند مصب قناة النّهروان فى دجلة وهزمهم هزيمة ساحقة، إلا أن بقية منهم نجت، وكان منهم عبد الرحمن ابن ملجم الذى تحيّن منه فرصة، وقتله غيلة ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من رمضان سنة أربعين للهجرة، وقد بكاه كثير من أصحابه (١)، وعلى رأسهم أبو الأسود الدؤلى إذ يقول (٢): أفى شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طرّا أجمعينا قتلتم خير من ركب المطايا ... وخيّسها ومن ركب السفينا إذا استقبلت وجه أبى حسين ... رأيت البدر راق الناظرينا لقد علمت قريش حيث حلّت ... بأنك خيرها حسبا ودينا وقد كثرت الأشعار فى هذه الحروب الأهلية منذ الثورة على عثمان، فقد كان بعض الثائرين عليه والساخطين يصورون ثورتهم وسخطهم فى أشعار كثيرة (٣)، ويقتل عثمان، ويبكيه كثيرون وخاصة من بنى أمية. وقد ذهبوا يتوعدون عليّا ويتهددونه على شاكلة قول الوليد بن عقبة يخاطب بنى هاشم (٤): وإنا وإياكم وما كان منكم ... كصدع الصّفا لا يرأب الصدع شاعبه هم قتلوه كى يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه وقد مضى يحرّض معاوية على الأخذ بثأره فى أشعار كثيرة (٥). وتطورت

стр. 483

الأمور، ونشبت وقعة الجمل بين على وبين طلحة والزبير وعائشة، ودوّت فى هذه الوقعة أشعار حماسية كثيرة (١) من مثل قول القائل (٢): نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل ... ننعى ابن عفّان بأطراف الأسل ننازل الموت إذا الموت نزل ... والموت أشهى عندنا من العسل والتقى على بمعاوية فى صفّين، وحمى وطيس المعارك، وتنادى الشعراء يهددون ويتوعدون، وكلّ يعتقد أن الحق فى جانبه، من مثل قول أبى الطّفيّل عامر بن واثلة يصف بعض أنصار علىّ: كهول وشبان وسادات معشر ... على الخيل فرسان قليل صدودها شعارهم سيما النبىّ وراية ... بها انتقم الرحمن ممن يكيدها وردّ عليه خزيمة الأسدى يصف جيش معاوية (٣): ثمانون ألفا دين عثمان دينهم ... كتائب فيها جبرئيل يقودها فمن عاش منكم عاش عبدا ومن يمت ... ففى النار سقياه هناك صديدها ويفيض كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم بأشعار كثيرة اندلعت فيها نيران العصبيات القبيلية (٤)، وقد يكون دخلها انتحال ووضع واسع، ولكن فى تاريخ الطبرى وفى كتب الأدب وكتب الصحابة ما يكفى لبيان ما انزلق على الألسنة من أشعار ملتهبة (٥). وقد تلت ذلك وقعة النهروان بين على والخوارج، ومنذ خروجهم وشعرهم لا يخمد له أوار. ومن غير شك أذكت كل هذه الأحداث جذوة الشعر العربى إذكاء وأشعلتها إشعالا.

стр. 484

٤ - شعر الفتوح خرج العرب من جزيرتهم بعد حروب الردة يجاهدون فى سبيل الله دولتى الفرس والروم. فقضوا على الأولى، واستولوا على أهم ولايتين للثانية، وهما الشام ومصر. وكانوا فى أثناء هذا الجهاد ينظمون أناشيد حماسية مدوّية، يتغنون فيها بانتصاراتهم ويتمدحون بشجاعتهم وما يؤدّون لله ودينه. ومن الصعب أن نعرض كل ما نظموه فى مواقعهم المختلفة، إنما نلم بطرف منه، ولنقف قليلا عند موقعة واحدة فى الشرق هى موقعة القادسية، وفيها يلمع اسم أبى محجن الثقفى (١)، وكان مولعا بالخمر فحبسه سعد بن أبى وقاص، حتى إذا احتدمت المعركة توسّل إلى سلمى زوج سعد أن تطلقه-على أن يعود إلى قيده-ليسهم فى شرف المعركة، فأطلقته وأبلى فيها بلاء حسنا، وعاد إلى سجنه وهو ينشد (٢): لقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفا فإن أحبس فقد عرفوا بلائى ... وإن أطلق أجرّعهم حتوفا وكان حول أبى محجن فرسان كثيرون قصفوا الفرس وأطاحوا برءوس أبطالهم، وهم يتصايحون بالشعر الحماسى، منهم عمرو بن معديكرب الزّبيدى (٣)، وكان من أبطال الجاهلية وفرسانها وأسلم، وكانت له آثار مشهورة فى القادسية واليرموك ونهاوند، ومن شعره (٤): والقادسية حين زاحم رستم ... كنا الحماة بهنّ كالأشطان (٥) الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان (٦)

стр. 485

ومنهم بشر بن ربيعة الخثعمى، وله يصور بلاءه وبلاء قومه فى مواقع القادسية (١): تذكّر-هداك الله-وقع سيوفنا ... بباب قديس والمكرّ عسير (٢) عشيّة ودّ القوم لو أن بعضهم ... يعار جناحى طائر فيطير إذا ما فرغنا من قراع كتيبة ... دلفنا لأخرى كالجبال تسير (٣) ترى القوم فيها واجمين كأنهم ... جمال بأحمال لهنّ زفير (٤) وممن له بلاء حسن فى القادسية قيس بن المكشوح المرادى ابن أخت عمرو بن معديكرب، وهو الذى قتل رستم قائد الفرس فى تلك المعارك، وله يصور ذلك (٥): جلبت الخيل من صنعاء تردى ... بكل مدجّج كالليث سامى (٦) إلى وادى القرى فديار كلب ... إلى اليرموك فالبلد الشآمى وجئن القادسيّة بعد شهر ... مسوّمة، دوابرها دوامى (٧) فناهضنا هنالك جمع كسرى ... وأبناء المرازبة الكرام (٨) فلما أن رأيت الخيل جالت ... قصدت لموقف الملك الهمام فأضرب رأسه فهوى صريعا ... بسيف لا أفلّ ولا كهام (٩) وقد أبلى الإله هناك خيرا ... وفعل الخير عند الله نامى وممن حضر القادسية الأسود بن قطبة، وله فيها أشعار كثيرة (١٠)، وعمرو بن

стр. 486

شأس الأسدى (١)، وكان كثير الشعر فى الجاهلية والإسلام، وله يذكر قتل رستم (٢): قتلنا رستما وبنيه قسرا ... تثير الخيل فوقهم الهيالا (٣) وفرّ الهرمزان ولم يحامى ... وكان على كتيبته وبالا (٤) وشهد القادسية أيضا عروة بن زيد الخيل، وله فيها شعر كثير على شاكلة قوله (٥): برزت لأهل القادسية معلما ... وما كلّ من يغشى الكريهة يعلم ومن الشعراء البارزين الذين شهدوها ربيعة بن مقروم الضبى (٦)، وقد ختم الجاحظ كتابه «الحيوان» بأبيات له يذكر فيها بلاءه حينئذ، يقول فيها (٧): وشهدت معركة الفيول وحولها ... أبناء فارس بيضها كالأعبل (٨) متسربلى حلق الحديد كأنهم ... جرب مقارفة عنيّة مهمل (٩) والأبيات من قصيدة رواها أبو الفرج فى أغانيه، وهو فيها يتحدث بجانب صنيعه فى تلك الحرب عن اقتحامه لحوانيت الخمارين ويفخر بأنه يسقى صاحبه الصبّوح، ونحن نعرف أن الإسلام حرّم الخمر، ومن ثم كنا نقطع بأن القصيدة تتألف من جزءين قيل أولهما فى الجاهلية، وقيل ثانيهما فى الإسلام، وسنرى عند حسان بن ثابت قصيدة على هذه الشاكلة حين نترجم له فى الفصل التالى. ومن ذلك قصيدة لعبدة (١٠) بن الطبيب، وهو من الشعراء المجيدين الذين أبلوا فى حروب القادسية والمدائن، ونراه يستهلها بقوله (١١):

стр. 487

هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول ويمضى فيذكر جهاد المسلمين للفرس، يقول: يقارعون رءوس العجم ضاحية ... منهم فوارس لا عزل ولا ميل (١) ويحدثنا عن هجرته مع قومه وأنهم إنما يبتغون ثواب الله، يقول: نرجو فواضل ربّ سيبه حسن ... وكل خير لديه فهو مقبول ولكنا نصدم فى آخر القصيدة بوصفه المسهب لمجلس شراب، ومن ثمّ كنا نقطع بأن للقصيدة أصلا قديما يتصل بحياة الجاهليين الوثنية وما كانوا يحلّون من خمر. وقد أضيفت إلى هذا الأصل قطع جديدة، تتصل بالهجرة فى سبيل الله ورسوله ووصف معارك العرب مع الفرس. وعلى هذا النحو نستطيع دائما أن نجمع كثيرا من الأشعار التى نظمت فى كل معركة، سواء مع الفرس أو مع الروم، وإن ما تطفح به كتب الصحابة مثل الاستيعاب والإصابة وكتب التاريخ مثل الطبرى وكتب الأدب مثل الأغانى وكتب الجغرافية مثل معجم البلدان لياقوت ليؤلف للعرب فى الفتوح ملحمة ضخمة. ولم تكن كلها أشعارا حماسية، ففيها مراث رائعة لبعض من كانوا يفقدونهم، من ذلك قصيدة كثير بن الغريزة التميمى يرثى بها من أصيبوا فى معارك الطّالقان وجوزجان لعهد عمر بن الخطاب، وفيها يقول (٢): سقى مزن السحاب إذا استهلّت ... مصارع فتية بالجوزجان وما بى أن أكون جزعت إلا ... حنين القلب للبرق اليمانى وربّ أخ أصاب الموت قبلى ... بكيت ولو نعيت له بكانى وعبّروا فى أثناء ذلك عن حنين بالغ إلى ديارهم وأهليهم. وبجانب هذا الحنين والرثاء نجد بعض الشعراء يتحدثون عن بلائهم فى المغازى بعامة، على نحو

стр. 488

ما نجد عند زياد بن حنظلة فى وصفه لمغازى الشام لعهد عمر وما أفاءه الله على المسلمين (١) ويروون أنه كان لأوس (٢) بن مغراء «قصيدة طويلة ذكر ما كان فيها من بلائهم فى الفتوح وفخر فيها بقريش لم يقل أحد أحسن منها» ومن قوله فيها: محمّد خير من يمشى على قدم ... وكان صافية لله خلصانا ويمكن أن نضم إلى هذه الأشعار شكوى بعض الجنود من الولاة والعمال حين يخونون فيما ائتمنوا عليه، على نحو ما نجد عند يزيد بن الصّعق، فقد أرسل بشكوى طويلة إلى عمر بن الخطاب من أصحاب الخراج، يقصّ عليه كيف أثروا ثراء غير مشروع من أعمالهم التى يتولونها ومما يأخذون لأنفسهم من المغازى، وفيها يقول (٣): نؤوب إذا آبوا ونغزو إذا غزوا ... فأنّى لهم وفر وليس لنا وفر وقد وصفوا كثيرا مما شاهدوه فى فتوحهم من المعاقل والحصون والحيوان كالفيل، وتحدثوا عما نزل بهم من طواعين (٤). وهناك أشياء لا بد أن نلاحظها فى هذه الأشعار الكثيرة التى رويت عنهم فى مغازيهم وفتوحهم، لعل أهمها أنها طبعت بطابع الآداب الشعبية، سواء من حيث نسيجها العام أو من حيث قائلوها ومن نسبت إليهم. أما من حيث النسيج فإنها لا تبلغ من المتانة مبلغ الأشعار التى نسبت فى العصر نفسه إلى الشعراء المجوّدين، وأما من حيث القائلون فإن كثيرا منهم يكاد يكون مجهولا، لسبب بسيط وهو أنه من عامة الجند. ومن ثمّ اختلف الرواة فى نسبة كثير من الأشعار إلى أصحابها. ويكثر أن يرسل الراوى الشعر إرسالا بدون نسبته إلى شاعر بعينه، وينصّ الطبرى على قطعتين كانت تتجاوب بهما الآفاق فى الجزيرة العربية ولا يعرف من نظمهما، ويعقّب عليهما بقوله: «وسمع بنحو

стр. 489

ذلك فى عامة بلاد العرب (١)». وكأن طائفة من شعر الفتوح تحولت إلى ما يشبه الأمثال التى يبدعها الشعب، فناظمها لا يعرف كما لا يعرف مرسل المثل لأنه من أبناء الشعب وأبناء الشعب قلما ذكروا أو مجّدوا بل إنه لا يعنيهم أن يذكروا أو يمجّدوا، إذ هم آخر من يهتم بهذا الفضل. ويسود فى هذا الشعر الإيجاز، فهو شعر اللمحات السريعة والمواقف الخاطفة، وجمهوره لذلك مقطوعات قصيرة، يجرى فيها الشاعر على سجيته دون تدقيق فى معنى أو تنقيح للفظ أو التماس وزن أو قافية. إنه يعبر عن خاطر التحم بصدره دون معاناة أو مكابدة، ويرمى به فى سرعة كما يرمى بسهمه أو يضرب بسيفه، غير مفكر فى تنقيح ولا فى تصفية أو تهذيب، ولذلك كانت تشيع فيه البساطة وعدم التكلف لما يعترض صاحبه من شواغل الجهاد التى تحول بينه وبين إطالة الفكرة كما تحول بينه وبين المعاودة للفظ وتجويده وتحبيره. وملاحظة أخيرة، وهى أن قصصا كثيرا عن أبطال الفتوح وجهادهم فى حروب الفرس والروم أضيف إلى هذه الأشعار. وقد حمل لنا ياقوت فى معجمه كما حملت كتب التاريخ والأدب أطرافا منه كثيرة. ومن غير شك خضع هذا العمل كله لمخيلة القصّاص فزادوا فى القصص والأشعار ما اتسع له خيالهم. ولكن مهما يكن فلهذا كله أصل صحيح، وهو أصل ضخم إذ كان الشعر يتدفق على ألسنة الفاتحين، وكانوا ينشدونه فى كل موقف وكل معترك، مقصّدين له حينا وراجزين أحيانا أخرى، وطبيعى أن يشيع فيه الرجز، لأنه كان فعلا الوزن الشعبى الذى ينظم فيه عامة العرب.

стр. 490

الفصل الرابع الشعراء المخضرمون ومدى تأثرهم بالإسلام ١ - كثرة المخضرمين المتأثرين بالإسلام من يقرأ فى شعر المخضرمين متصفّحا ما نثر فى كتب التاريخ والأدب يجد جمهور الشعراء يصدرون فى جوانب من أشعارهم عن قيم الإسلام الروحية التى آمنوا بها وخالطت شغاف قلوبهم. ولشعراء المدينة القدح المعلّى فى هذا الميدان، فهم الذين وقفوا مع الرسول ﷺ منذ نزوله بين ظهرانيهم ينافحون عنه ويدافعون عن دعوته مصوّرين لهديه الكريم، يتقدمهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وكان عبد الله خاصة دائم الاستمداد من القرآن يستلهمه فى هجائه للمشركين وفى كل ما ينظم من أشعار، على شاكلة قوله (١): شهدت بأن وعد الله حقّ ... وأن النار مثوى الكافرينا وكان بجانب هؤلاء الثلاثة شعراء آخرون لم يبلغوا مبلغهم فى الشهرة الشعرية، وقد رويت لهم أشعار تنمّ عن مدى إيمانهم العميق كقول أبى قيس صرمة بن أبى أنس الأنصارى فى قصيدة بديعة (٢): ونعلم أن الله لا شئ غيره ... وأن كتاب الله أصبح هاديا وقول أبى الدّرداء (٣): يريد المرء أن يؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا يقول المرء فائدتى ومالى ... وتقوى الله أفضل ما استفادا

стр. 491

وتحوّل شعراء قريش منذ فتحت مكة ودخلوا فى دين الله يكفّرون عما قدّمت ألسنتهم بأشعار، يعتذرون فيها للرسول ﷺ كقول ابن الزّبعرى (١): يا رسول المليك إنّ لسانى ... راتق ما فتقت إذ أنابور (٢) إذ أجارى الشيطان فى سنن الغ ... ىّ ومن مال ميله مثبور (٣) آمن اللحم والعظام بما قل ... ت فنفسى الفدا وأنت النّذير وقد حسن إسلامهم، ومضوا يصدرون عنه فى أشعارهم، حتى إذا انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أخذوا يرثونه ويتفجّعون عليه، على شاكلة قول أبى سفيان بن الحارث (٤): لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيل: قد قبض الرسول نبىّ كان يجلو الشكّ عنا ... بما يوحى إليه وما يقول وإذا تركنا شعراء المدينتين الكبيرتين إلى شعراء نجد والبوادى وجدنا بينهم كثيرين يقبسون من أضواء الإسلام، ولا نقصد من خرجوا إلى الجهاد فى سبيل الله فحسب، فقد عمّ ذلك من ظلوا فى الجزيرة ولم يتح لهم تقدم سنهم شرف الاشتراك فى هذا الجهاد. ونحن نقف عند مشهوريهم، ثم نعطف على من لم يبلغوا مبلغهم من الشهرة، ولعل أول من ينبغى الوقوف عنده عبدة بن الطبيب الذى تحدثنا عنه فى شعر الفتوح، فقد روى له صاحب المفضليات عينية بديعة، ونراه فى شطر كبير منها يوصى أبناءه بتقوى الله وبرّ الوالد والحذر من النمّام الذى يزرع الضغائن بين الناس، مستلهما فى ذلك كله آى الذكر الحكيم، يقول (٥): أوصيكم بتقى الإله فإنه ... يعطى الرغائب من يشاء ويمنع وببرّ والدكم وطاعة أمره ... إن الأبرّ من البنين الأطوع

стр. 492

واعصوا الذى يزجى النّمائم بينكم ... متنصّحا ذاك السّمام المنقع (١) يزجى عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع (٢) وهو القائل فى رثاء قيس بن عاصم (٣): عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما فلم يك قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما وواضح ما فى البيت الأول من روح إسلامية. وارجع إلى سويد (٤) بن أبى كاهل اليشكرى فسترى المفضل الضبى يروى له قصيدة (٥) يفخر فيها فخرا جديدا، لا عهد لنا به من قبل، فخرا إسلاميّا يذكر فيه ربّه وما أنعم به عليهم من نعم، يقول: كتب الرحمن والحمد له ... سعة الأخلاق فينا والضّلع (٦) وإباء للدنيّات إذا ... أعطى المكثور ضيما فكنع (٧) وبناء للمعالى إنما ... يرفع الله ومن شاء وضع نعم لله فينا ربّها ... وصنيع الله، والله صنع (٨) ويمضى فيعرض لخصم دنئ النفس كان يغتابه، ونراه يصفه وصفا يستلهم فيه الآية الكريمة ﴿(وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ)﴾ يقول:

стр. 493

بئس ما يجمع أن يغتابنى ... مطعم وخم وداء يدّرع (١) ويحيّينى إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمى رتع (٢) وممن أسلم وهو فى سنّ كبيرة الحصين (٣) بن الحمام سيد بنى مرّة الذبيانيين، وله أبيات تطرد على هذا النحو (٤): ويوم تسعّر فيه الحروب ... لبست إلى الرّوع سربالها (٥) فلم يبق من ذاك إلا التّقى ... ونفس تعالج آجالها أمور من الله فوق السماء ... مقادير تنزل أنزالها (٦) أعوذ بربى من المخزيا ... ت يوم ترى النفس أعمالها وخفّ الموازين بالكافرين ... وزلزلت الأرض زلزالها والصلة واضحة بين هذه الأبيات وآى الذكر الحكيم من مثل قوله تعالى: ﴿(وَاِتَّقُوا اللهَ)﴾ ﴿(فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)﴾ ﴿(فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ ﴿(إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)﴾ ﴿(هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)﴾ ﴿(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)﴾ وقوله عزّ شأنه: ﴿(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها)﴾ ﴿(فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ)﴾ ﴿(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ).﴾ واقرأ فى النّمر (٧) بن تولب، وهو ممن أدركوا الإسلام وقد علت سنّهم،

стр. 494

فسترى فى شعره آثارا من تلاوته للقرآن الكريم، على شاكلة قوله (١): ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذى يعطى الرّغائب فارغب وهو القائل (٢): أعذنى ربّ من حصر وعىّ ... ومن نفس أعالجها علاجا ومن حاجات نفسى فاعصمنّى ... فإنّ لمضمرات النفس حاجا (٣) وأنت وليّها فبرئت منها ... إليك وما قضيت فلا خلاجا (٤) ويروى أنه أنشد الرسول ﷺ قصيدة قال فيها (٥): لله من آياته هذا القمر ... الشمس والشّعرى وآيات أخر ومرت بنا استجارة المخبّل (٦) السّعدى بعمر بن الخطاب حين هاجر ابنه للغزو وكيف ردّه عليه، ومن قوله فى تهاية قصيدة له رواها المفضل الضبى (٧): إنى وجدت الأمر أرشده ... تقوى الإله وشره الإثم وكان فى الشّماخ (٨) شر كثير، وهو ممن شاركوا فى معركة القادسية ومعارك أذربيجان، ومع ذلك لا نجد فى ديوانه شيئا واضحا عن جهاده فى سبيل الله، وكأنما عنى الرواة بشعره البدوى وإحسانه فيه لوصف القوس وحمار الوحش (٩)، ومما يتمثّل به من شعره (١٠): ليس بما ليس به بأس باس ... ولا يضرّ البرّ ما قال الناس

стр. 495

وقد أنشدنا فى الفصل السابق أبياتا من مرثية أخيه جزء لعمر بن الخطاب، واشتهر أخوهما مزرّد (١) بهجائه وخاصة للأضياف، ويظهر أنه ارعوى وتاب عن الهجاء. كما يدل على ذلك قوله (٢): تنزّلت من شتم الرجال بتوبة ... إلى الله منى لا ينادى وليدها ومن شعراء هذيل البارعين فى هذا العصر أبو ذؤيب (٣) الهذلى، وقد قدم المدينة عند وفاة رسول الله ﷺ فوقف يبكيه مع الباكين قائلا من أبيات (٤): كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت آطام بطن الأبطح وتزعزعت أجبال يثرب كلّها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح وهو فى ديوانه يعنى بوصف النّحل، مثله فى ذلك مثل شعراء هذيل، وقد خرج يغزو فى سبيل الله، ونراه فى جنود عبد الله بن سعد بن أبى سرح الذين فتحوا قرطاجنة، وقد أرسل به مع عبد الله بن الزبير إلى عثمان مبشرين له بفتحها. وعاد إلى مصر، ولكن حدث أن توفّى له-قبل وفاته بعام- خمس بنين فى وباء، فرثاهم بعينيته المشهورة وفيها نحسّ رضاه بقضاء الله مع التحسر اللاذع على نحو ما نجد فى قوله (٥): أودى بنىّ وأعقبونى غصّة ... بعد الرّقاد وعبرة لا تقلع فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أنى لاحق مستتبع (٦)
следующие страницы →