← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

حجورهم فأرسل إليه زيان بن مردنيش صاحب بلنسية سنة ٦٣٥ هـ/١٢٣٧ م وفدا يستنجده لنصرته ضد أعداء الاسلام، كان فيه أبو عبد الله بن الأبار، وأنشده قصيدة فريدة منها قوله: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا ولبّاهم بأسطول محمّل بالأغذية والأسلحة، ووقعت فى أيدى النصارى. وقد ابتنى جامع القصبة فى تونس وصومعته ونقش عليها اسمه، وحين تمّت أذّن فيها بنفسه، وأنشأ فى قصره دارا للكتب جمع فيها ستة وثلاثين ألف مجلد فى مختلف العلوم والآداب. وكان عادلا حسن السيرة كما كان فقيها وشاعرا أديبا، وكان يأخذ نفسه بالتقشف والزهد فى متاع الحياة، وجمع للدولة بعدله وسياسته الرشيدة أموالا طائلة، وأخذت تونس (إفريقية التونسية) تستعيد مجدها وشخصيتها القوية أيام الأغالبة والصنهاجيين، ونفقت سوق العلم والأدب وكثر العلماء والشعراء وتوفى أبو زكريا سنة ٦٤٧ هـ/١٢٤٩ م. وخلفه ابنه المستنصر محمد وكان أبوه عنى بتربيته فدبّر أمور الدولة تدبيرا محكما وانتعشت تونس فى عهده. ولما قضى التتار فى بغداد على الخلافة العباسية وقتلوا الخليفة العباسى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م وأصبح المسلمون بدون خلافة وخليفة جاءته فى سنة ٦٥٧ هـ بيعة أمير مكة بالخلافة بإنشاء عبد الحق بن سبعين صوفىّ الأندلس، وكان مجاورا هناك فقرئت على الملأ واحتفل بها احتفالا عظيما، ومن حينئذ تلقب بأمير المؤمنين، وبايعه بنو مرين بفاس. وفى ذى القعدة سنة ٦٦٨ هـ/١٢٦٩ م غرّت الأمانىّ لويس التاسع بعد تنكيل مصر به وبحملته المشهورة، فقاد حملة كبيرة هاجم بها تونس برا وبحرا، وحاصرها ستة أشهر، ودفن تحت أسوارها، وعادت الحملة مدحورة إلى البحر المتوسط وما وراءه بعد أن أغرمها المستنصر مالا كثيرا. ومن أعماله الجليلة بناء الحنايا التى كان يجرى عليها الماء إلى مدينة قرطاجة من زغوان فى أيام الرومان وأصلح ما أفسده الزمن منها، ومدّها فى تونس إلى السقايات المختلفة: جامع الزيتونة وغيره، وازدهرت الحياة والحضارة بتونس لعهده ازدهارا عظيما. وتوفى سنة ٦٧٥ هـ/١٢٧٦ م وتولّى بعده ابنه يحيى الواثق وكان حسن السيرة غير أن عمه أبا إسحاق إبراهيم ثار عليه سنة ٦٧٨ واستولى على أزمة الحكم، وخرج عليه فى سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م ثائر يسمى أحمد بن مرزوق المسيلى ادّعى أنه الفضل ابن أمير المؤمنين الواثق بن المستنصر، وتمكن من الاستيلاء على تونس بمساعدة أعراب قابس الهلاليين، وبعد سنة ونصف من حكمه تصدّى له الأمير عمر أخو الواثق وجمع له جموعا سنة ٦٨٣ هـ/١٢٨٤ م وقبض عليه وقتله، وتولى شئون الحكم. وسرعان ما خرج عليه بالجزائر ابن عمه يحيى بن إبراهيم واستقل ببجاية وقسنطينة، وتوفى عمر سنة ٦٩٤ هـ/١٢٠٤ م وخلفه أبو عصيدة محمد بن الواثق وحاول استرجاع القسم الشرقى فى الجزائر وأخفق، وتوفى سنة ٧٠٩ هـ/١٣٠٩ م دون عقب واضطربت

стр. 4307

الأمور فى تونس، واستطاع أبو يحيى زكريا بن اللحيانى أن يستولى على زمام الأمور سنة ٧١١ هـ/١٣١١ م وكان شيخا كبيرا، فتخلى عن الحكم لابنه أبى ضربة، وحاربه أمير قسنطينة الحفصى أبو بكر سنة ٧١٨ هـ/١٣١٨ م وهزمه وقبض على صولجان الحكم فى تونس وتلقب بالمتوكل على الله، وخرج عليه بعض الأمراء من أسرته وأمدهم بنو زيان أمراء تلمسان من بنى عبد الواد، فأصهر إلى سلطان بنى مرين فى المغرب الأقصى، وهاجم معه ديار هذه الإمارة أو المملكة سنة ٧٢٠ هـ/١٣٢٠ م واقتسماها فيما بينهما. وصفا له الجو حتى وفاته سنة ٧٤٧ هـ/١٣٤٦ م وأخذ يعنى بالحركتين العلمية والأدبية وازدهرت لعهده، كما عنى بشئون الزراعة والصناعة والتجارة، فازدهرت جميعا، ومما يدل على هذا الازدهار ما ذكره المؤرخون من أن عدد دكاكين العطارين وحدهم فى أيامه بلغ فى تونس سبعمائة دكان. وبويع بعده لابنه أبى حفص الثانى، وثار عليه أخوه أبو العباس. وانتهز السلطان المرينى أبو الحسن فرصة هذه الفتن فاتجه فى جيش جرار إلى تونس سنة ٧٤٨ وفتك بسلطانها أبى حفص، واستقام له ملك المغرب الأوسط، والأدنى لمدة سنتين ونصف، غير أنه لم يحسن السياسة مع الأعراب كما كان يحسنها سلاطين تونس فثاروا عليه ونازلوه فى تونس وهزموه، وجاءه الخبر بأن ابنه أبا عنان ثار عليه فى مراكش، فعاد سريعا إلى عاصمته سنة ٧٥٠ هـ/١٣٤٩ م. وعادت تونس للحفصيين، وتولّى زمام الخلافة والحكم الفضل بن أبى بكر الحفصى، ودبّر له الحاجب القديم الشرير ابن تافراجّين مؤامرة قتل فيها، وتولى أخوه أبو إسحاق إبراهيم سنة ٧٥١ هـ/١٣٥٠ م واتخذ ابن تافراجّين حاجبا له، واضطربت عليه الأمور إلى أن توفى ابن تافراجّين سنة ٧٦٦ ولم يلبث أن توفى سنة ٧٧٠ هـ/١٣٦٨ م. واستولى على زمام الأمور فى تونس أبو العباس أحمد الحفصى سنة ٧٧٣ هـ/١٣٧٠ م وهو من خيرة الحكام الحفصيين قمع الأعراب وأهل الفساد، واسترجع ما ضاع من الدولة فى أثناء الفتن مثل المهدية وسوسة وقابس وشط الجريد وجزيرة جربة، وساد الأمن والعدل فازدهرت البلاد. وفى أيامه غزا الجنويون والفرنسيون المهدية فى ثمانين قطعة، ودافعهم عنها جيشه وردهم على أعقابهم خاسرين، وتوفى سنة ٧٩٦ هـ/١٣٠٣ م بعد ما أعاد لتونس ما كان لها من هيبة وقوة. وخلفه ابنه أبو فارس عبد العزيز، وفيه يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب: «هذا السلطان درة عقد الدولة الحفصية وفخر من مفاخر البلاد التونسية، سار بعدل وتدبير وسياسة، فازدهت إفريقية (التونسية) فى أيامه، وبلغت شأوا بعيدا فى الثروة والعمران». وقد بدأ عهده بإخضاع طرابلس وقابس وقفصة والجريد وبسكرة والصحراء، وكان بنو سليم قد أكثروا من الثورات فقلّم أظفارهم، واستصرخوا سلطان فاس المرينى بالمغرب الأقصى فأرسل لهم جنودا من عنده وانضم إليهم أمير بجابة الحفصى ابن أبى زكريا، واتجهوا بجموعهم إلى تونس سنة ٨١٢ هـ/١٤٠٩ م فهزمهم وقتل الثائر الحفصى، وصمم على الثأر من السلطان المرينى،

стр. 4308

فلما شارف عاصمته «فاس» أرسل إليه بالطاعة، فعفا عنه ونصحه أن يحكم بالعدل الذى لا تستقيم حياة الرعية بدونه. ورجع إلى عاصمته بعد أن دان له شمال إفريقية بالسمع والطاعة. وفى سنة ٨٣٥ هـ/١٤٣٢ م احتلّ ملك أرجون جزيرة جربة وأنجدها ولاذ المحتلون بالفرار. وقد أنشأ طائفة من القلاع والمحارس لحماية السواحل والثغور، وبنى مارستانا للمرضى والعجزة، وأنشأ لنفسه قصرا بضاحية باردو فى تونس وأحاطه بحديقة بديعة وشيد فيه خلفاؤه الحفصيون والعثمانيون قصورا وحدائق أنيقة. ومن مآثره الجليلة تشييده مكتبة لطلاب العلم فى أحد أروقة جامع الزيتونة إلى الشمال وجمع لها آلافا من المجلدات وقفها عليها، وقد نحّى عن كاهل الشعب كثيرا من الضرائب الفادحة وبسط العدل والأمن، وتوفى سنة ٨٣٧ هـ/١٤٣٤ م. وتولى بعده حفيده محمد المنتصر، وأنشأ مدرسة سميت المدرسة المنتصرية، وبنى زاوية الشيخ الصالح أحمد بن عروس وتوفى بعد عام وشهرين، وخلفه أخوه أبو عمرو عثمان سنة ٨٣٩ هـ/١٤٣٥ م وظلّل العدل والأمن والاستقرار الرعية طوال حكمه الذى امتد إلى نحو أربعة وخمسين عاما إذ توفى سنة ٨٩٣ هـ/١٤٨٨ م وقد قمع ثورة لعمه أبى الحسن فى قسنطينة وبجاية، وثارت عليه تلمسان وأعادها إلى طاعته، وكان أخوه المنتصر توفى ولم يكمل مدرسته المنتصرية فأكملها، وشيد لنفسه مدرسة كبيرة جعل فيها مسجدا للصلاة وغرفا للدراسة ومساكن للطلبة وسماطا يمتدّ كل يوم للفقراء، ووقف عليها ما يكفيها ويكفى من بها من العلماء والطلبة، وبنى ثلاثة مكاتب لقراءة القرآن، وعنى بإنشاء مكتبة عمومية فى أحد أروقة جامع الزيتونة، وأتمها بعده حفيده أبو عبد الله محمد، ونسبت إليه فسميت العبدلية. ومن حسناته كتابة مصحف بخطّ يده فى عدة أسفار جعله بجانب نسخة البخارى التى وقفها أبوه فى جامع الزيتونة. وخلفه حفيده أبو زكريا، لمدة ست سنوات، ووليها بعده أخوه أبو عبد الله محمد الذى أتمّ المكتبة العمومية التى ابتدأها جده كما أسلفنا. وكانت الدولة العثمانية قد عظم شأنها وأصبح لها أسطول ضخم ينافس الأسطول الإسبانى أقوى أساطيل أوربا حينذاك فى البحر المتوسط، وكان لها أميران من أمراء البحر هما الأخوان: عرّوج وخير الدين ويسميه الإفرنج بربروسة، وكانا يشتغلان بالقرصنة لحساب الدولة العثمانية، وتقدما إلى الأمير أبى عبد الله محمد الحفصى المذكور آنفا طالبين منه الموافقة على أن يتخذا من جزيرة جربة قاعدة لأعمالهما البحرية ضد السفن الإسبانية لتخليص مدينة الجزائر من احتلال الإسبان على أن يكون له الخمس من غنائمهما، وقبل منهما هذا العرض، وظل ذلك مدة، وحدث أن استطاع عروج وخير الدين تخليص مدينة الجزائر فعلا من يد الإسبان واتخذاها منذ سنة ٩١٦ هـ/١٥١١ م قاعدة لأعمالهما البحرية واستغنيا عن جزيرة جربة التونسية. وكانت الدولة التونسية قد أخذت فى التدهور والضعف الشديد لعهد الأمير أبى عبد الله محمد، ورأى

стр. 4309

ذلك خير الدين رأى العين، وتوفى الأمير أبو عبد الله سنة ٩٣٢ هـ/١٥٢٦ م وخلفه ابنه الحسن فرأى خير الدين أن يزحف إلى تونس من الجزائر، ويضمها إلى الدولة العثمانية كما ضم إليها الجزائر، وزحف إليها فعلا واستولى عليها سنة ٩٣٥ هـ/١٥٢٩ م فلجأ الأمير الحفصى الحسن إلى كارلوس الخامس ملك إسبانيا، فرآها فرصة عظيمة، وقدم معه سنة ٩٤٣ هـ/١٥٣٧ م ودخل مع الحسن تونس عنوة، وفرّ خير الدين بجنده إلى الجزائر وأذن كارلوس لجنده بنهب تونس، فاستباحوا حماها، وأجلس الحسن على عرشها وأشرك معه فى الحكم أحد قواده، وعقد معاهدة معه بمقتضاها يتنازل للإسبان عن بعض المدن التونسية سوى ما اشترطه عليه من دفع أموال باهظة سنويا، وثار على الحسن ابنه أحمد حاكم عنابة (بونة) وانضم إليه كثيرون. وبعد قتال عنيف استولوا على تونس وسملوا عينى الحسن، ففقد بصره وفر إلى القيروان وتولى ابنه أحمد مكانه، واستولى الإسبان على المهدية والمنستير وجزيرة جربة والقيروان وكان أهل طرابلس قد استغاثوا بالدولة العثمانية فأزاحت عنهم فرسان مالطا كما ذكرنا فى حديثنا عن ليبيا. سنة ٩٥٨ هـ/١٥٥١ م بفضل أسطول درغوت الذى كان مرابطا أمام الجزائر، وقد استطاع أن يفتكّ المهدية والقيروان وجربة والمنستير من أيدى الإسبان وأقام بكل منهما حامية عثمانية ونائبا، وكان خير الدين (بر باروسة) قد حرّر الجزائر من الإسبان وأصبحت ولاية عثمانية، فأرسل الأمير أحمد الحفصى إلى واليها سنة ٩٧٧ هـ/١٥٧٠ م أحد وزرائه يستنجد به ضد الإسبان، فانتهز الفرصة وقدم بجيش استولى به على تونس وأخذ البيعة فيها للسلطان العثمانى، فاستنجد الأمير الحفصى أحمد بالإسبان أعدائه فأعادوا الحماية وعرف الأمير أحمد خطأه، فترك الحكم لأخيه محمد سنة ٩٨٠ هـ/١٥٧٣ م ورحل إلى صقلية وظل بها إلى مماته، وخضع محمد للحماية الإسبانية، وأشرك الإسبان فى الحكم الكنت سربلونى وازدادوا عسفا وعتوا، وتكررت استغاثة التونسيين بالدولة العثمانية، فأرسلت إليهم فى سنة ٩٨١ هـ/١٥٧٣ م قوة عثمانية كبيرة بقيادة الوزير سنان باشا، ففتك بالحامية الإسبانية فتكا ذريعا وطرد بقيتهم من البلاد إلى البحر المتوسط وما وراءه، وأرسل بالأمير الحفصى محمد إلى الأستانة فظل معتقلا بها إلى وفاته. وبذلك انتهت الدولة الحفصية بعد أن حكمت تونس نحو ثلاثمائة وخمسين عاما.

стр. 4310

٦ - العهد (١) العثمانى كانت فاتحة أعمال سنان باشا بعد تحريره القطر التونسى أن أعلن إلحاقه بالدولة العثمانية، فأصبحت إحدى ولاياتها فى إفريقية الشمالية الممتدة من مصر إلى الجزائر، وأخذ يرسى النظام الذى سيقوم على أسسه الحكم فى تونس، فنظم الديوان الذى تجتمع فيه الهيئة الحاكمة للنظر فى شئون الجند والولاية، وقدّر الرواتب، ورتّب لجباية الأموال مشرفا باسم الباي، وجعل للبلاد حامية عسكرية عدادها أربعة آلاف جندى من الانكشارية، وهم جند الدولة الذين كانت تربيهم تربية إسلامية عسكرية، وكانت تجلبهم من الأناضول ومن سباياها فى أوربا، وجعل على كل مائة منهم أميرا يسمى «الداى» وجعل عليهم رئيسا هو الأغا، وانتخب بعض الأعيان من البلاد لمشاركة الديوان فى الحكم، وضرب السكة باسمه. ولما أنهى كل هذه الترتيبات وخطب الخطباء فى تونس باسم السلطان العثمانى عاد إلى إستانبول دار دولته وحكومته. وعينت إستانبول لتونس واليا بلقب باشا، ولم يلبث الدايات أن شغبوا على الوالى سنة ٩٩٩ هـ/١٥٩١ م واتفق الرأى على اختيار أحدهم ليكون له الرأى النافذ فى شئون الانكشارية، وسرعان ما أخذ هؤلاء الدايات يتسلطون على الحكم فى تونس ويعينون الوالى منهم وتضطر الدولة إلى قبول الواقع، وأول داى مهم منهم تولى شئون البلاد عثمان داى، وكان من خيرة الجند الذين رافقوا سنان باشا، وقد تولاها سنة ١٠٠٧ هـ/١٥٩٩ م فسنّ قوانين وطّد بها الأمن والعدل فى البلاد، وأشرف على القرصنة فى البحر المتوسط وعظم حظ تونس من غنائمها الوافرة، وفى أيامه سنة ١٠١٦ هـ/١٦٠٩ م أخرج الإسبان من بقى بديارهم من الأندلسيين إلا من تنصر أو تظاهر بتنصره، فهاجر منهم آلاف إلى تونس، وأكرمهم عثمان داى، إذ أقطع ذوى اليسار منهم ما اختاروه من الأراضى ووزع على المحتاجين منهم الأموال والنفقات فانتشروا فى أرجاء البلاد وأخذوا يؤسسون فيها المدن والقرى وينشئون المصانع والمزارع والبساتين، وبذلك أحدثوا فى إقليم تونس نهضة عمرانية وصناعية وزراعية، ويقال إن

стр. 4311

المهاجرين منهم فى عهد عثمان داى كانوا يبلغون ثلاثين ألفا، ولم يلبث أن توفى سنة ١٠١٩ هـ/١٦١١ م ودفن بزاوية ابن عروس. وخلفه يوسف داى، واستمر نزول المهاجرين الأندلسيين فى البلاد وأفاءوا عليها عمرانا وفيرا، وقد استرد جزيرة جربة من والى طرابلس العثمانى، واتفق على تسوية الحدود بين تونس والجزائر، ومن أعماله إنشاؤه جامعه الكبير ومدرسة سميت المدرسة اليوسفية نسبة إليه، وتنظيمه أسواق المتاجر، ونشط الأسطول التونسى لأيامه بقيادة قبطانه مراد، ويقال إنه غنم فى إحدى غاراته البحرية تسعين سفينة. وتوفى يوسف داى سنة ١٠٤٠ هـ/١٦٣١ م وخلفه القبطان مراد رئيس البحر، وفى أيامه تمتعت تونس بحياة رغدة آمنة فأحبه الناس، وعمل على أن تظل ولاية تونس فى بيته فتنازل عن الحكم لابنه حمودة، وأقرت الدولة العثمانية صنيعه، وبذلك أصبح حكم تونس وراثيا فى أسرته، وكان عهده وعهد ابنه حمودة عهدا هنيئا فى تونس واستطاعت كتيبة الصبائحية أن تقضى على العصاة قضاء نهائيا فى عهد حمودة فأمنت السبل وعاش الناس فى اطمئنان سابغ أو غامر فى جميع أنحاء الإقليم، ومن أعماله بناء جامع بديع بجوار زاوية أحمد بن عروس وصومعة أنيقة لجامع الزيتونة ومارستان للمرضى، وعنى بقصور الحفصيين فى باردو. واشتهرت زوجته عزيزة حفيدة الداى عثمان بأعمال بر كثيرة، من ذلك أنها حبست وقفا كبيرا على مارستان كان خاصا بمرضى الأعصاب، ولذلك سمى دار الدراويش، ومن الطريف أنها خصّت قسما من الوقف بالعود والرباب والضاريين عليهما ترويحا لأولئك المرضى، وبذلك سبقت الطب الحديث إلى تبين تأثير الموسيقى فى مداواتهم وتهدئة أعصابهم. وتوفى حمودة المرادى سنة ١٠٧٦ هـ/١٦٦٦ م وخلفه ابنه مراد وكان حسن السيرة وقبض بقوة على زمام الأمور، وسمع بأن جنود الانكشارية فى طرابلس قتلوا الوالى فذهب إليهم ونكّل بهم، وأجلس ابنا له فى عمله. وتوفى سنة ١٠٨٦ هـ/١٦٧٦ م. وولى بعده خلف سئ شاع فى أيامهم البغى والظلم، وتنازعوا فى الاستيلاء على الحكم واستعان بعضهم بالجزائر، ودخلت جنودها تونس غير مرة، مما جعل الداى إبراهيم الشريف يفتك بآخر أمرائهم سنة ١١١٤ هـ/١٧٠٣ م. وبذلك انقرضت الدولة المرادية، وعاود الجزائريون الكرة على البلاد التونسية، وهزموا إبراهيم الشريف. وجزع أهل الحل والعقد فى تونس من الشيوخ وغيرهم، واتفقت كلمتهم على إسناد الدولة للباى حسين بن على وكان قد تقلد وظائف حربيّة وإدارية مختلفة للأسرة المرادية، ولم يجد بدا من النزول على رأيهم وإرادتهم. وفرح به أهل تونس وبايعوه فى ربيع الأول سنة ١١١٧ هـ/يولية ١٧٠٥ م. وبدأ أعماله بإصلاح سور تونس وتحصين قلاعها، ولم يلبث الجيش الجزائرى أن خيّم بالقرب من تونس فدارت الحرب وثبت التونسيون، وتقهقر الجزائريون إلى بلادهم. وأخذ الإقليم التونسى يعيش فى أيامه حياة رغدة آمنة وانتعشت المزارع والمتاجر والمصانع، وأخذ يعنى بإنشاء المدارس، فأنشأ فى تونس مدرستين كما أنشأ مدرسة فى كل من

стр. 4312

القيروان وسوسة وصفاقس ونفطة، واتخذ قصر باردو مقرا لحكومته وبنى به قصرا ومسجدا. ورضيت عنه الدولة العثمانية فجعلت ولاية تونس وراثية فى أسرته، ولم يكن له ولد فى أول أمره فتبنّى ابن أخيه على بن محمد، وعنى بتربيته وجعله وليا لعهده ثم رزق بابنيه محمد وعلى، فنقل ولاية العهد منه إلى ابنه محمد الرشيد وجلب لعلى ابن أخيه من الدولة العثمانية لقب الباشا، ولكن عليا ظل غاضبا، ووصل إلى الجزائر، فشجعه حاكمها العثمانى على مغاضبة عمه وأمده بجيش جرار، زحف به إلى الإقليم التونسى والتقى بجيش لعمه وانتصر عليه سنة ١١٤٧ هـ/١٧٣٥ م ودخل تونس وتقلد شعار الولاية، وأصبح تابعا لوالى الجزائر العثمانى يؤدى إليه الخراج، أما عمه حسين باى فإنه نجا مع ابنيه إلى القيروان وأخذ يعد جيشا للقاء ابن أخيه حتى إذا كانت سنة ١١٥٣ هـ/١٧٤١ م التقى الجيشان جنوبى القيروان ودارت الدوائر على جيش حسين وقتل فى المعركة. وأصبح على واليا لتونس دون منازع. وكان البحارة الجنويون يقيمون فى مرسى طبرقة بالشمال الغربى للقطر التونسى، فبعث ابنه يونس على رأس جيش شرّدهم كما شرد فرنسيين فى قرية بجوارهم أقاموا بها مراكز تجارية. وحدث شقاق بين الابن وأبيه، وتحاربا ودارت الدوائر على ابنه. وكان على باشا متعمقا فى الدراسات اللغوية، وله شرح كبير على كتاب التسهيل لابن مالك فى النحو، وجمع فى قصر باردو مكتبة نفيسة، وأنشأ أربع مدارس بعاصمته: الباشية نسبة إليه والسليمانية ومدرستى بير الحجاز، وكان راعيا للأدباء والشعراء من أمثال على الغراب ومحمد الورغى. وكان ابنا عمه حسين قد فرّا بعد مقتل أبيهما إلى الجزائر مستنجدين بواليها التركى، وظلا هناك ستة عشر عاما استطاعا فى نهايتها أن يقنعا الوالى التركى بأن يرسل معهما جيشا لنصرتهما على ابن عمهما وأخذهما بثأرهما، وأرسل معهما جيشا جرارا، حاصرا به تونس، ودافع ابن عمهما على دفاعا مستميتا سنة ١١٦٩ هـ/١٧٥٦ م وخرّ صريعا فى المعركة. وتربّع ابن عمه محمد الرشيد على كرسىّ تونس، وكان مولعا بالموسيقى والتلحين والضرب على مختلف الآلات، فترك تدبير شئون الدولة لأخيه على، ولم يلبث أن توفى سنة ١١٧٢ هـ/١٧٥٩ م وخلفه أخوه على واهتم بتعضيد التجارة والزراعة والصناعة، وانتشر فى القطر الأمن. وأنشأ فى تونس محكمة شرعية ومدرسة لقبت بالجديدة، كما أنشأ تكية للضعاف والعجزة من الرجال والنساء، ولما تم بناؤها وأخذت تقدم الغذاء للمحتاجين قاد إليها جماعة من العمى فاقدى البصر وجلس معهم وأطعمهم بيده. وحدث فى أوائل حكمه سنة ١١٨١ هـ/١٧٦٨ م أن ألحقت فرنسا جزيرة كورسيكا بممتلكاتها فلم تصادق الحكومة التونسية على هذا الإلحاق ولا اعترقت بالجنسية الفرنسية لأسرى تلك الجزيرة ممن حملهم إلى تونس أمراء البحر المتوسط وقراصنتها، وأعلنت فرنسا الحرب على تونس وأطلق أسطولها قنابل على ثغور المنستير وسوسه وحلق الوادى وبنزرت وبعد اتصالات أبرم الصلح بين فرنسا وتونس

стр. 4313

بباردو سنة ١١٨٤ هـ/١٧٧٠ م. ولما تقدمت به السن ووهن منه الجسم أشرك ابنه حمودة معه فى الحكم، وكاتب الدولة العثمانية فى ذلك فوافقت، وتوفى سنة ١١٩٦ هـ/١٧٨٢ م. وخلفه ابنه حمودة، وكان أبوه قد عنى بتربيته وإعداده لإدارة الحكم والدولة إدارة سديدة وفى عهده استأجر بحّارة تونسيون من بعض بحارة البندقية سفينة لحمل بضائعهم من الإسكندرية إلى صفاقس، وعرّج بهم البحارة على مالطة، فقبض واليها على التونسيين وزجّ بهم فى السجن بحجة ظهور وباء فيهم وأمر بإحراق ما معهم من السّلع. وعاد التجار التونسيون إلى العاصمة تونس، وتظلموا لحمودة، فطلب من نائب جمهورية البندقية أن تؤدى جمهوريته قيمة ما ضاع على التجار التونسيين بمقتضى القانون التجارى، وأفضى هذا النزاع إلى إعلان تونس الحرب على البندقية سنة ١٢٠٤ هـ/١٧٩٠ م وجهزت لذلك أسطولها، ورضيت البندقية بدفع الغرامة وانعقد الصلح بين الحكومتين. وفى سنة ١٢٠٩ هـ/١٧٩٥ م وفد على تونس والى طرابلس على القرمانلى فرارا من ثورة لعلى برغل فيها، فأحسن استقباله حموده، وكان على برغل قد استولى أيضا على جزيرة جربة التونسية، فأرسل إليها حمودة الأسطول التونسى فاستردها بمجرد ظهوره أمامها، وأرسل أحد قواده على رأس جيش مع والى طرابلس فدحر على برغل وأقرّ عليها على القرمانلى، وعاد الجيش ظافرا منصورا. ونشبت الحرب بينه وبين الجزائر سنة ١٢٢١ هـ/١٨٠٧ م وكانت لهم الجولة الأولى وأعاد حمودة الكرّة وانتصر جيشه انتصارا ساحقا. وكل ذلك يدل على أن تونس حظيت فى عهد حمودة بمكانة دولية كبيرة. وقد عم فيها الرخاء والأمن ونشطت الزراعة والصناعة والتجارة بها نشاطا كبيرا إلى نهاية حكمه سنة ١٢٢٩ هـ/١٨١٤ م وكان معاصرا لنزول الحملة الفرنسية مصر وانتصار المصريين عليها انتصارا حاسما سنة ١٢١٥ هـ/١٨٠١ م وهو انتصار هز العرب فى جميع بلدانهم هزة عنيفة جعلتهم يستيقظون من سباتهم الطويل ويستشرفون عصرهم الحديث مستشعرين فيه كيانهم وهويّتهم العربية الإسلامية، ونرى الباي حمودة يستشعر-بقوة-شخصية تونس ويحاول- جادّا-أن يعيد إليها قواها التى طمرها العثمانيون حقبا متوالية، فيأمر بتجنيد التونسيين وإشراكهم فى الجيش والحكم مع الترك أو الحامية التركية، وضرب للتونسيين بنفسه مثلا وطنيا كريما فى ملبسه ومطعمه، فلم يكن يلبس إلا من منسوجات تونس ولم يكن يطعم إلا من خيراتها وطيباتها متباهيا بذلك مفاخرا، وبذلك ابتدأ الداى حموده ببلده العصر الحديث فى القرن التاسع عشر بدءا قويما سديدا.

стр. 4314

الفصل الثّانى المجتمع التونسى ١ - عناصر (١) السكان البربر هم العنصر الأول الذى سكن القطر التونسى وعمر أرضه أجيالا وقرونا قبل أن ينزله عناصر جدد، واختلف المؤرخون فى أصلهم ونسبهم، فقيل هم إفريقيون أصلا وموطنا وقيل بل هم آسيويون، فمن قائل إن أصلهم من اليمن، ومن قائل إن أصلهم من العماليق انتقلوا من ديار الشام إلى إفريقية، ومن قائل إنهم أخلاط من كنعان والعماليق، ومن قائل إنهم من عرب الشمال من ولد قيس بن عيلان، ومن قائل إن جدهم مازيغ كان أخا لفلسطين وأن أبناءه بارحوا الشام واخترقوا مصر إلى إفريقية، ومازيغ كان ابن كنعان بن حام، وهم بذلك حاميون لا ساميون، ويعلق ابن خلدون على هذه الآراء وما يماثلها فى بيان نسب البربر بأنها «أحاديث خرافة إذ مثل هذه الأمة (البربرية) المشتملة على أمم وعوالم ملأت جانب الأرض (المغربية) لا تكون منتقلة من جانب آخر وقطر محصور، والبربر معروفون فى بلادهم وأقاليمهم متميزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام، فما الذى يحوجنا إلى التعلق بهذه الترهات فى شأن أوليتهم ولا يحتاج إلى مثله فى كل جيل وأمة من العجم والعرب». ويضيف ابن خلدون إلى ذلك قوله «إن نسابة البربر يزعمون فى بعض شعوبهم أنهم من العرب مثل لواتة يزعمون أنها من حمير، ومثل هوارة يزعمون أنها من كندة ومثل زناتة يزعمون أنها من بقايا التبابعة. . وهذه كلها مزاعم، والحق الذى شهدت به الرطانة والعجمة (فى ألسنة البربر) أنهم بمعزل عن العرب». وابن خلدون محق فى وصف ذلك كله بأنه مزاعم وترهات، إذ لا حاجة للبربر بذلك كله، إذ هم شعب عريق أصيل مضاه لشعوب العالم العريقة الأصيلة مثل

стр. 4315

العرب والمصريين والفرس والروم. أما تسميتهم باسم البربر فالمظنون أن الرومان-وربما اليونان-هم الذين أطلقوه عليهم أخذا من الكلمة الإغريقية Barbarus ومعناها الأجنبى الذى يرطن بلغة غير مفهومة، إذ كانت لغة البربر-بالنسبة للرومان واليونان-أصواتا مبهمة، والكلمة بهذا المعنى الإغريقى تلتقى بمعنى البربرة فى العربية وهو التمتمة بالكلام بحيث لا يفهمه السامع. وظل البربر لا يتصلون بالشعوب القديمة آمادا طويلة حتى إذا كان القرن العاشر قبل الميلاد أو قبله أو بعده بقليل كان فينيقيون من سكان لبنان-وكانوا شعبا ملاحيا-يجوبون الساحل الإفريقى بحثا عن مواضع يتبادلون فيها سلعهم وعروضهم مع البربر، وأعجبتهم تونس، فنزلوا بها، ومع مرّ عشرات السنين اتخذوا لأنفسهم فيها موطنا ومركزا لتجارتهم، إذ أسسوا فيها مدينة قرطاجة بالقرب من مدينة تونس الحالية، واستوطنها كثير من أسرهم الفينيقية، وأنشئوا بها دولة وجيشا منهم ومن البربر، وقد امتزجوا بهم وصاهروهم وعلموهم الملاحة والتجارة وتبادل السلع وفلاحة الأرض وغرس الأشجار، ونقلت إليهم قوافلهم المتعمقة فى السودان كثيرا من الزنوج، وفسحوا لبعض اليهود فى النزول بمدينتهم. وبذلك أصبح يوجد فيها لعهدهم أربعة عناصر من السكان: عنصر بربرى من سكانها الأولين وعنصر فينيقى وعنصر زنجى وعنصر يهودى، ويدور الزمن وتستولى روما على قرطاجة، وتبنى من أنقاضها قرطاجة جديدة، وتستوطنها أسر رومانية كثيرة، وتضيف القوافل زنوجا جددا كثيرين إلى البلاد، ويفد عليها منذ سنة ٧٠ للميلاد بعد تحطيم الإمبراطور تيتوس لمعبد بيت المقدس أسر يهودية كثيرة. ويدور الزمن دورة ثانية وتستولى جموع الواندال على تونس سنة ٤٣٩ للميلاد، ويظلون بها حتى سنة ٥٣٤ مضيفين إلى البلاد عنصرا ألمانيا جديدا، ويخلفهم البيزنطيون حتى سنة ٦٤٧ مضيفين بدورهم العنصر البيزنطى الإغريقى. ثم يكون الفتح العربى، وتظل تقدم إلى القطر التونسى جيوش لإكمال الفتح أو للقضاء على بعض الثورات طوال القرن الأول الهجرى، وتخمد ثورات البربر ضد الإسلام والعرب، وتشتعل فى القرن الثانى ثورات الخوارج من البربر. وتظل الدولتان الأموية والعباسية ترسلان الجيوش لإخمادها، وكثير من جنود هذه الجيوش استقر فى إفريقية التونسية وأصبحت مستقرا له منذ أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان فى سنة ٥٠ هـ/٦٧٠ م فقد سكنها بعض الجنود الفاتحين وأسرهم واتخذوها موطنا لهم ومقرا. وأخذ كثير من جنود هذه الجيوش يسكن فى بعض بلدان تونس عاملا على نشر الإسلام والعربية. وكانت هذه الجيوش تضم عناصر من العرب ومن البلاد الإسلامية المفتوحة: إيران وسكان الرافدين فى العراق والشام ومصر وكل هذه العناصر أخذت تمتزج بالبربر فى تونس امتزاجا سريعا بحكم ما يجمع بينهم من الدين واللغة،

стр. 4316

ولم تشارك مصر فى هذا الامتزاج بمن كان ينتظم منها فى الجيوش العربية فحسب، بل شاركت أيضا فى عهد حسان بن النعمان سنة ٧٦ هـ/٦٩٥ م بألف أسرة قبطية طلبها للمساعدة فى تأسيس دار صناعة لسفن أسطوله الذى سيحمى به سواحلها ويغزو جزر البحر المتوسط، وجاءته ووزّعها بين تونس ورادس وقرطاجة، ومنذ إبراهيم الأغلب يستكثر الأغالبة فى الحرس من الصقالبة، وأيضا من الزنوج، وكانوا لعهد إبراهيم أكثر من خمسة آلاف، ولكثرة خيرات تونس وطيباتها وحسن معاملة الإسلام للنصارى واليهود ظل ينزلها منهما كثيرون. وفى منتصف القرن الخامس الهجرى تدخل القطر التونسى جموع الهجرة الأعرابية التى تحدثنا عنها فى الفصل الماضى، والتى كانت تبلغ-فيما يقال-نحو نصف مليون، ولا بد أن جماهير كبيرة منهم ألقت عصاها بتونس وبلدانها وسهولها وزروعها حتى لقد أصبحت بلدان مختلفة على الساحل وفى الداخل بأيديهم. وحقا سبّبت هذه الهجرة الكبيرة غير قليل من الاضطراب فى البلاد والفوضى، ولكن ربّ نقمة سببت نعمة، فإن هذه الهجرة أتمت بسرعة تعريب البربر والشمال الإفريقى المغربى جميعه، فإن من كانوا يستقرون فى البلاد المغربية من الجيوش العربية الغازية فى القرنين الأولين الهجريين كانوا قلة بالقياس إلى جموع البربر العديدة، ولذلك كان تعرب البربر بطيئا، حتى إذا حدثت هذه الهجرة تعرب البربر نهائيا وأصبحوا شعبا عربيا، إذ امتزجوا بالعرب معيشة ومصاهرة، حتى أصبح لا يوجد فرق بين عربى وبربرى، ويصور ذلك ابن خلدون فى قبيلة هوارة قائلا: إنهم صاروا فى عداد الناجعة (الرعاة) بنى سليم فى اللغة والزىّ وسكنى الخيام وركوب الخيل وكسب الإبل وممارسة الحروب». وهكذا الأعراب مع البربر فى كل أرجاء المغرب، وفى الحق أن هذه الهجرة الأعرابية الضخمة لم تكن عنصرا جديدا أضيف إلى ما كان بتونس من عناصر، بل كانت شعبا أضيف إلى شعب واندمج فيه وأصبح الشعبان شعبا واحدا. ويستولى النورمان على صقلية سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩٢ م. ويعود إلى تونس كثرة من أبنائها الصقليين ولا تكاد تؤسس الدولة الحفصية حتى تحدث نكبة الأندلس الكبرى نكبة سقوط مدنهم فى حجر الإسبان النصارى واحدة إثر أخرى، ويأخذ الأندلسيون فى الهجرة إلى المغرب الأقصى، ويتجه كثيرون منهم إلى تونس، ويرحب بهم مؤسس الدولة أبو زكريا وابنه المستنصر، ويفسحان لعلمائهم وأدبائهم فى الحركتين الأدبية والعلمية، كما يفسحان للزراع وأصحاب الصناعات منهم، وتأخذ أعدادهم فى التزايد طوال القرن السابع الهجرى، وخاصة مع سقوط البلدان الأندلسية مثل إشبيلية وبلنسية، وكان كثيرون من هؤلاء الأندلسيين المهاجرين يرجعون إلى أصول عربية وبربرية، وكان بينهم من يرجعون إلى أصول

стр. 4317

مصرية أو شامية أو إيرانية، ممن قدم آباؤهم من آسيا مع الجيوش الفاتحة للأندلس كما كان بينهم مسلمون يرجعون إلى أصول إيبيرية وقوطية وواندالية من سكان إسبانيا القدماء، وكثر نزول هؤلاء المهاجرين الأندلسيين بتونس بعد سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م ويقال إنهم بلغوا حتى هذا التاريخ نحو مائة ألف أو يزيدون. وفى سنة ١٠١٦ هـ/١٦٠٩ م نفى الإسبان بقية من كان بها من المسلمين إلا من أعلن تنصره أو تظاهر بذلك، وقدم إلى تونس منهم فى سنة واحدة لعهد عثمان داى نحو ثلاثين ألفا، ورحّب بهم كما مر بنا فى الفصل الماضى، وهو ترحيب لا يستحق شكره من أجله وحده بل يستحقه أيضا قبله التونسيون الذين أتاحوا لهم المعيشة الكريمة بينهم فى المدن، حتى كان لميسوريهم فى تونس العاصمة حيان: حومة الأندلس وزقاق الأندلس، وتأسست للعمال والصناع قرى ومراكز بالقرب من العاصمة زاولوا فيها صناعاتهم من المنسوجات الحريرية وغيرها، وأنزل القرويون منهم فى مناطق خصبة غزيرة المياه شمالا على ضفاف نهر مجردة. ومن المؤكد أن الإسبان الذين احتلوا تونس نحو أربعين عاما (٩٤٣ - ٩٨١ هـ) لم يخلفوا وراءهم أسرا إسبانية حين طردهم سنان باشا إلى البحر المتوسط وما وراءه. وكان الولاة فى العهد العثمانى يتخذون لهم حاميات عسكرية من الانكشارية، وكانت تضم تركا من الأناضول وأجناسا متنوعة من مختلف أنحاء الدولة العثمانية وأسرى جيوشها من الدول الأوربية وكانت تربيهم جميعا تربية إسلامية عسكرية، وترسل ببضعة آلاف منهم إلى تونس وبالمثل إلى بعض البلاد العربية، وكانوا يتزوجون من تونسيات فربطتهم بتونس صلات عائلية وثيقة. واتسعت حركة القرصنة حينئذ لسببين: حذق العثمانيين بالبحارة، وقد استطاع خير الدين (بربروسة) وعروج وأمثالهما أن يجعلوا البحر المتوسط فى القرن العاشر الهجرى بحرا عثمانيا، والسبب الثانى غيظ الأندلسيين المهاجرين من الإسبان والأوربيين الذين كانوا يساعدونهم فى الحروب، فكانوا يوغرون صدور البحارة الترك عليهم ليأسروهم ويسترقوهم، وكانوا يسحبونهم على وجوههم من البحر بالآلاف أحيانا، وكان كثيرون منهم: إسبانا وفرنسيين وإيطاليين ويونانيين وكريتيين ونورمانا يعتنقون الإسلام وتردّ إليهم حرياتهم ويكوّنون أسرا ويندمجون فى أهل البلاد. وكانوا يتولون فى تونس أحيانا مناصب عليا. وهذه العناصر الإفريقية والآسيوية والأوربية المفرطة فى الكثرة، منذ أيام الفينيقيين إلى هذا العصر لها دلالتان: دلالة أولى على وفرة طيبات الرزق التى عرفت بها تونس والتى جعلت كثيرا من الشعوب تتسابق على النزول بها وأحيانا على المكث بها حقبة أو حقبا من الزمن ودلالة ثانية هى ما حملته تلك الشعوب إلى تونس من حضارات كان لها غير قليل من التأثير فى حياتها مع الاحتفاظ دائما بما لها من ذاتية وشخصية.

стр. 4318

٢ - المعيشة (١) عنى القطر التونسى-على مر الأزمنة بالزراعة، وقد أولاها الفينيقيون والقرطاجيون اهتماما كبيرا، إذ رأوها تنتج وفرة من حبوب وبقول متنوعة، وقد حملوا إليها من موطنهم شجرة الزيتون، وربما أيضا الكروم والتين واللوز، ويدل-فى وضوح-على اهتمامهم بالزراعة أن أقدم كتاب عالمى فيها وفى غرس الأشجار ألفه عالم قرطاجى يسمى ماجن Magon وأن الرومان نقلوا عن قرطاجة هذا الكنز الزراعى النفيس إلى لغتهم حين استولوا عليها سنة ١٤٦ قبل الميلاد، وعنوا-مثل القرطاجيين-بالزراعة وحفروا لها القنوات لجلب المياه، وأقاموا بها الصهاريج والخزانات والأحواض، مما لا تزال شواهده قائمة فى إفريقية التونسية. وظل أهلها فى العهود الإسلامية يعنون بالزراعة، فهى معاشهم، ومنها قوتهم وزادهم. وقد عنى بها الأغالبة عناية كبيرة، ومما يدل على ذلك أنهم كوّنوا لرى الأراضى وجلب المياه وتخزينها فى الصهاريج وتوزيعها فى السقايات إدارة كبيرة، عيّنوا لها مشرفا سموه «صاحب المياه» واستغلوا فى ذلك كل ما خلّفه القرطاجيون والرومان والبيزنطيون فى البلاد مع ما أضافوه من قنوات ودواليب وأحواض وخزّانات جديدة، مما جعل البلاد التونسية تلقى فى حجورهم بكل ما تستطيع من طيبات الثمار، وتزدهر فيها الزراعة وغراسة الأشجار ازدهارا لعلهما لم يبلغاه فى عصر من العصور، وأخذت البلاد تعيش فى بلهنية من العيش، وأخذ الأغالبة يجنون منها أموالا طائلة، ساعدتهم مساعدة عظيمة فى بناء أسطولهم الذى فتحوا به صقلية ومالطة، كما ساعدتهم لا فى بناء قصر أو قصور فحسب، بل فى بناء مدينة هى العباسية ومدينة ثانية هى رقادة التى زارها أبو عبيد البكرى، فقال فى كتابه المسالك: «ليس بإفريقية أعدل هواء ولا أرق نسيما ولا أطيب تربة من مدينة رقادة، ويذكرون أن من دخلها لا يزال ضاحكا مستبشرا من غير سبب»: مدينتان كبيرتان بنتهما دولة الأغالبة التى أظلت البلاد التونسية قرنا من الزمان بفضل ما جنت من خيراتها. وإذا تركنا شمالى تونس إلى الداخل لقيتنا مدن فى السباسب والواحات كثيرا ما نوّه بها جغرافيو العرب ورحّالتهم لما بها من البساتين المثمرة والكروم والمشمش والتين

стр. 4319

واللوز والفستق، ويقولون إن بها غدرانا وآبارا كثيرة. وبعض الجهات-وخاصة فى النواحى الشرقية-مفازات شاسعة تنمو فيها الأعشاب والحشائش وترعاها قطعان الغنم والأبقار والإبل والخيل. وظلت الزراعة مزدهرة فى عصر الدولة الصنهاجية حتى منتصف القرن الخامس الهجرى، وأصابها غير قليل من الانتكاس مع الهجرة الأعرابية، حتى إذا كانت الدولة الحفصية وأخذ يعم الأمن والاستقرار فى البلاد بعد حركات قراقوش وابنى غانية عادت الزراعة فى البلاد إلى الازدهار بفضل عناية مؤسس الدولة أبى زكريا بشئون الرى وعناية ابنه المستنصر، ويقول ابن أبى دينار إنه أكمل بناء الحنايا والقنوات التى كان يجرى عليها الماء إلى مدينة قرطاجة فى الزمن الأول (لأيام القرطاجيين والرومان) وأصلح ما فسد منها، وأجرى الماء عليها من عيون جبل زغوان فى الجنوب الغربى إلى تونس وجناتها وزروعها وسقاياتها وجامعها الكبير: جامع الزيتونة. وينوّه الحسن الوزان بما شاهد حول تونس فى القرن العاشر الهجرى من زروع وبساتين قائلا: «توجد فى خارج تونس مزارع غاية فى الإبداع تنتج فواكه رائعة بكميات قليلة ولكنها فى غاية الجودة، وهناك عدد لا يحصى من البساتين المزروعة بالبرتقال والليمون، وبالورود وبزهور جميلة أخرى، وفى المكان الذى يدعى الباردو على الخصوص توجد البساتين والقصور الفخمة». وينوه ابن أبى دينار فى زمنه أوائل القرن الحادى عشر الهجرى بجنات تونس وبساتينها، ويقول إن من رأى ثمارها وفواكهها يعجزه الوصف إذ لا تدخل تحت حصر» ويقول أيضا: «يدخل إليها فى فصل الخريف أزيد من ألف حمل من العنب بخلاف ما يباع معه من تين وبطيخ وغيرهما». وبدون ريب كان للمهاجرين الأندلسيين إلى تونس فضل كبير فى هذا الازدهار منذ عصر الدولة الحفصية، وازدادت الزراعة ازدهارا حين ازداد المهاجرون منهم زيادة مفرطة فى سنة ١٠١٦ هـ/١٦٠٩ م وما بعدها لعهد الداى عثمان والداى يوسف كما مر بنا فى الفصل الماضى، ويقال إن عددهم بلغ حينذاك أكثر من مائة ألف، وقد استقر كثيرون منهم-كما أسلفنا-فى المناطق الخصبة الشمالية حول نهر مجردة، ونزل بعض منهم فى أنحاء قليلة المياه فاستخرجوها عن طريق طواحين الريح، ونزل بعضهم فى أماكن صعبة بسفوح الجبال، واستطاعوا-بجدهم-أن يحيلوا كل ما نزلوا فيه واستقروا به إلى جنات وزروع وقنوات وعيون. وتلقانا أشجار الزيتون والبرتقال واللوز والفستق فى كل مكان كما تلقانا أشجار النخيل، وخاصة فى الواحات ومنطقة شط الجريد. ويبدو أن الرومان تغلغلوا مع القوافل التجارية إلى هذه المنطقة وظل كثيرون منهم فيها بعد الإسلام لا قرنا بل قرونا متطاولة، حتى لنرى التجانى الذى زارها فى أوائل القرن الثامن الهجرى يقول فى زيارته لها التى سجلها فى رحلته: «إن أهل توزر (غربى شط الجريد) وأكثر بلاد الجريد من بقايا الروم الذين كانوا بإفريقية قبل الفتح الإسلامى» ويقول إن بعضهم كان لا يزال يتكلم اللاتينية.

стр. 4320

وعرف القطر التونسى مختلف الصناعات-وخاصة اليدوية-من قديم كالنجارة والحدادة وعصر الزيتون واستخراج المعادن. وكان بها معادن كثيرة مثل الرصاص والحديد والزنك والزئبق والفضة والذهب أتاحت للقطر موارد مالية غير قليلة، حتى لنرى الأغالبة يخصونها بإدارة يسندونها إلى موظف سموه: «صاحب المعادن» واشتهرت «قرطاجة» فى غربى القطر بما كان يستخرج فيها من معدن الحديد، مما هيّأ لصناعات حديدية مختلفة مثل الأقفال والمفاتيح والأبواب والنوافذ، واشتهر «طرّة» من إقليم نفزاوة فى الجنوب الشرقى للقطر بمعدن الكارتز، وهيّأ بدوره لصناعات زجاجية وبلورية. ومن أهم الصناعات صناعة الخزف مطليا وغير مطلى وما يتصل بها من الآنية والأباريق والكيزان والمواعين، ويقول ابن أبى دينار فى فواتح كتابه «المؤنس»: «تصنع بتونس آنية للماء من خزف شديد البياض فى نهاية الرقة والشفافية لا يعلم له نظير فى سائر الأقطار». ومن الصناعات صناعة دبغ الجلود وكان ينتفع بها فى صناعة السروج. ومن الصناعات عصر الزيتون فى معاصر كثيرة معدة له، وتونس تشتهر بهذه الصناعة منذ عصر الرومان، وكانوا يرسلونه إلى روما فى مواعين كبيرة، ويدل على كثرة معاصره فى الحقب الاسلامية ما يذكره ابن أبى دينار وهو أن أبا يزيد مخلد بن كيداد-حين زحف على إفريقية التونسية فى عهد الخليفة العبيدى القائم بأمر الله ودخل القيروان وتونس-نهب اثنى عشر ألف جابية زيتا. ويقول الحسن الوزان فى كتابه وصف إفريقيا الذى سجّل فيه زيارته لتونس: «على مسافة أربعة إلى ستة أميال حول تونس تنتشر مصانع عديدة لإنتاج الزيت لا لتموين مدينة تونس فحسب، بل للتصدير كذلك، ويصنع من حطب الزيتون فحم يستخدم فى المدينة، ويستعمل جزء منه فى التدفئة». وكانت صناعات المنسوجات القطنية والصوفية والحريرية والكتانية منتشرة فى تونس وغيرها من بلاد القطر التونسى، ويقول أبو عبيد البكرى فى كتابه المسالك عن النسيج بمدينة سوسة: «الحياكة بها كثيرة ويغزل بها غزل تباع زنة المثقال منه بمثقالين من ذهب». وينوّه الحسن الوزان فى القرن العاشر الهجرى بما كان من النسيج فى تونس وصناعته قائلا: «غالبية سكان تونس من الحاكة (النساجين) وتصنع فيها كمية كبيرة من الأقمشة المتقنة كل الإتقان والتى تباع فى كل إفريقية، وهى مرتفعة السعر كثيرا لأنها ناعمة ومتينة، ويرجع السبب فى ذلك إلى أن النساء يتقنّ مهنة الغزل كل الإتقان» ويرجع بنا الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إلى مدينة رقادة فى عهد الأغالبة قائلا: «كان بها دار الطراز وكانت مصنعا تنسج فيه الأكسية من الحرير والقطن والصوف، وكذلك العمائم والأحزمة إلى غير ذلك من الخلع التى يهبها الأمير (الأغلبى) فى الأعياد وعند تقليد المناصب لأعيان الأمة ورجالات الدولة، وكانت تكتب على هذه الخلع كتابات موشية بخيوط الحرير والذهب، وهى تقوم مقام الأوسمة فى عصرنا الحديث».

стр. 4321

ولا بد أن الصناع كانوا يوشّون ثياب النساء بهذه الخيوط وبخيوط أخرى فضية لتكمل زينتهن بمالها من لمعان وبريق. وكان الصانع التونسى يعنى بزركشة ما ينسج من السجاجيد وخاصة للأمراء وأعيان البلاد، وكان يرسم عليها بعض الحيوانات أو بعض البلاد، ويذكر الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب أنه صنع للمعز الفاطمى قبل تحوله إلى القاهرة مقطع كبير رائع من الحرير الأزرق الملوّن المنسوج بالذهب وقد رسمت فيه صورة الأرض بكل ما تشتمل عليه من الأقاليم والمدن والأنهار والجبال وصورة الحرمين الشريفين. ولعل فى عرضنا لذلك كله ما يدل على الرقى الحضارى الذى نعمت به تونس قبل العصر الحديث، وكانت الأخشاب فيها وافرة مما هيأ للتفنن فى صناعة الأثاث، كما هيأ الزجاج والخزف للتفنن فى صناعة المواعين والحرير والصوف والقطن والكتان للتفنن فى الرياش وكل ما يلزم القصور والمنازل من فنون الزينة والزخرف. ومن الصناعات التى كانت مزدهرة بتونس الوراقة أو صناعة الورق والكتابة فيه، ومعروف أن بغداد لم تعرفه إلا فى عصر الرشيد، وقبل ذلك كانت الكتابة فى الرق أو الجلد المهيأ للكتابة وكذلك فى البردى الذى كانت تستخدمه مصر منذ عصور الفراعنة، وهو نبات كانت تضم أوراقه الطويلة بعضها إلى بعض بطريقة خاصة، فيصبح صالحا للكتابة فيه. وكان القطر التونسى يجلب النوعين من المشرق وكان اعتماده الغالب على الرّقّ وجلب معهما الأقلام والمداد. وتعرّف على صنعهما، حتى إذا فتحت صقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٨ م وكان بها بردى كثير أخذوا-كما يقول ابن حوقل-يفتلون أكثره حبالا للسفن» وأقله كان يصنع طوامير أو صحفا لدواوين الأمير الأغلبى ومن تلاه من حكام القطر التونسى، وأخذ الشعب التونسى يحسن صناعة الورق من الكتان ويسمى الكاغد نفس اسمه الذى نقله العباسيون مع الورق من الصين، ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إن صناعته انتقلت من تونس إلى صقلية وعبرت صناعته مضيق مسّينا إلى سالرنو فنابولى، فألمانيا حيث استطاع جوتنبرج بعد قليل اختراع الطباعة، وبدهى أنه لولا الورق ما اخترعت المطبعة. ومن الممكن أن تكون أوربا عرفت الورق ونقلت صناعته عن الأندلس، غير أن الأستاذ عبد الوهاب يرجح معرفتها به عن طريق تونس وصقلية. ومنذ فتح العرب القطر التونسى تبنى فيه المنشآت العمرانية وتشاد، ولا يشاد بناء مفرد أو قصر مفرد، بل تشاد مدن، بدأ ذلك عقبة بن نافع ببناء القيروان، وبنى تونس بعده بقليل حسان ابن النعمان، وبنى الأغالبة العباسية ورقّادة، وأحالوا قرية سوسة على الساحل مدينة وثغرا ضخما، وبنى عبيد الله المهدى مدينة المهدية وجعلها دارا لحكمه وثغرا لأسطوله، وأحال حفيده المنصور قرية صبرة بجوار القيروان إلى مدينة وسماها «المنصورية» نسبة إليه. وكانت المدينة

стр. 4322

من تلك المدن حين تبنى لا يقتصر فيها على قصر للحاكم، بل كانت تبنى فيها قصور ومساكن لآل بيته ولجنده وحاشيته ودواوينه، ويبنى فيها جامع كبير ويخطط شارعان متعامدان يقام عليهما حوانيت للصناع والتجار ومساكنهم، فهى مدينة كاملة. وكانت هذه المنشآت-بل المدن- العمرانية تحتاج إلى ما لا يكاد يحصى من العمال والصناع، إذ لا بد لها ممن يقطعون الأحجار ومن يقطعون الرخام وينحتونه أعمدة للقصور وكذلك للمحارس والحصون التى كانت تشاد على طول الساحل التونسى باسم رباطات. وكان يبنى حول كل بلدة جديدة-وقد يبنى حول بعض البلدان القديمة-سور ضخم لكى يحميها من الأعداء حين يهاجمونها وتقام فيه أبواب كبيرة مصفحة بالحديد. ولم يكن العمران حينئذ مدنا ومعاقل وحصونا فحسب، بل كان أيضا صهاريج وأحواضا كبرى لسقاية الزروع والمساجد والشعب. وكل ذلك استلزم صناعات كثيرة من حدادة ونجارة وغير نجارة وحدادة سوى النقاشة واستخدام الفسيفساء (الموزايكو) فى حيطان الغرف والسقوف والأروقة المختلفة الرسوم بما يتراءى فيها من الأزهار والرياحين والمناظر البديعة، وزخرفوا بالفسيفساء أحيانا صهاريج الماء وأحواضه. وكان الحكام يبنون لأنفسهم قصورا شامخة على نحو ما مر بنا فى الفصل الماضى من تشييد أبى فارس لقصره الضخم فى إحدى ضواحى تونس المسماة باردو، وتوالت فى الضاحية قصور للحكام من الحفصيين والعثمانيين كانت تبهر من يراها فضلا عمن يزورها ويرى منحوتاتها ونقوشها البديعة. وحتى المنازل العادية للشعب كان أصحابها يتأنقون فيها، يقول الحسن الوزان عن منازل تونس: «لأكثر المنازل منظر بديع، وهى مبنية بحجارة مجهزة وجيدة النحت، وسقوفها مزدانة كثيرا بالفسيفساء وبالجصّ المجزّع، مع فن رائع، ومزوّقة باللون الأزرق وبألوان زاهية أخرى. . وتبلّط الغرف بمربعات من بلاط مطلىّ بلون فاتح كما يبلّط الصحن أيضا ببلاط مطلىّ بالدهان. وبيوتها على العموم-وحيدة الطابق-ولها مدخل بديع. . ويلجأ كل واحد إلى جعل مدخل بيته أكثر أناقة وأكثر زينة. وبجانب منازل المدينة وقصورها كانت هناك دور صناعة خاصة بالأساطيل وحاجاتها وإعدادها فى تونس وسوسة والمهدية، واستلزمت كثيرا من الخشب والحديد لصنع سفن الأسطول وأيضا من الحبال ونسيج الكتان لشراعات السفن وقلاعها، وبلغت سفن الأسطول فى عهد الأغالبة ثلاثمائة سفينة، سوى ما كان يحتاج إليه الأسطول من الأسلحة والعتاد الحربى من مثل السيوف والرماح والأقواس والسهام والمنجنيقات وآلات هدم الأسوار، سوى بناء الأحواض الواسعة فى الثغر لخدمة السفن. وهذا الإنتاج الصناعى الوافر وما سبقه من الإنتاج الزراعى الكثير هيأ تونس-منذ عصر القرطاجيين-لأن تصبح سوقا عالمية كبرى، فكانت ترسل بمنتوجاتها شمالا إلى شعوب

стр. 4323

البحر المتوسط الأوربية وشرقا إلى مصر والشام وتركيا وغربا إلى الجزائر ومراكش وإسبانيا وغربى أوربا حتى إسكندناوة، ومنذ عصر القرطاجيين كانت قوافلها تتغلغل فى فلوات الصحراء الكبرى إلى السودان الأوسط والغربى محملة بالسلع التونسية من الزيتون وزيته والنّقل ومن المنسوجات القطنية والكتانية والحريرية ومن السروج واللبود وأقفال الحديد والمفاتيح والإسفنج الذى يصاد على الساحل والملح المطحون الذى يحمل من ملاحات تونس الكثيرة، وتعود محملة بالجلود وريش النعام والعاج أو ناب الفيل والتّبر والرقيق الأسود الكثير. وذكرنا فى الفصل الماضى أن إبراهيم بن أحمد الأغلبى استكثر من هذا الرقيق الزنجى فى حرسه حتى بلغوا عشرة آلاف عدّا، ومنذ الأزمنة السحيقة كان يظل كثيرون من هذا الرقيق فى القطر التونسى مما جعل لهم فيه-من قديم-بعض القرى. وطبيعى أن تنشأ فى كل بلد تونسى سوق داخلية يشترى منها أهله ما يحتاجون إليه من الحبوب والثمار والخضر والصناعات المختلفة. وأول من أمر بتنظيم هذه الأسواق فى القطر التونسى الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٤ هـ) يقول أبو عبيد البكرى: «كان السّماط-وهو سوق القيروان-متصلا (أى دكاكينه متلاصقة) فيه جميع المتاجر والصناعات وهو الذى أمر بترتيبه هكذا». واتبعت الأسواق فى تونس وغيرها هذا النظام، حتى إذا كان عهد يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٦ - ١٧٠ هـ) رتب أسواق القيروان. عاصمته ترتيبا جديدا، وفى ذلك يقول ابن عذارى فى البيان المغرب: «قد مهّد أمور لبلاد، ورتب أسواق القيروان، وأفرد لكل صناعة مكانا». ومعنى ذلك أنه جعل لكل صنعة مجموعة من الدكاكين خاصة بصناعتها وبيعها، ويحدثنا الحسن الوزان عن. سوق تونس حين زارها، ويذكر أن أهم الأمكنة فى سوق تونس مكان تجار المنسوجات، يقول: «وهناك سوق خاص فى تونس يحوى عددا كبيرا من تجار القماش، ويعد هؤلاء أكثر أهل المدينة ثراء، ويشغل تجار آخرون وصناع معهم هذا السوق كالعطارين، وباعة الأشربة والترياقات، وباعة العطور والحرير، والخياطين والسرّاجين (باعة السروج) والفرّائين (باعة الفراء) وباعة الفاكهة، والحلاّبين، وصنّاع الزلابية (حلواء) والقصّابين (الجزارين) الذين يذبحون فى فصلى الربيع والصيف من الخراف أكثر من سائر الحيوانات الأخرى، وثمّ مهن كثيرة أخرى تمارس فى هذا السوق لا يتسع المقام لذكرها».

стр. 4324

٣ - الرّفة-المطعم والملبس-الأعياد-الموسيقى-المرأة (أ) الرفه (١) -المطعم والملبس مما يميز القطر التونسى كثرة الأمتعة والسلع والثمار والفواكه فيه، مما أتاح له-وخاصة فى مدنه الشمالية حياة رافهة، ويصور ابن أبى دينار ما كان فيه أهل مدينة تونس من رفاهية فى حياتهم بأن أغلبهم كانت لهم جنات وبساتين خارج المدينة، يقضون فيها الصيف والخريف مع أسرهم، فكانوا يبكرون فى الذهاب إلى المدينة كل يوم حيث يزاولون أعمالهم ويعودون فى المساء إلى بساتينهم وجناتهم ومن أجل ذلك كانت الدكاكين فى أسواق تونس لا تفتح صيفا وخريفا إلا بعد طلوع الشمس. ويقول الحسن الوزان إن الخبز ظريف جدا فى تونس، وهو أبيض اللون ومخبوز بشكل حسن، ولا يصنع من الدقيق فحسب بل يمزج معه السميد، وتبذل عناية كبيرة فى إعداد عجينه إذ يضرب بمدقة شبيهة بتلك التى يضرب بها الأرز فى مصر. ويذكر الحسن الوزان عقب ذلك وجبتين شعبيتين أولاهما تسمى البسيس، وهى وجبة خفيفة مؤلفة من دقيق الشعير المحلول بالماء ويوضع فيه قليل من الزيت أو شئ من عصير الليمون أو البرتقال، ومن عادة الباعة والصناع وسكان المدينة تناول هذه الوجبة فى النهار، والوجبة الثانية تسمى البازين، وهى أفضل من سابقتها، وتصنع من عجينة تقلى فى الماء، وبعد أن تنضج ترصّ فى وسط وعاء وتسقى بالزيت أو بمرق اللحم. ويقول الحسن الوزان: هناك وجبات أخرى أكثر لذة فى الطعم، ومن مطاعمهم لحم يسمى المروزية نسبة إلى مدينة إيرانية تسمى مرو الروز واللحم فيها يطبخ بأبزار تفوح، ويعدون أكلها عقب الإفطار فى الصوم من التطيب. ومن طعامهم الزرير ويسمى فى بعض البلدان باسم المويس وهو خليط من الأبزار والبهارات حار الطبيعة. ويصاد السمك على طول الساحل التونسى، وهو رخيص الثمن، ويصطادون منه أنواعا كثيرة منها نوع يسمى سبارس يصاد فى صفاقس، وقد تكون الكثرة من سكان البلدة صيادين. ويشتهر سكان مدينة المهدية بصيد الحوت، ولأهلها شغف بأكله وتفنن فى طرق صيده. وكما تتنوع مطاعم سكان القطر

стр. 4325

التونسى تتنوع حلواؤهم، ومنها المقروض ويقول برتشفيك إنه يصنع من السميد والتمر والعسل والبهارات ويقلى فى الزيت وينوه به ابن أبى دينار، ويقول: هو أطيب حلوائهم وليس بعده شئ، ومنها الزلابية وهى حلواء من عجين رقيق يصب فى الزيت ويقلى ثم يصب فى محلول السكر، ومر بنا-منذ قليل-أنه كان بتونس سوق خاصة للزلابية. وإذا تركنا المطعم إلى الملبس وجدنا الحسن الوزان يقول: «أهل تونس طيبون للغاية ومحبّبون كثيرا، ويلبس صناعها وتجارها وأئمتها وجميع موظفيها هنداما جميلا لائقا، ويضعون فوق رءوسهم قلنسوة مغطاة بقماشة طويلة، كما يضع العسكريون وموظفو البلاط قلنسوة على رءوسهم ولكن بدون قماشة. ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب كانوا يلبسون الشاشية التونسية الحمراء ويكتسون القشابية الصوفية. أما السيدات فيقول عنهن الحسن الوزان: إن لسيدات تونس هنداما جيدا، وعند ما يكن فى الخارج يسترن وجوههن. . بوضع عصابة عريضة جدا من قماش فوق الجبين، وهناك حجاب آخر يدعى سفسارى يجعل من رءوس النساء رءوسا ضخمة كبيرة، ولا تعنى النساء إلا بزينتهن وعطرهن، بدليل أن باعة العطور هم دوما آخر من يغلق دكاكينهم» ولا بد أنهن كن يعنين بجواهرهن وكانت فى تونس سوق لبيع الجواهر للنساء كى يكملن بها زينتهن. ويفصل القول فيما كان من تزيين النساء فى ملابسهن لذلك العصر الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب قائلا: «أهم ما ورثت النساء عن أمهاتهن بالمهدية فى ذلك العصر أنواع من الكساء والتطريز بالحرير على الثياب الداخلية مثل القمجّة وغيرها، ومنها أنواع من الوشاح والحواشى الحريرية المزركشة بألوان متغايرة، ومن هذه الحواشى تحلّى صدور بعض الثياب النسائية، وهى تحفة فنية». ويقول فى موضع آخر عن حجاب النساء فى الساحل التونسى إنهن عند خروجهن من بيوتهن يرتدين إزارا أسود ولا يتركن ظاهرا من وجوههن إلا العيون. (ب) الأعياد كتب ابن أبى دينار فى كتابه: «المؤنس فى أخبار إفريقية وتونس» فصلا (١) طريفا عن الأعياد فى تونس وأن أهلها كانوا يخرجون فيها للنزهة والتملى بمواطن الجمال فى ضواحى تونس، ويستهلها بعيد عاشوراء فى اليوم العاشر من المحرم، وفيه ينفق التونسيون أموالا طائلة فى الأطعمة والفواكه والحلواء، وعادة فى اليوم التاسع السابق له يطعمون الدجاج ويتحلون بالدويدة وهى مثل الكنافة عند المصريين ويعبّرون عما يأكلون من ذلك بقولهم: «الفطير

стр. 4326

وما يطير» وما يطير الدجاج والفطير الدويدة. ومن رأى هذا العيد فى تونس رأى العجب، فالحوانيت-وخاصة حوانيت الفواكه-تزين. وعادة يخرج الناس زكاة أموالهم فى هذا اليوم، ولذلك يتكاثر فيه الإنفاق على المآكل والمشارب، وكل ينفق بقدر استطاعته ويباع من آلات الطرب والملاهى للصبية ما يفوت الحصر. ومن ذلك عيد المولد النبوى الشريف لسيد الكائنات ﷺ ، وأول من عنى بإقامة الاحتفال به بين حكام الدولة الحفصية أبو فارس عبد العزيز فى مطلع المائة التاسعة للهجرة، وأصبح ذلك تقليدا سنويا فى ليلة الثانى عشر من شهر ربيع الأول كل عام إذ توقد القناديل وتضاء الشموع وتزين المكاتب ويقام احتفال عظيم بدار نقيب الأشراف يحضره القراء والفقهاء والناس من أطراف البلد ويتعالى الغناء والأشعار والأناشيد بالمدائح النبوية، ويظل الاحتفال بهذا العيد فى بعض زوايا تونس خمس عشرة ليلة متوالية تنشد فيها مدائح الرسول الكريم، ويهرع الناس للتفرج. وتصنع فى أثناء ذلك الأطعمة الفاخرة احتسابا لوجه الله تعالى وقربى لحبيبه خير البرية. ومن ذلك عيد الربيع أو عيد النيروز فى أول مايو من كل عام، ويقول ابن أبى دينار إنهم كانوا ينفقون فيه أموالا تفوت الإحصاء ويتفاخرون بصنع أطعمة باهظة التكاليف من مثل المرقاز، ويقول برتشفيك إنه نوع من النقانق، ويكثرون من شراء الفواكه والرياحين والبقول، ويقول إن ما يباع فى هذا اليوم من الفواكه والخضار والرياحين يبلغ مقدار ما تشتريه تونس فى عام، ويذكر أنهم يجعلون من ذلك حوانيت فى منازلهم يعلقون فيها جميع البقول والرياحين، ويقول إنهم يتجاوزون ذلك إلى الغناء وآلات الطرب فيجتمعون عند مكان يسمى بالوردة، وفيه يحتشد أهل الخلاعة والمجون من مغان ومطربين ومشعوذين، ويذهب كثيرون من أهل تونس للفرجة عليهم وشراء ما يعرض من فاكهة وحلوى. ويذكر ابن أبى دينار أنه كانت تقام أعياد فى ليلة النصف من رجب والسابع والعشرين منه وليلة النصف من شعبان والسابع والعشرين منه. وكانت ليالى شهر رمضان تعدّ عيدا كبيرا، وكانوا يحتفلون بها غاية الاحتفال ويقومون بواجب رمضان وواجب حقه أتم القيام، ويختم الإمام القرآن العظيم فى صلاة التراويح بأغلب المساجد. وكان يقام احتفال كبير حين يختم صحيح البخارى، ويذكر ابن أبى دينار أن المنادى كان ينادى فى سوق تونس بأن الختم لصحيح البخارى غدا صباحا أو عشية فيتسارع النساء والصبيان والخواص والعوام لذلك. وكان هذا نفسه يحدث فى القاهرة حين تختم قراءة صحيح البخارى فى الليالى الأخيرة من رمضان.

стр. 4327

(ج) الموسيقى (١) عقد الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب فى الجزء الثانى من كتابه: «ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية» مبحثا طويلا رائعا عن الموسيقى وآلات الطرب فى القطر التونسى ذكر فيه أنه ليس لهذا القطر مأثور قديم ذو بال فى الموسيقى، وأنه يتصل فيها مباشرة بالعرب. وقد عرف عن الفاتحين الأولين طريقة الحداء التى اشتهر بها العرب من قديم، حتى إذا تولاه المهالبة وخاصة يزيد بن حاتم (١٥٤ - ١٧٠ هـ) استحالت القيروان إلى مركز نشاط أدبى بمن استقدمهم معه من الشعراء والمغنين من بغداد، فعرفت من حينئذ بالقطر التونسى آلات الطرب مثل الطنبور والمزاهر (الدفوف) وشبّابات القصب. وازدادت فى القيروان المعرفة بالغناء وآلات الطرب حين نزل بها زرياب على زيادة الله الأغلبى سنة ٢٠٥ وظل لديه أشهرا قبل رحلته المشهورة إلى قرطبة، وزيادة الله يستمع إلى ألحانه. ويظنّ أنه أخذت بعض الجوارى فى القصر عنه شيئا من تلاحينه، وما نلبث أن نسمع بأن فى القيروان حيّا خاصا للملاهى والطرب، يقصده أهلها للفرجة وكان مجمعا للمغنين والضاربين على الآلات الموسيقية، وكان أهل الخلاعة والمجون يختلفون إليه، ويذكرون من أسماء المغنين فيه قاسما الجوعى وأبا شرف. ونمضى إلى أيام إبراهيم بن أحمد الأغلبى (٢٦١ - ٢٨٩ هـ) فنجده يرسل سفارات متعددة إلى المشرق لتجلب إليه صفوة من العلماء والموسيقيين ليحدث فى رقّادة-التى شادها بجوار القيروان-نهضة علمية وموسيقية، وجلب إليه من بغداد مغن اسمه مؤنس، لقّن غناءه جوارى القصر فى رقادة عاصمة الأغالبة وهو يقوم فيها مقام زرياب فى قرطبة عاصمة الأمويين، وجلبت لزيادة الله الأصغر آخر الأغالبة جوار يحسنّ الغناء من بغداد. ويتكاثر هؤلاء الجوارى المغنيات كما يتكاثر المغنون أو قل يأخذون فى التكاثر لعهد العبيديين، وتتسع الموجة فى عهد الدولة الصنّهاجية وما كان فى قصورها من مجالس الأنس ويشترك فى الغناء غير تونسى يتقدمهم عبد الوهاب حاجب المنصور الأمير الصنهاجى (٣٧٤ - ٣٨٦ هـ) وكان شاعرا ويتغنى فى شعره ويلحّنه، ويتحدث مرارا مؤرخ القيروان إبراهيم الرقيق عن مجالس غنائه. ويفد على يحيى حفيد المعز بن باديس فى عاصمته المهدية (٥٠١ - ٥٠٨ هـ) أمية بن أبى الصلت الشاعر الأندلسى، وكان متقنا لعلم الموسيقى الأندلسية، فنقل إلى المغنين فى المهدية ألحان المغنين فى الأندلس، ولحن لهم-على أساسها-الأغانى الإفريقية، ومن حينئذ أخذ الغناء فى إفريقية التونسية وما يصحبه من موسيقى يزدهران، وما لبثت الهجرات الأندلسية المارة بنا-فيما أسلفنا-

стр. 4328

لعهد الدولة الحفصية أن زادتهما ازدهارا. ومما يدل على هذا الازدهار فى العهد الحفصى أنه كان للجيش فيه فرقة موسيقية تصحب أمير البلاد الحفصى فى حفلاته وتنقلاته تمشى وراء الأعلام السلطانية تدقّ الطبول وتنفخ فى البوقات، وذكر برنشفيك أن السلطان أبا فارس الحفصى (٧٩٥ - ٨٣٣ هـ) ألغى ضريبة كانت تؤخذ من الموسيقيين والمغنيات المحترفات، وأهدى ملك نابولى آلة أورجن إلى ابن السلطان عثمان سنة ٨٧٧ هـ/١٤٧٢ م ويذكر الحسن الوزان أن السلطان الحفصى أبا عبد الله بن الحسن الذى زار تونس فى عهده سنة ٩٢٢ للهجرة كان يعيش بين المطربين والمطربات فى قصره وبساتينه. ولا يعنى الولاة العثمانيون بالموسيقى إلى أن تولى رمضان باى (١١٠٨ - ١١١٠ هـ) إذ كان خبيرا بأنواع الموسيقى ذات الأوتار وذات المزامير، وكان عارفا للألحان ولوعا بالغناء، وجلب من بلاد النصارى الآلة الموسيقية. المعروفة باسم الأورجن وكان مغنيه «مزهود» يطربه بتلاحينه عليه. وتزدهر الموسيقى بتونس فى العهد الحسينى العثمانى منذ عهد الباي محمد الرشيد (١١٦٩ - ١١٧٢ هـ) وكان يتقن النظم بالشعر العربى، كما كان يتقن الضرب على مختلف الآلات الموسيقية مثل العود والكمنجة، وجعله ولعه بالألحان والإيقاعات يؤلف بين الأغانى الأندلسية المعروفة فى تونس باسم المألوف والألحان التركية. وقد أدخل فيها من تلك الألحان البشرف وهو افتتاح اللحن واستهلاله. وكان للبايات احتفال موسيقى يقيمونه ليلة العيد فى باردو، وكان أشبه بموكب موسيقى كبير، ويحضر فيه كبار الفقهاء، فإذا صلّى المغرب مدّ سماط بأنواع الأطعمة وألوان الحلوى، ويجلس الباي فى صدر السماط وتتوالى طبقات المدعوين، وبعد برهة يجلس الباي ببهوه، ويجلس عن يمينه وشماله الفقهاء والكتّاب، ويصطفّ باقى الناس صفين عن اليمين وعن الشمال، وتوقد الشموع ويؤتى بالمجامر يفوح منها الطيب والمسك، ثم يدخل المغنون من الترك بآلاتهم فيغنون باللسان التركى برهة ثم يخرجون ويدخل بعدهم المطربون والمغنون بالغناء العربى. وظلت هذه المواكب تعقد فى مواسم الأعياد بباردو حتى نهاية هذا العصر. وبجانب هذه الحركة الغنائية عند سكان الحضر، وخاصة فى تونس كانت هناك حركة غنائية بدوية عند أهل الوبر التونسيين حملها إليهم-كما يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب- بنو سليم وبنو هلال فى هجرتهم الكبيرة، إذ ظلوا يحافظون على أغانيهم التى ورثوها عن أسلافهم فى بوادى نجد والحجاز، وقد لقنوها فى بوادى تونس بعض عبيدهم وأرقّائهم من أصحاب الأصوات الشجيّة، لينشدوها فى الأعراس مصحوبين بعازفى الشبابات وضاربى الطبول. ويقول الأستاذ عبد الوهاب إن لهم عزفا يسمى طرق الصيد أى صيد الأسد، يعزف به على الشّبابة البدوية، وفيه يقصون أقاصيصهم الغرامية فى وصف رحلاتهم مع محبوباتهم

стр. 4329

ويتخلّلون مقاطع الأقصوصة بطرق حوافر الخيل للأرض ونبح الكلاب وزئير الأسد، للدلالة على تطور الأحداث فى القصة أو فى الرحلة الغرامية فرارا من الأهلين لعدم رضا الأب عن زواج المتحابين، وكأنهم يتمثلون فيها قصص الغرام النجدية التى كان يحرّم فيها الأب النجدى الزواج بفتاته أو ابنته على من يتغزل بها من شباب القبيلة كما هو معروف فى قصة ليلى العامرية وعاشقها ابن عمها قيس المجنون بها غراما وهياما. (د) مكانة المرأة (١) مرّ بنا فى حديثنا عن الملبس فى القطر التونسى أن النساء فى تونس والمهدية كن يبالغن فى العناية بزينتهن وعطرهن وهندامهن، ولا نريد أن نعرض لذلك وما يماثله مما يتصل بمظهرهن، إنما نريد أن نقف عند مدى إحساسهن بكرامتهن، ويصور ذلك بوضوح ما يروى من أخبارهن، فمن ذلك ما تذكره الروايات عن أبى جعفر المنصور المؤسس الحقيقى للدولة العباسية فإن هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٤ هـ) كان قد أقام عيونا على أسرة إبراهيم بن محمد حفيد عبد الله بن العباس وإخوته لما كان يبلغه من نشاطه ويعرفه فيه من الحزم وبعد النظر أو لعله كان يتوقع من أبناء الأسرة أن يفكر أحدهم فى الثورة على خلافتهم الأموية، ولم يوعز إلى عيونه بتعقب إبراهيم بن محمد وحده بل أيضا بتعقب أخويه السفاح وأبى جعفر المنصور ويبدو أن المنصور رأى أن يبتعد-لفترة-عن أنظار هؤلاء العيون، واختار القيروان لنزول بعض أقربائه فيها وتصادف أن رأى فى مقامه لديه فتاة تسمى «أروى» أعجب بها، فطلب يدها فاشترطت عليه أن لا يتخذ معها سرارى أو جوارى، وإن تسرّى عليها كانت عصمتها بيدها، وانفصلت عنه، كما تجرى بذلك عادة القيروانيات من قديم، وقبل أبو جعفر شرطها، وعاد بها إلى أهله. وتطورت الظروف، وأصبح خليفة، وأنجب منها المهدى الخليفة بعده وأخاه جعفرا والد زبيدة حفيدة أروى وزوجة ابن عمها هارون الرشيد الخليفة بعد أبيه، وورثت عن جدتها حصافتها. وقد برّ المنصور بوعده لأروى، فلم يتزوج عليها إلى أن توفيت سنة ١٤٦ للهجرة، وكان قد أقطعها ضيعة، فوقفتها-كما يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب- على ذريتها من الأرامل اللائى يموت عنهن أزواجهن، وكذلك على العوانس اللائى لم يتزوجن، حفظا لكرامتهن وصيانة لهن، وهى مأثرة وبر رفيع بفلذات الكبد من البنات سجّلته أروى فى تاريخ المرأة التونسية، كما سجلت شعورها بالكرامة فى صورة نبيلة.

стр. 4330

وموقف كريم ثان لنساء القيروان عامة حين استنفر عبد الواحد بن يزيد الهوارى وعكاشة بن محصن الصفرية فى الجزائر للهجوم على القيروان، وكان الصفرية قد اشتهروا بسفك الدماء وهتك الحريم وسبيهن، وكان عبد الواحد قد اقترب من القيروان فى ثلاثمائة ألف، وأخذ حنظلة بن صفوان والى القيروان يستعد للقائه، وما إن أخذ يعدّ صفوف جيشه لهذا اللقاء حتى فوجئ بنساء القيروان جئن للتحريض على الجهاد والاشتراك فى الحرب، يقول الرقيق القيروانى: «خرج نساء القيروان فعقدن الألوية، وأخذن معهن السلاح، وعزمن على القتال واستبسلن للموت مع الرجال، وحلفن لأزواجهن: لئن انهزم أحد منكم إلينا مولّيا عن العدو لنقتلنّه» وحين سمع الناس هذا الوعيد والتحريض الشديد من النساء وطنوا أنفسهم على الاستشهاد، فالموت أولى بهم من عار سباء زوجاتهم، وانتهاكهنّ وبيعهن فى الأسواق بيع الإماء. والتحم القتال وتداعى الأقران والأبطال، وانتصر حنظلة والجيش ونساء القيروان، وقتل عبد الواحد وقتل من جموعه مائة وثمانون ألفا، وهى مفخرة باقية للمرأة التونسية لاستشعارها-إلى أقصى حد-كرامتها وحميتها للوطن استشعارا يسجله لها التاريخ فى الأزمنة الإسلامية الماضية. وموقف كريم ثالث للمرأة التونسية لا فى القطر التونسى بل فى صقلية، فإن واليها خفاجة بن سفيان كان قد شدد الحصار على أهل طرميس سنة ٢٤٨ هـ/٨٦٣ م وكانوا ينازلون جيشه نزالا ضاريا ورأوا أن يقفوا الحرب وطلبوا من خفاجة وفدا للمفاوضة، فأرسل إليهم وفدا على رأسه زوجته لمفاوضتهم، وهى أول سيدة عربية تتولى السفارة بين قومها وأعدائهم، واستقبلوها بحفاوة، ونزلوا على إرادتها فيما وضعته لهم من شروط الصلح، وسلموها مفاتيح المدينة، وبذلك نجحت سفارتها نجاحا عظيما، إذ حقنت دماء المسلمين وسلمتهم مفاتيح مدينة بأكملها ودخلوها صلحا، وابن هذه السيدة البطل محمد بن خفاجة هو فاتح مالطة سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م إذ أعد لفتحها أسطولا قضى به على حاميتها الرومية، وظلت مالطة تابعة لصقلية إلى أن استولى عليها النورمان بعد نحو مائتين وثلاثين عاما. ومعنى ذلك كله أن للمرأة التونسية تاريخا مجيدا فى العصور الإسلامية يصور حصافتها وكياستها وشعورها بكرامتها إلى أقصى حد.

стр. 4331

٤ - الدين (١) كان بربر القطر التونسى-مثل بقية البربر فى الأقطار المغربية-وثنيين يعبدون الشمس والقمر والكواكب السيارة ويقدمون لها القرابين، وكانوا يقدسون كثيرا من الأحجار والأشجار، وكان القرطاجيون وثنيين مثلهم، ويبدو أنهم أخذوا يفسحون لليهود فى النزول بقرطاجة منذ القرن الثالث قبل الميلاد، ولم يلبثوا أن عملوا على نشر اليهودية بين البربر، ولم يعتنقها إلا قليلون من البدو، وأخذ اليهود يفدون على القطر التونسى بعد تحطيم الإمبراطور تيتوس لمعبد بيت المقدس سنة ٧٠ للميلاد حتى إذا كان الفتح العربى أخذوا يتكاثرون-مع السنين-فى القيروان حتى كان لهم فيها حارة-أو كما نقول الآن حىّ-وكان لهم مقبرة خاصة بهم، وأيضا كان لهم سوق يسمى سوق اليهود، وكان لهم معبد يؤدون فيه شعائرهم الدينية، وكل ذلك بفضل الإسلام وما بثه فى المسلمين من روح التسامح مع أهل الكتب السماوية، وصدورا عن هذه الروح كان علماؤنا المتعمقون فى علوم الأوائل يفسحون لهم فى التلمذة عليهم وفى أخذ ما عندهم من هذه العلوم وما أضافوه إليها، مما جعل نفرا منهم فى القيروان يتزودون من معارف أطبائها المسلمين ما أتاح لهم أن يصبحوا من كبار الأطباء على نحو ما سنعرف فى فصل الثقافة. وكانت المسيحية قد أخذت تنتشر منذ القرن الثانى للميلاد فى قرطاجة وبعض بلدان القطر التونسى عن طريق بعض القساوسة من قبط مصر الذين حاولوا الدعوة لها مبكرين، وبذلك عرفت فيها-أو أسست-كنيسة العقيدة الأرثوذكسية المصرية. وبعد ذلك حين اعتنقت روما العقيدة المسيحية أخذت تعمل على نشرها لا فى إيطاليا وحدها بل أيضا فى الولايات التابعة لها، واتسع العمل على ذلك منذ عهد الإمبراطور قسطنطين واستيلائه فى روما على أزمة الأمور سنة ٣١٢ للميلاد إذ أعلن المسيحية دينا رسميا للدولة وأخذ يعمل على نشرها فى قرطاجة وإفريقيا، وبذلك أصبح للمسيحية فى القطر التونسى كنيستان: الكنيسة الأرثوذكسية القبطية السابقة،

стр. 4332

وكنيسة روما الكاثوليكية. وكان فى القطر التونسى-حين الفتح-مسيحيون كثيرون، إذ كانت الجاليات والحاميات الرومانية مسيحية، وكانت روما قد نشرتها قبل الفتح فى بقايا السلالات القرطاجية وبين البربر، واعتنقها كثيرون من الشعب البربرى فى المدن لما رأوا فيها من الدعوة إلى المساواة والعدل الذى لا تصلح حياة الشعوب بدونه، غير أنهم عادوا فوجدوها دين حكامهم من الرومان الذين يظلمونهم ظلما فادحا فى الضرائب وغير الضرائب، فانصرفوا عنها إلا قليلا منهم، ومع ذلك ظل قساوسة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية يدعون لها، وتغلغلوا بدعوتهم حتى بلاد الجريد التى كانوا يسمونها قسطيلية. وبعد الفتح العربى أخذ كثيرون من هؤلاء المسيحيين يدخلون فى الدين الحنيف طواعية، وبدون أى إكراه، لبساطته ولتحريره الشعوب من كل عبودية ومن كل ظلم مع محوه لجميع الحواجز الطبقية والاجتماعية بين أفراد الأمة، فهم جميعا متساوون فى كل الحقوق وكل الواجبات، وبذلك نفهم كيف أوشك الإسلام فى القرن الأول الهجرى أن يقضى على المسيحية قضاء مبرما فى القطر التونسى مع أن العرب طوال هذا القرن وبعده رخصوا للمسيحيين التونسيين تجديد كنائسهم وتركوا لهم منتهى الحرية فى إقامة طقوسهم وشعائرهم الدينية. ولولا أن عناصر مسيحية ظلت تنزل البلاد من وقت لآخر لا نمحت المسيحية من القطر التونسى-أمام المد الإسلامى-محوا تاما، وأول ما كان من ذلك استقدام حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) ألف أسرة قبطية للمساعدة فى إنشاء دار الصناعة بتونس، وبذلك ظلت الكنيسة الأورثوذكسية حية فى القطر التونسى. ويجلب إبراهيم بن الأغلب آلافا من الصقالبة لحرسه، وجلب حفيده إبراهيم بن أحمد رهبانا من صقلية للمساعدة فى الترجمة بدار الحكمة التى أسسها، مما أتاح للكنيسة الكاثوليكية أن تظل حية هى الأخرى، ويجلب العبيديون بدورهم صقالبة وصقليين، ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إن المسيحيين وفدوا بكثرة فى عهد الدولة الصنهاجية، وخاصة أن أمهات بعض حكامها كن مسيحيات ويتمتعن بحريتهن الدينية. وكانت فى تونس حارة خاصة بالمسيحيين ومقبرة أيضا خاصة بهم وكنيسة يقيمون فيها شعائرهم، وأخذوا يتكاثرون حين عظم نشاط أمراء البحر العثمانيين وكانوا أسرى حقا، ولكن الدايات كانوا يساعدونهم فى أداء شعائرهم الدينية، ويدل على كثرتهم حينئذ ما يقال من أن مراد باى قبل أن يتولى الولاية سنة ١٠٢٢ هـ/١٦١٤ م حين كان أميرا للبحر جلب لتونس فى إحدى المرات اثنى عشر ألف أسير أوربى مسيحى. ويأخذ البربر فى اعتناق الإسلام منذ فتح عبد الله بن سعد بن أبى سرح القطر التونسى سنة ٢٧ للهجرة، واستقر العرب فى بعض مدنه وأنحائه، ولم يكن العرب غزاة فاتحين فقط بل كانوا يعدون أنفسهم-قبل كل شئ-ناشرين للإسلام وهداه فى أطباق الأرض، وما نصل إلى عهد حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) حتى نجد فى جيشه كتيبة بربرية كبيرة تبلغ اثنى

стр. 4333

عشر ألفا كما يقول ابن عذارى تشترك فى فتوحه وجهاده فى سبيل الله. وهى رمز قوى لاندماج البربر فى الإسلام، فإنهم لم يسلموا فحسب بل أصبحوا من دعاة الإسلام وحماته، وقد اشتركوا بقوة فى جيش طارق بن زياد الفاتح لإيبيريا، ونفس القائد: طارق كان بربريا، وولاه موسى بن نصير والى إفريقية بعد حسان على طنجة، ثم كلفه بفتح إيبيريا سنة ٩٢ هـ/٧١١ م وأخذت انتصاراته تتوالى، واستمد موسى بن نصير، فلحق به على رأس جيش مزيج من العرب والبربر وتم لهما اكتمال الفتح المبين. ومعنى ذلك أننا لا نصل إلى الربع الأخير من القرن الأول الهجرى، حتى يصبح البربر لا فى القطر التونسى وحده، بل فى جميع بلاد المغرب شعبا إسلاميا لا يؤدى شعائر الإسلام وفروضه الدينية فقط، بل أيضا يعمل على نصرة الإسلام ونشره لا فى ربوع المغرب وجباله الوعرة وصحاريه المترامية فحسب، بل أيضا فى إيبيريا بأوربا، وهو ما أذهل جماعة المؤرخين والمستشرقين الغربيين، فإن الرومان ظلوا يحتلون البربر قرونا متطاولة وظلوا يحاولون نشر المسيحية فى ديارهم، ولم يجدوا بينهم آذانا صاغية، وما هى إلا أن يغزوهم العرب، وإذا هم يفتحون أذرعتهم وأفئدتهم للإسلام، فيصبحون فى نحو نصف قرن شعبا إسلاميا، إذ وجدوا الإسلام يحررهم من الظلم والاستعباد اللذين طالما ذاقوهما فى حكم البيزنطيين والرومان تحت ظل المسيحية سوى ما تحمله تعاليمه للشعوب من العدالة بين الناس والمساواة ومحو كل الفوارق الطبقية والجنسية. وانضافت إلى ذلك تطبيقات ولاة القرن الأول الهجرى عقبة بن نافع وابن أبى المهاجر وحسان بن النعمان وموسى بن نصير لتعاليم الإسلام ومبادئه فى حكم البربر بحيث أصبح البربرى يشعر أنه عضو عامل-كبقية الأعضاء عربا وغير عرب-فى أسرته الإسلامية الكبرى، فله ما للعرب من الحقوق، وعليه ما عليهم من الواجبات، فهو يتولى حكم هذه المدينة أو تلك، وهو يقود الجيوش الإسلامية فى المغرب وخارج المغرب، لا فرق أى فرق بين بربرى وعربى. وتوّج عمل ولاة القرن الأول الهجرى فى نشر الإسلام بين البربر بالبعثة التعليمية التى أرسلها عمر بن عبد العزيز إلى القيروان سنة مائة للهجرة على رأسها إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر، وأسند إليه ولاية المغرب وكانت البعثة مكوّنة من عشرة من صفوة الفقهاء فى الأمة أرسلهم عمر لتفقيه البربر والعمل على نشر الإسلام بينهم، وأهمهم بالإضافة إلى إسماعيل عبد الله بن يزيد المعافرى المعروف بالحبلى، وعبد الرحمن بن رافع التنوخى وإسماعيل بن عبيد الأنصارى وسعد بن مسعود التجيبى، وكل منهم بنى فى القيروان دارا لمسكنه ومسجدا لصلاته واجتماعه بالبربر يفقههم فى الدين وكتّابا لتعليم الناشئة مبادئ العربية وتحفيظها القرآن الكريم. وبذل كل منهم أقصى ما يستطيع فى نشر الدين الحنيف، يتقدمهم فى ذلك

стр. 4334

إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر، وفيه يقول ابن عذارى: «ما زال إسماعيل حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام، حتى أسلمت بقية بربر إفريقية على يديه فى دولة عمر بن عبد العزيز، وهو الذى علم أهل إفريقية الحلال والحرام». وعلى هذا النحو أصبح البربر فى نهاية القرن الأول الهجرى شعبا إسلاميا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فهو يتغلغل فى ذات نفوسهم، ويتعمق قلوبهم وأفئدتهم، وخلف عمر بن عبد العزيز خلفاء أمويون ضلوا السبيل فولّوا على القيروان وإفريقية ولاة طاغين باغين أخذوا يفرّقون بين العرب والبربر فى الخراج، مما جعل البربر يفكرون فى مخرج من هذا الظلم الفادح، وسرعان ما أخذ الخوارج الصفرية والإباضية ينشرون مبادئ عقيدتيهما الآخذة بتعاليم الإسلام فى التسوية بين العرب والبربر فى الخراج وغير الخراج. ونكب البربر بتولية عبيد الله بن الحبحاب القيروان وإفريقية، وكان هو ونوابه فى إفريقية جميعها بمنتهى الحمق والسفاهة، فتمادوا فى التفرقة بين البربر والعرب، وأخذت جموع كثيرة فى المغربين الأقصى والأوسط تنضم تحت لواء الصفرية، وكانوا متطرفين تطرفا شديدا يستحلون من المسلمين سفك الدماء وسبى النساء واسترقاقهن، وانضمت جموع أخرى تحت لواء الإباضية فى جبل نفوسة ولم يكونوا يستحلون-مثل الصفرية-سفك دماء المسلمين ولا سبى نسائهم. وثار الصفرية بالمغرب الأقصى وتقدم جيشان لهم إلى القيروان سنة ١٢٤ هـ/٧٤١ م يريدون الاستيلاء عليها وهزما هزيمة ساحقة. ودخلت قبيلة ورفجومة الصفرية القيروان سنة ١٣٨ هـ/٧٥٥ م وأخرجها منها أبو الخطاب الإباضى سنة ١٤١ هـ/٧٥٨ م وولّى عليها عبد الرحمن بن رستم الإباضى، وسرعان ما نازل جيش عباسى أبا الخطاب وقضى عليه، وفر عامله عبد الرحمن بن رستم إلى الجزائر وأسس فى تيهرت دولة إباضية. وكل هذه الإلمامات للإباضية والصفرية بالقيروان لم تترك بها أى أثر، وكأنها كانت سحابات صيف لم تكد تلم حتى أقلعت، ولا نسمع عن أى أحد من القطر التونسى اعتنق إحدى هاتين العقيدتين. ومعنى ذلك أن القيروان ظلت دارا كبرى للسنة، ولم تأبه بتعاليم الصفرية والإباضية، وقد امتشقت الحسام ونازلت الأولين منازلة ضارية كما مر بنا فى الفصل الماضى، بل لقد دمرت جيشين لهما ومحقتهما محقا ذريعا. وأخذت القيروان فى أواخر القرن الثانى الهجرى وطوال القرن الثالث بمذهبين من مذاهب أهل السنة هما مذهب أبى حنيفة ومذهب مالك، وكان للمذهب الثانى غير قليل من الغلبة لكثرة فقهائه. وما إن تستقر الأمور فى القيروان لبنى عبيد الفاطميين حتى يعلنوا عقيدتهم الشيعية، وحتى يأمر عبيد الله المهدى أول خلفائهم بتعطيل تعليم الشريعة والفقه على مذاهب أهل السنة، ويريد مذهبى مالك وأبى حنيفة، ومنع شيوخ المذهبين من إلقاء دروسهم فى جامع عقبة فكانوا يقرءون تلاميذهم إما فى بيوتهم وإما فى حوانيتهم، وكانوا قد اضطهدوا

стр. 4335

محمد بن اللباد رئيس المالكية، وسجنوه، وعادوا فردوا إليه حريته وألزموه الاعتكاف فى بيته، فكان تلاميذه يقصدونه خفية ويقرءون عليه فى بيته، وكان ربيع القطان يقرئ تلاميذه فى حانوته الذى يبيع فيه القطن. وظل العبيديون يحاولون القضاء على مذهبى مالك وأبى حنيفة، وعلماء السنة يقاومونهم مقاومة حادة وينازلون دعاتهم منازلات ضارية، وكان الفقيه سعيد بن الحداد يقود هذه المنازلات فى أيام عبيد الله المهدى، وسمع به وبإسكاته الدعاة وإلزامهم الحجة، فاستدعاه-كما يقول المالكى فى كتابه «رياض النفوس» -وعرض عليه الحديث النبوى: «من كنت مولاه فعلىّ مولاه» فقال له سعيد: هو حديث صحيح قد رواه أهل السنة، فالتفت إليه وقال له: فما للناس لا يكونون عبيدنا؟ فقال له سعيد: أعزّ الله السيد، لم يرد (الرسول) ولاية الرّق، إنما أراد ولاية الدين، فقال له عبيد الله المهدى: هل من شاهد يؤيد كلامك من كتاب الله ، فقال له: نعم، قال الله تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ، وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ثم قال سعيد: فما لم يجعله الله لنبى لم يجعله لغير نبى، وعلى لم يكن نبيا إنما كان وزير النبى ﷺ . وبذلك أفحمه، فقال له انصرف. ولم تقف المسألة فى العقيدة العبيدية الفاطمية عند محاولة الخلفاء العبيديين استعباد الناس، فقد حاولوا إقناعهم بأنهم الصورة المجسدة للذات العلية تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا إلى غير ذلك من ضلالاتهم التى صورنا أطرافا منها فى كتابنا-بهذه السلسلة-عن مصر. وظلت القيروان تقاطع عقيدتهم إلى أن انتقلوا إلى القاهرة وعادت لمذاهب أهل السنة نشاطاتها وخاصة مذهب مالك، ولم يلبث المعز الصنهاجى سنة ٤٣٨ هـ/١٠٤٦ م أن حمل الناس والفقهاء على اتباعه، فظل هو المذهب السنى الأساسى فى القطر التونسى إلى اليوم، وحقا اشترك معه المذهب الحنفى أيام العثمانيين، ولكن ظل هو المذهب السنى للجماهير التونسية. ٥ - الزهد والتصوف (١) هذا القطر أو هذه الدار التونسية الكبيرة للدين الحنيف أخذت تتحول سريعا إلى دار

стр. 4336

كبرى لعبادة الله الواحد الأحد، وأخذت المساجد تبنى فى كل بقعة وفى كل بلد، وكان الفاتحون يقرءون البربر القرآن ويفقهونهم فى الدين وينشرون فيهم تعاليم الإسلام وما يدعو إليه من العبادة والنسك، وقد تميز أفراد البعثة التى أرسل بها عمر بن عبد العزيز سنة مائة للهجرة بالزهد فى عرض الدنيا الزائل، وكان منهم إسماعيل بن عبيد الذى اشتهر فى القيروان باسم تاجر الله، لأنه كان يتجر ويجعل ثلث كسبه لله، ينفقه فى وجوه الخير، وهو يمثل شخصية زهاد الدين الحنيف الأولين. فهو يعبد الله ويفقّه الناس فى الدين، ويحفّظ الناشئة القرآن فى كتّاب، وهو لا يعيش كلاّ أو عبئا على الدولة ولا عالة على الناس، بل يتجر ويكتسب من التجارة ما يقيم به أوده، ثم هو يقوم بالواجب الأكبر عليه للأمة: واجب الجهاد لأعدائها وأعداء دين الله، وبأخرة من حياته فى القيروان حمل سيفه وخرج مجاهدا لإعلاء كلمة الله فى صقلية وغرق فى البحر المتوسط سنة ١٠٧ للهجرة. ونلتقى بعده فى القيروان بزهاد كثيرين تعنى كتب الطبقات بالترجمة لهم والحديث عنهم، ومن أهمهم فى أواسط القرن الثانى الهجرى رباح بن يزيد اللخمى، وكان زاهدا وعابدا ناسكا، ونوّه به طويلا أبو العرب فى الطبقات والمالكى فى رياض النفوس. وبالمثل نوّها بالبهلول بن راشد وزهده وورعه، وكان يعاصرهما على بن زياد أول من أدخل كتاب الموطأ لمالك بن أنس إلى إفريقية التونسية، توفى سنة ١٨٣ للهجرة، وله كتاب فى الزهد، وبالمثل لعبد الملك بن أبى كريمة مولى إسماعيل بن عبيد تاجر الله كتاب فى الزهد، وكان من أهل الفضل والورع. ومن أهم ما سجّلته كتب الطبقات لهؤلاء الزهاد الورعين أنهم كانوا دائما يخرجون فى وقت من السنة للعبادة فى الرباطات والمحارس التى كانت متخذة على طول الساحل التونسى لإقامة المجاهدين المتربّصين بالقراصنة الغربيين أعداء الله حين يغيرون فجأة فى موضع على الساحل التونسى الطويل. ومعروف أن زيادة الله الأول الأغلبى حين أعدّ حملته المشهورة لفتح صقلية فى سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م جعل قائدها أسد بن الفرات قاضى القيروان وكبير فقهائها فى زمنه. وفى ترجمة سحنون أكبر فقهاء القيروان بعده أنه كان يرابط وقتا فى السنة بالقرب من ميناء سوسة، ومع أنه كان على شئ من الثراء كان يتخشّن فى ملبسه ومطعمه مع الورع الصادق والزهادة فى الدنيا، وكان ابنه محمد الذى خلفه فى حلقته لإقراء الطلبة يخرج وقتا فى السنة- مثل أبيه-للمرابطة وحراسة المسلمين، وتروى له مقتلة فى قراصنة الروم، فقد تصادف أن لقيهم ذات مرة وقد أشرفوا-فى غيبة الرجال-على نهب بعض الأموال وسبى الحريم فتقلد سيفه وأخذ بيده رمحه وامتطى جوادا له، ورآه بعض المرابطين فأسرعوا إليه، وكبّر وكبّروا معه، واشتبكوا فى حرب مع القراصنة، وأجهزوا على بعضهم، ففرت بقيتهم هاربة إلى البحر المتوسط وما وراءه. وإنما نسوق ذلك لندل على أن الزهاد والنساك فى الحقب الإسلامية الأولى لم يكونوا

стр. 4337

يعيشون للزهد وعبادة ربهم فقط، بل كانوا دائما يحملون السلاح ويتقدمون الصفوف فى حرب أعداء الله والوطن، مؤمنين بأن جهاد أعداء الله لا يقل عن عبادته نسكا وقربى إليه. ولم يكونوا يعيشون عالة على المجتمع، بل كانوا دائما يحترفون حرفا تدرّ عليهم أرزاقهم، على نحو ما مرّ بنا آنفا عند إسماعيل بن عبيد تاجر الله. وأخذ هؤلاء الزهاد والعباد يتكاثرون فى القيروان أثناء القرن الثالث الهجرى، حتى لنراهم يتخذون مسجدا سموه مسجد السبت، كانوا يقصدونه يوم السبت للذكر والعبادة، وكانوا ينشدون فيه الأشعار بتطريب فرادى وجماعة، وكأن ذلك كان مقدمة لما سيصير إليه ذكر الله فى البلدان المغربية، إذ سيصبح اجتماعات دورية للذكر فى المساجد والزوايا بعد أن كان مرتبطا بجهاد أعداء الدين والوطن ومراقبتهم على الساحل التونسى الطويل فى الرباطات والمحارس الكثيرة التى كانت تعدّ بالعشرات. وحاول-مبكرا-يحيى بن عمر الكنانى المتوفى سنة ٢٨٩ للهجرة أن يقاوم الاجتماع المار للذكر فى مسجد السبت، فألف كتابا يردهم عن هذا الطريق الذى ابتدعوه ولم يستجيبوا إليه. ومن يقرأ التراجم فى كتاب رياض النفوس للمالكى المتوفى سنة ٤٧٢ للهجرة وكتاب معالم الإيمان للدباغ وذيله لابن ناجى المتوفى سنة ٧٣٨ يلقاه كثير من الزهاد النساك وخاصة بين الفقهاء والتقاة، وأخذ التصوف ينشط فى الدولة الحفصية منذ مؤسسها أبى زكريا، وكان ورعا تقيا، وكان كلما بنى مسجدا نهض بأول أذان فيه قربى لربه، وبنى أمراء الدولة كثيرا من المساجد فى تونس وبلدانها. وأخذ التصوف ينشط فى عهد تلك الدولة، وكان بعض أئمته الأندلسيين ينزلون القطر التونسى قبل تلك الدولة فى القرن السادس الهجرى، وممن نزل بها منهم أبو مدين شعيب، وهو من إشبيلية، أجاز البحر إلى المغرب، فاشتهر به خبره فى التصوف والنسك، وتوفى بتلمسان سنة ٥٩٤ هـ/١١٩٧ م وله فيها زاوية كبيرة، وله أتباع كثيرون، وكان قد نزل بتونس فترة، وتبعه فى طريقته الصوفية غير تونسى، منهم أبو سعيد خلف بن يحيى التميمى المتوفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م والمدفون ببلدة جبل المنار بالقرب من قرطاجة، والبلدة مسماة باسمه وفى رأيى أن أبا مدين كان ينزع فى تصوفه المنزع الفلسفى، وهو المنزع الذى بدأه الحلاج والذى كان أصحابه يؤمنون بالاتحاد بين المخلوقات والخالق جلّ شأنه أو بعبارة أخرى بين الإنسان وربه، واقترن بذلك الإيمان بالفناء فى الذات العلية، والباحثون فى هذا المنزع، منهم من يقف عند الظاهر من عبارات أصحابه وأشعارهم فينسبونهم إلى القول بالاتحاد مع الذات الإلهية وأكثر من ذلك بالحلول وأن الله يحل فى الإنسان وجزئيات الطبيعة، ويؤثر عن أبى مدين أنه كان يقول: «بى قل، وعلىّ دلّ، فأنا الكلّ» والعبارات قد تفسّر بأن أبا مدين يؤمن بالاتحاد فى الذات العلية وحلولها فيه وقد تفسّر بأنه إنما يؤمن بالفناء فى الذات الربانية. وزار تونس بعده من أصحاب

стр. 4338

المنزع الصوفى الفلسفى ابن عربى المرسى الأندلسى الناشئ بإشبيلية والمتوفى بدمشق سنة ٦٣٨ هـ/١٢٤٠ م وهو من أئمة هذا المنزع، وظل فى تونس فترة ألف فيها كتابه: «الدوائر الإحاطية فى مضاهاة الإنسان» ونظن ظنا أنه خلّف بتونس بعض مريديه المعجبين به وبمنزعه. ومن المؤكد أن هذا المنزع الصوفى الفلسفى لم يكتب له الشيوع والانتشار فى تونس، إنما الذى كتب له ذلك المنزع الصوفى السنى الذى لا يؤمن أصحابه بحلول الذات العلية فى جزئيات الكون ولا باتحادها معها أو مع الإنسان ولا بالفناء فى الذات الربانية، فحسبهم محبة الله وذكره وتسبيحه، وقد قام على هذا المنزع فى القرن الخامس عبد الكريم القشيرى المتوفى سنة ٤٦٥ هـ/١٠٧٢ م والإمام الغزالى المتوفى سنة ٥٠٥ هـ/١١١٢ م وسرعان ما أخذت الطرق الصوفية السنّية فى الظهور أثناء القرن السادس الهجرى، ومن أهمها طريقتان: القادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلانى مولدا الحسينى نسبا نزيل بغداد المتوفى سنة ٥٦١ هـ/١١٦٥ م والطريقة الأحمدية أو الرفاعية نسبة إلى الشيخ أحمد الرفاعى البغدادى المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/١١٨٣ م. ورحّبت البلاد الإسلامية بهاتين الطريقتين، وأخذت تضيف إليها طرقا صوفية سنية جديدة، وتجرّد شيخ تونسى هو الشاذلى أبو الحسن على بن عبد الله الحسينى المنسوب إلى بلدة شاذلة بالقرب من مدينة تونس المولود سنة ٥٩٣ هـ/١١٩٧ م لإنشاء طريقة صوفية سنية، بجانب الطرق التى عمت وشاعت فى البلدان العربية، وأخذ يحاول نشرها فى تونس، وتبعه مريدون كثيرون رجالا ونساء، منهم على القرجانى وحسن السيجومى وللاّ (السيدة عائشة المنوبية) المتوفاة سنة ٦٦٥ هـ/١٢٦٧ م وهى من قرية منّوبة غربىّ مدينة تونس ولها زاوية كبيرة، ولبعض النساء ببلدتها اعتقاد فيها، ولذلك يزرنها ويتوسلن بها لحاجاتهن: حمل وغيره. وفى تونس تعرّف بتلميذه أبى العباس المرسى، وصحبه مع جمع من مريديه إلى الإسكندرية سنة ٦٤٢ هـ/١٢٤٤ م وسرعان ما أصبحت طريقته أهم الطرق الصوفية السنية بمصر. وظلت طريقته حية بتونس مع طريقة القادرية السابقة لها، ومع طرق أخرى وفدت على تونس من المغربين الأوسط والأقصى مثل طريقة التجانى والطريقة العروسية للشيخ أحمد بن عروس المتوفى سنة ٨٦٨ هـ/١٤٦٣ م وله فى تونس زاوية كبيرة. وقد تكاثرت زوايا المتصوفة فى تونس والأقطار المغربية كثرة مفرطة، وتحولت فى الحقب المتأخرة إلى ما يشبه تكايا ينزلها مع الدراويش الجوالين كثير من المشعوذين الدجالين، وكان منهم من يدعى لنفسه الكرامات وأنه من أولياء الله، والله براء منه لانحرافه عن جادة الدين والتصوف السنى الحقيقى.

стр. 4339

الفصل الثالث الثقافة ١ - الحركة العلمية (١) (أ) فاتحون مجاهدون معلمون خرج عبد الله بن سعد بن أبى سرح والى مصر للخليفة عثمان فى جيش للمسلمين عداده عشرون ألفا للاستيلاء على إفريقية التونسية سنة ٢٧ هـ/٦٤٧ م والتقى بجيش والى بيزنطة الثائر عليها والمستقل بالبلاد: جريجوريوس وكان فى مائة ألف من الروم والبربر، ونصر الله المسلمين، وقتل جريجوريوس فى المعركة وسحق جيشه سحقا، وأخذت مدن إفريقية التونسية تفتح أبوابها للمسلمين. وعادة يذكر المؤرخون هذا الفتح المبين ولا يتحدثون عن جنوده وأنهم كانوا جنود الدين الحنيف خرجوا وحاربوا جهادا فى سبيل نشره، بقيادة ابن أبى سرح أحد كتاب الوحى ومعه فى المقدمة العبادلة: عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، ويقال أيضا كان معهم عبد الله بن جعفر وعبد الله بن مسعود، ولذلك سمى جيش العبادلة وكلهم من تقاة الأمة الورعين. لم يخرجوا إلى إفريقية التونسية ابتغاء دنيا، إنما خرجوا للجهاد فى سبيل الله ونشر دينه الحنيف فى أرجاء إفريقية، وبضربة من يد عبد الله بن الزبير قتل جريجوريوس وبضربات من أيدى زملائه العبادلة وأيدى جند الدين الحنيف المجاهدين فى سبيله انهزم الجيش الضخم ومن بقى من عساكره أصابهم رعب شديد واعتصموا بالمعاقل

стр. 4340

والحصون، ولم يلبثوا أن جاءوا إلى ابن أبى سرح مستسلمين طالبين الصلح فصالحهم، ودانت إفريقية التونسية للدين الحنيف وجنوده. ونجد عند الفاتحين دائما هذا الشعور بأنهم مجاهدون فى سبيل الله، فابن أبى سرح قبل منازلة جريجوريوس يخطب فى الجيش محرضا على الجهاد، إنه ليس فتحا ولا غزوا إنما هو جهاد فى سبيل إعلاء كلمة الدين الحنيف، ودائما نجد هذا الشعور ماثلا فى أذهان الفاتحين وكان أول من تعمق فى البلاد المغربية مجاهدا فى سبيل الله حتى المحيط الأطلسى عقبة بن نافع، وقد أدخل فيه قوائم فرسه ورفع وجهه إلى السماء مناجيا ربه بقوله: «اللهم إنّي أشهدك أنى وصلت براية الإسلام إلى آخر المعمورة حتى لا يعبد أحد سواك» فهو وجنوده لم يكونوا غزاة للمغرب الأقصى يجمعون منه الغنائم، إنما كانوا جنودا لله يريدون أن ينشروا دينه إلى أقاصى الأرض المعمورة. وتوفى عقبة وثار كسيلة، ودخل بجموعه القيروان، وفتك زهير بن قيس القائد بعد عقبة به وبجيشه حتى إذا دان له المغرب أبى أن يظل حاكما له، وعاد إلى المشرق قائلا: «إنّي ما قدمت إلا للجهاد، وأخاف أن تميل نفسى بى إلى الدنيا فأهلك». فقادة الجند الفاتحين للمغرب والجند أنفسهم لم يكونوا طلاب دنيا إنما كانوا مجاهدين يبتغون نشر الإسلام طالبين ما عند الله من ثواب الآخرة، وهم لذلك لا يبالون بالموت، فقد باعوا أنفسهم لله، صفقة كلّلت غزواتهم فى الفتوح الإسلامية بالانتصارات الحاسمة. وتتضح خلال ذلك صفة ثانية لهم هى أنهم ناشرون للإسلام، فليس همهم من فتوحهم تملك الأرض وما عليها من طيبات الرزق، إنما همهم تملك القلوب للدين الحنيف، وهم لذلك يحاولون -كل بقدر إمكانه-تعريف البربر به وبتعاليمه، وأخذ يستجيب لهم البربر، لما وجدوا فى عقيدته من بساطة، إذ لا تعدو الإيمان بوحدانية الله. وليس فيها فكرة التثليث المعقدة عند النصارى، والله رحيم وسعت رحمته كل شئ، وهو عالم قادر شمل علمه-وشملت قدرته- كل ما فى الكون، والمسلمون عربا وبربرا سواسية فى جميع الحقوق والواجبات مع العدل المطلق الذى لا تصلح حياة الشعوب بدونه، ومع محو جميع الفروق الطبقية والاجتماعية بين أفراد الأمة، ومع تحرير الشعوب من كل عبودية. وقد أخذ هذا الجند الفاتح للمغرب المجاهد فى سبيل الله يحاول-بكل ما يستطيع-نشر هذا الدين، فهم يحفّظون البربر شيئا من القرآن، وهم يقفونهم على تعاليم الإسلام وهديه، وبذلك كانوا معلمين للبربر كما كانوا مجاهدين. ونجح تعليمهم سريعا، وأخذت جماعات كثيرة من البربر تعتنق الدين الحنيف لا اعتناقا ظاهريا، بل اعتناقا يتعمق منها القلوب والأفئدة، فإذا هى تخلص له، وإذا هى تحمل السلاح لنشره وحرب أعدائه وأعداء الله، فمن ذلك ما يقال فى ولاية أبى المهاجر الإفريقية (٥٥ - ٦١ هـ) من أن قبيلة أوربة اتحدت مع جيشه فى الاستيلاء على الساحل الشمالى للجزائر. ويصبح البربر جزءا

стр. 4341

لا يتجزأ من الجيش العربى لعهد حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) إذ نراه يعين ابنى الكاهنة التى قادت ثورة عنيفة ضد المسلمين قائدين فى الجيش بعد إسلامهما، وأدخل فيه كتيبة من البربر عدادها اثنا عشر ألفا، وبذلك لم يعد فى الجيش أى فارق بين العرب والبربر، فهم يجندون فيه ويتولون قيادة بعض فرقه الكبيرة. ويتولى بعده موسى بن نصير (٨٦ - ٩٦ هـ) فيتخذ من البربر ولاة وقوادا مثل طارق بن زياد فقد ولاه طنجة ثم جعله قائدا للجيش الفاتح لإيبريا وكان جيشه مؤلفا من سبعة عشر ألف جندى عربى واثنى عشر ألف جندى بربرى، وأمر موسى الجنود العرب أن يعلموا إخوانهم جنود البربر القرآن وأن يفقهوهم فى الدين كما يقول ابن عذارى، وفى رواية أخرى: أن موسى ترك سبعين رجلا من العرب يعلمون البربر القرآن وشرائع الإسلام. وهؤلاء السبعون فقيها لا يعدون شيئا بالقياس إلى ما حدث حتى تاريخ ولاية موسى بن نصير من اندماج المغرب فى الأمة الإسلامية. إذ أصبح يدين بدينها القويم ويتكلم كثيرون من أهله بالعربية وهو عمل ضخم لا ينهض به سبعون فقيها، إنما نهضت به الجيوش العربية الفاتحة للمغرب التى خرجت إليه للجهاد فى سبيل الله، ولنشر دينه وتعاليمه، مما يجعلنا نزعم أن هؤلاء الجنود كانوا مجاهدين فى نشر الدين الحنيف بالمغرب من جهة ومعلمين لأهله القرآن وتعاليم الإسلام من جهة ثانية. (ب) النشأة العلمية أخذ ينشأ فى القيروان وتونس-منذ أواخر القرن الأول الهجرى-جيل من مواليد إفريقية التونسية يكبّ على حلقات العلماء الوافدين من المشرق ينهل منها مثل عكرمة مولى ابن عباس المفسر المشهور، ويقول المالكى فى رياض النفوس إن مجلسه كان فى مؤخر جامع عقبة فى القيروان حيث كان يلقى دروسه على الناس فى التفسير والحديث ومات سنة ١٠٥ للهجرة. وذكرنا فى غير هذا الموضع أن الخليفة عمر بن عبد العزيز أرسل إلى القيروان بعثة تعليمية مكوّنة من عشرة فقهاء اختارهم، ليفقهوا الناس فى الدين وما يتصل به من تفسير للذكر الحكيم ومن شرح لبعض الأحاديث النبوية، وهم: إسماعيل بن أبى المهاجر المخزومى، وجعيل بن عمير، وإسماعيل بن عبيد الأنصارى، وعبد الله بن يزيد المعافرى، وسعد بن مسعود التجيبى، وعبد الرحمن بن رافع التنوخى، وحبان بن أبى جبلة القرشى، وبكر بن سوادة الجذامى، وموهب بن حيى، وطلق بن جابان الفارسى. وأسند إلى ابن أبى المهاجر -بجانب عمله الدينى-ولاية إفريقية والمغرب كما أسند إلى جعيل بن عمير قضاء الجند، وبمجرد أن نزلوا القيروان اتخذ كل منهم دارا لسكناه ومسجدا لصلاته وتعليم الناس أمور دينهم وسنة رسولهم. وهؤلاء المعلمون الرسميون للدولة كان يشترك معهم فى تعليم الشباب علماء آخرون من أهمهم يحيى بن سعيد الأنصارى الذى أرسله عمر بن العزيز عاملا على الصدقات،

стр. 4342

وكان محدثا كبيرا وممن روى عنه الحديث الأئمة أبو حنيفة ومالك والليث بن سعد فقيه مصر والأوزاعى فقيه الشام. وقد نزل مدينة تونس وأخذ عنه شبابها الحديث يتقدمهم خالد بن أبى عمران التجيبى قاضى القيروان وزميلاه عبد الرحمن بن زياد وعلى بن زياد. والثلاثة من تلامذة يحيى بن سعيد الأنصارى والمعلمين العشرة الذين أرسلهم إلى القيروان عمر بن عبد العزيز وقد رأوا أن لا يكتفوا بما أخذوا عنهم بل ينبغى أن يضيفوا إلى ذلك رحلة علمية إلى مصر والحجاز والعراق للأخذ عن كبار الفقهاء والمحدثين وحملة العلم فى تلك الديار. ولفت خالد بن أبى عمران التجيبى أنظار الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة فى مصر ومالك إمام الحجاز، ورووا عنه بعض أحاديث، وهى فى موطأ مالك مأخوذة عنه بسند يحيى بن سعيد المذكور آنفا. وعبد الرحمن بن زياد تولى القضاء بالقيروان مرتين كان أبوه من جند حسان بن النعمان ولد له سنة ٧٤ للهجرة وتوفى سنة ١٦١ وحل للقاء العلماء والمحدثين فى مصر والشام والعراق والحجاز وعنه روى الحديث الفقيهان المصريان ابن لهيعة وابن وهب كما رواه عنه سفيان الثورى العراقى. وعلى بن زياد التونسى معاصره رحل بدوره إلى المشرق وتتلمذ فى مصر لليث بن سعد وابن لهيعة وفى العراق لسفيان الثورى وحمل عنه كتابه المعروف باسم جامع سفيان وفى المدينة تتلمذ لمالك، وهو أول من أدخل كتاب الموطأ فى الفقه المالكى إلى المغرب، وكان يعاصره من الشباب العلمى فى القيروان عبد الله بن فروخ الذى ثقف الفقه والحديث على شيوخ القيروان، ورحل إلى العراق ولزم أبا حنيفة فترة، ثم رحل إلى الحجاز ولقى مالك بن أنس وكان يكاتبه، وهو أول من نشر فقه أبى حنيفة فى القيروان. وهذه النشأة للعلوم الدينية رافقتها فى إفريقية التونسية نشأة العلوم اللغوية لسبب طبيعى، وهو أن من يريد حفظ القرآن ورواية الحديث النبوى لا يمكنه أن يتقن ذلك إلا إذا وقف على سنن العربية وكانوا يستعينون على ذلك فى أول الأمر برواية الأشعار، وكانت مدينتا البصرة والكوفة جادّتين فى القرن الثانى الهجرى فى وضع قواعد العربية، وولى القيروان والمغرب يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٥ - ١٧٠ هـ) وكان بحرا فياضا وصحب معه إلى إمارته المعمّر بن سنان التّيمى، وكان-كما يقول ابن الأبار فى ترجمته بالحلة السيراء-من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها، وعنه أخذ أهل إفريقية حرب غطفان وغيرها من وقائع العرب» وممن صحبه يزيد كاتم سرّه أبو على الحسن بن سعيد البصرى، وهو من النحاة البصريين وكتاب الدواوين. وكان يزيد غيثا مدرارا فى الجود والعطاء، كما ذكرنا، فأمّه غير شاعر، كما أمّه أو وفد عليه غير عالم نحوى ولغوى، وممن أمّه يونس بن حبيب إمام البصرة فى النحو واللغة، وتسامع به شباب القيروان فأكبّوا عليه يأخذون عنه ما عنده، ووفد على يزيد من الكوفة قتيبة الجعفى وهو من نحاتها، وقد أفاد منه الشباب القيروانى وانتفعوا به، ووفد عليه

стр. 4343

أيضا عياض بن عوانة الكلبى النحوى الكوفى سنة ١٥٥ فرحّب به، وخصّه بتعليم أولاد أسرته وعنه أخذ أبناء القيروان النحو والعربية. وأخذ ينشأ فى القيروان سريعا جيل يعنى برواية الأشعار والأخبار كما يعنى باللغة والنحو على شاكلة أمان بن الصمصامة بن الطرماح الطائى الشاعر المشهور فى العصر الأموى، وكان الصمصامة هاجر إلى القيروان فى أوائل القرن الثانى، وولد له فيها أمان، وكان راوية للغة والشعر كما يقول ابن حزم، وتتلمذ له كثيرون من شباب القيروان فى النحو واللغة والأدب. وما نصل إلى أواخر القرن الثانى الهجرى حتى يصبح للقيروان نحاة بالمعنى الدقيق لكلمة نحاة من مثل عبد الملك المهرى تلميذ أمان وعياض بن عوانة وغيرهما من النحاة والرواة، ويتكاثر النحاة فى جيله وجيل تلاميذه. (ج) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-جامعا عقبة والزيتونة-بيت الحكمة- الزوايا-المدارس منذ استقر العرب فى القيروان والبلدان بإفريقية التونسية أخذت تنشأ كتاتيب لتحفيظ الناشئة القرآن وتعليمهم مبادئ العربية-حتى يحسنوا أداء الآيات القرآنية-والأحاديث النبوية. ويبدو أنها أخذت تتكاثر منذ عهد حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) وكان يتعلم فيها أبناء البربر والعرب جميعا، وظلت أساس التعلم فى البلاد، مثلها فى ذلك مثل جميع البلدان العربية، وتنبه الفقيه محمد بن سحنون المتوفى سنة ٢٥٦ للهجرة إلى أهمية التعليم فى الكتاتيب وما ينبغى أن يؤخذ به فى هذا التعليم من آداب ومن صفات فى المعلمين وطرائق معاملتهم للناشئة، مما جعله يكتب فيه كتابا بعنوان «آداب المعلمين» وفيه يرسم لهم قواعد التربية للناشئة من أبناء المسلمين، وما ينبغى أن يتصفوا به فى السلوك معهم وواجبات المعلم إزاءهم وأخذه لهم بالنهج السليم، وعنى بنفس الموضوع بعده أبو الحسن القابسى المتوفى سنة ٤٠٣ هـ إذ ألف فيه كتابا باسم «الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين» وهو أوسع من كتاب محمد بن سحنون وأكثر تفصيلا، وفيه تحدث عن آداب معلم الإناث وما يصلح أن يعلّم للناشئة وما لا يصلح وسياسة المعلم فى تعليم الصبية إلى غير ذلك من موضوعات طريفة. وكانت الدار الثانية للتعليم بعد الكتّاب المسجد، حيث كان الشيوخ يتحدثون فى التفسير والحديث النبوى والفقه واللغة العربية والناس يتحلقون حولهم كما تتحلق الناشئة والشباب للتعلم وأخذ ما لديهم من تعاليم الدين وعلوم الإسلام والعربية. وقد أخذت تبنى فى القيروان وتونس وغيرها من البلدان مساجد كثيرة، ومرّ بنا أن جميع أعضاء البعثة التى أرسلها عمر بن عبد العزيز إلى القيروان لتعليم الفقه والتفسير والحديث النبوى بنى كل منهم مسجدا وألحق به كتّابا. أما الكتاب فلتحفيظ القرآن، وتنعقد الصلاة فى المسجد، ويجلس الشيخ فى جانب منه يلقى بعض دروسه الدينية.

стр. 4344

وهناك مسجدان بل جامعان كبيران تحولا مع السنين إلى جامعتين عظميين، وهما جامع عقبة بن نافع فى القيروان وجامع حسان بن النعمان فى تونس المسمى جامع الزيتونة، والجامع الأول بناه عقبة فى تأسيسه للقيروان بين سنتى ٥٠ و ٥٥ للهجرة وجدده حسان بن النعمان فى ولايته (٧١ - ٨٦ هـ) وازداد العمران فى القيروان وضاق بأهلها فوسعه عبيد الله بن الحبحاب فى ولايته (١١٦ - ١٢٢ هـ). ومنذ أنشئ هذا الجامع يتخذه الشيوخ من أهل العلم لمدارسة الناس فى علوم الدين وتحول سريعا مركزا للعلوم الدينية يؤم شيوخه الطلاب من كل أنحاء المغرب فضلا عن أرجاء إفريقية التونسية، ولم يتأخر ذلك إلى القرن الثانى الهجرى بعد توسعة ابن الحبحاب له، كما قد يظن، إذ بدأ ذلك فيه منذ إنشائه فى القرن الأول، يدل على ذلك ما ذكره أبو العرب فى طبقاته، وأشرنا إليه فى غير هذا الموضع، من أن عكرمة مولى ابن عباس وتلميذه المتوفى فى سنة ١٠٥ كان يجلس فى مؤخره ويلقى على الناس دروسه فى التفسير والحديث النبوى، ولا بد أن زخر الجامع بحلقات أخرى لشيوخ مماثلين فى الفقه والتشريع الإسلامى، وأيضا لشيوخ يروون الأشعار والأخبار، حتى إذا ظهرت نحل الخوارج أخذ دعاتها يدعون لها، وتكونت حلقات حول بعض هؤلاء الدعاة فى جامع القيروان وخاصة حول عقيدة الإباضية. وحين ازدهرت الدعوة لمبادئ المعتزلة فى القرن الثانى أخذت طريقها إلى جامع عقبة. وكان أهل السنة يضيقون بمناظرات الدعاة لعقائد الخوارج والمعتزلة، حتى إذا ولى سحنون إمام المذهب المالكى السنى القضاء سنة ٢٣٤ للهجرة أمر بوقف مناظراتهم وإلغاء حلقاتهم، حتى لا يفسدوا-فى رأيه-الناس والشباب. وأكبر الظن أنهم عادوا إلى الجامع بعد وفاته سنة ٢٤٠ يتحلقون فيه ويتجادلون. ونمضى إلى قيام الدولة العبيدية فى القيروان، فيحرم خلفاؤها تدريس الشريعة الإسلامية على مذاهب أهل السنة من مالكية وحنفية فى الجامع، ويضطر الشيوخ إلى تدريسها للطلاب فى بيوتهم وحوانيتهم ويظل ذلك إلى مبارحتهم إفريقية التونسية وعاصمتهم المهدية إلى القاهرة، وتعود إلى الجامع حلقات أهل السنة وخاصة المالكية وتظل له مكانته الكبيرة فى الحركة العلمية بالبلاد. وجامع الزيتونة بتونس ظل مع جامع عقبة فى القيروان يقود الحركة العلمية منذ القرن الأول الهجرى فى إفريقية التونسية، بناه حسان بن النعمان فى ولايته (٧١ - ٨٥ هـ) وجدّده عبيد الله بن الحبحاب سنة ١١٦ هـ/٧٣٤ م للهجرة. وأعاد تجديده وزخرفه-كما يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب-الأمير أحمد بن محمد الأغلبى وأتم بنيانه أخوه زيادة الله سنة ٢٥٠ هـ/٨٦٤ م. وأضاف إليه بنو خراسان فى إمارتهم لتونس بعض تجديدات، منها زيادة أبوابه إلى اثنى عشر بابا بعد أن كانت ستة، ودخلت عليه تجديدات أخرى فى الحقب التالية. وهو مثل جامع عقبة أخذت الدروس الدينية تعقد فيه منذ تأسيسه، وأخذ شباب تونس يختلفون إلى حلقات شيوخه، وأخذوا يتمون دروسهم فيه ويتخرجون مثل خالد بن أبى عمران التجيبى

стр. 4345

قاضى القيروان المتوفى سنة ١٢٥ هـ/٧٤٢ م وهو أحد من سنّوا لزملائهم فى تونس والقيروان الرحلة إلى المشرق للتزود من حلقات علمائه، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، واقتدى به فى طلب العلم بالمشرق تلميذاه عبد الرحمن بن زياد وعلى بن زياد، والثلاثة فى الذروة من علماء إفريقية التونسية، وأمّ الطلاب حلقاتهم بتونس من كل فج. وتكثر أسماء فقهاء تونس ومحدثيها فى القرن الثالث الهجرى حتى إذا ولى الفاطميون بأخرة من هذا القرن عطلوا فى جامع الزيتونة دراسات الفقه على أساس مذاهب أهل السنة، حتى إذا انحسر ظلهم عن المهدية وغادروها إلى القاهرة عادت إلى الجامع حلقاته الدينية، وخاصة حلقات المذهب المالكى وشيوخه النابهين، وقد تهيأ له ولجامع عقبة من قديم أئمة فى الفقه، وخاصة الفقه المالكى، وكذلك فى الحديث لا يقلون فقها وعلما عن نظرائهم فى البلاد العربية. وقد نال جامع الزيتونة الحظ الأعظم أيام الدولة الحفصية إذ عنيت عناية كبيرة بمبانيه ومكتباته وشيوخه وطلابه. ومن دور العلم المهمة فى إفريقية التونسية وإن لم تعمر طويلا بيت الحكمة الذى أنشأه إبراهيم الثانى الأغلبى محاكاة لدار الحكمة التى أسسها ببغداد هارون الرشيد ورعاها ابنه المأمون. وكان هذا البيت خاصا بعلوم الأوائل مثل دار الحكمة البغدادية، وللأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب مبحث قيّم فيه بالقسم الأول من كتابه ورقات عن الحضارة العربية فى إفريقية التونسية، وفيه تحدث عن تأسيس إبراهيم الثانى الأغلبى له، ونظامه وخزائن كتبه وإمداده سنويا بالعلماء والمخطوطات، إذ كان يرسل سنويا سفارة إلى بغداد لجلب إخصائيين فى علوم الأوائل وشراء مخطوطات الكتب النفيسة فى الطب والفلك والرياضة إلى غير ذلك. ويستظهر الأستاذ عبد الوهاب أن المترجمين فيه ترجموا أحيانا من اللسان اللاتينى بعض الكتب، ويقول إن هذا البيت أوجد النواة لمدرسة الطب القيروانية التى أثرت فى الحركة العلمية بالمغرب، ويذكر أن قسطنطين القسيس المسيحى المولود بقرطاجة سنة ٤٠٦ هـ/١٠١٥ م والناشئ بالقيروان والمتتلمذ لمشاهير أطبائها نقل كتبهم الطبية المهمة إلى اللسان اللاتينى فى جامعة ساليرنو ومنها انتقلت إلى الجامعات الإيطالية وغير الإيطالية مما كان له أثره العميق فى النهضة الثقافية بالبلاد الأوربية. ونمضى إلى عهد على بن يحيى الصنهاجى أمير المهدية (٥٠٩ - ٥١٥ هـ) فنجده ينشئ مدرسة للكيمياء زودها بما تحتاجه من آلات لتحليل المعادن وأدوات مختلفة للتقطير. وأخذت تونس منذ القرن السابع الهجرى تستكثر-مثل بقية بلدان المغرب-من زوايا المتصوفة، وتبعتها فى ذلك بقية بلدان الإقليم التونسى وهى أشبه بمساجد صغرى تضم مبانى للشيوخ والطلاب وتلقى فيها دروس العلوم الدينية واللغوية، مما جعلها تشارك فى نشر التعليم بمستوياته المختلفة، وكان يلحق بها عادة كتّاب لتحفيظ القرآن
следующие страницы →