← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

لا يتجزأ من الجيش العربى لعهد حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) إذ نراه يعين ابنى الكاهنة التى قادت ثورة عنيفة ضد المسلمين قائدين فى الجيش بعد إسلامهما، وأدخل فيه كتيبة من البربر عدادها اثنا عشر ألفا، وبذلك لم يعد فى الجيش أى فارق بين العرب والبربر، فهم يجندون فيه ويتولون قيادة بعض فرقه الكبيرة. ويتولى بعده موسى بن نصير (٨٦ - ٩٦ هـ) فيتخذ من البربر ولاة وقوادا مثل طارق بن زياد فقد ولاه طنجة ثم جعله قائدا للجيش الفاتح لإيبريا وكان جيشه مؤلفا من سبعة عشر ألف جندى عربى واثنى عشر ألف جندى بربرى، وأمر موسى الجنود العرب أن يعلموا إخوانهم جنود البربر القرآن وأن يفقهوهم فى الدين كما يقول ابن عذارى، وفى رواية أخرى: أن موسى ترك سبعين رجلا من العرب يعلمون البربر القرآن وشرائع الإسلام. وهؤلاء السبعون فقيها لا يعدون شيئا بالقياس إلى ما حدث حتى تاريخ ولاية موسى بن نصير من اندماج المغرب فى الأمة الإسلامية. إذ أصبح يدين بدينها القويم ويتكلم كثيرون من أهله بالعربية وهو عمل ضخم لا ينهض به سبعون فقيها، إنما نهضت به الجيوش العربية الفاتحة للمغرب التى خرجت إليه للجهاد فى سبيل الله، ولنشر دينه وتعاليمه، مما يجعلنا نزعم أن هؤلاء الجنود كانوا مجاهدين فى نشر الدين الحنيف بالمغرب من جهة ومعلمين لأهله القرآن وتعاليم الإسلام من جهة ثانية. (ب) النشأة العلمية أخذ ينشأ فى القيروان وتونس-منذ أواخر القرن الأول الهجرى-جيل من مواليد إفريقية التونسية يكبّ على حلقات العلماء الوافدين من المشرق ينهل منها مثل عكرمة مولى ابن عباس المفسر المشهور، ويقول المالكى فى رياض النفوس إن مجلسه كان فى مؤخر جامع عقبة فى القيروان حيث كان يلقى دروسه على الناس فى التفسير والحديث ومات سنة ١٠٥ للهجرة. وذكرنا فى غير هذا الموضع أن الخليفة عمر بن عبد العزيز أرسل إلى القيروان بعثة تعليمية مكوّنة من عشرة فقهاء اختارهم، ليفقهوا الناس فى الدين وما يتصل به من تفسير للذكر الحكيم ومن شرح لبعض الأحاديث النبوية، وهم: إسماعيل بن أبى المهاجر المخزومى، وجعيل بن عمير، وإسماعيل بن عبيد الأنصارى، وعبد الله بن يزيد المعافرى، وسعد بن مسعود التجيبى، وعبد الرحمن بن رافع التنوخى، وحبان بن أبى جبلة القرشى، وبكر بن سوادة الجذامى، وموهب بن حيى، وطلق بن جابان الفارسى. وأسند إلى ابن أبى المهاجر -بجانب عمله الدينى-ولاية إفريقية والمغرب كما أسند إلى جعيل بن عمير قضاء الجند، وبمجرد أن نزلوا القيروان اتخذ كل منهم دارا لسكناه ومسجدا لصلاته وتعليم الناس أمور دينهم وسنة رسولهم. وهؤلاء المعلمون الرسميون للدولة كان يشترك معهم فى تعليم الشباب علماء آخرون من أهمهم يحيى بن سعيد الأنصارى الذى أرسله عمر بن العزيز عاملا على الصدقات،

стр. 4342

وكان محدثا كبيرا وممن روى عنه الحديث الأئمة أبو حنيفة ومالك والليث بن سعد فقيه مصر والأوزاعى فقيه الشام. وقد نزل مدينة تونس وأخذ عنه شبابها الحديث يتقدمهم خالد بن أبى عمران التجيبى قاضى القيروان وزميلاه عبد الرحمن بن زياد وعلى بن زياد. والثلاثة من تلامذة يحيى بن سعيد الأنصارى والمعلمين العشرة الذين أرسلهم إلى القيروان عمر بن عبد العزيز وقد رأوا أن لا يكتفوا بما أخذوا عنهم بل ينبغى أن يضيفوا إلى ذلك رحلة علمية إلى مصر والحجاز والعراق للأخذ عن كبار الفقهاء والمحدثين وحملة العلم فى تلك الديار. ولفت خالد بن أبى عمران التجيبى أنظار الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة فى مصر ومالك إمام الحجاز، ورووا عنه بعض أحاديث، وهى فى موطأ مالك مأخوذة عنه بسند يحيى بن سعيد المذكور آنفا. وعبد الرحمن بن زياد تولى القضاء بالقيروان مرتين كان أبوه من جند حسان بن النعمان ولد له سنة ٧٤ للهجرة وتوفى سنة ١٦١ وحل للقاء العلماء والمحدثين فى مصر والشام والعراق والحجاز وعنه روى الحديث الفقيهان المصريان ابن لهيعة وابن وهب كما رواه عنه سفيان الثورى العراقى. وعلى بن زياد التونسى معاصره رحل بدوره إلى المشرق وتتلمذ فى مصر لليث بن سعد وابن لهيعة وفى العراق لسفيان الثورى وحمل عنه كتابه المعروف باسم جامع سفيان وفى المدينة تتلمذ لمالك، وهو أول من أدخل كتاب الموطأ فى الفقه المالكى إلى المغرب، وكان يعاصره من الشباب العلمى فى القيروان عبد الله بن فروخ الذى ثقف الفقه والحديث على شيوخ القيروان، ورحل إلى العراق ولزم أبا حنيفة فترة، ثم رحل إلى الحجاز ولقى مالك بن أنس وكان يكاتبه، وهو أول من نشر فقه أبى حنيفة فى القيروان. وهذه النشأة للعلوم الدينية رافقتها فى إفريقية التونسية نشأة العلوم اللغوية لسبب طبيعى، وهو أن من يريد حفظ القرآن ورواية الحديث النبوى لا يمكنه أن يتقن ذلك إلا إذا وقف على سنن العربية وكانوا يستعينون على ذلك فى أول الأمر برواية الأشعار، وكانت مدينتا البصرة والكوفة جادّتين فى القرن الثانى الهجرى فى وضع قواعد العربية، وولى القيروان والمغرب يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٥ - ١٧٠ هـ) وكان بحرا فياضا وصحب معه إلى إمارته المعمّر بن سنان التّيمى، وكان-كما يقول ابن الأبار فى ترجمته بالحلة السيراء-من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها، وعنه أخذ أهل إفريقية حرب غطفان وغيرها من وقائع العرب» وممن صحبه يزيد كاتم سرّه أبو على الحسن بن سعيد البصرى، وهو من النحاة البصريين وكتاب الدواوين. وكان يزيد غيثا مدرارا فى الجود والعطاء، كما ذكرنا، فأمّه غير شاعر، كما أمّه أو وفد عليه غير عالم نحوى ولغوى، وممن أمّه يونس بن حبيب إمام البصرة فى النحو واللغة، وتسامع به شباب القيروان فأكبّوا عليه يأخذون عنه ما عنده، ووفد على يزيد من الكوفة قتيبة الجعفى وهو من نحاتها، وقد أفاد منه الشباب القيروانى وانتفعوا به، ووفد عليه

стр. 4343

أيضا عياض بن عوانة الكلبى النحوى الكوفى سنة ١٥٥ فرحّب به، وخصّه بتعليم أولاد أسرته وعنه أخذ أبناء القيروان النحو والعربية. وأخذ ينشأ فى القيروان سريعا جيل يعنى برواية الأشعار والأخبار كما يعنى باللغة والنحو على شاكلة أمان بن الصمصامة بن الطرماح الطائى الشاعر المشهور فى العصر الأموى، وكان الصمصامة هاجر إلى القيروان فى أوائل القرن الثانى، وولد له فيها أمان، وكان راوية للغة والشعر كما يقول ابن حزم، وتتلمذ له كثيرون من شباب القيروان فى النحو واللغة والأدب. وما نصل إلى أواخر القرن الثانى الهجرى حتى يصبح للقيروان نحاة بالمعنى الدقيق لكلمة نحاة من مثل عبد الملك المهرى تلميذ أمان وعياض بن عوانة وغيرهما من النحاة والرواة، ويتكاثر النحاة فى جيله وجيل تلاميذه. (ج) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-جامعا عقبة والزيتونة-بيت الحكمة- الزوايا-المدارس منذ استقر العرب فى القيروان والبلدان بإفريقية التونسية أخذت تنشأ كتاتيب لتحفيظ الناشئة القرآن وتعليمهم مبادئ العربية-حتى يحسنوا أداء الآيات القرآنية-والأحاديث النبوية. ويبدو أنها أخذت تتكاثر منذ عهد حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) وكان يتعلم فيها أبناء البربر والعرب جميعا، وظلت أساس التعلم فى البلاد، مثلها فى ذلك مثل جميع البلدان العربية، وتنبه الفقيه محمد بن سحنون المتوفى سنة ٢٥٦ للهجرة إلى أهمية التعليم فى الكتاتيب وما ينبغى أن يؤخذ به فى هذا التعليم من آداب ومن صفات فى المعلمين وطرائق معاملتهم للناشئة، مما جعله يكتب فيه كتابا بعنوان «آداب المعلمين» وفيه يرسم لهم قواعد التربية للناشئة من أبناء المسلمين، وما ينبغى أن يتصفوا به فى السلوك معهم وواجبات المعلم إزاءهم وأخذه لهم بالنهج السليم، وعنى بنفس الموضوع بعده أبو الحسن القابسى المتوفى سنة ٤٠٣ هـ إذ ألف فيه كتابا باسم «الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين» وهو أوسع من كتاب محمد بن سحنون وأكثر تفصيلا، وفيه تحدث عن آداب معلم الإناث وما يصلح أن يعلّم للناشئة وما لا يصلح وسياسة المعلم فى تعليم الصبية إلى غير ذلك من موضوعات طريفة. وكانت الدار الثانية للتعليم بعد الكتّاب المسجد، حيث كان الشيوخ يتحدثون فى التفسير والحديث النبوى والفقه واللغة العربية والناس يتحلقون حولهم كما تتحلق الناشئة والشباب للتعلم وأخذ ما لديهم من تعاليم الدين وعلوم الإسلام والعربية. وقد أخذت تبنى فى القيروان وتونس وغيرها من البلدان مساجد كثيرة، ومرّ بنا أن جميع أعضاء البعثة التى أرسلها عمر بن عبد العزيز إلى القيروان لتعليم الفقه والتفسير والحديث النبوى بنى كل منهم مسجدا وألحق به كتّابا. أما الكتاب فلتحفيظ القرآن، وتنعقد الصلاة فى المسجد، ويجلس الشيخ فى جانب منه يلقى بعض دروسه الدينية.

стр. 4344

وهناك مسجدان بل جامعان كبيران تحولا مع السنين إلى جامعتين عظميين، وهما جامع عقبة بن نافع فى القيروان وجامع حسان بن النعمان فى تونس المسمى جامع الزيتونة، والجامع الأول بناه عقبة فى تأسيسه للقيروان بين سنتى ٥٠ و ٥٥ للهجرة وجدده حسان بن النعمان فى ولايته (٧١ - ٨٦ هـ) وازداد العمران فى القيروان وضاق بأهلها فوسعه عبيد الله بن الحبحاب فى ولايته (١١٦ - ١٢٢ هـ). ومنذ أنشئ هذا الجامع يتخذه الشيوخ من أهل العلم لمدارسة الناس فى علوم الدين وتحول سريعا مركزا للعلوم الدينية يؤم شيوخه الطلاب من كل أنحاء المغرب فضلا عن أرجاء إفريقية التونسية، ولم يتأخر ذلك إلى القرن الثانى الهجرى بعد توسعة ابن الحبحاب له، كما قد يظن، إذ بدأ ذلك فيه منذ إنشائه فى القرن الأول، يدل على ذلك ما ذكره أبو العرب فى طبقاته، وأشرنا إليه فى غير هذا الموضع، من أن عكرمة مولى ابن عباس وتلميذه المتوفى فى سنة ١٠٥ كان يجلس فى مؤخره ويلقى على الناس دروسه فى التفسير والحديث النبوى، ولا بد أن زخر الجامع بحلقات أخرى لشيوخ مماثلين فى الفقه والتشريع الإسلامى، وأيضا لشيوخ يروون الأشعار والأخبار، حتى إذا ظهرت نحل الخوارج أخذ دعاتها يدعون لها، وتكونت حلقات حول بعض هؤلاء الدعاة فى جامع القيروان وخاصة حول عقيدة الإباضية. وحين ازدهرت الدعوة لمبادئ المعتزلة فى القرن الثانى أخذت طريقها إلى جامع عقبة. وكان أهل السنة يضيقون بمناظرات الدعاة لعقائد الخوارج والمعتزلة، حتى إذا ولى سحنون إمام المذهب المالكى السنى القضاء سنة ٢٣٤ للهجرة أمر بوقف مناظراتهم وإلغاء حلقاتهم، حتى لا يفسدوا-فى رأيه-الناس والشباب. وأكبر الظن أنهم عادوا إلى الجامع بعد وفاته سنة ٢٤٠ يتحلقون فيه ويتجادلون. ونمضى إلى قيام الدولة العبيدية فى القيروان، فيحرم خلفاؤها تدريس الشريعة الإسلامية على مذاهب أهل السنة من مالكية وحنفية فى الجامع، ويضطر الشيوخ إلى تدريسها للطلاب فى بيوتهم وحوانيتهم ويظل ذلك إلى مبارحتهم إفريقية التونسية وعاصمتهم المهدية إلى القاهرة، وتعود إلى الجامع حلقات أهل السنة وخاصة المالكية وتظل له مكانته الكبيرة فى الحركة العلمية بالبلاد. وجامع الزيتونة بتونس ظل مع جامع عقبة فى القيروان يقود الحركة العلمية منذ القرن الأول الهجرى فى إفريقية التونسية، بناه حسان بن النعمان فى ولايته (٧١ - ٨٥ هـ) وجدّده عبيد الله بن الحبحاب سنة ١١٦ هـ/٧٣٤ م للهجرة. وأعاد تجديده وزخرفه-كما يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب-الأمير أحمد بن محمد الأغلبى وأتم بنيانه أخوه زيادة الله سنة ٢٥٠ هـ/٨٦٤ م. وأضاف إليه بنو خراسان فى إمارتهم لتونس بعض تجديدات، منها زيادة أبوابه إلى اثنى عشر بابا بعد أن كانت ستة، ودخلت عليه تجديدات أخرى فى الحقب التالية. وهو مثل جامع عقبة أخذت الدروس الدينية تعقد فيه منذ تأسيسه، وأخذ شباب تونس يختلفون إلى حلقات شيوخه، وأخذوا يتمون دروسهم فيه ويتخرجون مثل خالد بن أبى عمران التجيبى

стр. 4345

قاضى القيروان المتوفى سنة ١٢٥ هـ/٧٤٢ م وهو أحد من سنّوا لزملائهم فى تونس والقيروان الرحلة إلى المشرق للتزود من حلقات علمائه، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، واقتدى به فى طلب العلم بالمشرق تلميذاه عبد الرحمن بن زياد وعلى بن زياد، والثلاثة فى الذروة من علماء إفريقية التونسية، وأمّ الطلاب حلقاتهم بتونس من كل فج. وتكثر أسماء فقهاء تونس ومحدثيها فى القرن الثالث الهجرى حتى إذا ولى الفاطميون بأخرة من هذا القرن عطلوا فى جامع الزيتونة دراسات الفقه على أساس مذاهب أهل السنة، حتى إذا انحسر ظلهم عن المهدية وغادروها إلى القاهرة عادت إلى الجامع حلقاته الدينية، وخاصة حلقات المذهب المالكى وشيوخه النابهين، وقد تهيأ له ولجامع عقبة من قديم أئمة فى الفقه، وخاصة الفقه المالكى، وكذلك فى الحديث لا يقلون فقها وعلما عن نظرائهم فى البلاد العربية. وقد نال جامع الزيتونة الحظ الأعظم أيام الدولة الحفصية إذ عنيت عناية كبيرة بمبانيه ومكتباته وشيوخه وطلابه. ومن دور العلم المهمة فى إفريقية التونسية وإن لم تعمر طويلا بيت الحكمة الذى أنشأه إبراهيم الثانى الأغلبى محاكاة لدار الحكمة التى أسسها ببغداد هارون الرشيد ورعاها ابنه المأمون. وكان هذا البيت خاصا بعلوم الأوائل مثل دار الحكمة البغدادية، وللأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب مبحث قيّم فيه بالقسم الأول من كتابه ورقات عن الحضارة العربية فى إفريقية التونسية، وفيه تحدث عن تأسيس إبراهيم الثانى الأغلبى له، ونظامه وخزائن كتبه وإمداده سنويا بالعلماء والمخطوطات، إذ كان يرسل سنويا سفارة إلى بغداد لجلب إخصائيين فى علوم الأوائل وشراء مخطوطات الكتب النفيسة فى الطب والفلك والرياضة إلى غير ذلك. ويستظهر الأستاذ عبد الوهاب أن المترجمين فيه ترجموا أحيانا من اللسان اللاتينى بعض الكتب، ويقول إن هذا البيت أوجد النواة لمدرسة الطب القيروانية التى أثرت فى الحركة العلمية بالمغرب، ويذكر أن قسطنطين القسيس المسيحى المولود بقرطاجة سنة ٤٠٦ هـ/١٠١٥ م والناشئ بالقيروان والمتتلمذ لمشاهير أطبائها نقل كتبهم الطبية المهمة إلى اللسان اللاتينى فى جامعة ساليرنو ومنها انتقلت إلى الجامعات الإيطالية وغير الإيطالية مما كان له أثره العميق فى النهضة الثقافية بالبلاد الأوربية. ونمضى إلى عهد على بن يحيى الصنهاجى أمير المهدية (٥٠٩ - ٥١٥ هـ) فنجده ينشئ مدرسة للكيمياء زودها بما تحتاجه من آلات لتحليل المعادن وأدوات مختلفة للتقطير. وأخذت تونس منذ القرن السابع الهجرى تستكثر-مثل بقية بلدان المغرب-من زوايا المتصوفة، وتبعتها فى ذلك بقية بلدان الإقليم التونسى وهى أشبه بمساجد صغرى تضم مبانى للشيوخ والطلاب وتلقى فيها دروس العلوم الدينية واللغوية، مما جعلها تشارك فى نشر التعليم بمستوياته المختلفة، وكان يلحق بها عادة كتّاب لتحفيظ القرآن

стр. 4346

الكريم. وفى عصر الدولة الحفصية تجد الحركة العلمية تزدهر بفضل رعاية الدولة لها وما أنشأت من مدارس شارك فيها المهاجرون الأندلسيون إلى تونس، وأول مدرسة أسّستها هذه الدولة مدرسة الشماعية أسسها أبو زكريا أول حكامها، وأسست الأميرة عطف أرملته المدرسة التوفيقية، وأسس أبو زكريا بن السلطان أبى إسحاق مدرسة ثالثة هى مدرسة المعرض بسوق الكتبيين، وأسست أخت السلطان أبى بكر مدرسة رابعة، وأسس الوزير ابن تافراكين مدرسة خامسة، وأسس السلطان أبى عبد الله بن أبى فارس المدرسة المنتصرية، وتوفى قبل أن تتم فأتم بناءها أخوه أبو عمرو عثمان على أكمل بناء وأتقنه ووقف عليها وقفا كافيا. ونمضى إلى العهد العثمانى، ويظل للحركة العلمية نشاطها وخاصة حين قدم إلى تونس المهاجرون الأندلسيون سنة ١٠١٦ هـ/١٦٠٩ م ويؤسس مراد باى الثانى مدرسة عرفت بالمرادية فى سوق القماش. وأسس الباي حسين بن على ثلاث مدارس: الحسينية والنخلة والمدرسة الجديدة، وأسس مدارس أخرى بالقيروان وسوسة وصفاقس ونفطة، وأسس ابن أخيه على أربع مدارس: الباشية فى سوق الكتبيين والسليمانية ومدرسة بير الحجار ومدرسة حوانيت عاشور. وبلغت المدارس فى تونس بأخرة من هذا العهد العثمانى عشرين مدرسة. (د) المكتبات ومما عمل على أن تظل الحركة العلمية نشيطة فى القيروان وتونس وغيرهما من بلاد إفريقية التونسية على توالى الأزمنة تأسيس المكتبات العامة وفى الجوامع والمدارس والزوايا. وكانت دائما مفتوحة الأبواب للشيوخ والطلاب يفيدون منها، وفى مقدمتها المكتبة العتيقة بجامع عقبة فى القيروان، ولا بد أن كان الشيوخ فى القرنين الثانى والثالث للهجرة يهدون إليها نسخة أو أكثر من مؤلفاتهم، واهتم الأغالبة بها ووقفوا عليها كتبا كثيرة، ومثلهم الأعيان وأصحاب اليسار، ولا تزال إلى اليوم تموج بنفائس المصاحف المزخرفة وأمهات الكتب فى الفقه والتفسير والحديث والقراءات واللغة والأدب. ولما أنشأ إبراهيم الأغلبى الثانى بيت الحكمة برقادة أسس فيه مكتبة ضخمة وأخذ يجمع إليها ذخائر الكتب وروائعها فى علوم الأوائل وغيرها من العلوم الدينية واللغوية، وحين بنى عبيد الله المهدى مدينة المهدية نقل إليها كثيرا من روائع الكتب فى هذه المكتبة، وأسس حفيده المنصور مكتبة فى مدينة المنصورية وجلب إليها آلاف المخطوطات، ونقل المعز منها ومن مكتبة جده المهدى كثيرا مما كان بهما من المؤلفات معه إلى القاهرة غير أن بقية فيهما من الكتب ظل ينتفع بها طلاب العلم والعرفان. ومن المؤكد أن سوق الوراقين الذين ينسخون الكتب كانت رائجة، ويروى عن حمدون بن مجاهد الكلبى أنه قال: «كتبت بيدى ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب» كما يروى عن أبى العرب التميمى صاحب كتاب طبقات علماء إفريقية وتونس أنه قال: «كتبت بيدى أربعة آلاف كتاب» واشتهر كثيرون بتكوينهم لأنفسهم

стр. 4347

مكتبات خاصة مثل أحمد بن على بن حميد وكان أبوه من وزراء الأغالبة، وشغف بجمع الكتب، وبيعت مكتبته بعد وفاته بألف ومائتى دينار، وشغف عبد الله بن أبى هاشم التجيبى المتوفى سنة ٣٤٦ للهجرة بنسخ الكتب وجمعها، فلما توفى بلغ وزن ما عنده من الكتب سبعة قناطير جميعها بخطّه ما عدا كتابين. وكثير من العلماء كانوا يحرصون على جمع الكتب وتكوين مكتبات لهم كبيرة، منهم الطبيب أحمد بن الجزار المتوفى بالقيروان سنة ٣٦٩ هـ/٩٧٩ م كانت له مكتبة ضخمة، إذ يقول ابن جلجل الأندلسى فى كتابه طبقات الأطباء: إن وزن كتبه التى خلّفها بلغ عشرين قنطارا. ويروى أن المعز بن باديس (٤٠٦ - ٤٥٤ هـ) أشفق على أبى بكر عتيق السوسى الفقيه الحافظ الورع حين علم بضيق ذات يده مما لا يمكّنه من اقتناء الكتب، فأرسل إليه-كما فى كتاب معالم الإيمان-مجموعة كبيرة من أمهات كتب العلوم الدينية حملها إليه عشرون حمّالا، ومعها رسالة رقيقة يقول له فيها: «هذه كتب فى خزائننا ضائعة. وبقاؤها عندنا مما يزيدها ضياعا، وأنت أولى بامتلاكها للانتفاع بها» فالتمس الشيخ أن يكتب على كل جزء منها أنه موقوف على طلبة العلم، وأودعت جميعا بمكتبة جامع عقبة بالقيروان لينتفع بها الشيوخ والطلاب. ولم تلبث سيول الأعراب الجارفة من بنى سليم وهلال أن اكتسحت القيروان بأخرة من أيام المعز بن باديس سنة ٤٤٩ هـ/١٠٥٨ م وتوقفت بالقيروان الحركة العلمية المزدهرة، وحاول على بن يحيى حفيد المعز الصنهاجى (٥٠٩ - ٥١٥ هـ) أن يستردّ المجد العلمى لإفريقية التونسية أو شيئا منه، فأنشأ بالمهدية مدرسة للكيمياء، كما مرّ بنا، وألحق بها مكتبة، غير أنها لم تمكث سوى نحو ربع قرن. وظلت إفريقية التونسية مضطربة نحو قرن نهب فيه-أوضاع-كثير من الكتب النفيسة التى كانت مودعة فى جامعى القيروان والزيتونة، حتى إذا كان عهد الدولة الحفصية وأخذ مؤسسها يستردّ للبلاد ما كان بها من نهضة علمية أسّس فى القصبة بعاصمة تونس مكتبة ضخمة جمع لها بقايا مكتبات الأغالبة والصنهاجيين، وأضاف إلى ذلك كثيرا من الكتب والمؤلفات ويقال إنها كانت تحتوى ستة وثلاثين ألف مجلد، وظل خلفاؤه يعنون بجمع الكتب لها، وظل الشيوخ والطلاب ينتفعون بكتبها طوال أيام الدولة الحفصية، وكان بها كتب نفيسة كثيرة، حتى لنرى ابن خلدون يذكر أنه بعد تأليفه لمقدمته بقلعة أبى سلامة فى الجزائر احتاج إلى مراجعة بعض أمهات الكتب، فولّى وجهه إلى تونس ليطلع على ما يريد منها فى المكتبة الحفصية. واشتهر السلطان أبو فارس عبد العزيز أنه حين صار إليه صولجان الحكم سنة ٧٩٦ هـ/١٣٠٤ م عنى بتأسيس مكتبة تحت الصومعة بجامع الزيتونة وقف كتبها على طلبة العلم، وجعل لها وقتا محدودا للاطلاع فيها كل يوم وجعل عليها قومة ومناولين يناولون الكتب للطلبة ويردّونها إلى مكانها بعد فراغهم منها، واشترط فى وقفيته أن لا يعار منها كتب فى الخارج محافظة عليها وصيانة، وعنى بعده السلطان أبو عبد الله محمد بن الحسن بتأسيسه لمكتبة بنى لها مقصورة بطرف

стр. 4348

صحن جامع الزيتونة، ونقل إليها كتب مكتبة أبى فارس وجعل لها وقتا محددا للاطلاع وقومة ومناولين وسميت نسبة إليه باسم المكتبة العبدلية. وعبث الإسبان حين استولوا على تونس- فى القرن العاشر الهجرى-بهذه المكتبة وعاثوا فيها فسادا، وأنقذ بعضهم منها كتبا أرسل بها إلى مكتبة الفاتيكان بروما، ولا تزال بها إلى اليوم. ولم يكن العثمانيون أصحاب حضارة ولا ثقافة، فلم يعنوا بمكتبات تونس العناية الواجبة، حتى إذا قامت الدولة المرادية أخذ النشاط يعود إلى جامع الزيتونة ومكتبته، واطرد هذا النشاط فى عهد الدولة الحسينية منذ استولى على مقاليد الحكم مؤسسها حسين بن على إذ عين بالجامع أربعين مدرسا فى مختلف العلوم الدينية واللغوية وأجرى لهم رواتب، وانتظم التعليم بالجامع منذ ذلك الحين. ٢ - علوم (١) الأوائل لا يذكر أحد من أصحاب علوم الأوائل قبل أيام الدولة الأغلبية إلا ما يتردّد فى كتب التراجم عن أشخاص يسمونهم فقهاء البدن، ولم يكونوا أطباء بالمعنى الدقيق لكلمة طب، إذ كانوا يعتمدون على بعض المعارف والخبرات البسيطة. وأول ذكر للطب بمعناه الدقيق-وبالمثل لعلوم الأوائل-نلتقى به فى عهد الدولة الأغلبية حينما أنشأ إبراهيم الثانى الأغلبى (٢٦١ - ٢٨٩ هـ) فى عاصمته رقّادة بجوار القيروان بيت الحكمة الذى ألممنا به فيما أسلفنا، إذ استقدم له من بغداد الدارسين للطب ولعلوم الأوائل كى ينهضوا بالدراسة فيه، وكان ممن استجابوا له فى سنة ٢٦٤ هـ/٨٧٧ م إسحاق بن عمران، وكان حاذقا بالطب وعلوم الأوائل، وفيه يقول إبراهيم الرقيق مؤرخ القيروان: «كان إسحاق طبيبا حاذقا متميزا بتأليف الأدوية المركبة بصيرا بتفرقة العلل» ويقول ابن جلجل الأندلسى فى كتابه طبقات الأطباء: «به ظهر الطب فى المغرب وعرفت الفلسفة» ويقول صاعد الأندلسى: «ممن اشتهر بعلم الطب وسائر العلوم المستنبطة من العلم الطبيعى إسحاق بن عمران، وكان مقدما فى جودة قريحته وصحة

стр. 4349

علمه، وهو الذى ألف بين الطب والفلسفة بديار المغرب». وواضح أنهم جمعوا له بين الطب والصيدلة والفلسفة وعلوم الطبيعة، وهو-بحق-مؤسس مدرسة الطب وعلوم الأوائل بإفريقية التونسية، وممن تتلمذوا له فى الطب محمد بن الجزار وزياد بن خلفون، وفى الطب والفلسفة إسحاق بن سليمان الإسرائيلى، وفى الفلسفة أبو سعيد الصيقلى، وألف مجموعة من الكتب فى الطب وغيره، لم يبق منها إلى اليوم سوى كتابه: الماليخوليا وفى مكتبة ميونخ مخطوطة منه، ويقول ابن جلجل فى هذا الكتاب: «لم يسبق إسحاق بن عمران إلى مثله، توفى سنة ٢٩٥ هـ/٩٠٧ م. وكان يعاصره ويعمل معه فى بيت الحكمة فلكى من مواليد القيروان هو إسماعيل بن يوسف، رحل إلى العراق ودرس هناك علم الفلك والتنجيم، ويقول الزبيدى: «كان غاية فى علم النجامة» وحذق فى بغداد صنعة الطلاء المتصلة بتجميل وجوه النساء وأبدانها وتطريتها بصنوف من الطيب والعقاقير، وهو ما يسمى عند الغربيين باسم «الماكياج»، ولعلمه بهذا الطلاء والفلك اشتهر باسم الطلاء المنجم، وكان يشتغل فى بيت الحكمة بالفلك والرياضيات، ولما غلب الفاطميون على القيروان غادرها إلى قرطبة. وهو دليل على أن بيت الحكمة فى رقادة كما كان يعنى بالطب كان يعنى بالرياضيات، ونفس المشرف عليه وهو أبو اليسر رئيس دواوين إبراهيم الثانى الأغلبى كان يعرف بلقب الرياضى مما يدل على علمه بالرياضيات، ولا بد أن كان البيت يعنى أيضا بالكيمياء والطبيعيات وأيضا بالفلسفة، فقد وضع إسحاق بن عمران فيه أساس الدراسات فى كل ذلك. ومن الأطباء الذين لمع اسمهم أيام إبراهيم الثانى الأغلبى زياد بن خلفون، وكان طبيبا فى دمنة (مارستان) القيروان، وكان يذهب إليها فى أيام معينة من الأسبوع لزيارة من بها من المرضى، وكان يزور أيضا دار الجذماء لرؤية المصابين والكشف عليهم وتتبّع مسيرة مرضهم، توفى سنة ٣٠٨ هـ/٩٢٠ م. وفى سنة ٢٩٢ هـ/٩٠٤ م جلب أحد رسل زيادة الله الأصغر إليه طبيبا يهوديّا ناشئا من مصر يسمى إسحاق بن سليمان الإسرائيلى، تتلمذ لإسحق بن عمران فى بيت الحكمة حتى إذا توفى خلفه فيه، وسرعان ما انتهت دولة الأغالبة فخدم العبيديين منذ خليفتهم المهدى إلى المعز، ويقول فيه ابن جلجل: «كان مشهورا بالحذق والمعرفة، جيد التصنيف بالعربية بصيرا بالمنطق يعنى بالفلسفة متصرفا فى ضروب المعارف»، وعمّر حتى بلغ المائة، وتوفى حول منتصف القرن الرابع، وأسند إليه يهود إفريقية رياستهم الدينية، وله مؤلفات فى الطب بالعربية وترجمت سريعا إلى العبرية، ومن مؤلفاته العربية كتاب الحميات وكتاب البول وكتاب النبض وكتاب الترياق وكتاب بستان الحكمة وكتاب الأغذية والأدوية. ويشتهر فى القرن الرابع الهجرى طبيبان يهوديان من تلامذة إسحاق بن سليمان الإسرائيلى هما دونش وموسى بن العزار، ودونش من مواليد القيروان بأخرة من القرن الثالث الهجرى تخرّج على يديه إسحاق بن سليمان الإسرائيلى فى الطب والنجوم والحساب والفلسفة، وكان يتقن العربية،

стр. 4350

ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إن ابن البيطار ينقل فى كتابه عن الصيدلة أو الأدوية المفردة عن كتاب له يسمى التلخيص وصفه فيه لبعض النباتات، مما يدل على أنه كان كتابا فى الأدوية المفردة، ويذكر الأستاذ عبد الوهاب أن له كتابا فى الحساب الهندى وكتابا ثانيا فى الفلك وحركة الكواكب، وموسى بن العزار طبيب إسرائيلى، توفى بعد سنة ٣٦٣ هـ/٩٧٣ م وقد خدم هو وأبناؤه الدولة العبيدية وخلفاءها فى المهدية وبعد تحولهم إلى القاهرة وله كتاب باسم الأقراباذين أى الصيدلة، مما يدل على اهتمامه بتركيب الأدوية وطرق العلاج بها. ومن أطباء العبيديين الإفريقيين أعين بن أعين، وكان يحترف فى القيروان طب العيون-ويسميه العرب-الكحالة، ولما انتقل المعز إلى القاهرة انتقل فى جملته، وكان ماهرا فى معالجة الرمد المزمن، وممن شفى على يديه شيخ المالكية ابن أبى زيد، وله كنّاش فى الطب وكتاب فى أمراض العيون ومداواتها. وتتوارث الطب فى القيروان-منذ عهد الأغالبة-أسرة بنى الجزار، وأول من اشتهر بالطب فيها أبو بكر بن الجزار تلميذ إسحاق بن عمران طبيب بيت الحكمة كما يذكر ابن جلجل، ومثله أخوه إبراهيم وكان يعنى بالكحالة أو طب العيون. وابنه أحمد المولود سنة ٢٨٥ هـ/٨٩٨ م بالقيروان أبرع أطباء الأسرة وقد توفى سنة ٣٦٩ هـ/٩٧٩ م ومن طريف ما يروى عنه أنه بنى عند باب داره عيادة لاستقبال المرضى، وأفرد فيها قسما خاصا لصيدلية جعل لها فتى يسمى رشيقا، تعدّ بين يديه جميع الأدوية من معجونات وأشربة ومراهم، وكان إذا فحص المريض ووقف على دائه وصف له فى ورقة ما يناسبه من الأدوية، فيأخذها إلى رشيق ويعطيه دواءه الموصوف، بالضبط كما يحدث فى عصرنا، فللأطباء عياداتهم وللأدوية صيدلياتها. وأحمد بن الجزار يقوم فى الطب بالقيروان مقام ابن سينا فى إيران والزهراوى فى قرطبة. وللأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب ترجمة ضافية له فى القسم الأول من كتابه ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية التونسية تحدث فيها عن سيرته ومؤلفاته وفى مقدمتها كتابه: «زاد المسافر وقوت الحاضر» فى علاج الأمراض مجلدان، ويقول عنه إنه «من أهم الكتب الطبية العملية التى وضعها المسلمون»، ويذكر أن قسطنطين المعروف باسم الحكيم الإفريقى عمد-حين رأس كلية ساليرنو فى جنوبى إيطاليا-إلى ترجمة هذا الكتاب إلى اللاتينية ونسبه-كذبا وبهتانا- إلى نفسه، ويلم بما كتب حول الكتاب من بحوث فى العصر الحديث، ويذكر مؤلفات ابن الجزار بأسمائها وقد بلغت سبعة وثلاثين كتابا فى الطب والتاريخ والجغرافيا والأحجار الكريمة، وله بجانب كتبه الطبية الكثيرة كتابان فى الصيدلة بعنوان: «البغية فى الأدوية» و «الاعتماد فى الأدوية المفردة». وتظل حركة علوم الأوائل التى غرس الأغالبة جذورها نامية فى أرض القيروان الطيبة،

стр. 4351

ونلتقى بأبى عبد الله محمد بن يوسف التاريخى القيروانى نزيل الأندلس المتوفى سنة ٣٦٣ فى عصر المستنصر الأموى، وله كتاب عن مسالك إفريقيا وممالكها انتفع به أبو عبيد البكرى فى كتابه «المسالك والممالك»، ويظل القيروان عصر الدولة الصنهاجية، وكل كتب القيروان العلمية النفيسة ترجمها القسيس قسطنطين سالف الذكر فى أثناء رياسته لكلية ساليرنو ولدير جبل كاسينو، ولم يكد يترك كتابا علميا مهما لعلماء القيروان من أمثال إسحاق بن عمران وابن الجزار إلا ترجمه هو ورهبان هذا الدير. وانتقلت ترجماته إلى العالم الغربى منذ القرن الحادى عشر الميلادى إذ توفى سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م وكان لتلك الترجمات، كما مرّ بنا، أثر بعيد فى النهضة العلمية الأوربية. وكان يعاصر الرياضى الفلكى الجزائرى ابن أبى الرجال رياضىّ قيروانى، هو عبد المنعم بن محمد الكندى القيروانى المتوفى سنة ٤٦٦ هـ/١٠٧٣ م وكان إماما فى الرياضيات حاذقا فى فك الأشكال الهندسية لأقليدس. ومرّ بنا-منذ قليل-أن الأمير على بن يحيى الصنهاجى (٥٠٩ - ٥١٥ هـ) أنشأ مدرسة للكيمياء فى عاصمته المهدية، وقد أشرف عليها كيميائى أندلسى كبير، هو أمية بن أبى الصلت، ولم تدم بعد وفاته طويلا، غير أنها تدل على ما ظلّ بالمهدية والقيروان من روح علمية حتى مطلع القرن السادس الهجرى. ونلتقى فى أوائل عهد الدولة الحفصية بعالم تونسى موسوعى كبير هو التيفاشى الكيميائى أحمد بن يوسف المولود بقفصة التونسية سنة ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م وقد ولاه أبو زكريا خطة القضاء ببلدة قفصة وله رحلات كبيرة إلى الشام والعراق وإيران وأيضا مصر واستقرّ بها حتى توفى بعد سنة ٦٦٠ هـ/١٢٦١ م وكان قد تعمق كل فروع الثقافة الإسلامية كما تعمق علوم الأوائل، ورأى أن يضع للدارسين فى وطنه والأوطان العربية موسوعة تضم كل العلوم والفنون والتاريخ، وجعلها فى أربعين كتابا، وأفرد منها كتبا للطب والطبيعة ومظاهرها وكل ما فيها من نبات وحيوان ومعادن، وفى كل فرع من علم يذكر ما فيه لليونان والفرس وغيرهما من العجم والعرب، ومن كتب هذه الموسوعة كتاب أزهار الأفكار فى جواهر الأحجار وهو فى علم المعادن، وقد نشر فى هولانده بالقرن الماضى مع ترجمة لاتينية، وحققه فى مصر الدكتور محمد يوسف حسن ونشره مع مقدمة تحليلية. وله كتاب عن الغناء والموسيقى وآلات الطرب سماه: «متعة الأسماع فى علم السماع»، وفيه تحدث عن تاريخ الموسيقى عند العرب وفى إفريقية التونسية وفى الأندلس على مر العصور حتى زمنه، وهو طرفة نفيسة، ونلتقى فى عهد المستنصر بطبيبه: ابن أندراس محمد بن أحمد المتوفى سنة ٦٧٤ هـ/١٢٧٦ م وكانت له مشاركة فى الرياضيات والمعقولات، ويشتهر حينئذ آل الصقلى الزيات بالطب وابن الكماد الرياضى بوضعه الجداول الفلكية قبل سنة ٦٧٩ هـ/١٢٨١ م. وكان يلمع من حين إلى حين عالم بعلوم الأوائل وخاصة فى مجال الطب لحاجة الناس والبيمارستانات إليه، ونضرب مثلا لهم عبد السلام بن ابراهيم الزيات الصقلى المتوفى سنة ٧٢٢ هـ/١٣٢٣ م وقد ألف ابنه أحمد المتوفى سنة ٨٢٠ هـ/١٤١٧ م للسلطان

стр. 4352

الحفصى أبى فارس عبد العزيز-كما فى الضوء اللامع للسخاوى-مختصرا فى الطب بوّبه إلى ثمانين بابا، ونضرب مثلا ثانيا بطبيب هو عبد الرحمن بن أبى سعيد الصقلى المتوفى سنة ٨٧٢ هـ/١٤٦٧ م ومثلا ثالثا هو أحمد الخميرى من أطباء تونس فى القرن العاشر الهجرى وله كتاب فى الطب والأطباء يسمى تحفة القادم. ولم نعرض حتى الآن لعلم الجغرافية فى تونس، وتلقانا فى مقدمة ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ/١٤٠٦ م فصول مختلفة فى حديثه عن العمران إذ يفرد فصلا للحديث عن العمران فى الأرض وما بها من البحار والأنهار والأقاليم، وهو يعدها كرة، نصفها يابس ونصفه فقط المسكون أو المعمور، ويتحدث عن أقاليمها السبعة وانقسام كل إقليم إلى عشرة أجزاء، ويقول صراحة إنه ينقل عن بطليموس الجغرافى المصرى القديم والإدريسى فى كتابه المشهور: نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق الذى ألفه فى نحو منتصف القرن السادس لروجار الثانى النورمانى ملك صقلية، ويكمل حديثه الجغرافى فى ذلك عن الربع الشمالى من الأرض الأكثر عمرانا من الربع الجنوبى ويذكر مقتطفات من كتاب الإدريسى، ويضيف بعض معلومات عن جزر المحيط الأطلسى والسودان، وينقل عن ابن سعيد الجغرافى الأندلسى. وأهم من هذا الحديث الجغرافى الذى غلب عليه فيه النقل حديثه الذى يعد سابقا فيه تأثير البيئة الجغرافية فى حياة البشر وتأثير الهواء فى ألوانهم والجوع والخصب فى أبدانهم وأخلاقهم، وبجانب هذه الجغرافيا الاجتماعية عنده جغرافيا اقتصادية يصور فيها العمران البدوى والحضرى، ونصف الحضرى والمعاش وألوانه. وهذه الوجوه من الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية تعد الجوانب الجغرافية عنده. ومعروف أن كثيرين من جغرافيى العرب عنوا بوضع خريطة للعالم، وكان بطليموس الجغرافى المصرى القديم قد وضع خريطة للعالم تدارسها علماء العرب فى عصر المأمون ووضعوا للعالم خريطة أكثر دقة، وما زال جغرافيو العرب يضعون خرائط على هدى خريطة المأمون حتى جاء الإدريسى المذكور آنفا ووضع خريطته الكبيرة التى تراعى درجات الطول والعرض وقد أهداها إلى روجار الثانى الملك النورمانى. ونجد جيلين فى أسرة الشرفى بصفاقس فى الاقليم التونسى يعنيان بوضع خرائط للعالم ما بين عامى ٩٥٧ هـ/١٥٥٠ م و ١٠٠٩ هـ/١٦٠٠ م تعد صورا منقحة لخريطة الإدريسى كما يقول كراتشكوفسكى فى كتابه تاريخ الأدب الجغرافى العربى، وقد وضع أولهم: على بن أحمد الشرفى الصفاقسى سنة ٩٥٨ هـ/١٥٥١ م أطلسا فى ثمانى ورقات يصور بها سواحل البحر المتوسط وهى محفوظة فى المكتبة الأهلية بباريس. وفيها خريطة للقبلة وضّحت عليها مواقع جميع البلدان بالنسبة للكعبة، ويليها خريطة عامة للعالم ثم خرائط لسواحل إسبانيا وجزر البليار وسواحل إيطاليا ومعها جزيرتا كورسيكا وسردانيا والساحل

стр. 4353

المقابل لإفريقيا ثم خرائط لسواحل البحر الأسود والساحل الجنوبى لآسيا الصغرى والشام ومصر وخريطة لليونان وجزر الأرخبيل وكريت وساحل إفريقيا المقابل لها، وخريطة لبرقة وطرابلس وتونس. وفى أوكسفورد خريطة للعالم رسمها أحد أبناء الأسرة سنة ٩٧٩ هـ/١٥٧١ م. ويذكر كراتشكوفسكى خريطة للعالم لأحد أبناء الأسرة سنة ٩٨٦ هـ/١٥٧٩ م. وكان آخرهم محمد بن على الشرفى الصفاقسى وله خريطة للعالم رسمها سنة ١٠٠٩ هـ/١٦٠٠ م. وتدل هذه الخرائط على أن خريطة الإدريسى تحولت عند هذه الأسرة إلى أطالس وخريطة حائطية، وهو بلا ريب عمل جغرافى جليل لتونس. ٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد (١) مرّ بنا حديث عن نشأة علوم اللغة والنحو بالقيروان وأنها اعتمدت على بعض رواة اللغة والشعر مثل أمان بن الصمصامة بن الطرماح، كما اعتمدت على بعض نحاة كوفيين وافدين مثل قتيبة الجعفى وعياض بن عوانة، وسرعان ما ظهر جيل قيروانى خالص يعنى باللغة والشعر مثل أبى محمد عبد الله بن محمود المكفوف المتوفى سنة ٣٠٨ هـ/٩٢٠ م وأصله من سرت بليبيا، ويقول القفطى: «كان من أعلم خلق الله تعالى بالعربية والغريب والشعر وتفسير المشروحات وأيام العرب وأخبارها ووقائعها. . وله كتب كثيرة أملاها فى اللغة والعربية والغريب، وله كتاب فى العروض يفضله أهل العلم على سائر الكتب المؤلفة فيه لما بيّن فيه وقرّب، وعليه قرأ الناس المشروحات، وإليه كانت الرحلة من جميع إفريقية والمغرب، وله أشعار فصيحة وأراجيز غريبة، وله كتاب فى شرح صفة أبى زبيد الطائى للأسد جوّد فيه وحسّنه. وكان يعاصره عبد الملك بن قطن المهرىّ القيروانى شيخ أهل اللغة والعربية وراوى القوم وعميدهم ورئيسهم كما يقول القفطى وكان من أحفظ الناس لأنساب العرب وأشعارهم ووقائعهم وأيامهم، وكانت الأشعار المشروحة تقرأ عليه مجردة من الشرح فيشرحها ويفسر معانيها، فلما دخلت هذه الأشعار مشروحة إلى القيروان نظر طلبة العلم من العربية فيها فلم يجدوا فى شرحه خلافا لما قال أصحاب الشروح ولا وجدوا عليه فى روايته وشرحه اللغوى شيئا من الخطأ، وهو

стр. 4354

تلميذ لأمان بن الصمصامة وعياض بن عوانة وقتيبة الجعفى وكثير من الأعراب مثل أبى المنيع الأعرابى وغيره، غير أنه عمّر عمرا طويلا، إذ توفى سنة ٣٥٦ هـ/٩٦٦ م. ومن معاصريه أحمد بن إبراهيم بن أبى عاصم أبو بكر اللؤلؤى المتوفى سنة ٣١٨ هـ/٩٣٠ م وكان من العلماء النقّاد فى العربية والغريب والنحو والقيام بأكثر دواوين العرب، وهو تلميذ أبى محمد المكفوف المذكور آنفا، وألّف كتابا فى الضاد والظاء فحسّنه وبيّنه. ولم تلبث القيروان أن أخرجت لغويا كبيرا طار اسمه فى الآفاق هو القزّاز محمد بن جعفر التميمى المتوفى سنة ٤١٢ هـ/١٠٢١ م درس على شيوخ القيروان، ثم رحل إلى العراق فدرس على أئمة اللغة والنحو، ونزل فى القاهرة أيام العزيز نزار (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) وعرف فضله، فعين فى دواوين العزيز، وألف له -استجابة إلى طلب منه-كتابا فى الحروف التى ذكرها النحاة فى قولهم: إن الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى على أقصد سبيل وأقرب مأخذ وأوضح طريقة، فيبين معانى الحروف مع ترتيبها على حروف المعجم، فبلغ الكتاب ألف ورقة، وقدم إلى العزيز صورة منه فأعجبه ورضيه. وتوفى العزيز فعاد إلى القيروان وشغف به وبمجالسه الطلاب والمتأدبون لعلمه اللغوى الغزير وحسن تذوقه للأدب، ولم يكن ذواقة للأدب والشعر فحسب، بل كان أيضا ناقدا بصيرا وشاعرا مجيدا، وتخرج على يديه ابن شرف القيروانى الشاعر المبدع وابن رشيق الشاعر والناقد الممتع. وله فى اللغة معجم سماه «جامع اللغة» وهو معجم كبير رتبه على حروف المعجم، ويقول ياقوت فى معجم الأدباء عنه إنه يقارب فى الحجم معجم التهذيب للأزهرى، وله فى الضاد والظاء وتبادلهما فى الكلمات مبحث كبير فى ثلاثة أجزاء، وله المثلث فى اللغة، وله كتاب ما أخذ على المتنبى من اللحن والغلط، وكتاب العشرات يذكر فيه اللفظ ومعانيه المترادفة، وفى دار الكتب المصرية منه مخطوطة، وله إعراب مقصورة ابن دريد وشرحها، وكتاب الحلى والشيات فى أوصاف الآدميين طبع فى صيدا بلبنان، وله شرح رسالة البلاغة فى مجلدات، ومن كتبه الطريفة ضرائر الشعر، وهو دراسة تفصيلية لما يجوز للشاعر استعماله من ضرورات الشعر، وهو مطبوع بتونس. ونلتقى بتلميذه الحسن بن محمد التميمى اللغوى النسابة، وكان القزاز قد عنى به محبة له، فبلغ به نهاية الأدب وعلم الخبر والنسب، وكان شاعرا نابها قوى الكلام خبيرا باللغة، وكان شديد الشغف بديوان ذى الرمة، وعنه أخذه الناس كما أخذوا دواوين الجاهلية. وكان يعاصره إسماعيل بن إبراهيم القيروانى اللغوى، تقدّم فى علم الغريب وطلبه وعلو سماعه، وكان يبحث عن الشذوذ اللغوى بحثا شديدا، وإلى أمّهات كتبه ترجع-كما يقول القفطى-جميع النسخ وبها تقابل وعليها تصلح، وهو من مدّاح المعز بن باديس وفيه يقول: بذّ الملوك جلالة ومهابة ... وعلا على النّظراء والأشكال ونلتقى بعبد الدائم بن مرزوق المتوفى سنة ٤٧٢ هـ/١٠٧٩ م كما فى بغية الملتمس للضبى،

стр. 4355

درس العربية على شيوخ القيروان وارتحل إلى المشرق وتجوّل فى حلقات شيوخه بالبصرة وبغداد، ودخل الشام والتقى بأبى العلاء المعرى، وأخذ عنه ديوانيه: سقط الزند واللزوميات، وعاد إلى بلده، ولم تلبث هجرة الأعراب أن اكتسحت القيروان فهاجر إلى الأندلس، ونزل المريّة وإشبيلية، وهناك أخذ يلقى دروسه، ويروى أشعار أبى العلاء، وممن تتلمذ عليه عالم الأندلس اللغوى ابن السّيد البطليوسى بشهادة ما يرويه عنه فى كتابه: «الاقتضاب فى شرح أدب الكتاب» كما لاحظ الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب، ويقول إنه أول من أدخل شعر أبى العلاء إلى إفريقية والأندلس، وأكبر الظن أن نسخة سقط الزند التى شرحها ابن السيد وطبعت مع شروح السقط الأخرى فى القاهرة مأخوذة عن نفس المخطوطة التى حملها ابن مرزوق عن أبى العلاء، وكأنه شرحه بمجرد أن سمعه من ابن مرزوق، وأظن نفس الظن إزاء شرح ابن السيد لطائفة كبيرة من شعر اللزوميات المطبوع فى جزءين فى القاهرة، إذ اعتمد فى هذا الشرح-فيما أظن-على رواية اللزوميات التى سمعها عن ابن مرزوق، والأبيات-فى رواية ابن السيد-تصحح كثيرا من أبيات اللزوميات المنشورة، ولعل محققا تونسيا محظوظا يجد فى جامع الزيتونة أو جامع عقبة مخطوطة من اللزوميات مأخوذة-أو مروية-عن نسخة ابن مرزوق قبل مبارحته القيروان إلى الأندلس، ويمكن التأكد من ذلك بمراجعتها على شرح اللزوميات لابن السيد. وله معجم فى اللغة وشرح على ديوان المتنبى. ويلقانا فى أوائل عهد الدولة الحفصية محمد بن أبى الحسين المتوفى سنة ٦٧١ هـ/١٢٧٣ م حاجب أبى زكريا مؤسس الدولة ووزير ابنه المستنصر، وهو من أسرة بنى سعيد الغرناطية، وكان لغويا وشاعرا وكان ابن سيده الأندلسى قد رتب معجمه «المحكم» على أساس مخارج الحروف طبقا لمعجم العين للخليل بن أحمد، فقلب ترتيبه إلى ترتيب معجم الصحاح للجوهرى، وسمى صنيعه «ترتيب المحكم». وكان يعاصره عالم لغوى من علماء الهجرة الأندلسية فى القرن السابع الهجرى هو أحمد بن يوسف اللّبلى الأندلسى المتوفى بتونس سنة ٦٩١ هـ/١٢٩٢ م وله على كتاب الفصيح لثعلب شرح سماه: «تحفة المجد الصريح فى شرح كتاب الفصيح» ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إنه ينقل فيه مرارا عن معجم القزّاز: «جامع اللغة» وعن كتابه: «المثلث» كما ينقل فيه أيضا عن معجم ابن مرزوق، وكأن أعمال ابن مرزوق-وفى ظننا ما رواه من شعر أبى العلاء-كان لا يزال محفوظا فى موطنه حتى نهاية القرن السابع الهجرى. وكل من نظمناهم فى سلك اللغويين-أو كثرتهم-يوصفون فى كتب التراجم بأنهم كانوا نحاة كما كانوا لغويين غير أننا لاحظنا أنه غلبت عليهم مباحث اللغة، ومرّ بنا فى الحديث عن النشأة اللغوية أنه كان بين اللغويين نحويان كوفيان استوطنا القيروان وقد خلف بعدهما جيل

стр. 4356

قيروانى خالص عنى بالنحو وتعليمه، منه حمدون محمد بن إسماعيل المتوفى بعد المائتين، وفيه يقول الزبيدى: «كان مقدما فى العربية والنحو وكان يقال إنه أعلم بالنحو خاصة منه باللغة، لأنه كان يحفظ كتاب سيبويه ويستظهره» ويقول القفطى له كتب فى النحو وأوضاع فى اللغة، وكان أحد المتشدّقين فى كلامه والمتقعّرين فى خطابه. وكان يعاصره أحمد بن أبى الأسود النحوى القيروانى كان يقرئ النحو واللغة بمسجد قرب داره، يقول الزبيدى عنه: «له تصانيف فى النحو والغريب ومؤلفات حسان، ويقول القفطى: كان غاية فى علم النحو واللغة. ومن معاصريه عبد الله بن أبى حسان اليحصبى المتوفى سنة ٢٢٧ هـ/٨٤١ م رحل إلى العراق وأخذ النحو عن أعلامه فى البصرة والكوفة، وعاد إلى القيروان فأفاد الطلاب بما حمل من النحو وقواعده. وينشط علماء النحو فى القرنين الثالث والرابع للهجرة بالقيروان، ومنهم السّبخى أبو على النحوى الضرير المتوفى سنة ٣٤٢ هـ/٩٥٣ م وينوه المالكى فى كتابه: «رياض النفوس» بمعرفته الواسعة باللغة والنحو وله كتاب أقيسة الأفعال. وكان يعاصره ابن الوزّان إبراهيم بن عثمان المتوفى سنة ٣٤٦ هـ/٩٥٧ م يقول الزبيدى عنه: «إمام الناس فى النحو (بالقيروان) وكبيرهم فى اللغة وعظيمهم فى العربية والعروض، وانتهى فى اللغة العربية إلى ما لعله لم يبلغه أحد قبله، وأما فى زمانه فما يشك فيه أحد، حفظ كتاب سيبويه وكتاب المصنف فى غريب الحديث لأبى عبيد القاسم بن سلام وإصلاح المنطق لابن السّكّيت ومعجم العين للخليل بن أحمد وغير ذلك من كتب اللغة ثم كتب الفرّاء، وكان يميل إلى قول أهل البصرة مع علمه بقول الكوفيين، وكان يفضّل المازنى فى النحو وابن السّكّيت فى اللغة، وكان يستنبط من مسائل العربية والنحو أمورا لم يتقدمه فيها أحد. واشتهر بعده عبد العزيز بن أبى سهل النحوى اللغوى القيروانى الضرير المتوفى بالقيروان سنة ٤٠٦ هـ/١٠١٥ م وكان شاعرا مطبوعا، ويقول ابن رشيق فى وصفه: «كان مشهورا بالنحو واللغة جدّا مفتقرا إليه فيهما بصيرا بغيرهما من العلوم. . ولا غنى لأحد من الشعراء الحذاق عن العرض عليه والجلوس بين يديه، ولم ير ضرير أطيب منه نفسا ولا أكثر حياء. وكان يعاصره عبد العزيز بن خلوف النحوى، نوّه ابن رشيق بشعره وقال له فى سائر العلوم حظوظ وافرة، وحقوق ظاهرة، وأغلبها عليه علم النحو والقراءات وما تعلق بها، وفيه ذكاء يخرج عن الحد المحدود. ونلتقى بعلى بن فضال المتوفى ببغداد سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م وهو من سلالة الفرزدق الشاعر الأموى المشهور ومن أبناء القيروان النابهين فى عصره غادرها مع الهجرة الأعرابية المشهورة إلى الشرق حتى نيسابور وغزنة، وعاد إلى بغداد، فضمّه نظام الملك إلى مدرسته النظامية بها حتى وفاته، وهو مفسر كبير للذكر الحكيم، وله مصنفات مختلفة فى الأدب والتاريخ، وكان إلى ذلك عالما كبيرا فى النحو واللغة، ومما صنّفه فى النحو «إكسير الذهب فى صناعة الأدب» فى عدة مجلدات وكتاب العوامل والهوامل وكتاب الإشارة إلى تحسين العبارة وشرح عنوان الإعراب والمقدمة وشرح معانى الحروف وغير ذلك وله كتاب فى العروض.

стр. 4357

ودرّس مثله فى النظامية ببغداد معاصره ومواطنه عبد الله بن مسلم القيروانى النحوى أبو محمد المتوفى سنة ٤٨٨ هـ/١٠٩٥ م ويقول القفطى: كان له معرفة بالنحو واللغة. وتكاد تتوقف الحركة العلمية فى الدراسات النحوية نحو قرن أو تزيد بسبب الهجرة الأعرابية وما حدث بعدها من حروب قراقوش وابن قراتكين وابنى غانية: على ويحيى. وتنهض بالبلاد الدولة الحفصية ويعود إلى الحركة العلمية نشاطها، وخاصة فى مدينة تونس عاصمة تلك الدولة، ويمدّها المهاجرون من الأندلس فى صدر تلك الدولة من كبار العلماء والأدباء بوقود أدبى وعلمى جزل، فتزداد اشتعالا وضياء ونورا. ومن صفوة من هاجر إليها من نحاة الأندلس إمام كبير من أئمة النحو هو ابن عصفور الإشبيلى أبو الحسن على بن مؤمن المولود سنة ٥٩٧ هـ/١٢٠٠ م والمتوفى سنة ٦٦٩ هـ/١٢٧٠ م وقد رحّب به مؤسس الدولة أبو زكريا واتخذه أستاذا ومعلما لابنه وولى عهده المستنصر، وأسند إليه التدريس فى جامع الزيتونة وفى مدرسته الشمّاعية، وكان يدرس للطلاب كتاب سيبويه وكتاب الجمل للزجاجى والإيضاح لأبى على الفارسى وله عليهما شرحان، كما كان يدرس لهم مصنفيه البديعين: المقرب فى الصناعة النحوية والممتع فى الصناعة الصرفية واتّخذت أعماله فى عصرنا موضوعات للحصول على الدرجات العلمية فى الجامعات العربية لحسن عرضه لمسائل النحو وأبوابه حدودا وترتيبا وتقسيما، وفى كتابنا المدارس النحوية ترجمة له وبيان لبعض آرائه التى انفرد بها بين النحاة، وأخذ عنه فى تونس النحو تلاميذ كثيرون بحيث أصبحت له فيها مدرسة كبيرة، وتذكر أسماء نحاة فى القرون التالية، ومن أهمهم فى العهد العثمانى محمد فتاتة الفقيه فى القرن الثانى عشر الهجرى كان يقرئ الطلاب فى جامع الزيتونة مغنى ابن هشام فى النحو ولعبد القادر الجبالى شرح على شواهد المغنى فى أربع مجلدات ولمحمد سعادة حاشية على الأشمونى سماها تنوير السالك من شرح منهج السالك إلى ألفية ابن مالك، ولمحمد بن على بن سعيد الحجرى المتوفى سنة ١١٩٩ هـ/١٧٨٤ م حاشية مطولة على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك. ومنذ نزول العرب واستيطانهم فى إفريقية التونسية كان كثيرون منهم ينشدون الأشعار العربية ويروونها للأجيال الناشئة، وما يتقدم القرن الثانى الهجرى حتى تتردد فى كتب التراجم أسماء رواة للشعر كان يلتف حولهم الشباب فى القيروان وغير القيروان لكتابة الأشعار وتدوينها، نذكر منهم سليمان بن حميد الغافقى، وله ترجمة فى كتاب الحلة السيراء لابن الأبار، وهو ممن قدموا مع الحملات التى كان يوجهها الأمويون إلى القيروان والمغرب، وله مشاركة فى الأحداث التى مرت بنا أيام عبد الرحمن بن حبيب وقتل أخيه إلياس له وعاش إلى أيام يزيد ابن حاتم المهلبى (١٥٥ - ١٧٠ هـ) ويقول ابن الأبار فى التعريف به: «فارس العرب قاطبة بالمغرب فى عصره وأحسن الناس لسانا وأبلغهم، إلى معرفة بأيام العرب وأخبارها ورواية لوقائعها

стр. 4358

وأشعارها. . حملت عنه نوادر مستطرفة وحكايات مستملحة، وروى له ابن الأبار شعرا فى أحد مواقفه مع بعض ثوار البربر. ومن هؤلاء الرواة المبكرين للأشعار فى القيروان الحكم بن ثابت السعدى، دخل إفريقية-كما يقول ابن عذارى-سنة ١٤٤ هـ/٧٦١ م مع جيش محمد بن الأشعث للقضاء على ثورة الإباضيين فى طرابلس وتونس لعهد المنصور، وكان أحد قواد الجيش وبعد القضاء على تلك الثورة سكن القيروان، حتى إذا تولى الأغلب التميمى بعد ابن الأشعث شهد معه حرب بعض الثوار من البربر سنة ١٥٠ هـ/٧٦٧ م وهو من سلالة سلامة بن جندل الشاعر الجاهلى المشهور، وكان شاعرا ورواية كبيرا للشعر، روى عنه أبناء القيروان كثيرا من أشعار الجاهليين والمخضرمين. ومن هؤلاء الرواة للأشعار الحسن بن منصور بن نافع المذحجىّ، وفيه يقول ابن الأبار: «كان بصيرا باللغة نافذا فى النحو عالما بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها». وحرى أن نضيف إلى هؤلاء الرواة المبكرين للأشعار الجاهلية والإسلامية المعمر بن سنان التيمى القادم مع يزيد بن حاتم المهلبى فى ولايته، وقد ذكرناه فى نشأة العلوم اللغوية، وأيضا لا بد أن نضيف كبار الشعراء الوافدين على يزيد بن حاتم لمديحه مثل ربيعة الرّقّى الشاعر العباسى النابه وبالمثل من وفد عليه من اللغويين والنحاة أمثال يونس بن حبيب عالم البصرة النحوى واللغوى الكبير، فهؤلاء جميعا شاركوا فى رواية الشعر الجاهلى والإسلامى لشباب القيروان. ومر بنا أن عبد الملك بن قطن كان يشرح أشعار الجاهليين والإسلاميين ويفسّر معانيها وأنها حين نقلت إلى القيروان ومعها شروحها وجد طلابه أن هذه الشروح تطابق شروحه. ولم تنقل إلى القيروان فى القرن الثالث الهجرى الدواوين القديمة الجاهلية والإسلامية فقط، بل أخذت تنقل أيضا دواوين الشعراء العباسيين ويشهد لذلك ما روى عن أبى اليسر الشيبانى رئيس ديوان الإنشاء المتوفى سنة ٢٩٨ هـ/٩١٠ م من أنه أدخل إلى إفريقية رسائل المحدثين (العباسيين) وأشعارهم، وهو لم يدخل دواوين أمثال بشار وأبى تمام فحسب، بل أدخل أيضا رسائل أمثال عبد الحميد الكاتب وابن المقفع والجاحظ وسهل بن هارون وغيرهم، ومثل ذلك أصبح منذ القرن الثالث الهجرى مدّ أيدى المتأدبين فى القيروان وتلقاء أبصارهم عن طريق من كانوا يرتحلون إلى المشرق-أو يفدون منه-ويحملون نفائسه من الدواوين والرسائل. ومن يقرأ المنتخبات الرائعة من الشعر والنثر التى جمعها أبو إسحاق إبراهيم الحصرى المتوفى سنة ٤١٢ هـ/١٤٢١ م باسم «زهر الآداب وثمر الألباب» و «جمع الجواهر فى الملح والنوادر» يعرف أنه لم يكن فى المشرق ديوان لشاعر عباسى ولا رسائل لكاتب أموى أو عباسى ولا مجموعة فى الشعر أو فى النثر، لم يكن شئ من ذلك كله غائبا عن القيروان وأديبها الحصرى، فقد اختار فى مجموعتيه السالفتين أروع وأبدع ما للمحدثين العباسيين من شعر ونثر وأخبار ونوادر وملح كما يقول، حتى لنجد عنده قطعا من نصوص أدبية مفقودة إذ نراه مثلا يختار لسهل بن هارون قطعا

стр. 4359

من قصصه الطريفة التى صاغها محاكاة لقصص كليلة ودمنة، والتى لا يوجد منها الآن فى المشرق شئ. وقد ولد بقرية تسمى الحصر بجوار القيروان فنسب إليها، وهو أستاذ علمين من أعلام الأدب فى القيروان: ابن رشيق وابن شرف، وكان ودودا ومألفا لشباب القيروان ومتأدبيها، فكانوا يجتمعون عنده ويأخذون عنه كما قال ابن رشيق وقال عنه أيضا: إنه كان شاعرا ناقدا عالما بتنزيل الكلام، وقد افتتح به كتابه الأنموذج فى شعراء القيروان، وذكره مرارا فى كتابه العمدة، واستشهد فيه ببعض أشعاره. وكان بحق-كما قال ابن رشيق-ناقدا ذواقة للأدب، فجمع-وخاصة فى زهر الآداب-فرائد بديعة من شعر المحدثين ونثرهم وأخبارهم، وكأنه أراد بذلك أن يكمل كتاب البيان والتبيين للجاحظ، إذ رآه يشغله بكلام الإسلاميين والجاهليين، ولا يعنى بالعباسيين العناية الكافية فرأى أن يكمل مختاراته الجاهلية والإسلامية بمختاراته الشعرية والنثرية للعباسيين، ولاحظ ذلك ابن بسام فى ترجمته بالقسم الرابع من كتابه الذخيرة. فقال: «عارض الحصرى أبا بحر الجاحظ بكتابه الذى وسمه بزهر الآداب فلعمرى ما قصر عن مداه ولا قصرت خطاه، ولولا أنه شغل أكثر أجزائه وأنحائه بكلام أهل العصر (يريد العباسيين) دون كلام العرب لكان كتاب الأدب، لا ينازعه ذلك إلا من ضيّق عينيه الرمد، وأعمى بصيرته الحسد». وهى شهادة قيمة بروعة الكتاب وروعة ما يحمل من النصوص العباسية شعرا ونثرا. وربما كانت أهم مجموعة أدبية بعده فى القطر التونسى مجموعة الحماسة لأبى الحجاج يوسف بن محمد البيّاسى الأندلسى نزيل تونس المتوفى سنة ٦٥٣ هـ/١٢٥٦ م وقد كتبها بتونس سنة ٦٤٦ هـ/١٢٤٨ م وقرأها الطلاب عليه، ومنها مخطوطة فى دار الكتب المصرية. وحاول ابن شرف القيروانى الشاعر المتوفى سنة ٤٦٠ هـ/١٠٦٧ م بالأندلس أن يكون له نصيب فى عالم النقد، فكتب مبحثا يسمى تارة أعلام الكلام، وتارة رسائل الانتقاد، وطبع بالعنوانين، تناول فيه الشعر والشعراء منذ الجاهلية إلى زمنه، وهو ملاحظات مجملة أكثر منه آراء نقدية، أو هو انطباعات عن الشعراء فى جمل مسجوعة، وكأنه يؤلّف مقامة-لا مبحثا نقديا- عن الشعراء، ومن قوله عن أبى نواس: «أول الناس فى خرم القياس. وذلك أنه ترك السيرة الأولى وتنكّب عن الطريقة المثلى، وجعل الجد هزلا صادف الأفهام قد كلّت. . فتهادى الناس شعره، وأغلوا سعره، وشغفوا بأسخفه، وكلفوا بأضعفه» ويقول عن ابن الرومى: «شجرة الاختراع، وثمرة الابتداع، وله فى الهجاء ما ليس له من الاطراء، فتح فيه أبوابا، وخلع منه أثوابا، وطوق فيه رقابا، يطول عليها حسابه، ويمحق فيها ثوابه» وكأنه يقيس هجاءه بمقياس خلقى لا بمقياس فنى، ويقول فى المتنبى: «شغلت به الألسن، وسهرت فى أشعاره العيون الأعين، وكثر الغائص فى بحره، والمفتش فى قعره عن جمانه (لؤلئه) ودرّه، وله شيعة تغلو فى مدحه، وعليه خوارج تتعاون فى جرحه»، وهكذا آراؤه فى الشعر انطباعات لا تحمل تعليلا ولا دليلا.

стр. 4360

ولم تعن القيروان بالبلاغة كما عنيت بالنقد، وأكبر نقاد القيروان وبلاغييها المعدودين فى النقاد والبلاغيين الكبار ابن رشيق المتوفى بمازر فى صقلية سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٣ م وله كتاب «قراضة الذهب فى صناعة الأدب» وهو فى السرقات الشعرية، وله كتاب «العمدة فى صناعة الشعر ونقده»، وهو يجمع فيه بين النقد والبلاغة، ويقول فيه القفطى: «اشتمل على ما لم يشتمل عليه تصنيف من نوعه وأحسن فيه غاية الإحسان» وقال القاضى الفاضل: «هو تاج الكتب المصنفة فى هذا النوع» وقال فيه ابن خلدون فى مقدمته: «هو الكتاب الذى انفرد بهذه الصناعة-يريد صناعة الشعر-وإعطائها حقّها، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله». وهى شهادة قيمة. وكل من يقرأ الكتاب يعرف بوضوح أن ابن رشيق وضع بين يديه كل ما أنتج المشرق من مباحث ومؤلفات فى النقد والبلاغة من مثل البيان والتبيين للجاحظ وطبقات فحول الشعراء لابن سلام والشعر والشعراء لابن قتيبة والبديع لابن المعتز ونقد الشعر لقدامة ونقد النثر لابن وهب والموازنة للآمدى والصناعتين لأبى هلال العسكرى وكتابات الحاتمى فى البديع والبلاغة وأضاف إلى ذلك كتاب الممتع فى علم الشعر وعمله لعبد الكريم النهشلى، وسوّى من ذلك كله-وربما اطلع على كتب أخرى-كتابه الذى ذاع وشاع فى العالم العربى غربا وشرقا منذ تأليفه إلى اليوم لدقة منهجة وحسن تبويبه وترتيبه، ولما يحمل من مواد طريفة تحيط بالشعر وصنعه ونقده وفنون بلاغته، وقد بدأه بالدفاع عن الشعر والشعراء واضعا الشعر فى مرتبة بلاغية أعلى من مرتبة النثر، ويفرد بابا لبلاغة اللفظ والمعنى قائلا إنهما متلازمان، فاللفظ جسم وروحه المعنى، ويقول إن للشعر لغة خاصة به، ويعرض للمكثرين والمقلين من الشعراء وللمطبوعين والمتكلفين ولأصحاب مدرسة البديع وللوزن والقافية وعمل الشعر وشحذ القريحة له ولافتتاح الشعراء قصائدهم بالنسيب وللمبدإ والخروج من فاتحة القصيدة إلى موضوعها وللمخترع فى الشعر والبديع، ويفصّل القول فى الاستعارة والتشبيه أهم ألوان البيان ويفيض إفاضة واسعة فى ذكر ألوان البديع ومحسناته متأثرا بأبى هلال العسكرى فى كتابه الصناعتين والحاتمى فى كتابه حلية المحاضرة، وقد اعتمد على الكتاب الأخير اعتمادا واسعا فى حديثه عن ألوان البديع وفنونه من مثل الجناس والطباق والمقابلة والتتميم والتسهيم والترصيع وصحة التقسيم إلى غير ذلك من محسنات كثيرة. وكأن القيروانيين لم يجدوا حاجة إلى التأليف فى البلاغة وفنون البديع بعده، وبالمثل فى نقد الشعر وصناعته، وقد تحدث حديثا مستفيضا عن موضوعات الشعر بادئا بالنسيب ومفصلا القول فى كل موضوع تفصيلا دقيقا، وتحدث عن السرقات الشعرية، واتفق مع النقاد فى أن السرقة إنما هى فى البديع المخترع الذى يختص به شاعر ويسرقه أحد الشعراء، لا فى المعانى المشتركة بين الشعراء، ويذكر ما يحتاج إليه الشاعر من المعارف والثقافة. والكتاب غنى بالأفكار والآراء النقدية، ومثله فى هذا الغنى كتابه: «أنموذج الزمان فى شعراء القيروان» وقد جمعه من بطون المخطوطات وغيرها من الكتب وحققه

стр. 4361

تحقيقا علميا سديدا الأستاذان محمد العروسى المطوى وبشير البكوش وقدما له بمقدمة قيمة. وقد استطاعا بدأبهما العلمى جمعه من مخطوطات مسالك الأبصار لابن فضل الله العمرى والوافى بالوفيات للصفدى وغيرهما من المخطوطات والمصادر، وبذلك ردّاه إلى الحياة بصورة إن لم تكن طبق الأصل تماما، فهى مقاربة له أشد القرب، وفى الكتاب مائة ترجمة للشعراء من معاصريه، مما يدل على حدوث نهضة شعرية لعصره فى القطر التونسى. وهو يستهل كل ترجمة لشاعر بسطور عنه وعن صفته وشعره ثم يورد ما اختاره من أشعاره مع بعض أحكام نقدية. والكتاب يؤرخ بدقة للحركة الأدبية فى عصر الدولة الصنهاجية، وبعبارة أدق فى عصر المعز بن باديس. ولا يلقانا بعد ابن رشيق ناقد كبير أو بلاغى كبير فى القيروان أو تونس إلا ما كان من حازم القرطاجنى نزيل تونس فى عهد المستنصر بن أبى زكريا مؤسس الدولة الحفصية، وعاش حتى سنة ٦٨٤ هـ أ ١٢٨٦ م وله فى النقد والبلاغة كتابه المعروف: «منهاج البلغاء وسراج الأدباء وهو فيه يمزج بين قواعد النقد والبلاغة عند العرب وقواعدهما عند اليونان وبدون ريب أفاد منه المتأدبون بتونس، وأنه أعاد لهم درسه مرارا، وقد تحدثت عنه فى الجزء الخاص من هذه السلسلة بالأندلس. ٤ - علوم (١) القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام بمجرد أن أسّست القيروان وتونس كان هناك مقرءون كثيرون يقرءون الناشئة فى الكتاتيب، ودائما أينما وجد الفاتحون فى صدر الإسلام والعصر الأموى دوّوا بالقرآن الكريم دوىّ النّحل، وكان منهم دائما من يتجرّدون لتحفيظه للداخلين فى الإسلام وإقرائهم آياته الكريمة، ومن الصعب التعرف عليهم ومعرفة أسمائهم، فهم كالجندىّ المجهول، يرى أثره ولا يعرف اسمه، غير أن كتب التراجم أحيانا تذكر بعض الأسماء ممن حظوا بإقراء القرآن فى الأزمنة المبكّرة،

стр. 4362

من ذلك اسم أبى منصور مولى سعد بن أبى وقّاص، وهو-كما فى كتابى رياض النفوس والمعالم-ممن دخل إفريقية وسكن القيروان، وكان مقرئا للقرآن ومحدّثا وفقيها مفتيا. واجتماع الفقه ورواية الحديث النبوى مع إقراء القرآن الكريم لأبى منصور لا يستغرب، لأن التابعين من أمثاله كانوا يجمعون بين إقراء الناشئة والناس للقرآن وإسماعهم بعض الأحاديث النبوية وتفقيههم فى الدين بمعرفة أحكامه وتعاليمه. وعلى هذه الشاكلة كان الفقهاء العشرة أعضاء وفد عمر بن عبد العزيز لسنة مائة للهجرة، فهم يقرءون الناس الذكر الحكيم ويروون لهم بعض الأحاديث النبوية ويعلمونهم أمور دينهم الحنيف. وعنى بعض القيروانيين بحمل قراءات القرآن عن نافع قارئ المدينة. وكان ورش المصرى قد حمل قراءته فأخذتها جماعة من القيروان عن تلاميذه المصريين. ومن أهمهم فى القرن الثالث الهجرى محمد بن عمرو بن خيرون المتوفى سنة ٣٠٦ هـ/٩١٨ م. وقد حمل قراءة ورش، وقدم بها إلى القيروان كما يقول ابن الجزرى فى طبقاته، وكان الغالب على قراءة الناس فيها قراءة حمزة أحد القراء السبعة، ولم يكن يقرأ قراءة نافع إلا خواص الناس، فلما قدم ابن خيرون إلى القيروان اجتمع عليه الناس ورحل إليه القرّاء من آفاق المغرب، ومن مؤلفاته كتاب الابتداء والتمام وكتاب الألف واللام. وكما أخرجت القيروان إماما لغويا هو القزاز، وإماما ناقدا بلاغيا هو ابن رشيق، أخرجت إماما فى القراءات، هو مكى بن أبى طالب القيسى المولود بالقيروان سنة ٣٥٤ هـ/٩٦٥ م ولما استكمل القراءات بالقيروان رحل إلى مصر سنة ٣٧٧ هـ/٩٨٧ م وتتلمذ فى القاهرة لشيخ قرائها ابن غلبون، وكأن يعود إلى بلده ثم يرجع إليه، حتى أخذ كل ما عنده، وهاجر إلى قرطبة سنة ٣٩٣ هـ/١٠٠٢ م وظل يقرئ بها الناس حتى توفى سنة ٤٣٧ هـ/١٠٤٥ م وله فى القراءات كتاب التبصرة فى خمسة أجزاء، وكتاب ثان فى أصول قراءة نافع، وكتاب ثالث فى المدّ لورش، وذكر له ابن خلكان عشرات من الكتب فى القراءات والتفسير والفقه والعربية. وكان يعاصره أحمد بن عمار المهدوى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ/١٠٤٨ م وله كتاب الهداية فى القراءات السبع وله عليه شرح كما يقول ابن الجزرى وله كتاب الموضح فى تعليل وجوه القراءات. وظلت قراءة الذكر الحكيم ناشطة فى القيروان على مدار السنين، واشتهرت بها أسر توارثتها جيلا بعد جيل، ويصور ذلك -من بعض الوجوه-ما ذكره العبدرى فى رحلته حين زار تونس فى سنتى ٦٨٨ هـ/١٢٩٠ م و ٦٩١ هـ/١٢٩٢ م والتقى بالرحالة التونسى أبى الحسن على بن إبراهيم التجانى فى مسجد إقرائه، ومما قال له: «أنا الثانى عشر مدرسا من آبائى على نسق كلهم قعدوا هنا» (أى فى هذا المسجد) للإقراء، وهذا يعنى أن بيت التجانى فى تونس توارث الإقراء للقرآن طوال اثنى عشر جيلا متعاقبين، وإذا حسبنا لكل جيل ثلاثين سنة على الأقل كان معنى ذلك أن الأسرة توارثت إقراء القرآن نحو ثلاثة قرون ونصف أى منذ منتصف القرن الرابع الهجرى. ومن كبار القراء فى العهد الحفصى أبو القاسم اللبيدى معاصر التجانى صاحب الرحلة، وكان الطلاب يقرءون

стр. 4363

عليه بمسجد إقرائه كتاب التيسير فى القراءات السبع للدانى. وأشهر القراء بعده محمد بن بدّال المتوفى بمنتصف القرن الثامن الهجرى وكان يدرس لطلابه قصيدة الشاطبى فى القراءات: حرز الأمانى ويفسر أبياتها لهم، ولجمال ترتيله وحسن صوته كانت تشدّ إليه الرحال لسماعه، وكان السامعون من حوله يرون بين خاشع وباك وداع. وكان يعاصره محمد بن محمد بن حسين الأنصارى، وكان يقرئ تلاميذه بقراءة الأئمة الثمانية، ومنهم الفقيه الكبير محمد بن عرفة الورغمى الآتى ذكره بين الفقهاء والمتوفى فى أوائل القرن التاسع الهجرى وكان مقرئا كبيرا ومجودا عظيما للقرآن الكريم. ويكثر فى ترجمة العلماء أن يقال عنهم إنهم مجيدون فى قراءة القرآن، ونجد فى العهد العثمانى وظيفة فى جامع الزيتونة مخصّصة لقراء القرآن العظيم على كرسى الجامع، وممن تولاها الشيخ على السويسى، وأيضا وظيفة أخرى لشيخ القراء وممن تولاها فى القرن الثانى عشر الهجرى مصطفى الأزميرلي، وكان يعاصر قاره باطاق وله كتاب فى القراءات العشر سماه: «الجواهر النضرة والرياض العطرة فى متواتر القراءات العشرة». وطبيعى أن كانت الأجيال الأولى فى القيروان وتونس التى اعتنقت الدين الحنيف وأخذت تحفظ بعض آيات القرآن تطلبت معرفة تفسير ما تحفظه، فكان المقرءون الأولون لهم يحاولون إفهامهم ما يحفظونه، وتنشأ فى المشرق حركة واسعة فى تفسير القرآن، ويشتهر عبد الله بن العباس الصحابى الجليل ابن عم الرسول ﷺ بإتقانه لتفسيره حتى ليصبح إماما كبيرا فيه، ويحمله عنه تلاميذ مختلفون، ويتوزعون بما حملوه فى البلدان الإسلامية وتحظى القيروان بتلميذ بربرىّ له، هو عكرمة مولاه، ويقول أبو العرب فى طبقات علماء إفريقية وتونس: «كان مجلسه فى مؤخّر المسجد الجامع (جامع عقبة بالقيروان) فى غربى المنارة بالموضع الذى يسمى بالركيبيّة». وما من ريب فى أنه كان يلقى فى مجلسه على الناس تفسير مولاه ابن عباس للقرآن الكريم، وسمعه منه خلق كثيرون من أهل القيروان وغيرهم، وقد أدخل الطبرى تفسيره الذى حمله عن ابن عباس فى تفسيره الكبير بحيث يمكن لباحث أن يستخرجه منه وينشره مستقلا، وما زال عكرمة يلقى دروسه حتى توفى سنة ١٠٥ هـ/٧٢٣ م. ومن المفسرين للذكر الحكيم فى القرن الثانى الهجرى يحيى بن سلام وقد حرّره بالقيروان سنة ١٧٥ هـ/٧٩١ م وكان الطلاب يقصدونه من كل فجّ لسماعه منه، ويذكر أبو العرب فى طبقاته أن عيسى بن مسكين سمع تفسير ابن سلام من موسى بن جرير، كما يذكر أن أسد بن الفرات قاضى القيروان وفاتح صقلية المتوفى سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م كان يفسر الذكر الحكيم فى بعض مجالسه أو فى بعض دروسه بجامع القيروان، وللمقرئ الكبير مكى بن أبى طالب المار ذكره كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية فى معانى القرآن وتفسيره وأنواع علومه: سبعون جزءا، وكتاب الإيضاح فى ناسخ القرآن ومنسوخة ثلاثة أجزاء. ويلقانا فى القرن الخامس لعهد الدولة الصنهاجية مفسر كبير هو على بن

стр. 4364

فضّال المتوفى سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م وله التفسير المسمى البرهان العميدى فى عشرين مجلدا، وله تفسير ثان باسم الإكسير فى علم التفسير: خمسة وثلاثون مجلدا، وله النّكت فى القرآن. وصنف كتابا فى شرح بسم الله الرحمن الرحيم، ومرّ بنا أن نظام الملك ألحقه بمدرسته النظامية فى بغداد يدرس لطلابها، وله كتب كثيرة فى النحو ذكرنا بعضها فى حديثنا عن النحاة فى القيروان، ولعله كان يدرس فى النظامية التفسير والنحو معا. ومن كبار المفسرين فى أوائل عصر الدولة الحفصية عبد العزيز بن محمد القرشى المعروف بابن بزيزة المتوفى سنة ٦٦٢ هـ/١٢٦٣ م وهو من كبار الفقهاء الحفاظ وله تفسير جمع فيه بين طريقة ابن عطية الأندلسى وطريقة الزمخشرى وعليه تخرجت طائفة كبيرة من طلاب تونس فى العلوم الدينية. ومن كبار المفسرين فى القرن الثامن الهجرى محمد بن عبد النور التونسى تلميذ ابن زيتون المتوفى سنة ٧٢٦ هـ/١٣٢٦ م وله اختصار تفسير الفخر الرازى. ونلتقى فى القرن التاسع الهجرى بمفسر من كبار الحفاظ هو محمد بن عمر الأبّى المتوفى سنة ٨٢٧ هـ/١٤٢٣ م تلميذ ابن عرفة، وله تفسير كبير للقرآن الكريم كان يقع فى ثمان مجلدات. ولمحمد زيتونة المتوفى بالقرن الثانى عشر الهجرى فى العهد العثمانى حاشية على تفسير أبى السعود. وبدون ريب كان المفسرون للقرآن الكريم يعرضون على الطلاب أمهات كتب التفسير المشرقية للطبرى والزمخشرى والفخر الرازى وغيرهم، وظل ذلك فى العهد العثمانى، إذ نجد الشيخ محمد الفاسى يدرس لطلابه تفسير البيضاوى، ولا بد أن غيره من كتب التفسير المهمة كان يعرض على الطلاب. ويتكاثر المحدثون فى القيروان وتونس كثرة مفرطة، ومن قدمائهم فى القيروان حنش بن عبد الله الصنعانى، دخل إفريقية غازيا مع موسى بن نصير (٨٦ - ٩٦ هـ) وسكن القيروان وحدّث بها، كما حدّث بها عكرمة مولى ابن عباس المار ذكره بين المفسرين. ونلتقى ببعثة عمر بن عبد العزيز التى كانت مؤلفة من عشرة فقهاء، وجميعهم كانوا محدّثين وقرّاء وفقهاء كما مرّ بنا وكان يعاصرهم عبد الله بن المغيرة بن أبى بردة قاضى القيروان لعمر بن عبد العزيز ويحيى بن سعيد الذى أرسله عمر بن عبد العزيز عاملا على الصدقات، وكلاهما حمل عنه الحديث كما حمل عن معاصرهما أبى غطيف بشر الهذلى، وهو يروى عن جماعة من الصحابة وخاصة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعليه اعتماده فى الرواية. ونلتقى بمحدث تونسى كبير سبقت الإشارة إليه هو عبد الرحمن بن زياد قاضى القيروان فى عهد المنصور وقلنا عنه فى النشأة العلمية إن ابن وهب وابن لهيعة الفقيهين المالكيين المصريين رويا الحديث عنه، وذكرنا معه هناك على بن زياد التونسى، وقلنا إنه أول من أدخل الموطأ لمالك وجامع سفيان الثورى فى الحديث إلى إفريقية التونسية، وكان يعاصره المحدث عبد الرحمن بن الأشرس زميله فى التلمذة على مالك. ونلتقى بالبهلول بن راشد المتوفى بالقيروان سنة ١٨٣ هـ/٧٩٩ م وهو تلميذ مالك بن أنس وسفيان الثورى، وتتلمذ لليث بن سعد فقيه مصر، وكان معروفا بالتقوى

стр. 4365

والتمسك بالسنة، وتقصّ عنه فى ذلك حكايات كثيرة، مما جعل أبا العرب والمالكى والدباغ يطيلون فى الترجمة له. ومن المحدثين بعده يزيد بن محمد الجمحى المستشهد فى فتح صقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م وكان ثقة صدوقا كثير الحديث سمع من مالك بن أنس فى المدينة وغيره من كوفيين وبصريين وشاميين. وكان يعاصره موسى بن معاوية الصمادحى المتوفى سنة ٢٢٥ هـ/٨٣٩ م وأكثر مثل الجمحى من الأخذ عن مالك والكوفيين والبصريين وغيرهم، وكان يرابط بالمنستير على الساحل قرب القيروان فى شهر رمضان، ويقول عنه سحنون إنه كان أطول رفقتنا صلاة، وربما أمضى بعض الليالى مصليا. ومن معاصريه عون بن يوسف الخزاعى المتوفى سنة ٢٣٩ هـ/٨٥٣ م وكان إذا قال فى كتبه «حدّثنا» فهو سماع، وإذا قال «أخبرنا» فهو إجازة. ويزدهر مذهب مالك فى القيروان منذ القرن الثالث الهجرى، وكان العلم المنصوب بأعين أصحابه كتابه «الموطأ» وهو كتاب فقه وحديث، مما جعل فقهاءه جميعا محدّثين، ولذلك من الصعب أن نفرد المحدثين من الفقهاء منذ هذا القرن. ونكتفى بذكر ألمع المحدثين فى القرون التالية، ومن ألمعهم وأنبههم فى القرن الرابع الهجرى أبو الحسن القابسى على بن محمد بن خلف المار ذكره فى صدر حديثنا عن دور العلم، وإليه انتهى تدريس الحديث النبوى فى القيروان وكان قد رحل إلى المشرق ورجع منه بكنوز نفيسة أهمها ما حمله إلى الطلاب والشيوخ فى جامع الزيتونة من صحيح البخارى، وكان يدرسه للطلاب، وعنيت به إفريقية التونسية بعده كما عنيت بصحيح مسلم، وهما جميعا وكتب السنة الأربعة المشهورة: للترمذى والنسائى وأبى داود وابن ماجة محل إجلال وتوقير فى بلدان العالم الإسلامى جميعه. وللمازرى محمد بن على الصقلى نزيل المهدية وحامل لواء العلوم الدينية فيها وفى البلدان المغربية المدفون بالمنستير سنة ٥٣٦ هـ/١١٤١ م شرح نفيس على صحيح مسلم سماه المعلم بفوائد مسلم، وشرحه القاضى عياض باسم إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم، وللأبى التونسى المار ذكره بين المفسرين شرح على صحيح مسلم سماه: «إكمال الإكمال بفوائد مسلم» فى سبع مجلدات جمع فيه بين شرح المازرى، وشرح عياض، وشرح النووى. ومن كبار المحدثين فى القرن الثامن شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر الوادى آشى الأصل التونسى المولد والموطن المتوفى سنة ٧٤٠ هـ/١٣٣٩ م. وكان يقرئ تلاميذه فى جامع الزيتونة الصحيحين: صحيح البخارى وصحيح مسلم. ونلتقى فى أوائل العهد العثمانى بالشيخ إبراهيم الرياحى وكان يدرس للطلاب شرح القسطلانى على صحيح البخارى، ويذكر ابن أبى دينار فى أواخر كتابه «المؤنس» طائفة من كبار المحدثين فى القرن الحادى عشر الهجرى بتونس، منهم أبو العباس أحمد الشريف الحنفى وأبو الحسن على الغماد وسعيد المحجوز وأبو عبد الله محمد تاج العارفين العثمانى، وممّن يضاف إلى هؤلاء المحدثين من كتاب ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان محمد برناز، ومحمد قويسم، ومحمد فتاتة ومحمد زيتونة.

стр. 4366

وكان الفقهاء فى أول الأمر يجمعون كما ذكرنا بين إقراء القرآن ورواية الحديث النبوى والفتوى فيما يجد من أمور الدين، ولذلك من الصعب أن نميز فى القرن الأول الهجرى وغير قليل من القرن الثانى بين الفقيه والمحدث والمقرئ، ونفس بعثة عمر بن عبد العزيز فى سنة مائة للهجرة يقال عن كل منهم فى كتب التراجم إنه يجمع بين هذه الصفات الثلاث أو قل إنها تصف بذلك نفرا منهم وتترك الباقين لأنه معروف أنهم جاءوا لتحفيظ الناس والناشئة القرآن وتفقيههم فى الدين بما يلقّنونهم من تعاليمه ومن أحاديث الرسول ﷺ . ونقرأ عن على بن رباح اللخمىّ أنه قدم إفريقيا غازيا فى عهد موسى بن نصير وأنه سكن القيروان واختط بها مسجدا ومنزلا لسكناه وأن أهلها تفقهوا عليه، وهو تابعى روى عن عمرو بن العاص وأبى هريرة وأبى قتادة وغيرهم من الصحابة، وبذلك نستطيع أن نعده أول فقيه قيروانى. وجاء بعده خالد بن أبى عمران التّجيبى، قدم أبوه مع جيش حسان بن النعمان واستوطن مدينة تونس، وولد له فيها خالد وحفّظه أبوه القرآن وروى عنه وعن بعض القيروانيين الحديث ورحل إلى المشرق وسمع من القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق ومن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومن عروة بن الزبير وله كتاب كبير عنهم فى الحديث وروى له مالك فى الموطأ بعض أحاديث نبوية سمعها-كما مر بنا-من يحيى بن سعيد فى القيروان، وكان فقيها بصيرا بالفتوى وتولّى قضاء تونس إلى أن توفى سنة ١٢٣ هـ/٧٤٠ م. ونلتقى بعده بأبى كريب عبد الرحمن بن كريب قاضى القيروان وفقيهها المستشهد فى حرب الصّفرية سنة ١٣٩ هـ/٧٥٦ م. وأخذ كثيرون من القيروانيين يرحلون إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ولقاء مالك إمام دار الهجرة: المدينة، وسماع الموطّأ منه، ولم يلبث نفر منهم أن تجردوا لحمل الكتاب، وسبق إلى ذلك على بن زياد من أبناء تونس-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-فكان أول من جلبه إلى موطنه، وأخذ يدرسه فى جامع الزيتونة، وحمله-أو أخذه عنه-كثيرون من تونس ومن القيروان ومن غيرهما، ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب توجد قطعة من روايته للموطأ فى مكتبة القيروان العتيقة، ومر بنا تعريف به فى النشأة العلمية، توفى عن سن عالية سنة ١٨٣ هـ/٧٩٩ م وذكرنا أنه كان يعاصره عبد الله بن فرّوخ، وكان أبوه خراسانيا قدم إلى القيروان فى جيوش الأمويين وسكنها وولد له فيها عبد الله، وقد حفظ القرآن ثم تتلمذ على شيوخ بلدته، حتى إذا أخذ ما عندهم اتجه إلى العراق، ونزل الكوفة وصحب الإمام أبا حنيفة مدة طويلة مكنته من أن يحمل عنه مذهبه الفقهى الحنفى، ولم يرجع إلى القيروان مباشرة بل عرّج على المدينة وسمع الإمام مالكا وهو يلقى الموطّأ، ورجع إلى القيروان، وأخذ ينشر فى طلابه فقه أبى حنيفة، توفى سنة ١٧٢ هـ/٧٨٨ م. وكان من أنبه الطلاب فى زمنه وزمن على بن زياد شاب تونسى هو أسد بن الفرات، كان أبوه خراسانيا، دخل تونس مع جيش ابن الأشعث

стр. 4367

سنة ١٤٤ هـ/٧٦١ م واستوطن تونس، وولد له فيها أسد، وفيها نشأ وحفظ القرآن، ثم اختلف إلى على بن زياد وابن فروخ، ورحل إلى الحجاز، فسمع من مالك الموطأ، ثم رحل إلى العراق فاستمع إلى أصحاب أبى حنيفة وخاصة أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيبانى ونزل الفسطاط ولزم دروس عبد الرحمن بن القاسم إمام المذهب المالكى بعد أستاذه مالك ودوّن ما سمعه عليه فى مدوّنة له تسمى الأسدية، وأخذ أسد يدرس فى القيروان مدوّنته عن ابن القاسم لطلابه، وتولّى القضاء لزيادة الله الأغلبى، فكان تارة يأخذ فى قضائه بمذهب مالك وتارة بمذهب أبى حنيفة حسب ما يتراءى له من الوجه الصحيح فى الحكم. ومعروف أنه كان القائد فى فتح صقلية، واستشهد بعد فتحه لبعض بلدانها سنة ٢١٣ هـ/٨٢٨ م. ونحن لا نصل إلى أواخر القرن الثانى الهجرى حتى يكون الطلاب فى تونس والقيروان عرفوا-معرفة جيدة-مذهب مالك عن طريق على بن زياد وأسد بن الفرات، كما عرفوا مذهب أبى حنيفة عن طريق عبد الله بن فروخ وأسد بن الفرات أيضا وإن غلب عليه مذهب مالك. ومضى المذهبان يتعايشان فى القرن الثالث الهجرى. ولكل منهما فقهاؤه، وكان مما مكّن للمذهب الحنفى فى القرن الثالث أن الأغالبة كانوا يختارون غالبا القاضى من الأحناف، كما كان يصنع العباسيون، وكانت كثرة الفقهاء فى القيروان تؤثر مذهب مالك. ونستطيع أن نميز بين فقهاء الأحناف المهمين حينئذ معمر بن منصور رفيق أسد بن الفرات فى تلمذته على عبد الله بن فروخ، ومثله سليمان بن عمران، وكان يلزم أسد بن الفرات، ومن فقهاء الأحناف أيضا لعهد زيادة الله الأغلبى الأول أبو محرز محمد بن عبد الله الكنانى، وكان هو وأسد بن الفرات شريكين فى القضاء بالقيروان، وتناظرا أمام زيادة الله فى النبيذ، فكان أسد يقول بتحريمه وأبو محرز يخالفه متابعا لرأى الأحناف وهم لا يحلّونه مسكرا وإنما قبل إسكاره. ومن فقهاء الأحناف أيضا لعهد الدولة الأغلبية عبد الله بن محمد بن الأشج، قال الخشنى فى طبقاته: كان مذهبه مذهب الكوفيين، توفى سنة ٢٨٦ هـ/٨٩٩ م. وكان يعاصره الفقيهان الحنفيان أبو العباس بن القيار، وأبو العباس بن عبدون القاضى، ويقول الخشنى عنه: «كان حافظا لمذهب أبى حنيفة، ولاه إبراهيم بن أحمد (الأغلبى) القضاء ثم عزله» توفى سنة ٢٩٧ هـ/٩٠٩ م. ومنذ استولت الدولة العبيدية على القيروان من الأغالبة أخذ المذهب الحنفى يقل فقهاؤه ولما انتهت تلك الدولة أخذ المذهب المالكى فى الغلبة عليه حتى إذا كان المعز بن باديس وحمل الناس والفقهاء على مذهب مالك دون غيره من المذاهب إرضاء للجماهير فى رعيته قلّ فى القيروان وإفريقية التونسية من يعنى بالمذهب الحنفى، ونستطيع أن نذكر منهم فى أوائل عهد الدولة الحفصية محمد الزناتى إذ يقول صاحب الحلل السندسية إنه كان إماما فى المذهب الحنفى. ويعود المذهب الحنفى إلى ما كان له من الازدهار فى زمن الأغالبة أيام الحكم العثمانى، وبعبارة أدق منذ عهد يوسف داى (١٠٠٨ هـ/١٥٩٩ م-١٠٤٧ هـ/١٦٣٧ م) إذ

стр. 4368

أصبح قاضى القضاة أو رئيسهم حنفيا، وسمّى فيما بعد شيخ الإسلام، ولم يكن حكم للقاضى المالكى ينفذ إلا إذا وافق عليه القاضى الحنفى، وتبع ذلك أن أخذ المذهب الحنفى يدرس فى تونس بالمدرسة الشماعية وغيرها. ومن مشايخ الحنفية فى القرن الحادى عشر الهجرى بالعهد العثمانى ممن ذكرهم ابن أبى دينار فى آخر كتابه «المؤنس» محمد بن شعبان إمام جامع يوسف داى، وأبو الحسن كرباصة المدرس بالمدرسة الشماعية، ويتكاثر بتونس فقهاء الأحناف منذ هذا التاريخ، ويضيف حسين خوجة فى كتابه: بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان جعفر كرباصة. وتنقطع أخبار من ينتمون إلى مذهب الشافعى، ويذكر عن سعيد بن الحداد الفقيه والمتكلم الكبير المارّ ذكره المتوفى فى مطلع القرن الرابع الهجرى أنه بدأ حياته مالكيا، ثم تحول إلى مذهب الشافعى ثم عاد إلى المذهب المالكى. وكان المذهب المالكى قد أخذ فى الازدهار بالقيروان وإفريقية التونسية منذ مؤسسه أسد بن الفرات بما كان يلقى على الطلاب من مدوّنته الأسدية عن عبد الرحمن بن القاسم إمام المالكية بالفسطاط وكان يعاصره سحنون تلميذ على بن زياد، وقد أخذ عن أسد بن الفرات مدوّنته وحملها معه إلى ممليها عليه عبد الرحمن بن القاسم، وقرأها عليه، فأصلح له جوانب فيها، وعاد بها سحنون إلى القيروان، وأخذ يملى هذه الصورة الجديدة من المدوّنة على الطلاب وجاءوه من كل فجّ حتى قالوا إنه تخرج على يديه سبعمائة فقيه. ونسبت المدوّنة إليه-وكان ينبغى أن تنسب إلى عبد الرحمن بن القاسم-إذ أصبح اسمها مدوّنة سحنون، وطارت شهرتها فى بلده والبلدان المغربية جميعا. وهو أول من أقام نظام الحسبة فى القيروان حين تولى قضاءها سنة ٢٣٤ هـ/٨٤٨ م إلى وفاته سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م وخلفه فى حلقته ابنه محمد المتوفى سنة ٢٥٦ هـ/٨٦٩ م ويذكر مترجموه له تآليف مختلفة ومرّ بنا كتابه: «آداب المعلمين». وكان يعاصره محمد بن إبراهيم بن عبدوس المتوفى سنة ٢٦٠ هـ ا ٨٧٣ م وكان جيد القريحة غزير الاستنباط، وله كتاب فى شرح مسائل مدونة سحنون، ويقال إنه لما تصفّح محمد بن عبد الله بن عبد الحكم إمام المالكية فى الفسطاط بعد ابن القاسم كتابه وبعض كتب محمد بن سحنون قال فى كتاب ابن عبدوس: هذا كتاب رجل أتى بعلم مالك على وجهه، وقال فى كتاب لابن سحنون هذا كتاب رجل سبح فى العلم سبحا. ونلتقى بعدهما بيحيى بن عمر الكنانى المتوفى سنة ٢٨٩ هـ/٩٠١ م وكان فقيها، وله كتاب فى الرد على الإمام الشافعى، وكتاب ثان فى الحسبة بعنوان: «أحكام السوق» وهو منشور. وحين استولى العبيديون على القيروان اضطهدوا فقهاء المذهب المالكى إذ حاولوا نقلهم من المذهب المالكى السنى إلى مذهبهم الإسماعيلى فعارضوهم، وناظروا دعاتهم مناظرات حادة، وكان من أهم المعارضين لهم والمناظرين المجادلين لدعاتهم محمد بن اللباد رئيس المالكية وإمامهم

стр. 4369

بالقيروان، فسجنوه فترة، ثم ردوا إليه حريته على أن يلزم بيته ولا يلقى الطلاب فى جامع عقبة، فكان يلقاهم فى بيته كما مرّ بنا إلى أن توفى سنة ٣٣٣ هـ/٩٤١ م وله مصنفات مختلفة منها كتاب فى الطهارة وكتاب فى فضائل مالك. وانحسرت غمة العبيديين عن القيروان سنة ٣٦١ هـ/٩٧١ م برحيل المعز العبيدى إلى مصر. ولمع سريعا تلميذ لابن اللباد، هو عبد الله بن أبى زيد المتوفى سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٦ م وإليه انتهت رياسة المالكية بالقيروان والبلاد المغربية، وإليه رحل الطلاب من جميع آفاق المغرب، ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب إنه يعد المجدّد للسنة ولمذهب مالك فى المغرب بعد انحسار حركة التشيع، وله الرسالة الجامعة لعقيدة أهل السنة ردّ بها على الشيعة ولها شروح كثيرة، وله كتاب النوادر والزيادات على مدوّنة سحنون، ويقول ابن خلدون: «جمع فيها ابن أبى زيد جميع ما فى الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال». ومن تلاميذه أبو الحسن القابسى المار ذكره بين المحدثين. ونلتقى بعده بأبى عمران الفاسى المتوفى سنة ٤٣٠ ثم بأبى إسحاق إبراهيم التونسى المتوفى بمنتصف القرن الخامس وله شرح على المدونة باسم التعليقة، كما نلتقى بأبى الحسن اللخمى المتوفى سنة ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م وله كتاب التبصرة. ويلقانا بعده الإمام المالكى الحافظ المازرى محمد بن على الصقلى المذكور بين المحدثين، ويقول ابن فرحون عنه: إمام أهل إفريقية والمغرب، وصار الإمام لقبا له، فلا يعرف بغير الإمام المازرى، درس الفقه والأصول وله فيهما كتب قيمة. وفى أواسط القرن السادس الهجرى استولى عبد المؤمن على الاقليم التونسى ولم يحاول -فيما يبدو-نشر المذهب الظاهرى مذهب دولته فيه، واكتفى بأن يذكر فى خطبة الجمعة اسمه أو اسم المهد ابن تومرت زعيم دولته ولذلك ظل المذهب المالكى مسيطرا ولا نسمع عمن اتبعوا المذهب الظاهرى فى عهدهم وعهد الدولة الحفصية التى خلفتهم إلا عن بعض أفراد اعتنقوا المذهب الظاهرى من حين إلى حين. ومن كبار فقهاء المالكية فى القرن السابع الهجرى الحافظ الفقيه عبد العزيز القرشى المعرو بابن بزيزة المذكور بين المفسرين ومن أهم تلاميذه أبو القاسم بن أبى بكر المعروف بابن زيتون قاضى تونس فى صدر الدولة الحفصية المالكى المتوفى سنة ٦٩١ هـ/١٢٩١ م وهو محرر عقد الصلح بين المستنصر والجيش الفرنسى بعد موت لويس التاسع تحت أسوار قرطاجنة سنة ٦٦٩ هـ/١٢٧١ م. وفى أواخر هذا القرن السابع وصل من القاهرة كتاب مختصر ابن الحاجب فى الفقه المالكى وشغل بشرحه علماء البلدان المغربية. ونلتقى فى القرن الثامن بمحمد بن عبد السلام الهوارى مجدد الحركة الفقهية كما يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب وشيخ الجيل التالى المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م المتولى قضاء الجماعة، له شرح لمختصر ابن الحاجب يعد من أهم شروحه، كما يقول ابن فرحون، ومن أنبغ تلاميذه ابن خلدون المؤرخ والفقيه المالكى الكبير، وسنترجم له بأخرة ن هذا الكتاب، ومن أنبغهم أيضا محمد بن عرفة الورغمى

стр. 4370

المتوفى سنة ٨٠٣ هـ/١٤٠٠ م، شيخ شيوخ عصره، كما يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب، ويفتتح ابن فرحون ترجمته بقوله: «هو الإمام العلامة المقرئ الفروعى الأصولى البيانى المنطقى شيخ الشيوخ، وبقية أهل الرسوخ، وله تآليف منها تقييده الكبير فى المذهب المالكى فى نحو عشرة أسفار، أقبل الناس على تحصيله شرقا وغربا». ومن تلاميذه فى القرن التاسع الهجرى محمد بن عمر الأبّى المذكور بين المفسرين والمحدّثين، وله فى الفقه شرح على مدوّنة سحنون. طبيعى أن يتراجع ازدهار دراسات الفقه المالكى فى العهد العثمانى، وخاصة منذ عد يوسف داى فى النصف الأول من القجن لحادي عشر الهجرى، إذ أصبح رئيس القضاة حنفيا، وأصبح حكم القاضى المالكى لا ينفذ إلا بعد مصاده عليه، ويذكر ابن أبى دينار فى آخر كتابه المؤنس من فقهاء المالكية بالقرن الحادى عشر محمد فتاتة المدرس فى جامع الزيتونة، ومثله سعيد الشريف وعبد القادر الجبالى، وتظل دراسة الفقه المالكى ناشطة فى جامع الزيتونة إلى العصر الحديث. ويضيف حسين خوجه فى كتابه ذيل بشائر أهل الايمان بفتوحات آل عثمان: سعيد الشريف ومحمد الحجيّج وله حاشيتان على مختصر خليل فى الفقه. ومن يقرأ كتب تراجم العلماء والفقهاء-منذ القرن الثانى الهجرى يشعر كأنما كانت القيروان مرآة للمذاهب الكلامية التى نشأت فى العراق، إذ كانت مبادئها ونظرياتها تثار فى القيروان، ويتحاور فيها ويتجادل كثيرون، ومن أوائل ما كان من ذلك الجدل فى مبادئ الخوارج، وخاصة مبادئ الإباضية والصّفرية التى اعتنقها كثيرون من أهل المغرب-منذ أوائل القرن الثانى الهجرى-وكانت قد اقترنت بهما فى المشرق فكرة المسلم مرتك الكبيرة أما الصفرية فذهبت إلى الحكم عليه بالكفر وغالت فى سفك الدماء كما مر بنا فى الفصل الماضى، وقالت الاباضية إنه كافر نعمة لا كافر ملة وحكمت عليه بأنه مسلم عاص ولم تعدّ دار المسلمين -مثل الصفرية-دار حرب، وذهب أهل السنة من المالكية وغيرهم إلى أنه مسلم فاسق، وذهبت المرجئة إلى إرجاء الحكم عليه لربه يوم القيامة، كما ذهبت إلى أنه يكفى فى الإيمان القول أى التلفظ بالشهادتين، ولا ضرورة فيه للعمل، وهو أداء الفروض الدينية، بينما أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل، فمن لم يؤدّ الصلاة والفروض الدينية لا يعد مسلما. ويروى أبو العرب فى ترجمة يحيى بن سلام المتوفى سنة ١٧٥ للهجرة والمذكور بين المفسرين أنه كانت تجرى مناقشات بمجلسه فى الإرجاء. وكان مذهب الاعتزال والمعتزلة قد ازدهر بالمشرق فى القرن الثانى الهجرى وتجادل أهل البصرة وبغداد طويلا ومبادئه الخمسة المشهورة وهى القول بالوحدانية وبأن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين الإيمان والكفر، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالعدل على الله وأنه يعمل الأصلح لعباده، وأنه منفذ-لا بد-وعده ووعيده.

стр. 4371

وينتقل هذا المذهب إلى القيروان ويتجادل أهل السنة مع معتنقيه، وفى خبر عند أبى العرب، أنه كان للمعتزلة بالقيروان سقيفة يجتمعون فيها، وتوقف شخص بإزائهم وهم يتجادلون يستمع إليهم. وإذا مضينا إلى القرن الثالث وجدنا محنة خلق القرآن التى امتحن بها الفقهاء من أهل السنة فى عصور المأمون والمعتصم والواثق ينتقل الجدل والحوار فيها إلى القيروان، فمنهم من يقول إن القرآن-كما قال أهل السنة-قديم، ومنهم من يقول-كما قال المعتزلة-إنه حادث مخلوق غير قديم. ويذكر أبو العرب فى طبقاته مناظرة حدثت أيام زيادة الله الأغلبى (٢٠١ - ٢٢٣ هـ) عن خلق القرآن كان الجعفرى يقول فيها إنه غير مخلوق، والعنبرى يقول إنه مخلوق. وفى طبقات أبى العرب أنهم كانوا يتجادلون كثيرا فى التشبيه على الذات العلية. واتسع الجدل فى ذلك كله بجامع عقبة، إذ كان لكل فرقة ممن ذكرناهم حلقة يجتمعون فيها ويتجادلون جدلا كثيرا. وكان أهل السنة يضيقون بهذا الجدل وما يحدثه من جلبة وضوضاء فى جامع عقبة حتى إذا تولّى سحنون قضاء القيروان سنة ٢٣٤ هـ/٨٤٨ م «فرّق-كما يقول مترجموه- حلقات أهل البدع منهم فى المسجد الجامع وشرد أهل الأهواء وكانوا فيه حلقا: من الخوارج: صفريّة وإباضية ومعهم معتزلة، يتناظرون ويظهرون زيفهم. . وأمرهم أن لا يجتمعوا فيه» وقد أتاح هذا الجدل الواسع للمعتزلة وغيرهم فى القيروان حركة جدلية واسعة، حتى ليصف أبو العرب والخشنى فى طبقاتهما غير واحد بأنه كان من الجدليين المناظرين الذين يعرفون كيف يدفعون الخصوم بالحجج والبراهين الساطعة، ولم يصفا بذلك المعتزلة أو كما يسميانهم أحيانا العراقيين بل يصفان بذلك كثيرين من أهل السنة. ومن كبار متكلميهم المجادلين عن عقيدتهم المفحمين لخصومهم أبو عثمان سعيد بن محمد المشهور بابن الحداد رأس المدرسة الكلامية بالقيروان كما يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب وقال الخشنى فى طبقاته: غلب عليه الكلام والجدل والمناظرة. . وله مقامات كريمة ومواقف محمودة فى الدفاع عن الاسلام والذّبّ عن السنة» ويصفه المالكى فى رياض النفوس بأنه كبير المناضلين عن السنة وكانت له مجالس كثيرة مع أهل العراق (يريد المعتزلة) القائلين بخلق القرآن من أهل القيروان، ويسوق الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب من هذه المجالس مجلسا تحاور فيه مع عبد الله بن الأشج فى خلق القرآن وأسكته وقطعه، ولما سلّط عبيد الله المهدى داعيته أبا العباس المخطوم لجدال فقهاء القيروان ومحاولته إقناعهم بمبادئ دعوتهم الإسماعيلية كان أكبر من تصدّى من أهل السنة له ولغيره من دعاتهم فى أربعين مجلسا سجل منها الخشنى فى طبقاته أربعة مجالس ونسوق مثالا من هذه المجالس، فقد سأله أبو العباس المخطوم هل يجوز تقديم المفضول (أى أبى بكر وعمر فى الخلافة) على الأفضل (أى على) فأجابه بمقال من القرآن هو قوله تعالى: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ﴾

стр. 4372

اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ يريد أنه فضله على النبى، والنبى أفضل منه، ودليل آخر ذكره من السنة وهو أن الرسول ﷺ أمّر على جيش عمرو بن العاص فكان يقسم الفيئ (الغنائم) ويأمر وينهى فيطاع ويصلى بهم الصلوات. وتحت يديه فى الجيش أبو بكر وعمر وهما جميعا أفضل منه». وعلى هذا النحو كان سعيد بن الحداد يجيب أبا العباس المخطوم ويحاوره حوارا مخرسا بأدلة قرآنية وأحاديث نبوية، ويضيف إلى ذلك حججا منطقية دامغة مما يجعله من كبار المتكلمين المدافعين عن عقيدة السنة لا فى القيروان وحدها. بل فى العالم الإسلامى جميعه. وإذا كانت القيروان عرفت المذاهب المبكرة فى العراق للمعتزلة وغيرهم فإنها عرفت مذهب الأشعرى الذى أخذ فى الانتشار منذ القرن الرابع الهجرى حمله إليها أبو الحسن القابسى المذكوريين المحدثين، والمتوفى سنة ٤٠٣ ومعروف أن للأشعرى نظرات دقيقة فى التوسط بين القائلين بالجبر وأن حرية الإنسان معطلة وبين القائلين من المعتزلة بالاختيار وحرية الإنسان فى إرادته، وأيضا بين أهل السنة من مثل ابن حنبل القائلين بأن القرآن قديم والمعتزلة القائلين بأنه محدث مخلوق وقد أوضحنا مذهبه فى حديثنا عنه فى كتابنا: «العصر العباسى الثانى». ومن كبار الأشعريين القيروانيين محمد بن عتيق التميمى القيروانى أخذ علم الكلام بالقيروان عن أبى عبد الله بن الحسين بن حاتم صاحب أبى بكر بن الباقلانى (الأشعرى) ورحل إلى بغداد ودرس بها علم الكلام بالمدرسة النظامية، وقال السلفى كان مشارا إليه فى علم الكلام قال لى أنا أدرس علم الكلام منذ سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة توفى سنة ٥١٢ هـ/١١١٨ م. ولعل فى كل ما قدمت ما يدل-بوضوح-على أن علماء القيروان استوعبوا جميع المذاهب الكلامية الشرقية، وعمّ المذهب الأشعرى هناك منذ القرن الخامس الهجرى. ٥ - التاريخ (١) منذ الحقب الأولى فى العهود الإسلامية يعنى أهل إفريقية التونسية بكتابة التاريخ، وأول

стр. 4373

مؤرخ نلتقى به عيسى بن أبى المهاجر، حفيد أبى المهاجر والى إفريقية التونسية والمغرب (٥٥ - ٦١ هـ) توفى بأواخر القرن الثانى الهجرى، وله كتاب مغازى إفريقية، وهو مفقود غير أن المؤرخين بعده ينقلون عنه نقولا مستفيضة على نحو ما نجد فى طبقات علماء إفريقيا وتونس لأبى العرب. والمؤرخ الثانى بعده عبد الله بن أبى حسان اليحصبى المتوفى سنة ٢٢٢٧ هـ/٨٤١ م وله كتاب فى أخبار إفريقية وحروبها ولمحمد بن زيادة الله الأغلبى المتوفى سنة ٢٨٣ هـ/٨٩٦ م كتاب فى دولتهم الأغلبية، ولأبى على بن الوكيل القيروانى المتوفى سنة ٣١٠ هـ/٩٢٢ م كتاب فى تاريخ إفريقية. وكل هذه الكتب التاريخية مفقودة. ولجعفر بن على الحاجب كتاب فى سيرة المهدى الفاطمى ومن كتب التاريخ التى يظن أنها كتبت قبل انتقال العبيديين الفاطميين إلى مصر أو بعد انتقالهم مباشرة سيرة الأستاذ جوذر وافتتاح الدعوة الفاطمية والمجالس والمسايرات للقاضى النعمان القيروانى العبيدى، ومن الكتب التاريخية العبيدية كتاب لأحمد بن الجزار الطبيب القيروانى المشهور المذكور بين الأطباء وهو كتاب باسم تاريخ الدولة يريد الدولة العبيدية. ومن الكتب المهمة كتاب طبقات علماء إفريقية وتونس لأبى العرب محمد بن تميم القيروانى المتوفى سنة ٣٣٣ هـ/٩٤٤ م وهو منشور بتونس، ونلتقى بعده بكتاب طبقات علماء إفريقية لمحمد بن الحارث بن أسد الخشنى المتوفى سنة ٣٦١ هـ/٩٧١ م وهو مكمل لسالفه ومطبوعان معا بدار الكتاب اللبنانى ببيروت، وللرقيق القيروانى صاحب ديوان الرسائل فى عهد باديس الصنهاجى وابنه المعز المتوفى حول سنة ٤٢٠ هـ/١٠٢٩ م كتاب مهم فى تاريخ إفريقية والمغرب، وهو مفقود سوى قطعة منه نشرها د. منجى الكعبى بتونس تؤرخ لنحو قرن وربع من ولاية عقبة بن نافع إلى ولاية عبد الله الأغلبى وهو ابن إبراهيم مؤسس الدولة الأغلبية، ويلقانا بعده كتاب أنموذج الزمان فى شعراء القيروانى لابن رشيق المتوفى سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٣ م ومر بنا حديث عنه بين النقاد، وكان يعاصره أبو بكر عبد الله بن أبى عبد الله المغلكى المتوفى سنة ٤٤٩ هـ/١٠٥٧ م وله الكتاب البديع: رياض النفوس فى طبقات علماء القيروان وإفريقية وزهادهم وعبادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم، ويقدم فى أوائله قصة الفتح العربى فى أفريقية كاملة معتمدا فى الأكثر من رواياته على المؤرخين القيروانيين السابقين له، وفى نهاية كل طبقة من العلماء والفقهاء يفرد فصلا لأهل العبادة والنسك، طبع القسم الأول منه فى القاهرة وطبع القسم الثانى فى تونس. ومن أهم كتب التراجم القيروانية والتونسية بعده كتاب معالم الإيمان فى معرفة أهل القيروان لعبد الرحمن بن محمد الأنصارى المعروف بالدباغ المتوفى سنة ٦٩٦ هـ/١٢٩٦ م وهو يعتمد

стр. 4374

على المالكى إلى حد كبير وأكمله بإضافات وتعليقات أبو الفضل بن عيسى بن ناجى التنوخى المتوفى سنة ٨٣٩ هـ/١٤٣٦ م والكتاب وإضافات ابن ناجى مطبوعان معا. وللتجانى عبد الله بن محمد المتوفى بعد سنة ٧١٧ هـ/١٣١٧ م رحلة مشهورة مطبوعة بتونس تجول فيها مع أبى يحيى اللحيانى قبل سلطنته فى البلاد التونسية حتى أقصى الجنوب وغربا حتى طرابلس وهو فيها يدون أخبار البلاد وأوصافها وعلماءها وعبادها بحيث أصبحت الرحلة تاريخا علميا وأدبيا واجتماعيا للبلدان التونسية فى مطالع القرن الثامن الهجرى. ولأبى محمد عبد الله بن عبد البر التنوخى المتوفى سنة ٧٣٧ هـ/١٣٣٧ م تاريخ مرتب على السنين مثل الطبرى. وليحيى بن خلدون المتوفى سنة ٧٨٠ هـ/١٣٧٨ م كتاب بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد بتلمسان حتى زمنه. ولعبد الرحمن بن خلدون أخيه المتوفى سنة ٨٠٨ هـ/١٤٠٥ م تاريخه المشهور «العبر» وبه جزءان عن البربر بإفريقية التونسية والبلاد المغربية وبهما معلومات تاريخية طريفة عنهم وعن شعوبهم وقبائلهم ودولهم ينفرد بها لأخذه من مصادر مغربية لم يطلع عليها سواه. ولأبى العباس أحمد بن الشماع المعروف بابن الهنتاتى المتوفى فى أواخر القرن التاسع الهجرى كتاب عن الدولة الحفصية باسم الأدلة البينة النورانية على مفاخر الدولة الحفصية ألفه فى أواخر سنة ٨٦١ هـ/١٤٥٧ م وللزركشى كتاب تاريخ الدولتين الموحدية والحفصة وينتهى به فى تاريخ الدولة الحفصية إلى سنة ٨٨٢ هـ/١٤٧٧ م، ولابن أبى دينار الذى كان حيا سنة ١١١٠ هـ/١٦٩٩ م كتابه النفيس: «المؤنس فى أخبار أفريقية وتونس، ولحسين خوجه المتوفى سنة ١١٤٥ هـ/١٧٣٢ م ذيل بشائر أهل الايمان بفتوحات آل عثمان وهو ترجمات لعلماء البلدان الكبيرة: القيروان وصفاقس وجربة وسوسة وتوزر وباجة، وخصّ تونس بالترجمة فيها لاثنين وأربعين عالما دينيا. ولمحمد بن السراج المتوفى سنة ١١٤٩ هـ/١٧٣٦ م الحلل السندسية فى الأخبار التونسية يعنى فيه بالحديث عن المدن التونسية وعلمائها وأدبائها بادئا بمدينة سوسة.

стр. 4375

الفصل الرّابع نشاط الشعر والشعراء ١ - تعرب القطر التونسى كان البربر ينتشرون قديما فى جميع الأراضى الممتدة غربى مصر من واحة سيوه إلى المحيط الأطلسى، وكانوا يتكلمون لهجات بربرية شتى ردّها علماء الأجناس واللغات القديمة إلى أصلين: ليبى فى شرقى تلك الأراضى ونوميدى فى أواسطها وغربيها، وهى لهجات تتحد جنسا وتتفاوت فيما بينها بحيث يصعب التفاهم بين سكان منطقة فى ليبيا كسكان جبل نفوسة وسكان منطقة فى الإقليم التونسى كسكان منطقة الجريد فضلا عن سكان المغرب الأوسط فى الجزائر والمغرب الأقصى فى المملكة المغربية. ونزل الفينيقيون-كما مرّ بنا-بساحل تونس، أو بعبارة أدق أخذوا يرودونه منذ أواخر الألف الثانى قبل الميلاد، وكوّنوا لهم غربى مدينة تونس الحالية مدينة قرطاجة حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، ولعبت تلك المدينة فى المنطقة-كما أسلفنا-دورا حضاريا عظيما إلى أن دحرها الرومان واستولوا عليها فى أواسط القرن الثانى قبل الميلاد، ونشروا بالمنطقة لغتهم اللاتينية كما نشروا بها المسيحية حين اعتنقوها، وتهديهم إمبراطورا عظيما هو سبتيموس سيفيروس Septimus Severus وكاتبا بارعا هو آبولى Abule? e كما تهديهم بعض القديسين مثل ترتوليان. Tertulien وتظل المنطقة تابعة لروماستة قرون طوال، وكانت تتبعها أيضا بقية الساحل الإفريقى من برقة إلى المحيط الأطلسى، مما جعل اللاتينية تسود فى كل تلك المناطق سواء فى شئون الحكم الرسمية أو فى شئون الدين ولذلك اضطر كثيرون من البربر فى تونس وغيرها من الأقاليم المغربية أن يتعلموا اللاتينية ويتقنوها تحدثا وكتابة. وقد نزلها الواندال الجرمانيون سنة ٤٣٩ وظلوا بها مائة عام يدمرون كل ما بها من مظاهر الحضارة والعمران إلى أن خلعتها منهم بيزنطة، وحاولت تنشر بها اليونانية غير أن اللاتينية ظلت هى اللغة المسيطرة على الألسنة وفى شئون الدين إلى أن فتحها العرب، وظلت فترة غير قليلة متداولة وخاصة فى قرطاجة وما حواليها، ونراها لا تزال حية على بعض الألسنة فى قفصة جنوبى الاقليم التونسى

стр. 4376

فى القرنين السادس والسابع الهجريين كما يحدثنا عن ذلك الإدريسى والتجانى فى رحلته، وإن كان من المؤكد أنه أصابها حينئذ غير قليل من التحريف بسبب اختلاط المتكلمين بها بسكان تلك المنطقة البربرية ولغتها. وعلى الرغم من القرون المتطاولة التى عاشت فيها اللغة الفينيقية المتحضرة بالإقليم التونسى والقرون الأخرى التى عاشت فيها اللاتينية المتحضرة بهذا الإقليم وأتقنها كثير من البربر تكلما وكتابة على الرغم من ذلك لم تتحوّل اللغة البربرية-لا فى تونس ولا فى أى إقليم آخر-إلى لغة متحضرة أيام الفينيقيين بحيث أصبح لها حروف استحدثها البربر يكتبونها بها، ومن ثمّ لم يتركوا قبل الإسلام أى أثر كتابى بلغتهم البربرية يمكن منه التعرف الدقيق على تاريخهم القديم، وقد رجع العرب فى معرفته إلى الكتب والكتابات اللاتينية، ومما يؤكد ذلك أننا نجد يامبسال ملك نوميديا البربرى أيام الفينيقيين يحرر كتبه باللغة الفينيقية لغة قرطاجة، كما نجد بين ملوكها أيام الرومان من يحرر كتبه باللاتينية أو الإغريقية، فلم تكن البربرية-قبل الفتح العربى الإسلامى-إذن لغة حضارية وكان كثيرون من البربر يعرفون اللاتينية كما أسلفنا وقد أخذت اللغتان تزايل ألسنة أهلهما وتحل محلهما العربية فى تونس وغير تونس من أقاليم المغرب مع اعتناق السكان الإسلام واختلاطهم بالعرب عن طريق المصاهرة والمعايشة معهم، وخاصة فى المدن التى نزلوها، إذ كان سكانها-لذلك-أسرع فى التعرب من سكان القرى الريفية والجبال والنجاد والبوادى، وكانوا يعدون فى الإقليم التونسى وغيره بالآلاف، وقد بلغ عدد الجنود الفاتحين فى عهد الأمويين وأوائل عهد العباسيين نحو مائة وخمسين ألفا سوى من كان يرافقهم من النساء والأطفال، ومما يذكر-بالثناء الجم-للفاتحين فى العهود الإسلامية الأولى أنهم لم يكونوا غزاة يجمعون غنائم الفتوح، كما يحاول المستشرقون أن ينعتوهم، بل كانوا ناشرين للدين الحنيف، وتسلّل منهم-كثيرون من مدن الإقليم التونسى وغيره من الأقاليم المغربية-إلى القرى والجبال والبوادى يدعون إلى دين الله بحمية وحماسة بالغة. وقد جعلت تعاليم الدين الحنيف السامية وما يدعو من إخاء وتسامح ومعاملة حسنة شعوب البربر تقبل عليه، وخاصة بعد ما رأوه يرفع عن كواهلهم ظلم الأمم السالفة التى كانت تعتصر لنفسها خيرات بلادهم وترهقهم بالضرائب الفادحة، مما دفع البربر-وخاصة فى المدن-إلى الدخول فى الدين الحنيف ومرّ بنا أن قبيلة بربرية-هى قبيلة أوربة-اعتنقت الإسلام فى عهد عقبة بن نافع حوالى سنة ٦٠ للهجرة. وكان البربر الذين أسلموا يقبلون على حفظ كثير من آى الذكر الحكيم واستظهار بعض الأحاديث النبوية، وكانوا يتلقّنون ذلك فى كتاتيب أخذت تنشأ سريعا فى المدن وبعض القرى الكبيرة، كما كانوا يتلقّنونه فى حلقات كثيرين ممن

стр. 4377

كانوا يعتلون بالمساجد منصات محاولين أن يعلّموا الناس بعض تفسير القرآن شارحين لهم بعض الأحاديث النبوية مع التعرّض لجوانب من تعاليم الدين الحنيف، وأخذ كثيرون فى البوادى وسفوح الجبال يسعون إلى حفظ الذكر الحكيم كما مرّ بنا فى الحديث عن الثقافة وشغف عمر بن يمكتن بحفظ القرآن ومراجعته فيه الجنود العرب المارّين بمنطقته حتى حفظه جميعه. ومن المؤكد أن المدن التونسية-كما أسلفنا-أخذت فى التعرب سريعا عن طريق من نزلها من الجنود العرب طوال القرن الأول الهجرى بعد الفتح وشطرا من القرن الثانى، فهى لم تنتظر طويلا حتى يتم لها التعرب. ومما لا ريب فيه أن القيروان التى أنشأها عقبة بن نافع فى منتصف القرن الأول الهجرى لتكون معسكرا لجيشه كانت عربية خالصة منذ إنشائها، وتبعتها فى التعرب مدن تونس وسوسة وصفاقس وقابس، بحيث لا تمضى طويلا فى القرن الثانى الهجرى حتى تصبح مدنا عربية خالصة، أما فى الداخل والبوادى والجبال فقد ظل يغلب على الناس التخاطب بالبربرية طوال القرون الأربعة الأولى للهجرة. وما نكاد نصل إلى منتصف القرن الخامس للهجرة حتى يأخذ الإقليم التونسى فى إكمال تعربه، إذ اكتسحته موجات من قبائل هلال وسليم وزغبة ورياح بأمر الخليفة الفاطمى المستنصر بالقاهرة-كما مر-للقضاء على دولة المعز بن باديس الصنهاجى انتقاما منه لخلعه تبعية بلاده للدولة الفاطمية الإسماعيلية الشيعية وإعلانه استقلاله وعودة الإقليم التونسى إلى مذهب أهل السنة. واستطاعت هذه الموجات البدوية الكثيفة أن تلجئه مع أسرته للمقام بمدينة المهدية وأن تجتاح القيروان وكل الإقليم التونسى بمدنه ووديانه وجباله وبواديه، وكانوا يبلغون نحو نصف مليون نسمة وامتزجوا بالبربر وتكوّن من الشعبين شعبا عربيا تام العروبة فى اللغة والدين والزى والمطعم والعادات والأخلاق والمآتم والأعراس، واجتاحوا البلاد بإبلهم وخيلهم ورجلهم ونهبوا خيراتها عشرات من السنين، ومع كل ذلك حملوا إلى كل أنحاء الإقليم التونسى وأطرافه النائية اللغة العربية وفرضوها على البربر فرضا عن طريق الامتزاج بهم ومصاهرتهم، حتى ليقول ابن خلدون-كما مر بنا فى الفصل الماضى-عن قبيلة هوارة البربرية التونسية إنهم «صاروا فى عداد الناجعة (بنى هلال وسليم) فى اللغة وسكنى الخيام وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين فى الشتاء والصيف فى تلالهم، وقد نسوا رطانة البربر واستبدلوا بها فصاحة العرب فلا يكاد يفرّق بينهم» فهم قد أصبحوا-بفضل هذه الموجات البدوية من بنى سليم وهلال وزغبة-عربا فى العادات وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وما ينساق فى ذلك من الملبس والمطعم والأفراح والاتراح والسلوك والأخلاق، ويقول ابن خلدون إن رطانة البربر زايلت ألسنتهم وحلت مكانها الفصحى، ونراه يقول فى موضع آخر عن

стр. 4378

هوارة إنهم «تبدّوا-مع الأعراب-ونسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعارهم فى جميع أحوالهم». ولم تتبدّ هوارة التونسية أو تتعرب وحدها فى الإقليم التونسى، بل تعرب الإقليم جميعه من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فى خلال قرن بل يزيد، إلى أن استولى على الإقليم زعيم دولة الموحدين المغربية عبد المؤمن بن على، ولكن هل العربية التى حملتها قبائل هلال وسليم وزغبة إلى الإقليم التونسى هى الفصحى أو هى عربية دارجة عامية؟ ونرجح أنها الفصحى، ويدل على صحة رأينا أن القبائل من سليم وهلال وزغبة كانت قد انضوت تحت لواء الأعصم القرمطى حين غزا الشام ومصر سنة ٣٦٠ للهجرة ورأى الخليفة الفاطمى العزيز-حين صالحه-أن ينزلها فى صعيد مصر، وحوّلهم بعده الخليفة الفاطمى المستنصر إلى تونس لضرب المعز بن باديس كما أسلفنا، وكانت الجزيرة العربية مصدرها لا يزال سكانها يحافظون على الفصحى بشهادة الجوهرى فى مقدمة معجمه الصحاح إذ يقول إنه أخذ اللغة عن أهلها مشافهة، وإنه طوّف فى بلاد ربيعة ومضر، ونجد الباخرزى فى كتابه دمية القصر المؤلف فى منتصف القرن الخامس الهجرى يترجم لشعراء كثيرين من قبائل نجدية شتى وينشد من أشعارهم، مما يدل على أن الفصحى كانت لا تزال حية بعد مغادرة بنى سليم وهلال للجزيرة بنحو قرن، ويبدو أنها ظلت حية فى الجزيرة العربية قرونا بعد ذلك، فإن عمارة اليمنى يشهد-كما مر بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة-بأن تهامة والبوادى وأهل الجبال فى اليمن-لعصره بالقرن السادس الهجرى-كانوا يتكلمون الفصحى ولا يلحنون فى كلامهم. ومما لا شك فيه-إذن-أن قبائل بنى سليم وهلال التى نزلت مصر وتركتها إلى ليبيا وتونس وما وراءهما من بلاد المغرب لم تكن تنطق عربية مولّدة أو عربية عامية، إنما كانت تنطق عربية فصيحة، ومن الخطأ أن يتشكك بعض الباحثين فى صفاء عربيتهم مستدلا على رأيه بشعر القصص الهلالية المعروفة التى تحكى مغامرات أبى زيد الهلالى فى شعر شعبى يختلف فى صياغته-قليلا أو كثيرا-عن صياغة الشعر العربى الكامل الفصاحة فضلا عما يجرى فيه من خلل الإعراب، غير أن هذا القصص نشأ فى عصور متأخرة، حين أخذت لهجات شعبية تشيع فى ألسنة أهل تونس وغيرها، ومما يؤيد رأينا أن نجد ابن خلدون ينشد قصيدة بديعة لأحد رؤساء قبيلة عوف من بنى سليم، وكانت تستولى على ما بين قابس وسوسة، وهو عنان بن جابر، وكان أبو زكريا مؤسس الدولة الحفصية قد أوغر الصدور بين قبيلته وقبيلة علاق، فنشبت بينهما معارك ضارية، وأغضب ذلك من أبى زكريا عنان بن جابر فرحل بقبيلته إلى صحراء المغرب الأوسط (الجزائر) فكتب إليه محمد بن أبى الحسين وزير أبى زكريا قصيدة يعاتبه فيها على هجرته عن وطن آبائه، ويدعوه إلى العودة إليه، ثم كتب إليه قصيدة ثانية، فرد عليه عنان محزونا لما اضطر إليه من فراق موطنه، وفيها يتحدث عن بسالة قبيلته فى الحروب بمثل قوله:

стр. 4379

وكنّا إذا ما الجيش صفّت جنوده ... ترانا على خيل عتاق ضوامر نخوض وغاها والقنا تقرع القنا ... بكل حسام مشرفي وباتر ونسج القصيدة جزل متين، وهى معربة إعرابا تامّا، وترجع إلى النصف الأول من القرن السابع الهجرى مما قد يدل-من بعض الوجوه-على أن قبائل سليم-ومثلها غالبا قبائل هلال-لم تزايل ألسنتها الفصاحة ولا أصابها خلل الإعراب فى النطق حتى عصر عنان بن جابر. وقد يسند رأينا-من بعض الوجوه-ما حكاه العبدرى فى رحلته عن أهل برقة الليبية من أن «كلام عرب برقة من أفصح كلام عربى سمعناه، ويقول: وعرب الحجاز أيضا فصحاء، ولكن عرب برقة لم يكثر ورود الناس عليهم، فلم يختلط كلامهم بغيرهم، وهم الآن (فى أواخر القرن السابع الهجرى) على عربيتهم لم يفسد من كلامهم إلا القليل، ولا يخلّون من الإعراب إلا بما لا قدر له بالإضافة إلى ما يعربون». ويسوق العبدرى أمثلة من كلامهم سمعها كما رواها وفيها يحتفظون حتى زمنه بالإعراب. ومن بقايا هذا الإعراب-فى رأيى-احتفاظ قبائل المحاميد والمرازيق وأولاد يعقوب وغيرهم فى النواحى الجنوبية من الإقليم التونسى -إلى اليوم-بنون النسوة فى كلامهم، فيقولون: «النساوين يشربن ويأكلن ويغزلن» ولا تزال هذه النون تنتشر فى نواحى طرابلس وبرقة الليبيتين كما يقول الأستاذ عبد الوهاب. وليس معنى كل ما قدمت أن العامية العربية لم تأخذ طريقها إلى ألسنة أهل المدن فى الإقليم التونسى إلا فى وقت متأخر، فالمظنون أن هذه المدن مثلها مثل الفسطاط فى مصر وغيرها من المدن العربية استخدمت مبكرة لغة عامية بها غير قليل من الألفاظ البربرية المحلية، وخالية من الإعراب، متخففة من الحركات وملتمسة التسكين لأواخر الكلمات. ويبدو أن هذه العامية القيروانية أو التونسية أخذت تشيع فى الألسنة منذ أوائل القرن الثالث الهجرى وأن فاتحى صقلية من القيروانيين والتونسيين سنة ٢١٢ للهجرة حملوها إليها، كما حملوها إلى مالطة حين فتحوها سنة ٢٥٥ للهجرة لعهد الأمير الأغلبى أبى الغرانيق، وقد ظلوا يحكمونها حتى سنة ٤٨٥ للهجرة حين انتزعها منهم روجار النورماندى صاحب صقلية، وظل المسلمون بها تحت ولاء النورماند نحو مائة وستين عاما إلى أن أجبرهم على مبارحتها فريدريك الثانى إمبراطور المانيا سنة ٦٤٧ لعهد المستنصر الحفصى كما مرّ بنا، ومن حينئذ أصبحت مالطة مسيحية خالصة، وقد ظلوا إلى اليوم يتداولون فى حياتهم لهجة عربية مالطية مشتقة من اللهجة العربية التى كان يستخدمها آباؤهم وبحق يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب: «إن بقاء هذه اللهجة فى مالطة لظاهرة عجيبة، بل حجة قوية ومعجزة بالغة فى حيوية اللغة العربية ورسوخها العميق فى قرارة نفوس من يتكلم بها من الأجيال. ألا ترى هذه الجزيرة المسيحية النحلة قد تعاقبت عليها-منذ ثمانية قرون-أمم ودول متعددة، آخرهم الإنجليز وودوا لو يحملون أهلها على

стр. 4380

التخاطب بلغتهم، فلم يتهيّأ لهم ذلك، وبقى المالطيون محافظين على ما عندهم من العربية خلفا عن سلف، وإن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب». وظلت العامية شائعة على ألسنة أهل القيروان والمدن الساحلية الشمالية إلى أن خفّفت من حدتها فى منتصف القرن الخامس الهجرى الزحفة الهلالية والسليمية، وقد مضى الزاحفون يعرّبون المناطق البعيدة والأطراف النائية التى لم يكن لها عهد بالعربية، وكان مما عمل على نشر العربية فى الإقليم التونسى بعد هذه الزحفة هجرة الأندلسيين إليه فى أوائل القرن السابع الهجرى إذ يقول ابن خلدون: «إن ملكة العربية صحّت فى إفريقية (تونس) بجلاء أهل شرقى الأندلس إليها» ومعروف أن هذا الجلاء كان فى أوائل القرن السابع. على أننا لا نصل إلى أوائل القرن الثامن الهجرى حتى يحدّثنا التجانى فى رحلته عن شعراء سليميين وهلاليين اشتهروا بأشعارهم الملحونة، ويسمون القوّالين. وأطال ابن خلدون فى أواخر هذا القرن فى الحديث عن هؤلاء الأعراب القوالين فى تونس والبلاد المغربية، وكأن اللحن شاع على ألسنة الأعراب جميعا فى القرن السابع الهجرى، وربما سبق هذا التاريخ فى بعض الأنحاء وتأخر فى أنحاء أخرى مثل عرب برقة بشهادة العبدرى كما مر بنا. ويقول ابن خلدون فى الفصل الذى عقده لأشعار الأعراب وأهل الأمصار لعهده: «إنهم يقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الأعاريض على ما كان سلفهم المستعربون يأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء» ثم يقول: «وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم، فإن غالب كلماتهم (أشعارهم) موقوفة الآخر، ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب». وأخذت هذه العامية التونسية تتأثر بعد ابن خلدون بلغة من احتلّها من الإسبان ومن الترك على نحو ما مر بنا فى حديثنا عن تاريخها، وبذلك احتوت العامية التونسية بعض رطانات فى مقدمتها الرطانة البربرية التى امتزجت بها من قديم. وإذا كان ابن خلدون لاحظ أن المهاجرين الأندلسيين القدامى فى القرن السابع الهجرى بثّوا روحا وانتعاشا فى ملكة العربية التونسية فإن ملاحظته تنصبّ-فيما بعد-على المهاجرين الأندلسيين فى أوائل القرن الحادى عشر الهجرى، إذ بثّوا نفس الروح والانتعاش، وحالوا بينها وبين الركود الأدبى الذى رافق العثمانيين فى حكمهم للبلاد العربية المشرقية. ومن المؤكد أنه كانت هناك لغة عامية يتداولها الناس-كما مرّ بنا-وأخذت تشيع فى البوادى والأنحاء البعيدة منذ القرن السابع الهجرى، وربما قبل ذلك فى بعض الجهات، غير أنه من المؤكد أنه كان للفصحى دائما السيادة عليها، لأنها لغة القرآن الكريم والدين الحنيف ولغة الثقافة والعلم بمختلف فروعه، ولغة الأدب وروائعه الشعرية والنثرية.
следующие страницы →