فى القرنين السادس والسابع الهجريين كما يحدثنا عن ذلك الإدريسى والتجانى فى رحلته، وإن كان من المؤكد أنه أصابها حينئذ غير قليل من التحريف بسبب اختلاط المتكلمين بها بسكان تلك المنطقة البربرية ولغتها.
وعلى الرغم من القرون المتطاولة التى عاشت فيها اللغة الفينيقية المتحضرة بالإقليم التونسى والقرون الأخرى التى عاشت فيها اللاتينية المتحضرة بهذا الإقليم وأتقنها كثير من البربر تكلما وكتابة على الرغم من ذلك لم تتحوّل اللغة البربرية-لا فى تونس ولا فى أى إقليم آخر-إلى لغة متحضرة أيام الفينيقيين بحيث أصبح لها حروف استحدثها البربر يكتبونها بها، ومن ثمّ لم يتركوا قبل الإسلام أى أثر كتابى بلغتهم البربرية يمكن منه التعرف الدقيق على تاريخهم القديم، وقد رجع العرب فى معرفته إلى الكتب والكتابات اللاتينية، ومما يؤكد ذلك أننا نجد يامبسال ملك نوميديا البربرى أيام الفينيقيين يحرر كتبه باللغة الفينيقية لغة قرطاجة، كما نجد بين ملوكها أيام الرومان من يحرر كتبه باللاتينية أو الإغريقية، فلم تكن البربرية-قبل الفتح العربى الإسلامى-إذن لغة حضارية وكان كثيرون من البربر يعرفون اللاتينية كما أسلفنا وقد أخذت اللغتان تزايل ألسنة أهلهما وتحل محلهما العربية فى تونس وغير تونس من أقاليم المغرب مع اعتناق السكان الإسلام واختلاطهم بالعرب عن طريق المصاهرة والمعايشة معهم، وخاصة فى المدن التى نزلوها، إذ كان سكانها-لذلك-أسرع فى التعرب من سكان القرى الريفية والجبال والنجاد والبوادى، وكانوا يعدون فى الإقليم التونسى وغيره بالآلاف، وقد بلغ عدد الجنود الفاتحين فى عهد الأمويين وأوائل عهد العباسيين نحو مائة وخمسين ألفا سوى من كان يرافقهم من النساء والأطفال، ومما يذكر-بالثناء الجم-للفاتحين فى العهود الإسلامية الأولى أنهم لم يكونوا غزاة يجمعون غنائم الفتوح، كما يحاول المستشرقون أن ينعتوهم، بل كانوا ناشرين للدين الحنيف، وتسلّل منهم-كثيرون من مدن الإقليم التونسى وغيره من الأقاليم المغربية-إلى القرى والجبال والبوادى يدعون إلى دين الله بحمية وحماسة بالغة.
وقد جعلت تعاليم الدين الحنيف السامية وما يدعو من إخاء وتسامح ومعاملة حسنة شعوب البربر تقبل عليه، وخاصة بعد ما رأوه يرفع عن كواهلهم ظلم الأمم السالفة التى كانت تعتصر لنفسها خيرات بلادهم وترهقهم بالضرائب الفادحة، مما دفع البربر-وخاصة فى المدن-إلى الدخول فى الدين الحنيف ومرّ بنا أن قبيلة بربرية-هى قبيلة أوربة-اعتنقت الإسلام فى عهد عقبة بن نافع حوالى سنة ٦٠ للهجرة. وكان البربر الذين أسلموا يقبلون على حفظ كثير من آى الذكر الحكيم واستظهار بعض الأحاديث النبوية، وكانوا يتلقّنون ذلك فى كتاتيب أخذت تنشأ سريعا فى المدن وبعض القرى الكبيرة، كما كانوا يتلقّنونه فى حلقات كثيرين ممن
стр. 4377
كانوا يعتلون بالمساجد منصات محاولين أن يعلّموا الناس بعض تفسير القرآن شارحين لهم بعض الأحاديث النبوية مع التعرّض لجوانب من تعاليم الدين الحنيف، وأخذ كثيرون فى البوادى وسفوح الجبال يسعون إلى حفظ الذكر الحكيم كما مرّ بنا فى الحديث عن الثقافة وشغف عمر بن يمكتن بحفظ القرآن ومراجعته فيه الجنود العرب المارّين بمنطقته حتى حفظه جميعه.
ومن المؤكد أن المدن التونسية-كما أسلفنا-أخذت فى التعرب سريعا عن طريق من نزلها من الجنود العرب طوال القرن الأول الهجرى بعد الفتح وشطرا من القرن الثانى، فهى لم تنتظر طويلا حتى يتم لها التعرب. ومما لا ريب فيه أن القيروان التى أنشأها عقبة بن نافع فى منتصف القرن الأول الهجرى لتكون معسكرا لجيشه كانت عربية خالصة منذ إنشائها، وتبعتها فى التعرب مدن تونس وسوسة وصفاقس وقابس، بحيث لا تمضى طويلا فى القرن الثانى الهجرى حتى تصبح مدنا عربية خالصة، أما فى الداخل والبوادى والجبال فقد ظل يغلب على الناس التخاطب بالبربرية طوال القرون الأربعة الأولى للهجرة.
وما نكاد نصل إلى منتصف القرن الخامس للهجرة حتى يأخذ الإقليم التونسى فى إكمال تعربه، إذ اكتسحته موجات من قبائل هلال وسليم وزغبة ورياح بأمر الخليفة الفاطمى المستنصر بالقاهرة-كما مر-للقضاء على دولة المعز بن باديس الصنهاجى انتقاما منه لخلعه تبعية بلاده للدولة الفاطمية الإسماعيلية الشيعية وإعلانه استقلاله وعودة الإقليم التونسى إلى مذهب أهل السنة. واستطاعت هذه الموجات البدوية الكثيفة أن تلجئه مع أسرته للمقام بمدينة المهدية وأن تجتاح القيروان وكل الإقليم التونسى بمدنه ووديانه وجباله وبواديه، وكانوا يبلغون نحو نصف مليون نسمة وامتزجوا بالبربر وتكوّن من الشعبين شعبا عربيا تام العروبة فى اللغة والدين والزى والمطعم والعادات والأخلاق والمآتم والأعراس، واجتاحوا البلاد بإبلهم وخيلهم ورجلهم ونهبوا خيراتها عشرات من السنين، ومع كل ذلك حملوا إلى كل أنحاء الإقليم التونسى وأطرافه النائية اللغة العربية وفرضوها على البربر فرضا عن طريق الامتزاج بهم ومصاهرتهم، حتى ليقول ابن خلدون-كما مر بنا فى الفصل الماضى-عن قبيلة هوارة البربرية التونسية إنهم «صاروا فى عداد الناجعة (بنى هلال وسليم) فى اللغة وسكنى الخيام وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين فى الشتاء والصيف فى تلالهم، وقد نسوا رطانة البربر واستبدلوا بها فصاحة العرب فلا يكاد يفرّق بينهم» فهم قد أصبحوا-بفضل هذه الموجات البدوية من بنى سليم وهلال وزغبة-عربا فى العادات وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وما ينساق فى ذلك من الملبس والمطعم والأفراح والاتراح والسلوك والأخلاق، ويقول ابن خلدون إن رطانة البربر زايلت ألسنتهم وحلت مكانها الفصحى، ونراه يقول فى موضع آخر عن
стр. 4378
هوارة إنهم «تبدّوا-مع الأعراب-ونسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعارهم فى جميع أحوالهم».
ولم تتبدّ هوارة التونسية أو تتعرب وحدها فى الإقليم التونسى، بل تعرب الإقليم جميعه من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب فى خلال قرن بل يزيد، إلى أن استولى على الإقليم زعيم دولة الموحدين المغربية عبد المؤمن بن على، ولكن هل العربية التى حملتها قبائل هلال وسليم وزغبة إلى الإقليم التونسى هى الفصحى أو هى عربية دارجة عامية؟ ونرجح أنها الفصحى، ويدل على صحة رأينا أن القبائل من سليم وهلال وزغبة كانت قد انضوت تحت لواء الأعصم القرمطى حين غزا الشام ومصر سنة ٣٦٠ للهجرة ورأى الخليفة الفاطمى العزيز-حين صالحه-أن ينزلها فى صعيد مصر، وحوّلهم بعده الخليفة الفاطمى المستنصر إلى تونس لضرب المعز بن باديس كما أسلفنا، وكانت الجزيرة العربية مصدرها لا يزال سكانها يحافظون على الفصحى بشهادة الجوهرى فى مقدمة معجمه الصحاح إذ يقول إنه أخذ اللغة عن أهلها مشافهة، وإنه طوّف فى بلاد ربيعة ومضر، ونجد الباخرزى فى كتابه دمية القصر المؤلف فى منتصف القرن الخامس الهجرى يترجم لشعراء كثيرين من قبائل نجدية شتى وينشد من أشعارهم، مما يدل على أن الفصحى كانت لا تزال حية بعد مغادرة بنى سليم وهلال للجزيرة بنحو قرن، ويبدو أنها ظلت حية فى الجزيرة العربية قرونا بعد ذلك، فإن عمارة اليمنى يشهد-كما مر بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة-بأن تهامة والبوادى وأهل الجبال فى اليمن-لعصره بالقرن السادس الهجرى-كانوا يتكلمون الفصحى ولا يلحنون فى كلامهم.
ومما لا شك فيه-إذن-أن قبائل بنى سليم وهلال التى نزلت مصر وتركتها إلى ليبيا وتونس وما وراءهما من بلاد المغرب لم تكن تنطق عربية مولّدة أو عربية عامية، إنما كانت تنطق عربية فصيحة، ومن الخطأ أن يتشكك بعض الباحثين فى صفاء عربيتهم مستدلا على رأيه بشعر القصص الهلالية المعروفة التى تحكى مغامرات أبى زيد الهلالى فى شعر شعبى يختلف فى صياغته-قليلا أو كثيرا-عن صياغة الشعر العربى الكامل الفصاحة فضلا عما يجرى فيه من خلل الإعراب، غير أن هذا القصص نشأ فى عصور متأخرة، حين أخذت لهجات شعبية تشيع فى ألسنة أهل تونس وغيرها، ومما يؤيد رأينا أن نجد ابن خلدون ينشد قصيدة بديعة لأحد رؤساء قبيلة عوف من بنى سليم، وكانت تستولى على ما بين قابس وسوسة، وهو عنان بن جابر، وكان أبو زكريا مؤسس الدولة الحفصية قد أوغر الصدور بين قبيلته وقبيلة علاق، فنشبت بينهما معارك ضارية، وأغضب ذلك من أبى زكريا عنان بن جابر فرحل بقبيلته إلى صحراء المغرب الأوسط (الجزائر) فكتب إليه محمد بن أبى الحسين وزير أبى زكريا قصيدة يعاتبه فيها على هجرته عن وطن آبائه، ويدعوه إلى العودة إليه، ثم كتب إليه قصيدة ثانية، فرد عليه عنان محزونا لما اضطر إليه من فراق موطنه، وفيها يتحدث عن بسالة قبيلته فى الحروب بمثل قوله:
стр. 4379
وكنّا إذا ما الجيش صفّت جنوده ... ترانا على خيل عتاق ضوامر
نخوض وغاها والقنا تقرع القنا ... بكل حسام مشرفي وباتر
ونسج القصيدة جزل متين، وهى معربة إعرابا تامّا، وترجع إلى النصف الأول من القرن السابع الهجرى مما قد يدل-من بعض الوجوه-على أن قبائل سليم-ومثلها غالبا قبائل هلال-لم تزايل ألسنتها الفصاحة ولا أصابها خلل الإعراب فى النطق حتى عصر عنان بن جابر. وقد يسند رأينا-من بعض الوجوه-ما حكاه العبدرى فى رحلته عن أهل برقة الليبية من أن «كلام عرب برقة من أفصح كلام عربى سمعناه، ويقول: وعرب الحجاز أيضا فصحاء، ولكن عرب برقة لم يكثر ورود الناس عليهم، فلم يختلط كلامهم بغيرهم، وهم الآن (فى أواخر القرن السابع الهجرى) على عربيتهم لم يفسد من كلامهم إلا القليل، ولا يخلّون من الإعراب إلا بما لا قدر له بالإضافة إلى ما يعربون». ويسوق العبدرى أمثلة من كلامهم سمعها كما رواها وفيها يحتفظون حتى زمنه بالإعراب. ومن بقايا هذا الإعراب-فى رأيى-احتفاظ قبائل المحاميد والمرازيق وأولاد يعقوب وغيرهم فى النواحى الجنوبية من الإقليم التونسى -إلى اليوم-بنون النسوة فى كلامهم، فيقولون: «النساوين يشربن ويأكلن ويغزلن» ولا تزال هذه النون تنتشر فى نواحى طرابلس وبرقة الليبيتين كما يقول الأستاذ عبد الوهاب.
وليس معنى كل ما قدمت أن العامية العربية لم تأخذ طريقها إلى ألسنة أهل المدن فى الإقليم التونسى إلا فى وقت متأخر، فالمظنون أن هذه المدن مثلها مثل الفسطاط فى مصر وغيرها من المدن العربية استخدمت مبكرة لغة عامية بها غير قليل من الألفاظ البربرية المحلية، وخالية من الإعراب، متخففة من الحركات وملتمسة التسكين لأواخر الكلمات. ويبدو أن هذه العامية القيروانية أو التونسية أخذت تشيع فى الألسنة منذ أوائل القرن الثالث الهجرى وأن فاتحى صقلية من القيروانيين والتونسيين سنة ٢١٢ للهجرة حملوها إليها، كما حملوها إلى مالطة حين فتحوها سنة ٢٥٥ للهجرة لعهد الأمير الأغلبى أبى الغرانيق، وقد ظلوا يحكمونها حتى سنة ٤٨٥ للهجرة حين انتزعها منهم روجار النورماندى صاحب صقلية، وظل المسلمون بها تحت ولاء النورماند نحو مائة وستين عاما إلى أن أجبرهم على مبارحتها فريدريك الثانى إمبراطور المانيا سنة ٦٤٧ لعهد المستنصر الحفصى كما مرّ بنا، ومن حينئذ أصبحت مالطة مسيحية خالصة، وقد ظلوا إلى اليوم يتداولون فى حياتهم لهجة عربية مالطية مشتقة من اللهجة العربية التى كان يستخدمها آباؤهم وبحق يقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب: «إن بقاء هذه اللهجة فى مالطة لظاهرة عجيبة، بل حجة قوية ومعجزة بالغة فى حيوية اللغة العربية ورسوخها العميق فى قرارة نفوس من يتكلم بها من الأجيال. ألا ترى هذه الجزيرة المسيحية النحلة قد تعاقبت عليها-منذ ثمانية قرون-أمم ودول متعددة، آخرهم الإنجليز وودوا لو يحملون أهلها على
стр. 4380
التخاطب بلغتهم، فلم يتهيّأ لهم ذلك، وبقى المالطيون محافظين على ما عندهم من العربية خلفا عن سلف، وإن فى ذلك لذكرى لأولى الألباب».
وظلت العامية شائعة على ألسنة أهل القيروان والمدن الساحلية الشمالية إلى أن خفّفت من حدتها فى منتصف القرن الخامس الهجرى الزحفة الهلالية والسليمية، وقد مضى الزاحفون يعرّبون المناطق البعيدة والأطراف النائية التى لم يكن لها عهد بالعربية، وكان مما عمل على نشر العربية فى الإقليم التونسى بعد هذه الزحفة هجرة الأندلسيين إليه فى أوائل القرن السابع الهجرى إذ يقول ابن خلدون: «إن ملكة العربية صحّت فى إفريقية (تونس) بجلاء أهل شرقى الأندلس إليها» ومعروف أن هذا الجلاء كان فى أوائل القرن السابع. على أننا لا نصل إلى أوائل القرن الثامن الهجرى حتى يحدّثنا التجانى فى رحلته عن شعراء سليميين وهلاليين اشتهروا بأشعارهم الملحونة، ويسمون القوّالين. وأطال ابن خلدون فى أواخر هذا القرن فى الحديث عن هؤلاء الأعراب القوالين فى تونس والبلاد المغربية، وكأن اللحن شاع على ألسنة الأعراب جميعا فى القرن السابع الهجرى، وربما سبق هذا التاريخ فى بعض الأنحاء وتأخر فى أنحاء أخرى مثل عرب برقة بشهادة العبدرى كما مر بنا. ويقول ابن خلدون فى الفصل الذى عقده لأشعار الأعراب وأهل الأمصار لعهده: «إنهم يقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الأعاريض على ما كان سلفهم المستعربون يأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء» ثم يقول: «وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم، فإن غالب كلماتهم (أشعارهم) موقوفة الآخر، ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب». وأخذت هذه العامية التونسية تتأثر بعد ابن خلدون بلغة من احتلّها من الإسبان ومن الترك على نحو ما مر بنا فى حديثنا عن تاريخها، وبذلك احتوت العامية التونسية بعض رطانات فى مقدمتها الرطانة البربرية التى امتزجت بها من قديم.
وإذا كان ابن خلدون لاحظ أن المهاجرين الأندلسيين القدامى فى القرن السابع الهجرى بثّوا روحا وانتعاشا فى ملكة العربية التونسية فإن ملاحظته تنصبّ-فيما بعد-على المهاجرين الأندلسيين فى أوائل القرن الحادى عشر الهجرى، إذ بثّوا نفس الروح والانتعاش، وحالوا بينها وبين الركود الأدبى الذى رافق العثمانيين فى حكمهم للبلاد العربية المشرقية. ومن المؤكد أنه كانت هناك لغة عامية يتداولها الناس-كما مرّ بنا-وأخذت تشيع فى البوادى والأنحاء البعيدة منذ القرن السابع الهجرى، وربما قبل ذلك فى بعض الجهات، غير أنه من المؤكد أنه كان للفصحى دائما السيادة عليها، لأنها لغة القرآن الكريم والدين الحنيف ولغة الثقافة والعلم بمختلف فروعه، ولغة الأدب وروائعه الشعرية والنثرية.
стр. 4381
٢ - كثرة (١) الشعراء
طبيعى أن يكون أول شعر ينشد فى الإقليم التونسى بالقيروان وغير القيروان هو ما كان ينشده الجند الفاتحون، ومعروف أن الشغب ظل متصلا فى هذا الإقليم وغيره من أقاليم المغرب، مما جعل الدولتين الأموية والعباسية ترسلان الجيوش إلى القيروان من حين إلى آخر حتى منتصف القرن الثانى الهجرى. وكان فى هذه الجيوش غير شاعر نابه تلقّن عنه الشباب الإفريقى فى القيروان وغيرها الشعر إما لهم مما نظموه وإما لغيرهم مما رووه وأنشدوه، ولم تعن كتب التراجم منهم إلا بمن اشتهر بينهم بقيادة أو ولاية، ومن قدماء من ترجمت لهم أبو الخطّار الحسام بن ضرار الكلبى، وكان شاعرا مفوّها وفارسا نابها بين أقرانه فى القيروان، وولاه حنظلة بن صفوان والى إفريقية لهشام بن عبد الملك الأندلس سنة ١٢٥ للهجرة وعزل عنها سنة ١٢٨ فعاد إلى القيروان وسرعان ما توفى بها، وأنشد له ابن الأبار فى كتابه الحلّة السّيراء أشعارا بديعة. ومن شعراء الجند الذين قدموا فى عهد بنى أمية سليمان بن حميد الغافقى وفيه يقول ابن الأبار: «فارس العرب قاطبة بالمغرب فى عصره، وأحسن الناس وأبلغهم، إلى معرفة بأيام العرب وأخبارها، ورواية لوقائعها وأشعارها، ويقال إنه توفى سنة ١٦٠ للهجرة وهو القائل:
وإنا إذا ما الحرب أسعر نارها ... لنلقى المنايا دارعين وحسّرا
ومن شعراء الجند الذين قدموا إلى القيروان فى عهد بنى العباس الحكم بن ثابت السّعدى من سلالة سلامة بن جندل الشاعر الجاهلى المشهور، قدم إفريقية فى جيش محمد بن الأشعث الخزاعى سنة ١٤٤ لعهد المنصور إغاثة وعونا للأغلب التميمى والى القيروان، وأصبح من قواد جيشه، حتى إذا استشهد الأغلب سنة ١٥٠ للهجرة رثاه رثاء حارا، وكان الأغلب شاعرا، وتولى القيروان بعده عمر بن حفص المهلبى، واستشهد فى بعض المعارك، فولاها أبو جعفر
стр. 4382
المنصور يزيد بن حاتم المهلبى وكان غاية فى الجود ممدّحا، وظل واليا عليها من سنة ١٥٤ إلى وفاته سنة ١٧٠ واستطاع أن يتحول بها إلى بيئة كبيرة من بيئات الشعر والأدب واللغة فى زمنه، وكان شاعرا مجيدا، ومن طريف شعره قوله فى وصف كرم أسرته:
ما يألف الدرهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما قليلا ثم ينطلق (١)
وقد جاء القيروان وفى صحبته المعمّر بن سنان التّيمى، من تيم الرباب، اتخذه زميلا له فى طريقة ليؤنسه بطرائف الأخبار، ويقول ابن الأبار: «كان أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها، وعنه أخذ أهل إفريقية حرب غطفان وغيرها من وقائع العرب» ويترجم ابن الأبار لابنه عامر، ويذكر بعض أشعاره، ويقول من أحفاده حمزة بن أحمد بن عامر وكان أديبا ظريفا. وتسابق غير شاعر فى الوفود على يزيد كما توافدوا قديما على جده المهلب فى خراسان، ومنهم ربيعة الرّقّى الشاعر العباسى المشهور، وفيه يقول:
هو البحر إن كلّفت نفسك خوضه ... تهالكت فى آذيّه المتلاطم
وهى قصيدة طارت شهرتها فى العصر العباسى، وله فيه مدائح أخرى بديعة، ومن الشعراء الكبار الذين وفدوا عليه بالقيروان ابن المولى، وفيه يقول:
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشترى
ويقال إنه أعطاه على هذه القصيدة الرائعة كل ما كان فى بيت ماله، ولابن المولى وربيعة الرقى ترجمتان مفصلتان فى كتاب الأغانى، وقد أقاما عنده فى القيروان طويلا والتف حولهما شبابها يروون عنهما شعرهما وشعر معاصريهما. وذكر ابن خلكان فى ترجمته بين من وفد عليه من الشعراء المشهر التميمى وأنه أغدق عليه مالا جزيلا.
ومرّ بنا فى الحديث عن اللغويين أن كرم يزيد بن حاتم لم يجلب إلى عاصمته الشعراء فقط بل جلب إليها جلة من النحاة المشهورين مثل يونس بن حبيب وقتيبة الجعفى. وكانت قد أخذت تنشأ فى القيروان طائفة من المعلمين الشعراء، منهم أمان بن الصّمصامة بن الطرماح ويبدو أن أباه كان قد نزل القيروان فى أوائل القرن الثانى الهجرى واتخذ التعليم مثل أبيه حرفة له، وفيه يقول الزبيدى: «كان شاعرا عالما باللغة». وكان يعاصره معلم، يعكف شباب القيروان على أخذ اللغة والشعر منه، كما يأخذون النحو والعربية والأدب، هو عياض بن عوانة، ويقول الزبيدى إنه كان ينظم الشعر ويجوّد فيه. ولا نكاد نخطو فى النصف الثانى من القرن الثانى
стр. 4383
الهجرى حتى نرى أعمال اللغويين المقيمين والوافدين من أمثال أمان بن الصمصامة ويونس بن حبيب والرواة من أمثال المعمر بن سنان التميمى وسليمان بن حميد الغافقى تثمر ثمارا يانعة كثيرة فى شباب ترسخ فى نفوسهم فطرة العربية ويطلب كثيرون منهم التخصص فى الفقه لاعلى أساتذته فى القيروان وتونس فحسب، بل أيضا فى الحجاز والعراق، من أمثال عبد الرحمن بن زياد وكان شاعرا وعلى بن زياد الذى أدخل لأول مرة كتاب الموطأ إلى المغرب، وقد توفى سنة ١٨٣ وكان يعاصره عبد الله بن فرّوخ وعبد الله بن غانم الرّعينى الفقيهان القيروانيان المشهوران.
وعلى الرغم من أن إبراهيم بن الأغلب استقل بالقيروان سنة ١٨٤ وكوّن بها دولة الأغالبة التى ظلت بها أكثر من قرن وحققت لها نهضة ثقافية كما مر بنا فى الفصل الماضى، على الرغم من ذلك فإن نهضة الشعر بها لا تتراءى لنا واضحة، إذ يظل أصحاب التراجم لا يعنون غالبا طوال هذه الدولة إلا بمن سال الشعر على لسانه من حكامها أو من أفراد الأسرة ومن شاركهم فى هذه الموهبة من الفقهاء واللغويين. وكان إبراهيم بن الأغلب مؤسسها شاعرا، ويسوقون له أشعارا فى الفخر، وكان قد نشأ بمصر وتزوج بها، وكان قد فارق زوجته وسار وحده إلى القيروان وحنّ إليها فأنشد:
ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... إلا وذكرك يثنى دائما عنقى
ولا ذكرتك إلا بتّ مرتقبا ... أرعى النجوم كأن الموت معتنقى
وكان حفيده الأمير أبو العباس محمد شاعرا (٢٢٦ - ٢٤٢) وهو الذى استولى على رومة فترة من الزمان ثم اضطرّ جيشه إلى الانسحاب لتكاثر من جاءها من نجدات المسيحيين، وله أشعار يفخر فيها بنسبه وأسرته، من مثل قوله:
أنا الملك الذى أسمو بنفسى ... فأبلغ بالسموّ بها السّحابا
أظلّ عشيرتى بجناح عزّى ... وأمنحها الكرامة والثّوابا
ومن أفراد الأسرة الشعراء أحمد بن سوادة والى صقلية المتوفى سنة ٢٦٠ وله أشعار بديعة فى الحماسة والفخر. ومن أفراد الأسرة أيضا مهريّة الأغلبية المتوفّاة سنة ٢٩٥ ولها مرثية بديعة فى رثاء أخ لها مات غريبا. وممن عرف بالشعر ونظمه فى عهد الأغالبة عيسى بن مسكين القاضى المتوفّى سنة ٢٩٥ وشعره فى التحسر على الشباب، وكان يعاصره الفقيه أحمد الصواف وشعره فى الحكم والمواعظ. وممن اشتهر بالشعر من اللغويين فى عهد الأغالبة الحسن بن منصور المذحجى، يقول ابن الأبار: «أقل ما تصرّف فيه الشعر وكان بصيرا باللغة نافذا فى النحو عالما
стр. 4384
بأيام العرب وأخبارها ووقائعها وأشعارها» ومن قوله فى رثاء ابن عم له:
لكأنى لما تضمّنك اللّح ... د يمين قد فارقتها الشمال
وأشعر منه، بل ربما كان أشعر اللغويين عامة فى القيروان حتى نهاية عهد الأغالبة عبد الملك المهرى أستاذ أهل اللغة والنحو والرواية فى عهد الأغالبة، توفى سنة ٢٥٦ للهجرة، وله مرثية بديعة لسحنون، ومن تلاميذه الشعراء حمدون الملقب بالنعجة، وفيه يقول الزبيدى-كما مرّ بنا-شعره عليه أثر التكلف، أما فى النحو والعربية والغريب فهو الغاية التى لا بعدها.
وننتقل إلى عصر الدولة العبيدية فى القيروان والإقليم التونسى منذ سنة ٢٩٧ إلى سنة ٣٦١ وقد تحول به عبيد الله المهدى أول خلفائها هناك إلى عصر دعاية للمذهب الإسماعيلى الذى جاء يحمله، فكان فقهاؤه ودعاته يجادلون عنه فقهاء المذهب السنى بالقيروان، وكانت القيروان سنية فكانوا يعقدون فيها المناظرات بينهم وبين أبى عثمان سعيد الحداد وغيره من فقهاء السنة القيروانيين العظام. ولأبى عثمان مع دعاتهم أربعون مجلسا حفظ لنا الخشنى فى طبقات علماء إفريقية-كما مر بنا-أربعة منها علا فيها صوته وفكره على دعاتهم. وطبيعى فى هذا الجو المشحون بالجدل فى حقائق المذهب الإسماعيلى أن يطمح خلفاء الدولة الفاطميون التونسيون أن يكون لهم أنصار من الشعراء يعتنقون دعوتهم ويدافعون عنها، وطبيعى أن ينثروا عليهم الأموال نثرا، وكما قال بشار قديما:
يسقط الطّير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
وقد أكثر عبيد الله المهدى وخلفاؤه من نثر الحب، وتكاثرت طيور الشعراء من حولهم تلتقط هذا الحب فى القيروان وفى المهدية عاصمتهم الجديدة، وتبارى الشعراء من أمثال خليل بن إسحاق الطرابلسى الذى عرضنا له فى ليبيا وأمثال سعدون الورجينى القائل فى مديح المهدى:
هذا الإمام الفاطمىّ ومن به ... أمنت مغاربها من المحذور
ويمضى قائلا إن مدن الشام والعراق لا بد أن تستسلم له حتى يسود فيها العدل الذى لا يستطيع الناس الحياة بدونه. وكان المهدى نفسه شاعرا، يحسن نظم الشعر، وتتداول الكتب قطعة طريفة تنسب له تارة وتارة أخرى تنسب إلى داعيته أبى عبد الله الصنعانى، وهى تمضى على هذا النحو:
من كان مغتبطا بلين حشيّة ... فحشيّتى وأريكتى سرجى
من كان يعجبه ويبهجه ... نقر الدّفوف ورنّة الصّنج
فأنا الذى لا شئ يعجبنى ... إلا اقتحامى لجّة الوهج
стр. 4385
فهو يعيش حاملا سيفه وممتطيا سرج حصانه مزدريا حياة الترف واللهو والاستماع إلى الغناء ونقر الدفوف ورنات الصّنوج، وكلّ ذلك يتركه وراءه، إذ لذته جميعها فى قيادة الجيوش واقتحام لجج الحرب ولهيبها المستعر، وهى أخلاقية مثلى لمؤسس دولة، وبحق أسس دولتهم العبيديّة فى الاقليم التونسى، وكان ابنه القائم شاعرا مثله، وله قصيدة حماسية خاطب بها العباسيين، مفتتحا لها بقوله:
ألا إن حدّ السيف أشفى لذى الوصب ... وأحرى بنيل الحق يوما إذا طلب
وخلفه ابنه المنصور وكان جوادا ممدّحا وفارسا مقداما، وقد استطاع فى أول خلافته القضاء المبرم على ثورة أبى يزيد مخلد بن كيداد كما مرّ بنا فى القسم التاريخى، وفيه يقول شاعره أيوب بن إبراهيم:
يا بن الإمام المرتضى وابن الوصىّ (م) ... المصطفى وابن النبىّ المرسل
الله أعطاك الخلافة واهبا ... ورآك للإسلام أمنع معقل
ولأبى القاسم الفزارى فيه قصيدة بديعة حين أمّن أهل القيروان بعد ثورة مخلد بن كيداد سنعرض لها فى غير هذا الموضع، ويتولى الخلافة بعده ابنه المعز، ويأتيه الشعراء من كل فجّ وفى مقدمتهم ابن هانئ الأندلسى وله فيه قصائد طنّانة، وقد ترجمنا له فى قسم مصر، وحين فتح جوهر الصقلى مصر للمعز أنشده ابن هانئ قصيدة افتتحها بقوله:
يقول بنو العباس هل فتحت مصر ... فقل لبنى العباس قد قضى الأمر
ومن أهم شعرائه على بن الإيادي، وسنخصه بترجمة.
وينتهى عصر الخلافة العبيديّة فى الإقليم التونسى سنة ٣٦١ بانتقال المعز الفاطمى إلى القاهرة واتخاذها عاصمة لملكه وملك أبنائه وأحفاده من بعده، ووقع اختياره على بلكيّن بن زيرى الصنهاجى ليخلفه على الإقليم التونسى، فأسس بها دولة صنهاجية أتاحت للإقليم التونسى كل ما كان يحلم به من ازدهار فكرى وأدبى. ومع أن المعز بن باديس غلب على أمره أمام موجات بنى هلال واضطرّ إلى أن ينسحب إلى المهدية سنة ٤٤٩ فإنه استطاع هو وابنه تميم ومن خلفهما فيها أن يستتموا لهذا الإقليم كل ما كان ينتظره من نهضة أدبية وفكرية، وفى المعز يقول ابن خلكان: «كان محبا لأهل العلم كثير العطاء مدحه الشعراء وانتجعه الأدباء، وكانت حضرته محط بنى الآمال» ويقول فى ابنه تميم: «كان محبا للعلماء، معظما لأرباب الفضائل حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بعد الدار كابن السراج الصورى وأنظاره، وكان يجيز الجوائز
стр. 4386
السنية ويعطى العطاء الجزيل» واقتدى به ابنه يحيى (٥٠١ - ٥٠٩) فى سيرته، فكانت عنده جماعة من الشعراء-كما يقول ابن خلكان-قصدوه ومدحوه وخلدوا مديحه فى دواوينهم، ومن جملة شعرائه أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسى، وله فيه مدائح كثيرة أجاد فيها وأحسن، وله أيضا مدائح فى ولده أبى الحسن على (٥٠٩ - ٥١٥ هـ). وفى حفيده الحسن، وكان روجار صاحب صقلية قد استولى منه على المهدية سنة ٥٤٣ واستردها منه عبد المؤمن أمير الموحدين سنة ٥٥٥. وسار الحسن سيرة آبائه فى العناية بالعلماء والشعراء.
وعصر هذه الدولة الصنهاجية يعد عصر ازدهار للإقليم التونسى ولشعرائه، إذ أصبحوا يعدون بالعشرات، حتى لنجد ابن رشيق المتوفى سنة ٤٥٦ يؤلف فيهم كتابه: «أنموذج الزمان فى شعراء القيروان» يضمنه مائة ترجمة لشعراء قيروانيين فى زمنه، وبينهم شاعرة مبدعة، وكان الكتاب مفقودا، واستطاع الأستاذان محمد العروسى المطوى وبشير البكوش أن يجمعاه من مسالك الأبصار لابن فضل الله العمرى وغيره من المخطوطات التى احتفظت بترجماته، وأن يعيداه كأنما تركه ابن رشيق بالأمس، وهو عمل علمى جليل فضلا عما قدما له من دراسة وما ملآ به هوامشه من تحقيقات قيمة، وبذلك وضعا تحت يد الدارسين للنهضة الشعرية فى القيروان أروع نص يمكنهم من تصوير هذه النهضة، ولم يحظ الإقليم التونسى بنصّ مماثل قبل ابن رشيق ولا بعده له خطورته، ويقال إنه كان له كتاب عن شعراء المهدية سقط من يد الزمن، ولو أنه وصلنا لاتسعت تحت أعيننا صورة النهضة الشعرية فى هذا الإقليم الشقيق لذلك العهد الصنهاجى، إذ الأنموذج لا يصور كلّ ذلك العهد، فقد كتبه ابن رشيق حوالى سنة ٤٢٥ ويغلب أن يكون كثير من المترجم لهم فيه قد عاشوا إلى منتصف القرن الخامس ورأوا موجات بنى سليم وهلال تأتى على القيروان وكثير من المدن، ومع ذلك فقد انسحب المعز بن باديس إلى المهدية، وخلفه عليها سريعا ابنه تميم من سنة ٤٥٤ هـ إلى سنة ٥٠١ ومرت بنا كلمة ابن خلكان عن تميم وكيف كان يغدق الأموال على الشعراء والعلماء وكيف قصده الشعراء، من الأقاليم البعيدة فضلا عن إقليمه، ونهج نهجه ابنه يحيى وحفيده على وابنه الحسن فى نثر الأموال على الشعراء، ولابن حمديس الصقلى وأمية بن أبى الصلت الأندلسى فى الثلاثة مدائح رائعة، وبالمثل لمن كان يحفّ بهم من شعراء القيروان، غير أنهم جميعا لم يقيّض لهم ما قيض للمعز بن باديس من عناية ابن رشيق بالترجمة لشعراء القيروان والإقليم التونسى لزمنه.
وكان الإقليم التونسى منذ زحفة بنى هلال وسليم قد تحول إلى ما يشبه عصر الطوائف المعروف فى اليونان، ففى المهدية أسرة المعز بن باديس وأبنائه، وفى تونس بنو خراسان كانوا عمالا للدولة الصنهاجية واستقلوا عنها منذ سنة ٤٥٨ وفى قفصة والجريد بنو الرّند، وفى سوسة الهلاليون، ويشتهر آخر أمرائهم جبارة بن كامل بن سرحان البعيد الصيت بالجود وإغداقه
стр. 4387
الأموال على الشعراء، ومن يده أخذها روجار الصقلى واستردها منه عبد المؤمن مع البلاد الساحلية. واستولى الهلاليون أيضا على قابس، إذ ظلت لبنى جامع منهم حتى سنة ٥٥٤ واشتهر من أمرائهم بأخرة من أيامهم أبو الحملات مدافع، ومنها استنزله عبد المؤمن أمير الموحدين، وكان جوادا ممدّحا، والتفّ حوله كثير من الشعراء. ومن الغريب أن هذا العصر الذى توزّع فيه الاقليم التونسى بلدانا وإمارات متعددة لم يضعف فيه الشعر بل ظل مزدهرا، وخاصة حول أمراء المهدية وقابس وسوسة، إذ كان أمراء البلدان فيه يتنافسون فى جذب الشعراء إليهم، وكلّ يحاول أن يجمع فى بلده العديد منهم، ليتحدثوا عن مناقبه ومفاخره، وكانت تحف بتميم بن المعز فى المهدية كوكبة من الشعراء، منهم-كما فى الخريدة-حميد بن سعيد، وكان من الشعراء المجيدين وهو الذى جمع شعر تميم، ومنهم-كما فى الحلل السندسية-محمد بن حبيب القلانسى وأبو الحسن بن محمد الحداد، ونلتقى بشعراء أمير قابس أبى الحملات مدافع آخر أمراء بنى هلال بها، ومنهم جعفر بن الطيب الكلبى وسلام بن فرحان القابسى وهو من الشعراء المجيدين والسكدلى القفصى ويحيى بن التيفاشى، كما نلتقى فيها بشعراء جبارة بن كامل بن سرحان أمير سوسة المارّ ذكره، ومنهم أبو ساكن عامر بن محمد بن عسكر الهلالى وأبو الحسين بن الصبان المهدوى والتراب السوسى وهو من الشعراء المبدعين، وكان وراء هؤلاء الشعراء الذين سميناهم شعراء بارعون مثل تميم بن المعز صاحب المهدية وعلى الحصرى المهاجر إلى الأندلس وأبى الحسن على بن محمد الخولانى المعروف بالحداد المهدوى المهاجر إلى الاسكندرية وأبى الفضل بن النحوى التوزرى وابن بشير المهدوى وعبد الله الشقراطسى ومحمد بن شرف المهاجر مع ابنه إلى الأندلس.
ويدخل الإقليم التونسى منذ منتصف القرن السادس الهجرى فى حوزة الموحدين، غير أن ابنى غانية وقراقوش يحدثان فيه شغبا-كما مرّ بنا-ظل فترة طويلة، ويعيد الأمن فيه إلى نصابه والى الموحدين أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد مؤسس الدولة الحفصية بتونس، وقد اتخذها عاصمة له، وظلت عاصمة للدولة بعده حتى سنة ٩٨١ حين انتهت دولة الحفصيين، بل لقد ظلت إلى اليوم عاصمة للإقليم التونسى. وكان أبو زكريا سيوسا حليما منصفا محسنا لتدبير دولته، وكان معدودا فى العلماء وفى الشعراء وله شعر مدون مع إحسانه لاختيار الرجال الذين يديرون معه دفّة الحكم، مما جعل أيامه خير أيام على الاقليم التونسى وأكثرها أرزاقا وجمعت دولته طائفة من كبار العلماء ونابهى الشعراء لا من الإقليم التونسى وحده، فقد نزل بدياره كثرة غامرة من علماء الأندلس وشعرائه مثل ابن الأبار وأحمد بن عميرة وحازم القرطاجنى وتظل هذه السيول الأندلسية وافدة على تونس فى عصر ابنه المستنصر مثل ابن برطلة رئيس الوفد الذى قدم إلى تونس سنة ٦٥٧ مبايعا المستنصر خليفة وأميرا، ومثله ابن القصير شاعر المستنصر وله فيه مدائح كثيرة، وعلى شاكلتهما ابن أندراس أهم أطباء المستنصر. وهذه الأسماء
стр. 4388
الأندلسية التى ذكرناها إنما هى رموز، فقد كان علماء الأندلس وشعراؤها الذين نزلوا بتونس وما وراءها من المدن لا يحصون عدّا، وقد بعثوا فيها جميعا حركة أدبية عظيمة، اقترنت بما كان فى البلاد من نشاط أدبى، فإذا هى تبدأ-منذ الأيام الأولى للدولة الحفصية-فى نهضة أدبية عظيمة، فإذا التفتنا إلى شعراء تونس وجدناهم كثيرين، مثل أبى طاهر الحميرى المتوفى سنة ٦٣٩ وعنان بن جابر الهلالى المتوفى سنة ٦٤٥ وأحمد اللّليانى المتوفى سنة ٦٥٩ وابن عربية المتوفى مثله سنة ٦٥٩ ومحمد بن أبى الحسين وزير المستنصر المتوفى سنة ٦٧١. ووراء هؤلاء فى القرن السابع الهجرى غير شاعر مبدع مثل ابن الشباط التّوزرىّ المتوفى سنة ٦٨١ وله شرح وتخميس لقصيدة الشّقراطسى اللامية فى المديح النبوى، وكان يعاصره ابن السّماط البكرى المهدوى المتوفى سنة ٦٩٠ وأشعاره جميعها مدائح نبوية رائعة. وتظل هذه النهضة الشعرية أيام الحفصيين مطردة فى القرن الثامن الهجرى، ويلقانا به شاعران من أسرة التجانى هما أبو الفضل وعبد الله صاحب الرحلة، وقد توفيا سنة ٧١٨ للهجرة، ونلتقى بإسحاق بن حسينة المتوفى سنة ٧٤٠ وبمحمد الظريف المتوفى سنة ٧٨٧، وما تلبث تونس أن تلقى بدرّتها اليتيمة ابن خلدون المتوفى بالقاهرة سنة ٨٠٨ وهو ناثرا أكبر منه شاعرا. وقلما نلتقى بشاعر مهم فى الحقب المتأخرة للدولة الحفصية، باستثناء الشهاب بن الخلوف المتوفى سنة ٨٩٩ وأبى الفتح بن عبد السلام المتوفى سنة ٩٧٥. وفى رأيى أن ضعف الشعر لعهد الدولة الحفصية فى القرنين التاسع والعاشر الهجريين يرجع إلى ما أخذ يسود منذ زمن ابن خلدون فى الإقليم التونسى وبجاية بعامة من اللغة العامية التى لا تحتفظ بالإعراب فى أواخر الكلمات، مما جعله يقول بمقدمته فى الفصل الخاص بأشعار العرب وأهل الأمصار لزمنه: «فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون، ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطردون بالخروج من فن إلى فن فى الكلام. . وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه، ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر. ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب». ويبدو أن هذه العامية غير المعربة اتسع استخدامها فى الاقليم التونسى، مما جعل الناطقين بالشعر الفصيح المعرب يقلون، وكان زملاؤهم من أصحاب الشعر العامى المسمون بالقوّالين يظهرون فى العهد الأول للدولة الحفصية على استحياء غير أنهم أخذوا يتكاثرون منذ زمن ابن خلدون والقرن التاسع الهجرى.
وكانت شئون الحكم فى أواخر عصر الدولة الحفصية قد ساءت سوء شديدا واستعان بعض حكامها بالإسبان ونزلوا فى ديارها-كما مرّ بنا-منذ سنة ٩٤٢ وأخذت البلاد تعانى من ظلم الإسبان وعسف الحفصيين ويستولى العثمانيون سنة ٩٨١ على الإقليم التونسى ويظل يعانى من
стр. 4389
سوء الحكم العثمانى إلى أن تتولاه الدولة الحسينية منذ سنة ١١١٧ غير أن لهذا الحكم السيئ حسنة فإن الإسبان أخرجوا من ديارهم من بقى بها من المسلمين سنة ١٠١٦ فاستقبلهم الحاكم التركى للإقليم التونسى: عثمان داى استقبالا كريما، وأوسع لهم فى اقتطاع الأراضى ومزاولة الصناعات، كما أوسع للشخصيات الفكرية والأدبية اللامعة أن تزاول حياتها فى تونس، وبذلك أخذوا يردّون لها دورها الثقافى فى العصر الصنهاجى وأوائل العهد بالدولة الحفصية غير أنه لم يتح لتونس حينئذ حكام يستطيعون أن يحققوا لتونس هذا الدور، حتى تولت الأسرة الحسينية شئون الإقليم، وكان مؤسسها مثقفا مستنيرا وكان أبناؤه يحسنون العربية، بل كان ولى عهده من بعده: محمد الرشيد شاعرا وموسيقيا، وله ديوان شعر، وكما كان مولعا بالشعر كان مولعا بالغناء والموسيقى، وإليه يرجع فضل ترتيب الأغانى الشعبية التونسية والأندلسية. وبحق تفتتح هذه الأسرة الحسينية عصرا جديدا بتونس، ظل يواكبها إلى آخر هذا العصر وفترة فى العصر الحديث، وكما أكثروا من إنشاء المدارس والاهتمام بجامعة الزيتونة وعلمائها من كل صنف أكثروا أيضا من الاهتمام بالشعراء والأدباء، وبذلك ظلت بتونس حركة أدبية ترافقها طوال عصر الدولة الحسينية، وممن نلتقى به من شعرائها فى أول العهد بها ابن أبى دينار صاحب كتاب المؤنس فى أخبار إفريقيا وتونس وأحمد برناز ومحمد الوزير السراج صاحب الحلل السندسية ومحمد الخضراوى ومحمد سعادة وإبراهيم بن القاسم الخراط، وأعلى منهم مرتبة فى الشعر على الغراب الصفاقسى وله ديوان منشور ومحمد الورغى والطوير القيروانى ومحمد الشافعى وحمودة ابن عبد العزيز والحجرى، ونلتقى بأخرة من العصر بمحمد ماضور القاضى وكان ينزع فى شعره نزعة صوفية كما نلتقى بمحمد الأصرم والطاهر بن عاشور، ونجد عندهم معارضات كثيرة، والطريف أنهم يعارضون بعض شعراء الأندلس فى قصائدهم مثل ابن زمرك.
٣ - أغراض الشعر والشعراء
أخذت الحركة الشعرية تنهض فى القيروان والمهدية منذ عصر الفاطميين أو منذ أوائل القرن الرابع، واتسعت فى عصر الدولة الصنهاجية اتساعا كبيرا أتاح لابن رشيق أن يؤلف فيها كتابه الأنموذج الذى ترجم فيه لمائة شاعر وشاعرة، واتسعت مع تلك الحركة حركة نقدية خصبة، فألف ابن رشيق كتابه البديع: العمدة فى صناعة الشعر ونقده.
ولم تتوقف موجات الحركة الشعرية مع الزحفة الأعرابية لبنى سليم وبنى هلال، فقد ظلت منها-كما أسلفنا-أسراب فى المهدية وفى قابس وسوسة وعادت إلى الانتعاش مع الأزمنة الأولى للدولة الحفصية، وغذتها حينئذ هجرة الأندلسيين إلى تونس وما وراءها من البلدان،
стр. 4390
وبالمثل غذتها هجرة مماثلة فى القرن الحادى عشر الهجرى انتشلت الأدب شعرا ونثرا مما كان قد صار إليه من الضعف الشديد وغلبة العامية عليه. ولن نستطيع أن نفصل الحديث فى الحركة الشعرية لاتساع جوانبها ومناحى القول فيها، بل سنعمد إلى غير قليل من الاجمال فى عرض أغراض الشعر ومن جلّى فى كل غرض، متخذين ممن نذكرهم رموزا لمن عاصرهم-وكذلك لمن خلفهم-من الشعراء، ونستهل ذلك بالحديث عن غرض المديح والنابهين من شعرائه على مر العصور.
شعراء المديح
أخذت سوق المديح تنفق فى الاقليم التونسى مع قيام الدولة العبيديّة التى كان خلفاؤها يتخذون منه منشورات للدعاية لحكمهم، ومرّ بنا ذكر بعض مادحيهم، ومن أهمهم أبو القاسم الفزارى المتوفى سنة ٣٤٥ وله مدحة بديعة فى المنصور الفاطمى حين انتصر على مخلد بن كيداد الثائر الخارجى سنة ٣٣٦ هـ وفيها يذكر من اشتهروا فى الجاهلية والإسلام بالشرف والجود والبأس، ثم يأخذ فى مديح المنصور وأنه لا يقل عنهم بأسا وجودا وشرفا بمثل قوله (١):
كريم المساعى والأيادى سمت به ... أبوّة صدق من ذؤابة هاشم
شريف الأدانى والأقاصى مهذّب ... إذا ما عددنا فضل أهل المكارم
وكان يعاصره على بن الإيادي، وسنخصه بكلمة. ويدور الزمن ونلتقى بحكام الدولة الصنهاجية، وكانوا بحورا فياضة، فجذبوا إليهم الشعراء من كل بلدة ومكان فى الإقليم التونسى، وتجلّت مواهبهم الشعرية الخصبة فى مدائحهم، من ذلك قول ابن سفيان فى المنصور الصنهاجى المتوفى سنة ٣٨٦ للهجرة (٢):
ومعترك ضاق الفضا فى مقامه ... من الطّعن والأرض العريضة خاتم
تجلّى لها المنصور فانجاب جنحها ... ولبّته فى لثم التراب الجماجم (٣)
قناتهم فى حيث لا السيف ينتضى ... كأن ضياه فى التراقى تمائم (٤)
كأن الطّلا وسط العجاج خناصر ... وقد صيغ من بيض الفرند خواتم (٥)
стр. 4391
وتصوير الفضا وأنه ضاق بالقتلى تصوير قريب، غير أنه جعل الأرض كأنها تحولت خاتما يختم على قتلى الأعداء، ويستمر فيجعل تناثر جماجمهم ورءوسهم على التراب كأنها تنفذ للمنصور أمرا بلثمها للتراب، ويتصور ضياء سيوف جيشه فى تراقيهم كأنه تمائم، ويتسع به الخيال فيجعل أعناقهم وسط غبار الملحمة كأنها خناصر وقد أحاطت بها من بيض السيوف خواتم. وهى روعات متتابعة من الخيال البديع، وقد عقب ابن رشيق على الأبيات بقوله: «هذا كلام منتقى، ليس فوقه مرتقى». ويقول قرهب الخزاعى فى باديس بن المنصور (١):
أبنى مناد سلكتم سنن الهدى ... والعقد منكم بالوفاء معار
وكأنّ باديس المملّك فيكم ... شمس الضحى وكأنكم أقمار
راق تلاع العزّ يحمى حوزه ... حدّ البواتر والقنا الخطّار
وحدا بمدحه جازع فى مهمه ... وشدا به الحضّار والسمّار
والكلمات فى الأبيات رصينة، ولكن المعانى مطروقة فى المديح، فبنو مناد أسرة باديس يسلكون طريق الهدى، وهم أهل الوفاء، وباديس شمس وهم أقمار من حوله، وهو راق تلاع العز أى أعاليه حام لحوز ملكه ونواحيه بالأسلحة الفاتكة، وهو محبوب حتى ليحدو بمدحه فى القفار كل خائف وحتى ليشدو باسمه ويتغنى الحضّار والسمار. ولإبراهيم بن القاسم القيروانى مدائح متعدّدة فيه وسنفرده بكلمة. وكان المعز بن باديس غيثا مدرارا، حتى قيل إن الشعراء الذين مدحوه وحفّوا به بلغوا المائة عدّا، ومن رائع مدائحه قول عبد العزيز بن خلوف الحرورى (٢):
لو يستطيع لأدخل الأموات من ... نعماه فيما نالت الأحياء
سوّت رعاياه يدا إنصافه ... حتى الشوامخ والوهاد سواء
متنوع العزمات ماء مغدق ... فيهم وعنهم صخرة صمّاء
ما أنت بعض الناس إلا مثلما ... بعض الحصى الياقوتة الحمراء
فلو يستطيع المعز لنشر الأموات كى يقاسموا الأحياء من رعيته ما ينثر عليهم من نعماه، وإن يدى إنصافه لتسوى تسوية عادلة بين الأغنياء والفقراء من رعاياه، وإنه لمتنوع العزمات فهو على رعيته غيث مدرار، وهو على أعدائه صخرة صماء، وما يلبث الشاعر أن يأتى بصورة بديعة فالمعز حقا واحد من الناس إلا أنه ينفرد عنهم كما تنفرد من بين الحصى الياقوتة الحمراء.
стр. 4392
وفيه يقول ابن شرف القيروان (١):
شهاب الحرب مهلك كلّ باغ ... ومحرق كل شيطان رجيم
تقطّع دونه البيض المواضى ... وتجفل منه إجفال الظليم (٢)
ويجلو عنه ليل النّقع وجه ... كبدر التّمّ فى الليل البهيم (٣)
فهو لا يهلك البغاة فحسب، بل يدمرهم ويحرق شياطينهم الملعونين، كأن لم يكونوا شيئا مذكورا، ومن دونه تقطّع السيوف الحداد القاطعة، وتنفر منه نفور النعام فى البوادى، حتى إذا أثير بالغبار الكثيف فى الحرب تجلى وجهه كما يتجلّى البدر فى اكتماله بالظلام المعتم الداجى.
وكان يعاصر ابن شرف الحسن بن رشيق القيروانى شاعر المعز وسنفرده بكلمة. وخلف المعز فى المهدية ابنه تميم، وكان محبا للعلماء ومعظما للشعراء وقصدوه من الآفاق البعيدة، وله أشعار جيدة، وفى عهده أغار أسطول النصارى على المهدية وعاثوا فيها فسادا سنة ٤٨٠ هـ إلى أن انسحبوا منها بعد صلحهم مع تميم، ووصف شاعره أبو الحسن الحداد هذه الحادثة فى قصيدة فائية استهلها بقوله (٤):
أنّى يلمّ الخيال أو يقف ... وبين أجفاننا نوى قذف (٥)
وخلف تميما ابنه يحيى، وبه نزل أمية بن أبى الصلت الشاعر الأندلسى الكبير فأغدق عليه من إكرامه وكذلك ابنه على وحفيده الحسن وأغدق عليهم من مدائحه، وبنى علىّ أسطولا للقاء روجار وحماية المهدية فتبارى الشعراء فى مديحه بسببه من مثل محمد بن بشير المهدوى وغيره، وكان متولى قابس رافع بن جامع الهلالى مدّ يده إلى روجار ضده وضد العرب فصمّم على فتحها وتم له ذلك سنة ٥١١ وتبارى الشعراء فى تهنئته بهذا الفتح من مثل قول محمد بن بشير الذى يتهم رافعا بأنه أصبح نصرانيا (٦)
سل رافعا ما الذى أجرى تنصّره ... وهل يقى الذلّ عنه من به وثقا
لو لم ير الروم أهلا والصّليب أبا ... لم يشك من عيشه فى قابس رنقا (٧)
يقول له إن حياته فى قابس كانت صفوا هنيئة لولا ما كدرها من تعاونه مع روجار وأعوانه
стр. 4393
من النصارى حتى لكأنما فارق دينه وتنصر بوقوفه مع أعداء الإسلام لا يذكر عهدا ولا ذمة.
وفى أواخر عصر الطوائف يلقانا مدافع بن رشيد من بنى جامع الهلاليين وكان شجاعا حتى لقّب بأبى الحملات، كما كان جوادا ممدّحا، وذكر صاحب الخريدة من مداحه أبا محمد الكلبى والسكدلى القفصى ويحيى بن التيفاشى، وأهم شعرائه جميعا سلام بن فرحان القابسى جليسه ووزيره، وأنشد له العماد فى مديحه ميمية بديعة يقول فيها (١):
هنّئ مدافع أن الله خوّله ... سعدا ينال به كلّ الذى راما
قم فافتح الأرض فالأملاك كلّهم ... سواك أضحوا عن العلياء نوّاما
وكان فى نفس الحقبة أميرا على سوسة جبارة بن كامل بن سرحان البعيد الصيت المشتهر بالجود، وهو هلالى مثل مدافع أمير قابس وشاعره ابن فرحان، ومن مداحه أبو الحسين بن الصبان المهدوى وفيه يقول (٢):
فتى للعشيرة عزّ لها ... غدا لجميع البرايا ثمالا
فهو ثمال وغياث لا للعشيرة وحدها بل لجميع الناس، وأهم منه بين شعراء جبارة التراب السوسى، وسنخصه بترجمة موجزة.
ونمضى إلى عصر الدولة الحفصية وكان مؤسسها أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد، وكان شاعرا محسنا، وله أشعار حماسية جيدة وفى موضوعات مختلفة، واهتم بالحركة العلمية والأدبية فى عهده، وفسح فيها وفى دولته للمهاجرين الأندلسيين، ولهم فيه ولمعاصريهم من التونسيين مدائح كثيرة، وهو جدير بها لما امتاز به من بعد النظر وحسن التدبير مع سمو الهمة، وكان يتلقب بالأمير فحسب، وعرّض له بعض الشعراء بأنه ينبغى أن يتسمى بأمير المؤمنين قائلا (٣):
ألا صل بالأمير المؤمنينا ... فأنت بها أحقّ العالمينا
فزجره زجرا شديدا، ولم يقبل منه ذلك. حتى إذا تولى ابنه المستنصر عمل على أن تأتيه البيعة بالخلافة كما مر بنا فى تاريخه، وكان ذلك من أسباب تكاثر العلماء والأدباء والشعراء فى تونس، إذ أصبحت تعدّ نفسها-من بعض الوجوه-حامية حمى الإسلام. ومن أهم شعرائها ابن عريبة وسنخصه بكلمة. وحدّثت نفس لويس التاسع بعد إخفاق حملته على مصر أن يغير على تونس سنة ٦٦٨ للهجرة وحاصرها نحو أربعة أشهر، وكان عداد جيشه الذى هاجم به
стр. 4394
مصر سبعين ألفا فأصبح لا يرى فيه إلا قتيل أو أسير أو جريح، وقيّد لويس إلى دار تعرف بدار ابن لقمان والأغلال فى يده وحارسه الطواشى صبيح، وافتكّ نفسه من الأسر بدية كبيرة، فقال للويس بعض التونسيين مشيرا إلى كارثته بمصر (١):
يا فرنسيس هذه أخت مصر ... فتأهّب لما إليه تصير
لك فيها دار ابن لقمان قبر ... وطواشيك منكر ونكير
وصدّقت الأقدار قول هذا الشاعر التونسى فإن لويس دفن تحت سور تونس، وعاد جيشه إلى فرنسا مخذولا مدحورا. ولم يخل حكم المستنصر من عصيان بعض القبائل عليه فى الجهات النائية، وعصت عليه رياح فى جهة بسكرة، ووصلت إليه جماعة منها على غير أمان، فصلب أبدانهم ببسكرة ورءوسهم بتونس، وفى ذلك يقول أبو عبد الله بن أبى تميم الحميرى مادحا للمستنصر (٢):
ويا حسن ما قرّت به أعين الورى ... رءوس رياح فى رءوس رماح
فهذى دماء المارقين مباحة ... وهذا حمى الإسلام غير مباح
بمستنصر يرمى العدا بكتائب ... تعمّ نواحى أرضهم بنواح
ويظل خلفاء المستنصر معنيين بالحركتين الأدبية والعلمية. ويشتهر بين كتاب دواوينهم وشعرائهم آل التجانى وتنبغ فى الشعر بين نسائهم زينب بنت إبراهيم التجانى، ولهم أثر غير قليل فى الحركة الأدبية حتى زمن الخليفتين أبى عصيدة وأبى ضربة. واشتهر بين مداح الخلفاء فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى، بل قبل ذلك بفترة عبد الله التجانى صاحب الرحلة المشهورة المتوفى بعد سنة ٧١٨ وسنخصه بكلمة، وكان يصادق كبير مشيخة الدولة أبا يحيى اللحيانى الحفصى وتولى الخلافة حينا. وممن خلفوه أبو بكر المتوكل، وكان شاعرا وفى شعره وشعر معاصريه من أهل تونس يقول ابن فضل الله العمرى فى مسالك الأبصار: «لأهل إفريقية (تونس) لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل برّ العدوة (المغرب) وسائر بلاد المغرب بمجاورتهم مصر وقربهم من أهلها ومخالطتهم إياهم ومخالطة من سكن عندهم من أهل إشبيليّة من الأندلس وهم من هم خفة روح وحلاوة بادرة، وأهل انطباع، وكرم طباع، وناهيك من بلاد من شعر ملكها السلطان أبى بكر المتوكل قوله:
стр. 4395
مواطننا فى دهرهنّ عجائب ... وأزماننا لم تعدهن الغرائب
مواطن لم تحك التواريخ مثلها ... ولا حدّثت عنها الليالى الذواهب
وقوله فى الحماسة:
انظر إلينا تجدنا ما بنا دهش ... وكيف يطرق أسد الغابة الدّهش
لا تعرف الحادث المرهوب أنفسنا ... فإننا بارتكاب الموت ننتعش
وقوله فى الغزل:
عسى الله يدنى للمحبّين أوبة ... فتشفى قلوب منهم وصدور
وكم من قصىّ الدار أمسى بحزنه ... فأعقبه عند الصباح سرور
وإذا كان هذا رقة طبع السلطان فما ظنك بغيره من العلماء والأدباء (١)! ». ولعل هذا الحكم الدقيق لابن فضل الله العمرى خير رد على ابن خلدون المتوفى بعده بستين عاما وما ذهب إليه فى مقدمته من عراقة العجمة فى لغات أهل الأمصار، كما هو واضح-كما يقول-فى لغات أهل إفريقية وأشعارهم، ويتسع بالتهمة فى الإقليم التونسى قائلا: «ولهذا ما كان بإفريقية من مشاهير الشعراء إلا ابن رشيق وابن شرف، وأكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين عليها، ولم تزل طبقتهم فى البلاغة حتى الآن مائلة إلى القصور». وابن فضل الله العمرى إنما يتكلم عن شعراء الإقليم التونسى فما بالنا بالقرون التالية لابن رشيق وابن شرف ومن بها من الشعراء التونسيين المجيدين المحسنين، من أمثال على الحصرى وعبد الله الشقراطسى من شعراء القرن الخامس بعد ابن رشيق وابن شرف وأبى الفضل بن النحوى والتراب السوسى من شعراء القرن السادس وابن عريبة والسّماط المهدوى من شعراء القرن السابع وعبد الله التجانى وابن حسينة من شعراء القرن الثامن، وجميعهم ممن تباهى بهم تونس، وسنترجم لهم فى الصحف التالية محاولين أن نوضح براعاتهم الشعرية، ونفس ابن خلدون كان شاعرا وله مدائح فى السلطان أحمد معاصره، وهو لا يتفوق فى شعره تفوقه فى نثره، ولذلك سنترجم له بين الكتّاب.
وفى الحق أنه قسا فى حكمه على شعراء تونس وبالغ فى قسوته. وفى سنة ٨٣٨ تولى أبو عمرو عثمان حتى سنة ٨٩٣ وهو خاتمة خلفائهم الضابطين للحكم وإدارته، وفى الحلل
стр. 4396
السندسية أنه ممدوح الشهاب ابن خلوف (١) الجزائرى المتوفى سنة ٨٩٩ وله فى مديحه (٢):
تلقاه أنّى حلّ يبسط للقرى ... بسطا يظلّلها القنا الرّيان
شرف أتيه وبيت ملك شامخ ... فوق السّماك غدا له إيوان
فهو جواد لا يزال جوده يفيض فى كل مكان يحل فيه، ولا تزال رماح شجاعته وشجاعة جيشه تظلّه وتظل من حوله من رعاياه، شرف ناله من بيت ملك سامق، إيوانه فوق السماك فى أعلى مكان. ويختم العصر الحفصى بأبى الفتح بن عبد السلام الذى بكى الدولة الحفصية وتاريخها بكاء حارّا.
ويعود إلى المديح والشعر بعامة غير قليل من الانتعاش فى عصر الدولة الحسينية، العثمانية كما أسلفنا إذ كان حكامها يولدون بتونس ويتربون فيها تربية عربية، وأخذوا يشعرون بأنهم تونسيون وأن واجبهم أن ينهضوا بتونس علميا وأدبيا وهو ما وضعه نصب عينيه مؤسسها حسين بن على، وبالمثل على ابن أخيه حين استولى على الحكم، ودارت الدوائر عليه لابن عمه محمد الرشيد، فاستولى على صولجان الحكم، وكان شاعرا بارعا وموسيقيا ماهرا فبث فى تونس حركة أدبية وموسيقية تخفق بالحياة، وسار سيرة أبيه وابن عمه فى تشجيع العلماء والشعراء، ولم يلبث أن توفى فخلفه أخوه على الثانى، وتعرّض حكمه لهزات عنيفة كانت له فيها دائما الغلبة، وخلفه ابنه حمودة وكانت أيامه أيام رخاء ويسر، ونعمت فيها الرعية بالأمن والاستقرار ورخاء الأسعار وصلاح البلاد، فكان طبيعيا أن يكون القرنان الحادى عشر والثانى عشر الهجرى قرنى عمران وخصب فى الحياتين العلمية والأدبية، غير أن تونس أصابها حينئذ ما أصاب البلاد العربية من تخلف فى الحياة العلمية، فغدت تعتمد على المتون والشروح وكأن ابن خلدون لم يخلّف وراءه فيها من ينهض بالحياة العلمية فى المستوى الذى كتب فيه مقدمته، وأيضا فإن الحياة الأدبية-وحياة الشعر خاصة-أصابها غير قليل من التخلف، إذ أخذ الشعراء يرتضون لأنفسهم الاكتفاء فى كثير من الأحيان بأن يعارضوا هذا الشاعر أو ذاك من شعراء الأسلاف، فإن تركوا المعارضة فإلى تمسك شديد بفنون البديع وخاصة فن التورية، وبذلك ضيّقوا على أنفسهم القنوات التى ينبغى أن يجرى فيها الشعر وملئوها بما لا يحصى من المحسنات البديعية، وهى محسنات كانت من الكثرة بحيث كادت تخنق الشعر خنقا، ونصبح وكأننا فى حاجة إلى مصباح ديوجين لنجد شاعرا تونسيا يخلص أشعاره من هذه الأعشاب والمعوقات الضارة التى تكاد تفقدها الحياة، ومع ذلك لن نعدم أن نجد بين شعراء المديح من يخفف عن شعره عبء
стр. 4397
أعباء هذه المحسنات، من مثل قول السراج صاحب الحلل السندسية مهنئا محمدا الرشيد بجلوسه على أريكة الولاية (١):
أمير السعادة يهنيكم ... شباب الولاية بعد المشيب
وأيام ملكك ألبستها ... على العز ثوب الجمال العجيب
مليك يخال سنا وجهه ... ضحى الشمس من فوق غصن رطيب
فقد ردّ إلى الولاية شبابها وألبسها ثوب الجمال العجيب، وكأنما سنا وجهه ضحى الشمس من فوق غصن رطيب. وهو مجرد كلام وليس فيه رصانة التعبير ولا دقة المعانى ولا دقة التصوير، إنه مجرد كلام منظوم على وزن وقافية. وبنفس الأسلوب يهنئ حمودة بن عبد العزيز محمدا الرشيد باى حين استولى على صولجان الحكم قائلا (٢):
الآن قد وافى الأمير وطاب لى ... زمن الحسينى أن أبيت مسهّرا
الأروع الملك الرشيد محمد ... أعلى الملوك ذرا وأطيب عنصرا
وأجلّ من جلّى الخطوب وقد دجت ... ليلا وأفضل من يقود العسكرا
بذل النّوال كما استهلّت ديمة ... وبكفه سيف يريك تسعّرا
والأبيات ليس فيها روح وبعض ألفاظها قلق ولا يكاد يستقر فى موضعه على نحو ما يتضح فى كلمة «مسهرا» فى البيت الأول وكلمة «تسعرا» فى البيت الرابع، وبدلا من أن يبيت هانئا لاعتلاء محمد الرشيد باى منصة الحكم يبيت مسهدا. وخير من هذين الشاعرين الطوير القيروانى فى تهنئته لعلى باى الثانى حين انتصر على بعض خصومه وأذاقهم وبال عصيانه مستهلا تهنئته الطويلة بقوله (٣):
فتح ونصر وإسعاد وإقبال ... لمن له خضعت صيد وأقيال (٤)
ومن له همّة شمّاء قد سحبت ... لها على الفلك الدوار أذيال (٥)
ومن سريرته طابت وسيرته ال ... غرّاء سارت بها فى الفلك أمثال
علىّ بن حسين من له فخر ... على الملوك وإعظام وإجلال
والقصيدة بها شئ من الرصانة يحول بينها وبين السقوط كسابقتها، وإن كانت لا تستمر فى
стр. 4398
هذه الديباجة. وأكثر من هذه القصيدة رصانة وجزالة قصيدة لخليفة المشرق فى نفس الممدوح يحمّسه ويستثيره فيها على منازلة خصومه مستهلا لها بقوله (١):
قاتل بسعدك فالمعالى تنجد ... واعزم فجدّك لم يزل يتجدّد
والحرب أنت مجيدها ومجيلها ... والخلق تعلم والوقائع تشهد
سمعت خيولك بالحروب فهزّها ... طرب وباتت للصّهيل تردّد
ما ذاك إلا أنها عوّدتها ... حمر الدّما حيث النّجيع المورد (٢)
ويستمر الشاعر طويلا فى وصف معارك على باى وما يخوض فيها من الدماء إلى أعدائه وما يقطف من رءوسهم. والقصيدة حماسية قوية، ولم ننشد شيئا من شعر الشاعرين الرسميين على العراب الصفاقسى ومحمد الورغى، لأننا سنخصهما بترجمتين مجملتين. ونتوقف الآن لنترجم لبعض من مرّوا بنا من شعراء المديح، وسنحاول الإيجاز قدر المستطاع.
على (٣) بن محمد الإيادي
نشأ وتربى بتونس، وهو من أهم شعراء الدولة العبيديّه بالقيروان والمهدية، وخدم الخلفاء:
القائم والمنصور والمعز، وذكره محمد بن شرف فقال: «وأما على بن الإيادي التونسى فشعره المورد العذب، ولفظه اللؤلؤ الرّطب، وهو بحترىّ الغرب، يصف الحمام، فيروق الأنام، ويشبّب فيعشق ويحبّب». ومن شعره فى وصف أسطول القائم بالمهدية:
اعجب لأسطول الإمام محمد ... ولحسنه وزمانه المستغرب
لبست به الأمواج أحسن منظر ... يبدو لعين الناظر المستعجب
من كل مشرفة على ما قابلت ... إشراف صدر الأجدل المتنصّب (٤)
دهماء قد لبست ثياب تصنّع ... تسبى العقول على ثياب ترهّب (٥)
وتصويره للسفن بأنها منتصبة الصدر كالصقر تترقّب ما تنقضّ عليه تصوير بديع، ويتصور اللون الأبيض فى أعاليها كأنه ثياب ترهب، ويتحدث عن نار النفط التى تقذفها بألسنتها على الأعداء وعما يحفّها من مجادف مصفوفة فى الجانبين تطير بها فى عباب البحر المتوسط طيرانا.
ويطيل فى وصف الأسطول متنقلا بين تصاوير رائعة وهى قصيدة بديعة، ومثلها قصيدة ثانية
стр. 4399
وصف فيها القصر الذى أنشأه المنصور بصبرة إحدى ضواحى المهدية، وفيه يقول:
بنى قبّة للملك فى وسط جنة ... لها منظر يزهى به الطّرف مونق
لها جدول ينصبّ فيها كأنه ... حسام جلاه القين بالأرض ملصق
لها مجلس قد قام فى وسط مائها ... كما قام فى فيض الفرات الخورنق
إذا بثّ فيها الليل أشخاص نجمه ... رأيت وجوه الزّنج بالنار تحرق
والصور بديعة فالجدول كأنه حسام جلاه القين أو الحداد فهو يلمع أشد اللمعان بما فيه من مياه، وهو ملقى على الأرض بل ملصق بها لا يتركها أبدا، وقد قام وسط الماء مجلسها، وكأنه قصر الخورنق الذى بناه المنذر بن ماء السماء قديما على ضفة الفرات، حتى إذا دجا الليل وانتثرت النجوم على صفحة السماء رأيت وجوه الزنج تحرق بالنار. وتتكاثر هذه الصور وما يماثلها فى شعر الإيادي مما يدلّ بوضوح على ثراء ملكته الشعرية، وقد توفى سنة ٣٦٥ هـ/٩٧٦ م.
الكاتب (١) الرقيق إبراهيم بن القاسم القيروانى
نشأ وتربّى فى القيروان وإليها نسب، وهو شاعر باديس ورئيس الإنشاء فى الدولة الصنهاجية لمدة خمس وعشرين سنة، وهو مؤرخ إفريقية الكبير، وتاريخه فيها وفى المغرب فى عدة أجزاء، لم تنشر منه حتى الآن سوى قطعة صغيرة، ويقول عنه ابن خلدون فى مقدمته: «الرقيق مؤرخ إفريقية والدول التى كانت بالقيروان ولم يأت من بعده إلا مقلد له» ويقول ابن رشيق: «هو شاعر سهل الكلام محكمه لطيف الطبع قويّه، تلوح الكتابة على ألفاظه، غلب عليه اسم الكتابة وعلم التاريخ وتأليف الأخبار، وهو بذلك أحذق الناس، وله فى باديس أشعار مختلفة منها قوله:
وما مثل باديس ظهير خلافة ... إذا اختير يوما للظهيرة موضع
نصير لها من دولة حاتميّة ... إذا ناب خطب أو تفاقم مطمع
حسام أمير المؤمنين وسهمه ... وسمّ زعاف فى أعاديه منقع
فباديس ظهير الخلافة وعونها ونصيرها الأكبر حين تنوب كارثة أو يتفاقم خطب، إنه حسام أمير المؤمنين وسهمه وسمّ قاتل لأعاديه. وله قصيدة يصف فيها وقعة حربية استبسل فيها باديس بشلف قرب المحمّدية (المسيلة) سنة ٤٠٥ وكتب له فيها النصر على أعدائه، يقول:
стр. 4400
لم أنس يوما بشلف راع منظره ... وقد تضايق فيه ملتقى الحدق
والبيض فى ظلمات النّقع بارقة ... مثل النجوم تهاوت فى دجى الغسق
وقد بدا معلما باديس مشتهرا ... كالشمس فى الجوّ لا تخفى عن الحدق
وأىّ راحته لو فاض ناهلها ... وبأسها فى الورى أشفوا على الغرق
لو صوّر الموت شخصا ثم قيل له ... أبو مناد تبدّى مات من فرق
وهو يصور فى البيت الأول ما أخذ الناس من الفزع فى أول المعركة، ويقول إن السيوف كانت تلمع وتبرق فى ظلمات الغبار وكأنها نجوم تتهاوى فى دجى الليل، ولم يلبث أن بدا باديس وسط ظلام المعركة وكأنه الشمس لا تخفى عن الأبصار، ويتجسّد له الجود والبأس فى راحته، فلو فاضت على الورى لأشفقوا على أنفسهم من الغرق فى جوده وبأسه، وما يلبث أن ينفذ فى مديحه لباديس إلى صورة طريفة، فلو تجسد الموت شخصا، ثم قيل له هذا أبو مناد باديس لمات من الفرق والفزع، وقد علق ابن رشيق على بعض أبيات القصيدة بقوله إنها بديعة «حسنا وملاحة وإيجازا وفصاحة وليس فى ألفاظ الكتابة العذبة مثل ما أتى به ولا مستزاد عليه، ألا ترى كيف تأنق فأغرب، ونمّق فأعجب». وله مدائح رائعة فى محمد بن أبى العرب قائد باديس. وزار القاهرة وله قصيدة يتشوق فيها إلى أهلها ومتنزّهاتها البديعة، وقد توفى حوالى سنة ٤٢٠ هـ/١٠٣٠ م.
ابن (١) رشيق
هو أبو على الحسن بن رشيق، ولد بمدينة المحمدية المعروفة الآن باسم المسيلة لأب رومى من موالى الأزد سنة ٣٩٠ وكان أبوه يحترف الصياغة فعلّمه صنعته، وأحسّ الغلام بنزعة فيه إلى الأدب، فهاجر إلى عاصمة القيروان المشهورة به حينئذ سنة ٤٠٦ وأخذ ينهل من حلقات شيوخها ويختلط بالأدباء والشعراء القيروانيين، وأخذت ملكته الشعرية تتفتّح، واشتهر بجودة الخاطر وحسن القريحة، حتى إذا كانت سنة ٤١٧ وكان المعز بن باديس قد بنى لنفسه بناء فى صبرة: إحدى ضواحى المهدية، رأى أن ينشده قصيدة، ومما قاله فيها:
يا بن الأعزّة من أكابر حمير ... وسلالة الأملاك من قحطان
стр. 4401
من كلّ أبلج آمر بلسانه ... يضع السيوف مواضع التيجان
وأعجب المعز بالقصيدة، وشعر ابن رشيق باستحسانه لها، فحاول أن يتقرب منه بقصيدة لامية أكثر من القصيدة الأولى إبداعا وافتنانا، فقيّد فى ديوانه وأخذ الصلة منه، وحمل على مركب تمييزا له بين أقرانه، وفى مديحها يقول:
لدن الرماح لما تسقى أسنّتها ... من مهجة القيل أو من مهجة البطل
لو أورقت من دم الأبطال سمرقنا ... لأورقت عنده سمر القنا الذّبل
إذا توجّه فى أولى كتائبه ... لم تفرق العين بين السّهل والجبل
فالجيش ينفض حوليه أسنّته ... نفض العقاب جناحيها من البلل
فرماح المعز لدنة لما يسقيها من مهج الملوك والأبطال، ولو أن الرماح تورق من دم الأبطال لأورقت رماحه الدقيقة، وما أعظم كتائبه إنه حين يتوجه فى أولاها لا تستطيع التفرقة بين السهل والجبل وما يلبث ابن رشيق أن ينفذ إلى صورة بديعة، فالجيش ينفض من حول المعز أسنته نفض العقاب جناحيه من البلل ويقول ابن خلكان: هذا البيت من فرائده، وكان كثيرا ما ينفذ إلى مثل هذه الفرائد، فقد غاب المعز عن حضرته وكان العيد ماطرا، فأنشد:
تجهّم العيد وانهلّت بوادره ... وكنت أعهد منه البشر والضحكا
كأنه جاء يطوى الأرض من بعد ... شوقا إليك فلما لم يجدك بكى
وكان يعرف كيف ينفذ إلى هذه الصور البديعة، وبدعها إنما يرجع إلى ما تحمل من عنصر المفاجأة، ومن ذلك قوله فى تميم بن المعز:
أصحّ وأعلى ما سمعناه فى النّدى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كفّ الأمير تميم
وقد ظل مع المعز يؤلّف كتبه الرائعة: العمدة وغيره، حتى إذا كانت الهجرة الهلالية وتراجع أمر المعز بكى القيروان طويلا، ورحل إلى جزيرة صقلية واستقرّ بمدينة مازر إلى أن وافاه أجله سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٤ م، وله فى بكاء القيروان وما صارت إليه أشعار كثيرة بديعة.
التراب (١) السوسى
هو من شعراء عصر الطوائف ومن أهل سوسة. الثغر المعروف على المتوسط إلى الجنوب
стр. 4402
الشرقى من تونس ومثلها مثل قابس دخلت فى حوزة العرب الهلالية بعد زحفتهم إلى الإقليم التونسى. وما زال يتوالى أمراء من عرب الهلالية منذ عهد تميم بن المعز، انتزعوها من أيدى الدولة الصنهاجية، وتملكها أخيرا جبارة بن كامل بن سرحان الهلالى الذى اشتهر بجوده، فأقبل عليه الشعراء يقدمون إليه مدائحهم وفى مقدمتهم شاعره التراب السوسى، وهو سوسى المولد والمربى والحياة والوفاة، وله فيه قصائد بديعة طوال إمارته لسوسه إلى أن استولى عليها روجار صاحب صقلية حين أخذ المهدية من يد الحسن بن على بن يحيى بن تميم الصنهاجى سنة ٥٤٣ واستولى معها على بقية بلاد الساحل التونسى إلى أن خلص عبد المؤمن سوسة والمهدية وبلاد الساحل جميعا من أيدى النورمان النصارى سنة ٥٥٥ ودخل جبارة فى طاعته. وللتراب السوسى قصيدة بديعة فى جبارة على نهج قصيدة مهيار الديلمى: (بكر العارض تحدوه النعامى) ومقدمتها لا تقل عنها وجدا واضطرام الحبّ شوقا وغراما، كما لا تقل عنها نسقا موسيقيا بديعا، وفى مديحه لجبارة يقول:
مقبل القلب على سبل الهدى ... معرض عن كلّ ما جرّ الأثاما
ليس يدرى ما المزامير ولا ... يسمع الصّنج ولا ذاق المداما (١)
وإذا استصرخته فى حادث ... فعلى الحادث جرّدت حساما
بيته كعبة بشر نصبت ... تفصم الغمّ عن الناس انفصاما
لذوى الحاج زحام حولها ... زحمة الحجاج قد زاروا المقاما (٢)
وجبارة، -فى الأبيات-يقبل على طرق الهدى ويعرض عن كل ما يجر إثما، كما يعرض عن كل لهو من مزامير وخمر وضرب للصنج، وإنه ليغيثك غوث السيف القاطع فى أى حادث يعتريك. وما يلبث التراب السوسى أن ينفذ إلى صورة بديعة، فبيت جبارة كأنه كعبة تفصم الغم عن قاصديه من ذوى الحاجات. ويتخيل أنهم يزدحمون حول منزله ازدحام الحجاج حول الكعبة، وله فى جبارة قصيدة ثانية وقف فيها طويلا عند أطلال صاحبته وتحدث عن أيامها الخوالى ومن كان بها من الغانيات الفاتنات وأطال فى وصفهن، وخرج إلى مديح جبارة بمثل قوله:
جبارة ابن كامل ... كهف النّدى والكرم
العارض الذى إذا ... أخلف صوب الدّيم
سرت سحاب جوده ... من غيثه المنسجم
وأمطرت من الحيا ... نهرا لكل معدم (٣)
стр. 4403
الفارس الذى إذا ... أسرج كلّ شيظم (١)
وسلّ كلّ مرهف ... وسلّ كل لهذم (٢)
تراه إن صاح بهم ... تحت وطيس قد حمى
تراكبوا من خوفه ... بعضا على بعضهم
والأبيات تسيل عذوبة مع صور بديعة، فالعارض أو السحاب الذى يخلف صوب الديم والأمطار لا يزال يهطل بجانبه عارض جوده بغيثه المدرار، حتى ليفيض أنهارا من الحيا والغيث المتدافع لكل معدم، وحين يسرج كل فرس كأنه أسد ضخم، ويسل كل سيف حاد ولهذم قاطع ترى الأعداء حين يحمى وطيس الحرب ويصيح بهم يتراكبون بعضا على بعض فزعا منه ورعبا ما بعده رعب. والقصيدة تموج بمثل هذه الصور البديعة، مع ما تموج به من خفة فى الموسيقى حتى لكأنما تطير عن الفم طيرانا، مما يرتفع بالتراب السوسى إلى منزلة عليا فى عالم الشعر. وقد ظل الناس فى الإقليم التونسى يغرمون بإنشادها حتى أوائل القرن الثامن الهجرى، إذ يشهد التجانى بذلك فى رحلته قائلا إن أعراب زماننا قد أولعوا بإنشادها وكثرة تردادها حتى عصره.
ولعل فى ذلك ما يدل-من بعض الوجوه-على صحة ما زعمناه فى غير هذا الموضع من أن الفصحى كانت لا تزال تجرى فى ألسنة الناس-وخاصة من الأعراب-حتى هذا التاريخ.
ابن (٣) عريبة
هو أبو عمرو عثمان بن عتيق المهدوى، من شعراء المهدية وفقهائها ومحدّثيها الأعلام، ولد سنة ٦٠٠ وبها منشؤه ومرباه، وله كثير من المصنفات منها كتاب جوامع الكلم النبوية، وآثار السحابة فى أشعار الصحابة، وله ديوان سماه قصائد المدح ومصائد المنح، وكانت له فى أبى زكريا مؤسس الدولة الحفصية مدائح كثيرة، وقد استدعاه مع جماعة من خواصه وشعرائه لنزهة فى روضه المسمى بأبى فهر، فنظموا فى وصفه قصائد وقدموها إليه، وأجابهم عنها بأبيات تتضمن تفضيل قصيدة ابن عريبة على قصائد من حضره من الشعراء قائلا:
ألا إنّ مضمار القريض لممتدّ ... به شعراء السّبق أربعة لدّ
فأما المجلّى فهو شاعر جمّة ... أتى أوّلا والناس كلّهم بعد
وجمّة من قرى المهدية، وواضح أنه يريد بشاعرها ابن عريبة، وله شعر طريف فى
стр. 4404
التشوق إلى بلده، وهو ما جعله فى أثناء مدحه لأبى زكريا يطلب إليه أن يوليه قضاء بلدته جمة قائلا:
ذكرت جمّة والذّكرى تهيج أسى ... وأين جمّة منّى والمنستير
وما مناى لياليها التى سلفت ... وما هواى محانيها المعاطير (١)
لكن بها رحم مجفوّة يئست ... من أن تقرّبنى منها المقادير
فإن رأى من أدام الله نعمته ... عليه لى خطّة فيها فمأجور
وكأن ابن عريبة خيّر أبا زكريا بين قضاء جمة أو قضاء المنستير بالقرب منها، وعيّنه قاضيا بتبرسق وظل بها إلى وفاته سنة ٦٥٩. ولما توفى أبو زكريا وتولى ابنه المستنصر نظم قصيدة رائعة جعل شطرها الأول عزاء فى أبى زكريا وشطرها الثانى تهنئة للمستنصر، وتمضى على هذه الشاكلة:
ولئن طوى بدر الإمارة مغرب ... فلقد جلا شمس الخلافة مطلع
فأضاء بالمرحوم ذلكم الثّرى ... وأنار بالمنصور ذاك المربع
بسطوا لسان الشكر فيمن بايعوا ... وثنوا عنان الصّبر عمّن ودّعوا
ورأوا خلال محمد فتباشروا ... وتذكّروا يحيى الرّضا فتفجّعوا
ويقول الرواة إنها قصيدة طويلة، ويدل ما ذكروه من أبياتها السالفة على مهارة ابن عريبة فى الجمع بين التعزية والتهنئة فى كل بيت من أبياتها. ولو وصلتنا القصيدة أو بعبارة أدق لو وصلنا ديوان ابن عريبة لاستطعنا أن نحكم على إبداعه الشعرى بصورة أكثر دقة، ومع ذلك فالأشعار التى أنشدها له الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب تدل على موهبة شعرية فذّة، وإذا كان التّراب السّوسى يدل على خطأ حكم ابن خلدون فى أن الشعر التونسى توقف بعد ابن رشيق وابن شرف، فابن عريبة يدل بدوره على خطأ هذا الحكم.
عبد (٢) الله التجانى
هو عبد الله بن محمد التجانى، من أسرة ظلت راعية للأدب والثقافة منذ عهد مؤسس الدولة الحفصية أبى زكريا إلى عهد أبى يحيى زكريا الذى اشتهر باسم ابن اللحيانى (٧١١ - ٧١٧ هـ)
стр. 4405
وقد ولد عبد الله حوالى سنة ٦٧٠ هـ/١٢٧٢ م ورعاه أبوه محمد خير رعاية، فأخذ ما عند أبيه وأسرته من الأدب والفقه، وانتظم مبكرا مثله فى ديوان الإنشاء وعرف بالبراعة فى الشعر والترسل، وكان طموحه أوسع من ذلك، فأخذ يختلف إلى حلقات الفقهاء والمحدثين من أهل تونس والطارئين عليها. وانعقدت صداقة وثقى بينه وبين أبى يحيى زكريا المشهور بابن اللحيانى كبير أمراء الدولة الحفصية، حتى إذا رأى هذا الأمير أن يقوم برحلة واسعة فى شرقى الإقليم التونسى وجنوبيه سنة ٧٠٦ هـ/١٣٠٧ م اصطحبه معه فى تلك الرحلة التى ظلت سنتين ونصفا، وفى نهايتها تجوّل معه فى الإقليم الطرابلسى، وأقام به التجانى مدة تحدثنا عنها فى طرابلس وعمن أخذ عنه صحيح البخارى ومسلم، وعاد إلى تونس وأخذ فى تأليف رحلته الطريفة، وفيها يتحدث عن البلدان التى زارها مع ابن اللحيانى جغرافيا ونباتيا وتاريخيا مع عرض أعلامها من الفقهاء والمحدثين وأصحاب العربية والشعراء الأفذاذ على مر العصور حتى عصره، ويذكر أن الأمير ابن اللحيانى فكر سنة فى الحج فجاءتهم الأنباء بمجاعة شديدة فى برقة، ويذكر أن ابن حسينة نظم قصيدة ينهاه فيها عن الحج حينئذ، وينشد مطلعها، ويقول إنها سقطت من ذاكرته، غير أن له قصيدة جعلها معارضة لقصيدته، وينشدها، وفيها يقول مادحا ابن اللحيانى:
مولى زهت الأيام به ... وتحلّت من بعد العطل
شرف بالإرث تملّكه ... فتنقّل أحسن منتقل
بأس كالنار إذا اضطرمت ... وندى كالغيث المنهمل
يمضى الآراء مسدّدة ... فى قول أنفذ أو عمل
فأقم للدين تجدّده ... فى عزّ باق متّصل
فشروط الحج قد ارتفعت ... لزوال القدرة والسّبل
والقصيدة طويلة، وهى تدل على قدرة ملكته الشعرية إذ يندفع فيها ولا يكاد يتوقف، ويقول لابن اللحيانى أقم فيكفى ما تقدمه للدين من خدمات، وقد ارتفع عنك الحج لفقد شرط الاستطاعة وأمن السبل. وتمتلئ الرحلة بأشعار يتبادلها مع أصدقائه وأبيه وأفراد أسرته، من ذلك محاولة الشاعر ابن حسينة أن يتبادل معه الشعر، فأجابه مادحا:
أمحرز كلّ منقبة حميدة ... ومن لم نلف فى الدنيا نديده
أعنت على النّظام يحسن طبع ... وأفكار مؤيّدة سديده
وتسألنى الجواب وإنّ فكرى ... ليقصر عن مجاريك المديده
فمهّد لى على التقصير عذرا ... وهوّن من مطالبك الشديده
ودم فى عزّة وبلوغ قصد ... وسعد دائم وعلا جديده
стр. 4406
وهو يعلى من شاعرية ابن حسينة ويجعله أكثر منه تفوقا فى عالم الشعر، ولم يكن ابن حسينة يقلّ عنه شاعرية وبراعة فيما يورد من أشعار له.
على (١) الغراب الصفاقسى
منشؤه ومرباه مدينة صفاقس فى القرن الثانى عشر الهجرى، وكان أبوه محمد فى ثراء ونعمة مما أتاح له الاختلاف إلى حلقات العلماء والأدباء فى بلدته والنّهل من ينابيع علمهم وأدبهم وانتقل إلى تونس، فحضر دروس علمائها المختلفين فى المنطق والفلك وأصول الفقه والفقه المالكى والحديث النبوى والبلاغة والعربية، ويقال إن أصل مجيئه إلى تونس قضية شرعية فى إرث أبيه وتعرف على رجالاتها: رجال الدواوين وساستها وقد وضع بين يدى ديوانه مقدمة طريفة ذكر فيها أنه كان فى بدء حياته (بصفاقس على ما يظن) لا يزال حين تفتحت موهبته الشعرية يتنقل بين الجد والمجون إظهارا لمقدرته، وكثير منها لم يكن مطابقا للواقع بل على حسب ما يقتضيه المقام من المفاكهات أو محاكاة للبلغاء فى بعض المطارحات. ويعود الغراب إلى ذكر ذلك فى مقدمته لديوانه لعلى الثانى بن الحسين وقد سماه «ديوان بهجة النفس والعين فى صفات الأمير على بن الحسين». وكان اتصاله برجالات العصر من الساسة وكتبة الدواوين سلما طبيعيا لاتصاله بعلى الأول ابن الأمير محمد الذى استلب أولاد أخيه الحسين الحكم إلى أن استرده محمد الرشيد وإخوته بعد عشرين عاما بفضل جيش جزائرى نصرهم على عمهم، واستقر الحكم من حينئذ فى يد الأسرة الحسينية. وقد أسند على الأول إلى الشاعر خطة العدالة التى كان يرنو إليها، وله فيه ثلاث مدائح، أهمها مدحة رائية، وفيها يقول:
مليك له فضل ومجد وسؤدد ... وكلّ مليك عن معاليه يقصر
له عفّة مقرونة بصيانة ... عن الفحش فى أفعاله وتطهّر
إذا وقعت أسيافه فى عداته ... رأيت رءوس المعتدين تطيّر
إذا رفع الأعلام فاجزم بفتحه ... لما أمّ والجمع الصحيح يكسّر
стр. 4407
وإنما ذكرت البيت الأخير لأنه كان يتصنع أحيانا لقواعد النحو، فقد ذكر فيه الرفع والجزم والفتح والجمع الصحيح السالم والجمع المكسر، ولكن ذلك كله لم يفسد البيت عنده، وهو لا يكثر من مثل ذلك فى شعره، فقول من قال إنه كان يكثر من التورية فى شعره يريد مثل ذلك من التصنع لبعض مصطلحات العلوم وخاصة النحو وأنه يخرج بذلك عن الحد المحدود فيه مبالغة، إذ تتضح فى شعره قوة شاعريته وأنه يتدفق فيه رغم ما قد يتصنع له من المحسنات وخاصة الجناس، وله مدحة لم يخل منه بيتا من أبياتها وقد ذكر فى فاتحتها أن ذلك طلب منه.
والحق أنه يتميز بشاعرية خصبة، وديوانه الثانى أنشأه فى على بن الحسين وقد استولى على صولجان الحكم بعد أخيه الرشيد من سنة ١١٧٢ حتى سنة ١١٩٦ وكان سياسيا محنّكا وقرب الشاعر منه وعاش فى زمنه حتى توفى سنة ١١٨٣ هـ/١٧٦٩ م وأهداه أكثر من ثلاثين مدحة مكونا بذلك هذا الديوان الثانى الذى قلنا آنفا إنه سماه: «ديوان بهجة النفس والعين فى صفات الأمير على بن الحسين» وله يقول فى بعض مديحه:
مليك إذا الآمال منك توجّهت ... إليه فثق أنّ الإياب مغانم
بحلم وعدل خصّ، هذا لمن جنى ... وهذا لجرح النائبات مراهم
له وثبات فى وغى الحرب تنثنى ... -وتجبن عنهن-الكماة الضّراغم (١)
له عفّة لو أنها فى الورى سرت ... لما علقت بالعالمين مآثم
إذا انبجست مزن السماء وكفّه ... فذاك له كفّ وذلك ساجم
نعمنا به فى ظلّ عيش كأنما ... بنا من جنان الخلد حفّت تمائم (٢)
والقصيدة تتدفق برنات موسيقية بديعة، والألفاظ سلسة عذبة، والتقسيم فى البيت الثانى دقيق، فالعدل لمن جنى والحلم مرهم لجرح النائبات، وله وثبات فى وغى الحرب يتحاشاها ويحيد عنها الشجعان شجاعة ضارية، ويبالغ فى وصف عفته وأنها لو وزعت على العالمين ما كان فى الدنيا مآثم، ويقول إذا انفجر مزن السماء بالغيث وكفّه بالجود وتوقف المزن وكفّ فكفّه تظل هاطلة ولا تتوقف أبدا، ويذكر أنهم نعموا بالأمير على الثانى فى ظل عيش ناعم رافه، حتى لكأنما يعيشون معه فى جنان الخلد، وقد حفت معيشتهم بتمائم وتعويذات حتى لا تتبدل أبدا.
ولعل صوت على الغراب الصفاقسى اتضح لنا الآن، وهو صوت فيه غير قليل من جمال العبارة وحسن الصياغة وأحيانا مع المبالغة الشديدة.
стр. 4408
محمد (١) الورغىّ
هو محمد بن أحمد الورغى، نسبة إلى قبيلة ورغة التى كانت تنزل قرب مدينة الكاف فى الجنوب وقيل بل كانت تنزل على الحدود التونسية الجزائرية، ولا نعرف شيئا عن ميلاده ولا عن نشأته، ويبدو أنه التحق أولا بالكتاتيب، وحفظ فيها القرآن الكريم. ونفاجأ به فى جامع الزيتونة بتونس يدرس على شيوخه الفقه والتاريخ وعلوم الحديث والتفسير والكلام والمنطق وعلوم العربية والبلاغة، ويبدى من الذكاء ما جعله يجلس للتدريس بجامع الزيتونة. وجعلته نزعته الأدبية يختار العمل كاتبا فى ديوان الإنشاء لعهد الأمير على الأول، ونال فى عهده من الشهرة والجاه ما جعله كاتبه وشاعره الأول فلا يترك حادثا ولا عيدا إلا ويدبج فيه مدحة، وتدور الدنيا دورات وإذ أولاد أخيه حسين يستردون السلطان المفقود، ويجلس على أريكة الحكم محمد الرشيد لمدة ثلاث سنوات ثم أخوه الأمير على الثانى حتى سنة ١١٩٦ ويوشك نجمه أن يأفل منذ ولاية الرشيد سنة ١١٦٩ فيسجن ويعذب، وما يزال يبعث بمدائحه إلى أخيه الأمير على الثانى، ويتوسط له عند أخيه وترد إليه حريته، حتى إذا أصبح صولجان الحكم بيده قرّبه منه، ونظن ظنا أن لزوجته ابنة على الأول أثرا فى قربه منه وقرب على الغراب الصفاقسى كما مر بنا، مما جعله ينظمهما بين كتابه وشعرائه. وظل الورغى يحظى بجوائز على الثانى حتى وفاته سنة ١١٩٠ للهجرة. ومدائحه منقسمة بين على الأول وعلى الثانى، ومن بديع ما له من مديح فى على الأول قصيدته فى إيقاعه بقبيلة النمامشة حين نهبت ركب حجيج من فاس وألزمها برد كل ما نهبته، وله يقول:
هو العزّ فى سمر القنا والقواضب ... وإلا فما تغنى صدور المراتب
وسيّان أغمار الرجال وصيدها ... إذا لم يميّز فضلها بالتجارب (٢)
هو الملك الداعى إلى الحق وحده ... وإن كثرت أهل الدواعى الكواذب
ومن عرف الأيام قصّ غريبها ... وفى قصص الباشا عيون الغرائب
ومن مثله يدعى لكشف ملمّة ... إذا قال: وا غوثاه أهل المصائب
стр. 4409
ترى الخيل فى آثارهم مستطيرة ... سحائب حتف أردفت بسجائب
وما ارتفعت شمس الضحى قيد رمحهم ... عن الأفق حتى أنشبوا فى المخالب (١)
والأبيات حماسية والورغى يقول فيها إن العز فى الرماح والسيوف ولا فضل بين شجاع وجبان إذا لم تميزهما التجارب فى وطيس الحرب، ويصف عليّا الأول بأنه يعيش للدفاع عن الحق وكشف الملمات عند أهل المصائب، ويقول إن خيل على الأول عصفت بأعدائه، وما زالت سحائب حتفها تعقبها سحائب حتف حتى دمرتهم، وما ارتفعت شمس الضحى قدر رمح حتى أنشبوا فى مخالب فرسانه كأن لم يكونوا شيئا مذكورا. وتختلف مدائحه فى على الثانى عنها فى على الأول فأكثرها استعطافات واعتذارات على شاكلة قوله:
يا أيّها الملك الذى نظر السّنا ... فى وجهه الأسنى فقال موفّق
أنت الذى ينسى الغريب بقربه ... أوطانه ويجود منه المملق
مالى أحاول شربة من عفوكم ... فأذاد وهو على الورى يتدفّق
إن كان لى الذّنب العظيم فحلمكم ... يبلى به ذاك العظيم ويمحق
قالت قتيلة للرسول «وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنّق»
والقصيدة من نفس الوزن والقافية اللذين اختارتهما قتيلة لبكاء أبيها النضر بن الحارث ومقتل رسول الله له بعد غزوة بدر بالصفراء، ويقال إن رسول الله ﷺ حين سمع شعرها قال:
أما إنّي لو سمعت هذا قبل مقتله لم أقتله، وتمثل الورغى فى البيت الأخير بجزء مؤثر من بيت لقتيلة، وكماله:
ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
وكأنه يلفت عليا الثانى إلى مدى تأثر الرسول باستعطاف قتيلة، وهو يتخذ وزن قصيدتها وقافيتها وسيلة إلى قلبه، ويتأثر ببعض معانيها، وله قصيدة فى مديح على الثانى تسيل عذوبة وسلاسة بدأها بقوله:
حاجة المدح لحلو الغزل ... حاجة الصبّ لأولى القبل
حتى إذا استوفى الغزل فيها أخذ يمدحه بانتصاره على بعض الثائرين مسبغا عليه كثيرا من الشمائل مبالغا مبالغات مفرطة. وكان لا يقل عن على الغراب الصفاقسى متانة أسلوب ورصانة صياغة وجزالة ألفاظ، ولم يستكثر مثله فى شعره من مصطلحات العلوم ومحسنات البديع.
стр. 4410
٤ - شعراء الفخر والهجاء
الفخر وما يتصل به من الحماسة من موضوعات الشعر القديمة، حتى لقد سمى أبو تمام مختاراته من الشعر حتى عصره باسم ديوان الحماسة إشارة إلى أنه الموضوع الغالب على الشعراء قديما، ومدّ مختاراته إلى عصره، ودائما يزدهر فى البيئات الحربية التى تكثر فيها الحروب، ولا نغلو إذا قلنا إن القيروان ظلت تشهد حروبا كثيرة فى القرنين الأول والثانى للهجرة، واتصل شئ من ذلك فى فتح صقلية سنة ٢١٢ ثم فى فتح مالطة سنة ٢٥٥ وهاجمها مخلد بن كيداد الصفرى فى عصر القائم الفاطمى ثم كانت زحفة بنى سليم وهلال فى القرن الخامس، ومنذ غلب روجار النورماندى على صقلية سنة ٤٨٤ كانوا ينازلون الساحل الشمالى للإقليم التونسى واستولوا على المهدية مرارا. وفى القرن السادس الهجرى صلّى الإقليم نار الحرب التى أشعلها فيه قراقوش وابنا غانية، واستولى عليه الموحدون، ثم قامت الدولة الحفصية وكانت القبائل فى الجنوب والجزائر ماتنى تناوئها، ونزلها الإسبان بأخرة من الدولة ثم العثمانيون. وإنما ذكرنا ذلك لندل على أن الإقليم التونسى كان معدا دائما ليزدهر فيه شعر الفخر والحماسة، وأول عصر ازدهر فيه هذا الشعر عصر الدولة الأغلبية إذ نجده على لسان مؤسس الدولة الأغلبية إبراهيم بن الأغلب وحفيده أبى العباس بن الأغلب إذ يقول فى قصيدة بناها على الفخر بالنسب والحسب (١):
أنا الملك الذى أسمو بنفسى ... فأبلغ بالسموّ بها السّحابا
إذا نقّبت عن كرمى ومجدى ... وجدتنى المصاصة واللّبابا
فهو يسمو بنفسه مصعدا فى السماء حتى يبلغ بها السحاب، وهو المصاصة أو الجوهر واللباب من المجد والكرم، ويمضى متحدثا عن سياسته وحسن تدبيره وشجاعته. وكان من بيته أحمد بن سوادة الأغلبى المتوفى سنة ٢٦٠ والى الزاب وطرابلس وصقلية، وكان بطلا فى الحروب وله فى جميعها وقائع مشهورة، وله شعر كثير يفخر فيه ببأسه وبطولته وبلائه فى الحروب من مثل قوله (٢):
أنا من قد جال ذكرى ... وجرى بين الأنام
стр. 4411
أركب الهول بكرّا ... تى على الجيش اللهام (١)
تعرف الأنسر بأسى ... فهى من فوقى حوامى
فقد طار اسمه وطار صيت شجاعته بين الناس بركوبه أهوال الحرب، وإن النسور لتعرف بأسه فهى ما تزال حائمة حول راياته، ولا تزال خلفه وأمامه تنتظر غذاءها من أشلاء أعدائه ممّن يذيقهم كأس المنون. وكان القائم بأمر الله، الفاطمى شاعرا مثل أبيه وله مثله شعر يفتخر فيه، من ذلك قوله، وقد غزا مصر مرارا ولم يكتب له النصر كما كتب فيما بعد لجوهر الصقلى، ومن قوله يذكر هذا الغزو آملا فى النصر (٢):
فسرت بخيل الله تلقاء أرضكم ... وقد لاح وجه الموت من خلل الحجب
وأردفتها خيلا عتاقا يقودها ... رجال كأمثال الليوث لها خبب (٣)
فكان بحمد الله ما قد عرفتم ... وفزت بسهم الفلج والنصر والغلب (٤)
وذلك دأبى ما بقيت ودأبكم ... فدونكم حربا تضرم كاللهب
وهو يصور سيره بجيشه تلقاء مصر وقد تراءى الموت له ولرجاله، ولم ينكص، بل أردف خيله خيولا أخرى عليها رجال شجعان كأنهم الأسود، يثبون ويسرعون حتى تم له النصر، غير أنه اضطر إلى العودة بجيشه إلى المهدية، وهو يتوعد خصومه بأنه سيظل يعاود الكرة عليهم وسيظل يشعل حربا تضطرم باللهب حتى يحقق ما يريد من النصر النهائى. وشاعر الفخر فى الدولة الصنهاجية تميم بن المعز وسنخصه بكلمة، وممن نلتقى بهم فى العصر أبو طاهر التجيبى، ومن طريف ما له فى عزة النفس (٥):
إلى كم أقرّ النفس فى المرتع المحل ... وأقنع من جدّ المكاسب بالهزل (٦)
أكلّف أقلامى مدى متماحلا ... ولم أعتمل مهرى ورمحى ولا نصلى
ومن كلّف الأقلام لا البيض همّه ... أقمن به بين المذلّة والقلّ
فهو يرى نفسه بكتاباته وأدبه قد أقام فى المرتع المجدب، إذ الأقلام لا تعود على صاحبها بحياة رافهة إنما الذى يعود عليه بذلك سلاحه، ويقول إن من كانت الأقلام لا السيوف مدى همه فى الحياة أقام فيها بين الذل والفقر، وإنه حرى به أن يحمل سيفه حتى يعدّ بين الأبطال
стр. 4412
الشجعان ويعيش معيشة جديرة به. ويلقانا فى أول الدولة الحفصية مؤسسها أبو زكريا، وله قصيدة حماسية طويلة يقول فى فاتحتها (١):
أجب داعييها فالنجيب يجيب ... وشبّ لظاها فالنّخيب يخيب (٢)
وشم عزمة لا يغمز العجز متنها ... فذو العزم فى اليوم العصيب يصيب
ولا تتبع العلياء إلا بأبيض ... لغربيه فى هام الكماة غروب (٣)
وهو يدعو كل شخص إلى أن يخوض غمار الحرب، إذ لا ينكل عنها إلا الجبان. ويتدرّع بعزم قوى فصاحب العزم هو الذى يصيب الهدف المأمول، ودائما تتسلح للعلياء بسيف حاد يقطع رءوس شجعان الأعداء قطعا ولا يبقى منها بقية. وتلقانا عند شعراء هذه الدولة الحفصية أشعار حماسية كثيرة، ونجد ابن خلدون يشارك فيها واصفا شجاعة البدو وبطولة فرسانهم، وبالمثل نجد طائفة من هذه الأشعار عند شعراء العصر الحسينى، ومما يمثلها فيه قصيدة على الغراب الصفاقسى فى الأسطول الذى أنشأه على الثانى الحسينى، وفيها يقول (٤):
بشائر فى الإسلام زاد بها عزّا ... وآيات نصر نورها يذهب العجزا
سوابح فلك للمغانم أنشئت ... يسابق أفلاك السّما جريها وخزا
يفوز بأجر من علاها ومغنم ... إذا ضربوا فى البحر أو ركبوا غزّا (٥)
إذا لقى الإسلام كفرا ترى بها ... جميع العدا أسرى وأعناقهم حزّا
والقصيدة تموج بحماسة ملتهبة، فالأسطول وسفنه بشرى للإسلام وآيات نصر مجيد له، وإن السفن لتسابق أفلاك السماء فى جريها حتى لا يمكن أن يفلت منها العدو، وحتى إذا لقيته أصبح كل أفراده إما أسرى وإما مذبوحين ذبحا، فهم بين أسير وقتيل، وكان يعاصر على الغراب الأمير على الثانى الحسينى وله فى الفخر شعر بديع وسنخصه بكلمة، وممن أنشد لهم الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب أشعارا فى الفخر ابن سعيد الحجرى وحمودة بن عبد العزيز.
وإذا تركنا الفخر إلى الهجاء لم نجد ابن رشيق ولا من جاءوا بعده يتوسعون فى الكتابة عن هذا الفن، إما لأن أهل الإقليم لم يكونوا يعجبون به، وإما لأن الشعراء أنفسهم لم يكونوا يعيشون له كما كان يعيش بعض الشعراء فى العراق وفى الشام ومصر، ومع ذلك فقد توقف ابن
стр. 4413
رشيق عند شاعر يسمى بكر بن على الصابونى، وقال إنه كان صاحب نوادر وهجاء خبيث، ولم يكد يلمّ من هجائه إلا بأمثلة قليلة كان يسف فيها إسفافا شديدا، ونجد عند بعض هجّائيهم هجاء للفقهاء كالشأن فى الأندلس من مثل قول أبى طالب الدّلائى (١):
لا تكن مثل معشر فقهاء ... جعلوا العلم للدراهم صيدا
طلبوه فصيروه معاشا ... ثمّ كادوا به البريّة كيدا
وفى ظننا أنّ أحد الأسباب فى انصراف الناس بتونس وغيرها من البلاد المغربية إلى المتصوفة أن وجدوهم زهادا فى كل ما بيد الحكام من أموال فاطمأنوا إليهم، ومما ساقه ابن رشيق فى أنموذجه قول بعض الهجائين فى أحد الكتاب (٢):
وكاتب يمسخ ما ينسخ ... جميع ما يكتبه يفسخ
حرت فلا أدرى أأثوابه ... أم عرضه أم حبره أوسخ
وقد عمم الوساخة فى حبر الكاتب وعرضه وأثوابه، وبذلك لسعه لسعا شديدا، وأكثر منه لسعا وإيلاما ما قيل فى مصلوب، وهو قول قرهب الخزاعى، ويبدو أنه صلب معه آخرون بنفس تهمة المروق عن الدين (٣):
ما راقب الله فى عرض النّبىّ ولا ... خاف العقاب ولا صلّى ولا سجدا
مردتم فلقيتم بطش مقتدر ... وتلك سنّته فى كلّ من مردا
فهو-وأصحابه-مارقون ملحدون، يستحقون ما نزل بهم من عقاب أليم. وتخف حدة الهجاء فى زمن الدولة الحفصية ويعود إلى الاشتعال فى عصر الدولة الحسينية، وخير من يمثله محمد الرشيد الحسينى فى هجاء ابن عمه على الأول وبيان عقوقه لعمه ونهبه للحكم منه ومن إخوته، وظل يكرر ذلك طويلا فى مثل قوله (٤):
استأصل الناس نهبا واستباح دما ... وما نجا غير من نجّته رجلاه
بغى علينا وأهلينا وشتّتنا ... وعمّ بالجور، والخسران أعماه
قد عقّ والده والعمّ يا عجبا ... حتى ابنه بسهام الحرب أصلاه
стр. 4414
وهو يهجوه بظلمه وعسفه واستباحة أموال الناس ودمائهم وتشتيته له ولأخوته وفرارهم منه إلى الجزائر، مع عقوق ضخم لأبيه ولعمه الحسين وابن عمه، بل لقد ظل يوقد الحرب حتى نصر الله الشاعر وعاد إلى صولجان حكمه. وحرى أن نتوقف الآن قليلا لنخصه ونخص تميم بن المعز بكلمة.
تميم (١) بن المعز الصنهاجى
كانت الدولة الصنهاجية تنسب نفسها وقبيلتها إلى حمير، وهو أثر من آثار التعرب الذى أحدثته الزحفة الهلالية فى قبائل البربر، إذ انتسب كل قبيلة إلى قبيلة عربية وخاصة القبائل العربية الجنوبية، وولد تميم لأبيه المعز بصيرة (المنصورية) سنة ٤٢٢ هـ/١٠٣١ م وعنى بتربيته وتثقيفه عناية واسعة، ولما بلغ سن الثالثة والعشرين فوّض إليه حكم المهدية، ولم تلبث الزحفة الهلالية أن قدمت إلى القيروان بدعوة من المعز لاستعانته بهم فى حرب أبناء عمه بنى حماد أصحاب القلعة المنسوية إليهم فى الجزائر، ونصحه تميم أن لا يفعل ذلك ولكنه لم يستمع إلى نصحه فقدموا القيروان والإقليم التونسى وخرّبوا كل ما نزلوا به، ولم يجد المعز بدا من أن يلجأ إلى تميم فى المهدية سنة ٤٤٩ وظل بها إلى أن توفى سنة ٤٥٤ وطالت إمارة تميم فيها وتمهّد سلطانه بها وظل ينازل بنى هلال مرارا إلى أن توفى سنة ٥٠١ عن تسع وسبعين سنة. وانتجعه شعراء الأندلس والمغرب والشام فأجزل لهم العطاء سوى من كان ينتجعه من شعراء الإقليم التونسى أمثال أبى الحسين بن خصيب وأبى عبد الله محمد بن على القفصى وأبى الحسن على بن محمد الحداد، وممن مدحه من شعراء أبيه ابن شرف وعبد الكريم بن فضال وابن رشيق ومرّ بنا مدحه له. وكان مع شاعريته الفذة ناقدا مجيدا للشعر، قال ابن الأبار: كان يعترض الشعراء وينتقد عليهم ألفاظهم، ويذكر أن شاعرا أنشده فى وقت هرج:
تثبّت لا يخامرك اضطراب ... إليك تمدّ أعينها الرّقاب
فقال له: أرأيتنى-ويحك-طرت خفّة ورميت بنفسى من علو هذا القصر قلقا واضطرابا، وسكّته ولم يسمع من قصيدته سوى هذا البيت. وروى له شعر كثير، من ذلك قوله يحمّس بعض القبائل لمنازلة الأعداء:
متى كانت دماؤكم تطلّ ... أما فيكم بثأر مستقلّ
أغانم ثم سالم إن فشلتم ... فما كانت أوائلكم تذلّ
стр. 4415
ونمتم عن طلاب المجد حتى ... كأنّ العزّ فيكم مضمحلّ
وما كسّرتم فيه العوالى ... ولا بيض تفلّ ولا تسلّ (١)
وتميم يستثير حمية القبيلة بذكر الثأر الذى يشتعل له الغضب فى صدر كل عربى، فالعار كل العار عند العرب أن لا يأخذوا بثأرهم وأن تطلّ دماؤهم وتذهب هدرا دون مناضل عنها يقتحم لها الموت اقتحاما. ويضرب للقبيلة على وترثان هو الذل، فالعربى الكريم لا يمكن أن يقبل الذل ولا الضيم، فقبل كل شئ عزة النفس، ومن أجلها تحطّم الرماح وتفل السيوف. ولا بد أن القبيلة امتلأت غيظا وحقدا على أعدائها، واندفعت تطلب ثأرها وتحامى عن كرامتها وعزتها باذلة المهج والأرواح. وينشد متحمسا غاية التحمس:
بكرّ الخيل دامية النّحور ... وقرع الهام بالقضب الذّكور (٢)
لأقتحمنّها حربا عوانا ... يشيب لهولها رأس الكبير (٣)
فإما الملك فى شرف وعزّ ... علىّ التاج فى أعلى السّرير
وإما الموت بين ظبا العوالى ... فلست بخالد أبد الدهور (٤)
فسيظل تميم يدفع الخيل فى موقعة بعد موقعة وقد تلطخت نحورها وصدورها بدماء الأعداء، وسيظل يضرب فى رءوسهم وأعناقهم بسيوفها الحادة مشعلا مع أعدائه حروبا ضارية يشيب لهولها كل من يراها، ويقول إنه لن يغادر ساحة هذا الشرف والعز، فإما يحمى التاج على رأسه ويصونه، وإما الموت الزؤام بين الرماح والسيوف، أو بعبارة أخرى إما حياة شريفة عزيزة، وإما موت أيضا شريف عزيز، موت الأبطال الكرام. ومن طريف ما لتميم فى هجاء منافق:
رأيتك قاعدا عن كل خير ... وأنت الشهم فى قالوا وقلت
وأطوار لها لطف وحذق ... وألفاظ تنمّقها وسمت
وقد يعد الوعود وليس يوفى ... وليس بقائل يوما فعلت
كخزّ الماء فوق الماء طاف ... يروق وماله أصل ونبت (٥)
كذلك زهرة الدّفلى تراها ... تشوق العين حسنا وهى سحت (٦)