أركب الهول بكرّا ... تى على الجيش اللهام (١)
تعرف الأنسر بأسى ... فهى من فوقى حوامى
فقد طار اسمه وطار صيت شجاعته بين الناس بركوبه أهوال الحرب، وإن النسور لتعرف بأسه فهى ما تزال حائمة حول راياته، ولا تزال خلفه وأمامه تنتظر غذاءها من أشلاء أعدائه ممّن يذيقهم كأس المنون. وكان القائم بأمر الله، الفاطمى شاعرا مثل أبيه وله مثله شعر يفتخر فيه، من ذلك قوله، وقد غزا مصر مرارا ولم يكتب له النصر كما كتب فيما بعد لجوهر الصقلى، ومن قوله يذكر هذا الغزو آملا فى النصر (٢):
فسرت بخيل الله تلقاء أرضكم ... وقد لاح وجه الموت من خلل الحجب
وأردفتها خيلا عتاقا يقودها ... رجال كأمثال الليوث لها خبب (٣)
فكان بحمد الله ما قد عرفتم ... وفزت بسهم الفلج والنصر والغلب (٤)
وذلك دأبى ما بقيت ودأبكم ... فدونكم حربا تضرم كاللهب
وهو يصور سيره بجيشه تلقاء مصر وقد تراءى الموت له ولرجاله، ولم ينكص، بل أردف خيله خيولا أخرى عليها رجال شجعان كأنهم الأسود، يثبون ويسرعون حتى تم له النصر، غير أنه اضطر إلى العودة بجيشه إلى المهدية، وهو يتوعد خصومه بأنه سيظل يعاود الكرة عليهم وسيظل يشعل حربا تضطرم باللهب حتى يحقق ما يريد من النصر النهائى. وشاعر الفخر فى الدولة الصنهاجية تميم بن المعز وسنخصه بكلمة، وممن نلتقى بهم فى العصر أبو طاهر التجيبى، ومن طريف ما له فى عزة النفس (٥):
إلى كم أقرّ النفس فى المرتع المحل ... وأقنع من جدّ المكاسب بالهزل (٦)
أكلّف أقلامى مدى متماحلا ... ولم أعتمل مهرى ورمحى ولا نصلى
ومن كلّف الأقلام لا البيض همّه ... أقمن به بين المذلّة والقلّ
فهو يرى نفسه بكتاباته وأدبه قد أقام فى المرتع المجدب، إذ الأقلام لا تعود على صاحبها بحياة رافهة إنما الذى يعود عليه بذلك سلاحه، ويقول إن من كانت الأقلام لا السيوف مدى همه فى الحياة أقام فيها بين الذل والفقر، وإنه حرى به أن يحمل سيفه حتى يعدّ بين الأبطال
стр. 4412
الشجعان ويعيش معيشة جديرة به. ويلقانا فى أول الدولة الحفصية مؤسسها أبو زكريا، وله قصيدة حماسية طويلة يقول فى فاتحتها (١):
أجب داعييها فالنجيب يجيب ... وشبّ لظاها فالنّخيب يخيب (٢)
وشم عزمة لا يغمز العجز متنها ... فذو العزم فى اليوم العصيب يصيب
ولا تتبع العلياء إلا بأبيض ... لغربيه فى هام الكماة غروب (٣)
وهو يدعو كل شخص إلى أن يخوض غمار الحرب، إذ لا ينكل عنها إلا الجبان. ويتدرّع بعزم قوى فصاحب العزم هو الذى يصيب الهدف المأمول، ودائما تتسلح للعلياء بسيف حاد يقطع رءوس شجعان الأعداء قطعا ولا يبقى منها بقية. وتلقانا عند شعراء هذه الدولة الحفصية أشعار حماسية كثيرة، ونجد ابن خلدون يشارك فيها واصفا شجاعة البدو وبطولة فرسانهم، وبالمثل نجد طائفة من هذه الأشعار عند شعراء العصر الحسينى، ومما يمثلها فيه قصيدة على الغراب الصفاقسى فى الأسطول الذى أنشأه على الثانى الحسينى، وفيها يقول (٤):
بشائر فى الإسلام زاد بها عزّا ... وآيات نصر نورها يذهب العجزا
سوابح فلك للمغانم أنشئت ... يسابق أفلاك السّما جريها وخزا
يفوز بأجر من علاها ومغنم ... إذا ضربوا فى البحر أو ركبوا غزّا (٥)
إذا لقى الإسلام كفرا ترى بها ... جميع العدا أسرى وأعناقهم حزّا
والقصيدة تموج بحماسة ملتهبة، فالأسطول وسفنه بشرى للإسلام وآيات نصر مجيد له، وإن السفن لتسابق أفلاك السماء فى جريها حتى لا يمكن أن يفلت منها العدو، وحتى إذا لقيته أصبح كل أفراده إما أسرى وإما مذبوحين ذبحا، فهم بين أسير وقتيل، وكان يعاصر على الغراب الأمير على الثانى الحسينى وله فى الفخر شعر بديع وسنخصه بكلمة، وممن أنشد لهم الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب أشعارا فى الفخر ابن سعيد الحجرى وحمودة بن عبد العزيز.
وإذا تركنا الفخر إلى الهجاء لم نجد ابن رشيق ولا من جاءوا بعده يتوسعون فى الكتابة عن هذا الفن، إما لأن أهل الإقليم لم يكونوا يعجبون به، وإما لأن الشعراء أنفسهم لم يكونوا يعيشون له كما كان يعيش بعض الشعراء فى العراق وفى الشام ومصر، ومع ذلك فقد توقف ابن
стр. 4413
رشيق عند شاعر يسمى بكر بن على الصابونى، وقال إنه كان صاحب نوادر وهجاء خبيث، ولم يكد يلمّ من هجائه إلا بأمثلة قليلة كان يسف فيها إسفافا شديدا، ونجد عند بعض هجّائيهم هجاء للفقهاء كالشأن فى الأندلس من مثل قول أبى طالب الدّلائى (١):
لا تكن مثل معشر فقهاء ... جعلوا العلم للدراهم صيدا
طلبوه فصيروه معاشا ... ثمّ كادوا به البريّة كيدا
وفى ظننا أنّ أحد الأسباب فى انصراف الناس بتونس وغيرها من البلاد المغربية إلى المتصوفة أن وجدوهم زهادا فى كل ما بيد الحكام من أموال فاطمأنوا إليهم، ومما ساقه ابن رشيق فى أنموذجه قول بعض الهجائين فى أحد الكتاب (٢):
وكاتب يمسخ ما ينسخ ... جميع ما يكتبه يفسخ
حرت فلا أدرى أأثوابه ... أم عرضه أم حبره أوسخ
وقد عمم الوساخة فى حبر الكاتب وعرضه وأثوابه، وبذلك لسعه لسعا شديدا، وأكثر منه لسعا وإيلاما ما قيل فى مصلوب، وهو قول قرهب الخزاعى، ويبدو أنه صلب معه آخرون بنفس تهمة المروق عن الدين (٣):
ما راقب الله فى عرض النّبىّ ولا ... خاف العقاب ولا صلّى ولا سجدا
مردتم فلقيتم بطش مقتدر ... وتلك سنّته فى كلّ من مردا
فهو-وأصحابه-مارقون ملحدون، يستحقون ما نزل بهم من عقاب أليم. وتخف حدة الهجاء فى زمن الدولة الحفصية ويعود إلى الاشتعال فى عصر الدولة الحسينية، وخير من يمثله محمد الرشيد الحسينى فى هجاء ابن عمه على الأول وبيان عقوقه لعمه ونهبه للحكم منه ومن إخوته، وظل يكرر ذلك طويلا فى مثل قوله (٤):
استأصل الناس نهبا واستباح دما ... وما نجا غير من نجّته رجلاه
بغى علينا وأهلينا وشتّتنا ... وعمّ بالجور، والخسران أعماه
قد عقّ والده والعمّ يا عجبا ... حتى ابنه بسهام الحرب أصلاه
стр. 4414
وهو يهجوه بظلمه وعسفه واستباحة أموال الناس ودمائهم وتشتيته له ولأخوته وفرارهم منه إلى الجزائر، مع عقوق ضخم لأبيه ولعمه الحسين وابن عمه، بل لقد ظل يوقد الحرب حتى نصر الله الشاعر وعاد إلى صولجان حكمه. وحرى أن نتوقف الآن قليلا لنخصه ونخص تميم بن المعز بكلمة.
تميم (١) بن المعز الصنهاجى
كانت الدولة الصنهاجية تنسب نفسها وقبيلتها إلى حمير، وهو أثر من آثار التعرب الذى أحدثته الزحفة الهلالية فى قبائل البربر، إذ انتسب كل قبيلة إلى قبيلة عربية وخاصة القبائل العربية الجنوبية، وولد تميم لأبيه المعز بصيرة (المنصورية) سنة ٤٢٢ هـ/١٠٣١ م وعنى بتربيته وتثقيفه عناية واسعة، ولما بلغ سن الثالثة والعشرين فوّض إليه حكم المهدية، ولم تلبث الزحفة الهلالية أن قدمت إلى القيروان بدعوة من المعز لاستعانته بهم فى حرب أبناء عمه بنى حماد أصحاب القلعة المنسوية إليهم فى الجزائر، ونصحه تميم أن لا يفعل ذلك ولكنه لم يستمع إلى نصحه فقدموا القيروان والإقليم التونسى وخرّبوا كل ما نزلوا به، ولم يجد المعز بدا من أن يلجأ إلى تميم فى المهدية سنة ٤٤٩ وظل بها إلى أن توفى سنة ٤٥٤ وطالت إمارة تميم فيها وتمهّد سلطانه بها وظل ينازل بنى هلال مرارا إلى أن توفى سنة ٥٠١ عن تسع وسبعين سنة. وانتجعه شعراء الأندلس والمغرب والشام فأجزل لهم العطاء سوى من كان ينتجعه من شعراء الإقليم التونسى أمثال أبى الحسين بن خصيب وأبى عبد الله محمد بن على القفصى وأبى الحسن على بن محمد الحداد، وممن مدحه من شعراء أبيه ابن شرف وعبد الكريم بن فضال وابن رشيق ومرّ بنا مدحه له. وكان مع شاعريته الفذة ناقدا مجيدا للشعر، قال ابن الأبار: كان يعترض الشعراء وينتقد عليهم ألفاظهم، ويذكر أن شاعرا أنشده فى وقت هرج:
تثبّت لا يخامرك اضطراب ... إليك تمدّ أعينها الرّقاب
فقال له: أرأيتنى-ويحك-طرت خفّة ورميت بنفسى من علو هذا القصر قلقا واضطرابا، وسكّته ولم يسمع من قصيدته سوى هذا البيت. وروى له شعر كثير، من ذلك قوله يحمّس بعض القبائل لمنازلة الأعداء:
متى كانت دماؤكم تطلّ ... أما فيكم بثأر مستقلّ
أغانم ثم سالم إن فشلتم ... فما كانت أوائلكم تذلّ
стр. 4415
ونمتم عن طلاب المجد حتى ... كأنّ العزّ فيكم مضمحلّ
وما كسّرتم فيه العوالى ... ولا بيض تفلّ ولا تسلّ (١)
وتميم يستثير حمية القبيلة بذكر الثأر الذى يشتعل له الغضب فى صدر كل عربى، فالعار كل العار عند العرب أن لا يأخذوا بثأرهم وأن تطلّ دماؤهم وتذهب هدرا دون مناضل عنها يقتحم لها الموت اقتحاما. ويضرب للقبيلة على وترثان هو الذل، فالعربى الكريم لا يمكن أن يقبل الذل ولا الضيم، فقبل كل شئ عزة النفس، ومن أجلها تحطّم الرماح وتفل السيوف. ولا بد أن القبيلة امتلأت غيظا وحقدا على أعدائها، واندفعت تطلب ثأرها وتحامى عن كرامتها وعزتها باذلة المهج والأرواح. وينشد متحمسا غاية التحمس:
بكرّ الخيل دامية النّحور ... وقرع الهام بالقضب الذّكور (٢)
لأقتحمنّها حربا عوانا ... يشيب لهولها رأس الكبير (٣)
فإما الملك فى شرف وعزّ ... علىّ التاج فى أعلى السّرير
وإما الموت بين ظبا العوالى ... فلست بخالد أبد الدهور (٤)
فسيظل تميم يدفع الخيل فى موقعة بعد موقعة وقد تلطخت نحورها وصدورها بدماء الأعداء، وسيظل يضرب فى رءوسهم وأعناقهم بسيوفها الحادة مشعلا مع أعدائه حروبا ضارية يشيب لهولها كل من يراها، ويقول إنه لن يغادر ساحة هذا الشرف والعز، فإما يحمى التاج على رأسه ويصونه، وإما الموت الزؤام بين الرماح والسيوف، أو بعبارة أخرى إما حياة شريفة عزيزة، وإما موت أيضا شريف عزيز، موت الأبطال الكرام. ومن طريف ما لتميم فى هجاء منافق:
رأيتك قاعدا عن كل خير ... وأنت الشهم فى قالوا وقلت
وأطوار لها لطف وحذق ... وألفاظ تنمّقها وسمت
وقد يعد الوعود وليس يوفى ... وليس بقائل يوما فعلت
كخزّ الماء فوق الماء طاف ... يروق وماله أصل ونبت (٥)
كذلك زهرة الدّفلى تراها ... تشوق العين حسنا وهى سحت (٦)
стр. 4416
وهو يصوره يقعد عن كل خير، ويبادر بكلام فيه حذق ولطف وتنميق دون أن تكون فيه فائدة وإذا وعد أخلف ولم يوف بوعده، ولا خير عنده ولا غناء فيه كالخز الذى ينسجه الماء أحيانا على سطحه يروق النظر ولا أصل له، بل كزهرة الدفلى الحمراء تشوق العين ولا رائحة لها ولا عطر تنشره حولها
محمد (١) الرشيد الحسينى
من أهم ما يميز الحكم العثمانى فى عهد الدولة الحسينية التى امتد حكمها منذ سنة ١١١٧ للهجرة/١٧٠٥ للميلاد أن حسين بن على مؤسسها مع أنه كان تركى الأصل كان تونسى المولد والنشأة واللغة فأخذ يعنى بتقاليد التونسيين هو وجميع أفراد أسرته كما عنوا بالحركة العلمية فى جامع الزيتونة وفيما أنشئوا من مدارس كثيرة، وعنوا أيضا بالحركة الأدبية فضموا إليهم كثيرا من الشعراء وأغدقوا عليهم الأموال والرواتب، وشاركوا بأنفسهم فى الحركتين العلمية والأدبية، وقد اشتهر علىّ الأول بشرح له على كتاب التسهيل لابن مالك كما اشتهر على الثانى بمدارسته صحيح البخارى غير تعمقه فى النحو والفقه وأصول الدين والبيان كما تشهد مدائح الغراب الصفاقسى. واشتهر محمد الرشيد الذى استرد حكم تونس له ولإخوته بأنه كان شاعرا فذا كما كان موسيقارا كبيرا، وإليه يرجع فضل ترتيب الأغانى الشعبية التونسية والأندلسية المسماة باسم المألوف، وله ديوان شعر، ونراه فيه أيام غربته بالجزائر يفتخر بتونس وما نشر فيها أبوه من العلوم والآداب بمثل قوله عن تونس ويسميها باسمها القديم: ترشيش:
أقمنا بقدر الجهد قائم شرعنا ... فترشيش أضحى علمها يتدفّق
وجرّت ذيول الفخر عن نظرائها ... فلا الشام يحكيها وما هى جلّق
وما فى جميع الأرض مصر يفوقها ... وليس لنا نيل عليها محلّق
أبى الله أن تمحى ديار أعزّة ... وتدرس آثار المعانى وتمحق (٢)
فهو يفخر بأن أباه أقام فى تونس الشريعة وأحيا بها الآداب حتى غدت تفاخر الشام وعاصمتها جلق أو دمشق، ويرفعها فوق جميع البلدان العربية، رغم أن ليس فيها كمصر نيل يتدفّق، ويقول إن الله حفظها وصانها عن أن تعفى ديارها ورسومها. وتبتسم له الدنيا ويعود إلى تونس ويجلس على أريكتها ويشعر بفخر لا يضاهية فخر وينشد:
стр. 4417
أيشبهنا فى العالمين قبيل ... ونيل علانا ما إليه سبيل
أرى العزّ لا يأوى سوى بيت مجدنا ... ولا فى حمانا يستذلّ ذليل
وإن نحن سرنا فى كماة جيوشنا ... فللخيل وقع فى الثّرى وصهيل
تكاد جبال الأرض من عظم بأسنا ... تذوب على سطح الثّرى وتميل
وهو يرفع نفسه وأسرته فوق العالمين، فلم ينل أحد ما نالوا من العلاء والمجد والعز، حتى إن أحدا فى حماهم لا يمكن أن يصيبه أى أذى أو أى ذل. ثم يتحدث عن شجاعته وشجاعة جيوشه وكيف إذا سارت هزت الأرض خيولهم وزلزلتها زلزالا، بل إن الجبال لتكاد تميل أمام بأسهم وتذوب ذوبانا. وهو فخر لا يستغرب ممن دحر جيوش ابن عمه واسترد حكم أبيه لأسرته سنة ١١٦٩ للهجرة ولم يتمتع بنصره وحكمه طويلا فقد توفى بعد ثلاث سنين سنة ١١٧٢ هـ/١٧٥٩ م.
٥ - شعراء الغزل
لا يكاد شاعر ينظم الشعر إلا وينظم فى الغزل بعض أبيات له مصورا فيها حبه إزاء المرأة ومعبرا عن هذه العلاقة الإنسانية الخالدة. ويموج كتاب الأنموذج لابن رشيق بأشعار الغزل والحب، منها الطبيعى الذى يتدفق عن نفس صاحبه فى سهولة وطواعية، ومنها المتكلف الذى يصنعه صاحبه صناعة. وأيضا منه المستقل بقطع مفردة، ومنه الذى يوضع تمهيدا لما وراءه من مديح وغير مديح. ولن نستطيع أن نعرض ما فى الأنموذج من طرائف الغزل الكثيرة، ولكننا سنكتفى ببعض ما أنشده لكبار العلماء والشعراء، ممن أعجب بهم ابن رشيق مثل أبى عبد الله بن جعفر التميمى المعروف بالقزاز المتوفى سنة ٤١٢ وكان لا يبارى فى علوم اللغة والنحو والقراءات، ويشيد بجيد شعره وبلوغه فيه بالرفق والدعة أقصى ما يحاوله أهل القدرة على الشعر من توليد المعانى وتوكيد المبانى، ويذكر من بديع غزله (١):
أما ومحل حبّك من فؤادى ... وقدر مكانه فيه المكين
لو انبسطت لى الآمال حتى ... تصيّر لى عنانك فى يمينى
لصنتك فى مكان سواد عينى ... وخطت عليك من حذر جفونى
فأبلغ منك غايات الأمانى ... وآمن فيك آفات الظنون
стр. 4418
والقطعة طريفة، فهو يريد أن يضع صاحبته فى سواد عينه ويخيط عليها جفونه، حتى بحفظها ويصونها ويبلغ منها كل أمانيه، ويمضى فى القطعة قائلا إنها يخاف عليها من الخفىّ وراء ألحاط العيون، وإنها كل دنياه. ويشيد ابن رشيق بابن البقال عبد العزيز بن أبى سهل الخشنى النحوى اللغوى المتوفى سنة ٤٠٦ ويقول عنه: «كان شاعرا مطبوعا يلقى الكلام إلقاء ويسلك طريق أبى العتاهية فى سهولة الطبع ولطف التركيب وقرب مآخذ الكلام، وينشد من غزله قوله (١):
يا غصنا غضّا من الآس ... ودرّة وهى من الناس
صوّرك الله على صورة ... كانت بها أسباب وسواسى
ترديد ذكرى لك فى خاطرى ... أكثر من ترديد أنفاسى
نسيت ودّى وتناسيتنى ... وليس قلبى لك بالنّاسى
وليس لى منك سوى حسرة ... تجول بين الشوق والياس
فغصن صاحبته كغصن الآس يتثنى لينا ونعومة، ويعجب أن تكون درة متلألئة وهى من الناس، وقد صورت صورة جميلة كانت أسباب وسواسه واختلاط عقله، وإن ذكراها لتتردد فى خاطره أكثر من تردد أنفاسه، وقد نسيت وده وتناسته وليس قلبه لها بالناسى، فقد حفرت صورتها فيه حفرا، ولم يبق له منها سوى حسرة تتردد بين الطمع فى اللقاء واليأس. ويقول (٢) محمد بن على الأزدى:
ترنو بأجفان سكارى بلا ... سكر من الحسن مراض صحاح
احمرّ-لما استضحكت-خدّها ... فلاح ما بين الشقيق الأقاح
بمهجتى أفدى التى صيّرت ... جسمى للأسقام منها مباح
ومن إذا رمت سلوّا دعا ... قلبى ولبّى: حبّها لا براح
فهى ترنو بأحفان كأنها سكرى عليلة من الحسن وهى صحاح غاية الصحة، وضحكت واحمرّ خداها، وكأنما ومض ثغرها المشبه للأقاح فى نصاعة بياضه بين ورد الشقيق المتوهج حمرة على خدودها. وإنه ليفديها بمهجته رغم ما أصابت به جسمه من الأسقام، ويقول إذا أراد سلوا عنها نادى قلبه وعقله حبها لا تبرح أبدا. ويقول الأقلامى محمد بن سلطان شاكيا حبه وآلامه فيه (٣):
стр. 4419
مقلة إنسانها غرق ... حشوها التّسهيد والأرق
وصبابات مضاعفة ... ودموع ثرّة دفق
وحشا يسطو به لهب ... عن قليل سوف يحترق
وفتى أشفى على جرف ... من هلاك مابه رمق
ويح أهل الحبّ ويحهم ... ليت أهل الحبّ ما خلقوا
والشكوى بديعة، ومن شأنها أن تحنو صاحبته عليه لو سمعتها، ويقول ابن رشيق: «هذه هى الألفاظ العذبة الغزلة الرائقة التى تلصق بالقلب وتعلق بالنفس، وتجرى مجرى النفس، وهذه هى طريق الحذاق فى التغزل خاصة لأن المراد منه استدعاء المحبوب واستعطافه برقة الشكوى ولطف العتاب وإظهار الألم والإقرار بالغلبة.
ومرّ بنا فى حديثنا عن الغزل بالجزء الخاص من الأندلس أن أديبة متظرفة عفيفة تسمى حمدة من مدينة وادى آش كانت تهوى صديقة لها وأنها نظمت فيها مقطوعة غزلية بديعة تصف فيها فتنتها بحسنها وجمالها، وكانت لها أخت تسمى زينب شاعرة مبدعة. ومن الطريف أننا نجد فى أوائل الدولة الحفصية شاعرة من بيت التجانى تسمى زينب بنت إبراهيم التجانى تفتن بشعر إحدى صواحبها فتقول فى وصف حسنه وجماله (١):
إذا انسدلت منه عليها ذؤابة ... كغصن أراك عانقته أراقم (٢)
أثيث طويل فهو يستر جسمها ... إذا نزعت عنه الملابس أسحم (٣)
كأنّ الصباح ارتاع من خوف طالب ... بثأر فألوى بالدّجى يتكتّم
وهى تتصور ذوائب صاحبتها أو ضفائرها كأنها أراقم أو حيات تعانق غصن أراك أو بعبارة أخرى تعانق قامتها الهيفاء الرشيقة، وتقول إن شعرها أثيث أو كثيف ملتف، وإذا نزعت عنه ثيابها بدا سواده على جسدها الأبيض الناصع، حتى لكأنه صباح أخذه الفزع من مطالب بثأر، فاختبأ فى دجى هذا الشعر، متخفيا ومتسترا ما استطاع.
ونختار ثلاثة من الشعراء الغزلين من العصور المختلفة غلب عليهم الغزل واشتهروا فيه، وهم على الحصرى فى زمن الطوائف وأحمد الليانى فى زمن الحفصيين ومحمد ماضور فى زمن الحسينيين.
стр. 4420
على (١) الحصرى
هو على بن عبد الغنى الفهرى الحصرى ابن أخت الحصرى صاحب زهر الآداب كان كفيفا، وخلّف فيه عدوان الزحفة الهلالية على القيروان مرارة شديدة، فولى وجهه نحو الأندلس، وتهاداه أمراء الطوائف وخاصة المقتدر بن هود أمير سرقسطة، وفيه يقول ابن بسام فى كتابه الذخيرة: «كان بحر براعة ورأس صناعة، وزعيم جماعة، طرأ على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه بالقيروان، والأدب يومئذ بأفقنا نافق السوق، معمور الطريق، فتهادته ملوك طوائفها تهادى الرياض النسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار فى الأنس المقيم». ولما خلع يوسف بن تاشفين ملوك الطوائف استقر فى طنجة يقرئ بها القرآن إلى وفاته سنة ٤٨٨ وكان عالما فذا بالقراءات وطرقها، وله منظومة فى قراءة نافع، وكان شاعرا مبدعا، وله فى الشعر ديوان لم يصلنا، ومن رائع غزله قصيدته المرقصة:
يا ليل الصّبّ متى غده ... أقيام الساعة موعده
رقد السّمّار فأرّقه ... أسف للبين يردّده
فبكاه النّجم ورقّ له ... مما يرعاه ويرصده
نصبت عيناى له شركا ... فى النّوم فعزّ تصيّده
يا من سفكت عيناه دمى ... وعلى خدّيه تورّده
خدّاك قد اعترفا بدمى ... فعلام جفونك تجحده
بالله هب المشتاق كرى ... فلعلّ خيالك يسعده
والقصيدة طويلة، وبلغ من روعتها أنه عارضها من شعراء العرب كثيرون آخرهم شوقى محاولين أن يقتبسوا منها شيئا من حسنها الموسيقى ومن معانيها البديعة، وهو يسأل ليل المحبوب عن غده، وهل سيستمر حتى قيام الساعة. وقد نام السمار، أما هو فيسهده أسفه على الفراق وإنه ليبكى بدموع غزار، حتى ليبكى النجم له، وينام لماما آملا فى رؤيته حلما فلا يراه. ويقول إن عينيها سفكت دمه، وشاهده تورد خديها المعترفين به ففيم جحود جفونها، ويسألها أن تهبه نوما لعل طيفها يسعده. والقصيدة تكتظ برقة بالغة، وهى رقة تشهد له بشاعرية فذة، ومما أنشده له ابن بسام:
стр. 4421
ردّى حشاشة عاشق مهجور ... بين الملوم عليك والمعذور
ذكر الفراق فمات إلا شوقه ... وأولو الهوى موتى بغير قبور
ودّعت من أهوى بل استودعتها ... قلبى وسرّ مدامعى وزفيرى
فبكت بنرجستين خفت عليهما ... نفسى فلم ألثم بغير ضميرى
وهو يسأل صاحبته أن ترد عليه مهجته، بعد أن هجرته وفارقته، ويحس كأنه مات، وما أهل الهوى إلا موتى بغير قبور، ويقول إنه ودّعها بل لقد استودعها قلبه ودموعه وزفيره وحنّت عليه فبكت، وهمّ أن يقبلها وتراجع خوفا عليها من نفسه الحار فاكتفى بأن يقبلها سرا فى ضميره، وكان يميل إلى الجناس والتلاعب به حتى فى الحب وفى القوافى كقوله:
إن كتمت الهوى فقد ... صار سرّى علانيه
لسقام أذابنى ... وشحوب علانيه
فلم تعد هناك فائدة من كتمانه، فقد أصبح سره فيه ذائعا ومعروفا لسقامه وشحوبه الذى علاه، وكان يعرف كيف ينفذ إلى مثل هذا الجناس فى قافية البيتين بخفة، مما يدل على قدرة شاعرية بديعة، مع ما يمتاز به شعره من طرافة الأخيلة وحلاوة الموسيقى.
أحمد (١) الليانىّ
هو أحمد بن إبراهيم القيسى المشهور باسم الليانى نسبة إلى قرية تسمى لليانّة بالقرب من المهدية، وقد نهل من حلقات شيوخها وأعلام أدبائها. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة فغادر المهدية إلى تونس، واختلط برجالات الدولة، وطمحت نفسه إلى الثراء، فعمل فى التجارة وكون بينه وبين تجار جنوة ومرسيلية علاقات تجارية أثرى منها ثراء طائلا، وأوغر حساده صدر المستنصر عليه، فكان ذلك سببا فى مصادرته وإهدار دمه سنة ٦٥٩ هـ/١٢٦١ م وله أشعار غزلية بديعة، منها قوله:
هذا العذيب وهذه نجد ... أين الذى يقضى به الوجد
ما هكذا حال المحبّ إذا ... أعلام ربع حبيبه تبدو
سرّح دموع العين مبتدرا ... وبذكر ماضى عهدهم فاشد
والثم على شغف مواطئهم ... إن عاق عن مقصودك البعد
стр. 4422
ولعلّ ما نرجو تجود به ... كفّ الزمان ويسعد الجدّ
وهو يعجب فهذه ديار المحبوبة: العذيب ونجد، وهو لا يزال يبكى، وآن له أن يكف عن بكائه، فتلك أعلام ربع محبوبته تبدو، فحق له أن يسرح دموع العين ويشدو بذكر الماضى من عهد الأحبة، بل إنه ليدعو المحب إلى لثم مواطئ أقدامهم إن عاقه عنهم البعد ولم يستطع سريعا لقاءهم، ويأمل أن تجود له كف الزمان بأمنيته ويساعده الحظ فى نيلها. ويقول متغزلا:
خلّيانى يا صاحبىّ ونجدا ... هجتما بالملام شوقا ووجدا
فلنجد بين الجوانح ودّ ... مستجدّ ما دام ربعا لسعدى
لا تقولوا مرام سعدى بعيد ... ربّ سعد أتى فقرّب بعدا
أهل ودّى ما حلت عن حفظ عهدى ... وهواكم ما غيّر النّأى عهدا (١)
وهو يطلب إلى صاحبيه أن يدعاه ونجدا ويكفّا عن لومهما فإنه كالريح تزيد نار وده المستكنة بين جوانحه اشتعالا بتعلقه بسعدى، ولا تقولا إن ربع سعدى بعيد، فرب سعد حدث فقرّب الربع والديار، ويلتفت إلى سعدى قائلا لها إنه لا يزال على العهد ويقسم لها بحبها ما غير العباد له عهدا ولا حبا. ويلومه عذول فى تعلقه بمحبوبته تعلقا مسرفا، فيقول له:
ردّ لى قلبى لتعذله ... فهو فى كفّيه أجمعه
لفظه درّ يساقطه ... ونطاق السّمع يجمعه
فقلبه ليس معه ليعذله، بل هو مع صاحبته، وإنه ليتراءى له جمال لفظها وهى تنثره دررا ونطاق سمعه يجمعها دررا وراء درر. ولعل فى ذلك كله ما يصور افتنانه فى غزله ورقته.
محمد (٢) ماضور
من أسرة فاضلة من الأسر الأندلسية التى نزلت الإقليم التونسى فى القرن الحادى عشر الهجرى واستقرت ببلدة سليمان، منشئة فيها كثيرا من البساتين وحقول الحبوب المتنوعة، وولد بتلك البلدة محمد لأبيه محمد ماضور أحد علمائها الأفاضل سنة ١١٥٠ هـ/١٧٣٧ م وفيها منشؤه ومرباه على أبيه وعلمائها حتى إذا أصبح شابا تحول إلى تونس وجامعتها الزيتونة، فنهل من حلقات علمائها، وأعجبهم فيه ذكاؤه، فأسندوا إليه-حين استكمل دراسته-الدرس للطلاب بتلك الجامعة، وعاد إلى بلدته «سليمان» إماما وخطيبا بجامعها، حتى إذا توفى أبوه حلّ محله فى
стр. 4423
منصب القضاء ببلدته، وظل يليه إلى وفاته سنة ١٢٢٦ هـ/١٨١١ م.
وكانت موهبة محمد ماضور الشعرية قد تفتحت مبكرة، فعرف بين الشعراء والأدباء برقة أشعاره، وقد خلف ديوانا لا يزال مخطوطا، ومعظمه غزل ينبئ عن حس مرهف، من مثل قوله:
إلى كم تجور ولا تنصف ... وتهجر تيها ولا تعطف
وحتى متى الهجر لا ينقضى ... وإخلاف وعدك لا يخلف
وقد عيل صبرى وشقّ الهوى ... علىّ وبى ريحه تعصف
وأسر الهوى لجّ بى للتّوى ... وقلبى بنيرانه يرجف (١)
ولبّ سها واصطبار وهى ... وشوق دهى القلب لا يصرف
وهو يقول إن صاحبته تظلمه ولا تنصفه فدائما تهجره ودائما تخلف وعدها له، حتى نفد صبره، وشوقه يتقد فى فؤاده وإنه لأسير الهوى ويكاد يتلفه، بينما قلبه يتلظى بنيرانه، وقد سها لبّه ووهى منه اصطباره، وشوقه لا يريم. ويقول:
يا ظبية أشعلت فى القلب نيرانا ... وخلّفتنى مع الأشواق حيرانا
صبرى ودمعى لما حملت من شغفى ... هذا تلاشى وهذا صار غدرانا
يا شمس حسن تبدّت فى ملاحتها ... هلا قرنت بذاك الحسن إحسانا
ما إن ذكرتك إلا صرت من طرب ... من طيب ذكراك ولهانا ونشوانا
فصاحبته أشعلت فى قلبه نيرانا لا تنطفئ أبدا، وقد تلاشى صبره وذرف الدمع مدرارا حتى ليستحيل غدرانا، ويستعطفها بحسنها الفاتن أن تقرن به إحسانا إليه ومودة، ويعترف بأنه أصبح من طيب ذكراها موّلها منتشيا. ويقول:
شوقى يزيد على طول المدى حرقا ... يا ظبية الإنس رفقا بالذى عشقا
لله ذاك المحيّا نور بهجته ... يغشى سنا القمر السارى إذا اتسقا
يهواك لبّى وقلبى مع جوانحه ... كذاك سمعى وطرفى كلما رمقا
وهو يقول لصاحبته إن قلبه يزداد مع الزمن حرقا ولوعات مضنية، ويتوسل إليها أن ترفق بعاشقها، ويتولاه العجب لجمال وجهها ويتخيل كأنما القمر يستمد سناه وضوءه فى ليلة اكتماله من نوره البهيج. ويقول لها إن كل ما فيه يهواها، يهواها لبه وقلبه وجوانحه وسمعه وبصره.
стр. 4424
الفصل الخامس
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغربة والشكوى والعتاب
كان كثير من سكان الإقليم التونسى يرحلون عن ديارهم إما طلبا للكسب وابتغاء الرزق وإما طلبا للعلم وابتغاء التعمق فيه وإما طلبا للجهاد فى صقلية أو فى الأندلس وابتغاء الاستشهاد فى سبيل الله، وممن غادر القيروان إلى مجاهد صاحب دانية فى شرقى الأندلس (٤٠٥ - ٤٣٦ هـ) للجهاد ضد نصارى الشمال، ابن الصفار السوسى، وحين دخل عليه مدحه بقصيدة يائية حكى فى فاتحتها حوار زوجته معه وقولها له: لمن تتركنى وتترك أطفالك يقول (١):
بكت وشكت واسترجعت وتوجّعت ... فظلت لها مسترجعا متباكيا
وقالت أما تنهاك أن تذكر النّوى ... نهى قد نهت عنك الصّبا والتصابيا
ومن لصغار من عيال تركتهم ... كزغب القطا يبغون طعما وساقيا
ولن يجدوا للعيش بعدك لذّة ... ولن يشربوا من بعدك الماء صافيا
فقلت لها إن الذى ليس غيره ... إله كفاهم حافظا ومراعيا
وهو يصور ساعة الوداع لزوجته وصغاره وهى تبكى وتتوجع، وهو يبكى، وتقول له ألم ينهك عقلك الذى طالما نهاك عن الصبا والتصابى. وتستعطفه بصغار فى المهد كزغب القطا لم ينبت بعد ريشهم، ولن يطيب لهم عيش بدونه، غير أن نداء الجهاد كان أقوى من نداء الأطفال فقال لها إنّي تركتهم لربى الكافى الحافظ الراعى. وكان شباب القيروان وغيرها من مدن تونس لا يزال يعدّ حقائبه للارتحال إلى المشرق للنهل من أساتذته فى مصر والحجاز والشام والعراق ولم يكن آباؤهم يقفون حجر عثرة فى طريقهم بل كانوا يشجعونهم للنهوض بهذه الرحلات العلمية، رغم ما يشعرون به من فقدهم وما يطوى فى ذلك من شوق وحنين، ومن خير ما يصور ذلك قول على الناسخ يخاطب ابنه وقد سافر إلى مصر وهو صغير السن ابتغاء العلم (٢):
стр. 4425
يا دهر مالك لا ترثى لمكتئب ... ما بات منك خليّا قطّ من كرب
لم يكف صرفك صرفى عن ذوى ثقتى ... حتى تعقّب بالتفريق فى عقبى (١)
ابن وكان أبا لى فى محبّته ... أمسى بأرض الفلا فردا بغير أب
أمسيت فى وطنى فى مثل غربته ... يا من لمغترب باك لمغترب
والله يا ولدى المجذوب من كبدى ... للرّأى ذاك وإن أمسى به عطبى
فما الحياة إلى نفسى بمعجبة ... إن لم تجز بى أعلى السبعة الشّهب
وهو يعتب على الدهر أنه لا يبيت يوما خاليا من إحدى كربه وأنه لم يكف نوائبه صرفه عن ثقاته حتى تعقبته فى ابنه البار به فحرمته منه وكأنما ألقت به فى فلاة دون أب يرعاه، ويشعر بفراق ابنه له كأنه أمسى غريبا فى وطنه، وكأن مغتربا يبكى بدموع غزار مغتربا، ويتماسك الأب، أمام فلذة كبده، فيقول له إن رأيك فى الرحلة هو الصواب وإن كان فيه عطبى وتلفى، ويضع نصب عينيه طموحه الهائل، فالحياة لا تعجبه ولا ترضيه إلا إذا تعدّت به أعلى الشهب السيارة الساطعة. ويعلق ابن رشيق على أبيات هذا الشاعر فيقول: «هذا كلام يظهر عليه التوجع والتفجع، وتشوبه رأفة الإشفاق، ورقة الاشتياق، حتى تدرّ عليه الجفون بحلب الشئون (الدموع). وليس يخفى على أحد ممن يعرف الكلام حسن هذا التخريج والتلطف فى الاعتذار عما فعل الغلام. وإن هذا الشعر ليهوّن رزيّة من أصابه مثل هذا المصاب فى ولده، حتى يسهل على الآباء فقد الأبناء ويجسّر الغلمان على مفارقة الأوطان». وممن تلهفوا على وطنهم تلهفا شديدا زمن الدولة الصنهاجية ابن عبدون الوراق السوسى، وسنخصه بكلمة. ولعلى الحصرى الشاعر المبدع قطعة يتشوق فيها إلى القيروان وتونس حين إقامته بالأندلس، وهو فيها محزون حزنا شديدا وفيها يقول (٢):
على العدوة القصوى وإن عفت الدار ... سلام غريب لا يئوب فيزدار
وحقّ بكاء العين والقلب مسعد ... لمن بات مثلى لا حبيب ولا جار
شفى الله داء القيروانين بعدنا ... فقد مرضت للقيروانين أبصار
وكيف غناء الطّير فى غير أيكها ... وقد بعدت منها فراخ وأوكار
ألا يا بروقا لحن من نحو صبرة ... وليس لها إلا دموعى أمطار
عسى فيك من ماء الحنيّات شربة ... ولو مثل ما يوعى من الماء منقار
وهو يحيى العدوة القصوى: القيروان وديارها ويصرّح بأنه يائس من العودة بعد أن أنزل بها
стр. 4426
أعراب سليم وهلال الدمار، وإنه ليبكى بكاء لا ينقطع للوطن وما صار إليه من الوحدة الموحشة فلا حبيب ولا جار، ويدعو للقيروانين: القيروان وتونس أو القيروان وصبرة المذكورة فى الأبيات وكانت بلدة كبيرة قريبة منها، يدعو لهما أن يزايلهما ما غشى الأبصار فيهما من مرض الهدم والتخريب. ويعجب أن تغنى الطير فى غير أيكها وقد بعدت عنها أوكارها وفراخها الصغار، إنه وأمثاله من شعراء العدوة القصوى لا يستطيعون الغناء إلا أن يكون بكاء وأنينا.
وتلوح له بروق من نحو صبرة وهى بروق خلب، ليس فيها أمطار إلا دموعه، ويتمنى جرعة ماء من حنيات تونس ولو قدر ما يحمل منقار طير من الماء حتى يشفى به أو صاب نفسه وفؤاده. ويقول الشاعر الحفصى ابن عريبة يتشوق إلى المهدية وأهله بها (١):
أقول لركب قافل عن معرّس ... بجمّة تردى بالحمول مشاحجه (٢)
لك الله أمتعنا عن البلد الذى ... أكابره أسلافنا وأبالجه (٣)
وعن وطن لولا العلا وطلابها ... لعزّ على مثواى أنّى خارجه
وشاطئه أنّى تنوّع حسنه ... وخضرمه أنّى تدفّع مائجه
سلام على المهديّتين ففيهما ... أب بنت عنه قاصر الخطو هادجه (٤)
وهو يقول لركب راجع من منزله آخر الليل بجمة جارة المهدية، وبغاله تضرب الأرض بحوافرها لثقل ما تحمله: لك الله أخبرنا وأمتعنا عن البلد الذى يتميز رجاله ببلج وجوههم وطلاقتها وبشرها، وحدثنا عن هذا الوطن الذى اضطررنا إلى تركه فى طلب العلا وعن شاطئه المتنوع الحسن وخضرمه أو بحره الذى تتدافع أمواجه. ويهدى المهدية وأختها (صبرة) سلامه، ففيهما أبوه الذى تركه واهن العظم قاصر الخطو يتهدج فى مشيه مرتعشا، وإنه ليمتلئ عليه برا وشفقة. ويقول حمودة بن عبد العزيز أحد رجالات الدولة الحسينية المتوفى سنة ١٢٠٢ هـ/١٧٨٨ م متشوقا فى الغربة إلى أهله بتونس (٥):
مللت دهرى وملّتنى حوادثه ... فبعدكم ليس لى فى العيش من أرب
لهفى على زمن لا بل على سكن ... عهدتهم منتهى الآمال والطّلب
كم ليلة بعدهم قد بتّ أسهرها ... أشابت الرأس منى وهى لم تشب
كأنّ أفلاكها من طول ما انقلبت ... ألقت عصاها لما لاقت من التعب
стр. 4427
وهو يقول إنه ملّ دهره وما تقلب فيه من أحداث السياسة حتى لم يعد له بعد أهله فى العيش من أرب. ويذكر أيام أن كان يقضى زمنه مع أهله وهم كل مناه من دنياه، وقد أصبح بعدهم يعيش مسهدا مفكرا فيما بلته به الليالى، ويتخيل كأن أفلاكها من طول ما سارت ألقت عصاها واستراحت لا تبرح ولا تريم لشدة ما عانت من التعب والمشقة. وحرى بى فى ختام حديثى عن الغربة وتشوق القيروانيين والتونسيين فيها إلى ديارهم أن أشير إلى أنهم كثيرا ما تشوقوا إلى الديار التى بارحوها إلى وطنهم، ومن أهم الأقطار التى كانت تملأ نفوسهم بها صبابة بما تمتعوا به فيها وبمناظرها الطبيعية الفاتنة مصر، وكان الكاتب الرقيق الذى مرت ترجمته كثيرا ما يكلفه حكام الدولة الصنهاجية بسفارات إليها، وله رائية يتشوق فيها إليها وإلى ساكنيها أشاد بها ياقوت فى ترجمته، وأهم منها قصيدة لأبى الفضل يوسف بن محمد المعروف باسم ابن النحوى، وكان قد حج، وفى رجوعه افتتن بمصر وبنيلها وطبيعتها فنظم تلك القصيدة يصور تشوقه إلى ديارها ومشاهدها الفاتنة وفيها يقول (١):
حدّثانى عن نيل مصر فإنى ... منذ فارقته إلى الماء صادى
والرياض التى على جانبيه ... واجعلاه من الأحاديث زادى
إن مصرا لها معان لعمرى ... قد تأبّت على جميع البلاد
هذه الأرض إنما هى ناد ... مصر من بينها سراج النادى
وهو منذ فارق مصر ونيلها الكوثر-كما يقول شوقى-ظامئ إلى جرعة ماء منها، وقد خلبته رياضها وورودها ورياحينها، ويقول إن مصر حظيت بمعان ومشاهد لم تحظ بها سائر البلاد، ويتصور المعمورة جميعها ناديا ومصر سراج النادى. وهى تحية كريمة لمصر من تونسى يوثّق العلاقة بين الشعبين من قديم.
وتكثر الشكوى على ألسنة القيروانيين والتونسيين، مثلهم فى ذلك مثل لداتهم من شعراء الأقاليم العربية، فهم يشكون مثلهم من الدهر وما يصيبهم من بلائه وأرزائه، ويشكون من الإخوان أنانيتهم وعدم وفائهم، ومن طريف شكواهم من الدهر وصروفه ونوائبه قول إبراهيم الحصرى صاحب «زهر الآداب» وغيره من التآليف الرائعة والتصانيف الفائقة كما يقول ابن (٢) بسام:
تلاحظنى صروف الدّهر شزرا ... كأنّ علىّ للأيام وترا
وفى عينى دموع ليس ترقا (٣) ... وفى قلبى صدوع ليس تبرا
стр. 4428
أقلّب فى الدّجى طرفا كليلا ... إذا جيب الظلام علىّ زرّا
ولو نشر الذى أطوى عليه ... على من تحتويه الأرض طرّا
أصمّ مسامع الدنيا عويلا ... وهزّ جوانح الأيام ذعرا
وهو يشكو شكوى مرة من صروف الدهر وكيف أنها تنظر إليه غاضبة كأن لها عنده ثأرا وما تزال النوائب تنزل به وما تزال دموعه لا تجفّ أبدا، وقد تصدّع قلبه، ولا يبرأ من صدوعه أبدا، وأفّ لليل، فإنه لا يزال مسهدا فيه كلما زرّ عليه رداء الظلام، ويقول إن ما يطوى عليه من الهموم لو وزع على جميع من تحتويهم الأرض من الأنام لأصموا مسامع الدنيا عويلا وأنينا ولهزّوا ضلوع الأيام ذعرا وفزعا ما بعده فزع. ويقول تميم بن المعز شاكيا من الزمان وأرزائه (١):
وذى عجب من طول صبرى على الذى ... ألاقى من الأرزاء وهو جليل
يقولون ما تشكو فقلت متى شكا ... شبا السّيف عضب الشّفرتين صقيل (٢)
وإن امرءا يشكو إلى غير نافع ... ويسخو بما فى نفسه لجهول
عذابى أن أشكو إلى الناس أننى ... عليل ومن أشكو إليه عليل
وهو يقول إن الناس يتعجبون من طول صبرى على ما يصيبنى من الرزايا والمصائب العظيمة، ويسألوننى ممّ تشكو، وأجبتهم هل يشكو حد السيف القاطع، ولمن أشكو؟ إن من يشكو إلى من لا يستطيع نفعه ويسرّ إليه بما فى نفسه دون فائدة لجهول بالناس وحقائقهم، وإنه ليعذبنى أن أشكو إلى الناس أننى عليل ومن أشكو إليه مثلى عليل ويقول ابن خلدون فى شكوى الزمان (٣):
إلى م مقامى حيث لم ترد العلا ... مرادى ولم تعط القياد ذلول
ويذهب لى ما بين يأس ومطمع ... زمان بنيل المعلوات بخيل (٤)
أما للّيالى أن تردّ خطوبها ... ففى كبدى من وقعهنّ فلول
يروعنى عن صرفها كلّ حادث ... تكاد له صمّ الصّلاد تزول (٥)
وحتى ابن خلدون يشكو من أن العلا لا تعطيه ما يريد وأنه لا يجد فى دنياه ذلولا تعطيه القيادة، ولا يزال بين يأس وطمع أو أمل، والزمان بخيل عليه بنيل المعالى، ويقول أما آن لليالى
стр. 4429
أن تردّ خطوبها وكوارثها عنه وإن فلولها وشررها ليتضحان فى كبده، وإن كثيرا من الأحداث لينزل به مما تكاد يتشقق له الصخر الصلب. ويقول ابن سعيد الحجرىّ فى العهد الحسينى المتوفى سنة ١٧٨٥ للميلاد (١):
يطول علىّ الليل حتى كأنما ... ليالىّ من فرط الجوى ليلة الحشر
ويزعجنى الإصباح حتى كأنما ... نهارى سيف سلّ من حيث لا أدرى
خليلىّ إن الدهر أبدى إساءتى ... وأظهر ما قد كان أضمر من مكر
وما ضرّ مثلى أن تلظّى بناره ... وهل ضرّ إبريزا تلظّيه بالجمر
فليله يطول عليه من فرط الوجد حتى كأنه ليلة الحشر، ويزعجه الصباح حتى كأنما سيف نهاره سلّ عليه من حيث لا يدرى. ويخاطب صاحبيه، فالدهر قد أظهر ما كان يضمر من مكر وأساء إليه إساءة بالغة، ويتماسك، ويجمع إرادته، ويعلن أنه لن يضره التلظى بناره، وهل يضر الذهب الخالص التلظى بالجمر ولهيبه؟ !
وعلى نحو ما أكثر القيروانيون والتونسيون من الشكوى سواء من الدهر أو من الناس أكثروا من العتاب وما قد يجر إليه من الاستعطاف، وهما بابان قديمان فى الشعر العربى، ومن طريف ما للقزاز من عتاب لأحد أصدقائه وكان قد أولم وليمة فى ختان لابنه وابن أخيه ولم يدعه سهوا (٢):
وا حسرتا مات أترابى وأقرانى ... وشتّت الدهر أصحابى وأخدانى
وغيّرت غير الأيام خالصتى ... والمنتضى الحرّ من أهلى وإخوانى
وصار من كنت فى السّراء أذكره ... بل لست أنساه فى الضّرّاء ينسانى
وهو يتحسر على أصدقائه جميعا، إذ غيّرت الحوادث أخلصهم وأصفاهم وأعزهم، وصار من كان يذكره فى السراء ولا ينساه فى الضرّاء ينساه كأن لم يكن بينهم ودّ ولا صداقة. ومن طريف ما نقرؤه من عتاب فى عصر الدولة الصنهاجية عتاب خديجة بنت أحمد بن كلثوم المعافرى لأخيها، وكانت شاعرة مجيدة وأعجبت بشاعر أندلسى نزل بديارها، وشبّب بها، فغار لذلك إخوتها فكتبت إلى كبيرهم (٣):
أأخى الكبير وسيدى ورئيسى ... ما بال حظّى منك حظّ نحيس
стр. 4430
أبغى رضاك بطاعة مقرونة ... عندى بطاعة ربّى القدّوس
فإذا زللت وجدت حلمك ضيّقا ... عن زلّتى أبدا لفرط نحوسى
يا سيّدى ما هكذا حكم النّهى ... حقّ الرئيس الرفق بالمرءوس
وإذا رضيت لى الهوان رضيته ... وجعلت ثوب الذل خير لبوس
وخديجة تعاتب أخاها عتابا رقيقا فهو أخوها وسيدها ورئيسها وتشكو من حظها السيئ معه، مع أنها تبغى رضاه وتطيعه طاعتها لربها القدوس، فإذا ودّت شاعرا وجدت حلمه لا يسع ودّها ولا يغفره لها لفرط نحوسها، وتستعطفه فليس هذا حكم العقل ولا حق المرءوس على الرئيس من الرفق، وتحاول أن تميل قلبه إليها، فإذا كان قد رضى لها الهوان رضيته ولم تخلع عنها ثوب الذل يوما. والقطعة رقيقة منتهى الرقة. وخديجة بجانب زينب التيجانية الشاعرة التى مر ذكرها فى الحديث عن الغزل رمزان قويان لمشاركة نساء القيروان وتونس فى الحركة الأدبية بالعصور الماضية. ويقول ابن رشيق معاتبا (١):
أجدّك لم أجد للصبر بابا ... فتدخله على سعة وضيق
وإن أصبر فعن إفراط جهد ... وإن أقلق فحسبك من قلوق
سأعرض عنك إعراضا جميلا ... وأبدى صفحة الوجه الطّليق
ولا ألقاك إلا عن تلاق ... بعيد العهد بالذكرى سحيق
فقد أعنته صديقه حتى لم يعد يجد للصبر بابا، ومع ذلك إن استطاع يوما الصبر فعن فرط جهد، وحرى به أن يقلق أشد القلق، ويقول له سأعرض عنك إعراضا جميلا، وسألقاك بوجه بشوش حين يتصادف اللقاء، وقد بعد العهد بالذكرى بعدا شديدا. ويقول على الحصرى معاتبا بعض خلاّنه (٢):
برمت بما ألقاه ممن أوامق ... وأوذيت حتى لا أرى من أصادق (٣)
إذا ما امرؤ أصفيته الودّ واثقا ... بخلّته لم تصف منه الخلائق (٤)
فيا ليت شعرى هل إلى الناس كلهم ... أنا مذنب أم ليس فيهم موافق
فلا أنا مسرور بمن هو واصلى ... حذارا ولا آسى على من أفارق
وإنّي لمن يبغى انتقاصى لقامع ... وإنّي لمن يبغى ودادى لوامق
стр. 4431
وعلى الحصرى متبرم بأصدقائه لما يلقى من أذاهم، وقد يظن بشخص خيرا فيصفيه الود لما رأى من بعض صفاته، حتى إذا اختبره وجد أخلاقه كدرة غير صافية، ويعجب هل أساء إلى الناس جميعا حتى لا يجد بينهم صديقا موافقا، وجعله ذلك لا يسرّ بمن يحاول صداقته ولا يأسى على من ينقضها نقضا، ويعود فيقول إنه يقمع ويقهر كل من يحاول انتقاصه، وأما من يمد له يد الوداد فإنه يصبح وامقا له ومحبا. ويلقانا عتاب عنيف بين وزير المستنصر الحفصى محمد بن أبى الحسين وشيخ قبيلة سليم: عنان بن جابر، وسنخصه بكلمة، ويرسل شاعر العصر الحسينى الأول على الغراب الصفاقسى بمقطوعة شعرية لمحمد بن كمون يعاتبه لإبطائه فى كتابة عقد له (١):
يا أبا عبد الله حتّام أسعى ... لك فيما أروم شهرا فشهرا
هل لهذا الوقوف منك وجريى ... غاية ينتهى لها الجرى أخرى
ما أرى فى قضاء ما رمت عسرا ... ولئن كان، إن للعسر يسرا
ليت شعرى أفى وقوفك هذا ... طول جرى تروم أم رمت أجرا
وهو يعتب على الكمونى أنه دائم السعى له والإلحاح عليه لا يوما بعد يوم بل شهرا بعد شهر ليكتب له العقد، والكمونى يسوّف ويماطل، ويقول له ليس فيما أريده عسر، وإن كان فإن للعسر يسرا، ويسأله هل تريد منى طول جرى لمزيد من الإلحاح أو تريد منى مزيدا من الأجر.
وحرى بنا الآن أن نتوقف لنخص شاعر الغربة ابن عبدون بكلمة، وبالمثل شاعر العتاب الغاضب: ابن أبى الحسين.
ابن (٢) عبدون
هو محمد بن عبدون الوراق من أهل مدينة سوسة على ساحل البحر، وينوّه ابن رشيق بشعره قائلا إنه «شاعر وطيء الكلام، كلف بعذوبة اللفظ والتسلّل إلى المعنى البعيد بلطافة وسكون جأش». وحدث أن توفيت زوجته وابنه فى آن واحد، ففارق بلدته «سوسة» فى سنة ٣٩٣ للهجرة ورحل إلى جزيرة صقلية ونزل على أميرها ثقة الدولة يوسف بن عبد الله ومدحه، وكان قد أناب عنه فى الحكم ابنه جعفرا منذ سنة ٣٨٨ لإصابته بالفالج، فألحقه بابنه، فأدناه وقربه، غير أنه سرعان ما حنّ إلى بلده، فرفع إلى جعفر قصيدة يسأله فيها الرجوع إلى وطنه، وصوّر مدى رغبته فى ذلك من خلال تشوقه إلى رؤية قصر طارق وكان رباطا بقرب سوسة، له
стр. 4432
برج شديد العلو، ويصور حنينا متأججا فى صدره إلى سكانه قائلا:
يا قصر طارق الذى طرقت ... أحشاى فيه بلابل الصّدر
والله ما قصّرت عن تلف ... لكننى قصّرت بالقسر
فسقاك منهلّ الحيا وسقى ... عصرا تقضّى فيك من عصر
أعطى عهود الله صفقة من ... أعطى العهود بجانب الحجر
لو أستطيع سبحت من طرب ... شوقا إليك سواد ذا البحر
وهو يهتف بقصر طارق المجاور لمدينته سوسة وما يثير فى صدره من شجون، ويقول إنه لم يقصّر إزاءه عن تلف وإنما قصّر قسرا وجبرا، ويدعو له ولأيامه الخوالى فيه بالسقيا، ويعاهده عهد حجاج بيت الله الحرام عند الحجر أو الحطيم بجانب الكعبة المقدسة أنه لو استطاع لسبح إليه سواد البحر المتلاطم بين صقلية سوسة. ويقول ابن رشيق تعليقا على هذه المقطوعة: «رقة الشوق ظاهرة على هذا الشعر ولطف الحضارة مع مياه تكاد تنبع من جانبه، فهو أندى من الزهر، غبّ القطر، وأحلى من الوصل بعد الهجر». ولما سمع جعفر بن ثقة الدولة هذه الأبيات ازداد به إعجابا وفيه ضنانة، فمنعه من السفر، فكتب ابن عبدون إلى أبيه ثقة الدولة يسأله فيما سأل فيه ولده، ويشكر لما ناله لديهما من الجود، ويتشوق إلى وطنه مجسدا شوقه فى قصر طارق قائلا:
يا قصر طارق همّى فيك مقصور ... شوقى طليق وخطوى عنك مأسور
إن نام جارك إنّي ساهر أبدا ... أبكى عليك وباكى البين معذور
عندى من الوجد ما لو فاض من كبدى ... إليك لاحترقت من حولك الدّور
لا همّ إنّ الجوى والوجد قد غلبا ... صبرى فكلّ اصطبارى فيهما زور
وهو يبث قصر طارق همه ويقول له إن شوقى لك حر طليق وخطوى إليك مقيد مأسور، وإن نام جارك نوما هنيئا فإنى أتجرع سهرا مريرا أبكى فيه عليك بكاء لا ينقطع. ويذكر أن فى كبده من لواعج الوجد ولهيبه ما لو فاض على ما حول القصر من الدور لاحترقت جميعا، ويفزع إلى ربه فإن ما يحمل من الجوى والوجد الملتاع قد غلبا صبره، ولم يعد يستطيع احتمالا لهما. ومضى فى القصيدة يمدح ثقة الدولة. ولم يجد عنده-كما لم يجد عند ابنه جعفر-مأموله، فاضطر إلى أن يخرج من صقلية خفية دون علمهما. وعاد إلى سوسة، وبها توفى حوالى سنة ٤٠٠ هـ/١٠١٠ م. وينشد له ابن رشيق مقطوعة بديعة فى ملعب سوسة الرومانى وفيها يتحدث عمن شادوه وملكهم وجيوشهم، ويقول إن الأرض ضمتهم جميعا:
стр. 4433
طحنتهم طحن الرّحا فإذا الإن ... سان والدهر صخرة وزجاج
فالناس جميعا يطحنون طحن الرحا، بل لكأن الدهر صخرة، وهو يطحنهم بل يفتتهم كأنهم زجاج لا يعاد له سبك.
محمد (١) بن أبى الحسين
هو أبو عبد الله محمد بن أبى الحسين العنسى كان أحد الرجالات دهاء وذكاء، وقربه منه أبو زكريا مؤسس الدولة الحفصية وابنه المستنصر. حتى كان كبير رجالاتهم ووزرائهم، وكان متفننا فى ضروب العلوم ومتعمقا فى اللغة، وله معجم رتب فيه محكم ابن سيدة على نهج الصحاح للجوهرى بحسب أواخر الكلم، واختصره فى معجم سماه الخلاصة. وكان مع ذلك سيوسا يحسن تدبير الدولة الحفصية ويقود جيوشها فى المعارك الحربية، وما زال المستنصر حفيّا به إلى أن توفى سنة ٦٧١ هـ/١٢٧٣ م. وكان شاعرا مجيدا. وكان أبو زكريا يقرّب منه شيوخ القبائل ومن بينهم عنان بن جابر زعيم عشائر مرداس من قبيلة بنى سليم النازلين فى قابس، وكانت له مكانة كبيرة عند أبى زكريا وصلات وعوائد. ويبدو أنه ظن به وبعشائر المرداسية بعض الظنون فأوقع بينها وبين قبيلة علاق ونشبت بينهما معارك. وتنبّه عنان بن جابر لصنيعه، فغضب غضبا شديدا، ورحل مع عشائره إلى بنى هلال فى الجزائر أو المغرب الأوسط، وعرف أبو زكريا خطأه فسأل وزيره ابن أبى لح ن أن يكتب إليه مسترضيا، وكان مما تبادل معه ابن أبى الحسين قصيدتان رائيتان، وابن أبى الحسين فى قصيدته يعاتبه فى شئ من اللين حينا وفى شئ من الجفاء حينا آخر، لعله يعود إلى صوابه ويرجع إلى موطنه، وله يقول مستطردا من التشبيب إلى عتابه عتابا رفيقا:
فدونكم يا للرّجال تحيّة ... يخصّ بها عنّى عنان بن جابر
فتى ما دعته زلّة فأجابها ... فكيف طوى كشحا على نفس غادر (٢)
وقد كان بينى-يا عنان-وبينكم ... بواطن صنّاها بحفظ الظواهر
وفى كل عام كان للجيش وقعة ... نجرّ بها أذيالنا جرّ سادر (٣)
تظلّلنا الرايات وهى خوافق ... على كلّ رئبال بخفّان خادر (٤)
стр. 4434
وهو يخص عنان بن جابر بتحية يستحقها. إذ هو فتى عزيز شريف لم يستجب يوما إلى أى زلة تدعوه، ويعجب إذن كيف ولّى مغاضبا مطويا على الغدر بدولته، ويحاول أن يجذبه إليه، بما كان بينهما من صداقة ومن اشتراك فى حرب أعداء الدولة سنويا جارّين أذيال الخيلاء بانتصاراتهم غير مبالين بشئ، والرايات تظلّل متحركة أبطال جيشهم بل ليوثه التى اندفعت من مأسدة خفّان المقيمة بها تريد أن تلتهم الأعداء التهاما، ويمضى ابن أبى الحسين معاتبا لعنان:
أذكّرك العهد الذى كان بيننا ... وإن كنت عنه ساليا غير ذاكر
وكنت تجير الناس فى خير دولة ... فأصبحت جارا فى هلال بن عامر
وكنت كليث الغاب عزّا ومنعة ... فصرت كأمثال الرّئال النّوافر (١)
وكنت نزيل الملك تجنى ثماره ... أفانين من أفنان ريّان ناضر
وقد كنت تلقى العزّ تحت ظلاله ... فها أنت تلقى الذلّ تحت الهواجر
وهو يذكره بما كان بينه وبين رجال الدولة الحفصية من عهد وميثاق، وكأنه نسيهما نسيانا تاما، ويقرن حال العز القديمة لجابر بما صار إليه، فقد كان يجير الناس وأصبحت قبيلة هلال تجيره، وكان كالأسد عزا ومنعة فصار مثل النعام المتناثر فى البوادى وكان يجنى ألوانا من ثمار ملك وطيد ناضر، وكأنما يحاول أن يؤنبه، فيقول له إنك طالما تمتعت بالعز فى ظلال الملك الحفصى وها أنت تصطلى بالذل فى هواجر المغرب الأوسط. ويعود إلى اللين مع عنان فيقول:
عزيز علينا-يا عنان-ضلالة ... حدت بك لا تلوى على زجر زاجر
فديتك لا تشر الضّلالة بالهدى ... فديتك لا تشر العمى بالبصائر
وما العرب العرباء إلا بعهدها ... فمن كان أوفى كان أول فاخر
هدتك الهوادى-يا عنان-وأمطرت ... ذراك الغوادى بين باد وحاضر (٢)
وهو يتلطف له ذاكرا أن هجرته بعشائره كانت ضلالة لم يستمع فيها إلى نصح ناصح ولا إلى زجر زاجر، ويفدّيه بنفسه أن لا يشترى الضلالة بالهدى ولا العمى بالبصر وأن يتبع سنن آبائه بالوفاء بالعهد. ويدعو الله له أن يهديه وأن تمطر السحب الغادية أكناف دياره بادية وحاضرة.
وقد رد عنان بن جابر عليه عنيفا بقصيدة تعدّ من درر الشعر التونسى، وفيها يذكر أنه لم يبرح موطنه إلا بعد أن ضاقت به الأرض كحلقة خاتم، وبعد أن تبين من أبى زكريا حالا، لا يطيق احتمالها، فهاجر إلى بلد من بلدان بنى هلال بن عامر لا يعرف أهلها الذل، ويذكر أنه إنما غادر
стр. 4435
موطنه صيانة لنفسه ولقومه من الأذى، ويفتخر بأنه ما من أحد من قومه إلا نال عزا ورفعة ويتحدّى من يعاديهم، إذ يطئون أرضه بحوافر خيلهم ويقضون عليه قضاء مبرما. والقصيدة على لسان هذا البدوى عنان بن جابر السلمى تعدّ أحد البراهين القوية-كما مرّ بنا-على خطأ ابن خلدون فيما زعمه من أن أعراب بنى سليم وهلال زايلت ألسنتهم الفصحى فى أرجاء الإقليم التونسى منذ القرن السابع الهجرى بل ربما قبله بفترة غير قليلة.
٢ - شعراء الطبيعة
من قديم يتغنى الشاعر العربى بالطبيعة، ومعروف أن الشاعر الجاهلى لم يترك فى بيئته الصحراوية زهرة ولا شجرة ولا سحابا ولا نجما ولا طائرا ولا حيوانا أليفا ولا وحشيا إلا تغنّى به واصفا لجماله أو لسرعته أو لقوته، وتبعه الشعراء فى العصور التالية يصفون الرياض والأنهار وما أودع على ضفافها من جمال، كما يصفون الحيوانات والطير من كل نوع، ويصف إبراهيم الحصرى صاحب زهر الآداب الياسمين قبيل تفتحه قائلا (١):
لقد راع رأس الياسمين منوّرا ... كأقراط درّ قمّعت بعقيق (٢)
يميل على ضعف الغصون كأنما ... له حالتا ذى غشية ومفيق
إذا الريح أدنته إلى الأرض خلته ... نسيم جنوب ضمّخت بخلوق (٣)
فالياسمين وهو يوشك على التفتح وقد انبثقت فى أعلاه زهرة حمراء يروعك منظره، وكأنه أقراط ذهبية خضبت بعقيق أو ياقوت، ومنه ما يميل منحنيا لضعف غصونه، ومنه ما يظل ثابتا فى وقوفه، وكأنما له حالتا مغشىّ عليه ومفيق، وإذا مر به النسيم ظننته تعطر بخلوق أو طيب ذكى الرائحة. ويقول إبراهيم بن غانم الكاتب القيروانى واصفا النيل (٤) وكان قد أقام بمصر فترة وعاد إلى القيروان وتوفى بها سنة ٤٢١ هـ/١٠٣٠ م.
النيل بين الجانبين كأنما ... صبّت بصفحته صفيحة صيقل
يأتيك من كدر الزّواخر مدّه ... بممسّك من مائه ومصندل (٥)
стр. 4436
وكأنّ ضوء البدر فى تمويجه ... برق تموّج فى سحاب مسبل
وكأن نور السّرج فى جنباته ... زهر الكواكب تحت ليل أليل (١)
وهو يصور النيل بين شاطئيه كأنه سيف حدّاد بالغ فى جلائه لشدة لمعانه، ويقول إن فيضانه يأتيك بلون كدر كأنه اختلط بمسك أو بشجر الصندل الأحمر، يشير بذلك إلى ما كان يختلط به فى فيضانه من الطمى المائل إلى الحمرة، وكأن ضوء البدر على صفحة أمواجه برق يموج فى سحاب يهطل مدرارا، وكأن نور المصابيح فى جنباته كواكب مشرقة لامعة فى ليل شديد الظلام.
ويقول عبد العزيز بن خلوف المتوفى حوالى سنة ٤٣٠ هـ/١٠٣٩ م فى وصف سحابة (٢):
مرتجّة الأرجاء يحبس سيرها ... ثقل فتعطيه الرياح سراحا
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها-كى تهتدى-مصباحا
وكأنّ صوت الرّعد خلف سحابها ... حاد إذا ونت الركائب صاحا
وهو يقول إنها سحابة مثقلة بمطر غزير، وكأن ثقل ما تحمله يحبس سيرها، وتطلقه الرياح، فتسير وئيدة فى ليلة داجية وكأن الظلام أخفى مسالكها، فأوقدت من برقها مصباحا كى تهتدى به فى سيرها، ويتصور كأن صوت الرعد فيها حاد خلفها إذا توانت الركائب وتباطأت صاح بها كى تمضى فى سيرها مسرعة. وكان يعاصر هذا الشاعر ابن أبى حديدة وكان يعنى بوصفه للسحب والنجوم، وسنخصه بكلمة. ومعروف أن البحر المتوسط يمتد طويلا على شواطئ الإقليم التونسى شرقيه وشماليه من قابس إلى بنزرت، فكان طبيعيا أن يتعرض الشعراء فى ثغوره المختلفة لوصفه، من مثل الشاعر أبى الحسين الكاتب، وكان حسن البصر بصناعة الشعر- كما يقول ابن رشيق-سالكا لجميع شعابها، داخلا من جميع أبوابها متقنا لها فى لطافة وحلاوة، وقد توفى سنة ٤٠٨ هـ/١٠١٨ م وفى البحر يقول (٣):
انظر إلى البحر وأمواجه ... فقد علاها زبد متّسق
تخالها العين إذا أقبلت ... خيلا بدت فى حلبة تستبق
حمرا ودهما فإذا ما دنت ... من شاطئ البحر علاها بلق
ظهورها درّ وأكفالها ... ألبسها الجرى صبيب العرق
وهو يصور أمواج البحر حين تعانق رمال الشاطئ وما يعلوها من زبد، ويخالها خيلا تستبق
стр. 4437
فى حلبة، ويراها حين تعانق الرمال يعلوها لونان أسود منها وأبيض من الزبد مما يجعلها بلقاء فى مرأى العين، وكأنما الرمال تحيلها درا سائلا بينما أواخرها يتصبب عرقا أو زبدا. وكان على بن حبيب التنوخى شاعرا عذب اللفظ-كما يقول ابن رشيق-لطيف المعنى قليل التكلف، وقد توفى حوالى سنة ٤٤٠ هـ/١٠٤٩ م وله فى تصوير المد والجزر عند صفاقس (١):
بلد يكاد يقول حي ... ن تزوره أهلا وسهلا
وكأنه والبحر يح ... سر تارة عنه ويملا
صبّ يريد زيارة ... فإذا رأى الرّقباء ولّى
وهو تعليل طريف للمد والجزر أمام صفاقس التى ترحب دائما بضيوفها، وكأنما أمواج البحر، حين تمتد أمامها وتقترب منها وسرعان ما تتراجع، عاشق يريد زيارتها، ويرى الرقباء فيولّى راجعا من حيث أتى.
ونلتقى بأبى زكريا مؤسس الدولة الحفصية، وكان شاعرا مجيدا وناقدا بصيرا بالشعر، وله أشعار مختلفة فى الحماسة ووصف آلات الحرب وغير ذلك. ومن شعره يصف حديقة ونهرها وأزهارها من الرياض التى أنشأها قرب عاصمته تونس باسم أبى فهر (٢):
وسال نمير الماء بين اخضرارها ... فجاء كمثل الفرق بين الذّوائب
وإلا كما شقّ الكنهور بارق ... وإلا كمثل الصّبح بين الغياهب (٣)
وللنّرجس النّضر اصفرار تخاله ... كشمس أصيل بين بيض السحائب
وللياسمين الغضّ فى خضر بسطها ... نثائر درّ أو سبائك ساكب
معطرة الأردان يفغم نفحها ... يحيّيك عرف الطّيب من كل جانب (٤)
فماؤها العذب ينساب بين خضرتها المائلة إلى السواد وكأنه فرق شعر فى أعلى ضفائر أو كأنه برق فى كنهور أو سحاب متراكم أو كأنه ضوء صبح يشق غياهب الليل وظلماته. ويقول إن النرجس النضر المصفر يتهدل بين الأزهار البيضاء كشمس أصيل تنسدل على الطبيعة من خلال سحب بيضاء، وزهر الياسمين يتناثر على بسطها وكأنه نثار درّ أو سبائك صانع حاذق، والحديقة جميعها معطرة الجوانب، ونفحها يحمل أفاويه ذكية، ويحييك شذا طيبها من كل منعطف وركن.
ويستمر أبو زكريا فى مثل هذا الوصف بقصيدته. وممن وصف جنات «توزر» وحدائقها شاعرها
стр. 4438
أبو على بن إبراهيم، وسنفرده بكلمة. وبالقرب من توزر شطّ الجريد وبه سبخة إذا حاد سالكها عن طريقه غاص فى رمالها ولم ير له أثر، وتسمّى التاكمرت وماؤها ملح أجاج، وهواؤها شديد الحرارة ملئ بالرمال العاصفة، وقد وصفها ابن حسينة المتوفى حوالى سنة ٧٤٠ هـ/١٣٤٠ م قائلا (١):
قطعنا التاكمرت سرى وسرنا ... صبيحة يومنا حتى الزّوال
فلا تسأل لما قاسيت فيه ... من الأهوال والكرب الثّقال
فليل لا تسير به نجوم ... كأن نيطت إلى بعض الجبال
وأرياح تصمّ الأذن منها ... تهبّ عن اليمين مع الشمال
تصدّ عن الطريق القصد قصدى ... وتضرب حرّ وجهى بالرّمال
ولا أسطيع فتح العين فيها ... لبعض الأمر إلا باحتيال
يقول ابن حسينة إنه قطع التاكمرت فى ليلة وصبيحة يوم حتى الظهر وقد قاسى من الأهوال والكرب الثقيلة ما يعزّ وصفه، فالليل طويل حتى كأنما علقت نجومه ببعض الجبال فهى لا تتحرك، والرياح تهب ذات اليمين وذات الشمال محملة برمال تصكّ الآذان ضاربة الوجوه بحصبائها وملقية ستارة كثيفة على الأعين حتى لا يمكن فتحها إلا بضروب من الاحتيال.
ويقول محمد الظريف المتوفى سنة ٧٨٧ هـ/١٣٨٦ م فى وصف روض (٢):
الروض أصبح يجلى فى غلائله ... وأنشد الطير فوق الغصن وارتجلا
وألقت القضب من أوراقها بسطا ... وألبس الرّوض من أنواره حللا
وقبّل الطّلّ خدّ الأرض فابتسمت ... أزهارها فغدت تزهو بحسن حلى
والورد لما اعتلى من فوق وجنته ... ماء الحياء بدا فى خدّه خجلا
فالروض يجلى فى أجمل ثيابه البديعة، والطير يتغنى فوق الغصون، وألقت الأغصان على الثرى بسطا خضراء من أوراقها، ولبس الروض حللا من أنواره وأزهاره وقبّل الطّل خدود الأغصان فابتسمت أزهارها وافتخرت بأجمل حلى، أما الورد فقد اعتلى فوق وجنته ماء الخفر، فبدت حمرة الخجل فى خدّه، ويقول الأمير محمد الرشيد الحسينى فى وصف الربيع (٣):
قدم الرّبيع ووجهه يتهلّل ... والطّلّ يلثم خدّه ويقبّل
فتدفقت أنهاره وتفتّقت ... أزهاره والدّوح خود ترفل
стр. 4439
بقلائد موشّية بزبرجد ... تيجانها بيد الرّذاذ تكلّل
والرّعد يضرب بالطبول وبرقها ... كالشّمع تطفيه الرياح فيشعل
فالربيع وفد بوجهه المتهلل يعانق الطّلّ ويقبله مرارا وتكرارا، والأنهار تدفقت والأزهار تفتّحت والأشجار تتبختر بقلائد مزينة بزبرجد، بينما يتوّجها المطر بالأزهار، وكأنما الرعد يضرب بطبول ابتهاجا بالربيع، وأمامه شموع البرق فرحة به، وكلما أطفأتها الرياح عادت أكثر اشتعالا وأوفر ضياء.
وإذا تركنا الطبيعة الصامتة إلى الطبيعة الحية وجدنا الشاعر التونسى يكثر-كما أكثر سلفه المشرقى من قديم-من وصف الحمام والديكة والفرس، وينشد ابن رشيق فيها جميعا أشعارا كثيرة، من ذلك ما أنشده لعنترة التميمى الذى كان مفتونا بالحمام الداجن، وفى صفات أحدها يقول (١):
وأصفر فاقع لا عيب فيه ... يفوت-إذا ونى-عصف الجنوب
كأن الشمس يوم الصّحو ألقت ... عليه رداءها عند الغروب
وتنظر شخصه الألحاظ عشقا ... كما نظر المحبّ إلى الحبيب
فهو أصفر فاقع لونه لا عيب فيه، يفوت الريح حين يطير حتى لتعجز عن مداه، وكأنما الشمس ألقت عليه رداء أصيلها الذهبى، وإنه ليفتن الأبصار حين تنظر إليه ويخلب لبها كما يخلب المحبوب لب محبّه. ويقول ابن الغطاس فى وصف طائفة من الحمام (٢):
توسّدن مطوىّ الجناح كأنما ... لهنّ حشايا فوقه ودرانك (٣)
وملن على خضر الغصون كأنما ... لهنّ على قضب الأراك أرائك (٤)
ولا شدو إلا ما تصوغ لحونها ... ولا دمع إلا من جفونى سافك
فقد اتخذن من أجنحتهن وسائد، وكأنها لهن كالحشايا والطنافس للإنسان، وقد اتخذن من غصون الأراك أرائك ومقاعد ينزلن عليها للراحة، وما أجمل شدوها وغناءها وما تصوغ منهما من لحون تثير فيه الشجن، وإن دموعه لتنزل مدرارا. ويلتفت عبد الرازق بن على النحوى إلى قمرىّ من الحمام على غصن شجرة ينوح فيخاطبه قائلا (٥):
стр. 4440
أقمرىّ أيك الجزع هل أنت جازع ... وهل لك إلف نازح عنك نازع
وفى لحنك المسجوع فى رونق الضّحى ... دليل أسى لو أنّ جفنك دامع
أثار كمين الشوق أنك صادح ... وإن كان لا يدرى مرادك سامع
كأن نسيما للشّمال وللصّبا ... نسيب الصّبا طيبا إذ الشّمل جامع
وإذ ليس سر للمسرّة ذائع ... وليس ذمام بالمذمّة ضائع
وهو يخاطب قمرى أيك الجزع متعجبا ومتسائلا إذ يراه ينوح هل هو جزع لا يستطيع صبرا على فراق أليفته وصاحبته التى نزحت بعيدا عنه مثله، ويقول له إن فى نبرات صوتك أسى وحزنا عميقا وإن جفونه لا تريحه بدموع تخففه عنه، ويذكر أنه أثار فى نفسه بصراحة كوامن حبه ولواعجه، وإن كان أحد لا يدرى مقصدك من نواحك فقد استعدت لى ذكرى محببة، حتى كأنما تهب علىّ صبا كنسيب الصّبا طيبا حين كان الشمل ملتئما بالمحبوبة، ونعيش فى سرور دائم وعهد وثيق.
وسنخص عبد الواحد بن فتوح المتغنى بالديكة والحمام بكلمة. وأكثر شعراء القيروان وتونس من وصف الخيل وخاصة الفرس، إذ كانت أمتهما أمة حرب ونزال، ومن ذلك أن أبا الحسين الكاتب الذى مرت بنا مقطوعة له فى وصف أمواج البحر يصف فرسا أشقر له قائلا (١):
لى فرس قد حسنت حاله ... واستكمل الإعجاب إكماله
أشقر كالتّبر جلا لونه ... عن محضه بالسّبك صقّاله
كأنما البدر إذا ما بدا ... غرّته والشمس سرباله
كأنّ فى حلقومه جلجلا ... حرّكه للسّمع تصهاله
وهو فرس بلغ الغاية من الحسن حتى ليعجب به كل من يراه، فرس أشقر شقرة ناصعة، جلاه فيها صانعه أتمّ جلاء، وكأنما البدر غرته البيضاء المشرقة وكأن الشمس رداؤه الذهبى الدّرىّ، وكأن فى حلقومه جرسا ما يزال يرنّ بصهيله، ومع هذه الأبيات أبيات أخرى بديعة، ويعلق عليها جميعا ابن رشيق بقوله: «هذا شعر جمع شذور الحسن واشتمل على فنون الملاحة، حتى خلطت حقيقته بمجازه، وطوى إسهابه فى إيجازه، واشتبه حوكه بطرازه، ونهضت صدوره بأعجازه، وأما التجنيس والطباق، والمقابلة والاتفاق، فمن حلاه المشهورة، وصفاته المذكورة».
وكان الخليفة الفاطمى بالقاهرة: نزار رأى أن يرسل إلى المنصور بن بلكين الصنهاجى واليه
стр. 4441
على الإقليم التونسى وإفريقية سنة ٣٨٤ هدية سنية ومعها فيل وطائفة من الخيل وحمار مخطط بديع الشكل، فكان يخرج بها جميعا فى مواكبه، ومثله ابنه باديس، وحفيده المعز، ومنذ المنصور يتبارى الشعراء فى وصفها نافذين إلى تصاوير لها رائعة، من ذلك قول التونسى على بن يونس المتوفى سنة ٤١٠ فى قصيدة يمدح بها المنصور واصفا هدية نزار وما كان بها من الخيل والإبل والفيل (١):
جرد سبقن البرق غير حوافل ... وجرين أبعد شأوه والأقربا
يرفلن فى حلل العراق وحليه ... زهوا فتحسبهنّ روضا معشبا
ونجائب مثل السّفين ترى لها ... تحت القباب تغطمطا وتغضبا (٢)
يحملن من زىّ الملوك هوادجا ... مثل القصور مفضّضا ومذهّبا
والفيل يخطر بينها وكأنّه ... وكأنّها طود أناف على ربى
شرس إذا أحفظته سهل إذا ... لا طفته صعب إذا ما صوعبا
وهو يقول عن الخيل إنها جرد قصيرة الشعر، وهى صفة من صفات الخيل الكريمة، ويقول إنها تسبق البرق غير حافلة به وتجرى شوطيه الأبعد والأقرب، وإنها لتتبختر فى سروج مزركشة ولجم محلاة بالجواهر، حتى لكأنك تنظر منها إلى روض زاه بأزهاره. ويصف الإبل بأنها كالسفن ضخامة، وإنك لترى لها تحت الهوادج هدير الغاضب وزمجرته، وإن هوادجها الضخمة لتزدان بفاخر الرياش المفضض والمذهب، والفيل يخطر متهاديا بين تلك الإبل والخيل وكأنه جبل أشرف على ربى وتلال، ويصفه بأنه شرس إذا أغضبته، سهل إذا لاطفته صعب إذا ما أثرته. وأهديت من السودان فى الجنوب زرافة إلى المعز بن باديس، فصورها شاعره ابن رشيق تصويرا بديعا فى قصيدة مديح له جاء فيها (٣):
واتتك من كسب الملوك زرافة ... شتّى الصّفات للونها أثناء (٤)
تحتثّها بين الخوافق مشية ... باد عليها الكبر والخيلاء
وتمدّ جيدا فى الهواء يزينها ... فكأنّه تحت اللواء لواء
حطّت مآخرها وأشرف صدرها ... حتى كأن وقوفها إقعاء (٥)
وهو يقول للمعز أتتك زرافة ذات صفات شتى فى لونها انعطافات أو بقع كثيرة حمراء
стр. 4442
وصفراء ودكناء ويميزها بين الخوافق أى الخيل المسرعة مشية خاصة يبدو عليها فيها الكبر والخيلاء والعجب الشديد، كما يميزها جيد طويل جدا ترفعه إلى أعلى، وكأنه لواءان ممتدان، وترى لطول يديها وقصر رجليها وإقبالها عليك بصدرها كأن وقوفها ضرب من الإقعاء أو الجلوس على المآخر مع نصب اليدين وهو تصوير بديع، ومثله تصويره لفحل الإوز، إذ يقول (١):
نظرت إلى فحل الإوزّ فخلته ... من الثّقل فى وحل وما هو فى وحل
ينقّل رجليه على حين فترة ... كمنتعل لا يحسن المشى فى النّعل
له عنق كالصّولجان ومحطم ... حكى طرف العرجون من يانع النّخل (٢)
يداخله زهو فيلحظ من عل ... جوانبه ألحاظ متّهم العقل
وهو يجسّد ذكر الإوز فى مشيته المتثاقلة كأنه يخطو فى وحل، فينقّل رجليه، أو كأنه لابس نعلا لا يحسن المشى فيه. وبعد أن جسّد مشيته هذا التجسيد الرائع، أخذ يصور خلقته فله عنق طويلة طول عصا الملوك المسماة بالصولجان، وله محطم أو منقار معقوف كعرجون النّخل الذى يحمل شماريخه وتمره، ثم صوّر شموخه فى وقفته فقال: كأنما يداخله زهو فينظر من أعلى إلى جوانبه نظر المشدوه الذى يظنّ أنه متهم العقل لطول نظره وإمعانه فيه. وحرى بنا أن نلم ببعض شعراء الطبيعة ممن ذكرنا أننا سنخص كلا منهم بكلمة مع ترتيبهم ترتيبا تاريخيا وهم عبد الواحد بن فتوح وصّاف الديكة والحمام وابن أبى حديدة وصّاف السحب والنجوم وأبو على بن إبراهيم وصّاف البساتين.
عبد الواحد (٣) بن فتوح الزّوّاق
نشأته ومرباه بتونس وبها تأدب، ثم استوطن القيروان، وانتظم فى سلك كتاب الدواوين، وفيه يقول ابن رشيق: «شاعر مفلق قوىّ أساس الشعر وأركانه وثيق دعائمه وبنيانه، كأنه أعرابى بدوى يركب ظهر الشعر ويخوض بحر الفكر، يتكلف بعض التكلف، وفى قصائده طول، ويعدّ من خيار طبقته» توفى سنة ٤٤٧ هـ/١٠٥٦ م. ومن شعره فى وصف الديك:
وهبّ للأطيار ذو خبرة ... منه بما يعرف من خبرها
فنصّ جيدا ورقى منبرا ... دار الذى عوّد من خدرها (٤)
стр. 4443
واستفتح الصوت بتصفيقه اس ... تفتاح ذات الطّار فى شعرها (١)
فبلبل البلبل فى غصنه ... وأرّق الورقاء فى وكرها (٢)
كأنما توّج ياقوتة ... واتخذ الشّنفين من شطرها (٣)
كأنما يخطر فى حلّة ... من عدنىّ الوشى لم يشرها
وهو يقول إن الديك هبّ للطير يريد أن ينافسه بما يعرف من خبره وتجربته فنصّ جيده ورفعه ورقى منبرا فى دار صاحبته وما عوّد من مسكنها، واستفتح الصوت بتصفيق جناحيه وتحريكهما كما تستفتح صاحبة الطار الضرب عليه تقدمة لما توقع عليه من أشعار. وما إن رفع الديك صوته وصياحه حتى اضطرب البلبل فى غصنه وألمت به الوساوس، وحتى أرّق الحمامة فى وكرها، لحسن ما يسمعان من صياحه، ويخيّل لمن يراه كأنما توّج ياقوتة ناصعة الاحمرار. وسقط منها لأذنيه قرطين بديعين، وإنه ليخطر ويتبختر فى حلة مزركشة كأنها صنعت من وشى عدن، غير أنه لم يشرها، إذ هى منحة إلهية منحها فى خلقه. ويقول فى وصف حمام:
يجتاب أردية السّحاب بخافق ... كالبرق أومض فى السحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغاية ... يوما لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة مذهبا ... والأفق والسّقف الرفيعة مرتقى
ويظلّ يسترقى السماء بخافق ... فى الجوّ تحسبه الشهاب المحرقا
يبدو فيعجب من يراه لحسنه ... وتكاد آية عتقه أن تنطقا
مترقرق من حيث درت كأنما ... لبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا
وهو يقول إن الحمام لا يزال يقطع بخافقه أو جناحه أردية السحاب رداء وراء رداء، وكأنه برق يومض ويبرق ويلمع للناظرين، ولو سابق الريح لغاية أو مقصد ما تأخر عنها بل ربما سبقها، وهو يعيش فى الأرض ويتخذها مسكنا ومأوى ومع ذلك يرتقى ويصعد إلى الآفاق والسقف العليا، ويظل مصعدا بجناحه فى السماء حتى ليظنّ أنه شهاب فيها سيسقط على الأرض، ويقترب ممن يراه فيعجب بحسنه وتكاد آية عتقه أن تنطق بجمال منظره، ويقول إنه مترقرق متلألئ أينما درت ببصرك حوله ظننت كأنما تدور حول زجاج درّىّ أو حول زئبق رجراج بهىّ. ويعلق ابن رشيق على هذه الأبيات بقوله: «لا أعرف أحدا وصف الحمام بمثل هذه الصفة».
стр. 4444
ابن (١) أبى حديدة
هو أبو العباس أحمد بن القاسم اللخمى، أحد الكتاب النابهين فى الدولة الصنهاجية وظل يعمل فيها بديوان الرسائل بجانب ابن رشيق وابن شرف إلى أن توفى حوالى سنة ٤٥٠ هـ/١٠٥٨ م ويبدو أن منشأه ومرباه فى القيروان، ويقول فيه ابن رشيق: «شاعر فكه الشعر رائق التشبيه مولع به قليل التكلف قوى المنهج والظرف، ممن رفض الم والهجاء، وكان يخبر التصنيع خبرة جيدة ولا يركبه إلا فى الأماكن التى تصلح له كما شرط حذاق المتقدمين، وله بديهة مرضية. وله فى وصف سحاب:
يا ربّ متأقة تنوء بثقلها ... تسقى البلاد بوابل غيداق (٢)
مرّت فويق الأرض تسحب ذيلها ... والريح تحملها على الأعناق
ودنت فكاد التّرب ينهض نحوها ... كنهوض مشتاق إلى مشتاق
فكأنما جاءت تقبّل تربها ... أو حاولت منه لذيذ عناق
وهو يقول: رب سحابة ملآنة مطرا تنوء بثقلها منه تسقى البلاد منه بوابل غزير، ويتخيلها كأنها امرأة جميلة تمر على الأرض تسحب ذيلها من المطر المتدفق والريح يحملها على الأعناق إجلالا لها، ويقول إنها دنت من الأرض فنهض الترب لها نهوض مشتاق إلى مشتاق، وكأنما جاءت محمولة على الريح لتقبّل تربها، بل لكأنما تحاول منه عناق محب لمحبوبة غابت عنه طويلا. وله فى النجوم:
ولقد حمى عن مقلتىّ كراهما ... ورق لهنّ على الأراك حنين
فى ليلة لبس الحداد هواؤها ... فكأنما هو راهب محزون
قد رصّعت زهر النجوم سماءها ... فكأنما هى لؤلؤ موضون (٣)
وكأنها خلل الظلام روانيا ... أحداق روم ما لهنّ جفون (٤)
وكأنما الفلك المدار على الدّجى ... بحر أحاط بها وهنّ سفين
وهو يقول إن حنين حمامات على الأراك ملتاعة نحّى النوم عن عينيه فى ليلة لبس الهواء فيها ثياب الحداد فى دجاها فكأنما هو راهب محزون أشد الحزن، وقد رصّعت النجوم المضيئة
стр. 4445
المشرقة السماء وكأنما هى لآلئ تتداخل فى نسيجها المحكم، ولكأنها وهى ترنو خلال الظلام أحداق روم ليس لهن جفون فهى ما تنى رانية مديمة نظرها، ولكأنما الفلك المستدبر على الدجى بحر أحاط بتلك النجوم وهن سفن لله. كأن لا فارق كونىّ بين البر والبحر والسماء عند ابن أبى حديدة وغيره من الشعراء التونسيين، فهم يتغنون بسفن البر من الإبل، ويتغنى ابن أبى حديدة بسفن السماء من النجوم.
أبو على بن إبراهيم (١)
لم يزد صاحب الحلل السندسية فى التعريف به عن قوله إنه كان كاتبا، ا، وأكبر الظن أنه توزرى الأصل، والتحق بدواوين الدولة الحفصية فى القرن السابع الهجرى. وتوزر هى عاصمة واحات الجنوب التونسى، وكان لها نهر ينقسم إلى ثلاثة أنهار كبار، وكل نهر من الثلاثة ينقسم إلى ستة جداول، وأتاح لها ذلك أن يكثر بها النخيل والبساتين، ولأبى على بن إبراهيم وصف رائع لها ولنخيلها وبساتينها وجداول مياهها ضمّنه قصيدة له رائعة، ومن قوله فى نخيلها:
النّخل مثل عرائس مجلوّة ... فى سندسيّات اللباس تبختر (٢)
وكأنما نظم الحلىّ لنحرها ... من لؤلؤ وزبرجد يتخيّر
وترى الزّبرجد عسجدا ويواقتا ... ذا أحمر قان وهذا أصفر (٣)
أحلى من العسل المصفّى طعمه ... ومذاقه لا يدّعيه السّكّر
وهو يقول كأن حدائق النخل بتوزر فرح كبير يضم ما لا يكاد يحصى من عرائس تجلى فى ثياب سندسية اللون تتبختر فيها، وقد استدارت حول نحورها عقود متخيرة من اللؤلؤ المضيئ فى أول نشأة البلح وإنها لتستحيل إلى زبرجد أخضر، ويستحيل الزبرجد إما عسجدا ذهبيا وإما ياقوتا قانيا، ومنه الرطب وغير الرطب، وإن طعمه لأحلى من العسل، مع مذاق بديع لا يستطيع السكر أن يدّعيه لنفسه لجماله وحسنه. ويصف بساتين توزر وأشجارها وأزهارها، فيقول:
الدّوح قد لبست غلائل سندس ... تختال فى أيدى النسيم وتخطر (٤)
حلّت هواديها عقود أزاهر ... فتبرّجت عجبا لمن يتبصّر (٥)
والطير قد رقيت منابر قضبها ... خطباؤها تشدو بلحن يسحر
стр. 4446
والقضب يثنيها النّسيم فتنثنى ... بعض يقبّل بعضها ويقهقر
كعقائل تبغى السّرار فتلتقى ... لصغا الحديث وتارة تتأخّر (١)
فالشجر الملتف قد لبس ثيابا رقيقة من السندس الأخضر، وهو يختال فى أيدى النسيم ويتبختر، وقد حلّت مقدماته عقود زهر منمقة تبرّج فيها لناظريه أيما تبرّج، والطير قد صعدت إلى منابر غصونها، وخطباؤها تتغنى بلحن ساحر يخلب الألباب، والغصون يثنيها النسيم فتنثنى وكأنما يقبل بعضها بعضا ثم يتقهقر أو كأنهن سيدات يردن المسارّة ببعض الحديث فتلتقى مصغية إلى الحديث تارة، وتارة تتأخر، ويستمر أبو على قائلا:
الأرض عاطرة تزفّ كأنما ... غشّى نواحيها عبير ينشر
وتأرّجت أرجاؤها فكأنما ... مسك يضوع خلالها أو عنبر (٢)
وكأنّ ريحان الحياة وروحها ... مستنشق من عرفها ومعطّر (٣)
وكأنما كسيت بساط زبرجد ... نشرت يواقيت عليه وجوهر
فالأرض جميعها عاطرة وكأنما تزفّ فى عرس لها، وكل نواحيها ينتشر فيها عبير ذكى، وكل أرجائها تفوح بصنوف من الطيب والمسك والعنبر، وكأن أريج الحياة ونسيمها العطر مستنشق من شذاها العطر، وكأنما اكتست ببساط من الزبرجد تناثرت عليه جواهر ويواقيت من كل صنف، ويمضى أبو على واصفا جداولها بمثل قوله:
الماء تشعبه إليك جداول ... قد مدّها النهر الزّلال الأكبر (٤)
صاف على صفة المها يجرى على ... رمل النّقا عذب قراح كوثر (٥)
وكأنما حصباؤه فى رونق ال ... ماء الذى يجرى عليه جوهر
والماء تشعبه وتتوزعه جداول: ثمانية عشر كما أسلفنا، وقد أمدها النهر الكبير بمائه الزلال العذب البارد السلس، والماء فى منتهى الصفاء، كأنه مها أو بلّور ناصع، وهو يجرى على رمل يشبه رمل النقا الذى يذكره العشاق النجديون، وهو عذب قراح أو خالص، بل هو كوثر كنهر الفردوس وكأنما حصباؤه جوهر تناثر من عقود كثيرة. وأبو على بدون ريب شاعر بارع براعة فائقة.
стр. 4447
٣ - شعراء الرثاء
(أ) رثاء الأفراد
للعرب-منذ الجاهلية-فى رثاء الأفراد تراث ضخم، وهو يتخذ عندهم ثلاثة ألوان هى الندب والتأبين والعزاء، والندب هو البكاء على ذوى الرحم من الأهلين والأقارب ممن لبّوا نداء ربهم وغادروا الفانية إلى الباقية، والتأبين هو بكاء الشخصيات الفذة الحربية أو السياسية أو العلمية أو الأدبية بذكر فضائلهم وخسارة المجتمع والأمة فيهم، والعزاء استرسال فى الحديث عن الحياة والموت وبيان أن الحياة ظل متنقل سرعان ما ينحسر عن صاحبه، فالجميع إلى فناء وعدم، وكثيرا ما يختلط العزاء بالتأبين والندب. وكل هذه الألوان الثلاثة مبثوثة فى مراثى القيروانيين والتونسيين، وتأخذ فى الكثرة منذ عصر الأغالبة، ويتوفى فيه سحنون إمام المذهب المالكى ويؤبنه تلميذه عبد الملك المهرى بمثل قوله (١):
ولّى-لعمرى-بأرض الغرب قاطبة ... ميت له البدو والحضّار قد خشعا
لله أنت إذا ما هاب فاصلة ... من القضاء كليل الحدّ فارتدعا
هناك برّزت يا سحنون منفردا ... كسابق الخيل لما بان فانقطعا
فاذهب فقيدا حباك الله جنّته ... واحصد من الخير ما قد كنت مزدرعا
وهو يقول إن أهل البدو والحضر جميعا قد خشعوا حين سمعوا بوفاة فقيه الغرب قاطبة، ويقول ما أعظمك حين كنت قاضيا تقضى بالحق على كل متهم فيرتدع ويزدجر، وينوه بقضائه وأنه سبق فيه مجلّيا كل عالم فى عصره، وما أعظم الخسارة فى فقده ويدعو الله أن يفسح له فى فراديسه وأن يجزيه الجزاء الأوفى عما غرس وقدم بين يديه. ولما توفى ابنه محمد رثاه أحمد بن أبى سليمان داود الصواف بمرثية بلغت ثلاثمائة بيت، وفيها يقول (٢):
ألا أيّها النّاعى الذى جلب الأسى ... وأورثنا الأحزان لا كنت ناعيا
نعيت إمام العالمين محمّدا ... وقلت مضى من كان للدين راعيا
ومن كان حبرا عالما ذا فضيلة ... نقيّا رضيّا طاهر القلب زاكيا
والشاعر يبكى فى محمد بن سحنون إمامته الدينية وفقهه وعلمه ونقاء صدره وطهارة قلبه
стр. 4448
وفضيلته أو فضائله. ويتوفّى يحيى بن عمر إمام المذهب المالكى فى سوسة سنة ٢٨٧ هـ/٩٠٠ م ويرثيه سعدون الورجينى بمثل قوله (١):
عين ألمّ بها وجد فلم تنم ... تبكى بدمع كقطر الدّرّ منسجم
عجبت أن لم أمت حزنا وقد دفنت ... كفّاى فى التّرب أنقى العرب والعجم
يا موت أثكلتنا يحيى وكان فتى ... فى بلدة الغرب مثل البدر فى الظّلم
من كان من بعد سحنون لنا خلفا ... من كان فى الحقّ مثل الصارم الخذم (٢)
وهو يقول إنه بات مسهدا محزونا يبكى بدمع لا ينقطع، ويعجب أن لم يمت حزنا وقد دفنت كفاه فى التراب يحيى بن عمر أنقى العرب والعجم، ويلتفت إلى الموت لائما، فقد أفقدهم يحيى وكان فقيها لا نظير له، وكان مثل البدر يحسر الظلمات عن الناس، إذ كان خلفا لأستاذه سحنون، وكان فى إحقاق الحق وإبطال الباطل مثل السيف الحاد القاطع. وحظيت الأسرة الأغلبية الحاكمة حينذاك بشاعرة تسمى مهرية الأغلبية، توفيت حوالى سنة ٢٩٥ هـ/٩٠٧ م وكان لها أخ ناسك يسمى أبا عقال هاجر إلى مكة ومات بها غريبا عن وطنه ودياره، وله مواعظ كثيرة أنشدها المالكى فى الرياض وقالت أخته نادبة له باكية (٣):
ليت شعرى ما الذى عاينته ... بعد طول الصّوم مع نفى الوسن
مع نزوح النّفس عن أوطانها ... والتخلّى عن حبيب وسكن
يا شقيقا ليس فى وجدى به ... علّة تمنعنى من أن أجنّ
وكما تبلى وجوه فى الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن
وهى تتجه بالسؤال إلى شقيقها ماذا رأى فى بلاد الغربة بعد ما عانى من طول الصوم والسهاد ومع حرمانه من وطنه وتخليه عن سكنه وأحبابه، وتحزن عليه حزنا عميقا فلن تراه، وتظل مواجدها معلقة به حتى لتشعر أنها ستجنّ، وتعود إلى نفسها، فكما تبلى وجوه فى الثرى يبلى الحزن وتبلى لوعته.
ولكراهية أهل السنة فى القيروان للعبيديين ومذهبهم الإسماعيلى انضموا إلى مخلد بن كيداد الثائر البربرى الصفرى على القائم بأمر الله العبيدى فى حصاره للمهدية سنة ٣٣٣ وقتل فى هذا الحصار شيخ كبير ن شيوخ أهل السنة هو أبو الفضل الممّسى، فرثاه تلميذه أبو القاسم الفزارى، بمثل قوله (٤):
стр. 4449
بنفسى صريع جالت الخيل حوله ... بمعترك الأبطال أىّ صريع
ولست له أبكى ولكن لمعشر ... أصيبوا به من فرد وجميع
وللعلم والإسلام والدّين والتّقى ... وطول احتمال واصطناع صنيع
مضى علم العلم الرفيع وطالما ... أصابت قناة الموت كلّ رفيع
وهو يتمنى لو استطاع أن يفدى هذا الشيخ الصريع بروحه، ويتصوره والخيل تجول حوله فى معركة الأبطال، ويقول إنه لا يبكى له ولكن يبكى لخسارة معشر فجعوا فيه، كما يبكيه للعلم والإسلام والدين والتقى وطول ما أدّى واحتمل فى سبيل طلابه وأهل القيروان، وإن كان قد فقد علم العلم الرفيع فطالما أصابت رماح الموت العلماء من أمثاله. ويؤبّن ابن الخوّاص الكفيف أبو القاسم عبد الرحمن بن يحيى إمام المالكية ورياستها بالمغرب فى زمنه أبا محمد عبد الله بن أبى زيد القيروانى المتوفى سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٧ م وفى تأبينه يقول (١):
كادت تميد الأرض خاشعة الرّبى ... وتمور أفلاك النجوم الطّلّع (٢)
عجبا أيدرى الحاملون لنعشه ... كيف استطاعوا حمل بحر مترع (٣)
علما وحلما كاملا وبراعة ... وتقى وحسن سكينة وتورّع
وسعت فجاج الأرض سعيا حوله ... من راغب فى سعيه متبرّع
يبكونه ولكل باك منهم ... ذلّ الأسير وحرقة المتوجّع
فالأرض تكاد تضطرب وتموج خاشعة الرّبى لهول موته، وبالمثل أفلاك النجوم الساطعة، ويعجب الشاعر متسائلا أيعرف الحاملون لنعشه أنهم استطاعوا حمل بحر ممتلئ علما وحلما وبراعة وتقى وحسن سكينة وجمال تورع، وقد اكتظت فجاج الأرض وطرقها الواسعة بالمشيعين الذين جاءوه محزونين عليه يبكونه خاشعين متوجعين ملتاعين. ويحكى غير واحد عن أبى طالب الدلائى الشاعر فى الدولة الصنهاجية أنه فقد من أحبّته نيفا وأربعين غريقا فى البحر-ربما كانوا ذاهبين إلى صقلية-فصار شعره رثاء كله تفجعا عليهم ووفاء لهم (٤)، من ذلك قوله فى أحدهم:
نأى يسرورى وصبرى معا ... وأبقى فؤادى عليه صديعا
стр. 4450
ومات فمات سرورى به ... وصنت حياتى فمتنا جميعا
أصابته عين من الحادثات ... أصاب العمى ناظريها سريعا
وهو يقول إنه حين فارقه أخذ سروره وصبره على بعده معه، وكأنما ترك جرحا بفؤاده، ولم يلبث أن مات غريقا فمات سرور الشاعر، وكان قد صان حياته من الرحيل معه، وشعر كأنه مات معه. ويقول كأن عينا من الحادثات أصابته، ويدعو عليها بالعمى جزاء وفاقا لها، ويقول ابن رشيق تعليقا على الأبيات: «هذا هو التفجع والتوجع الذى يقطع القلوب حسرات، ويذهب العيون عبرات». وينشد من مراثيه بيتين، هما:
أودعته بطن الثّرى وتركته ... فى رمسه والموت ما لا ينكر
قدّمته ولو أننى أنصفته ... ما كنت عنه ساعة أتأخّر
فهو قد أودعه فى رمسه أو قبره ببطن الأرض. والموت حق لا أحد ينكره، ويقول كأنه قدّمه إلى الموت ولو أنه أنصفه لرافقه ولم يتأخر عنه ساعة. ويقول ابن رشيق: «هذه أنفاس مشتعلة عن نفس مشتعلة قد دلّت على ما فى الصدر دلالة الشواظ على الجمر». ويموت لابن عبدون الذى مرت ترجمته بين شعراء الغربة ابن وكانت قد ماتت قبله زوجته ويبكيهما بمثل قوله (١):
قبر بسوسة قد قبرت به النّهى ... أدرجت قلبى فى مدارج لحده
صمّت علىّ مسامعى فى رجّة ... وصعقت من صعق الصّراخ ورعده
وجهدت أن أبكى فلم أجد البكا ... فسكتّ سكتة صارم فى غمده
هبنى بكيت له وما يجدى البكا ... ماء بخدّى والتراب بخدّه
هيهات قد منع الهدوّ لناظرى ... قبران ذا ولد وذاك لودّه (٢)
وهو يقول إنه دفن النّهى والعقل السديد فى قبر بسوسة، وكأنما أدخل قلبه فى ثنايا لحده، ويقول كأنما سدّت أذناه حين سمع رجّة موت زوجه وابنه، بل لكأنما أصابته صاعقة من صعق الصراخ ورعده، وكأنما غشى عليه فلم يستطع بكاء، وأخلد إلى الصمت إخلاد سيف فى غمده، وماذا يجدى سلّ سيف فى الموت؟ وماذا يجدى البكاء وعلى خده دموعه والتراب بخد ابنه، ويقول لقد منع النوم لعينى قبران: قبر ابنى الحبيب، وقبر زوجتى المحبوبة. وقال على الحصرى الذى