← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

والقضب يثنيها النّسيم فتنثنى ... بعض يقبّل بعضها ويقهقر كعقائل تبغى السّرار فتلتقى ... لصغا الحديث وتارة تتأخّر (١) فالشجر الملتف قد لبس ثيابا رقيقة من السندس الأخضر، وهو يختال فى أيدى النسيم ويتبختر، وقد حلّت مقدماته عقود زهر منمقة تبرّج فيها لناظريه أيما تبرّج، والطير قد صعدت إلى منابر غصونها، وخطباؤها تتغنى بلحن ساحر يخلب الألباب، والغصون يثنيها النسيم فتنثنى وكأنما يقبل بعضها بعضا ثم يتقهقر أو كأنهن سيدات يردن المسارّة ببعض الحديث فتلتقى مصغية إلى الحديث تارة، وتارة تتأخر، ويستمر أبو على قائلا: الأرض عاطرة تزفّ كأنما ... غشّى نواحيها عبير ينشر وتأرّجت أرجاؤها فكأنما ... مسك يضوع خلالها أو عنبر (٢) وكأنّ ريحان الحياة وروحها ... مستنشق من عرفها ومعطّر (٣) وكأنما كسيت بساط زبرجد ... نشرت يواقيت عليه وجوهر فالأرض جميعها عاطرة وكأنما تزفّ فى عرس لها، وكل نواحيها ينتشر فيها عبير ذكى، وكل أرجائها تفوح بصنوف من الطيب والمسك والعنبر، وكأن أريج الحياة ونسيمها العطر مستنشق من شذاها العطر، وكأنما اكتست ببساط من الزبرجد تناثرت عليه جواهر ويواقيت من كل صنف، ويمضى أبو على واصفا جداولها بمثل قوله: الماء تشعبه إليك جداول ... قد مدّها النهر الزّلال الأكبر (٤) صاف على صفة المها يجرى على ... رمل النّقا عذب قراح كوثر (٥) وكأنما حصباؤه فى رونق ال ... ماء الذى يجرى عليه جوهر والماء تشعبه وتتوزعه جداول: ثمانية عشر كما أسلفنا، وقد أمدها النهر الكبير بمائه الزلال العذب البارد السلس، والماء فى منتهى الصفاء، كأنه مها أو بلّور ناصع، وهو يجرى على رمل يشبه رمل النقا الذى يذكره العشاق النجديون، وهو عذب قراح أو خالص، بل هو كوثر كنهر الفردوس وكأنما حصباؤه جوهر تناثر من عقود كثيرة. وأبو على بدون ريب شاعر بارع براعة فائقة.

стр. 4447

٣ - شعراء الرثاء (أ) رثاء الأفراد للعرب-منذ الجاهلية-فى رثاء الأفراد تراث ضخم، وهو يتخذ عندهم ثلاثة ألوان هى الندب والتأبين والعزاء، والندب هو البكاء على ذوى الرحم من الأهلين والأقارب ممن لبّوا نداء ربهم وغادروا الفانية إلى الباقية، والتأبين هو بكاء الشخصيات الفذة الحربية أو السياسية أو العلمية أو الأدبية بذكر فضائلهم وخسارة المجتمع والأمة فيهم، والعزاء استرسال فى الحديث عن الحياة والموت وبيان أن الحياة ظل متنقل سرعان ما ينحسر عن صاحبه، فالجميع إلى فناء وعدم، وكثيرا ما يختلط العزاء بالتأبين والندب. وكل هذه الألوان الثلاثة مبثوثة فى مراثى القيروانيين والتونسيين، وتأخذ فى الكثرة منذ عصر الأغالبة، ويتوفى فيه سحنون إمام المذهب المالكى ويؤبنه تلميذه عبد الملك المهرى بمثل قوله (١): ولّى-لعمرى-بأرض الغرب قاطبة ... ميت له البدو والحضّار قد خشعا لله أنت إذا ما هاب فاصلة ... من القضاء كليل الحدّ فارتدعا هناك برّزت يا سحنون منفردا ... كسابق الخيل لما بان فانقطعا فاذهب فقيدا حباك الله جنّته ... واحصد من الخير ما قد كنت مزدرعا وهو يقول إن أهل البدو والحضر جميعا قد خشعوا حين سمعوا بوفاة فقيه الغرب قاطبة، ويقول ما أعظمك حين كنت قاضيا تقضى بالحق على كل متهم فيرتدع ويزدجر، وينوه بقضائه وأنه سبق فيه مجلّيا كل عالم فى عصره، وما أعظم الخسارة فى فقده ويدعو الله أن يفسح له فى فراديسه وأن يجزيه الجزاء الأوفى عما غرس وقدم بين يديه. ولما توفى ابنه محمد رثاه أحمد بن أبى سليمان داود الصواف بمرثية بلغت ثلاثمائة بيت، وفيها يقول (٢): ألا أيّها النّاعى الذى جلب الأسى ... وأورثنا الأحزان لا كنت ناعيا نعيت إمام العالمين محمّدا ... وقلت مضى من كان للدين راعيا ومن كان حبرا عالما ذا فضيلة ... نقيّا رضيّا طاهر القلب زاكيا والشاعر يبكى فى محمد بن سحنون إمامته الدينية وفقهه وعلمه ونقاء صدره وطهارة قلبه

стр. 4448

وفضيلته أو فضائله. ويتوفّى يحيى بن عمر إمام المذهب المالكى فى سوسة سنة ٢٨٧ هـ/٩٠٠ م ويرثيه سعدون الورجينى بمثل قوله (١): عين ألمّ بها وجد فلم تنم ... تبكى بدمع كقطر الدّرّ منسجم عجبت أن لم أمت حزنا وقد دفنت ... كفّاى فى التّرب أنقى العرب والعجم يا موت أثكلتنا يحيى وكان فتى ... فى بلدة الغرب مثل البدر فى الظّلم من كان من بعد سحنون لنا خلفا ... من كان فى الحقّ مثل الصارم الخذم (٢) وهو يقول إنه بات مسهدا محزونا يبكى بدمع لا ينقطع، ويعجب أن لم يمت حزنا وقد دفنت كفاه فى التراب يحيى بن عمر أنقى العرب والعجم، ويلتفت إلى الموت لائما، فقد أفقدهم يحيى وكان فقيها لا نظير له، وكان مثل البدر يحسر الظلمات عن الناس، إذ كان خلفا لأستاذه سحنون، وكان فى إحقاق الحق وإبطال الباطل مثل السيف الحاد القاطع. وحظيت الأسرة الأغلبية الحاكمة حينذاك بشاعرة تسمى مهرية الأغلبية، توفيت حوالى سنة ٢٩٥ هـ/٩٠٧ م وكان لها أخ ناسك يسمى أبا عقال هاجر إلى مكة ومات بها غريبا عن وطنه ودياره، وله مواعظ كثيرة أنشدها المالكى فى الرياض وقالت أخته نادبة له باكية (٣): ليت شعرى ما الذى عاينته ... بعد طول الصّوم مع نفى الوسن مع نزوح النّفس عن أوطانها ... والتخلّى عن حبيب وسكن يا شقيقا ليس فى وجدى به ... علّة تمنعنى من أن أجنّ وكما تبلى وجوه فى الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن وهى تتجه بالسؤال إلى شقيقها ماذا رأى فى بلاد الغربة بعد ما عانى من طول الصوم والسهاد ومع حرمانه من وطنه وتخليه عن سكنه وأحبابه، وتحزن عليه حزنا عميقا فلن تراه، وتظل مواجدها معلقة به حتى لتشعر أنها ستجنّ، وتعود إلى نفسها، فكما تبلى وجوه فى الثرى يبلى الحزن وتبلى لوعته. ولكراهية أهل السنة فى القيروان للعبيديين ومذهبهم الإسماعيلى انضموا إلى مخلد بن كيداد الثائر البربرى الصفرى على القائم بأمر الله العبيدى فى حصاره للمهدية سنة ٣٣٣ وقتل فى هذا الحصار شيخ كبير ن شيوخ أهل السنة هو أبو الفضل الممّسى، فرثاه تلميذه أبو القاسم الفزارى، بمثل قوله (٤):

стр. 4449

بنفسى صريع جالت الخيل حوله ... بمعترك الأبطال أىّ صريع ولست له أبكى ولكن لمعشر ... أصيبوا به من فرد وجميع وللعلم والإسلام والدّين والتّقى ... وطول احتمال واصطناع صنيع مضى علم العلم الرفيع وطالما ... أصابت قناة الموت كلّ رفيع وهو يتمنى لو استطاع أن يفدى هذا الشيخ الصريع بروحه، ويتصوره والخيل تجول حوله فى معركة الأبطال، ويقول إنه لا يبكى له ولكن يبكى لخسارة معشر فجعوا فيه، كما يبكيه للعلم والإسلام والدين والتقى وطول ما أدّى واحتمل فى سبيل طلابه وأهل القيروان، وإن كان قد فقد علم العلم الرفيع فطالما أصابت رماح الموت العلماء من أمثاله. ويؤبّن ابن الخوّاص الكفيف أبو القاسم عبد الرحمن بن يحيى إمام المالكية ورياستها بالمغرب فى زمنه أبا محمد عبد الله بن أبى زيد القيروانى المتوفى سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٧ م وفى تأبينه يقول (١): كادت تميد الأرض خاشعة الرّبى ... وتمور أفلاك النجوم الطّلّع (٢) عجبا أيدرى الحاملون لنعشه ... كيف استطاعوا حمل بحر مترع (٣) علما وحلما كاملا وبراعة ... وتقى وحسن سكينة وتورّع وسعت فجاج الأرض سعيا حوله ... من راغب فى سعيه متبرّع يبكونه ولكل باك منهم ... ذلّ الأسير وحرقة المتوجّع فالأرض تكاد تضطرب وتموج خاشعة الرّبى لهول موته، وبالمثل أفلاك النجوم الساطعة، ويعجب الشاعر متسائلا أيعرف الحاملون لنعشه أنهم استطاعوا حمل بحر ممتلئ علما وحلما وبراعة وتقى وحسن سكينة وجمال تورع، وقد اكتظت فجاج الأرض وطرقها الواسعة بالمشيعين الذين جاءوه محزونين عليه يبكونه خاشعين متوجعين ملتاعين. ويحكى غير واحد عن أبى طالب الدلائى الشاعر فى الدولة الصنهاجية أنه فقد من أحبّته نيفا وأربعين غريقا فى البحر-ربما كانوا ذاهبين إلى صقلية-فصار شعره رثاء كله تفجعا عليهم ووفاء لهم (٤)، من ذلك قوله فى أحدهم: نأى يسرورى وصبرى معا ... وأبقى فؤادى عليه صديعا

стр. 4450

ومات فمات سرورى به ... وصنت حياتى فمتنا جميعا أصابته عين من الحادثات ... أصاب العمى ناظريها سريعا وهو يقول إنه حين فارقه أخذ سروره وصبره على بعده معه، وكأنما ترك جرحا بفؤاده، ولم يلبث أن مات غريقا فمات سرور الشاعر، وكان قد صان حياته من الرحيل معه، وشعر كأنه مات معه. ويقول كأن عينا من الحادثات أصابته، ويدعو عليها بالعمى جزاء وفاقا لها، ويقول ابن رشيق تعليقا على الأبيات: «هذا هو التفجع والتوجع الذى يقطع القلوب حسرات، ويذهب العيون عبرات». وينشد من مراثيه بيتين، هما: أودعته بطن الثّرى وتركته ... فى رمسه والموت ما لا ينكر قدّمته ولو أننى أنصفته ... ما كنت عنه ساعة أتأخّر فهو قد أودعه فى رمسه أو قبره ببطن الأرض. والموت حق لا أحد ينكره، ويقول كأنه قدّمه إلى الموت ولو أنه أنصفه لرافقه ولم يتأخر عنه ساعة. ويقول ابن رشيق: «هذه أنفاس مشتعلة عن نفس مشتعلة قد دلّت على ما فى الصدر دلالة الشواظ على الجمر». ويموت لابن عبدون الذى مرت ترجمته بين شعراء الغربة ابن وكانت قد ماتت قبله زوجته ويبكيهما بمثل قوله (١): قبر بسوسة قد قبرت به النّهى ... أدرجت قلبى فى مدارج لحده صمّت علىّ مسامعى فى رجّة ... وصعقت من صعق الصّراخ ورعده وجهدت أن أبكى فلم أجد البكا ... فسكتّ سكتة صارم فى غمده هبنى بكيت له وما يجدى البكا ... ماء بخدّى والتراب بخدّه هيهات قد منع الهدوّ لناظرى ... قبران ذا ولد وذاك لودّه (٢) وهو يقول إنه دفن النّهى والعقل السديد فى قبر بسوسة، وكأنما أدخل قلبه فى ثنايا لحده، ويقول كأنما سدّت أذناه حين سمع رجّة موت زوجه وابنه، بل لكأنما أصابته صاعقة من صعق الصراخ ورعده، وكأنما غشى عليه فلم يستطع بكاء، وأخلد إلى الصمت إخلاد سيف فى غمده، وماذا يجدى سلّ سيف فى الموت؟ وماذا يجدى البكاء وعلى خده دموعه والتراب بخد ابنه، ويقول لقد منع النوم لعينى قبران: قبر ابنى الحبيب، وقبر زوجتى المحبوبة. وقال على الحصرى الذى

стр. 4451

مرت ترجمته بين شعراء الغزل يبكى أباه حين ودّع قبره عند رحيله إلى الأندلس (١): أبى! نيّر الأيام بعدك أظلما ... وبنيان مجدى يوم متّ تهدّما وجسمى الذى أبلاه فقدك إن أكن ... رحلت به فالقلب عندك خيّما وقى الله عينى من تعمّد وقفة ... بقبرك فاستسقى له وترحّما وقال سلام، والثواب جزاء من ... ألمّ على قبر الغريب فسلّما وهو يخاطب أباه محزونا قائلا إن الأيام النيرة بعد فقده أظلمت وتهدم بنيان مجده وعزه يوم موته، وإن كنت راحلا عنك بجسمى الذى أضناه فقدك فإن قلبى عندك مخيم مقيم، ويدعو لمن يقف على قبره مستسقيا مترحّما مسلما راجيا أن يجزيه الله خير الجزاء. ويقول ابن بسام منشد الأبيات السالفة إن الحصرىّ لم يكتف بها فى وداعه لقبر أبيه، فقد طأطأ رأسه ومدّ يده إلى التراب حول القبر، قائلا: رحلت وهاهنا مثوى الحبيب ... فمن يبكيك يا قبر الغريب سأحمل من ترابك فى رحالى ... لكى أغنى به عن كلّ طيب والبيتان مؤثران-كالأبيات السابقة-تأثيرا عميقا لكل من فقد أباه واضطر إلى فراق قبره بعد موته. وكان على الحصرى فى الذروة من شعراء القيروان المبدعين. ومات له ابن فجزع عليه جزعا شديدا، ونظم فيه ديوانا على حروف المعجم سماه «اقتراح القريح واجتراح الجريح» ومن قوله فيه وقد بلغ به الحزن أقصى غايته (٢): ذوى ريحانى الأرج ... وضاق بخلّى الفرج (٣) ذبيح طلّ منه دم ... ولم يقطع له ودج (٤) عروق الناس كلّهم ... إلى عرق الثّرى تشج (٥) بنو الدنيا كأنهم ... لقلة همّهم همج وهل هى غير دار أذى ... إذا دخلوا بها خرجوا تأمّل كيف تأكلهم ... وهم ولد لها نتجوا

стр. 4452

يقول إن ريحانه العطر ذوى فجأة، وضاق بابنه الفرج من سقمه ومرضه، ولا يلبث أن يصرخ، فهو لم يمت حتف أنفه، بل مات ذبيحا وطلّ دمه وأهدر دون أن يقطع منه عرق العنق الذى لا تبقى مع قطعه حياة، ويعود الحصرى إلى نفسه، فالناس جميعا ميتون وكلهم راجعون إلى عرق الثّرى الذى يتشابك مع عروقهم، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم فى خلق آدم إذ قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.﴾ ويعجب لأبناء الدنيا وقلة همهم كأنهم همج لا يعون حياتهم، ويقول إنها دار أذى وإنهم لا يلبثون حين يدخلون بها أن يخرجوا منها، بل تأمل كيف تأكلهم مع أنهم أبناؤها وكأنها هرة تلد أبناءها وتقضمهم. ونمضى إلى العاص الحسينى ويتوفى الشيخ محمد زيتونة العالم الجليل سنة ١١٤٤ هـ/١٧٣١ م ويرثيه الشاعر محمد الخضراوى بمثل قوله (١): قلب يذوب ومهجة تتقطّع ... وأسى يزيد ومقلة لا تهجع ولهيب نيران تضرّم وقدها ... يصلى بجمرتها الحشا والأضلع وتلهّف وبكا وفرط كآبة ... ومدامع مسفوحة لا تقلع فعليه فلتبك الأنام جميعهم ... وعليه فليتوجّع المتوجّع وقلب الشاعر يذوب حزنا لموت العالم الكبير ومهجته تتقطع حسرات ويزداد أسى وحزنا ويبيت مسهّدا، وكأنما اضطرم لهيب نار فى دخائله احترق حشاه وأضلعه بجمرته الموقدة، ويزيد به التلهف والبكاء والكآبه ولا تقلع الدموع بل تنهمر انهمارا لما نعى الناعى إمام العلماء وشيخ الأنام ومفزعهم فى الفتوى ومسائل الدين، وعليه فليبك الناس جميعا ويتوجعوا لفقده ويتفجعوا مرارا وتكرارا. ويرثى محمد الورغى فى العصر الحسينى الأمير محمد الرشيد، ويجمع فى مرثيته بين التعزية فيه وتهنئة أخيه على خلفه بمثل قوله (٢): من أين أدركه الحمام ودونه ... حزم السّلاح وحومة الحرّاس أتغافل البوّاب أم سبقت له ... قبل الهجوم يد مع العسّاس جهد الزمان ولو درى بمقامه ... ما ساقه قسرا إلى الأرماس (٣) كادت عرا الإسلام تنقض بعده ... لولا مقيم الدين بالقسطاس ما أخلق الملك العلىّ عماده ... بعلىّ الشهم النزيه الباس

стр. 4453

وهو يعجب من أن الموت أدرك محمدا الرشيد وسلاحه وحرسه من حوله لحمايته، ويتساءل هل تغافل الحمام أو الموت البواب أو سبقت له يد عند الحراس، ويقول إن الزمان لودرى بمقامه ما ساقه قهرا إلى القبور، وإن عرا الإسلام الوثقى لتكاد تنقض بعده لولا قيّض لها مقيم الدين بالعدل والقسطاس، علىّ أخوه، وما أجدر الملك الرفيع عماده به لخلقه الكريم. (ب) رثاء المدن والدول هذا الضرب من الرثاء قديم فى الشعر العربى منذ الجاهلية على نحو ما هو معروف عن الأسود بن يعفر ورثائه لدولة المناذرة فى الحيرة ولما قضى العباسيون على الدولة الأموية بكاها أبو العباس الأعمى المكى. وحين حاصر طاهر بن الحسين قائد المأمون بغداد فى حرب الأمين ورماها بالمجانيق وكثر فيها الحرق والهدم بكاها غير شاعر عباسى بكاء مرّا ونتقدم مع الزمن إلى سنة ٢٥٧ ويهاجم البصرة الزنج ويحرقون مسجدها الجامع ويحيلونها أنقاضا، وبكاها الشعراء وفى مقدمتهم ابن الرومى الذى تفجع لها وتوجع مستصرخا لها الخليفة وجيوشه والأمة، ولبّاه الموفق أخو الخليفة، وظل ينازل الزنج نزالا عنيفا حتى قضى نهائيا على ثورتهم سنة ٢٧٠. ويدور الزمن دورات، وإذا أعراب بنى سليم وهلال يزحفون إلى القيروان سنة ٤٤٩ هـ/١٠٥٨ م وينازلهم صاحبها المعز بن باديس الصنهاجى، ويلحقون به هزيمة شديدة، ويضطر إلى ترك القيروان لهم وينحاز إلى المهدية عند ابنه حاكمها تميم، ويدخلون القيروان فيحيلونها أنقاضا، ويقضون على حضارتها، ويفرّ منها كثير من علمائها ونابهى شعرائها، وممن غادرها ابن رشيق، ونراه يصف تلك النكبة فى قصيدة طويلة، ومن قوله الحزين فيها (١): المسلمون مقسّمون تنالهم ... أيدى العصاة بذلّة وهوان يستصرخون فلا يغاث صريخهم ... حتى إذا سئموا من الإرنان (٢) خرجوا حفاة عائذين بربّهم ... من خوفهم ومصائب الملوان (٣) هربوا بكلّ وليدة وفطيمة ... وبكل أرملة وكل حصان (٤) فتفرّقوا أيدى سبا وتشتّتوا ... بعد اجتماعهم على الأوطان (٥) وهو يقول إن المسلمين تقسموا فرقا بينما أيدى العصاة للرحمن تنالهم بغير قليل من الذل والهوان، وها هم أهل القيروان يستصرخون فلا يغاث صريخهم حتى إذا بحّت أصواتهم من

стр. 4454

الصراخ ولا مغيث ولا مستجيب خرجوا على وجوههم يعدون حفاة عائذين بربهم من القتل والأسر وما يأتى به الملوان أو الليل والنهار من مصائب ونكبات، ويقول إنهم فروا من الأعراب بكل مولودة ومفطومة وبكل أرملة وكل عفيفة رجاء أن يحموهن من السبى والهوان، وتفرقوا وتشتتوا فى البلاد وتشتت معهم العلماء والشعراء. وكان يعاصره ابن شرف، وله بدوره فى القيروان حينئذ بكاء وتفجع مرير، وسنخصه بكلمة. وممن ندبها وتذكر إخوانه بها وقد رحل عنها إلى الأندلس على الحصرى، وفيها يقول (١): ألا سقى الله أرض القيروان حيا ... كأنّه عبراتى المستهلاّت فإنها لدة الجنّات تربتها ... مسكيّة وحصاها جوهريّات إلا تكن فى رباها روضة أنف ... فإنما أوجه الأحباب روضات (٢) لا يشمتنّ بها الأعداء أن رزئت ... إن الكسوف له فى الشمس أوقات (٣) هل مطمع أن تردّ القيروان لنا ... وصبرة والمعلّى فالحنيّات وهو يدعو للقيروان بالسقيا الوافرة كدموعه الغزيرة التى لا تزال كلما ذكرها استهلت فإنها رفيقة الجنّات، تربتها مسك وحصاها جواهر لامعة، وإلا يكن فى رباها الآن بعد أن خربها بنو سليم وهلال روضة جديدة بديعة فأوجه الأحباب بها روضات فاتنة، ويذكر ما أصاب القيروان من خراب فيقول: لا يشمت بها الأعداء لأن رزئت ونكبت فإن الشمس الساطعة يلم بها الكسوف أحيانا، فهو رزء إلى أجل، وتعود بعده القيروان إلى حضارتها وازدهارها المعهود. ويتمنى أن تعود سريعا إلى أهلها هى وصبرة وغيرهما من المواضع والمدن. ومرّ بنا أن عبد المؤمن بن على أمير الموحدين استولى على مدينة قابس من يد مدافع بن رشيد الهلالى بعد موقعة هزم فيها مدافع وفر إلى أعراب طرابلس ثم لحق بعبد المؤمن فى مدينة فاس فأكرمه وأسكنه بها، وكان ممن فرّ بعد الموقعة أبو ساكن عامر بن محمد من عشيرة مدافع وأبعد فى فراره حتى دمشق وهناك بكى قابس وأيام حكم عشيرته لها. ومن قوله (٤): يا حار طرفى غير هاجع ... والدّمع من عينىّ هامع (٥) إنّي من الشّمّ الألى ... شادوا العلا أبناء جامع ولقد ملكنا قابسا ... بالمشرفيّات القواطع

стр. 4455

تسعين عاما لم يكن ... فيها لنا أحد منازع عبثت بنا أيدى الزما ... ن وأحدثت فينا البدائع وحار مرخّمة أى يا حارث، وهو يشكو من أنه يبيت مسهدا ودموعه تهمى لا تتوقف لسقوط قابس فى أيدى الموحدين وانتهاء حكم دولتهم من بنى جامع الهلاليين، ويقول إنه من الشم العظام الذين شادوا العلا ورفعوها إلى السماء أبناء جامع الهلاليين الذين ملكوا مدينة قابس بسيوفهم الحادة القاطعة تسعين عاما متصلة لم ينازعهم فيها أحد، وأخيرا عبثت بهم أيدى الزمان فأخرجتهم من قابس وتركوها إلى الأبد. ويبكى الدولة الحفصية فى أواخر أيامها وحاضرتها تونس محمد بن عبد السلام وسنخصه بكلمة بعد ابن شرف. ابن (١) شرف القيروانى هو أبو عبد الله محمد بن أبى سعيد بن شرف الجذامى الأجدابي المولود بالقيروان حوالى سنة ٣٩٠ ويبدو من نسبته إلى قبيلة جذام أنه من أبنائها إما صليبة وإما ولاء، كما يبدو من تلقيبه بالأجدابى أن أصل أسرته من أجدابية بليبيا ونزلت القيروان وعلى كل حال هو قيروانى المولد والمنشأ والمربى، ويذكر ياقوت فى صدر ترجمته له أنه درس على أبى الحسن القابسى وأبى عمران الفاسى. وكان القابسى شيخا جليلا من شيوخ القيروان فى الفقه والتفسير والحديث، وتوفى سنة ٤٠٣ فلزم تلميذه أبا عمران الفاسى يأخذ عنه ما عنده كما لزم القزاز عالم النحو واللغة بالقيروان فى زمنه وأيضا لزم أبا إسحاق إبراهيم الحصرى المتوفى سنة ٤١٣ صاحب زهر الآداب، وكان حبيبا إلى نفوس شباب القيروان قريبا إلى قلوبهم، فكان يجتمع معهم عنده وينهل من معارفه الأدبية الكثيرة. وتفتحت ملكته الأدبية مبكرة، وألف فى نقد الشعراء منذ الجاهلية مصنفا موجزا وصف كثيرين فيه وصفا مجملا سماه «رسائل الانتقاد» وهو أشبه بمقامة. ويبدو أنه أخذ يحظى بمكانة مرموقة فى الشعر مما جعله يتعرف على رئيس ديوان الإنشاء للمعز بن باديس الصنهاجى على بن أبى الرجال المتوفى سنة ٤٢٦ هـ/١٠٣٥ م وأعجب بمدائحه فيه، فرأى أن يقدمه إلى المعز، ونال استحسانه، وأصبح من شعراء الدولة يتغنى بانتصاراتها على

стр. 4456

قبائل زناتة ولواتة، ويغدو على المعز فى المناسبات المختلفة بمدائحه مع قرينه ورفيقه ابن رشيق، وكان المعز أديبا ويعقد ندوات يحضرانها ويحضرها بعض العلماء والأدباء، وأصبحا شاعرية المقربين، وجرّ ما ينظمانه فى مديحه إلى شئ من المنافسة بينهما، وجرّت المنافسة إلى شئ من الجفوة ثم الخصومة، وفزعا أحيانا إلى التهاجى وأخذ كل منهما يتعقب سقطات صاحبه، ويكتب فى ذلك رسائل وخاصة ابن رشيق. وكثيرا ما كانا يعودان إلى التصافى والمودة-وبينما هم فى ذلك إذا بالزحفة الهلالية تدمر القيروان فيتركها الشاعران مع المعز إلى المهدية، وسرعان ما ينزلان صقلية، ويظل بها ابن رشيق، أما ابن شرف فيرحل عنها مع أسرته إلى الأندلس، ويبدو أنه لقى مع أطفاله الصغار عنتا فى رحلته بحرا وبرّا، ويصورهم فى بعض شعره حماما ضلّ أوكاره وكلما أفزعهم شئ تزاحموا على ضلوعه، وحضنه لا يسعهم-إذ كانوا تسعة، فهذا يثبت عليه وذاك يزلق عنه، وهو حان مشفق عليهم. وينزل المرية فى الأندلس برحاب المعتصم بن صمادح ويمتدحه وينال عطاياه ويرسل ببعض قصائده إلى المعتضد أمير إشبيلية، وظل ينتقل بين أمراء المدن الأندلسية ببلنسية ومرسية وبطليوس وطليطلة والوزير ابن السقاء بقرطبة وينال عطاياهم إلى أن توفى سنة ٤٦٠ هـ/١٠٦٨ م. ولم يكن ابن شرف شاعرا فحسب، بل كان أيضا صاحب شعور رقيق رقة مفرطة، كما كان صاحب حس مرهف إلى أبعد حد، ويتضح ذلك فى وصفه لنكبة القيروان سنة ٤٤٩ هـ/١٠٥٨ م حين نزل بها الأعراب الهلاليون، وأخذوا يفتكون برجالها ويسبون نساءها ويهدمون دورها ويأتون على كل ما كان بها من مظاهر الحضارة والعمران، وله فيها وفيما نزل بها وداهمها من الخراب قصائد رائعة، يقول فى إحداها- وهى رائية-إنه لم يبق بها سراج مضئ سوى النجوم ولم يعد ينطق فيها خليط معاشر ولا عاد يرى فيها أحد من نسائها الجميلات فقد رحلن عنها وأصبحن يبتن على فرش الحصا يتغطين بأسمال بالية. ومن رائع تصويره لما حلّ بالقيروان من عدوان هؤلاء الأعراب الجفاة يوم غزوهم لها ويصور هذا اليوم الأسود قائلا: بعد يوم كأنما حشر الخل ... ق حفاة به عوارى رجلى ولهم زحمة هنالك تحكى ... زحمة الحشر والصحائف تتلى وعجيج وضجّة كضجيج ال ... خلق يبكون والسرائر تبلى (١) من أيامى وراءهن يتامى ... ملئوا حسرة وشجوا وثكلا (٢)

стр. 4457

وثكالى أراملا حاملات ... طفلة تحمل الرّضاع وطفلا (١) لقد كان يوما عصيبا لا كمثله يوم، يوما حشر فيه أهل القيروان حفاة عراة راجلين، يتدافعون فى زحام رهيب كزحام الحشر يوم البعث حين تتلى الصحائف، وصياح وضجيج وبكاء من كل جانب كأنه يوم الحشر حقا يوم تبلى وتبدو السرائر، ونساء أيامى غير متزوجات اكتظوا حسرة وحزنا وثكالى فاقدات لأزواجهن أرامل مرضعات يحملن طفلات أو أطفالا. ويستمر ابن شرف باكيا ما نزل بالقيروان قائلا: نادبات، عفراء تسعد سعدى ... وسعاد تجيب بالنّوح جملا (٢) ليس منهن من تودّع جارا ... لا، ولا حرمة تشيّع أهلا فإذا القفر ضمّهم فوّق الدّه ... ر لهم غير ذلك النبل نبلا (٣) من ثعابين حاملين نيوبا ... عصلا: ذابلا ونبلا ونصلا (٤) وشياطين رامحين يلاقو ... ن بجون الفلا مساكين عزلا (٥) وهن نادبات، عفراء تساعد سعدى فى الندب والبكاء وسعاد تجيب جملا بالنواح والعويل، وليس منهن من تقف لتودع جارا ولا سيدة تودّع أهلا، وإذا الخلاء ضمهم صوّب الدهر لهم نبلا غير ذلك النبل من ثعابين حاملين نيوبا صلبة: رماحا ونبالا ونصالا، وشياطين تطعن بالرماح فى سود الفلوات، مساكين عزلا دون سلاح. ويبكى ابن شرف رجال القيروان الذين ولوا منها فرارا، قائلا: وإذا نجّت المقادير منهم ... راحلا بالخلاص يحمل رحلا (٦) لقى الهون والمذلّة أنّى ... كان من سائر البلاد وحلاّ وترى أشرف البريّة نفسا ... ناكسا رأسه يلاطف نذلا مزّقوا فى البلاد شرقا وغربا ... يسكبون الدموع هطلا ووبلا (٧) والرجال إن نجت المقادير منهم راحلا ومعه رحله وما استصحبه فيه من الأوعية لقى الهوان والذل أنى كان وأين حل، وترى أشرف البرية وأعزها نفسا ناكسا رأسه يلاطف أحد هؤلاء

стр. 4458

الأنذال، ويا للحسرة لقد مزّق وفرّق أهل القيروان فى البلاد شرقا وغربا، وإنهم ليسكبون الدموع متتابعة ومدرارا. ولا ريب فى أن ابن شرف استطاع أن يثأر لقومه وأهله من سكان القيروان من هؤلاء الأعراب الجفاة الغلاظ ثأرا خالدا على مر الزمن بفضل شاعريته الفذة النادرة. محمد (١) بن عبد السلام هو أبو الفتح محمد بن محمد بن عبد السلام مولده ومنشؤه ومرباه بتونس فى القرن العاشر الهجرى اختلف فى شبابه إلى حلقات العلماء بجامع الزيتونة، وكان ذكيا فحمل عنهم معارفهم وأخذوا ينوّهون به وخاصة فى الأدب، ولمع اسمه بين أدباء تونس وشعرائها، ولما احتلّ الإسبان مدينة تونس وأخذت تصدر منهم المظالم التى سجّلها التاريخ غضب ابن عبد السلام لمدينته وقومه وصمّم على مغادرة البلاد واتجه إلى الشام واتخذ دمشق مقرا له، وأخذ يقرئ بها للطلاب العلوم المختلفة ونصوصا جيدة من الأدب إلى أن توفى سنة ٩٧٥ هـ/١٥٦٧ م ودفن بباب الفراديس، وله قصيدة طويلة أرسل بها من دمشق إلى أهله يتشوق فيها إلى وطنه، ويبكى تونس ودولتها الحفصية، وهو يستهلها ببث أشواقه قائلا: سلوا البارق النجدىّ عن سحب أجفانى ... وعما بقلبى من لواعج نيران ولا تسألوا غير الصّبا عن صبابتى ... وشدّة أشواقى إليكم وأشجانى وكم نحوكم حمّلتها من رسالة ... مدوّنة فى شرح حالى ووجدانى وناشدتها بالله إلاّ تفضّلت ... بتبليغ أحبابى السلام وجيرانى تحية مشتاق إلى ذلك الحمى ... وسكّانه والنازحين بأظعان (٢) وهو يطلب إلى أهل بلدته تونس الحبيبة أن يسألوا البرق المقبل من نجد مثوى الحب عما يذرف من دموع حنينا إليهم وعما يضطرم فى قلبه من نيران الشوق ولواعجه، ويقول لهم: لا تسألوا غير الصّبا-التى طالما ذكرها النجديون المحبّون-عن أشواقى وصبابتى وأشجانى، وكم حملتها إليكم من رسالة مفعمة بمشاعرى الوجدانية، وقد ناشدتها الله واستحلفتها به أن تتفضّل بتبليغ أحبابى وجيرانى التونسيين سلامى وإنها لتحية مشتاق إلى ذلك الحمى وسكانه وإلى النازحين عنه فى الأظعان والهوادج ويقول.

стр. 4459

سقى الله هاتيك الديار وأهلها ... سحائب تحكى صوب مدمعى القانى (١) وحيّا ربوع الحىّ من خير بلدة ... تخيّرها قدما أفاضل يونان هى الحضرة العليا مدينة تونس ... أنيسة إنسان رآها بإنسان (٢) لها الفخر والفضل المبين بما حوت ... من الإنس والحسن المنوط بإحسان وهو يدعو الله أن يسقى تلك الديار وسكانها بسحائب تحكى ما ينهلّ من مدمعه القانى، ويسأل الله أن يحيى تلك البلدة العظيمة التى تخيرها قديما فضلاء اليونان، إنها المدينة العليا تونس مؤنسة كل إنسان يراها بعينه، وإن لها الفخر والفضل البيّن بما حوت من رجال الإنس ومن الحسن البارع. ويسترسل باكيا الدولة الحفصية بها قائلا: لقد حلّ منها آل حفص ملوكها ... مراتب تسمو فوق هامة كيوان (٣) وسادوا بها عظم الملوك وشيّدوا ... بها من مبانى العز أفخر بنيان وكان لهم فيها بهاء وبهجة ... وحسن نظام لا يعاب بنقصان وكان لهم فيها عساكر جمّة ... تصول بأسياف وتسطو بمرّان (٤) وكانت على الأعداء فى حومة الوغى ... تصول بأبطال وتسطو بشجعان وهو يبكى الدولة الحفصية مشيدا بملوكها الذين سمت مراتبهم فوق رأس كوكب كيوان أو زحل، وسادوا أكثر الملوك وشادوا بها من قصور العز أفخر القصور وكان لهم فيها حسن وبهجة وجمال، وكانت لهم جيوش كثيرة تصول وتقهر بسيوف ورماح صلبة، وكانت تسطو على الأعداء فى ساح لوغى والحرب بأبطال لا يماثلهم أبطال، ويبكى ما كان بتونس من علم وعلماء وأدب وأدباء قائلا: وكانت لطلاّب المعارف قبلة ... لما فى حماها من أئمة عرفان وكان لأهل العلم فيها وجاهة ... وجاه وعزّ مجده ليس بالفانى ومن أدباء النّظم والنثر معشر ... يفوق بناديها بلاغة سحبان وما برحت فيها محاسن جمّة ... وفى كل نوع أهل حذق وإتقان وهو يبكى حركتها العلمية والأدبية، ويذكر كيف كان الطلاب يؤمون أئمتها من كل فج كما يذكر ما كان لعلمائها عند حكّامها وأهلها من جاه وعزّ مجده لا يفنى، ويشيد بأدبائها من

стр. 4460

الشعراء والكتّاب وبلاغتهم التى تفوق بلاغة سحبان المشهور بحسن بيانه فى أوائل العصر الأموى، وينوّه بما كان بها من محاسن حضاريّة وصناعات بديعة قام عليها أهل حذق وافتنان وإتقان. ويأسى لهذا المصير المحزن الذى أصاب مدينة تونس قائلا: فشتّت ذاك الأنس من بعد جمعه ... كما انتثرت يوما قلائد عقيان فأعظم برزء خصّ خير مدينة ... وخير أناس بين عجم وعربان لعمرى لقد كادت عليها قلوبنا ... تضرّم من خطب عليها بنيران وما الدّهر إلا هكذا فاصطبر له ... رزيّة مال أو تفرّق خلاّن وهو يقول إن كل هذا الأنس الذى كانت تحظى به مدينة تونس وكل هذا الجاه والمجد تفرّق وتشتّت كما تتشتت وتنتثر قلائد أو عقود ذهبية بديعة، وما أعظمه من رزء فادح نزل على خير مدينة وخير أناس بين الأعاجم والعرب، وإن قلوبنا لتضطرم عليها نيرانا ملتهبة. ويعود إلى نفسه فيقول إنه ليس أمامنا إلا الصبر حتى تنجلى عن مدينتنا تلك الغمرة. وهى حقيقة الدهر، فهو دائما يرزأ المدن كما يرزأ الناس إما فى مال وإما فى فراق إخوان وخلان. ٤ - شعراء الوعظ والتصوف (أ) شعراء الوعظ القرآن الكريم دائما يعظ ويدعو الإنسان إلى التفكير المتصل فى ملكوت السموات والأرض ليعلم أن له خالقا أحكم صنعه، ودائما ينبه إلى أعمال وأقوال من العبادات التى تطهر نفسه كما ينبه إلى أنه حرّم الفواحش ما كبر منها وما صغر وأنه ينبغى أن يسلك طريق الفضيلة والتحلى بالخلق الحسن حتى ينال رضا ربه نابذا كل الرذائل ومراقبا ربه فى كل ما يأتى من قول أو فعل. ويبدئ القرآن ويعيد فى عقيدة المعاد وأن الناس سيبعثون جميعا يوم القيامة وكلّ يحاسب على أعماله ويجزى عليها فإما إلى نعيم الله ورضوانه وإما إلى جحيمه وعذابه. وشرع الله الخطابة الواعظة فى صلاة يوم الجمعة كل أسبوع وصلاة العيدين، وواعظ الأمة الأول الرسول ﷺ وتلاه الخلفاء الراشدون يعظون الناس، وبالمثل خطباء الأمة فى مشارق العالم الإسلام ومغاربه، وتكاثر الوعاظ-مع مر الزمن-يعظون الناس فى المساجد، وللإقليم التونسى مثل غيره من الأقاليم الإسلامية نشاط واسع فى هذا الجانب، ويكتظ كتاب رياض النفوس للمالكى بأسماء وعاظ كثيرين كانوا يعيشون معيشه تقشف وزهد، رافضين متاع الدنيا

стр. 4461

طالبين ما عند الله من ثواب الآخرة. وساعد على انتشار هذه الروح الدينية هناك كثرة المحارس أو الرباطات التى أقيمت على طول الساحل التونسى للعبادة والنسك وحراسة البلاد من القراصنة وأعداء الله الروم وغيرهم. ولم يكن هناك فقيه كبير إلا ويقيم بها بعض أشهر سنويا للدفاع عن الوطن حين يباغته عدوّ أو قراصنة، واشتهر سحنون إمام المذهب المالكى فى المغرب جميعه بأنه كان يرابط وقتا فى السنة بالمنستير قرب مدينة سوسة، وكان واعظا وزاهدا كبيرا وكثير من تلاميذه كانوا وعاظا زهادا واشتهر منهم شاعران فقيهان واعظان، هما أبو العباس بن زرزر وأحمد الصواف، أما ابن زرزر فأكثر من الشعر فى توحيد الله والرد على المارقين والملحدين، وأما أحمد الصواف فله شعر كثير فى المواعظ وسنخصه بترجمة. ويلقانا بعده ابن الرائس الفضل بن نصر المتوفى سنة ٣٤٤ هـ/٩٥٥ م وهو من أفذاذ الشعراء والعلماء، وله يعظ من قصيدة (١): ماذا تريك حوادث الأزمان ... وصروفها وطوارق الحدثان (٢) والجاريات السّبع فى الفلك الذى ... يجرى بتقدير العظيم الشان من خفض أعلام ورفع معاشر ... وزوال سلطان إلى سلطان أمّا الزمان فواعظ لك صرفه ... لو كنت متّعظا بصرف زمان وهو يقول: ها هى حوادث الأزمان ونوائبها وحوادث الليل والنهار وما تجرى به الكواكب السيارة فى الفلك بتقدير الله وما يتصل بذلك من الهبوط بأناس والارتفاع بآخرين وزوال سلطان إلى سلطان، كل ذلك هو الزمان، وحرى بك أن تتعظ بصرفه وبما يجرى به من محن وخطوب. ولا ريب فى أن حلقات الوعظ الكثيرة التى كانت منبثة فى القيروان وغيرها منذ القرن الثالث بل قبله هى التى أعدت لكثرة الوعظ على ألسنة الشعراء. ويقول عبد الله بن رشيق المتوفى سنة ٤١٩/ ١٠٢٩ م (٣): خير أعمالك الرّضا ... بالمقادير والقضا بينما المرء ناطق ... قيل قد كان فانقضى وهو يدعو إلى الرضا بالقضاء فلن يستطيع أحد أن يبدل حكما له، وإذن لا بد أن يقبل كل ما ينزله به، فذلك هو عين العقل والصواب. ويخوّف عبد الله بن رشيق من الموت إذ ما يلبث أن ينزل بالإنسان، فيقال: قد كان حيا وانقضى أجله وانتهى. ويقول على بن أبى الرجال رئيس

стр. 4462

ديوان الإنشاء للدولة الصنهاجية المتوفى سنة ٤٢٦ للهجرة (١): أمن الزمان زمانة العقل ... فاخش الإله وحل عن الجهل (٢) واعلم بأنك فى الحساب غدا ... تجزى بما قدّمت من فعل وهو يقول إن من يأمن الزمان لا يعدّ صحيح العقل، بل لكأنما عقله به آفة، وأى زمان إننا نحيى فيه حياة قصيرة أو طويلة ثم نلقى الله فحرى بكل شخص أن يخشاه وأن يتخلص مما على عقله من غشاوة الجهل فإنه معروض على ربه فى الحساب غدا ويجزى بما قدمت يداه من عمل طيب أو سيئ. ويقول على بن حبيب التنوخى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ/١٠٤٩ م واعظا (٣): للمرء فى أيامه واعظ ... لو فكّر المغرور فى رمسه (٤) كم من قرير العين فى غبطة ... أعراه صرف الدهر من لبسه ففارق الأحباب عن كرهه ... واستبدل الوحشة من أنسه يا ربّ غفرانك يرجو الذى ... أسرف فى الدنيا على نفسه وهو يعظ المغرور بأنه لو فكر فى رمسه أو قبره وأنه مدفون به غدا لطأطأ من غروره، وتذكّركم من شخص كان مسرورا فى نعمة وحياة رغدة طيبة جرّده حادث الدهر من ذلك كله، ففارق الأحباب مكرها مرغما وأصبح فى حفرة مظلمة لا أنيس ولا رفيق. ويتجه الشاعر إلى ربه معترفا بما أسرف على نفسه من الذنوب راجيا منه الغفران. ويقول عبد الله التجانى الذى ترجمنا له بين شعراء المديح من قصيدة وعظية طويلة (٥): بادر إلى التقوى بدار مسارع ... وانهض إلى الطاعات نهض سباق واغنم من الأيام مهلة ساعة ... قبل التفاف السّاق منك بساق يا أيّها الإنسان إنك كادح ... كدحا وأنت لما كدحت ملاقى والمرء مجزىّ بما هو فاعل ... وجزاؤه جار على استحقاق وهو ينصح من يخاطبه بالمبادرة إلى التقوى وعبادة الله بدار مسارع عجل، وبالنهوض إلى

стр. 4463

أداء الطاعات نهوض من يريد الحصول على قصب السبق، وينصحه كذلك أن لا تفلت منه مهلة ساعة أو لحظة دون أن يعبد الله حق عبادته قبل أن يوافيه القدر ويبعث يوم القيامة يوم الهول الأكبر والتفاف الساق بالساق كما جاء فى وصف يوم البعث بسورة القيامة. ويستعين عبد الله فى البيت الثالث بالآية القرآنية فى سورة الانشقاق: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ فالإنسان عامل فى دنياه وسيلقى جزاء ما عمل من خير أو شر فى أخراه، إذ كلّ يجزى بعمله وينال ما يستحقه من ثواب أو عقاب. وحرى بنا أن نتوقف قليلا عند الصواف ومواعظه. أحمد (١) الصواف هو أحمد بن أبى سليمان داود الصواف، ولد سنة ٢٠٤ هـ/٨١٩ م ودخل الكتاب مثل لداته وحفظ فيه القرآن الكريم، واختلف إلى حلقات المحدثين والفقهاء، ولزم حلقة سحنون وكان من أقرب تلاميذه إليه لما عهد فيه من ذكاء، وفى كتاب الحلل السندسية روايات مختلفة له عن أستاذه تتصل ببعض أخباره وببعض الأحاديث النبوية. وكان ثقة فى الفقه والعلوم الإسلامية، وروى كثيرا من الشعر غذّى به ملكته الشعرية، وكان يوصى طلبته بالوقار والتعفف ومجالسة العلماء ومجانبة الأشرار، وكان كثير التأمل فى ملكوت السموات والأرض، ونقش على خاتمه: «أحمد تفكر تعتبر» ويؤثر عنه أنه كان يقول: أنا حبس (موقوف) وكتبى حبس على طلبة العلم، فهو محبوس على عبادة ربه ونسكه وكتبه محبوسة على طلاب العلم والمعرفة، وكان شاعرا جيدا وطبيعى أن تكون أكثر أشعاره فى الحكمة والعظة الحسنة، وعاش طويلا حتى وافاه الأجل سنة ٢٩١ هـ/٩٠٣ م ومن وعظه: تركت تكاليف الحياة لأهلها ... وجانبتها طوعا فجانبنى الرّدى أرانى بحمد الله فى المال زاهدا ... وفى شرف الدّنيا وفى العزّ أزهدا تخليت عن دنياى إلا ثلاثة ... دفاتر علم ثم بيتا ومسجدا وهو يقول إنه لم يتعلق بشئ من تكاليف الحياة ومتاعها، ولذلك بارك الله فى حياته وجانبه الموت، ويصرح بأنه زاهد فى كل ما يطمع فيه الناس من المال ومن الشرف والعز والمجد فكل ذلك لا يعتد به إنما يعتد بثلاثة لا غير: بدفاتر العلم ومدارسته وبالمسجد يتبتل فيه إلى ربّه وبيت يأوى إليه، فتلك الثلاثة هى غناه وسعادته وكل ما يقتنيه من دنياه. ثم يقول:

стр. 4464

ألم تر أنّ الدهر يقرى أهيله ... هموما وأن العيش صار منكّدا (١) فما حلّ قوم فيه إلا بفجعة ... وأنت لأخرى فيه منتظر غدا وكم قد رأينا من عزيز مشرّف ... يبيت مقرا فى القباب ممهّدا أتته المنايا وهو فى حين غفلة ... فأضحى ذليلا فى التّراب موسّدا وفيم تعلق الناس بالدنيا؟ إن الدهر لا يزال فيها يقرى الناس-ويطعمهم-هموما هما من بعد همّ، وقد صار العيش فيها نكدا كله، وهل أحد فيها إلا أصابته فجعة أو مصيبة موجعة من موت صديق أو قريب، وإن الكأس التى ذاقوها ليذوقها كل شخص بدوره، وكم قد رأينا من عزيز له شرف لا يدانيه شرف يترك ذلك كله حين يوافيه القدر إلى قبر ممهد بين القبور، وإنه ليموت على حين غفلة من أهله وأصفيائه، ويدفن فى التراب ويتوسّده ويصبح فيه أسيرا ذليلا لا شرف ولا طنافس، ولكن تراب بجانبه تراب. وقال مبتهلا إلى ربه فى ختام قصيدة له طويلة: أجرنى من عذابك واعف عنّى ... وكن لى منك يا أملى مجيرا فإنى قد كبرت ورقّ عظمى ... وجئت إلى فنائك مستجيرا فهو لا يخاف الموت ولا يرهبه، ولذلك لا يعد المشيب نذيرا له بل بشيرا، إذ سيلقى ربه، وعاش حتى توفى فى السابعة والثمانين من عمره. (ب) شعراء التصوف مر بنا فى الفصل الأول كيف أخذت تنشط حركة الزهاد والنساك فى القيروان وتونس وغيرهما من بلدان الثغور على الساحل التونسى منذ أواخر القرن الثانى للهجرة، إذ بنى بجوار هذه الثغور رباطات-وتسمى هناك محارس-للمجاهدين فى سبيل الله ضد القراصنة وكانت أشبه بحصون كبيرة إذ كان بعضها يبلغ نحو ثلاثين غرفة ومعها مسجد وحمامات وأحواض مياه، وكثيرا ما كان يلحق بها إسطبل للخيل حتى يتمرن العبّاد فيها والناسكون على الفروسية ولقاء العدو، وطبيعى أن كان بها بعض الأسلحة. وأعطت هذه المحارس أو الرباطات الفرصة لكى تتكون طبقات من النساك الذين وهبوا نفوسهم للنسك ولجهاد أعداء الله، وكان الفقهاء-حتى كبارهم من أمثال سحنون إمام المذهب المالكى فى الفقه-ينزلونها فترات ويلقون بها محاضرات ودروسا من شأنها أن تزيد النساك نسكا وأن تدلع الحماسة فى قلوبهم لحماية الإقليم التونسى.

стр. 4465

ويهمنا الآن جانب النسك والعبادة، وقد أخذ كثيرون فى تلك المحارس يعيشون للنسك الخالص وحاكاهم فى ذلك بعض سكان القيروان وغيرها من المدن. وكان التصوف قد أخذ يشيع فى المشرق وانبثق عنه ضرب فلسفى آمن بالحلول على نحو ما هو معروف عن الحلاج المتوفى سنة ٣٠٩ للهجرة، وظلت القيروان ومحارس الساحل التونسى بعيدة عن هذا التصوف الفلسفى، غير أنه مع الزمن أخذ يظهر فيها من استغرقوا فى الزهد والنسك، حتى ليمكن أن نسميهم متصوفة، غير أنهم متصوفة سنيون، وهو تصوف فردى فلا طريقة صوفية للمتصوف ولا مبادئ خاصة يتخذها لطريقته الصوفية مثل أبى عقال المار ذكره غلبون بن الحسن بن غلبون من أسرة الدولة الأغلبية من أبناء مدينة رقّادة بالقرب من القيروان، وكان عابدا ناسكا، وهاجر إلى مكة واختارها دار مقام له إلى أن توفى، وله أشعار زاهدة كثيرة عليها مسحة من التصوف أنشد منها المالكى فى رياض النفوس مقطوعات متعددة (١). ومن متصوفة هذا الدور محرز بن خلف المتوفى سنة ٤١٣ وأبو الفضل بن النحوى المتوفى بعده بقرن. وسنخص كلا منهما بكلمة. ومعنى ذلك أن القيروان ظلت لا تعرف التصوف الفلسفى ولا الطرق الصوفية حتى منتصف القرن السادس الهجرى إلا ما كانت تقرؤه فى الكتابات المشرقية، وتنتشر موجة التصوف الفلسفى غربى الاقليم التونسى بمدينة بجاية إذ ينزلها أبو مدين شعيب المتوفى بتلمسان سنة ٥٩٤ هـ/١١٩٨ م وكان يشوب تصوفه شئ من النزعة الفلسفية، وتبعه كثيرون فى الجزائر والمغرب وزار تونس، وتبعه فيها غير تلميذ مثل أبى سعيد خلف بن يحيى التميمى المولود سنة ٥٥١ والمتوفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣١ م. ويبدو أن عقيدته الصوفية لم ترسخ فى القيروان، وزار تونس-بعده-محيى الدين بن عربى المتصوف الأندلسى المتوفى سنة ٦٣٨ وأقام بها مدة التف فيها حوله بعض الأتباع، وأهم منه ومن أبى مدين تأثيرا فى الإقليم التونسى أبو الحسن الشاذلى المولود سنة ٥٩٣ هـ/١١٩٧ م والناشئ فيه بشاذلة إحدى بلدانه واتجه إلى التصوف مبكرا، ورحل إلى المشرق وتعرف فيه على أحد معتنقى الطريقة الرفاعية، وهى إحدى الطرق الصوفية السنية التى ظهرت بالمشرق فى القرن السادس الهجرى، وعاد إلى المغرب واتجه غربا إلى فاس ولقى فيها عبد السلام بن مشيش أحد أتباع طريقة أبى مدين، فلزمه مدة، ثم تركه إلى شاذلة وعاش بها فترة، وكان يتركها، أحيانا إلى تونس وينشر فيها دعوته، وتبعه فيها أصحاب كثيرون وكان يهاجم الخانقاهات والتسول بقوة، وتعرف على تلميذه أبى العباس المرسى وأعجب كل منهما بصاحبه. ويبدو أنه رأى أن يتسع بدعوته إلى طريقته، فصمم على مغادرة تونس إلى الاسكندرية وصحب معه

стр. 4466

أبا العباس المرسى وجمعا من مريديه ونزلها سنة ٦٤٢ هـ، ويقال إنه ترك فى تونس خمسين تلميذا متصوفا من أتباعه مثل على القرجانى وعائشة المنوبية (١) وطريقته أقرب إلى الطرق الصوفية السنية منها إلى الطرق الصوفية الفلسفية، وشاعت طريقته لا فى الاسكندرية وحدها، بل أيضا فى القاهرة والمدن المصرية المختلفة، بفضل تلميذه السكندرى ابن عطاء الله، وقد تولى مشيخة الطريقة بعد وفاة أبى العباس المرسى سنة ٦٨٥ هـ وله فيه وفى الشاذلى كتابه الرائع لطائف المنن فى مناقب أبى العباس المرسى وشيخه أبى الحسن» وقد ساق فيه أربعة أوراد للشاذلى، وأخذت تتولد من هذه الطريقة بمصر طرق جديدة مثل الطريقة الوفائية، وكلها تنزع منزعا سنيا. وظلت الطريقة الشاذلية تشيع فى عصر الدولة الحفصية، وأخذت تشيع معها طرق صوفية مختلفة. ولا بد أن نشير إلى اهتمام هذه الدولة ببناء الزوايا فى تونس لكبار المتصوفة، حتى اكتظت بها المدينة كما لا بد أن نشير إلى ما ذكرناه فى الفصل الأول من أن المتصوفة فى العهد الحفصى انحرفوا عن واجبهم من الجهاد ضد أعداء الله وعاشوا عالة على الدولة والأمة مرددين للعامة كلمات القطب والأبدال والكرامات. ونتوقف قليلا لنتحدث عن صوفيين سنيين مبكرين هما محرز بن خلف وأبو الفضل بن النحوى. محرز (٢) بن خلف هو محرز بن خلف بن رزين من ذرية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، نشأته ومرباه بتونس، ولا بد أن كان والده من فضلائها، وقد عكف على حلقات الشيوخ بها ينهل من معينهم فى الفقه والتفسير والحديث النبوى، وأيضا فى علوم العربية. ولم يحاول بعد أن فرغ من تعلمه وأخذ ما عند الشيوخ أن يجلس إلى حلقة يعلم فيها الطلاب الناضجين من الشباب، بل رأى أن يعنى بتعليم الناشئة العربية وأصول الدين الحنيف وتعاليمه، وكان يسلك فى ذلك طرقا تعليمية حميدة مما جعل الناس يطلقون عليه اسم المربى محرز. وكانت مدرسته فى مدينة تونس معروفه باسمه، دفن فيها، وكان تقيا صالحا يتوفر على عبادة ربه والنسك له، مما لفت إليه أنظار مواطنيه، وجعلهم يحسنون الاعتقاد فيه، حتى أطلقوا عليه اسم الولى الصالح، وظل هذا الاعتقاد يلازم التونسيين بعد وفاته عن سبعين عاما ونيف سنة ٤١٣ حتى لقبوه بسلطان المدينة، لقب خصوه به دون غيره من الصوفية أصحاب الزوايا الكثيرين فى البلدة. ونسوق بعضا من كلام صاحب الحلل السندسية فى ترجمته له إذ يقول عنه: «الشيخ الأستاذ الذى شحن بنفحات عوارفه الألباب، وتغذّى من الإخلاص بخالص اللباب، وفتح له بحضرة اللطائف أعرض باب. . ألا وهو الحجاب الإحاطى بقصور العرفان والكوكب الذى قصر عن مشاهدته العيان، والكهف

стр. 4467

الذى استظل تحت جناح مدده الملوان (الليل والنهار). . المالكى مذهبا الصوفى دأبا البكرى (نسبة إلى جده) نسبا». وهى مبالغة واضحة، غير أنها تدل-من بعض الوجوه-على مدى اعتقاد التونسيين فيه. ومن قوله فى الدنيا وتصاريفها وتقلباتها: أبدت لنا الدنيا زخارف حسنها ... مكرا بنا وخديعة ما فتّرت وهى التى لم تحل قطّ لذائق ... إلا تكدّر طعمها فتمرّرت خدّاعة بجمالها إن أقبلت ... فجاعة بزوالها إن أدبرت وهّابة سلاّبة لهباتها ... طلاّبة لخراب ما قد عمّرت فإذا بنت أمرا وتمّ بناؤها ... نصبت مجانقها عليه فدمّرت وهى عظة بديعة، يقول: لا تغتر بما تبديه لك الدنيا من زخارفها وزينتها، فذلك مكر منها وخديعة لا تقصّر فيها، إنها لم تصف وتحل قط لذائق إلا تغير طعمها وتمرّر مرا شديدا، وحذار من إقبالها بحسنها عليك فإنها لا تلبث أن تدبر عنك وتفجعك فيما أعطتك، إنها وهابة غير أنها سرعان ما تسلب ما وهبتك، وإنها لتخرّب ما عمرته لك، وإذا شادت أمرا ورفعته عاليا سرعان ما تنصب مجانيقها عليه وتدمره تدميرا كأن لم يكن شيئا مذكورا. ويحاول أن يعزى المظلومين قائلا: إذا ظالم قد عاهد الظّلم مذهبا ... وجار غلوّا فى علوّ اكتسابه فكله إلى ريب الزمان وجوره ... سيبدى له ما لم يكن فى حسابه فكم ذا رأينا ظالما متجبّرا ... يرى النّجم تيها تحت ظلّ ركابه فلما تمادى واستطال بجوره ... أناخت صروف الحادثات ببابه وعوقب بالذنب الذى كان يجتنى ... وصبّ عليه الله سوط عذابه وهو يقول للمظلوم إذا رأيت ظالما باغيا غلا وجار فى بغيه وعدوانه فاصبر ودعه إلى صرف الزمان وتقلبه فإنه سيريه ما لم يكن يخطر على باله، وكم رأينا ظالما عاتيا بلغ من عتوه وتجبره أن كان يرى النجم كأنه يمشى فى ركابه، ولما تمادى فى عتوه وبغيه وظلمه نزلت النكبات ببابه وأقامت به لا تبرحه فعوقب عقابا أليما بذنبه الذى جناه بعمى بصيرته وصبّ الله عليه سوط عذابه جزاء وفاقا لظلمه وبغيه. وله موعظة جعل موضوعها مدينة قرطاجة عاصمة الفينيقيين، ومن بعدهم الرومان والبيزنطيون، وتحدث عن عظمة الأولين البحرية وبناء الثانيين للطياطرو (للتياترو) وبناء حناياها لتوصيل مياهها وتشييدهم للقصور، ويقول إن كل ما عاشت فيه كل تلك الدول المختلفة أصبح أطلالا دوارس، ويختمها بقوله عن حكامها جميعا واعظا ومنبها إلى أنه لا بقاء لشئ فى الحياة:

стр. 4468

لقد وسّدوا بعد الحرير جنادلا ... ولم يستطيعوا للحوادث مدفعا ولم يغن عنهم ما بنوه وشيّدوا ... وما متّعوا فى الدهر مع من تمتّعا ولن تسمعوا إلا الصّدى بعد هاتف ... مجيبا له ثمّ الرياح الزّعازعا (١) وهو يقول إن حكامها بعد معيشتهم فى القصور الباذخة وما كانوا يتوسدونه من الحرير والإستبرق والطنافس أصبحوا يتوسدون الصخور والتراب، وعبثا حاولوا أن يدفعوا عنهم حوادث الدهر إذا خرّوا صرعى جميعا، ويلتفت الشيخ محرز إلى صاحبيه هاتفا إن جزتما بربوعها الدراسة ناديانى وتسمّعا فإنكما لن تسمعا إلا صدى ندائكما ورياحا عاصفة، إذ أصبحت تلك المدينة ذات التاريخ العريق والأبنية الشامخة أطلالا عافية ورسوما داثرة، وهذه هى الدنيا كل شئ فيها إلى بلى وفناء أبو الفضل (٢) بن النحوى هو أبو الفضل يوسف بن محمد الذى عرف باسم ابن النحوى، مولده ومرباه بمدينة توزر قاعدة بلاد الجريد فى الإقليم التونسى وتركها شابا إلى القيروان لينهل من حلقات شيوخها وصحب اللخمى وأخذ عنه صحيح البخارى، ولما توفى لزم تلميذه المازرى حامل لواء الفقه المالكى، وحمل عنه مصنفاته الفقهية وأماليه فى الحديث النبوى، ونزل قلعة بنى حماد وأقرأ أو درس بها للطلاب وجال فى أنحاء المغرب، وأقرأ فى سجلماسة وفى فاس، وعاد إلى قلعة بنى حماد وتصدر فيها للتدريس بقية حياته إلى أن توفى عن ثمانين عاما سنة ٥١٣ هـ/١١٢٠ م، وكان لا يقبل من أحد عطاء ولا من حاكم راتبا، وظل يعيش طوال حياته من دخل مزرعة له بتوزر. وكان مثالا رفيعا للعلماء وعلى سنن الصالحين، قال عياض: «كان من أهل العلم والفضل، شديد الخوف من الله، غالب حاله الحضور معه تعالى». وله قصيدة استغاثية بديعة تسمى «المنفرجة» طارت شهرتها فى الآفاق وفيها يقول: اشتدّى أزمة تنفرجى ... قد آذن ليلك بالبلج (٣)

стр. 4469

وظلام الليل له سرج ... حتى يغشاه أبو السّرج (١) وسحاب الخير له مطر ... فإذا جاء الإبّان يجى (٢) وفوائد مولانا جمل ... لسرور الأنفس والمهج ولها أرج محى أبدا ... فاقصد محيا ذاك الأرج (٣) والخلق جميعا فى يده ... فذوو سعة وذوو حرج (٤) وهو يسلم أمره إلى ربه مؤمنا بأن أى أزمة أو كارثة مهما اشتدت لا بد أن تنفرج، وأن ليلها ليوشك أن يتلوه البلج أو ضوء الصباح، ونفس ظلام الليل الداجى له سرج من النجوم حتى يغمره ضوء الشمس أبو السرج، وإن كل شئ له أوان، وما أسرع أن يهطل سحاب الخير حين يأتى إبّانه وأوانه، وإن نعم الله لتأتى جملا تترى لتضيء النفوس والأرواح ولها شذى عطر محى دائما فاقصده واحرص عليه حتى تحيا حياة هنيئة، وارض بقضاء الله فى قسمته الخلق بين موسّع-ومضيّق-عليه فى الرزق، فلذلك حكمته. وفيها أيضا يقول: وإذا انفتحت أبواب هدى ... فاعجل لخزائنها ولج (٥) ولطاعته وصباحتها ... أنوار صباح منبلج (٦) من يخطب حور العين بها ... يظفر بالحور وبالغنج (٧) وكن المرضىّ لها بتقى ... ترضاه غدا وتكون نجى وهو ينصح مخاطبه إذا انفتحت أمامه أبواب الهدى أن يسارع إلى ولوجها ودخولها ليهنأ بطاعة ربه وأنوارها المضيئة المشرقة، وليكون من أهل الجنة ويحظى بالحور ودلالهن وجمالهن، وهو لن ينالهن إلا بتقى الله حق تقاته وعبادته له حق عبادته. ويوصيه بتلاوة القرآن الكريم والتهجد قربى لرضوان ربه. والمنفرجة فى أربعين بيتا، كلها بهذه اللغة السلسة العذبة وهذه الموسيقى ذات الألحان البديعة. وكان أبو الفضل صوفيا بحق، يأخذ نفسه بالتقشف ويلبس خشن الصوف، ويعبد الله كأنه يراه أو كما قال عياض كأنه حاضر معه، وله يضرع إلى الله تعالى فى بعض تهجده:

стр. 4470

لبست ثوب الرّجا والناس قد رقدوا ... وقمت أشكو إلى مولاى ما أجد وقلت يا سيّدى يا منتهى أملى ... يا من عليه بكشف الضرّ أعتمد أشكو إليك أمورا أنت تعلمها ... مالى على حملها صبر ولا جلد وقد مددت يدى للضّرّ مشتكيا ... إليك يا خير من مدّت إليه يد وهو يضرع إلى ربه لابسا ثوب الرجاء والأمل والناس نيام قائما بين يديه يشكو متضرعا متذللا إلى سيد الكون ومنتهى أمله فى دنياه أن يكشف عنه الضر وكل ما يعلمه مما لا طاقة له ولا صبر ولا جلد على حمله، ويقول ضارعا شاكيا لقد مددت يدى إلى خير من تمد له الأيدى فلا تردنى عن بابك خائبا. واكشف عنى ما أصابنى من ضر بفضلك وإحسانك وإنعامك. ٥ - شعراء المدائح النبوية الرسول ﷺ المثل الأعلى الكامل للمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، وهم حين يحجون يقصدون إليه فى المدينة لزيارة قبره العطر، وما من مسلم إلا وهو يتمنى هذه الزيارة الشريفة، فإن أقعدته-أو منعته-الضرورة وكان شاعرا دبج قصيدة يتشوق فيها إلى اكتحال عينيه برؤية قبر حبيب الله وصفيه: الرحمة المهداة والنعمة المسداة إلى أمته المخصوص بالإسراء ليلا إلى بيت المقدس ومعراجه أو رقيه إلى السموات السبع، الذى خصّ بالقرآن الكريم معجزته الكبرى التى ليس لها سابقة مماثلة ولا لاحقة، مع ما اتصف به من خلق رفيع يعجز البيان عن وصفه، ومع رسالته الإلهية الهادية التى تحقق للناس السعادة فى الدارين. وقد دبج حسان وكعب بن زهير وغيرهما فى حياته قصائد بديعة فى مديحه، وتكاثرت سيول هذا المديح بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى إلى اليوم على ألسنة شعراء العالم الإسلامى شرقا وغربا بحيث تكوّن نهرا عظيما لكل بلد أو قطر إسلامى جدوله المتدفق فيه. والإقليم التونسى كغيره من الأقطار الإسلامية له جدول تترقرق فيه المدائح النبوية. ولن نستطيع أن نعرض ما قاض على ألسنة شعراء القيروان وتونس من هذه المدائح، وخاصة فى العصر الحسينى-لكثرتها، ولذلك ستكتفى باثنين من العصور المختلفة اشتهرت مدائحهما النبوية، وهما عبد الله الشقراطسى وابن السّماط المهدوى.

стр. 4471

عبد (١) الله الشّقراطسى هو عبد الله بن يحيى بن على الشّقراطسى نسبة إلى قلعة رومية أقيمت قديما بالقرب من قفصة تسمى «شقراطس». ومولده ومرباه فى «توزر» مثل أبى الفضل بن النحوى، وهو يسبقه بنحو خمسين عاما إذ توفى سنة ٤٦٦ هـ/١٠٧٤ م. ولما بلغ مبلغ الشباب رأى أن يكمل دراسته فى القيروان، فاختلف إلى شيوخها، وأخذ ما استطاع منهم حتى غدا فقيها محدثا، وحجّ، وعاد فعين قاضيا فى بلده توزر إلى وفاته، وكان مع قيامه فيها بالقضاء يدرس للطلاب وينشر العلم ما استطاع، ويقال إن ابن النحوى درس عليه. وقد طار صيته فى أنحاء العالم العربى بقصيدة فريدة فى ١٣٣ بيتا نظمها فى مديح الرسول ﷺ ، استهلها بقوله: الحمد لله منا باعث الرّسل ... هدى بأحمد منا أحمد السّبل خير البريّة من بدو ومن حضر ... وأكرم الخلق من حاف ومنتعل توراة موسى أتت عنه فصدّقها ... إنجيل عيسى بحقّ غير مفتعل ضاءت لمولده الآفاق واتّصلت ... بشرى الهواتف فى الإشراق والطّفل (٢) وهو يحمد الله باعث الرسل إلى الأمم أن بعث الرسول إلى أمته المحمدية هاديا لها إلى خير السّبل أو الطرق وإنه لأفضل البرية جمعاء متبدية ومتحضرة وأكرم الخلق جميعا حفاة ومنتعلين، ويقول إن توراة موسى بشرت به وصدقها الإنجيل، مشيرا بذلك إلى آية سورة الأعراف وأنه ممن تشملهم رحمة الله ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ويقول إن الآفاق أضاءت لمولده ودقت البشائر فى الإشراق والظلام. ويمضى فى ذكر معجزات مولده ومعجزاته فى حياته وفى الهجرة وما خصه الله به من عروجه إلى السماء. ويعود إلى تفصيل القول فى معجزاته ومعجزته الكبرى القرآن، ويلم بأذى قريش لمن اتبعوه وهو لا يزال بمكة وخاصة بلالا، ويذكر انتصاره على قريش ببدر إذ حطم جيشهم حطما، وأسر نفرا من أشرافهم، وبكى أهل مكة من رجال ونساء بدموع غزار، ويذكر يوم فتح مكة، وقد جاءها الرسول فى عديد من الجنود من يثرب

стр. 4472

ومختلف القبائل، ورأت قريش أن لا قبل لها بلقائه، فاستسلمت ودخلت فى دين الله، يقول: ويوم مكة إذ أشرفت فى أمم ... يضيق عنها فجاج الوعث والسّهل (١) خوافق ضاق ذرع الخافقين بها ... فى قاتم من عجاج الخيل والإبل (٢) وجحفل قذف الأرجاء ذى لجب ... عرمرم كزهاء الليل منسجل (٣) وأنت صلّى عليك الله تقدمهم ... فى بهو إشراق نور منك مكتمل والخيل تختال زهوا فى أعنّتها ... والعيس تنثال رهوا فى ثنى الجدل (٤) أهلّ ثهلان بالتهليل من طرب ... وذاب يذبل تهليلا من الذبل (٥) الملك لله هذا عزّ من عقدت ... له النبوة قبل العرش فى الأزل وهو يتحدث عن يوم فتح مكة ومع الرسول أمم من يثرب والقبائل تضيق عنها فجاج الأرض العسرة والممهدة السهلة، خوافق متحركة ضاقت بها لكثرتها طاقة المشرق والمغرب، وقد عقدت حركة الخيل والإبل عليها غبارا كثيفا، وإنه لجيش ضخم متسع الأرجاء له لجب وصخب عرمرم أو شديد، كزهاء الليل ومقداره، تنصب قطعه انصبابا، والرسول- ﷺ -على رأس هذا الجحفل، يحفّ به بهاء ونور منه مكتملان والخيل تختال فى أعنتها ومسيرتها زهوا، والعيس أو الإبل تتابع سائرة فى مضاعف من جدلها أو أزمتها، وأهلّ ثهلان رافعا صوته بذكر الله من طرب وفرح، وذاب يذبل خوفا من الرماح وكثرة السلاح، وهذا عز لا يماثله عز، عز من كتبت له النبوة فى الأزل البعيد قبل خلق العرش وتكوينه. ويتحدث عن الانتصارات فى الفتوح الإسلامية فى أنحاء المعمورة فى العراق وديار الفرس والترك والصين وبلاد النوبة والزنج ومصر والمغرب، كما يتحدث عن منزلة الرسول ﷺ عند الله واختصاصه بالشفاعة للعباد خلاصا من هول المحشر، ويطلب منه الشفاعة ومن الله الغفران.

стр. 4473

ابن (١) السماط المهدوى هو أبو يعقوب يوسف بن على بن عبد الملك بن السماط البكرى، ولد بالمهدية سنة ٦١٣ وبها منشؤه ومرباه، من بيت علم وفضل وثراء، وتفتحت شاعريته مبكرة، وكان من نعم الله عليه أن قصر شعره على مدح الرسول ﷺ ، فلا يوجد له فى غير هذا المديح شعر إلا التافه النّزر مما قاله فى صباه، ويقول صاحب الحلل السندسية: «هو عالى الطبقة فى الشعر جدا، وشعره مدوّن مشهور». وظل يحيا فى المهدية يمدح الحضرة النبوية حتى وافاه الأجل سنة ٦٩٠ هـ/١٢٩١ م واحتفظ له صاحب الحلل السندسية بخمس قصائد نبوية باهرة، وفى ثانيتها يقول متشوقا إلى يثرب وزيارتها الشريفة: رعى الحقوق-كما علمت-حقيق ... والصبر عن وادى العقيق عقوق (٢) ولأهل ذيّاك الحمى بقلوبنا ... شغف يسوق نفوسنا ويشوق ولذكرهم برد على طىّ الحشا ... تشفى به مرضاهم وتفيق قوم بهم طاب النسيم بطيبة ... حتى انثنى كالمسك وهو فتيق (٣) وغدا ثراها للشّفاه مراشفا ... وبقاعها كلّ البقاع تفوق ومزارها أشهى إلى عشّاقها ... من شاطئ يأوى إليه غريق وهو يقول إن للزيارة النبوية حقوقا ينبغى أن تؤدى، وإن الصبر عن زيارة وادى العقيق بالمدينة المنورة ليعد عقوقا، وإن لأهل هذا الحمى بقلوبنا شغفا وشوقا شديدا ولذكرهم بردا على الأحشاء حتى لكأنه دواء يشفى المرضى من عللها الدفينة، قوم بهم ذكا النسيم وطاب بطيبة أو يثرب، حتى أصبح كالمسك حين يسطع شذاه، وإن ثراها ليود الناس حبا فى الرسول أن يرشفوه بشفاههم رشفا، وإن عشاقها فى المعمورة ليتمنون زيارتها يطلبون بها النجاة كما يتمنى الغريق شاطئا يأوى إليه من الهلاك. ويقول فى القصيدة الرابعة: أعد الحديث فليس بالمملول ... عن خير مبعوث وخير رسول واملأ مسامعنا بطيب حديثه ... فهو الشفاء لحرّ كل غليل (٤) وادأب عليه مصلّيا ومسلّما ... فكذا أتى فى محكم التّنزيل

стр. 4474

واخصص بترداد السلام ضريحه ... فى كلّ شارقة وكلّ أصيل (١) قمر له هضبات مكة مطلع ... والروضة الفيحاء أفق أفول (٢) جاءت نعوت كماله منصوصة ... فى الذّكر والتوراة والإنجيل هذا الفخار ومن يكن ذا وصفه ... فالمدح فيه كقطرة فى النّيل وهو يطلب من صاحبه أن يعيد الحديث مرارا وتكرارا عن خير رسول ومبعوث أهدى إلى البشرية، وأن يملأ المسامع بحديثه الطيب الذكىّ فإن فيه شفاء من حرارة كل ظمأ شديد، وأن يدأب ويجد فى الصلاة والسلام على الرسول اتباعا لهدى القرآن القائل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، ويقول لصاحبه خصّ بترداد السلام وتكراره قبره كل صباح وكل مساء، وإنه لقمر بدر طلع من هضبات مكة وأفقها، وأفل أو غرب فى أفق يثرب فى الروضة الفيحاء ذات الشذى العطر، ويذكر أن نعوت كماله نصّ عليها التنزيل كما جاء بآية سورة القلم فى خطابه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كما نصّت عليها التوراة والإنجيل وكما جاء بآية سورة الأعراف السالفة فى تعليقنا على بعض أبيات عبد الله الشقراطسى. ومضى ابن السماط فى القصيدة يعدد شمائله الرفيعة وبعض معجزاته، وقال هذا هو الفخر الحقيقى ومن يكن هذا وصفه فالمدح فيه كقطرة-حقا-فى نهر النيل. ونبويات ابن السماط تتميز بلغة سلسة عذبة منتهى العذوبة والسلاسة.

стр. 4475

الفصل السّادس النثر وكتّابه ١ - الخطب والوصايا معروف أن الإسلام فرض فى صلاة الجمعة الأسبوعية والعيدين: الفطر والأضحى خطبتين للوعظ والنصح للمسلمين، وظل يتولى ذلك فى تونس وإقليمها كبار الفقهاء الوعاظ من علمائها الأبرار، غير أنه لم يصلنا من هذه الخطب ما نستطيع به الحديث عنها وعرض بعض نصوصها. وطبيعى أن يكون لولاتها فى القيروان وقادتها فى الحروب أو على الأقل لبعضهم خطب من حين إلى آخر، وأقدم خطبة وصلتنا عن ولاتها خطبة موسى بن نصير التى خطبها بجامع القيروان حين دخلها سنة ٨٥ فى أول ولايته على إفريقية وفيها يقول (١): «أيها الناس! إنما كان قبلى على إفريقية أحد رجلين: سالم يحب العافية ويرضى بالدون من العطية، ويكره أن يكلم (٢) ويحب أن يسلم، أو رجل قليل المعرفة راض بالهونى، وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السّهر، وأحسن النظر، وخاض الغمر (٣) وسمت همته، ولم يرض بالدون من المغنم، لينجو ويسلم، دون أن يكلم أو يكلم. . إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا، وإن نكب أظهر جلادة وصبرا. . وبعد فإن من كان قبلى كان يعمد إلى العدو الأقصى ويترك عدوّا منه أدنى، ينتهز منه الفرصة، ويدلّ منه على العورة، ويكون عونا عليه عند النكبة، وأيم الله لا أريم (٤) هذه القلاع والجبال الممتنعة حتى يضع الله أرفعها، ويذلّ أمنعها، ويفتحها على المسلمين بعضها أو أجمعها، أو يحكم الله لى، وهو خير الحاكمين». وبدأ موسى بن نصير بالجيوب فى الإقليم التونسى مثل جبل زغوان، ثم أخذ يمتد بفتوحه العظيمة حتى دان له المغرب جميعه، وكان شديد الطموح فمدّ بصره وراء المغرب إلى شبه جزيرة

стр. 4476

إيبيريا وأرسل إليها طارق بن زياد وتبعه، وأتم فتحها ناشرا فيها الإسلام، كما عمل على نشره فى ديار المغرب من برقة إلى المحيط، وافتتح له إقليما كبيرا فى أوربا، ولم يترك قلعة ولا حصنا لا فى المغرب وحدها كما قال فى خطبته بل أيضا فى إيبيريا مما جعله بحق من أكبر قواد العرب على مر التاريخ. ومن كبار القواد فى الإقليم التونسى بعده أسد بن الفرات أمير الجيش الفاتح لصقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م وحين دقت الطبول والبوقات ونشرت الألوية واستعدت السفن لمغادرة ميناء سوسة للفتح تلفت حوله وخطب الجنود، وكان من قوله (١): «لا إله إلا الله وحده لا شريك له أيها الناس! ما ولى لى أب ولا جد ولاية قط، ولا رأى أحد من سلفى هذا قط، وما رأيت ما ترون إلا بالأقلام، فأجهدوا أنفسكم، وأتعبوا أبدانكم فى طلب العلم وتدوينه، وثابروا عليه تنالوا به الدنيا والآخرة». وكان أسد شيخ فقهاء المالكية فى القيروان، واختاره الأمير زيادة الله الأغلبى لقيادة الجيش، وهو ينصح بالمثابرة فى العلم وتدوينه، فإن من يثابر فى تحصيله ويسهر الليالى يحظى بكل ما يتمناه، وقد مضى حين أرسى أسطوله على شواطئ صقلية يفتح المدن والقلاع واتجه إلى قاعدتها الكبرى: «سرقوسة» فى شرقيها، وحاصرها واستشهد فى حصارها ودفن تحت أسوارها، وتمّ فتح جميع مدنها بعده. ومن المؤكد أن خطبا كثيرة ألقاها حكام الإقليم التونسى فى أول حكمهم-وربما فى أثنائه- ولكن الكتب التاريخية والأدبية لم تحتفظ بها، وأيضا لا بد أن كثيرا من الوصايا فى الدول التى حكمت الإقليم التونسى أوصى بها الآباء الأبناء من بعدهم سقطت من يد الزمن فيما عدا وصية أبى زكريا مؤسس الدولة الحفصية لابنه وولى عهده المستنصر، وفيها يقول (٢): «اعلم-سدّدك الله وأرشدك، وهداك لما يرضيك وأسعدك، وجعلك محمود السيرة، مأمون السّريرة-أن أول ما يجب على من استرعاه الله فى خلقه، وجعله مسئولا عن رعيّته فى جلّ أمرهم ودقّه (٣) أن يقدّم رضا الله فى كل أمر يحاوله. . واعلم أن الأمر إذا ضاق مجاله، وقصر عن مقاومته رجاله، فمفتاحه الصبر والحزامة (٤) وأخذ الرأى من عقلاء الدولة ورؤسائها، وذوى التجارب من نبهائها، ثم الإقدام عليه، والتوكل على الله فيما لديه. . ولا تسمع أقوال الغالطين المغلّطين بأنك أعظم الناس قدرا، وأكثرهم بذلا، وأحسنهم سيرا، وأجملهم صبرا، فذاك غرور وبهتان وزور. . وعليك بتفقد أحوال رعيّتك، ولا تنم عن مصالحهم، ولا تسامح أحدا فيهم، ومهما دعيت لكشف ملمّة فاكشفها عنهم، ولا تراع فيهم كبيرا ولا صغيرا إذا عدل عن الحق،

стр. 4477

ولا تقتصر على شخص واحد فى رفع مسائل الرعيّة والمتظلمين، ولا تقف عند مراده فيهم، واتخذ ثقات صادقين مصدّقين لهم فى جانب الله أوفر نصيب». والوصية طويلة، وهى أشبه بدستور يضعه لولى عهده، ليتمسّك به فى حكمه من بعده، وواضح أنه يطلب إليه أن يكون محمود السيرة وأن يجعل رضا الله نصب عينيه فى تدبير أمور رعيته وإذا نزلت به شدة استعان بالصبر والحزم وبرؤساء الدولة ونبهائها المجربين وعمل بمشورتهم ونصيحتهم، ويحذّره من الاستماع إلى من يتملقونه فى حاشيته زورا وبهتانا ابتغاء القربى إليه والزلفى لديه، والحاكم الحصيف يبعد عنه هؤلاء المنافقين المرائين. ويوصيه بتفقد أحوال الرعية وأن لا يغفل عن مصالحها ولا يتسامح مع من يعتدى عليها ويسارع إلى كشف كل ملمة تتعرض لها، ويأخذ على يد كل ظالم، ولا يقتصر فى رفع مسائل الرعية إليه على شخص بعينه خشية أن يكون مغرضا فيما يعرض عليه، لذلك ينبغى أن يشرك معه آخر أو آخرين، حتى لا يتعرض فى فهم هذه المسائل لغش أو خديعة، وينبغى أن تكون حاشيته مؤلفة من ثقات صادقين لا يحوم حولهم شك أو ريبة. ونرى ابن خلدون حين نزل القاهرة سنة ٧٨٥ هـ/١٣٨٤ م يجلس للتدريس بالجامع الأزهر ويتصل بالسلطان المملوكى برقوق فيكرمه ويوفر له الراتب شأنه مع أهل العلم، ويتوفى البساطى أستاذ المدرسة القمحية المالكية، فيعينه مكانه فى شهر المحرم سنة ٧٨٦ هـ/١٣٨٥ م ونراه فى يوم جلوسه للتدريس بها يخطب خطبة طويلة يستهلها بالحمد لله مطيلا فى نعوته القدسية كما يطيل فى الصلاة على الرسول والرضا عن آله وصحبه، ويتحدث عن الملة الإسلامية وانتصار أهلها على الفرس والروم وفتوحهم العظيمة، ويشيد طويلا بملوكها وبدولة المماليك ونصرتهم للإسلام وإنشائهم للمدارس وتعميرهم للمساجد وعنايتهم بالعلم والعلماء ويشيد بالسلطان برقوق وأعماله وأفضاله عليه. وخلت وظيفة أستاذ الحديث فى مدرسة صرغتمش بجوار جامع ابن طولون، فولاه برقوق تلك الوظيفة فاختار كتاب الموطأ للإمام مالك ليحدث به للطلاب فى شهر المحرم سنة ٧٩١ هـ/١٣٨٩ م وحين جلس للتدريس بها ألقى خطبة طويلة، وبعد حمد الله فيها والصلاة على رسوله والثناء على السلطان برقوق قال إنه قرّر للقراءة فى دروسه كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس لأنه من أصول السنن وأمهات كتب الحديث، وأفاض فى الحديث عن مالك ونشأته وسيرته وتأليفه لكتابه الموطأ، ثم أخذ يعدّد الطرق لرواية تلامذة مالك عنه الكتاب، وانتقل إلى بيان سنده للكتاب والشيوخ الذين أخذه عنهم بتونس والأندلس والمغرب فى بلدانه المختلفة، ويذكر مع كل طائفة منهم شيوخهم وسندهم فى الرواية، ويضيف طرقا أخرى، مما جعل سامعيه فى هذا المجلس يرمقونه بالثجلة إلى أبعد مدى. وإنما أطلت فى بيان ذلك لأدل على أن علماء تونس-فيما يبدو-كانوا يأخذون فى

стр. 4478

درسهم الأول بجامع الزيتونة بهذا التقليد من الخطبة الطويلة عن الكتاب الذى سيدرسونه للطلاب، وإن لم تصلنا خطبهم العلمية كما وصلتنا خطب ابن خلدون، إذ سجلها بنفسه فى ترجمته (١) عن حياته، ويقول إنه أعدّها، وهى مكتوبة بأسلوب أدبى مسجوع بليغ. ٢ - الرسائل الديوانية عرفت القيروان الدواوين منذ أنشأها فيها واليها حسان بن النعمان (٧١ - ٨٥ هـ) إذ أقام بجانب دار الإمارة ديوانا للجند وديوانا للخراج وديوانا للرسائل على شاكلة دواوين الخلافة فى دمشق، غير أنا لا نسمع عن كاتب كبير تولى ديوان الرسائل قبل خالد بن ربيعة كاتب عبد الرحمن بن حبيب الوالى فى القيروان من قبل مروان بن محمد، ويذكر البلاذرى أنه كانت بينه وبين عبد الحميد الكاتب المشهور كاتب مروان بن محمد مودة ومكاتبة، وأنه-بفضل هذه المودة-أقرّ الخليفة عبد الرحمن بن حبيب على ولاية القيروان (٢)، ويذكر ابن النديم فى الفهرست خالدا بين الكتّاب قائلا: «خالد بن ربيعة الإفريقى مترسل بليغ نشأ فى الدواوين، وله رسائل مجموعة فى الأدب نحو مائتى ورقة (٣)». وجميع رسائل خالد بن ربيعة سقطت من يد الزمن وسقط معها جميع الرسائل الديوانية فى القيروان إلى أن نلتقى بإبراهيم بن الأغلب مؤسس الدولة الأغلبية ونراه يتبادل مع خريش الكندى أحد قواد الجند الثائر عليه بتونس سنة ١٨٦ هـ/٨٠٢ م رسالتين أولاهما لخريش يتهدّده فيها ويطلب منه طاعته له، ويرد عليه إبراهيم بن الأغلب برسالة يقول فيها (٤): «من إبراهيم بن الأغلب إلى خريش رأس الضلال سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإن مثلك مثل البعوضة التى قالت للنخلة وسقطت عليها: استمسكى فإنى أريد الطّيران، فقالت النخلة: ما شعرت بسقوطك فيكربنى طيرانك». ولا نعرف هل كتب إبراهيم بن الأغلب هذه الرسالة بنفسه أو كتبها له أحد كتاب دواوينه وتعنى الدولة الأغلبية (١٨٤ - ٢٩٦ هـ) بكتاب دواوينها وتأخذ فى النهوض بها، وممن اشتهروا

стр. 4479

من كتّابها أبو العباس البريدى محمد بن حيون رئيس ديوان الإنشاء لعهد إبراهيم الأغلبى الثانى (٢٦١ - ٢٨٩ هـ). وقدم على إبراهيم من بغداد أبو اليسر الشيبانى إبراهيم بن محمد، وكان قد غضب على البريدى فأقامه مقامه على ديوان الإنشاء بعاصمته «رقّادة» وهو أهم كتاب هذه الدولة وسنخصه بكلمة. وكانت الدولة الصنهاجية تعنى بدواوينها ورأس ديوان الإنشاء بها لمدة ربع قرن الكاتب الرقيق القيروانى، كما رأسه على بن أبى الرجال، وهما من الكتاب البلغاء، غير أن كتب الأدب والتاريخ لم تحتفظ ببعض ما دبجاه من الرسائل. ومع ذلك فإن أمير المهدية الحسن حفيد تميم بن المعز حين هزم أسطول الملك روجار الثانى أمام عاصمته سنة ٥١٧ كتب إلى سائر الجهات كتبا منها كتاب يقول فى بعض فصوله (١): «إن صاحب صقلّية لجّ فى طغيان غيّه، واستمر على عدوانه وبغيه، وحمله سوء تدبيره، وفساد تقديره، على اهتضام جانب الإسلام، وتوهّم أن ذلك سهل الملتمس قريب المرام، فاستجاش وحشد، واستغزر واستمدّ، ولما استتبّت فى ظنه أموره، وكمل تدبيره، الذى كان فيه تدميره، سيّر أسطوله نحو المهديّة-حماها الله-فى نحو ثلاثمائة مركب، حمل على ظهرها ثلاثون ألف راكب، وزهاء ألف فارس وكان إقلاعه فى طالع مقارن للنحوس، قاض عليه بإتلاف الأموال والنّفوس، فمن أول ما أنشأه الله فيه من صنعه الجميل، وأظهره من عنايته التى لا يؤدّى حقّها بغير الشكر الجزيل، أن أرسل عليهم ريحا صيّرت جميعهم إلى التّبار (٢)، ونابت فى إهلاكهم مناب زرق الأسنّة وبيض الشّفار. . واستظهرنا باستقدام قبائل العرب المطيفة بنا فأقبلوا أفواجا أفواجا، وجاءوا مجئ السيل يعتلج (٣) اعتلاجا، ويتدفق أمواجا، وكلهم على نيّات فى الجهاد خالصة، وعزائم غير راهبة من مواقف الموت ولا ناكصة، ووصل الأسطول المخذول بمن أسلمه السّوق إلى حد الحسام، وتخطّاه الغرق من الحمام إلى الحمام (٤)، ونزلوا على عشرة أميال من المهدية بجزيرة هنالك فتسرّع إليهم من جندنا ومن انضاف إليهم من العرب المنجدة لنا طائفة أوسعت أعداء الله طعنا وضربا، وملأت قلوبهم خوفا ورعبا. فلما عاينوا ما نزل بهم، أنزلوا عن ظهور مراكبهم، ما كان أبقاه الغرق من أفراسهم، وكانت نحو خمسمائة فرس. . فأكذب الله ظنونهم، وخيّب آمالهم، وجعل الدائرة عليهم لا لهم. . فولوا أدبارهم يرون الهزيمة غنيمة، والهرب غلبة، وتركوا كثيرا من خيلهم وأسلحتهم نهبا مقتسما، وفيئا (٥) مغتنما» ومضى الكتاب يذكر أن الجيش النورمانى كان قد استولى فى أول نزوله على قصر الديماس بين المنستير والمهدية، وكانوا قد أنزلوا به مائة منهم فاستؤصلوا عن آخرهم. والكتاب يتميز

стр. 4480

بألفاظ منتخبة مختارة، وليس فيها غريب مهجور، والأسلوب فيه مسجوع، ويطرد فى يسر، مما يدل على ما حازته كتابة الرسائل الديوانية فى العهد الصنهاجى من تقدم ورقى. ونمضى إلى عصر الدولة الحفصية وتحدث نهضة حقيقية فى ديوان الإنشاء بفضل من عمل فيه من كبار الكتاب الأندلسيين المهاجرين إلى تونس من أمثال ابن الأبّار ومحمد بن الحسين بن أبى الحسين وزير مؤسس الدولة أبى زكريا وابنه المستنصر وأيضا بفضل طبقة بارعة من الكتاب التونسيين أمثال أبى العباس أحمد بن إبراهيم الغسانى المتوفى سنة ٦٥٨ هـ/١٢٦٠ م وقد جمعت له خطّة العلامة وخطة الإنشاء وابن الحباب محمد بن يحيى المعافرى وأبى بكر بن خلدون وله كتاب فى النظم الحفصية لا يزال مخطوطا وفى معهد الدراسات الإسلامية بمدريد مخطوطة منه، وفى الورقة رقم ٥٣ يتحدث عن طريقة المخاطبات الصادرة عن الخليفة الحفصى قائلا: «فى مخاطبة من الأمير الأعظم إلى غيره تقول: من فلان باللقب: أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين وتعدّ آباءه الخلفاء إذا لم تذكر اللقب، فإن ذكرته جعلته جملة، وذكر اللقب أحسن فى الحالتين، ثم تقول أيّدهم الله بنصره وأمدّهم بمعونته إلى الشيخ أبى فلان أو إلى أبى فلان أو إلى الأشياخ والأعيان والكافّة من بنى فلان أدام الله كرامتهم وتوفيقهم بتقواه سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد حمد الله. وبعد تمام الصّدر تكون الوصية بتقوى الله وبما يجب. هذا إذا كان كتابا، وإذا كان صكّا، ويسمى الآن ظهيرا فلا يكون فيه صدر ولا وصية ولا اسم المكان الذى كتب منه» وكان أبو بكر بن خلدون يعمل فى دواوين أبى زكريا مؤسس الدولة الحفصية، ونرى القلقشندى المتوفى سنة ٨٢١ يؤكد استمرار هذا التقليد فى الكتابة الديوانية التونسية حتى عصره إذ يقول فى كتابه صبح الأعشى عن رسم المكاتبة الواردة إلى القاهرة عن صاحب تونس: «عادة مكاتبته أن تفتتح بلفظ من عبد الله الفلانى مع ذكر لقب الخلافة: أمير المؤمنين بن فلان، ويقال فى كل أب من آبائه: أمير المؤمنين إن كان قد ولى الخلافة ويدعى له. إلى أخينا فلان، ويؤتى بالسلام والتحية، ثم يتخلّص بالبعديّة إلى المقصد ويختم الكتاب (١)». ويورد القلقشندى عقب ذلك مباشرة رسالة من الخليفة الحفصى المتوكل على الله أحمد بن أبى عبد الله الحفصى (٧٧٢ - ٧٩٦ هـ) إلى السلطان برقوق يهنئه فيها باسترداده عرش سلطنته سنة ٧٩١ وهى تستهل بهذه الصورة: «من عبد الله المتوكل على الله أمير المؤمنين أحمد ابن مولانا الأمير أبى عبد الله ابن مولانا الأمير أبى يحيى أبى بكر ابن الأمراء الراشدين أعلى الله به كلمة الإسلام، وضاعف نوافل سيفه من عبدة الأصنام، وغضّ عن جانب عزّه عيون حوادث الأيام، إلى أخينا الذى لم نزل

стр. 4481

نشاهد من إخائه الكريم، فى ذات الربّ الرحيم، قبلة صفاء لم تغيّرها يد بعاد ولا انتزاح، ونثابر من حفظ عهده، والقيام بحق ودّه، على ما يؤكد معرفة الخلوص من لدن تعارف الأرواح، ونبادر لما يبعث القلوب على الائتلاف، والأمن بفضل الله من عوائق الاختلاف، وإن شحطت الدار وتناءت الصور والأشباح، ونعترف بما له من مزيد الإعظام بمجاورة البيت الحرام، والقيام بما هنالك من مطالع الوحى الكريم ومشاعر الصلاح، ونجتلى من أنوائه الكريمة الشريفة، ومطالعه العالية المنيفة، وجوه البشائر رائعة الغرر والأوضاح. . ونبتهل إلى الله بالدعاء أن يخبرنا عنه، ويطلعنا منه على ما يقرّ عيون الفوز ويشرح صدور النجاح، السلطان الجليل الطاهر، الملك الأعظم الظاهر. . أبى سعيد برقوق» وواضح أن الكاتب الحفصىّ لم يكتف فى مستهل رسالته بالأسجاع الحائية، فقد ضمن كل سجعة سجعتين داخليتين، وكأن السجع فى الرسائل الحفصية أصابه ما أصاب السجع فى الرسائل الديوانية-منذ القاضى الفاضل وزير صلاح الدين الأيوبى-من تطويل لتضم السجعة تحت جناحيها سجعتين داخليتين كما فى هذه القطعة من الرسالة. ويمضى فى الرسالة فيحمد الله ناظم الشمل وجابر الصّدع الذى قرن بالعسر يسرا. ثم يصلى ويسلّم على الرسول الذى صدعت بالحقّ آياته، وقامت بحجة دعواه معجزاته. . ويضيف الصلاة على آله وأصحابه أولياء دينه الكريم وولاته، وأنصار حزبه المفلح وحماته، وليوث دفاعه فى صدور الأعداء وكماته. ويدعو الكاتب لخليفته، ويذكر للسلطان برقوق أنهم ظلوا حين عزل عن السلطنة يدعون له أن يردّ الأمر إلى نصابه، ويطيل فى تهنئته بنصره، ويشيد برسالة السلطان برقوق إليه بأنه استعاد سلطانه، ويذكر انتصارا لأسطوله إذ أغار على بعض جزر البحر المتوسط وكان صاحبها أغار على الساحل التونسى، يقول: فلم نزل نبيح لأساطيلنا المنصورة حرمه وحماه، ونطرق طروق الغارة الشّعواء بلاده وقراه، ونكتسح بأيدى الاستلاب ما جمعت بها يداه إلى أن ذاقوا من ذلك وبال أمرهم، وتعرّفوا عاقبة مكرهم. وكان من جرائرهم المعترضة شجا فى حلوق الخطّار (١)، ومتجشّمى الأخطار، وركّاب البحار، من الحجاج والتجّار، جزيرة غودش (٢) وبها من أعداء الله جمّ كثير، وجمع كبير، فأرسلنا عليهم منن أسطولنا المنصور غربانا (٣) نعقت عليهم بالمنون، وعرّفت المسلمين بركة هذا الطائر الميمون. . وسارت تحت أجنحة النجاح إليها، إلى أن رمت مخالب مراسيها عليها، فلما نزلوا بساحتها، وكبّروا تكبيرة الإسلام لإباحتها، بهت الذى كفر، وودّ الفرار والحين (الموت) يناديه

стр. 4482

أين المفرّ، فلما قضى السيف منهم أوطاره، وشفى الدين من دمائهم أواره (١): جمعوا منهم عددا ينيف بعد الأربعمائة على الأربعين، وجاءوا بهم فى الأصفاد مقرّنين، وامتلأت بغنائمهم-والحمد لله-أيدى المسلمين، وانقلبوا فرحين بما آتاهم الله مستبشرين». وإنما ذكرنا هذه القطعة الطويلة فى ختام الرسالة لندل على براعة كاتبها وأنه لم يكن يقلّ عن كتّاب المشرق بيانا وبلاغة. وفى ذلك ما يدل على أن الكتابة الديوانية فى العهد الحفصى رقيت رقيا بعيدا وأن كتّابها لم يكونوا يقلّون عن نظرائهم فى المشرق فصاحة لفظ ورصانة مع اصطفاء الكلام والملاءمة بين الكلمة والكلمة والسجعة والسجعة بحيث يجد القارئ لرسائلهم لذة ومتعة مع ما يجد فيها من الحقائق التاريخية كهذه الغارة على جزيرة غودش، غير أن الزمن لم يحتفظ بها جميعا، فضاعت فيما ضاع من نصوص أدبية تونسية. ٣ - الرسائل الشخصية إذا كان جمهور الرسائل الديوانية القيروانية والتونسية سقط من يد الزمن فإنه احتفظ بكثير من الرسائل الشخصية، ومن أوائل ما يلقانا منها رسالة استعطاف لداود القيروانى المتوفى حوالى سنة ٢١٠ هـ/٨٢٥ م وكان قد تقلد ديوان الرسائل لمحمد بن مقاتل العكّىّ فلما عزل وتولى على القيروان وإفريقية مكانه إبراهيم بن الأغلب سنة ١٨٤ هـ/٨٠٠ م اختفى داود أياما وكتب-من مخبئه يستعطف ابن الأغلب-رسالة يقول فيها (٢): «ذنبى عظيم، وخناقى ضيق، وحجتى ضعيفة، وعفو الأمير وطوله (٣) أعظم من ذلك كله، فإن تداركنى الأمير-أعزّه الله- بما أؤمّل فذلك الذى يشبهه وينسب إليه وأرجوه منه، وإن يعاقب فبالذنب الذى اجترمته (٤) وهو أحقّ بانتشالى من زلّتى، وإقالتى (٥) عن عثرتى. . والأمير أولى فىّ، وانظر منى لنفسى، وأعلى بما سألته ورغبت إليه فيه عينا ويدا، والله ولىّ توفيقه فيما عزم عليه من ذلك. أتمّ الله على الأمير نعمته» فعفا عنه الأمير إبراهيم بن الأغلب وقرّبه منه، واستكتبه، وعهد إليه فى مهماته واتخذه مستشارا فى أموره، وكان نعم الناصح له الأمين. واشتهر ابنه إبراهيم بإتقان الكتابة وعيّن مثل أبيه فى الدواوين الأغلبية. وإذا مضينا إلى عهد إبراهيم الأغلبى الثانى (٢٦١ - ٢٨٩) وجدناه يسخط على كاتبه الخاص البريدى محمد بن أحمد بن حيّون المتوفى سنة ٢٧٦ هـ/٨٨٩ م ويزج

стр. 4483

به فى غياهب السجون، فيرسل إليه رسالة طويلة مستعطفا، وفيها يقول (١): «لكرم العفو وعلوّ قدره وجليل خطره تسمّى الله به فسمّى نفسه: (الْعَفوّ) ﴿الْغَفُورُ﴾ والطّبع البشرىّ مركّب على النّقص، مقرون بالزّلل. . ولست-أيّد الله الأمير-ممن يدّعى العصمة والبراءة من الهفوة، ولست أمتّ (٢) إليك إلا بفضلك علىّ، وإحسانك إلىّ. . وإن من غرس غرسا فواجب أن لا يجتثّه (يقطعه) وإن أبطأ بسوقه (٣) بل يمدّه بمدد موارده العذبة حتى تمتدّ خيطانه (٤) وتورق أغصانه. أعاذك الله-بما أودعك من معالى الأخلاق-من ترك العفو عن مقرّ معترف لا يعرف إلا فضلك، ولا يرجو إلا عدلك. . فالحظنى بعين عفوك، وأضف (٥) (أسبغ) علىّ ستر نعمتك». ويبدو أن ذنب البريدى كان كبيرا فلم يلن له قلب إبراهيم الثانى الأغلبى ولا صفح عنه، بل أمر بقتله وسفك دمه. وتكثر الرسائل الشخصية فى عصر الدولة الصنهاجية، وسنخص إبراهيم الحصرى صاحب زهر الآداب بكلمة عنه وعن رسائله. ونلتقى بابن شرف القيروانى المترجم له بين أصحاب المراثى للمدن والدول، وكما كان شاعرا مبدعا كان ناثرا مبدعا، وقد رحل إلى الأندلس بعد ما نزل بالقيروان من طوفان الأعراب الهلاليين، كما أسلفنا، وترجم له ابن بسام فى ذخيرته ترجمة ضافية، وذكر له فصلا من رسالة خاطب بها المظفر بن الأفطس أمير بطليوس، وفيها يقول (٦): «كتبت وشوقى إلى شرف لقياه، وشبم (٧) سقياه، شوق القارظين (٨) إلى سكون وسكنى، والقيسين إلى ليلى ولبنى. . والله ببلوغ الأمل خير كفيل، والشيخ يهدمه الشتاء وقد رأيت طوفان قرطبة يقيم دهرا، وإنما أقام طوفان نوح شهرا». ويذكر له ابن بسام فصولا نثرية يبدو أنه حبّرها للكتّاب كى ينتفعوا بها فى رسائلهم المختلفة فى مديح أمير أو وزير أو قائد أو قاض أو كاتب أو فقيه زاهد، من ذلك فصل يصلح أن يكتب به إلى حاكم أو وزير، وفيه يقول (٩): «يقدّم الحزم، ويثنّى بالعزم، يشاور ذوى الألباب على أن رأيه لباب، يثب وثوب اللّيث،

стр. 4484

ويتدفّق دفوق الغيث، ويراوح بين العجل والرّيث، نومه غرار (١) واضطرار، وحاجاته سرار (٢) ثم اقتدار، لا تثبّطه الظّلل ولا الظّلال، ولا تطّبيه (٣) الكلل ولا يثنيه الكلال (التعب). رأيه قبسه (مصباحه) وعزمه فرسه، وبصيرته بصره، وصدره ورده وصدره (٤)». وبهذه المقدرة الأدبية البديعة تتوالى هذه الفصول النثرية فى المديح للحكام والوزراء ورجال الدولة من قواد وقضاة وكتّاب، ويورد له ابن بسام فصولا أخرى فى الذم لا تقل عن الفصول السابقة فى روعتها الأدبية، وفى أول فصولها يقول (٥). «فلان غوره أقرب قريب، وقلبه مورود القليب (٦)، فسرائره مكشوفة، ودخيلته معروفة، كتمانه إخبار، وتدبيره إدبار، رأيه وراء، وساحته عراء، حسّه هامد، وفهمه جامد، لا يعرف الرّشد من الغىّ، ولا يفرّق بين التّقبيل والكىّ، طلل بال، لا يخطر على بال، الشمس عنده سها (٧) والحمق نهى (٨). لا يعلم راسه، من أين أنفاسه، ولا يدرى دماغه، أين أصداغه». والفصل يموج كسابقه بالسجع المختار والألفاظ المنتخبة والطباقات والجناسات وناهيك بما يحمل الفصل فى سجعه من روعة، مما يزين وقعه فى الأذن والنفس، إذ ما تزال الإرنانات متصلة فى الكلام، وما يزال جرسها يمتع الأسماع والأفئدة، مع ما يبهر من الألفاظ الثلاثية التى تطير عن الأفواه فى خفة. ويلقانا بعد ابن شرف علىّ الحصرى الذى مرت ترجمته بين شعراء الغزل، وقد ترجم له ابن بسام فى ذخيرته، وأورد له فصولا من بعض رسائل، استهلها بالفصل التالى له من رسالة (٩). «السلام عليك أيها القلب الثانى، والبعيد الدانى، الراقى فى سماء المعالى، الواقى من داء الليالى، أول من عددت، وأفضل من أعددت، ومن لا زال النسيم فى البكر والعشيّات، يهدى إليه أطيب التحيات، ومن جعلت وقاءه، ولا عدمت لقاءه، وإذا كان الكريم سالما، كان الزمان مسالما». وفى سجعه نفس العذوبة التى مرت فى سجع ابن شرف، وفيه الطباقات وكثير من الجناسات، ومع كثرتها لا يشوبها أى تكلف، وكأنه يستمدها من نبع فيّاض لا ينضب، وكانت قد نشبت بينه وبين ابن الطراوة النحوى الأندلسى المشهور المتوفى سنة ٥٢٨ هـ/١١٣٣ م خصومة

стр. 4485

ومخاطبات نال كل منهما فيها من صاحبه، ويذكر ابن بسام له فصلا من إحدى مخاطباته ورسائله إلى ابن الطراوة، وفيه يقول (١): «ما حياتى بين الحيّات، وثباتى فى الجميع أو الثبات (٢) وقد حانت وفاة الوفاء، وخانت صفات الصفاء، وأردانى (٣) الزمان بأردانه (٤) وأعيانى بتقلب أعيانه. الجاهل هو الحاظى (٥) والعالم مبخوس الأحاظى (٦). . ومما أضحكنى ملء فىّ، وأطاشنى وليس الطّيش فىّ، هذا المتنحوىّ (٧) المتنّخوىّ (٨) نظمت قصيدة سميتها سهم الشهم، وضمّنتها مسائل لا تخفى على أولى الفهم، فما بلغته حتى دمغته (٩) وألقاها كأنها حية لدغته. أيها المموّه بجهله، والمدعى العلم وليس من أهله، سكرت فصحوك لا يجديك. . وكأنى بمن ضمّك قد ضامك (ظلمك)، وبمن لمّك قد لامك. وزعم هذا الأهوج الأعوج أنه لم يعرف رسمى، ولا سمع باسمى، كأنما ولد بالأمس، أو بعث من الرّمس (القبر)، أو عمى عن الشمس». وكأنما بلغت القيروان فى القرن الخامس عند ابن شرف وعلى الحصرى كل ما كانت تحلم به من روعة وإبداع فى الكتابة الأدبية وأسجاعها القصيرة وألفاظها المنتخبة الرشيقة، ونمضى إلى عصر الدولة الحفصية، ويرسل أبو الفضل التجّانى المتوفى سنة ٧١٨ رسالة إخوانية يتودد فيها إلى ابن عمه عبد الله التّجانى صاحب الرحلة المشهورة فى أثناء رحلته بالقسم الجنوبى من الإقليم التونسى آملا فى لقاء قريب به، وفيها يقول (١٠): «هذا الزمن الذى أوقع ريبا واشتعل الرأس به شيبا، سرعان ما تتقهقر القواطع منه مقصرة، وتمحو ليله آية النهار مبصرة، وتلقى حبلاه من سقط الفرقة مضغة، ويرجع راجع الشباب صبغة الله (ومن أحسن من الله صبغة) وإذ كان يعيده حامل كلام، ويردّه واصل سلام، فما ظنّك به حين يلتقى المقيم والآيب، وتقبل الركائب، وتراح من جذب البرى (١١)، ويراح (١٢) إلى جنّة القرب ونار القرى (١٣) وحينئذ تتصل الأفراح، وأنشد: من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (١٤)» والقطعة مسجوعة وتحمل كثيرا من الصور وبها طباقات وجناسات واقتباس من الذكر
следующие страницы →