← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

نشاهد من إخائه الكريم، فى ذات الربّ الرحيم، قبلة صفاء لم تغيّرها يد بعاد ولا انتزاح، ونثابر من حفظ عهده، والقيام بحق ودّه، على ما يؤكد معرفة الخلوص من لدن تعارف الأرواح، ونبادر لما يبعث القلوب على الائتلاف، والأمن بفضل الله من عوائق الاختلاف، وإن شحطت الدار وتناءت الصور والأشباح، ونعترف بما له من مزيد الإعظام بمجاورة البيت الحرام، والقيام بما هنالك من مطالع الوحى الكريم ومشاعر الصلاح، ونجتلى من أنوائه الكريمة الشريفة، ومطالعه العالية المنيفة، وجوه البشائر رائعة الغرر والأوضاح. . ونبتهل إلى الله بالدعاء أن يخبرنا عنه، ويطلعنا منه على ما يقرّ عيون الفوز ويشرح صدور النجاح، السلطان الجليل الطاهر، الملك الأعظم الظاهر. . أبى سعيد برقوق» وواضح أن الكاتب الحفصىّ لم يكتف فى مستهل رسالته بالأسجاع الحائية، فقد ضمن كل سجعة سجعتين داخليتين، وكأن السجع فى الرسائل الحفصية أصابه ما أصاب السجع فى الرسائل الديوانية-منذ القاضى الفاضل وزير صلاح الدين الأيوبى-من تطويل لتضم السجعة تحت جناحيها سجعتين داخليتين كما فى هذه القطعة من الرسالة. ويمضى فى الرسالة فيحمد الله ناظم الشمل وجابر الصّدع الذى قرن بالعسر يسرا. ثم يصلى ويسلّم على الرسول الذى صدعت بالحقّ آياته، وقامت بحجة دعواه معجزاته. . ويضيف الصلاة على آله وأصحابه أولياء دينه الكريم وولاته، وأنصار حزبه المفلح وحماته، وليوث دفاعه فى صدور الأعداء وكماته. ويدعو الكاتب لخليفته، ويذكر للسلطان برقوق أنهم ظلوا حين عزل عن السلطنة يدعون له أن يردّ الأمر إلى نصابه، ويطيل فى تهنئته بنصره، ويشيد برسالة السلطان برقوق إليه بأنه استعاد سلطانه، ويذكر انتصارا لأسطوله إذ أغار على بعض جزر البحر المتوسط وكان صاحبها أغار على الساحل التونسى، يقول: فلم نزل نبيح لأساطيلنا المنصورة حرمه وحماه، ونطرق طروق الغارة الشّعواء بلاده وقراه، ونكتسح بأيدى الاستلاب ما جمعت بها يداه إلى أن ذاقوا من ذلك وبال أمرهم، وتعرّفوا عاقبة مكرهم. وكان من جرائرهم المعترضة شجا فى حلوق الخطّار (١)، ومتجشّمى الأخطار، وركّاب البحار، من الحجاج والتجّار، جزيرة غودش (٢) وبها من أعداء الله جمّ كثير، وجمع كبير، فأرسلنا عليهم منن أسطولنا المنصور غربانا (٣) نعقت عليهم بالمنون، وعرّفت المسلمين بركة هذا الطائر الميمون. . وسارت تحت أجنحة النجاح إليها، إلى أن رمت مخالب مراسيها عليها، فلما نزلوا بساحتها، وكبّروا تكبيرة الإسلام لإباحتها، بهت الذى كفر، وودّ الفرار والحين (الموت) يناديه

стр. 4482

أين المفرّ، فلما قضى السيف منهم أوطاره، وشفى الدين من دمائهم أواره (١): جمعوا منهم عددا ينيف بعد الأربعمائة على الأربعين، وجاءوا بهم فى الأصفاد مقرّنين، وامتلأت بغنائمهم-والحمد لله-أيدى المسلمين، وانقلبوا فرحين بما آتاهم الله مستبشرين». وإنما ذكرنا هذه القطعة الطويلة فى ختام الرسالة لندل على براعة كاتبها وأنه لم يكن يقلّ عن كتّاب المشرق بيانا وبلاغة. وفى ذلك ما يدل على أن الكتابة الديوانية فى العهد الحفصى رقيت رقيا بعيدا وأن كتّابها لم يكونوا يقلّون عن نظرائهم فى المشرق فصاحة لفظ ورصانة مع اصطفاء الكلام والملاءمة بين الكلمة والكلمة والسجعة والسجعة بحيث يجد القارئ لرسائلهم لذة ومتعة مع ما يجد فيها من الحقائق التاريخية كهذه الغارة على جزيرة غودش، غير أن الزمن لم يحتفظ بها جميعا، فضاعت فيما ضاع من نصوص أدبية تونسية. ٣ - الرسائل الشخصية إذا كان جمهور الرسائل الديوانية القيروانية والتونسية سقط من يد الزمن فإنه احتفظ بكثير من الرسائل الشخصية، ومن أوائل ما يلقانا منها رسالة استعطاف لداود القيروانى المتوفى حوالى سنة ٢١٠ هـ/٨٢٥ م وكان قد تقلد ديوان الرسائل لمحمد بن مقاتل العكّىّ فلما عزل وتولى على القيروان وإفريقية مكانه إبراهيم بن الأغلب سنة ١٨٤ هـ/٨٠٠ م اختفى داود أياما وكتب-من مخبئه يستعطف ابن الأغلب-رسالة يقول فيها (٢): «ذنبى عظيم، وخناقى ضيق، وحجتى ضعيفة، وعفو الأمير وطوله (٣) أعظم من ذلك كله، فإن تداركنى الأمير-أعزّه الله- بما أؤمّل فذلك الذى يشبهه وينسب إليه وأرجوه منه، وإن يعاقب فبالذنب الذى اجترمته (٤) وهو أحقّ بانتشالى من زلّتى، وإقالتى (٥) عن عثرتى. . والأمير أولى فىّ، وانظر منى لنفسى، وأعلى بما سألته ورغبت إليه فيه عينا ويدا، والله ولىّ توفيقه فيما عزم عليه من ذلك. أتمّ الله على الأمير نعمته» فعفا عنه الأمير إبراهيم بن الأغلب وقرّبه منه، واستكتبه، وعهد إليه فى مهماته واتخذه مستشارا فى أموره، وكان نعم الناصح له الأمين. واشتهر ابنه إبراهيم بإتقان الكتابة وعيّن مثل أبيه فى الدواوين الأغلبية. وإذا مضينا إلى عهد إبراهيم الأغلبى الثانى (٢٦١ - ٢٨٩) وجدناه يسخط على كاتبه الخاص البريدى محمد بن أحمد بن حيّون المتوفى سنة ٢٧٦ هـ/٨٨٩ م ويزج

стр. 4483

به فى غياهب السجون، فيرسل إليه رسالة طويلة مستعطفا، وفيها يقول (١): «لكرم العفو وعلوّ قدره وجليل خطره تسمّى الله به فسمّى نفسه: (الْعَفوّ) ﴿الْغَفُورُ﴾ والطّبع البشرىّ مركّب على النّقص، مقرون بالزّلل. . ولست-أيّد الله الأمير-ممن يدّعى العصمة والبراءة من الهفوة، ولست أمتّ (٢) إليك إلا بفضلك علىّ، وإحسانك إلىّ. . وإن من غرس غرسا فواجب أن لا يجتثّه (يقطعه) وإن أبطأ بسوقه (٣) بل يمدّه بمدد موارده العذبة حتى تمتدّ خيطانه (٤) وتورق أغصانه. أعاذك الله-بما أودعك من معالى الأخلاق-من ترك العفو عن مقرّ معترف لا يعرف إلا فضلك، ولا يرجو إلا عدلك. . فالحظنى بعين عفوك، وأضف (٥) (أسبغ) علىّ ستر نعمتك». ويبدو أن ذنب البريدى كان كبيرا فلم يلن له قلب إبراهيم الثانى الأغلبى ولا صفح عنه، بل أمر بقتله وسفك دمه. وتكثر الرسائل الشخصية فى عصر الدولة الصنهاجية، وسنخص إبراهيم الحصرى صاحب زهر الآداب بكلمة عنه وعن رسائله. ونلتقى بابن شرف القيروانى المترجم له بين أصحاب المراثى للمدن والدول، وكما كان شاعرا مبدعا كان ناثرا مبدعا، وقد رحل إلى الأندلس بعد ما نزل بالقيروان من طوفان الأعراب الهلاليين، كما أسلفنا، وترجم له ابن بسام فى ذخيرته ترجمة ضافية، وذكر له فصلا من رسالة خاطب بها المظفر بن الأفطس أمير بطليوس، وفيها يقول (٦): «كتبت وشوقى إلى شرف لقياه، وشبم (٧) سقياه، شوق القارظين (٨) إلى سكون وسكنى، والقيسين إلى ليلى ولبنى. . والله ببلوغ الأمل خير كفيل، والشيخ يهدمه الشتاء وقد رأيت طوفان قرطبة يقيم دهرا، وإنما أقام طوفان نوح شهرا». ويذكر له ابن بسام فصولا نثرية يبدو أنه حبّرها للكتّاب كى ينتفعوا بها فى رسائلهم المختلفة فى مديح أمير أو وزير أو قائد أو قاض أو كاتب أو فقيه زاهد، من ذلك فصل يصلح أن يكتب به إلى حاكم أو وزير، وفيه يقول (٩): «يقدّم الحزم، ويثنّى بالعزم، يشاور ذوى الألباب على أن رأيه لباب، يثب وثوب اللّيث،

стр. 4484

ويتدفّق دفوق الغيث، ويراوح بين العجل والرّيث، نومه غرار (١) واضطرار، وحاجاته سرار (٢) ثم اقتدار، لا تثبّطه الظّلل ولا الظّلال، ولا تطّبيه (٣) الكلل ولا يثنيه الكلال (التعب). رأيه قبسه (مصباحه) وعزمه فرسه، وبصيرته بصره، وصدره ورده وصدره (٤)». وبهذه المقدرة الأدبية البديعة تتوالى هذه الفصول النثرية فى المديح للحكام والوزراء ورجال الدولة من قواد وقضاة وكتّاب، ويورد له ابن بسام فصولا أخرى فى الذم لا تقل عن الفصول السابقة فى روعتها الأدبية، وفى أول فصولها يقول (٥). «فلان غوره أقرب قريب، وقلبه مورود القليب (٦)، فسرائره مكشوفة، ودخيلته معروفة، كتمانه إخبار، وتدبيره إدبار، رأيه وراء، وساحته عراء، حسّه هامد، وفهمه جامد، لا يعرف الرّشد من الغىّ، ولا يفرّق بين التّقبيل والكىّ، طلل بال، لا يخطر على بال، الشمس عنده سها (٧) والحمق نهى (٨). لا يعلم راسه، من أين أنفاسه، ولا يدرى دماغه، أين أصداغه». والفصل يموج كسابقه بالسجع المختار والألفاظ المنتخبة والطباقات والجناسات وناهيك بما يحمل الفصل فى سجعه من روعة، مما يزين وقعه فى الأذن والنفس، إذ ما تزال الإرنانات متصلة فى الكلام، وما يزال جرسها يمتع الأسماع والأفئدة، مع ما يبهر من الألفاظ الثلاثية التى تطير عن الأفواه فى خفة. ويلقانا بعد ابن شرف علىّ الحصرى الذى مرت ترجمته بين شعراء الغزل، وقد ترجم له ابن بسام فى ذخيرته، وأورد له فصولا من بعض رسائل، استهلها بالفصل التالى له من رسالة (٩). «السلام عليك أيها القلب الثانى، والبعيد الدانى، الراقى فى سماء المعالى، الواقى من داء الليالى، أول من عددت، وأفضل من أعددت، ومن لا زال النسيم فى البكر والعشيّات، يهدى إليه أطيب التحيات، ومن جعلت وقاءه، ولا عدمت لقاءه، وإذا كان الكريم سالما، كان الزمان مسالما». وفى سجعه نفس العذوبة التى مرت فى سجع ابن شرف، وفيه الطباقات وكثير من الجناسات، ومع كثرتها لا يشوبها أى تكلف، وكأنه يستمدها من نبع فيّاض لا ينضب، وكانت قد نشبت بينه وبين ابن الطراوة النحوى الأندلسى المشهور المتوفى سنة ٥٢٨ هـ/١١٣٣ م خصومة

стр. 4485

ومخاطبات نال كل منهما فيها من صاحبه، ويذكر ابن بسام له فصلا من إحدى مخاطباته ورسائله إلى ابن الطراوة، وفيه يقول (١): «ما حياتى بين الحيّات، وثباتى فى الجميع أو الثبات (٢) وقد حانت وفاة الوفاء، وخانت صفات الصفاء، وأردانى (٣) الزمان بأردانه (٤) وأعيانى بتقلب أعيانه. الجاهل هو الحاظى (٥) والعالم مبخوس الأحاظى (٦). . ومما أضحكنى ملء فىّ، وأطاشنى وليس الطّيش فىّ، هذا المتنحوىّ (٧) المتنّخوىّ (٨) نظمت قصيدة سميتها سهم الشهم، وضمّنتها مسائل لا تخفى على أولى الفهم، فما بلغته حتى دمغته (٩) وألقاها كأنها حية لدغته. أيها المموّه بجهله، والمدعى العلم وليس من أهله، سكرت فصحوك لا يجديك. . وكأنى بمن ضمّك قد ضامك (ظلمك)، وبمن لمّك قد لامك. وزعم هذا الأهوج الأعوج أنه لم يعرف رسمى، ولا سمع باسمى، كأنما ولد بالأمس، أو بعث من الرّمس (القبر)، أو عمى عن الشمس». وكأنما بلغت القيروان فى القرن الخامس عند ابن شرف وعلى الحصرى كل ما كانت تحلم به من روعة وإبداع فى الكتابة الأدبية وأسجاعها القصيرة وألفاظها المنتخبة الرشيقة، ونمضى إلى عصر الدولة الحفصية، ويرسل أبو الفضل التجّانى المتوفى سنة ٧١٨ رسالة إخوانية يتودد فيها إلى ابن عمه عبد الله التّجانى صاحب الرحلة المشهورة فى أثناء رحلته بالقسم الجنوبى من الإقليم التونسى آملا فى لقاء قريب به، وفيها يقول (١٠): «هذا الزمن الذى أوقع ريبا واشتعل الرأس به شيبا، سرعان ما تتقهقر القواطع منه مقصرة، وتمحو ليله آية النهار مبصرة، وتلقى حبلاه من سقط الفرقة مضغة، ويرجع راجع الشباب صبغة الله (ومن أحسن من الله صبغة) وإذ كان يعيده حامل كلام، ويردّه واصل سلام، فما ظنّك به حين يلتقى المقيم والآيب، وتقبل الركائب، وتراح من جذب البرى (١١)، ويراح (١٢) إلى جنّة القرب ونار القرى (١٣) وحينئذ تتصل الأفراح، وأنشد: من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (١٤)» والقطعة مسجوعة وتحمل كثيرا من الصور وبها طباقات وجناسات واقتباس من الذكر

стр. 4486

الحكيم واستشهاد ببيت سعد بن مالك فى حرب بكر وتغلب معرّضا فيه بالحارث بن عباد حين اعتزل هذه الحرب، وهى تصوّر براعة كاتبها الأدبية، وكان يتقلد رياسة ديوان الإنشاء أيام الخليفة الحفصى أبى يحيى زكريا المشهور باللحيانى وابنه محمد الملقّب بأبى ضربة. ومن كتاب الرسائل الشخصية فى هذا العصر ابن خلدون، وسنخصه بكلمة. وتتكاثر الرسائل فى العصر العثمانى، من ذلك رسالة تعزية لعلى الغراب الصفاقسى يعزى صديقا له فى أمه ومن قوله فيها (١): «ترك القلب بعد المسرّة أسيفا، وقرع الأسماع قرعا عنيفا، ذكر ما أصبت به فى مبدأ لوحتك (٢)، ومنبت دوحتك، ومنبع مشربك، ومطلع كوكبك، حيث أجابت الدواعى العلويّة، إذ قالت لها ﴿اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. . فعزّ علينا-والله-هذا المصاب، وبلغنا من الحزن بهذا الرّزء (٣) النّصاب (الغاية). . فتأسّ يا أخى بصبر ذوى الألباب، وادّخر ما أصبت به عند الله ليوم الحساب، فلا يخفاكم ما أعدّ للصابرين من الأجر والثواب ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أحسن الله لك بها العزاء، وجازاك الله أفضل الجزاء». والتكلف واضح فى هذه الرسالة، وعلى الغراب يكثر فى كتاباته من صور التصنع المختلفة، وسنعود إلى بيان ذلك فى الحديث عن مقاماته، ولمحمد ماضور المترجم له بين شعراء الغزل رسائل شخصية متعددة، من ذلك رسالة فى تهنئة صديق بالإبلال من مرض، وفيها يقول (٤): «سلام أعلى وأغلى، وأجلى وأحلى، وأبقى وأنقى، من سلام شائق لمشوق، ووامق لموموق، أخصّ به حضرة الموسوم بصدق الإخاء، فى الشدة والرخاء، لا زالت عيون السعادة تلاحظه، وأيادى الإيادة (التأييد) تفاوضه بمنّة الله تعالى، أما بعد فإنى أحمد الله لى ولك على العافية الكافية، والنعمة الضافية الوافية، أمدّها الله علينا امتداد رحمته، وأبقاها لدينا بقاء كرامته ومنّته». ولغه ماضور سهلة وليس فيها لفظ غريب ولا تكلف، وهى مسجوعة، مثلها فى ذلك مثل الرسائل الشخصية فى عصرها وقبل عصرها، إذ لم يستجب الكتاب إلى دعوة ابن خلدون بتخليص الرسائل من السجع، وكأنها كانت صرخة فى فلاة، والرسالة مكتظة بالجناسات زينة الكتابات الأدبية هى وأخواتها من المحسنات البديعية. وله من رسالة يعزّى صديقا فى رزء أصابه (٥): «كتابى هذا عن نفس مستطارة بلوعتها، وكبد مذابة بروعتها، وعن قلب شعاره برحاء (شدة) الجوى تفجعا لما فجعك، واشتراكا فى عظيم المصاب معك، وأسفا على من فقدناه فقدان

стр. 4487

السمع والبصر، ورمينا فيه بأعظم الحوادث والغير، وأى رزء ما أفظعه فى القلوب، وأى خطب ما أشنعه فى الخطوب. . وقد رمانى ساعد الزمان حين رماك، وأصمانى سهمه كما أصماك. . لا أعاد الله عليك بعد هذا الخطب خطبا، ولا أرجف لك قلبا». والاستعارات فى التعزية والجناسات تخلو من التكلف، والسجع ينزلق فى الرسالة- كسابقتها-عن اللسان بخفة، والألفاظ فيه متآخية كأنما بينها رحم وقرابة، لما بينها من تلاؤم فى الجرس ييسّرها فى النطق على اللسان، ويزيّنها فى السمع للآذان. ٤ - المقامات فن المقامة فن عربى عباسى ابتكره بديع الزمان عارضا فيه حيل الأدباء السيارين المحترفين للكدية أو الشحاذة الأدبية عن طريق ما يخلبون به الناس من فصاحتهم، وقد كتب مقاماته بأسلوب قصصى، واتخذ لها جميعا راوية هو عيسى بن هشام وبطلا هو أبو الفتح الإسكندرى، وعيسى يروى فى كل مقامة حيلة لأبى الفتح مع شئ من حواره معه فى أساليب أدبية مسجوعة بديعة. وتلقانا فى القيروان وتونس رسائل أدبية يسميها أصحابها مقامات، وهى لا تقوم-كما قامت عند بديع الزمان والحريرى بعده-على الكدية أو الشحاذة الأدبية، مما يجعل فى تسميتها مقامات ضربا من التجوز. ومن أقدمها فى القيروان رسالة نقدية لابن شرف سماها «رسائل الانتقاد» عرض فيها نحو أربعين شاعرا منذ العصر الجاهلى حتى عصره، وأتبع ذلك ببحث فى سقطات عدد من الشعراء وعيوبهم. وأحكامه على الشعراء مجملة وغير معللة غالبا، وهى بذلك ليست مقامة وإنما هى رسالة نقدية ولا نسمع بعد ذلك عن عمل لقيروانى حاكى به قصص الشحاذة الأدبية عند بديع الزمان والحريرى، حتى إذا كنا فى العصر العثمانى وجدنا غير شاعر ينسب إليه بعض المقامات، وأول ما يلقانا من ذلك ثلاث (١) مقامات للشاعر على الغراب الصفاقسى المترجم له بين شعراء المديح، وأولاها تسمى المقامة الباهية نسبة إلى الشيخ أبى العباس أحمد الباهى فى إتمامه مدرسة أحدثها لعهد الأمير على باى الأول، وقد حدثه بها أبو الصلاح مسعود عن أبى الثناء محمود الذى روى له أخبار تونس مفيضا فى مديحها ومديح الأمير على باى الأول. ثم يفيض فى وصف المدرسة ومبانيها وغرفها وصفا مسهبا، ثم يطنب فى تهنئة الشيخ الباهى وابنه بإتمام المدرسة ويختم المقامة بقصيدة فى مديح الشيخ. وواضح أن هذه المقامة ليس لها من فن المقامة شئ، أما فى حقيقتها فإنها رسالة تهنئة للشيخ الباهى المسماة باسمه. وسمى مقامته الثانية باسم المقامة الهندية نسبة إلى الهندى وهو التين الشوكى، وكان شخص ذمه فأخذ يبدئ ويعيد فى وصفه ووصف نموه على شجره قبل قطفه والالتذاذ

стр. 4488

بطعامه، وحاكى المقامة أبو سنان الهندى عن أبى عاصم الهندى، وليست مقامة إنما هى رسالة فى وصف التين الشوكى، ومقامته الثالثة اتخذ موضوعها عباءة كان كلّف حمودة بن عطاء الله بحملها وغسلها فأبطأ بها عليه، فكتب إليه هذه المقامة مداعبا، وفيها يقول: «المسئول من علىّ همتكم وشريف حرمتكم أن العباءة إذا كانت فى دائرة الوجود وعلى الوجود مشتملة، فأسرع إنفاذها على الحال اللازمة لها أو المنتقلة، وإلا فأخبرنا لنعرض عنها ونقول: ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها﴾ فإن الشتاء أرسل يخبرنا بموافاته. . وهذه العباءة غاشية (١) لجميع أهل بيتنا فى البرد، كافية للجمع منهم والفرد، ومنذ فقدت زمن ذلك الحر الكثير، لم يسألنى عنها منهم صغير ولا كبير، بل كلما أمال النوم رقابهم غلّقوا أبوابهم ﴿وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ ولما أن قطّب وجه الشتاء وعبس، وقد أصبح أنفه يتنفّس، صاروا كلما أقبلت ليلة شاتية، تتقلّب جنوبهم فى المضاجع كل ناحية، وقاموا قبل الفجر يسألوننى ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ وجعلوا يتأسفون على فقرهم إليها ويقولون: ﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ وليس الحديث عن هذه العباءة مقامة إنما هو رسالة أراد بها إلى الدعابة، ونراه فى هذه القطعة من الرسالة يقتبس مرارا من القرآن الكريم آيات يزين بها أسلوبه، وهو يكثر من ذلك فى مقاماته كما يكثر من التصنع لمصطلحات العروض والعلوم وخاصة النحو. وفى هذه القطعة من مصطلحاته الحال اللازمة والمنتقلة، وأيضا فإنه يكثر من التوريات، ويتكلف لذلك كله فى صور مختلفة. وللشاعر محمد الورغى ثلاث (٢) مقامات أيضا، سمى أولاها الباهية، وهى تتطابق مع المقامة الباهية لعلى الغراب فى أنها تتخذ موضوعها مديح الشيخ الباهى وابنه اسماعيل وهى بذلك مثل مقامة الغراب رسالة لا مقامة. وسمّى مقامته الثانية الورغية كتبها حين ختن على باى الثانى أولاده وأولاد أخيه محمد الرشيد، وفيها يفتخر بشعره ويضع نفسه فوق شعراء عصره، ويعارض قصيدة أحدهم ويتناولها بالنقد، وهى أيضا لا تشبه فن المقامة فى شئ إلا فى نسبتها إليه. وسمى المقامة الثالثة المقامة الخمرية كتبها حين هدم الأمير على باى الثانى الحانات فى عاصمته تونس، وجعل بطلها سعد السعود مكنيا به عن نفسه، وحاور فيها فتاة رامزا بها عن تونس، ويستهلها بقوله (٢): «يا رواة الأخبار، وحملة القول المختار، شمل الله جمعكم بسلام، وجمع شملكم فى دار السلام (٣). خير المتكلمين من حدّث بما نفع، وخير السامعين من أحرز وجمع، وخير ما قيل من

стр. 4489

الكلم، ما يقال لقائله: سلم، فاسمعوا الآن لحديث حسن، تخيرته فى سالف الزمن: كنت ممن حبّب إليه معاناة الأسفار، وخفّف عنه مفارقة الأوكار، ورأى أن من العجز تفضيل داره على دار، وأن من الأسر اتخاذ خليلة أو جار، وأن يقعد عن كسب يحويه ليوم تظهر فيه مساويه، فشددت على وسطى أطمارى (١)، وشمّرت لقطع المفاوز بإزارى» ويقول إنه رأى من البلاد ألوفا، وخالط من أهلها صنوفا، حتى ألقى عصاه بتونس ويسمى فتاة فيها أعجب بها «تونس» ويجرى على لسانها بعض أحوالها ويستطرد إلى مديح حاكمها على باى الثانى ويصفها لعهده على لسان فتاته، مشيدا بها وبه قائلا إنها: «محط الرحال، ومطمح الآمال، تجارتها نافقة، مبانيها رائقة، وسلعها ثمينة، ومياهها التى عمّت بها معينة، ومساجدها معمورة، وبركاتها منشورة، ومرتّباتها لمدرسيها جارية. . وأما خراج بلاده، فقد زاد على معتاده، لكثرة العمارة، بحسن سياسة الإمارة». وتطلب إليه الفتاة أن ينشئ قصيدة فى مديح الأمير على باى الثانى لهدمه حانات العاصمة، وينظم فيه قصيدة. وواضح أن هذه المقامة مثل أختيها أشبه برسالة منها بمقامة، ونلاحظ أن لغته فى مقاماته أخف وأعذب من لغة على الغراب فى مقاماته. ومثل مقاماتهما مقامة لحمودة بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٢٠٢ هـ/١٧٨٨ م. ولعل فيما قدمته ما يدل على أن فن المقامة لم يزدهر لا فى تونس ولا فى القيروان. بينما ازدهرت فنون النثر الأخرى وخاصة الرسائل الديوانية والشخصية، وحرى بنا أن نترجم لأشهر الكتاب ممن سميناهم، وهم أبو اليسر الشيبانى وإبراهيم الحصرى وابن خلدون. ٥ - كبار الكتاب أبو اليسر (٢) الشيبانى هو إبراهيم بن محمد الشيبانى ولد سنة ٢٢٣ هـ/٨٣٧ م ببغداد وبها المنشأ والمربى واختلف إلى حلقات شيوخها من المحدّثين والفقهاء واللغويين أمثال المبرد والأدباء أمثال الجاحظ وابن قتيبة، وبدا فيه ميل مبكر إلى الأدب جعله يلقى كبار الشعراء بها من أمثال البحترى وابن الرومى

стр. 4490

ويحمل عنهم دواوينهم، ويبدو أنه عمل فى دواوين الدولة العباسية فترة مع سعيد بن حميد وسليمان بن وهب وأمثالهما. وكان فيه ميل إلى الرحلة ولعله عرف ارتحال زرياب إلى الأندلس وما حقق لنفسه من النجاح العظيم لعهد عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) فرأى أن يؤم بدوره قرطبة، وقدمها فى زمن الأمير محمد بن عبد الرحمن (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ) وطوّف فى أنحاء الأندلس، ثم رأى أن يغادرها، ولا نعرف أسباب ذلك، وركب البحر إلى إفريقية، وقصد الأمير الأغلبى إبراهيم الثانى (٢٦١ - ٢٨٩ هـ) فلقيه لقاء حسنا، وعمل بدواوينه ولم يلبث أن اتخذه رئيسا لديوان الرسائل لم وجد عنده من الأدب الرفيع والترسل البليغ والشعر الرائق مع حصافة الفكر ومكارم الأخلاق، ويبدو أنه هو الذى دفع إبراهيم الثانى إلى تأسيس بيت الحكمة فى عاصمته رقادة، حتى إذا تولى زيادة الله الثالث عهد به إليه مع رياسته لديوان الانشاء، ويقول الكاتب الرقيق مؤرخ القيروان المشهور إنه هو الذى أدخل إلى إفريقية رسائل المحدثين وأشعارهم وأخبارهم، واستمرت له منزلته الرفيعة عند الأغالبة حتى إذا انتهت دولتهم سنة ٢٩٦ وخلفتها فى إفريقية الدولة الفاطمية أقرّه عبيد الله المهدى فى عمله مستعينا به فى توطيد حكمه، ولم يلبث أن توفى سنة ٢٩٨ هـ/٩١١ م بعد أن لقن ابنه وعددا من أبناء رقادة والقيروان أصول الكتابة الديوانية، ويذكر من ترجموا له مؤلفات لغوية وأدبية مختلفة، منها: سراج الهدى فى معانى القرآن وإعرابه ومشكله، ومسند فى الحديث، وكتاب لقط المرجان على شاكلة كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، ويقال إنه كان أكبر منه حجما. وخلّف بجانب ذلك مجموعة من الرسائل النثرية البليغة، واتخذ لبعضها أسماء مثل المرصّعة والمدبّجة والوحيدة والمؤنسة. وهو صاحب الرسالة العذراء التى نسبها محمد كرد على إلى إبراهيم بن المدبر فى كتاب رسائل البلغاء خطأ، وفى كتاب صبح الأعشى نصوص منها منسوبة إلى أبى اليسر مما يؤكد نسبتها إليه كما فى كتاب العصر العباسى الثانى ص ٥٢١ وأشار إلى هذه النسبة الدكتور محمد طه الحاجرى فى كتابه دراسات وصور من تاريخ الحياة الأدبية فى المغرب ص ١٠٧ ووثق نسبتها إلى أبى اليسر الدكتور محمود مكى فى بحث قدمه إلى المجمع اللغوى. والرسالة طويلة وتعرض بدقة موازين البلاغة وأدوات الكتابة، وهى-فى رأينا-أول رسالة عرضت فى تفصيل صناعة الكتابة الديوانية، ويذكر فى مطلعها أن شخصا طلب إليه أن يعرفه بآداب الكتّاب، ويطلب ممن يريد حذقها طول الاختلاف إلى العلماء ودراسة كتب الحكماء ورسائل المتقدمين والمتأخرين والوقوف على الأشعار والأخبار والسير والأسمار والخطب ومحاورات العرب ومعانى العجم وأمثالهم ورسائلهم وعهودهم، مع التزود بالنحو والصرف واللغة والفقه. ويقول إن من يريد التفوق فى صناعة الكتابة ينبغى أن يحسن اقتباس آى القرآن الكريم ووضعها بدقة فى مواضعها وكذلك الأمثال والأشعار. ونشعر أنه يستمد من الجاحظ

стр. 4491

كثيرا من أفكاره عن الكتابة الأدبية، وقد طالب-كما طالب الجاحظ من قبله-بالملاءمة الدقيقة بين الكلام وطبقات الناس، وبالمشاكلة بين الألفاظ والمعانى حتى توضع الألفاظ فى مواضعها. ونراه لا يرتضى-مستضيئا بابن قتيبة-عبارات فى الدعاء مثل: «أبقاك الله طويلا» فخير منها «أطال الله بقاءك» إذ العبارة الثانية فى رأيه أرجح وزنا وأنبه قدرا. ويطلب إلى الكاتب أن لا يستعمل الدعاء: «جعلت فداك» لأنه ابتذل حتى مجّته الأفواه، كما يطلب إليه أن يعرف لكل كلمة مكانها، ويضرب مثلا لتوضيح رأيه هو أن شخصا كتب إلى داود بن خلف الأصفهانى صاحب مذهب الظاهرية عن شخص آخر هذه العبارة: «وإن قال كذا فقد خرج عن الملة، والحمد لله» فقال له داود متعجبا من وضع الحمد فى عبارته: وتحمد الله على أن تخرج امرءا مسلما من الإسلام، هذا موضع استرجاع وللحمد مكان يليق به، وإنما يقال فى المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. ويقول أبو اليسر إنه يوضع مع ذكر الشكوى مثل: «والله المستعان» ومع ذكر البلوى: «نسأل الله صرف السوء» ومع ذكر النعم: «الحمد لله». ويستضئ بالجاحظ فى النهى عن الايجاز المفرط فى الرسائل والألفاظ المشتركة والمبهمة، ويدعو إلى الاستهلال فى مقدمات الرسائل بحيث يشير الكاتب فى صدرها إلى المراد منها. ويفيض فى أوصاف القلم واختيار مادته وطريقة بريه، ويتحدث عن القراطيس والكتابة فيها وطيّها ويلفت إلى كتابة التاريخ بالقياس إلى الشهر، فإن كان الماضى أقل من نصف الشهر قيل: لكذا ليلة مضت من شهر كذا وإن كان الباقى أقل من النصف قيل: لكذا ليلة بقيت. ويعود إلى الحديث عن وضع الألفاظ فى مواطنها بكل دقة وينهى من ليست له موهبة فى الكتابة عن الانتظام فى هذه الصناعة. وينقل عن الجاحظ إعجابه بالكتاب إذ التمسوا من الالفاظ ما ليس متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا، ويبين أهمية الرسائل المحبرة تحبيرا جيدا فى استنزال الجبابرة وأنها قد تصنع ما لا تصنعه الجيوش اللجبة، وينقل عن البيان والتبيين للجاحظ نقولا كثيرة مثل تعريف اليونان والروم والفرس للبلاغة والصحيفة التى دوّنها عن الهنود فى البلاغة، وأيضا ما سجله الجاحظ عن بعض بلغاء العرب والمتكلمين. وتأثير الجاحظ وابن قتيبة واضح فى الرسالة، وللجاحظ النصيب الأوفر. ولعل فى هذا التلخيص المجمل إجمالا شديدا للرسالة العذراء لأبى اليسر الشيبانى ما يوضح كيف أنه عنى عناية واسعة بنقل تقاليد الكتابة فى بغداد إلى إفريقية كما عنى زرياب قبله بنقل تقاليد الغناء البغدادى إلى الأندلس، وبدون ريب يفتتح أبو اليسر الشيبانى فى إفريقية للكتابة الديوانية عصرا جديدا بأكمله.

стр. 4492

إبراهيم (١) الحصرى هو أبو إسحاق إبراهيم بن على المشهور بالحصرىّ نسبة إلى قرية بحذاء القيروان اسمها الحصر، قال ابن رشيق فى التعريف به إنه «نشأ على الوراقة والنسخ لجودة خطه، وكان منزله لزيق جامع القيروان فكان الجامع بيته وخزانته، وفيه اجتماع الناس إليه ومعه. ونظر فى النحو والعروض. ولزمه شبان القيروان، وأخذ فى تأليف الأخبار وصنعة الأشعار، مما قرّبه إلى قلوبهم، فرأس عندهم، وشرف لديهم. ووصلت تأليفاته صقلية وغيرها وانثالت (انهالت) الصلات عليه، مات بالمنصورة (بالقرب من القيروان) سنة ٤١٣ وقد جاوز الأشدّ. وكان شاعرا نقادا عالما بتنزيل الكلام وتفصيل النظام، يحب المجانسة والمطابقة ويرغب فى الاستعارة تشبّها بأبى تمام فى أشعاره، وتتبعا لآثاره، وعنده من الطبع ما لو أرسله على سجيته لجرى جرى الماء، ورقّ رقة الهواء». ويتبع ابن رشيق فى الثناء عليه ابن بسام فى الذخيرة قائلا إنه كان صدر النّدىّ ونكتة الخبر الجلىّ، وديوان اللسان العربى، راض صعابه، وسلك أوديته وشعابه، وجمع أشتاته وأحيا مواته». وللحصرى مؤلفات أدبية بديعة، أهمها زهر الآداب وثمر الألباب المنشور فى أربع مجلدات، عارض به كتاب البيان والتبيين للجاحظ كما يقول ابن بسام «وما يقصر عنه مداه، ولا قصّرت خطاه، ولم يورد فيه كلام العرب كما صنع الجاحظ، وإنما أورد روائع العباسيين من الشعراء والكتاب حتى عصره، وكاد لا يترك لهم مقطوعة شعرية بديعة ولا رسالة أدبية رائعة إلا دوّنها، يسعفه ذوق مصفى وحس دقيق وشعور رقيق، وأكثر من الاختيار لبديع الزمان فلم يترك له رسالة بليغة ولا مقامة باهرة فى رأيه إلا دونهما فى كتابه، ونعجب أن يقدم لشباب الأدباء فى الإقليم التونسى مقامات بديع الزمان، ولا يصدرون عنها فى صنع مقاماتهم، غير أنهم إن كانوا عزفوا عما فى مقاماته من الكدية والشحاذة الأدبية فمما لا شك فيه أنهم مضوا يستوعبون ويتمثلون ما قدمه لهم من غذاء الشعر والنثر العباسى الرفيع، وهو غذاء ظل يحيا حياة متصلة فى جيله والأجيال بعده، ومن أجله كان الشباب فى إفريقية التونسية يلزمونه فى حياته ويلزمون آثاره بعد مماته، إذ كان له من التآليف بجانب زهر الآداب كتاب الجواهر فى الملح والنوادر وكتاب المصون والدرر المكنون وكتاب النورين أو نور الظّرف ونور الطرف، وجميعها مختارات من رسائل وأشعار «أندى-كما يقول ابن بسام-من نسيم الأسحار، وأذكى من شميم الأزهار» وقد عرض منها فصولا بديعة. وتهمنا الفصول التى اختارها من رسائله، ومما اختاره له من رسالة إخوانية قوله:

стр. 4493

«قد تقاريت الصفات، وتوازنت الذوات، وتكاشفنا لما تعارفنا، ورفعت الخلوة حجاب الاحتجاب، وحطّت الخلطة لثام الاكتتام، وكنا مع طول الامتحان والاختبار ومدة الالتباس والاختيار، نقنع من ارتفاع القناع بلمحة، ومن اتقاد الزّناد بقدحة، ونبرز العبارات، من معارض الإشارات، وغوامض الاستعارات، فى طراز يدق عن مسرى السّحر، ويرقّ عن مجرى الخمر. . ونختلس حركات البيان، فى سكنات الزمان، كما اختلس اللفظ المحبّ الكتوم، فهلمّ الآن إلى التصريح دون التعريض، والتصحيح دون التّمريض، وتعال نتلاطف، ونتكاشف، إذ قد لبسنا ثوب الأمان من الزمان». والجناسات كثيرة فى الرسالة، وبالمثل الطباقات فى السطور الأخيرة، والاستعارات كثيرة كثرة مفرطة، وكأنه لم يكن يكثر من هذه المحسنات البديعية فى الشعر فحسب، كما قال ابن رشيق، بل كان أيضا يكثر منها فى النثر. ومن فصل فى الإشادة بكتابة كاتب يقول: «إذا بدا القلم الأعلى براحته ... مطرّزا لرداء الفخر بالظّلم رأيت ما اسودّ فى الأبصار أبيض فى ... بصائر لحظها للفهم غير عم كروضة خطرت فى وشى زهرتها ... وافترّ نوّارها عن ثغر مبتسم وتبرّجت فى حللها وحليّها، وابتهجت بوسميّها (١) ووليّها (١)، فاجتنبت ما اشتهيت من خزاماها وعرارها (٢)، واجتليت ما رأيت من خيريّها وبهارها (٣)، ولثمت خدود وردها وسوسانها (٤)، ورشفت ثغور أقاحها وحوذانها (٥)، والتقطت مالا تخلق (٦) الأيام بهجته، ولا تغيّر الأعوام جدّته، من نور (٧) يقطف بالأسماع والأبصار، وزهر يتناول بالخواطر والأفكار، وسرّحت الطّرف، فيما يفوت الوصف، من غرائب إبداع، وعجائب اختراع، لم تفترعها (٨) الأسماع». والفصل ملئ بالاستعارات فسطور كتابة هذا الكاتب تطرّز بسوادها أو ظلمها رداء فخره، وما أشبه كتاباته بروضة تتمايل أغصانها بوشى زهرها، وتتلألأ البسمات على ثغور نوارها. ويمضى فى وصف الروضة طويلا مصورا بأزهارها كلماته، وكأنما أكبّ على خدود وردها يلثمه

стр. 4494

وعلى ثغور أقحوانها يرشفه، وظل يقطف من زهر خواطر هذا الكاتب وأفكاره العبقة، مسرّحا الطرف فيما يفوت الوصف. ويقول الحصرى من فصل مقذع فى الهجاء: «هو كليل الخاطر سقيم النّفس، صدئ القريحة عديم الحس، ذو طبع جاس (١)، وفهم قاس. . قد تعوّد لىّ الألسن بالسّباب، وغمز الأعين على الصّحاب، واستعمل الملق والكذاب، فهو بين جاهل متغافل، قد حشى قلبه رينا، وملئ لسانه مينا (٢)، وبين من سمائم نمائمه تلذع، وعقارب مكايده تلسع. . قد أسكرته خمرة الكبر، فخيّل إليه أن كسرى حامل غاشيته، وأن قارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته». وذمّ هذا الأديب المتعالى الدّعىّ شديد الإيلام، إذ لم يترك فيه الحصرى شيئا من نفس أو حسّ أو طبع أو ذهن أو خلق إلا وجرّحه، وكأنما يريد أن يمزقه تمزيقا، ووصفه بالكبر والتعالى حتى ليخال أن كسرى ملك الفرس من حشمه الذين يحملون من ورائه غاشيته وأن قارون صاحب الكنوز المشهور وكيل على نفقته، وأن بلقيس ملكة اليمن من حواضنه. ومضى يذكر له أنه يخال شعراء الجاهلية الكبار امرأ القيس والنابغة وزهيرا ليسوا شيئا مذكورا بجانبه. والرسالة طويلة ونظن طنا أن ابن زيدون استضاء بها فى رسالته الهزلية. ولعل فيما قدمت من هذه الفصول ما يشهد له بأنه كان كاتبا مبدعا إبداعا رائعا لا بما كان يزين به كتاباته من محسنات البديع فحسب، بل أيضا بما كان ينتخب من الألفاظ مسوّيا منها دررا متلاحقة. ابن (٣) خلدون هو ولى الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمى التونسى، ولد بتونس سنة ٧٣٢ هـ/١٣٣٢ م حتى إذا أيفع قرأ القرآن العظيم على أبى عبد الله بن برّال، وبعد أن استظهره قرأه عليه بالقراءات السبع المشهورة وبقراءة يعقوب أحد العشرة، وعرض عليه الشاطبيتين فى القراءات وكتاب التقصّى لأحاديث الموطّأ لابن عبد البر وكتاب التسهيل فى النحو لابن مالك ومختصر ابن الحاجب فى الفقه، وفى خلال ذلك تعلّم صناعة العربية على والده

стр. 4495

وعلى الشيخين الحصائرى والزرزالى، وعلى إمام العربية والأدب بتونس أبى عبد الله بن بحر وأشار عليه بحفظ الشعر فحفظ كتاب الأشعار الستة للأعلم وكتاب الحماسة وشعر أبى تمام وطائفة من أشعار المتنبى وسقط الزند للمعرى ولازم مجلس الحافظ ابن جابر الوادى آشىّ وسمع عليه صحيح مسلم، وكتاب الموطّأ، وأجازه إجازة عامة. وأخذ الفقه عن جماعة منهم أبو القاسم محمد بن القصير قرأ عليه كتاب التهذيب للبرادعى ومختصر المدوّنة وتفقه عليه، وفى خلال ذلك كان يحضر مجلس الإمام محمد بن عبد السلام، وعليه سمع كتاب الموطأ. ولما ملك السلطان أبو الحسن المرينى تونس سنة ٧٤٨ هـ/١٣٤٨ م أحضر معه جماعة كبيرة من علماء فاس، فاستمع إليهم وانتفع بهم، وبخاصة من الشيخ أبى عبد الله الأبلى التلمسانى تلميذ ابن البناء المراكشى، وعنه أخذ الأصلين والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية. وواضح من ذلك أن ابن خلدون كان-منذ نشأ-يكب على تحصيل العلوم بل يلتهمها التهاما، وقد لفت إليه معاصريه منذ حداثته، مما جعل أبا محمد بن تافراكين المستبد بالدولة بعد رحيل السلطان أبى الحسن المرينى عن تونس يستدعيه سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م لكتابة العلامة عن الخليفة الحفصى أبى إسحاق وهى وضع كلمة «الحمد لله والشكر لله» بقلم غليظ بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مكاتبة، وفى سنة ٧٥٣ هـ/١٣٥٣ م استدعاه السلطان المرينى أبو عنان فارس لينتظم فى سلك رجال دولته، ولبّاه، فأكرم وفادته عليه، وعهد إليه سنة ٧٥٦ هـ/١٣٥٦ م بالكتابة والتوقيع بين يديه، ونفس عليه بعض من حوله هذه المكانة عند السلطان وأخذوا يدسّون عليه فاعتقله السلطان سنة ٧٥٨ هـ/١٣٥٧ م وظل فى معتقله حتى توفى سنة ٧٦٠ هـ/١٣٥٩ م وردّت إليه حريته بعد وفاته، ولحق بالسلطان أبى سالم وولاه كتابة السر والإنشاء حتى توفى سنة ٧٦٤ هـ/١٣٦٣ م ودخل بعده إلى غرناطة بالأندلس واحتفى به سلطانها ابن الأحمر ووزيره لسان الدين بن الخطيب، وتوثقت الصلة بينه وبين الوزير، وأرسله السلطان سنة ٧٦٥ هـ/١٣٦٤ م فى سفارة إلى ملك قشتالة، ونجح فى سفارته وسرعان ما أخذ أهل السعايات يفسدون ابن الخطيب عليه، وأحسّ منه شيئا من الانقباض لم يكن عهده فيه، وكانت قد وردت عليه كتب من الأمير أبى عبد الله صاحب بجاية يستدعيه، فصمم على مغادرة غرناطة وركب البحر سنة ٧٦٦ هـ/١٣٦٥ م إلى بجاية، واحتفل أميرها ورجال دولته به، وخلع عليه، وأخذ يستعين به فى تدبير حكمه، وأسند إليه خطابة الجامع، ودرّس للطلاب، وقتل وخلفه أخوه، وأحسّ بالسعايات تكثر ضده، وجاءه كتاب من السلطان أبى حمو صاحب تلمسان فى الجزائر سنة ٧٦٩ هـ/١٣٦٨ م يستدعيه-وهو بمدينة بسكرة-لحجابته، فلبّاه، وظل عنده حتى سنة ٧٧٤ هـ/١٣٧٣ م إذ استدعاه السلطان المرينى عبد العزيز ليعمل معه، وارتحل إليه، غير أنه توفى قيبل قدومه عليه، ولقيه الوزير أبو بكر بن غازى لقاء كريما، وأحسّ بدسائس تحاك ضده من

стр. 4496

حوله، فرحل إلى غرناطة سنة ٧٧٦ هـ/١٣٧٥ م رحلته الثانية، وسرعان ما أخذ أهل الدولة بفاس يدسون ضده عند سلطانها ويحثونه على إعادته إلى تلمسان، وعاد إليها وأحسّ ريبة من أبى حمو سلطانها لتركه له وعمله مع الدولة المرينية، فخرج من تلمسان واتجه إلى أحياء أولاد عريف فى البادية فأكرموه، ومكث بينهم مع أسرته أربعة أعوام، نزل فيها مع أهله بقلعة ابن سلامة فى جبل بنى راشد وأسكنوه فيها قصرا، اختلى فيه لوضع أصول كتابه العبر ومقدمته، وأحسّ أنه محتاج إلى مطالعة أمهات الكتب فى مكتبات الدولة الحفصية فى تونس ليستعين بها فى تاريخه منقحا ومصححا وارتحل فى سنة ٧٨٠ هـ/١٣٧٩ م يريد تونس ولقى فى سوسة سلطانها. فراجعه وذكر له أنه يريد الرجوع إلى تونس مسكن آبائه، فجهزه إليها، وعاد إلى عشّه الذى درج منه، وكان السلطان قد أمر نائبه فيها أن يهيئ له منزلا كريما مع راتب كاف. وعاد السلطان الحفصى إلى عاصمته، وأخذ يستشيره فى شئون الدولة، وطلب إليه الإكباب على تكملة تاريخه، وأكمله وأهدى الخزانة الحفصية الكبيرة منه نسخة، وأحسّ بسعايات ضده عند السلطان الحفصى فقرر مغادرة تونس متعللا بالحج وركب البحر إلى الإسكندرية سنة ٧٨٤ هـ/١٣٨٣ م ودخل القاهرة وانهال عليه طلابها يريدون الاستماع إليه، فانتصب للتدريس بالجامع الأزهر، يقرأ لهم كتاب الأصول للإمام المصرى المالكى ابن الحاجب، وأخذت شهرته تتتسع فى أروقة العلماء والأمراء، ولقى السلطان المملوكى برقوق فآنسه ووفّر راتبه، وولاّه التدريس فى المدرسة القمحية بجوار جامع عمرو أهم مدارس الفقهاء المالكية بمصر. والتمس منه ابن خلدون أن يرسل إلى الخليفة الحفصى بتونس رسالة يرجوه فيها أن يرسل إليه أسرته بحرا، وأرسلها، غير أنه لم يكتب له أن يرى أحدا من أهله، فقد غرقت السفينة بكل من كان فيها، وحزن حزنا شديدا. وكان برقوق قلّده قضاء القضاة المالكية سنة ٧٨٦ هـ/١٣٨٥ م بالإضافة إلى تدريسه فى المدرسة القمحية وكثر الشغب عليه وأظلم الجو بينه وبين أهل الدولة، ووافق ذلك مصابه فى أهله وولده، وعظم جزعه، فاعتزم الخروج من منصب القضاء والخلوص للعبادة والتدريس، وظل مترددا، حتى إذا عرف برقوق رغبته أخلاه من هذا المنصب سنة ٧٨٧ هـ/١٣٨٦ م. ومكث بعد عزله منه نحو سنتين فى حال رفعة وعز من تردد الطلاب والعلماء ووجوه القاهرة إليه، وتوجه إلى أداء فريضة الحج سنة ٧٨٩ هـ/١٣٨٨ م فقضى النسك وعاد إلى القاهرة محفوفا بمحبة الناس وتجلّتهم له إلى أن رأى السلطان أن يقلّده القضاء ثانية فى سنة ٨٠١ هـ/١٣٩٨ م وصرف عنه فى سنة ٨٠٣. ولم يلبث أن خرج مع السلطان فرج للقاء تيمور لنك وإعصاره التتارى، وهزم فرج وجيشه بالقرب من دمشق وخرج ابن خلدون مع وفد للقاء تيمور لنك والتفاوض معه فى تسليم دمشق ووعظه وعظا طويلا استطاع به أن يفديها من النهب والسلب وما كان يأتى جيش تيمور لنك من الفظائع، وعقد صلح بين السلطان فرج وتيمور لنك. وعاد ابن خلدون إلى القاهرة واستقبل بحفاوة بالغة، وأعيد إلى القضاء فى نفس السنة، وصرف فى السنة التالية، وأعيد فيها،

стр. 4497

وصرف سنة ٨٠٦ هـ/١٤٠٣ م وأعيد سنة ٨٠٧ هـ/١٤٠٤ م ولبّى نداء ربه-وهو قاض-فى السنة التالية. وقد بهر ابن خلدون معاصريه ومن جاءوا بعدهم إلى اليوم بتاريخه الذى سماه: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر فى أيام العرب والعجم والبربر» وهو ثلاثة أقسام فى سبعة كتب، والكتاب الأول مقدمة فى الفلسفة الاجتماعية فى مجلد كبير، والكتاب الثانى فى أربعة مجلدات تتناول أخبار العرب فى المشرق، والكتاب الثالث فى مجلدين يتناولان تاريخ البربر، وهو حجة فى تاريخهم، وأيضا فيما كتبه عن تونس وصقلية والأندلس. والدافع الذى دفعه إلى كتابة مقدمة مسهبة لتاريخه ما لاحظه عند المؤرخين قبله من قبولهم كثيرا من الأخبار الزائفة او الخرافية وخضوعهم للأهواء وبعض النّحل دون تصور واضح للقوانين الاقتصادية التى تحكم المجتمعات الإنسانية، فأراد أن يقفهم على هذه القوانين ومدى سيطرتها على الظواهر الاجتماعية والسياسية، وبذلك فسر التاريخ على أسس تطور الأوضاع الاقتصادية لا على أسس تطور الأوضاع السياسية كما تصوره اليونان. والمقدمة فى ستة أبواب، أولها يتحدث عن العمران البشرى وضرورة الاجتماع الإنسانى ومن قوله فى ذلك. «إن الاجتماع الإنسانى ضرورىّ، ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدنىّ بالطبع أى لا بد له من الاجتماع الذى هو المدنية فى اصطلاحهم، وهو معنى العمران، وبيانه أأن الله سبحانه خلق الإنسان وركّبه على صورة لا تصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركّب فيه من القدرة على تحصيله، إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه، ولو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه، وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ، وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجّار وفاخورى. هب أنه يأكله حبّا من غير علاج فهو أيضا يحتاج فى تحصيله إلى أعمال أخرى أكثر من هذه: من الزراعة والحصاد والدّراس الذى يخرج الحب من غلاف السّنبل، ويحتاج كل واحد من هذه إلى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير، ويستحيل أن توفّى بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد فلا بدّ من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، وكذلك يحتاج كل واحد منهم أيضا فى الدفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه». ويقول إنه إذا حصل للبشر هذا الاجتماع أو المجتمع وتم لهم العمران كان لا بد لهم من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما فى طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وهذا الوازع إما يكون بواحد منهم له عليهم الغلبة والسلطان، وإما بشرع مفروض من عند الله يأتى به واحد

стр. 4498

منهم متميز بما يودع الله فيه من خواص هدايته ليقع التسليم له والقبول منه، حتى يتم له الحكم فيهم من غير إنكار. ويفيض فى الحديث عن العمران بالأرض وأقاليمها ومدى تأثير البيئة فى السكان سواء فى الألوان أو فى الأخلاق. والباب الثانى يتناول العمران البدوى مع مقارنات بالعمران الحضارى وبيان أن الأمم الوحشية تتغلب على ما لا يبلغها فى الوحشية من الأمم، ويقول إن الانغماس فى الترف من عوائق الملك، وإن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب، وإن تغلب العرب على الأوطان يسرع إليها بالخراب وإنهم أبعد الناس عن سياسة الملك. وظن بعض الباحثين أنه يريد العرب عامة، وهو إنما يريد الأعراب المتبدين الجفاة من أمثال بنى هلال وبنى سليم الذين سبق أن تحدثنا عنهم وعن سيولهم التى قدمت إلى إفريقية وخرّبت القيروان وغيرها من المدن فى القرن الخامس الهجرى. والباب الثالث عن الملك وأصنافه وأنه يحصل بالعصبية وحين يسود فيه الترف يفضى إلى الهرم، ويقول إن الدول تنتقل من البداوة إلى الحضارة وإن لها أعمارا مثل الأشخاص، ويتحدث عن الخلافة وانتقالها إلى الملك كما يتحدث عمن تستعين بهم الدول من الوزراء والحجاب والعمال والكتاب ورجال الشرطة وقواد الجيش، وعن الحروب والجباية والمكوس، ويقول إن التجارة من السلطان مفسدة للرعية، وبالمثل تفرده هو وحاشيته بأكبر نصيب من دخل الدولة. وليس شئ يؤذن بخراب العمران مثل الظلم، ولا بد للعمران البشرى من سياسة عادلة ينتظم بها أمره. والباب الرابع عن البلدان والأمصار وما يجب مراعاته فى أوضاع المدن، ويقول إن الحضارة غاية العمران غير أنها تعدّ لفساده. والباب الخامس عن المعاش (الاقتصاد) ووجوهه من الكسب ويقول إنه: «إما أن يكون بالاستيلاء عليه من يد الغير على قانون متعارف ويسمى مغرما وجباية وإما أن يكون باقتناص الحيوان الوحشى وأخذه برمّته ويسمى ذلك اصطيادا، وإما أن يكون من نتاج الحيوان الداجن كاللبن من الأنعام والحرير من دوده والعسل من نحله، وإما أن يكون من الزّرع نباتا أو شجرا ويسمى ذلك فلاحة أو فلحا، وإما أن يكون من الأعمال الإنسانية فى مواد معينة وتسمى الصنائع من كتابة ونجارة وخياطة وحياكة وفروسية وأمثال ذلك، وإما أن يكون من البضائع وأعدادها للأعواض (١)، ويسمّى ذلك تجارة». ويفصّل القول عن الفلاحة وعن التجارة وأصنافها وما يحدث فيها من الاحتكار، ويقول إنه يعود على صاحبه بالتلف والخسران، وإنه هو الذى اعتبره الشارع أخذ أموال الناس بالباطل، ويفيض فى الحديث عن أمهات الصنائع ويذكر من بينها صناعة التوليد وصناعة الطب ويفصّل القول فيهما كما يفصله فى صناعة الغناء وأنغامه وآلاته وتطوره من الجاهلية إلى زمنه.

стр. 4499

والباب السادس مقصور على العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه، ويتحدث عن العقل التجريبى وعلوم الأنبياء وأن الإنسان جاهل بالذات عالم بالكسب وأن العلم والتعليم طبيعيان فى العمران البشرى وأن العلوم إنما تكثر حين يكثر العمران وتعظم الحضارة، ويفيض فى الحديث عن أصناف العلوم بادئا بالعلوم الإسلامية: علوم القرآن من التفسير والقراءات وعلوم الحديث وعلوم الفقه وأصوله وعلم الكلام وعلم التصوف ومذاهب الوحدة والحلول فيه، ويتسع بالحديث فى علوم الأوائل من الحساب والهيئة والمنطق والطبيعيات والطب والفلاحة وعلم الإلهيات وعلم الكيمياء والفلسفة عارضا فى كل علم تاريخه وأشهر أعلامه. وينتقل إلى علوم اللسان العربى: علم النحو وعلم اللغة وعلم البيان وعلم الأدب ويقول «إنه لا موضوع له ينظر فى إثبات عوارضه أو نفيها وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته وهى الإجادة فى فنى المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، ويقول إن لغة العرب من أهل الحضر والأمصار لزمنه مغايرة أو مخالفة للغة مضر الفصحى، إذ اتخذ كل مصر وكل بلد لنفسه لغة عامية عربية مستقلة به، ويتحدث عن صناعة الشعر والنثر وأشعار العرب والأمصار لزمنه والموشحات والأزجال وغيرهما من فنون الشعر المستحدثة كالمواليا. وبذلك كله وضع ابن خلدون فى مقدمة تاريخه لأول مرة فى تاريخ الفكر الإنسانى علم الاجتماع بأركانه وقواعده وقوانينه أو كما يسميه علم العمران البشرى سابقا بذلك علماء الغرب الذين لم يعنوا به بعده إلا بنحو أربعة قرون، وهو بحق عبقرىّ فذّ لا لتونس وحدها بل للعرب جميعا فى كل مكان وزمان. وواضح من حياة ابن خلدون أنه عمل بدواوين حكام مختلفين، وهو بذلك يعدّ من كتّاب الدواوين، وكان السجع قد شاع فى كتاباتهم بحيث لا يكتبون رسالة ديوانية إلا مسجوعة سجعا تاما، وليس ذلك فحسب، بل كانوا يضيفون إلى السجع المحسنات البديعية، ورأى أن ينحى هذه الطريقة عن كتابته الديوانية، وأن يكتب بالأسلوب المرسل محاكيا عبد الحميد الكاتب والجاحظ وأضرابهما من قدماء الكتاب البلغاء، ويصرح بذلك فى كتابه: «التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، إذ يقول فيه: «لما استعملنى السلطان أبو سالم [المرينى] فى كتابة سرّه والترسيل عنه والإنشاء لمخاطباته كان أكثرها يصدر عنى بالكلام المرسل دون الأسجاع لضعف انتحالها وخفاء العالى منها على أكثر الناس بخلاف الكلام المرسل، فانفردت به يومئذ، وكان مستغربا بين أهل الصناعة». ونراه فى المقدمة يهاجم الكتابة الديوانية المسجوعة بعنف فى الفصل الذى عقده لانقسام الكلام إلى فنى النظم والنثر، ويقول: «استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه فى المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية. . واستمروا على هذه الطريقة واستعملوها فى المخاطبات السلطانية. . وهجروا المرسل وتناسوه. . ووجب أن تنزّه المخاطبات السلطانية عنه. . والمحمود فيها الترسل، وأما إجراؤها على هذا النحو المقفى فمذموم، وما حملهم عليه إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم وقصورهم لذلك عن إعطائهم الكلام حقّه فى

стр. 4500

مطابقته لمقتضى الحال، فعجزوا عن الكلام المرسل، وجبروه بذلك القدر من التزيين بالأسجاع والألقاب (المحسنات) البديعية». وهو يضم إلى مهاجمة الأسجاع فى المكاتبات السلطانية مهاجمة المحسنات البديعية التى أكثر منها المتأخرون، وعاد إلى هذه المهاجمة فى الفصل الذى عقده فى المقدمة بعد ذلك للمطبوع والمصنوع من الكلام، وقال إن تلك المحسنات تغلب اليوم على أهل العصر، وأصحاب الأذواق فى البلاغة يسخرون من كلفهم بهذه الفنون ويعدون ذلك من القصور عن سواه وليس بين أيدينا رسائل ديوانية لابن خلدون إلا ما ذكره فى كتابه: «التعريف» من فصل فى رسالة أرسل بها إلى ملك المغرب أبى سعيد عثمان بن أحمد المرينى يخبره فيه بأحوال تيمور والتتار منذ جنكيزخان وفيه يقول: «كنت فى العام الفارط توجهت صحبة الرّكاب السّلطانى (الناصر فرج) إلى الشام عند ما زحف الطّطر إليه من بلاد الروم (آسية الصغرى) والعراق مع ملكهم تمرو استولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك وخرّبها جميعا، وعاثت عساكره فيها بما لم يسمع أشنع منه، ونهض السلطان فى عساكره لاستنقاذها، وسبق إلى دمشق وأقام فى مقابلته نحوا من شهر، ثم قفل راجعا إلى مصر، وتخلّف الكثير من أمرائه وقضاته، وكنت فى المخلّفين، وسمعت أن سلطانهم تمر سأل عنى، فلم يسعنى إلا لقاؤه، فخرجت إليه من دمشق، وحضرت مجلسه، وقابلنى بخير، واقتضيت منه الأمان لأهل دمشق، وأقمت عنده خمسة وثلاثين يوما، أباكره وأراوحه، ثم صرفنى وودّعنى على أحسن حال، ورجعت إلى مصر. . ثم رجع آخرا إلى بلاده، والأخبار تتصل بأنه قصد سمرقند، وهى كرسيّه (عاصمة ملكه) -والقوم فى عدد لا يسعه الإحصاء، إن قدّرت ألف ألف (مليون) فغير كثير، ولا تقول أنقص، وإن خيّموا فى الأرض ملئوا السّاح (الساحات) وإن سارت كتائبهم فى الأرض العريضة ضاق بهم الفضاء، وهم فى الغارة والنهب والفتك بأهل العمران وابتلائهم بأنواع العذاب على ما يحصلونه من فئاتهم آية عجب، وعلى عادة بوادى الأعراب». والفصل-على هذه الشاكلة-مكتوب بأسلوب مرسل دون أى تكلف لسجع أو لمحسن بديعى. وكان يستخدم هذا الأسلوب فى رسائله الشخصية على نحو ما يتضح فى رسالة أرسل بها إلى لسان الدين بن الخطيب ردا على رسائله الموشاة بالسجع والبديع، وقد دون الرسالة ورسائل ابن الخطيب فى كتابه: «التعريف» ويقول ابن خلدون إنه تفادى فى رسالته السجع خشية القصور عن مساجلة ابن الخطيب فى رسالاته المسجوعة، وهى مجاملة لابن الخطيب، والحقيقة أنه نحىّ السجع عن كتاباته فى الرسائل الشخصية والديوانية جميعا، ودعا الكتّاب- إلى ذلك-كما أسلفنا-فى مقدمته غير أنهم ظلوا لا يستمعون إليه فى جميع البلدان العربية، إلى أن تحررت الكتابات ديوانية وغير ديوانية من السجع والمحسنات البديعية بمصر فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتبعتها البلدان العربية.

стр. 4501

القسم الثالث صقلّيّة

стр. 4502

الفصل الأوّل الجغرافية والتاريخ ١ - الجغرافية (١) صقلية جزيرة كبيرة تقع فى منتصف البحر المتوسط، فتقسمه إلى شطرين شرقى وغربى، ويكاد يتلاقى شماليها الشرقى بإيطاليا فبينهما مضيق مسّينى الذى لا يكاد يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات. بينما يتسع البحر المتوسط بينها وبين تونس وطرابلس حتى ليبلغ عرضه نحو مائة وعشرين كيلومتر تقريبا أو يزيد وبخاصة أمام طرابلس. وهى فى الداخل مرتفعات وهضاب ووديان، وعلى مرتفعاتها أقيمت مدنها الداخلية لتكون حصينة. وفى جنوبيها إلى الغرب مدينة جرجنت، والشاطئ الغربى والجنوبى الغربى موانيهما لا تصلح للملاحة، وإذا تغلغلنا نحو الشمال الغربى وجدنا مروجا ومراعى متسعة، ونمضى نحو الشمال فنجد ثغر أو مرفأ طرابنش، ونتجه غربا فى الساحل الشمالى وهو ساحل صخرى جبلى، ونلتقى بخليج تام الاستدارة، ويلقانا بعده خليج مدينة بلرم (Palermo) عاصمة صقلية الإسلامية ولا تزال عاصمتها إلى اليوم، ووراءها تنحسر الجبال ويلقانا سهل من أخصب السهول، ونستمر فى السير على الساحل الصخرى الجبلى حتى تلقانا مسينى على مضيقها. ونسير من مدينة سينى متجهين إلى الجنوب شرقى صقلية فى ساحل جبلى صخرى ونلتقى بثغر أو مدينة طبرمين، ونمضى حتى قرب ثغر أو ميناء قطانية حيث يصبح الساحل رمليا، ويصبّ فيه بعض الجداول. وإذا مضينا فى اتجاهنا نحو الجنوب لقينا ثغر سرقوسة الذى أنشأه اليونان، وبه ولد العالم الإغريقى الفيزيقى المشهور أرشميدس، وبها قتل سنة ٢١٢ ق. م. وأعلى جبال صقلية جبل إتنا فى أقصى الشمال، ويبلغ ارتفاعه ثلاثة آلاف وثلاثمائة متر

стр. 4503

تقريبا، ويجلّل هامته شيب أو ثلج أزلى، بينما يغلى جوفه بنار لا تخمد أبدا، وكأنه شيخ رحيم قاس فى آن واحد، وقسوته لا توصف، إذ يظل يلقى بحممه مغيظا محنقا أياما، وتغطّى حممه الأرض بطبقة خصبة. وتمتد شمالى الجزيرة سلسلة جبال من الشرق إلى الغرب، أكبر الظن أنها امتداد لجبال الأبنين فى إيطاليا وجبال الأطلس فى شمالى إفريقيا، وهى جبال صخرية جرداء عارية مما كان ينتظر لها من زينة النباتات الخضراء، وطبقتها الخارجية تتكون من حجارة كلسية وبعض أنواع الرّخام الرفيع، ومنها تتكون بعض جبال فرعية، تنحدر صوب الجنوب ومن أهمها الجبال التى أنشئت فوقها مدينة قصريانة وسط الجزيرة، والجبال التى تتجه نحو مدينة جرجنت. وهذه الجبال غنية بالخزف والرخام والملح المعدنى والجص، وكل ذلك يكوّن ثروة طبيعية مهمة لصقلية، ويوجد الكبريت قرب جرجنت وحول قطانية وبلرم. ومناخ صقلية فى جملته معتدل، وفصل الشتاء فيها ليس قارس البرد بفضل الجبال الشمالية التى تحميها منه، وهو يمتدّ فيها من شهر نوفمبر حتى شهر مارس، وفصل الصيف معتدل الطقس إلا ما يهب عليها فيه من رياح السموم التى تأتيها من إفرتقية. ويكفى لنتصور اعتدال المنجخ فيها أن درجة الحرارة فى بلرم لا ترتفع عن ٢٦ درجة صيفا ولا تهبط عن ١١ درجة شتاء، ولذلك سميت بلاد الربيع الأبدى. واعتدال مناخها هيّأها لأن تنمو فيها مختلف الزروع والغروس، وتكثر الأمطار فى ساحلها الغربى والشمالى وقد نقل إليها القرطاجيون القمح والزيتون والإغريق الكرمة، ونقل إليها العرب النخيل والليمون واللوز والفستق والتين ومختلف الأزهار، وأيضا الموز والبرتقال، وبها بعض مراع فى سهولها هيأت لكثير من قطعان الغنم والماعز والخنازير. ويكثر فى سواحلها صيد البحر بمختلف أنواعه. ٢ - التاريخ (١) القديم استوطن صقلية فى أقدم عصورها شعب الصيقول (Les Sicules) ومنه اشتق اسمها، ومنذ أكثر من ألف سنة قبل الميلاد أخذ يفد عليها غزاة من الشرق أو الجنوب أو الشمال، فكانت

стр. 4504

تخضع لهم بحكم أنها جزيرة صغيرة لا يمكنها مقاومة هؤلاء الغزاة. ولها قبل الفتح الإسلامى تاريخ قديم، وبعده تاريخ نورمانى سنلم بأحوال المسلمين فيه. وأول من سكنها-كما قلنا آنفا-شعب الصيقول، وكان الفينيقيون-منذ نشأتهم على صفحات التاريخ-شعبا تجاريا يجوب سواحل البحر المتوسط، ويؤسس له عليها قواعد تجارية، وقد نزلوا سواحل صقلية وأسسوا لهم فى شماليها قاعدة هى بلرم. ومضت على ذلك قرون، وإذا اليونان يتبعونهم فى الاستيلاء على ساحلها الشرقى ويؤسسون هم به قاعدتين فى القرن الثامن قبل الميلاد هما سرقوسة وقطانية، وسرعان ما تحولتا مدينتين كبيرتين، وصعدوا إلى الشمال وأسسوا مدينة مسّينى. وفى هذه الأثناء كانت دولة قرطاجة فى الشمال التونسى آخذة فى القوة ومددت ذراعها إلى صقلية تريد أن تستولى عليها من الإغريق وظلت الحرب بينهما فى مدّ وجزر وانتصار وانهزام إلى أن استطاعت قرطاجة أن تفرض سيادتها على الجزيرة سنة ٢٦٤ قبل الميلاد. غير أن القرطاجيين لم يكادوا يحوزونها لأنفسهم حتى نشبت حروب عاتية بينهم وبين الرومان، وعبثا حاولوا إنقاذها، فغادروها سنة ٢٤٢ قبل الميلاد، وأصبحت جزءا من الإمبراطورية الرومانية، وأصابها ما أصاب أهل روما منذ القرن الثالث الميلادى من التدهور والفتن والفساد الأخلاقى. ولما سقطت روما تحت أقدام المغيرين الشماليين لم تلبث أن سقطت بدورها تحت ضربات الواندال الذين استولوا على إفريقية التونسية، وقد أرهقوهم لمدة نحو قرن بالضرائب الفادحة، وأذاقوهم ضروبا من العسف والظلم والاستبداد لا تطاق. وتسترجع بيزنطة فى عهد جستنيان صقلية، إذ كلّف قائده بلزاريوس بالاستيلاء على الجزيرة من الواندال كما استولى على إفريقية الشمالية وكانت المدن خالية من حاميات واندالية، ما عدا بلرم، فقد كان بها حامية لهم، وكانت أسوارها منيعة، فقاومته فترة ثم استسلمت مثل أخواتها الصقليات، وفرحت جميعها بنزول الجيش البيزنطى فيها واستبشرت لخلاصها من ظلم الواندال وتعسفهم فى جمع الضرائب، غير أنهم لم يلبثوا أن شعروا بأنهم تخلّصوا من ربقة عسف إلى ربقة عسف جديد، إذ أصلاهم ولاه بيزنطة طوال ثلاثة قرون عبئا ثقيلا من الضرائب الفادحة، فقد فرضوا عليهم ضريبة على الأملاك وضريبة على الرءوس وضريبة على التجارة أو الصناعة وضريبة للجيش أو ضريبة دفاع وضريبة للملاحين وضريبة للموظفين. ولم تكن الدولة البيزنطية وحدها هى التى تجنى الضرائب من صقلية، فقد كانت تجنيها معها الكنيسة: كنيسة روما وميلانو وراقنا، وكان للكنيسة الأولى الحظ الأوفر، إذ كان لها إقطاعات كثيرة موزعة حول بلرم وقطانية وسرقوسة وجرجنت، وكان يديرها قسّيسان أحدهما فى بلرم والثانى فى سرقوسة. وكان همّ كل منهما أن يجمع أكثر ما يمكن من الضرائب، وبالمثل كان وكلاء كنيستى ميلانو وراقنا، وكان يرسل إلى روما سنويا أسطولان محمّلان بالقمح فى الربيع وفى الخريف، وكانت ترسل إلى راقنا سفن محملة بمئات القناطير من القمح والفواكه والخضراوات والجلود المدبوغة والحرير

стр. 4505

والمواد الصوفية، والفلاح الصقلى يتصبب عرقا، ويجمع الضرائب وكلاء الكنائس المذكورة مرة ويجمعها وكلاء الدولة البيزنطية مرة، دون رحمة أو إشفاق. وكانت روما فى أثناء ذلك ترسل إلى صقلية بكثير من العبيد، وأضافت إليهم من كانت تنفيهم من المذنبين ومقترفى الجرائم والجنود المتمردين. وكل ذلك عمل على إضعاف شخصية صقلية فى العهد البيزنطى-كما يقول أمارى-وأزهق فيها الشعور بالكرامة الإنسانية ولم يبق فيها منه بقية. ٣ - الفتح (١) العربى وعهد الدولة الأغلبية بينما هذا الظلام يطبق على صقلية ويطبق معه الضنك والضيق والإعس إذا بالعرب يفتحون ديار إفريقية التونسية المواجهة لصقلية ويستولون على جميع بلاد المغرب، وكان طبيعيا أن يفكروا فى السيطرة على البحر المتوسط وعلى جزره: صقلية وغيرها، وتبعا لخطتهم الحربية فى التعرف على أحوال البلاد قبل غزوها نراهم يرسلون سنة ٤٥ هـ/٦٦٥ م حملة استطلاعية إلى صقلية بقيادة عبد الله بن قيس، وبعد تعرفه على سواحلها الجنوبية عاد إلى إفريقية التونسية، وأرسلت بعد ذلك حملات بحرية مماثلة بقيادة محمد بن أوس الأنصارى وبشر بن صفوان الكلبى، وتبعهم جميعا فى تلك الحملات سنة ١٢٢ هـ/٧٤٠ م حبيب بن أبى عبيدة حفيد عقبة بن نافع مؤسس القيروان، واضطر إلى العودة سريعا لاضطراب الأحوال فى إفريقية التونسية ويقول ابن عذارى إن ابنه عبد الرحمن غزا بعده صقلية ثم سردانية وقاتل بها حتى صالحه أهلها. وهذه الحملات المبكرة نبّهت الدولة البيزنطية إلى أن تحسب حساب الغزو العربى المفاجئ، فأحالت صقلية إلى قاعدة حربية تمتلئ ثغورها ومدنها وقلاعها وحصونها بالعتاد الحربى الوافر. وكان من أهم الأسباب التى أسرعت بفتح صقلية أن قائدا بيزنطيا يسمى أوفيموس (Euphemius) وتسميه المصادر العربية فيمى ثار على قسطنطين بطريق صقلية، فأمرته حكومة

стр. 4506

القسطنطينية بالقبض عليه وتعذيبه، وعلم فيمى بذلك الأمر، فرأى أن يستنجد بالأمير زيادة الله الأغلبى حاكم إفريقية التونسية ضد البطريق وحكومته، واستجاب إليه زيادة الله إذ رأى فى ذلك فرصة لا تعوّض للاستيلاء على صقلية، فأعدّ سريعا جيشا لفتحها، ورأى بكياسته أن يسند قيادته إلى أسد بن الفرات القاضى وشيخ فقهاء المالكية بالقيروان. وأقلع الأسطول الأغلبى بقيادة أسد بن الفرات من ميناء سوسة فى منيصف ربيع الأول من سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م وكان يحمل عشرة آلاف مقاتل، وأرسى بعد ثلاثة أيام على ساحل صقلية عند مدينة مازر فى الجنوب الغربى، واستطاعوا فى وقت قصير الاستيلاء على بعض المدن والحصون الجنوبية، وتقدموا إلى الساحل الشرقى حتى حاصروا مدينة سرقوسة قاطعين نحو مائتى كيلومتر إليها، وتعززوا بمدد جديد إليهم من إفريقية. وكان أسد يباشر الحصار بنفسه ويضيّق على المدينة، وانتشر مرض بين صفوف الجند العرى أودى بحياته العظيمة، فلبّى داعى ربه فى ربيع الثانى سنة ٢١٣ هـ/٨٢٨ م ودفن تحت أسوار سرقوسة. وخلفه على قيادة الجيش محمد بن أبى الجوارى، واستولى على جرجنت فى الجنوب بالإضافة إلى مازر، وأخذ يستعد للهجوم على مدينة قصريانة، وكانت الحملة قد أصابها عناء شديد بسبب المعارك المتصلة، وأوشكت على الانسحاب إلى إفريقية، غير أن ما نذروا أنفسهم له من الجهاد فى سبيل الله ونشر الإسلام تحت راية الشيخ أسد بن الفرات كان يطرد اليأس من نفوسهم ويشدّ أزرهم إلى أبعد حد، ولم يلبث الأمل أن ملأ نفوسهم إذ رفدهم مدد جديد من إفريقية ومن أسطول لشرصان المجاهدتن الأندلسيين سمع بحملتهم، فجاء يؤيدهم، وتوفى قائدهم محمد بن أبى الجوارى سنة ٢١٦ هـ/٨٣١ م فأرسل إليهم الأمير زيادة الله الأغلبى قائدا جديدا هو زهير بن عوف، فصمم على الاتجاه إلى الشمال وغزو بلرم وحاصرها برا وبحرا وضيّق الخناق عليها، وفى أثناء ذلك استولى على ماسينى سنة ٢١٩ هـ/٨٣٤ م وما زال يزداد شدة فى تضييق الحصار على بلرم إلى أن استيأس منها الروم، فغادروها بحرا وبرّا، تاركين المدينة مفتوحة أما مخجيش المسلمين فدخلها فى رجب سنة ٢٢٠ هـ/٨٣٥ م وكان بها سبعون ألفا قبل الحصار فلم يجد الجيش بها سوى ثلاثة آلاف كما يقول ابن الأثير فى تاريخه. واتخذها المسلمون هناك عاصمة لحكمهم فى الجزيرة كما كانت عاصمة لمن قبلهم، وظلت كذلك لمن يعدهم، وأخذوا فى تشييد القصور بها والمساجد والحمامات والفنادق وإقامة الأسواق بها والحدائق حولها، وحوّلوها مركزا علميا يبثّ إشعاعات نوره إلى ظلمات القرون الوسطى فى أوربا. وتوفّى هذا القائد المجاهد العظيم زهير بن عوف سنة ٢٢١ هـ/٨٣٥ م وولى صقلية بعده أبو الأغلب إبراهيم بن عبد الله بن الأغلب واهتم بالحرب البحرية ونازل سفن البيزنطيين غير مرة وانتصر عليها، بل حطمها حطما، وبذلك أصبحت للأسطول الإسلامى الصقلى سمعة كانت

стр. 4507

تدخل الرعب والفزع فى قلوب الأعداء، وكانت مطامح المسلمين المجاهدين تتجه صوب إيطاليا القريبة ديارها من مسّينى فجهز أسطولا أرسل به صوب قلوريّة بجنوبى إيطاليا فنزل بها الجند المسلمون ووصلوا إلى نهر البو سنة ٢٢٣ هـ/٨٣٨ م. ويتوفى أبو الأغلب سنة ٢٣٦ هـ/٨٥٠ م ويتولى صقلية العباس بن الفضل ويجهز أسطولا لغزو قلوريّة سنة ٢٣٩ هـ/٨٥٣ م. ويقيم بها بعض الحاميات، وخرجت مسّينى بعون من الروم عليه فأعادها سنة ٢٤٢ وأخذ يفتح الحصون فى الداخل الواحد بعد الآخر، وفتح جفلود (شفلودى) على البحر بالشمال فى نفس السنة، وشدّد الحصار على قصريانة المنيعة فى وسط الجزيرة، واستسلمت سنة ٢٤٤ هـ/٨٥٨ م بعد جهاد عنيف، وبنى العباس فيها توّا مسجدا، ونصب فيه منبرا وخطب فيه الجمعة. ولعل فى ذلك دلالة واضحة على أن قواد الفتوح فى صقلية وجنودها المسلمين كانوا يعدون غزو مدنها وحصونها جهادا فى سبيل الله. وأزعج أخذه لمدينة قصريانة الكبيرة المحصنة بيزنطة فأرسلت أسطولا يحمل مددا كبيرا من الرجال والمؤن إلى سرقوسة، والتقى به الأسطول الإسلامى الصقلى ونشبت بينهما معركة عنيفة انتصر فيها الأسطول الإسلامى، واستولى على مائة من سفن الأسطول البيزنطى، ولاذ الباقون بالفرار، ويقول ابن الأثير إن المسلمين لم يستشهد من جنودهم فى هذه المعركة البحرية سوى ثلاثة، وكأن الجنود البيزنطيين لم يلبثوا حين رأوا أسطول المسلمين وجنوده البسلاء أن ألقوا سلاحهم وسفنهم وفروا من المعركة منهزمين. ولم يلبث هذا القائد المجاهد أن لبّى نداء ربه سنة ٢٤٧ هـ/٨٦٢ م ويتولاها خفاجة بن سفيان سنة ٢٤٨ هـ/٨٦٣ م ويحتل مدينة نوطس فى شرقى الجزيرة إلى الجنوب، وكان أهل طبرمين ينازلون المسلمين نزالا مستميتا، ورأوا أن يجنحوا إلى السلم بعد أن أعياهم القتال وطلبوا إلى القائد خفاجة أن يرسل إليهم وفدا للصلح فأرسل إليهم وفدا يفاوضهم وعلى رأسه زوجته، ومرّ بنا فى إفريقية التونسية إلى أى حد كانت المرأة التونسية تحافظ على كرامتها ومدى ما كان لها من منزلة فى نفوس التونسيين بالقيروان وغير القيروان، وهذه إحدى نسائهم تتولى السفارة لأول مرة بين قومها وأعدائهم لتضع شروط الصلح، وهى بذلك تعد أول سفيرة عربية، واستقبلها الأعداء بحفاوة واستجابوا لما وضعته من شروط الصلح، وسلموها مفاتيح المدينة، وبذلك نجحت السفارة نجاحا عظيما، فدخلها المسلمون صلحا. ولابن هذه السيدة محمد الذى كان يناضل نصارى صقلية نضالا عنيفا الفضل فى استيلاء المسلمين على مالطة سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٩ م فإنه جهز أسطولا لفتحها ونزلها، وقضى على الحامية الرومية فيها واستولى عليها وجعلها تابعة لصقلية. ونزلتها جالية تونسية أشاعت بها لهجتها العربية، ودارت السنة فأرسلت بيزنطة أسطولا تبغى استردادها، ولم يكد يظهر له فى مياهها الأسطول الإسلامى الصقلى حتى ألقى الرعب والفزع فى قلب كلّ من فيه، فولّوا على وجوههم فرارا دون أن يخوضوا معركة، وظلت مالطة تابعة لصقلية نحو مائتين وعشرين عاما إلى أن استولى عليها

стр. 4508

النورمان مع استيلائهم على صقلّية، ولغتها إلى اليوم لهجة عربية تونسية محرفة حرّفت بمر الزمن، وعبثا حاولت الدول التى استولت عليها-ومعها إنجلترا-أن تترك لغتها كما تركت الإسلام وتتخذ فى ألسنتها مكانها اللغة الإيطالية أو اللغة الإنجليزية، وباءت كل هذه المحاولات فى القرون الثمانية الماضية بالفشل، مما يدل على قوة العربية وحيويتها، وأن قوما إذا اتخذوها لا يمكن أن يتحولوا عنها-مهما دخل عليها من التصحيف والتحريف خلال قرون متطاولة- إلى لغة أخرى لسلاستها وعذوبة جريانها فى الألسنة. ويتوفّى خفاجة وابنه محمد، وتؤول ولاية صقلية إلى أحمد بن عبد الله الأغلبى، وكان بطلا مقداما فصمم على فتح سرقوسة، وكانت بيزنطة لا تزال ترسل إليها بالنجدة تلو النجدة، وكلما انهزم لهم أسطول جهزوا لها أسطولا آخر، وحاصرها أحمد، واستمر الحصار تسعة أشهر من أوائل المحرم إلى أواخر رمضان سنة ٢٦٤ هـ/٨٧٧ م ثم اقتحمها بمجانيقه وخيله وجنده، فاضطرت إلى التسليم بعد أن ذاقت الأمرّين من الجوع وذكّ الأسوار وسقوط القلاع، وبعد أن لقى حتفه من المدافعين عنها أكثر من أربعة آلاف جندى بيزنطى. وولى صقلية سنة ٢٦٨ هـ/٨٨١ م محمد بن الفضل فجعل همه القضاء على معقل مهم للروم هو قلعة الملك وكان من فيه يكثرون من الإغارة على المسلمين ويقضّون مضاجعهم، والتقى الجمعان بقرب المعقل وحمى وطيس الحرب وانجلت عن انتصار عظيم للمسلمين واندحار شديد لأعدائهم إذ قتلوا منهم ما يزيد عن ثلاثة آلاف ودخلوا القلعة تخفق على رءوسهم رايات النصر. وولّى إبراهيم بن الأغلب ابنه عبد الله على صقلية، وفى أيامه سنة ٢٧٥ نشبت معركة عنيفة برّا وبحرا بين الروم والعرب، فإن الدولة البيزنطية أرسلت بأسطول ضخم إلى صقلية، ولقيه الأسطول الإسلامى الصقلى واحتدمت المعركة، وكانت كارثة الروم هائلة وإذ قتل منهم سبعة آلاف وغرق خمسة آلاف ولاذ من كتبت له الحياة بالفرار. وانتهز المسلمون هذه الفرصة من النصر على الأسطول البيزنطى، وهاجموا قلوريّة فى جنوب إيطاليا تأديبا لمن يحشدهم الروم فيها لإمداد حاميات المدن والحصون التى لم يستسلم من فيها للمسلمين. وفى سنة ٢٨٩ هـ/٩٠١ م استدعى الأمير إبراهيم بن الأغلب ابنه عبد الله والى صقلية وتنازل له عن صولجان الحكم فى القيروان وإفريقية التونسية، وصمم على أن يقضى بقية أيامه مجاهدا فى صقلية، واتجه إلى سوسة فى ثوب مرقّع علامة الزهاد، وأبحر منها على رأس جيش قوى إلى بلرم، وكان قد أعدّ إعدادا قويا بالأسلحة والعتاد، وسار على رأسه لغزو مدينة طبرمين شرقى الجزيرة إلى الشمال أمنع المراكز التى لا تزال باقية للروم فى الجزيرة، وكانوا لا يزالون يرسلون إليها بالإمدادات. وهاجمها ودارت رحى الحرب عنيفة بين الفريقين. وأحسّ شيئا من التخاذل فى صفوف جيشه لاشتداد وطيس الحرب فجمعهم، وأمر قارئا أن يقرأ عليهم بصوت مرتفع

стр. 4509

قوله تعالى: ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ.﴾ ولعل فى ذلك ما يؤكّد مرة أخرى أن غزو صقلية وفتح بلدانها إنما كان جهادا فى سبيل الله ونشر دينه الحنيف. وبمجرد أن استمع الجند إلى هذه الآيات الكريمة وارتسم أمامهم الفردوس وما أعدّ فيه للمجاهدين امتلئوا حماسة وانقضّوا على أعداء الله ودينه الحنيف، فانهزموا انهزاما ساحقا، وأصبحت مدينة طبرمين أمام جيش المسلمين مفتّحة الأبواب ولا حامى ولا مدافع، وارتعدت فرائص إمبراطور بيزنطة كما روى ذلك ابن الأثير وابن خلدون وأعلن فى القسطنطينية الحداد سبعة أيام لم يضع فيها على رأسه تاج الملك. وسار إبراهيم بن الأغلب توا إلى مدينة رمطة آخر معاقل الروم شرقى الجزيرة جنوبى طبرمين، ففتحوا له أبوابها سريعا واستولى عليها دون قتال. ولم تكف إبراهيم بن الأغلب هذه الانتصارات، فقد ركب البحر مع جنده من مسينى إلى شبه جزيرة قلوريّة جنوبى إيطاليا، واخترقها بجنده مستوليا فيها على كثير من الحصون، ونصب الحصار على قلعة كشنتة (Consenza) المنيعة شمالى قلورية وضيق عليها الحصار، غير أن مرضا ألم به فى أثناء ذلك، فأسلم روحه إلى بارئها تحت أسوار هذه القلعة، ونقل رفاته إلى بلرم ثم نقله ابنه أبو العباس إلى القيروان. ولعل فى كل ما قدمت ما يصوّر الدور التاريخى المجيد الذى نهضت به الدولة الأغلبية فى القرن الثالث الهجرى الذى ظلّ فيه صولجان الحكم بإفريقية التونسية فى يدها، فقد أضافت إلى البقاع الإسلامية جزيرتين كبيرتين: صقلية ومالطة، وظلت تجاهد فى سبيل الله بصقلية وتعدّ الأساطيل لمنازلة الأسطول البيزنطى وتنكّل به وتمزّق سفنه شر ممزق. وبدأت تلك الحرب بشارة تميزها وأنها حرب جهاد ونشر للإسلام، إذ كان قائد الحملة شيخ الإسلام وإمام المالكية وقاضى قضاتها أسد بن الفرات، وكان يشترك فى هذا الجهاد غير واحد من أمراء الدولة الأغلبية، حتى إذا أوشكت شمس دولتهم على الغروب خلع إبراهيم بن الأغلب زىّ الإمارة والسلطان ولبس زىّ الزهاد المجاهدين فى سبيل الله، وأبلى فى الجهاد بصقلية وقلوريّة بلاء عظيما.

стр. 4510

٤ - العهد (١) العبيدى-عهد بنى أبى الحسين الكلبيين (أ) العهد العبيدى انتهى عهد الدولة الأغلبية فى القيروان وإفريقية التونسية سنة ٢٩٦ وانتقلت البلاد إلى عهد جديد هو عهد الدولة العبيدية وانقسم الناس بين راضين عن العهد الشيعى الجديد وساخطين على هذا العهد وهم فقهاء أهل السنة ومن كان يجلّهم من العامة، وكان لذلك تأثيره فى صقلية، وانضاف إليه أنه برزت فى نفوس كثيرين هناك فكرة الاستقلال والانفلات من التبعية الإفريقية، وأيضا فإن بعض الولاة كان يعدّ صقلية كأنها كنز ألقى إليه، وينبغى أن يأخذ لنفسه منه كلّ ما يريد من مال وثروة، وقد تفاعلت هذه العوامل بعضها مع بعض وأدت إلى اضطراب وفتن كثيرة فى السنوات الثلاثين الأولى من حكم العبيديين لإفريقية التونسية، وأسرع عبيد الله المهدى بإرساله إلى صقلية واليا وقاضيا يحكمانها بمبادئ الفقه الشيعى ويحاولان أن ينشرا فيها الدعوة العبيدية الشيعية، وثاروا على أول ولاته وثانيهم، وولوا عليهم من أنفسهم واليا هو أحمد بن زيادة الله ابن قرهب، فاشترط عليهم أن يعلن ولاءه للدولة العباسية، وكانت عامتهم سنّيّة فارتضوا ذلك وأرسل إلى الخليفة المقتدر بالله يضع إمارة صقلية تحت سلطانه، وخطب له وقطع خطبة المهدى الفاطمى. وأرسل إليه المقتدر بألوية سود وخلع سود وطوق ذهب، وكان للمهدى العبيدى أسطول بمرسى لمطة فأحرقه وقتل قائده. وثار عليه أهل جرجنت وصقلية جميعها فحاول الهروب إلى الأندلس فأسره أهل صقلية هو وابنه وقاضيه وبعثوا بهم إلى المهدى سنة ٣٠٤ فصلبهم وانتهت بذلك حركة ابن قرهب. وأرسلت صقلية تطلب من المهدى واليا وقاضيا وأنهم فى غير حاجة إلى جند، فتنبّه إلى ما يريدون من الاستقلال فأرسل إليهم من الكتاميين حملة تؤدّبهم، وولّى عليهم فى سنة ٣٠٥ سالم بن أبى راشد، وكان جبّارا عاتيا وظالما عسوفا، فأخذ ينزل صورا شديدة من التنكيل لا بالأفراد فحسب، بل أيضا بالمدن، وهو تنكيل أدّى بأهل صقلية إلى الإمعان فى مقاومته فثارت عليه جرجنت، وتبعتها بلرم،

стр. 4511

فأرسل إلى الخليفة العبيدى القائم يهوّل عليه الأمر ويقول إن أهل صقلية خرجوا عن طاعته، فأرسل إليه سنة ٣٢٥ جندا جديدا يقوده خليل بن إسحاق، واستقبلوه بالشكوى من سياسة سالم وبطشه، يظنون أنه سيرتق الفتق ويصلح الأمر، وسرعان ما خيّب ظنونهم إذ رأوه يهدم أسوار بلرم ويبنى عند المرسى مدينة جديدة لخاصته وجنده وسلاحه ويحصّنها مسمّيا لها باسم: «الخالصة» وأرهق أهل بلرم إرهاقا شديدا فى بنائها. وثارت عليه جرجنت واستعدت لحربه، فسار إليها سنة ٣٢٦ وحاصرها ثمانية أشهر، ودخل الشتاء ففكّ عنها الحصار. وفى سنة ٣٢٧ ثارت عليه جميع القلاع وسكان مازر، وكاتب أهل جرجنت إمبراطور بيزنطة يستنجدون به، فأمدّهم بالرجال والطعام. واستنجد خليل بالقائم فأمدّه بجيش ضخم أخذ يحاصر به المدن والقلاع سنة ٣٢٨ وحاصر جرجنت وضيّق عليها الخناق حتى سنة ٣٢٩ وفرّ كثير من أهلها إلى بلاد الروم وتنصّر كثير منهم وهو لا يرعوى ولا يزدجر، بل يزداد ظلما وإرهاقا للأرواح إلى درجة لم يسمع بها من وال مسلم لا قبله ولا بعده. وبعد أربعة أعوام عاد إلى إفريقية، فحمل معه جماعة كبيرة من كبراء الجزيرة وأعيانها وعلمائها، وبين أمواج البحر أمر بثقب مراكبهم، فغرقوا جميعا فيه غير مراع عهدا لهم ولا لآبائهم الذين فتحوا صقلية وجاهدوا فى سبيل نشر الإسلام فيها بدمائهم وأرواحهم، وإنها لصفحة سوداء له وعار فى جبينه لا يمكن أن تطمسه الأيام. (ب) عهد بنى أبى الحسين الكلبيين ولّى الخليفة العبيدى القائم على صقلية بعد خليل بن إسحاق واليا جديدا هو عطاف الأزدى فاستمر فى سياسة الظلم والقمع، وطفح الغضب بالمدن الصقلية وفى مقدمتها بلرم، وثارت جميعا فى سنة ٣٣٥ ثورة كبرى عامة، والتجأ عطاف إلى قلعة الخالصة وامتنع فيها، واجتمع رأى وجوه بلرم وغيرها من المدن على أن يذهب وفد إلى الخليفة الفاطمى الجديد المنصور ويطلب إليه أن يقوم الحكم فى صقلية على أسس راسخة من العدل الذى لا تصلح حياة الشعوب بدونه ومن الحرية فى العقيدة فلا يتعرض حاكم وزبانيته لأهل السنة وأيضا الحرية فى المعاملات قلا يغتصب من أى تاجر ولا من أى شخص ماله. وكان الخليفة المنصور حصيفا، فرأى أن سياسة الخليفتين قبله وما أرسلا لهم من ولاة جبارين كانت سياسة جائرة باطشة إلى أقصى حد، ورأى أن يقنع بالسيادة الاسمية على صقلية إرضاء لأهلها، وعهد بالولاية عليها لقائد من خيرة قواده سنة ٣٣٦ هو الحسن بن على بن أبى الحسين الكلبى. ومنذ هذا التاريخ أصبح حكم صقلية وراثيا فى أسرته، وأخذ يحكمها حكما عادلا رشيدا، وتصادف فى أول حكمه أن غلاما من غلمانه اغتصب إحدى جواريه، فأمر بقتله حتى لا تسوّل لأحد من جنده وغلمانه نفسه بالاعتداء على الحرمات، وأكبر الناس ذلك منه واستبشروا به. ولما رسخت قدمه فى بلرم

стр. 4512

قبض على مدبرى الفتنة فيها من بنى الطبرى وصادر أموالهم. واطمأن له الناس والتفوا حوله، وحاول إمبراطور بيزنطة فى أول حكمه أن يسترد ما استولى عليه الصقليون من شبه جزيرة قلوريّة، وأرسل لذلك أسطولا فردّه على أعقابه مخذولا، وشيّد مسجدا بها بمدينة رجيو (Reggio) ترسيخا لحكم المسلمين لها وتثبيتا، وأجبر الروم فى مدينة تارنته Tarente على أداء الجزية. وجمع هذا الوالى وقيل بل ابنه أحمد ثلاثين رجلا من وجوه صقلية وسار بهم إلى الخليفة العبيدىّ فى المهدية بإفريقية وبايعوه وخلع عليهم الخليفة. وهو رمز لدخول الجزيرة فى المذهب العبيدى، ونرى ابن حوقل-وهو من دعاة الفاطميين-يذم الصقليين ذما شديدا، مما قد يدل على أن العامة فيها لم تعتنق هذا المذهب. ويتوفى الحسن سنة ٣٤١ ويخلفه فى حكم صقلية ابنه أحمد، وكان يشاركه فى الحكم والتدبير فاتبع سياسته العادلة الرشيدة وكانت رمطة قد خرجت على الدولة فاسترجعها، وركب البحر إلى قلوريّة وأحرق أسطول بيزنطة وأسر قائده وأرسل به مع عدد كبير من الروم إلى المعز، وشعرت بيزنطة بأن أملها فى صقلية أصبح من إحدى المستحيلات فأرسلت إلى المعز وفدا يطلب الصلح حاملا إليه هدايا ثمينة، وتعاقد الوفد معه على ترك الجزيرة له، فى مقابل إخلاء المسلمين مدينتى طبرمين ورمطة لنصارى الجزيرة، وارتضى ذلك المعز، وكانت غلطة كبيرة من أغلاطه. وأخذ المسلمون يتلكئون فى تسليم المدينتين وعزل أحمد بن الحسن سنة ٣٥٨ وكان حسن السيرة كما يقول ابن خلدون وولّى الجزيرة سنة ٣٥٩ أخوه أبو القاسم على بن الحسن، وكانت مسّينى خرجت على الدولة واتخذها العدو مركزا لأعماله ضد المسلمين، فنازلها وحاصرها حتى أعلنت الطاعة، واستعاد مدينة رمطة وأمر بتجديد بنائها، ونازل الروم بقلوريّة ومن عاونهم من الألمان والنّرمان، واستشهد فى إحدى المعارك الطاحنة سنة ٣٧٢ ونقل المسلمون رفاته إلى صقلية. وولى بعده من الأسرة الكلبية أحد أبنائها: جعفر بن محمد وكان من أصحاب الرأى والتدبير، فأخذ يحكم صقلية حكما عادلا نزيها. وحدث فى عهده أن جارية صقلية للخليفة الفاطمى العزيز وكانت محبّبة عنده وكان لها أخ راهب بصقلية فتوسلت إليه أن يرجع إلى النصارى فيها قلاع طبرمين ورمطة وأجابها إلى مطلبها وكتب إلى واليه جعفر يأمره بإخلائها لنصارى الجزيرة، فراجع الخليفة بدهائه حتى عدل عن مطلبه. وتوفّى سريعا سنة ٣٧٥ وتولّى الجزيرة بعده ثقة الدولة أبو الفتوح يوسف بن عبد الله سنة ٣٧٧ وهو من خيرة الولاة الكلبيين، وفيه يقول ابن خلدون: «أنسى بجلائله وفضائله من كان قبله منهم» ويقول لسان الدين بن الخطيب فى أعمال الأعلام: «كانت أيام الناس فى مدته على أفضل ما يشتهون، وقد ضبط الجزيرة ضبطا محكما وظهر من كرمه وجوده على سائر الناس ما لا يحيط به وصف. وعمّ العدل والرخاء والأمن كل جهات الجزيرة» ولم يتحرك فى وجهه عدو من داخل البلاد ولا من خارجها، وزار القاهرة، واستقامت الأمور فى عهده أعظم ما يكون من الاستقامة، وكانت دار

стр. 4513

ولايته أو إمارته فى بلرم مقصد الشعراء والأدباء والعلماء، وهو ممدوح الشاعر الجزائرى المشهور ابن قاضى ميلة، وما زال يسوس الجزيرة وأهلها خير سياسة حتى أصابه الفالج سنة ٣٨٨ وعطّل جانبه الأيسر، واتفق الناس معه على تسليم صولجان الحكم لابنه جعفر، وثار عليه أخوه على وانضمّ إليه البربر والعبيد، وانتصر عليه جعفر فقتله، وأمر بقتل العبيد ونفى الجند البربرى من صقلية، وجعل جنده جميعا من أهل صقلية المسلمين، فقلّ بذلك جنده-كما يقول البكرى-وأعدّ لانهيار ملكه. وسخط عليه أهل صقلية لتغاضيه عن كاتبه حسن الباغانى فى عسفه فى جباية الضرائب، وزادهم سخطا عليه استخفافه بشيوخ بلرم: فحاصروه وشدّدوا الحصار عليه، فخرج إليهم أبوه فى محفّة، وكانت له عندهم منزلة رفيعة، فاحتفوا به، وطلبوا إليه أن ينصفهم منه، واتفق معهم على أن يعزله من ولايته عليهم ويولّى أخاه الأكحل، وارتضوه أميرا بعد أخيه، ولم يلبث الأكحل أن أشرك ابنه جعفرا معه فى الحكم، وكان غرّا تنقصه الخبرة، فاتبع سياسة حمقاء هى التفرقة بين الإفريقيين والصقليين فى المعاملة المالية، واستجار الصقليون من ظلمه بالمعز بن باديس حاكم إفريقية التونسية سنة ٤٢٧ فأرسل معهم ابنه عبد الله فى جيش عداده ستة آلاف نصفه من الفرسان، وانضم إليه أهل الجزيرة، وسرعان ما ندموا وتنكروا لعبد الله بن المعز، فعاد مع جيشه إلى إفريقية، وولّوا عليهم صمصام الدولة شقيق الأكحل. ولم تطل مدته، إذ ثار عليه أهل بلرم، وخلعوه. وتدخل صقلية بعد خلع الصمصام فى عهد يمكن أن يسمى عهد أمراء الطوائف، وفيه ضاعت كل ممتلكاتها فى قلوريّة بإيطاليا، وأخذ قواد الثورة على الصمصام يستقلون ببلدانهم مكونين فيها إمارات، وكانت بلرم من نصيب محمد بن الثمنة أحد القواد، وضمّ إليه مدينة سرقوسة، واستقل ابن متكود من قواد الثورة بمدن: مازر وطرابنش والشاقة ومرسى على فى الغرب والجنوب الغربى، واستقل ابن الحواس على بن نعمة من قواد الثورة أيضا بمدينتى قصريانة وجرجنت، وتفاقمت الفتن وسوء الأحوال فى الجزيرة، ونشبت الحروب بين هؤلاء الأمراء، وأشدّها ما كان بين ابن الثمنة وعلى بن نعمة. وهزم ابن الثمنة هزيمة ساحقة سنة ٤٤٤ هـ/١٠٥٢ م فاستغاث بالنورمان، وكان ذلك إيذانا قويا بضياع الجزيرة من أيدى المسلمين.

стр. 4514

٥ - التاريخ النورمانى-أحوال المسلمين (أ) التاريخ (١) النورمانى النورمان قبائل متبربرة سقطت من شمالى أوربا على شرقيها وغربيها مهاجمة ومكتسحة، وقد اكتسحت الشمال الغربى لفرنسا. واضطر ملك فرنسا إلى إقطاعهم الإقليم المشتق من اسمهم «نورمانديا» فتأقلموا فيه وانتهى عدوانهم. واتجهت جماعات منهم إلى إيطاليا واستولت على أجزائها الجنوبية، وتواتى الفرصة أحد ملوكهم المسمى روجار الأول كى يستولى على صقلية بخيانة أحد أبنائها: «ابن الثمنة»، إذ ساومه فى عونه ضد على بن نعمة على أن يفتح له أبواب مدينة مسّينى واحتلّها واتخذها قاعدة لأعماله الحربية فى الجزيرة، غير أن ابن الثمنة توفى فى العام التالى، وكان جيش روجار قليلا فلم يسارع إلى فتح مدن صقلية. واستصرخ المسلمون فى صقلية تميم بن المعز أمير المهدية فى إفريقية التونسية لينقذهم من براثن روجار والنورمان فأنجدهم بأسطول يقوده ابناه: أيوب وعلى، ونزل أيوب فى الجنوب بمدينة جرجنت ولقيه على بن نعمة لقاء حسنا، بينما نزل أخوه على فى بلرم، واستبشر الناس واستعدوا مع عسكريهما لجنود النورمان، غير أن على بن نعمة صاحب جرجنت عاد فظن الظنون بهذا الجيش الغريب، وانضمّ الأخوان إلى حربه، وسقط فى المعركة. وقامت فتنة بين أهل جرجنت والجيش الإفريقى، وكان النورمان قد جمعوا جموعهما ولقوا هذا الجيش وهزموه، واضطر أيوب وعلى أن يعودا إلى إفريقية التونسية بمن بقى من جيشها سنة ٤٦١ للهجرة، واندفع روجار والنورمان يحتلون المدن فى الجزيرة، وبدءوا بمدينة بلرم وحاصروها بحرا وبرا خمسة أشهر وأهلها يقاومون، وخنقهم الجوع، وظلوا لا يبالون به إلى أن فشا بينهم وباء، ودخلها النورمان سنة ٤٦٤ هـ/١٠٧٢ م ينهبون ويفتكون بشبابها الباسل ويتوزعون بينهم الصبية ليبيعوهم عبيدا، وأحال روجّار مسجدها كنيسة. وسلّمت مازر سريعا خوفا من أن يصيبها ما أصاب بلرم وتبعتها قطانية فى الشرق، غير أن بقية مدن صقلية ظلت تقاوم النورمان عشرين عاما طوالا، وكان من أشدّها

стр. 4515

مقاومة لهم سرقوسة بفضل بطلها ابن عباد الذى نظّم المقاومة فيها وفى ولاية نوطس. وبعد خمس سنوات من الاستيلاء على بلرم استولى روجّار على ثغر أو مدينة طرابنش فى الغرب وهدم سورها ووزّع أرضها على أتباعه. وبعد سنتين من استيلائه عليها استولى على طبرمين فى الشرق. وكان ابن عباد بطل سرقوسة استطاع الاستيلاء على مدينته وجهّز روجار الأول أسطولا ضخما هاجم به سرقوسة بعد أربعة عشر عاما من استيلائه على بلرم وظلت الجبهة الشرقية تقاومه مقاومة عنيفة مع سرقوسة غير أن كفة الأسطول النورمانى علت أخيرا على سفن ابن عباد، وكان يقودها بنفسه وكلما غرقت سفينة من سفنه انتقل إلى أخرى، وزلّت به القدم فى إحدى قفزاته، فتلقّته موجات البحر منحنية لبطولته، وشيّعته إلى قرارها شهيدا، ولولا ذلك لظلت سرقوسة تقاوم النورمان طويلا. وحاصر النورمان مدينة جرجنت ثلاث سنوات طوال إلى أن اضطرتها المخمصة والجوع إلى الاستسلام، وظلوا بعدها يحاصرون مدينة قصريانة وهى تضرب أروع الأمثلة فى مقاومتهم مقاومة باسلة حادة إلى أن سلّمها لهم سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م أميرها ابن حمود، وخشى على نفسه من أهلها أن يفتكوا به فلجأ إلى روجّار وتنصّر فيما يقال خاسرا بذلك بلده ودينه. واستسلمت مدينتا نوطس فى الجنوب الشرقى وبثيرة فى الجنوب. وبذلك استولى روجار على الجزيرة جميعها وأقل نجم الإسلام بها سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩٢ م وبالمثل استولى على مالطة سنة ٤٨٥ هـ/١٠٩٣ م، وظل ملكا عليهما وعلى بعض أجزاء فى جنوبى إيطاليا نحو عشرين عاما حتى سنة ٤٩٤ هـ/١١٠١ م. وخلفه على حكم صقلية روجار الثانى وطال حكمه خمسين عاما ونيفا (٤٩٤ هـ/١١٠٢ م-٥٤٨ هـ/١١٥٤ م) وبينما كان حكم أبيه يعد دورا من أدوار الفتح الحربى وتثبيت الحكم النورمانى فى الجزيرة كان حكمه يعد دورا حضاريا للنورمان-عن طريق العرب-إذ تحضروا فى الجزيرة وامتدت آثار ذلك فى الغرب، وبالمثل حكم ابنه غليوم الأول حتى سنة ٥٦١ هـ/١١٦٦ م وحفيده غليوم الثانى حتى سنة ٥٨٤ هـ/١١٨٩ م. وتولى بعد ذلك ابن عمه طانكرد لمدة أربع سنوات ثم ابنه غليوم الثالث، وتطورت الظروف واستولى أباطرة ألمانيا على صقلية وأصبح فردريك الثانى ملكا عليها (١١٩٤ - ١٢٥٠ م). وحرّى بنا قبل أن نترك الحديث عن الحكم النورمانى بصقلية أن نذكر أنه ظلّ لأسطول صقلية الإسلامية طويلا استعلاء فى البحر المتوسط بحيث كان يعدّ من شمالى مصر إلى الأندلس بحيرة عربية، ومرّ بنا أنه حطم الأسطول البيزنطى مرارا حتى اضطروا أن يرسلوا وفدهم خانعين مستذلين إلى المهدية يطلبون الصلح. وهذه المكانة للأسطول الإسلامى الصقلى ضاعت بضياع صقلية، واستحالت إلى مكانة للأسطول النورمانى الصقلى بحيث أصبح البحر المتوسط بين صقلية ومصر بحيرة نورمانية، وساعدت على ذلك هجرة القبائل العربية من بنى سليم وهلال إلى أفريقية التونسية وقضاؤها على الدولة الصنهاجية بالقيروان وانحيازها إلى

стр. 4516

المهدية، فلم يعد عندها من المال ما تستطيع أن تعدّ به أسطولا ضخما يقف لأسطول النورمان، وكان للدولة العبيدية أسطول قوى أيام مقامها بالمهدية حتى إذا بارحها المعز الفاطمى إلى مصر لم تعد تلك الدولة تعنى بأسطولها إلا بعض سفن تحرس سواحلها، ويدل على مدى ما كان يشعر الخلفاء الفاطميون تجاه النورمان الصقليين وأسطولهم من خزى أن نجد الخليفة الفاطمى الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٤ هـ) حين يستولى روجار الثانى على جزيرة جربة التونسية لا يكتب إليه مهدّدا متوعدا، بل يكتب إليه متخاذلا ردّا على رسالة له كما سجل ذلك القلقشندى فى الجزء السادس من صبحه ص ٤٥٨ قائلا: «وأما ما ذكرته من افتتاحك الجزيرة المعروفة بجربة لما شرحته من عدوان أهلها. . واجترائهم فى الطغيان على أسباب لا يجوز التغافل عن مثلها. . فإن من كانت هذه حالته حقيق أن تكون الرحمة عنه نائية، وخليق أن يأخذه الله من مأمنه أخذة رابية (١)». وبدلا من أن يعد أسطولا لإخراج النورمان على وجوههم من صقلية التى طالما طعم هو وآباؤه من خيراتها وطيباتها أرسل إليه هذا الخطاب المخزى. ومن الغريب أن الحملات الصليبية بدأت بعد تمام استيلاء النورمان على صقلية بسبع سنوات، وقد ظللنا ننازلها نزالا عنيفا قرنين من الزمان والبحر المتوسط بحيرة نورمانية، وهم يغدون فيه ويروحون، ولو أن أسطول صقلية الإسلامية كان لا يزال قائما لفلّ من قوتهم بل لأغرق كثيرا من سفنهم المتجهة إلى ساحل الشام ومصر، بل أيضا إلى ساحل تونس على نحو ما هو معروف من حملة لويس التاسع عليها وموته تحت أسوارها سنة ٦٦٩ هـ/١٢٧١ م. ويتضح من ذلك أن صقلية لم تكن جزيرة إسلامية فقدها المسلمون فحسب بل كانت درعا كبيرا لهم يحمى ثغورهم على سواحل المتوسط، حتى إذا سقط هذا الدرع أخذ الصليبيون يجوبون المتوسط وأخذ النورمان الصقليون يغيرون على سواحل إفريقية التونسية، وكانت آخر غاراتهم وأشدها على تلك السواحل غارتهم سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٩ م فى عهد روجّار الثانى وابنه غليوم واغتصابهم لمدينة المهدية وغالب المدن الساحلية الشرقية: قابس وصفاقس وسوسة، وكان ذلك بعد احتلال جربة التى هنأهم بها الخليفة الفاطمى بقليل. وكان ذلك بسبب ما حدث فى إفريقية التونسية من قيام عصر أمراء الطوائف بعد الهجرة الهلالية السليمية وتنابذ هؤلاء الأمراء وتحاربهم ومحاولة بعضهم الاستعانة بصاحب صقلية ضد إخوته وأهله. ولولا أن قيّض الله لإفريقية التونسية عبد المؤمن أمير الموحدين بالمغرب، فقضى فيها على هؤلاء الأمراء المتنازعين وقهر نصارى النورمان المستولين على الساحل التونسى ومدنه وعلى جربة وطرابلس لظلوا بها طويلا إذ أخرجهم على وجوههم، وسحقهم سحقا ذريعا بحيث لم يعد النورمان بعده يحاولون احتلال الساحل التونسى.

стр. 4517

(ب) أحوال المسلمين لما فتح النورمان صقلية الإسلامية ظلوا طوال فتحهم لها يشعرون أنهم دخلاء غرباء على من فيها من المسلمين والعناصر الأخرى الصقلية الأصيلة والإغريقية والرومية وغير الرومية، وعمّق هذا الشعور فى نفوسهم أنهم لم يكونوا متحضرين وواجهتهم مدن إسلامية متحضرة فى سكانها وفى نظمها فلم يكن أمامهم إلا أن يحاولوا الانتفاع بحضارتها، غير أنهم كانوا مشبّعين بدعوات وإيحاءات من بابا روما ضد الإسلام والمسلمين لتمكين سلطان المسيحية فيها واستئصال جذور الإسلام منها، وهو ما يلاحظ على تصرفات روجّار الأول فيها، إذ أنزل بالمسلمين بها فى حكمه الذى امتد نحو ثلاثين عاما صورا مختلفة من التنكيل، وأول ما يلاحظ من ذلك أنه عمّم نظام الإقطاع فى الجزيرة، فكان يقطع أنصاره وجنوده والأساقفة والقساوسة ما يفتحه من البلدان، ويعدّ من يفلح أو يزرع تلك الممتلكات من المسلمين عبيدا يهدون مع الأرض إلى صاحب الإقطاع، على نحو ما صنع بمدينة قطانية حين فتحها، إذ جعل أهلها المسلمين عبيدا مسترقّين ومنحها إقطاعا للأسقف هناك. وكانت هذه أول ضربة أنزلها بأعدائه المسلمين. والضربة الثانية أنه قرّر على المسلمين عامة دفع جزية، وظلوا يدفعونها حتى نهاية الحكم النورمانى. والضّربة الثالثة أنه أسكن الروم والفرنج مع المسلمين ولم يترك لأحد منهم -كما يقول ابن الأثير-حمّاما خاصا به-ولا دكانا ولا طاحونا ولا فرنا. ويقول بعض الباحثين المعاصرين إن هذا إنما يصدق على جماعات الفلاحين أو من أحالهم الفتح مسترقين، وهو تخصيص لا يقتضيه كلام ابن الأثير. ويقول آخرون دفاعا عن الملك النورمانى روجّار الأول إنه لم يشرّد المسلمين عن مدن صقلية ولو كان يريد التنكيل بهم حقا لشردهم، وينسون أنه كان لا يستطيع تشريدهم وإخراجهم من البلاد، لأنهم كانوا الأداة التى تزرع فيها وتصنع وتنتج ولو شرّدهم لأصبحت خرابا ولجفّت ضروعها ولم يعد يجد فيها ما يحميه هو وجنده وشعبه من الجوع والمسغبة. ومع أن ابنه الملك روجّار الثانى (٤٩٤ - ٥٤٨ هـ) وحفيده غليوم الأول (٥٤٨ - ٥٦١ هـ) كانا لا يقسوان على المسلمين قسوته ظلت فى عهدهما آثار من هذه المعاملة الظالمة للمسلمين صوّرها فى رحلته ابن جبير الذى زار صقلية فى أيام الملك غليوم الأول، إذ يقول عن مدينة مسّينى إنها: «معمورة بعبدة الصلبان، يمشون فى مناكبها ويرتعون فى أكنافها، والمسلمون معهم على أملاكهم وضياعهم، قد حسّنوا السيرة فى استعمالهم واصطناعهم، وضربوا عليهم إتاوة (جزية) فى فصلين من العام يؤدونها وحالوا بينهم وبين سعة فى الأرض كانوا يجدونها» فتملك الأرض فى مسّينى- مع سعتها-كان محرّما على المسلمين، فهم يشتغلون فى مسّينى عمّالا ولا يتحولون بحال ملاكا.

стр. 4518

ويقول ابن جبير عن مسلمى بلرم إن لهم أرباضا (ضواحى) انفردوا بسكناها عن النصارى، ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم إلا فى الأعياد، فهم ممنوعون من صلاة الجمعة. ويحدثنا عن فتى بمسّينى كان يخفى إسلامه متسميا باسم عبد المسيح وأنه احتفى به وبمن كان معه حتى إذا لم يجد حوله من يتهمه بإفشاء سره محافظة على نفسه من النصارى سألهم عن مكة ومشاهدها المعظمة ومشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام فأخبروه وهو يذوب شوقا وتحرقا إلى مشاهدة تلك الأماكن، وغبطهم على رحلتهم إلى مشاهدتها، وقال: أما نحن فكاتمون إيماننا خائفون على أنفسنا متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا. ومما يذكره ابن جبير مما يدل على اضطهاد المسلمين وإدخالهم فى النصرانية قسرا أن فقيها حدّثه فى مدينة طرابنش أنهم ظلوا يطاردونه بمطالبته بأموال يكتنزها فى رأيهم حتى أظهر لهم أنه فارق دينه الحنيف، ولكى يقنعهم بذلك حول مسجدا له بجوار داره إلى كنيسة، فكفّوا عنه وقال إنه يكتم إيمانه! . وذكر أنه لقى زعيم المسلمين المعروف فى تلك الديار باسم ابن حجر ممدوح ابن فلاقس الشاعر الإسكندرى. فقال له إنهم ظلوا يوالون عليه مصادرات بلغت ثلاثين ألف دينار، وما زال يتخلى عن جميع ممتلكاته وعقاراته حتى أصبح بدون مال، ومما قال له: «كنت أودّ لو أباع أنا وأهل بيتى لعل البيع يخلّصنا مما نحن فيه ونصبح فى بلاد المسلمين». ويروى ابن جبير قصة تقطّع نياط القلوب حسرة إذ يقول إن أحد أعيان الجزيرة وجّه ابنه إلى حاجّ من أصحابنا الحجاج راغبا إليه فى أن يقبل منه بنتا له عذراء صغيرة السن قد راهقت الإدراك، فإن رضيها تزوّجها، وإن لم يرضها زوّجها، ممن يرضاه لها من أهل بلده. طمعا فى التخلص من هذه الفتنة. وطاب الأب وإخوتها بذلك نفسا لعلهم يجدون يوما السبيل إلى التخلص إلى بلاد المسلمين. وتأجّر (طلب الثواب) هذا الحاج المرغوب إليه بقبول ذلك، وأعانه ابن جبير ومن معه على اغتنام هذه الفرصة المؤدية إلى خير الدنيا والآخرة، يقول ابن جبير: «وطال عجبنا من حال تؤدى بإنسان إلى السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة فى القلب وإسلامها إلى يد من يغرّبها واحتمال الصبر عنها ومكابدة الشوق إليها والوحشة دونها، كما استغربنا حال الصبيّة، صانها الله، ورضاها بفراق أهلها رغبة فى الإسلام واستمساكا بعروته الوثقى». وهل بعد ذلك من دليل على أن النورمان عاملوا المسلمين فى صقلية بمنتهى الظلم والقسوة والعتو والبغى حتى يفارقوا دينهم الحنيف كرها، ومن عجب أن يكتب المؤرخون الغربيون أبناء عمومتهم أنهم عاملوا المسلمين بتسامح لا حد له وبعدل ما بعده عدل، فنصدقهم، وهم قد عاملوهم بوحشية ما مثلها وحشية واستذلوهم ونهبوا حريتهم التى خلقهم الله بها وأحالوهم-أو أحالوا الشطر الأكبر منهم-عبيدا مسترقين. وازدادت هذه الوحشية ضراوة فى عهد أباطرة الألمان حين استولوا على صقلية سنة

стр. 4519

٥٩١ هـ/١١٩٤ م فإنهم أخذوا ينزلون بأهلها من المسلمين-بتأثير الكنيسة-صورا فظيعة من الاضطهاد والتنكيل، ومنعوهم منعا باتا من حمل السلاح، وفرضوا عليهم-كما يقول الأستاذ الجليل حسن حسنى عبد الوهاب-أن يعمّد أبناؤهم مثل أبناء النصارى: أمر لا رادّ له من البابا دون استحياء، كما فرضوا عليهم أن يضعوا على صدورهم قطعة من النسيج الأحمر طولها شبر وعرضها إصبعان للتمييز بينهم وبين النصارى، وهاجرت كثرة من مسلمى صقلية- وخاصة من التجار والصناع-إلى الساحل التونسى والبلاد الإفريقية، فرارا من هذا الظلم الذى لا يطاق، وبقيت قلة مستضعفة-وخاصة من أهل الأرياف-تتحمل هذا العذاب والهوان، وتعامل معاملة العبيد الأرقاء. وحين صارت إفريقية التونسية إلى أبى زكريا الحفصى وعلم بما يقع على تلك القلة من الظلم فى أبشع صوره كاتب فردريك الثانى إمبراطور المانيا وملك صقلية ليرفع هذا الظلم عن مسلمى الجزيرة، وعقد معه معاهدة تضمن لهم الحرية الدينية، حتى إذا توفى أبو زكريا سنة ٦٤٧ هـ/١٢٤٥ م رجع الظلم والعدوان الذى لا يطاق، واستغاثوا بالمستنصر بن أبى زكريا، فاتفق مع فردريك الثانى إمبراطور ألمانيا وملك صقلية سنة ٦٤٧ على إجلائهم إلى إفريقية التونسية، وبالمثل إخلاء مالطة من كل من بقى فيها من المسلمين.

стр. 4520

الفصل الثّانى المجتمع الصقلى والثقافة ١ - المجتمع الصقلى (١) فى العهد العربى ظل المسلمون فى صقلية-طوال حكمهم بها-لا يزيدون عن نصف سكانها وكانت مجمعا لعناصر شتى مسيحيين من سكانها الأصليين الصيقول ومن النورمان والإغريق والصقالبة ومن بقايا الفينيقيين والقرطاجيين مع قلة من اليهود وكانت لهم حارة فى بلرم وقلة من الزنوج ونزل أكثر البربر. . نواحى مازر وجرجنت. وكان فى كل بلد من يملكون الإقطاعات الكبيرة ومن يملكون القطع الصغيرة، وكان الولاة يكتنزون لأنفسهم كثيرا من الذهب والفضة، ويقال إن واليها ثقة الدولة حين ارتحل إلى مصر كان معه ٦٧٠ ألف دينار سوى آلاف الخيل والبغال، ويبالغ ابن حوقل فيقول إن أهلها فقراء بينما نجد الإصطخرى يقول: «فى صقلية من الخصب والزروع والمواشى والرقيق ما يفضل سائر الموانى المتاخمة للبحر» ونفس ابن حوقل يعدّد الأسواق فى بلرم ويبلغ بها نحو الثلاثين إذ كان بها سوق الزياتين والدقاقين والصيارفة والحدادين والصياقلة وبائعى القمح والطرازين والسماكين والأبزاريين وباعة البقل وأصحاب الفاكهة وباعة الريحان والجزارين والخبازين والعطارين والأساكفة والدباغين والنجارين والغضائريين والخشابين، وكان بها للقصابين نحو مائتى حانوت لبيع اللحم ويجاورهم القطانون والحلاجون والحذّاءون». وفى ذلك ما يدل على انتعاش الحركة التجارية فى بلرم وأن سكانها لم يكن يعمهم الفقر كما يقول ابن حوقل، وبالمثل بقية المدن فى صقلية.
следующие страницы →