المهدية، فلم يعد عندها من المال ما تستطيع أن تعدّ به أسطولا ضخما يقف لأسطول النورمان، وكان للدولة العبيدية أسطول قوى أيام مقامها بالمهدية حتى إذا بارحها المعز الفاطمى إلى مصر لم تعد تلك الدولة تعنى بأسطولها إلا بعض سفن تحرس سواحلها، ويدل على مدى ما كان يشعر الخلفاء الفاطميون تجاه النورمان الصقليين وأسطولهم من خزى أن نجد الخليفة الفاطمى الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٤ هـ) حين يستولى روجار الثانى على جزيرة جربة التونسية لا يكتب إليه مهدّدا متوعدا، بل يكتب إليه متخاذلا ردّا على رسالة له كما سجل ذلك القلقشندى فى الجزء السادس من صبحه ص ٤٥٨ قائلا: «وأما ما ذكرته من افتتاحك الجزيرة المعروفة بجربة لما شرحته من عدوان أهلها. . واجترائهم فى الطغيان على أسباب لا يجوز التغافل عن مثلها. . فإن من كانت هذه حالته حقيق أن تكون الرحمة عنه نائية، وخليق أن يأخذه الله من مأمنه أخذة رابية (١)».
وبدلا من أن يعد أسطولا لإخراج النورمان على وجوههم من صقلية التى طالما طعم هو وآباؤه من خيراتها وطيباتها أرسل إليه هذا الخطاب المخزى. ومن الغريب أن الحملات الصليبية بدأت بعد تمام استيلاء النورمان على صقلية بسبع سنوات، وقد ظللنا ننازلها نزالا عنيفا قرنين من الزمان والبحر المتوسط بحيرة نورمانية، وهم يغدون فيه ويروحون، ولو أن أسطول صقلية الإسلامية كان لا يزال قائما لفلّ من قوتهم بل لأغرق كثيرا من سفنهم المتجهة إلى ساحل الشام ومصر، بل أيضا إلى ساحل تونس على نحو ما هو معروف من حملة لويس التاسع عليها وموته تحت أسوارها سنة ٦٦٩ هـ/١٢٧١ م. ويتضح من ذلك أن صقلية لم تكن جزيرة إسلامية فقدها المسلمون فحسب بل كانت درعا كبيرا لهم يحمى ثغورهم على سواحل المتوسط، حتى إذا سقط هذا الدرع أخذ الصليبيون يجوبون المتوسط وأخذ النورمان الصقليون يغيرون على سواحل إفريقية التونسية، وكانت آخر غاراتهم وأشدها على تلك السواحل غارتهم سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٩ م فى عهد روجّار الثانى وابنه غليوم واغتصابهم لمدينة المهدية وغالب المدن الساحلية الشرقية: قابس وصفاقس وسوسة، وكان ذلك بعد احتلال جربة التى هنأهم بها الخليفة الفاطمى بقليل. وكان ذلك بسبب ما حدث فى إفريقية التونسية من قيام عصر أمراء الطوائف بعد الهجرة الهلالية السليمية وتنابذ هؤلاء الأمراء وتحاربهم ومحاولة بعضهم الاستعانة بصاحب صقلية ضد إخوته وأهله. ولولا أن قيّض الله لإفريقية التونسية عبد المؤمن أمير الموحدين بالمغرب، فقضى فيها على هؤلاء الأمراء المتنازعين وقهر نصارى النورمان المستولين على الساحل التونسى ومدنه وعلى جربة وطرابلس لظلوا بها طويلا إذ أخرجهم على وجوههم، وسحقهم سحقا ذريعا بحيث لم يعد النورمان بعده يحاولون احتلال الساحل التونسى.
стр. 4517
(ب) أحوال المسلمين
لما فتح النورمان صقلية الإسلامية ظلوا طوال فتحهم لها يشعرون أنهم دخلاء غرباء على من فيها من المسلمين والعناصر الأخرى الصقلية الأصيلة والإغريقية والرومية وغير الرومية، وعمّق هذا الشعور فى نفوسهم أنهم لم يكونوا متحضرين وواجهتهم مدن إسلامية متحضرة فى سكانها وفى نظمها فلم يكن أمامهم إلا أن يحاولوا الانتفاع بحضارتها، غير أنهم كانوا مشبّعين بدعوات وإيحاءات من بابا روما ضد الإسلام والمسلمين لتمكين سلطان المسيحية فيها واستئصال جذور الإسلام منها، وهو ما يلاحظ على تصرفات روجّار الأول فيها، إذ أنزل بالمسلمين بها فى حكمه الذى امتد نحو ثلاثين عاما صورا مختلفة من التنكيل، وأول ما يلاحظ من ذلك أنه عمّم نظام الإقطاع فى الجزيرة، فكان يقطع أنصاره وجنوده والأساقفة والقساوسة ما يفتحه من البلدان، ويعدّ من يفلح أو يزرع تلك الممتلكات من المسلمين عبيدا يهدون مع الأرض إلى صاحب الإقطاع، على نحو ما صنع بمدينة قطانية حين فتحها، إذ جعل أهلها المسلمين عبيدا مسترقّين ومنحها إقطاعا للأسقف هناك. وكانت هذه أول ضربة أنزلها بأعدائه المسلمين. والضربة الثانية أنه قرّر على المسلمين عامة دفع جزية، وظلوا يدفعونها حتى نهاية الحكم النورمانى. والضّربة الثالثة أنه أسكن الروم والفرنج مع المسلمين ولم يترك لأحد منهم -كما يقول ابن الأثير-حمّاما خاصا به-ولا دكانا ولا طاحونا ولا فرنا. ويقول بعض الباحثين المعاصرين إن هذا إنما يصدق على جماعات الفلاحين أو من أحالهم الفتح مسترقين، وهو تخصيص لا يقتضيه كلام ابن الأثير. ويقول آخرون دفاعا عن الملك النورمانى روجّار الأول إنه لم يشرّد المسلمين عن مدن صقلية ولو كان يريد التنكيل بهم حقا لشردهم، وينسون أنه كان لا يستطيع تشريدهم وإخراجهم من البلاد، لأنهم كانوا الأداة التى تزرع فيها وتصنع وتنتج ولو شرّدهم لأصبحت خرابا ولجفّت ضروعها ولم يعد يجد فيها ما يحميه هو وجنده وشعبه من الجوع والمسغبة.
ومع أن ابنه الملك روجّار الثانى (٤٩٤ - ٥٤٨ هـ) وحفيده غليوم الأول (٥٤٨ - ٥٦١ هـ) كانا لا يقسوان على المسلمين قسوته ظلت فى عهدهما آثار من هذه المعاملة الظالمة للمسلمين صوّرها فى رحلته ابن جبير الذى زار صقلية فى أيام الملك غليوم الأول، إذ يقول عن مدينة مسّينى إنها:
«معمورة بعبدة الصلبان، يمشون فى مناكبها ويرتعون فى أكنافها، والمسلمون معهم على أملاكهم وضياعهم، قد حسّنوا السيرة فى استعمالهم واصطناعهم، وضربوا عليهم إتاوة (جزية) فى فصلين من العام يؤدونها وحالوا بينهم وبين سعة فى الأرض كانوا يجدونها» فتملك الأرض فى مسّينى- مع سعتها-كان محرّما على المسلمين، فهم يشتغلون فى مسّينى عمّالا ولا يتحولون بحال ملاكا.
стр. 4518
ويقول ابن جبير عن مسلمى بلرم إن لهم أرباضا (ضواحى) انفردوا بسكناها عن النصارى، ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم إلا فى الأعياد، فهم ممنوعون من صلاة الجمعة.
ويحدثنا عن فتى بمسّينى كان يخفى إسلامه متسميا باسم عبد المسيح وأنه احتفى به وبمن كان معه حتى إذا لم يجد حوله من يتهمه بإفشاء سره محافظة على نفسه من النصارى سألهم عن مكة ومشاهدها المعظمة ومشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام فأخبروه وهو يذوب شوقا وتحرقا إلى مشاهدة تلك الأماكن، وغبطهم على رحلتهم إلى مشاهدتها، وقال: أما نحن فكاتمون إيماننا خائفون على أنفسنا متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا. ومما يذكره ابن جبير مما يدل على اضطهاد المسلمين وإدخالهم فى النصرانية قسرا أن فقيها حدّثه فى مدينة طرابنش أنهم ظلوا يطاردونه بمطالبته بأموال يكتنزها فى رأيهم حتى أظهر لهم أنه فارق دينه الحنيف، ولكى يقنعهم بذلك حول مسجدا له بجوار داره إلى كنيسة، فكفّوا عنه وقال إنه يكتم إيمانه! . وذكر أنه لقى زعيم المسلمين المعروف فى تلك الديار باسم ابن حجر ممدوح ابن فلاقس الشاعر الإسكندرى.
فقال له إنهم ظلوا يوالون عليه مصادرات بلغت ثلاثين ألف دينار، وما زال يتخلى عن جميع ممتلكاته وعقاراته حتى أصبح بدون مال، ومما قال له: «كنت أودّ لو أباع أنا وأهل بيتى لعل البيع يخلّصنا مما نحن فيه ونصبح فى بلاد المسلمين». ويروى ابن جبير قصة تقطّع نياط القلوب حسرة إذ يقول إن أحد أعيان الجزيرة وجّه ابنه إلى حاجّ من أصحابنا الحجاج راغبا إليه فى أن يقبل منه بنتا له عذراء صغيرة السن قد راهقت الإدراك، فإن رضيها تزوّجها، وإن لم يرضها زوّجها، ممن يرضاه لها من أهل بلده. طمعا فى التخلص من هذه الفتنة. وطاب الأب وإخوتها بذلك نفسا لعلهم يجدون يوما السبيل إلى التخلص إلى بلاد المسلمين. وتأجّر (طلب الثواب) هذا الحاج المرغوب إليه بقبول ذلك، وأعانه ابن جبير ومن معه على اغتنام هذه الفرصة المؤدية إلى خير الدنيا والآخرة، يقول ابن جبير: «وطال عجبنا من حال تؤدى بإنسان إلى السماح بمثل هذه الوديعة المعلقة فى القلب وإسلامها إلى يد من يغرّبها واحتمال الصبر عنها ومكابدة الشوق إليها والوحشة دونها، كما استغربنا حال الصبيّة، صانها الله، ورضاها بفراق أهلها رغبة فى الإسلام واستمساكا بعروته الوثقى».
وهل بعد ذلك من دليل على أن النورمان عاملوا المسلمين فى صقلية بمنتهى الظلم والقسوة والعتو والبغى حتى يفارقوا دينهم الحنيف كرها، ومن عجب أن يكتب المؤرخون الغربيون أبناء عمومتهم أنهم عاملوا المسلمين بتسامح لا حد له وبعدل ما بعده عدل، فنصدقهم، وهم قد عاملوهم بوحشية ما مثلها وحشية واستذلوهم ونهبوا حريتهم التى خلقهم الله بها وأحالوهم-أو أحالوا الشطر الأكبر منهم-عبيدا مسترقين.
وازدادت هذه الوحشية ضراوة فى عهد أباطرة الألمان حين استولوا على صقلية سنة
стр. 4519
٥٩١ هـ/١١٩٤ م فإنهم أخذوا ينزلون بأهلها من المسلمين-بتأثير الكنيسة-صورا فظيعة من الاضطهاد والتنكيل، ومنعوهم منعا باتا من حمل السلاح، وفرضوا عليهم-كما يقول الأستاذ الجليل حسن حسنى عبد الوهاب-أن يعمّد أبناؤهم مثل أبناء النصارى: أمر لا رادّ له من البابا دون استحياء، كما فرضوا عليهم أن يضعوا على صدورهم قطعة من النسيج الأحمر طولها شبر وعرضها إصبعان للتمييز بينهم وبين النصارى، وهاجرت كثرة من مسلمى صقلية- وخاصة من التجار والصناع-إلى الساحل التونسى والبلاد الإفريقية، فرارا من هذا الظلم الذى لا يطاق، وبقيت قلة مستضعفة-وخاصة من أهل الأرياف-تتحمل هذا العذاب والهوان، وتعامل معاملة العبيد الأرقاء. وحين صارت إفريقية التونسية إلى أبى زكريا الحفصى وعلم بما يقع على تلك القلة من الظلم فى أبشع صوره كاتب فردريك الثانى إمبراطور المانيا وملك صقلية ليرفع هذا الظلم عن مسلمى الجزيرة، وعقد معه معاهدة تضمن لهم الحرية الدينية، حتى إذا توفى أبو زكريا سنة ٦٤٧ هـ/١٢٤٥ م رجع الظلم والعدوان الذى لا يطاق، واستغاثوا بالمستنصر بن أبى زكريا، فاتفق مع فردريك الثانى إمبراطور ألمانيا وملك صقلية سنة ٦٤٧ على إجلائهم إلى إفريقية التونسية، وبالمثل إخلاء مالطة من كل من بقى فيها من المسلمين.
стр. 4520
الفصل الثّانى
المجتمع الصقلى والثقافة
١ - المجتمع الصقلى (١) فى العهد العربى
ظل المسلمون فى صقلية-طوال حكمهم بها-لا يزيدون عن نصف سكانها وكانت مجمعا لعناصر شتى مسيحيين من سكانها الأصليين الصيقول ومن النورمان والإغريق والصقالبة ومن بقايا الفينيقيين والقرطاجيين مع قلة من اليهود وكانت لهم حارة فى بلرم وقلة من الزنوج ونزل أكثر البربر. . نواحى مازر وجرجنت. وكان فى كل بلد من يملكون الإقطاعات الكبيرة ومن يملكون القطع الصغيرة، وكان الولاة يكتنزون لأنفسهم كثيرا من الذهب والفضة، ويقال إن واليها ثقة الدولة حين ارتحل إلى مصر كان معه ٦٧٠ ألف دينار سوى آلاف الخيل والبغال، ويبالغ ابن حوقل فيقول إن أهلها فقراء بينما نجد الإصطخرى يقول: «فى صقلية من الخصب والزروع والمواشى والرقيق ما يفضل سائر الموانى المتاخمة للبحر» ونفس ابن حوقل يعدّد الأسواق فى بلرم ويبلغ بها نحو الثلاثين إذ كان بها سوق الزياتين والدقاقين والصيارفة والحدادين والصياقلة وبائعى القمح والطرازين والسماكين والأبزاريين وباعة البقل وأصحاب الفاكهة وباعة الريحان والجزارين والخبازين والعطارين والأساكفة والدباغين والنجارين والغضائريين والخشابين، وكان بها للقصابين نحو مائتى حانوت لبيع اللحم ويجاورهم القطانون والحلاجون والحذّاءون». وفى ذلك ما يدل على انتعاش الحركة التجارية فى بلرم وأن سكانها لم يكن يعمهم الفقر كما يقول ابن حوقل، وبالمثل بقية المدن فى صقلية.
стр. 4521
وكانت الجزيرة موزعة قبل فتح المسلمين لها إلى ولايتين كبيرتين: ولاية بلرم وولاية سرقوسة، ووزعها المسلمون بعد الفتح إلى ثلاث ولايات كبيرة: شرقية وجنوبية غربية ثم غربية وتضم الشمال. وجعل المسلمون لكل ولاية واليا يدير أعمالها ومعه عدد من العمال يساعدونه فى تصريف هذه الأعمال، وكان كل وال يسمى قائدا، ربما لكثرة ما كان ينهض به من الحروب ضد الحصون فى إقليمه. وكان فى كل ناحية وكل بلد قاض ومعه كاتب لتقييد الأحكام.
وكان قاضى بلرم يفصل فى القضايا المهمة، ولذلك كان يسمى المفتى. وكان السكان المسيحيون فى الجزيرة يمثلون ما يقرب من نصف سكانها وعاملهم الولاة المسلمون ونوابهم بمنتهى العدل والتسامح طبقا لتعاليم الإسلام فكان الثرى يدفع سنويا للدولة ٤٨ دينارا والفرد فى الطبقة الوسطى يدفع ٢٤ دينارا، بينما يدفع من يكسب عيشه بعرق جبينه ١٢ دينارا فحسب. ولم تكن تؤخذ ضريبة من الرهبان والقسس والنساء والعجزة والأطفال، فهم جميعا معفون من الضرائب إعفاء تاما. وكانت الضريبة السالفة تسمى خراجا وهى فى حقيقتها ضريبة دفاع. وحافظ المسلمون فى صقلية-كما حافظوا فى كل ديارهم-على مؤسسات المسيحيين الدينية من كنائس وغير كنائس، كما حافظوا لهم على قوانينهم الدينية والمدنية وعلى محاكمهم الخاصة، وأتاحوا لهم الحرية التامة فى أداء شعائرهم الدينية.
وطبيعى أن تكون بصقلية مجموعة من الدواوين للإشراف على نظام الحكم وتدبير شئونه، فكان بها ديوان المحاسبة الذى يقوم بأعمال وزارة المالية فى عصرنا، فيه خزانة الدولة، وفيه موظفون يراجعون ما يجمعه المحتسبون فى المدن والأعمال المختلفة من الضرائب. ويقول ابن حوقل إن الضرائب فيها كانت تضم: «خمسها ومستغلاتها ومال اللطف والجوالى المرسومة على الجماجم ومال البحر والهدية الواجبة فى كل سنة على أهالى قلوريّة وقبالة الصيود وجميع المرافق». ولم يسمّ ابن حوقل. الدواوين التى كانت تشرف على جمع هذه الضرائب الكثيرة، ومن الممكن بالمقابلة على النصوص الصقلية أن نعرف بعضها على الأقل فكان عندهم ديوان الخمس المشرف على ما يجمع من غنائم الحرب، فإن للدولة-كما هو معروف-خمس ما يجمع من الغنائم كما تقرر ذلك سورة الأنفال، وكان عندهم ديوان الممتلكات العقارية المستغلة.
وديوان اللطف وهو ديوان الهدايا التى كانت ترسل سنويا للخليفة الفاطمى فى المهدية والقاهرة، وديوان الجوالى وهو ديوان الجزية التى كانت تؤخذ على الرءوس أو على الجماجم كما يقول ابن حوقل. وكانت تفرض ضريبة على الوارد من البحر، وإما كان لها ديوان خاص وإما كانت تضم إلى ديوان المستغلات، وقبالة الصيود أى ضمانها بمبلغ معين ولعلها كانت تضم أيضا إلى ديوان المستغلات، ولعله هو المسمى فى بعض النصوص باسم ديوان التحقيق. وكلمة: جميع المرافق عند ابن حوقل تدل على أنهم كانوا يأخذون ضريبة على كل المنتجات وخاصة الصناعية إذ كان للصناعة ديوان خاص وقد يسمى ديوان الطراز. وكان من أهم الدواوين عندهم ديوان الإنشاء
стр. 4522
ويتولاه أبلغ الكتاب مثل ابن الطوبى فى عهد ثقة الدولة وأبنائه. ويبدو أنه كانت فى بلرم طبقة من الشيوخ وبعض الأعيان يرجع إليها الوالى للمشورة فى بعض القضايا العامة أو بعض الأحكام، وكانت تبرز حين يؤخذ الرأى فى والى صقلية الجديد، وكثيرا ما كان يؤخذ برأيها فيه كما كان يؤخذ برأيها فى ضبط أموال الدولة.
وكانت الزراعة فى صقلية تغلّ محصولا كبيرا من القمح الذى أدخله فيها القرطاجيون وكان يغطى أجزاء كبيرة فيها بردائه الذهبى كل عام، وكانوا قد أدخلوا فيها غرس شجر الزيتون كما أدخل الإغريق غرس الكروم، وعنيها يفضل عنب اليونان، ونقل العرب إليها كثيرا من الزروع مثل القصب والأرز والقطن والبصل وكثيرا من الأشجار مثل النخيل والليمون واللوز والفستق وكثيرا من الفواكه مثل التين والبرتقال والتوت وكثيرا من الخضروات ومن الرياحين.
وفى سبيل خدمة الزراعة والحصول على إنتاج وافر حفروا القنوات والترع التى ما تزال موجودة بها إلى اليوم، واستعملوا طواحين الماء والخزانات لتوزيع المياه على الزرع والبساتين كما استعملوا النواعير والمواسير المعقوفة التى توجه مجارى المياه كما يشاءون. وبذلك أحال العرب صقلية إلى مزرعة كبيرة، تتخللها الحدائق والبساتين البديعة. وكان بها مراع واسعة يربّى بها الماعز والأغنام والمواشى، وكانت بها خيول مشهورة فى عهد البيزنطيين، وأدخل فيها العرب خيولهم، وتفوقت على الخيول البيزنطية.
وكانت فى صقلية بعض صناعات قبل نزول المسلمين بها، ولكن صناعاتها ازدهرت فى أيامهم ازدهارا واسعا بما ألقته الأرض إليهم من مناجمها فى حجورهم من الذهب والفضة والنحاس والكبريت سوى منتوجات الثروة المعدنية من الشّبّ والقطران ومنتوجات البحر المتوسط حولها من التنّ والمرجان ومختلف الأسماك. وأدخل المسلمون إليها صناعة الحرير وتطريز المنسوجات وتزيين السجاجيد بالنقوش البديعة وزركشة الثياب والجلود المصبوغة وإتقان صناعة الحلىّ. واشتهر ما كان ينتجه المسلمون من الكتّان فى الجزيرة شهرة واسعة، ويشيد بكتانها ابن حوقل جودة ورخصا، ويقول إن نسيجه مما يقطع قطعين وكان يباع بمصر من خمسين رباعيا إلى ستين، ويقول ناصر خسرو: يجلب من صقلية كتان رقيق وثياب منقوشة يساوى الثوب منها فى مصر عشرة دنانير مغربية، وفى خطط المقريزى أنه وجد لعزّة بنت المعز فى خزائنها ثلاثون ألف شقة صقلية. وكان قطع الأخشاب فى غابات جبل إتنا والغابات الشمالية يعود بغير قليل من الربح، وكانت صناعة السفن رائجة، وكان يجلب لها الخشب من جفلود والحديد من بلهرا. وكانت بالجزيرة بقاع يكثر فيها البربير، وهو البردى، وكانت مصر من قديم تصنع منه الورق للكتابة عليه، ونقل العرب عنها هذه الصناعة وكان الورق المتخذ منه لكتابة المنشورات والوثائق يسمى باسم الكاغد، ونقلت الدولة الأغلبية صناعته عن مصر إلى إفريقية
стр. 4523
التونسية وأدخلتها إلى صقلية، فكان يصنع لها فيها الكاغد أو الطوامير لكتاباتها الرسمية، وما فضل عن حاجتها يفتله صنّاع حبالا للمراكب ولغيرها. واجتازت صناعة الطوامير من مضيق مسّينى إلى سالرنو Salerno بإيطاليا وتغلغلت-فى عهد النورمان-إلى الشمال ومدينة نابولى، واجتازتها إلى أوربا الوسطى وألمانيا وهو فضل كبير لمسلمى صقلية على الحضارة الإنسانية، فلولاهم ما عرفت ألمانيا الورق ولا صناعته، ولا أتيح فيما بعد-لعالمها الفذ «جوتنبرج» -اختراع الطباعة.
ولا ريب فى أن صناعة صقلية الإسلامية المزدهرة وازدهار إنتاجها الزراعى أهّلها لأن تزدهر بها التجارة، وقد مرت بنا كثرة الأسواق فى بلرم حتى لتبلغ نحو ثلاثين سوقا، وكان بسوق القصابين أو الجزارين وحدهم-كما مرّ بنا-نحو مائتى محل أو دكان. وأتاح ذلك لصقلية ثراء واسعا، أما ما يقوله ابن حوقل من فقر أهلها فكان داعية للفاطميين ووجد عامّة الناس هناك تنفر من العقيدة الفاطمية وتتعلق بمذاهب أهل السنّة فحمل عليهم، ولم يحمل عليهم من ناحية ما وصمهم به من الفقر المادى فحسب فقد حمل عليهم أيضا من ناحية الفقر الخلقى، فوصفهم بالخبث واللؤم وقلة الذكاء ونقص المروءة وشدة الجهل، وهو متّهم فى كل ما وصفهم به من الناحية الخلقية وأيضا من الناحية الدينية فقد رماهم بضعف دينهم لأنهم-فى رأينا-لا يدينون بالمذهب الفاطمى الإسماعيلى، بينما يصفهم غيره بنظافة الثياب وحسن الصور إلى مروءات ظاهرة وعشرة حسنة. والحق أن ابن حوقل فى ذلك كله مغرض، ومن يقرأ وصف مدنها عند الإدريسى يراه يشيد بقصورها وبساتينها وأسواقها مبهورا بما فيها من حركة تجارية واسعة لا فى بلرم وحدها بل فى كل المدن التى زارها وخاصة مسينى وقطانية وسرقوسة ونوطس وجرجنت ومازر وأطرابنش، وإذا كان الإدريسى زارها فى العصر النورمانى فإننا نجد أمارى ينقل فى المكتبة الصقلية عن الراهب ثيودوسيوس-وكان قد أسر فى سرقوسة بالقرن التاسع الميلادى سنة ٢٦٥ هـ/٨٧٨ م زمن الأغالبة ونقل منها إلى بلرم-أنه تحدث بإعجاب عما شاهده من القصور فى المدينتين كما تحدث عن أسواق بلرم وكثرة من فيها من جميع الأجناس الأوربية والإفريقية والآسيوية، ويقول نوبل دى فرجى فى كتابه «العالم» إن تجارة صقلية بلغت أيام المسلمين ازدهارا عظيما لم تدركه فى تاريخها لا قبلهم ولا بعدهم. وعلى الرغم من عوادى الأيام على قصور المسلمين ومساجدهم ومبانيهم فيها لا تزال فى بقاياها وأروقتها الباقية ما يشهد بأن شعبا عظيما سكن تلك الجزيرة وشاد فيها روائع من القصور والأبنية الفخمة برخامها وفسيفسائها ونقوشها البديعة، مما بهر فون شاك وتجرد له سنوات طوالا يصفه فى كتابه: الفن العربى فى إسبانيا وصقلية. ومن القصور المشيدة التى خلفها المسلمون ببلرم قصر العزيز الذى بناه الأمراء الكلبيون وقصر القبة وقصر المنصورية وقصر الفوارة شرقىّ بلرم، وسنذكر طرفا مما نظمه فيها بعض الشعراء فى غير هذا الموضع.
стр. 4524
وطبيعى أن يكون للزهد والتصوف مسارب فى الحياة بصقلية الإسلامية، وكان القضاة والفقهاء فى طليعة من يمثلون الزهد والتقشف والانصراف عن متاع الحياة طلبا لما عند الله من ثواب الآخرة، ونلتقى فى أول نزول المسلمين فى صقلية بقاضيها ابن أبى محرز، وكانت تضرب بعدله ونزاهته وتقواه الأمثال، وكان قد عاد إلى القيروان قبيل وفاته، فأوصى عمر أخاه أن يكتم خبر موته حين ينزل به القضاء، خوفا من أن يكفّنه ويدفنه الأمير الأغلبى وينفق ثمن ذلك عليه من بيت مال المسلمين، فيلقى الله وعليه من مال المسلمين شئ، وأنفذ أخوه وصيته، وتعجب الناس من ورعه حتى فى موته. ويذكر صاحب رياض النفوس عن القاضى أبى عمرو ميمون بن عمر المتوفى سنة ٣١٦ هـ/٩٢٩ م أنه ولى قضاء صقلية، فاجتاز بمدينة سوسة، فقال:
يا أهل سوسة انظروا هذا كسائى وهذه فروتى وهذا خرج فيه كتبى وهذه الجارية السوداء تخدمنى ومعها جبّة وكساء، فبهذا رحلت عنكم، فانظروا بأى شئ أرجع. فلما وصل إلى بلرم قالوا له: هذه دار القضاء (وكانت واسعة) تنزل فيها، فتركها ونزل فى دويرة (صغيرة) لطيفة، وكانت الجارية السوداء تغزل وتبيع غزلها وتنفق عليه من فضل ذلك. ومرض ولم يخرج ثلاثة أيام فدخلوا عليه لعيادته فوجدوا عند رأسه وسادتين محشوّتين تبنا وتحته حصيرة من البردى. وعاد إلى بلده عن طريق سوسة فاستقبله بعض أهلها، فقال: يا أهل سوسة كما غادرناكم نعود إليكم: هذه جبّتى وكسائى وخرجى فيه كتبى، وهذه السوداء تخدمنى.
والقاضيان: ميمون وابن أبى محرز مثلان رائعان لمن كان يزهد من أهل صقلية وقضاتها وفقهائها فى متاع الحياة مكتفيا بأقل القليل من عيشته راضيا بحياة التقشف بل واجدا فيها متاعه فليس له مأرب سواها، وممن يمثل ذلك من أهل صقلية ما رواه المالكى فى رياض النفوس عن أبى الحسن الصقلى الحريرى من أنه قضى عمره-أو شطرا كبيرا منه-صامتا لا ينطق إلا بذكر الله تعالى أو بما يعنيه، فإذا أقيمت الصلاة تأوّه وتواجد وقال: «وا ذهاب عمرى فى خسارة». وقد ظل الزهد فى صقلية الإسلامية فرديا، ولم يتحول إلى حركة واسعة بحيث تنشأ عنه حركة صوفية، وحقا قد يوصف بعض الصقليين بأنه صوفى دون أن يعنى الوصف بذلك الحقيقة الصوفية إنما يعنى العبادة، وربما كان الشخص الوحيد الذى يمكن أن يسلك هناك فى عداد الصوفية هو أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله البكرى الذى حجّ وسمع العلماء بمكة سنة ٣٥٠ هـ/٩٦١ م ويوصف بأنه «إمام الحقيقة وشيخ أهل الطريقة» وله مؤلفات مختلفة تدل على أنه كان ينزع نزعة صوفية، منها: «الأنوار فى علم الأسرار ومقامات الأبرار وصفة الأولياء ومراتب أحوال الصفاء والشرح والبيان لما أشكل من كلام سهل التسترى».
وبدار الكتب المصرية منه مخطوطة فى ستة أجزاء وعبد الرحمن فيه فقيه يتمسك بمذهب أهل السنة مستشعرا دائما القرآن الكريم والسنة النبوية، والكتاب إلى أن يكون زهدا وتقشفا فى الحياة أقرب منه إلى أن يكون تصوفا بالمعنى الدقيق. وظل التصوف بعد البكرى فى صقلية
стр. 4525
لا ينفك عن الفقه والحديث ومذهب أهل السنة غير متخذ منهجا عمليا من التصوف، على نحو ما يلقانا عند الفقيه الحافظ السمنطارى، فقد صنف فى الرقائق وأخبار الصالحين كتابا كبيرا، كان فى عشرة مجلدات، سماه: «دليل القاصدين» كما ذكر ذلك ياقوت عند ذكره بلدته «سمنطار». وبذلك لم يكن-فى رأينا-للتصوف حياة فى صقلية الإسلامية إلا هذه الحياة السنية الملتزمة بالقرآن الكريم والسنة النبوية والتى تدفع الفقهاء إلى التأليف النظرى فى التصوف بمعناه العام أكثر مما تدفع إلى التطبيق العملى.
٢ - المجتمع (١) الصقلى فى العهد النورمانى
من قديم كان يقال إذا كانت روما فتحت أثينا حربيا فإن أثينا فتحتها حضاريا بأدبها وفلسفتها وروعة فنونها، وهو ما نستطيع أن نقوله عن النورمان وصقلية الإسلامية فإن النورمان فتحوا صقلية الإسلامية حربيا، وفتحتهم صقلية الإسلامية حضاريّا، إذ كانوا شعبا متبربرا ليس له حضارة ولا عهد له بأى حضارة، فلما نزلوا صقلية بهرتهم الحضارة الإسلامية فيها، واجتمعت أسباب كثيرة لكى يحنوا رءوسهم أمام من بها من المسلمين، فقد كانوا قلة ضئيلة بالنسبة إلى سكانها، وكانوا لا يعرفون شيئا من نظمها الإدارية ومن تراتيب أهلها فى الزراعة والصناعة وأسباب العمران، فاضطروا إلى استبقائهم لينتفعوا بهم فى شئون الصناعة والزراعة وتشييد القصور والمبانى الباذخة. ومع ذلك فإن الملك روجّار الأول الفاتح لم يحسن معاملتهم بتأثير الكنيسة كما أسلفنا فإذا هو يحيل كثيرين منهم فى المدن والقلاع والحصون المفتوحة عنوة إلى عبيد مسترقّين، وإذا هو يطبّق عليهم نظام الإقطاع مسرفا فى تطبيقه، وإذا هو لا يترك لأحد منهم لا أرضا متسعة فحسب، بل أيضا لا حمّاما-كما يقول ابن الأثير كما مرّ-ولا دكّانا ولا طاحونا ولا فرنا، وأسكن معهم فى الحقول الروم والفرنج-كما يقول ابن الأثير-حتى يتعلموا منهم طرق الفلاحة والقيام على الزروع والغروس كما حدث فى قطانية وغيرها من المدن ومن الحصون والقلاع التى بلغت ثلاثمائة وعشرين عدّا. ويبدو أنه أخذ يثوب إلى رشده، فخفف من هذه المعاملة الصارمة للمسلمين وخاصة فى بلرم وفيمن اتخذه منهم جندا فى
стр. 4526
جيشه وأسطوله، ومع ذلك فقد فرض عليهم-كما فرض على مسلمى الجزيرة عامة-أن يدفعوا جزية، ولم يتنبّه إلى أن المسلمين لم يكونوا يفرضونها ضريبة عامة على الرءوس من حيث هى ضريبة، وإنما كانوا يفرضونها على غير المحاربين ضريبة دفاع عنهم، ولذلك لم يكونوا يفرضونها على القساوسة والرهبان والعجزة والنساء والأطفال، فهى ليست عندهم ضريبة اضطهاد، إنما هى ضريبة دفاع لجيش المسلمين الذى يحمى النصارى ويحارب دونهم، نصيبا مما يحتاج إليه فى حربه من المؤن وعدّة السلاح، أما هو فجعلها ضريبة اضطهاد عامة، مع استخدامهم فى الجيش والأسطول والدفاع عن الجزيرة. وكان ابنه الملك روجّار الثانى قد نشأ نشأة صقلية عربية، فإن اللغة النورمانية لم يكن بها علم ولا فلسفة ولا فكر ولا أدب، فاضطر أبوه إلى تعليمه العربية اللغة المتحضرة، وتنفّس فى الحضارة الإسلامية التى كانت مسيطرة على الجزيرة بروحها وتقاليدها، وأخذت هذه الحضارة تؤثر فى حياة النورمان الغالبين كما أخذوا يفيدون من نظمها وتراتيبها الإدارية، وبالمثل من شئون الزراعة والصناعة والجيش، وفيه يقول ابن الأثير: «سلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب (ما يركبه) والحجاب والسّلاحية والجاندارية وغير ذلك، وخالف عادات الفرنج فى ذلك كله فإنهم لا يعرفون شيئا منه، واتخذ الملك روجّار الثانى ديوان المظالم الذى كان شائعا عند الحكومات الإسلامية الصقلية فنقله عنهم كما نقل عنها ديوان التحقيق وديوان الجزية وديوان الصناعة، ومنه يتفرع ديوان الطراز الخاص بالمنسوجات المطرزة بالذهب وغيرها، وأيضا ديوان المستغلات من تجارة الموانى الصادرة والواردة وصيد البحر. وكان فى بلاطه. نفر من علماء العرب ومفكريهم وأرباب الأدب والصناعة، وكان هناك ديوان عام ينظر فى أمور الدولة اشترك فيه بعض العرب. وخلفه ابنه الملك غليوم الأول، وكان قد تعلم العربية وحذقها مثل أبيه، ويقال إنه كان يعتمد فى كثير من المهمات على مسلمى صقلية، وإنه فتح فى وجوههم مناصب الدولة يتولونها وقرب منه بعض العلماء المسلمين وبعض رجال الأدب والفكر. وقد دفع هو وأبوه النورمان إلى اقتباس الفنون والعلوم والعناصر الأساسية للحضارة الإسلامية، فتحضروا بعد أن كانوا قوما متبدّين ونقلوا حضارتهم إلى إيطاليا فكانت بذلك من أسباب انبعاث النهضة الإيطالية بها فى القرن الخامس عشر قبل غيرها من الأمم الغربية، وهو تأثير عميق لصقلية الإسلامية فى النهضة الأوربية الوسيطة، وينقل الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب عن دى سلان وصف البلاط النورمانى فى عهد غليوم الأول وأبيه روجار الثانى إذ يقول: «إن كل شئ فى البلاط النورمانى أصبح يذكّر بالعادات والتقاليد الشرقية من حجّاب وغلمان وعبيد إلى خصيان (سود وبيض) وقيان وعازفين، ومن حريم إلى مراسم وتشريفات». ولم تكن اللغة العربية لغة التخاطب فحسب، بل كانت أيضا لغة الثقافة، وكانت المراسيم تصدر عن الديوان الملكى باللغة العربية ثم تنقل إلى اللاتينية أو اليونانية، كما كانت النقود منقوشة بالخط الكوفى» ومرّ ابن جبير بالجزيرة بعد عودته من الحج فى أيام غليوم
стр. 4527
الأول حوالى سنة ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م فنوّه بأنه يتخذ من فتيان مسلمين مجابيب حجّابه ووزراءه وعيون دولته وعمالته فى الجزيرة، ويقول إنه كثير الثقة بالمسلمين وساكن إليهم فى أحواله والمهم من أشغاله وله جملة من العبيد السود المسلمين وعليهم قائد منهم. ويقول إن أهل دولته من المسلمين يلح عليهم رونق ملكه، لا تساعهم فى الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة، وما منهم إلا من له الحاشية والعبيد والأتباع، ويقول عن غليوم الأول: «ليس فى ملوك النصارى أترف فى الملك ولا أنعم ولا أرفه منه، وهو يتشبه بملوك المسلمين فى الانغماس فى نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك وإظهار زينته، ويذكر ابن جبير حين مرّ ببلده أنه كان فى نحو الثلاثين سنة من عمره وأنه يتقن العربية قراءة وكتابة، والعلامة التى يضعها على رأس مناشيره ورسائله: «الحمد لله حق حمده» وكانت علامة أبيه روجّار الثانى: «الحمد لله شكرا لأنعمه». ومما يدل على مدى انغماس النورمان فى الحضارة الإسلامية التى كانت منبثّة فى الجزيرة أن زىّ النساء النصرانيات فى بلرم كان نفس زى النساء المسلمات، ويقول ابن جبير إنهن فصيحات الألسن بالعربية الشريفة طبعا (اللغة الأولى فى الجزيرة حينذاك) وإنه رآهن فى عيد الفطر قد خرجن فيه ولبسن ثياب الحرير المذهب والتحفن اللحف (الملاءات وما يشبهها) الرائقة وانتقبن بالنّقب الملونة (أى أنهن كن محجبات تماما مثل المسلمات) وانتعلن الأخفاف المذهبة، وبرزن لكنائسهن حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلى والتخضب والتعطر».
ومن دلائل الانغماس الواضح فى الحضارة الإسلامية لعهد غليوم الأول ما يذكره ابن جبير من أن جواريه وحظاياه فى قصره كنّ مسلمات جميعهن، وأن الجارية النصرانية من الفرنجيات إذا وقعت فى قصره أصبحت مسلمة بفضل من فيه من الجوارى المسلمات. ولم يكن غليوم ولا أبوه يتعرضان-فيما يظن-لأداء شعائر من فى بلاطهما وبلدتهما أو عاصمتهما بلرم من المسلمين، وربما كان تسامح غليوم فى هذا الجانب أقوى وأوسع من تسامح أبيه فقد كان من فى بلاطه من الفتيان يصوم الأشهر تطوعا وطلبا للأجر والثواب، وكان إذا دخل وقت الصلاة يخرجون من مجلسه فرادى فيؤدونها، وهو لا يتعرض لهم أى تعرض. ويقول ابن جبير إن بلرم كانت غاصة بالمسلمين ولهم فيها أرباض أو ضواح ينفردون فيها بسكناهم عن النصارى، والأسواق معمورة بهم، ويقول إن لهم مساجد يعمرونها ويقيمون الصلاة فيها بأذان مسموع، وإن لهم قاضيا يتقاضون أمامه، ويذكر أن المساجد كثيرة، وكان يحفّظ فى أكثرها القرآن. على أنه يعود فيذكر أن صلاة الجمعة كانت محرّمة على سكان بلرم-كما مرّ بنا-بسبب الخطبة الدينية التى تسبقها إذ كانت محظورة عليهم.
وحرى بنا أن نتوقف لنعود إلى المقالة الشائعة بين المؤرخين، من أن النورمان عاملوا مسلمى
стр. 4528
صقلية معاملة حسنة وأنهم سمحوا لهم بحرية العقيدة مستدلين على ذلك بما يقول ابن جبير وغيره عن بلاط روجار الثانى وغليوم الأول من أنه كان بلاطا عربيا إسلاميا فى نظر أمراء المسيحية، وهو إنما كان كذلك بحكم تبدّى النورمان وشعور هذين الملكين بحاجتهما وحاجة شعبهما إلى تشرب الحضارة الإسلامية العربية، ولذلك أحسنا معاملة المسلمين وسمحا لهم-على الأقل فى بلرم-بإقامة شعائرهم الدينية والأذان والصلاة فى المساجد، وبالمثل سمحا بذلك لمن شعرا بحاجتهما إليه فى بلاطهما وحياتهما من الفتيان ومن الجوارى والحظايا. أما بعد ذلك فكانت المسألة تتوقف على كثرة المسلمين فى البقاع والمدن، فقد اتجه ابن جبير بعد زيارته لبلرم إلى زيارة مدينة طرابنش، ولا حظ أن جميع سكان الطريق بين المدينتين مسلمون يفلحون الأرض فى ضياع ومحارث ومزارع متصلة، واقترب من مدينة ثرمة فى الشمال، وكان الإعياء قد أخذ منه فبات بقصر قريب منها داخله مساكن وعلالى مشرفة، وهو كامل مرافق السكنى، وفى أعلاه مسجد من أحسن مساجد الدنيا بهاء، وبات فيه أحسن مبيت وأطيبه وسمع أذان الفجر-وكان قد طال عهده بسماعه كما يقول-وأكرمه القائمون عليه وصلّى به الفريضة والتراويح إذ كان فى رمضان، وأكبر الظن أنه كان محرسا للمدينة وبنى على شاكلة المحارس فى الساحل التونسى، وانتهى إلى طرابنش ورأى ما للمسلمين والنصارى فيها من مساجد وكنائس، ورأى المسلمين يصلون يوم العيد بالطبول والبوقات وعجب من ذلك.
وقبل أن نستمع إلى ابن جبير فيما ذكره بتلك البلدة من الفتنة فى الدين الحنيف نتوقف قليلا عند سياسة الملك، روجار الثانى، فقد ظل معتمدا لإجراءات الإقطاع التى فرضها أبوه روجار الأول فى البلاد والحصون التى فتحت عنوة، ولما هاجم أسطوله الساحل التونسى واستولى على مدينة بونة (عنابة) ترك أميره فيليب جماعة من العلماء والنسّاك يخرجون منها إلى القرى المجاورة بأهليهم وأموالهم، فلما عاد قبض عليه لرفقه وحسن صنيعه بجماعة من المسلمين وجعل الأساقفة والقسس والرهبان يحاكمونه فحكموا عليه حكما ظالما بحرقه، كما نص على ذلك التجانى فى رحلته. فلم يكن روجار الثانى يؤمن بحرية العقيدة كما يحلو لمؤرخى الغرب- وتابعهم مؤرخو العرب-القول بذلك. ونفس غليوم الأول الذى أشاد ابن جبير بمعاملته لمن فى بلاطه من المسلمين ومن فى قصره من الجوارى والحظايا المسلمات حدثت مذبحة للمسلمين ببلرم فى أيامه، إذ أمر وزيره مايون بنزع السلاح من أيدى المسلمين سنة ٥٥٦/ ١١٦٠ م فثار المسلمون ضد هذا الأمر، وانتهز المسيحيون الفرصة فسفكوا دماء كثيرين منهم فى شوارع بلرم وفى الدواوين والحوانيت والفنادق كما سفكوا دماء جماعة ممن كانوا فى القصر، وقتل فى هذه الواقعة الشاعر القفصى يحيى بن التيفاشى كما قتل-فى ظن أمارى-الإدريسى الجغرافى، وهو ما يؤكد أن استخدام غليوم الأول للمسلمين فى القصر إنما كان ضرورة حضارية، اضطرته إليها الحضارة الإسلامية التى قهرته وقهرت شعبه. ومرت بنا-منذ قليل-أخبار عن ابن جبير
стр. 4529
تدل على أن حرية المسلمين فى إقامة شعائرهم الدينية لم تكن مكفولة تماما على نحو ما أوضح ذلك على لسان عبد المسيح فى مسّينى وفقيه مدينة طرابنش وزعيم المسلمين بها ابن حجر والمسلم الصقلى الذى اختار أن يحرم من ابنته وأهداها زوجة إلى أحد الحجاج مع ابن جبير حتى لا تذوق ما يدوقه مع إخوتها من العذاب الأليم.
ويتضاعف الظلم الغاشم مع استيلاء أباطرة الألمان على صقلية-كما مرّ بنا فى الفصل الأول-ويفر من صقلية آلاف من المسلمين إلى إفريقية التونسية، ولا يبقى بها إلا من عجزوا عن الفرار والرحيل ويصبحون بها مستعبدين يفلحون الأرض ويرعون الأغنام للسادة الفرنجة ولا يكفل لهم شئ من الحرية الدينية، واستغاثوا بأبى زكريا مؤسس دولة الموحدين فعقد معاهدة مع فردريك الثانى الإمبراطور الألمانى، وتعهد له فردريك فيها بضمان تلك الحرية، ولم يطبّق هذا التعهد، وازداد العسف والظلم الغاشم، واستغاث المسلمون هناك بالمستنصر ابن أبى زكريا، فعقد معاهدة مع فردريك على إجلاء المسلمين نهائيا من صقلية، وحلّوا بتونس فى سواحلها ورحّبت بهم المدن الساحلية وعاشوا فى أمان، ويقال إن فردريك أجلى من بقى بجزيرة مالطة من المسلمين إلى أمالفى Amalfi جنوبى إيطاليا، وبمر الزمن تنصرت ذراريهم.
٣ - الثقافة (١) فى العهد العربى
دائما تتحرك الثقافة الإسلامية مع الجيوش العربية الفاتحة، فبمجرد أن يفتح جيش عربى بلدا يقيم فيه مسجدا تخطب فيه خطبة الجمعة وتؤدّى الصلوات الخمس، ويدخل أهل البلد المفتوح فى الإسلام أو كثيرون منهم، وتنشأ كتاتيب لتحفيظ الداخلين فى الإسلام شيئا من سور القرآن وتعليمهم وتعليم ناشئتهم مبادئ الكتابة العربية وشيئا من الشعر العربى لتستقيم العربية فى ألسنتهم. وكان هؤلاء المسلمون الجدد والجند العربى يتحلّقون حول الشيوخ فى المساجد يأخذون عنهم تعاليم الإسلام، وكان من هؤلاء الشيوخ من يعرض الأسدية لأسد بن
стр. 4530
الفرات قائد الحملة الذى قضى نحبه فى حصاره لسرقوسة وهى تصور مذهب مالك من إملاءات أستاذه عبد الرحمن بن القاسم بمصر، حتى إذا شاعت مدوّنة سحنون-وهى أيضا من إملاءات ابن القاسم-فى القيروان والبلاد المغربية أخذ الشيوخ فى صقلية يلقنونها الناس والطلاب هناك.
ومع أن المسلمين فى صقلية ظلوا أشبه بمعسكر حربى لا يزالون ينتظرون النداء للحرب صباح مساء، ولا يزالون يشهرون سيوفهم مع أول صارخ، ومع أن الصرخات كانت لا تنى ترتفع، ومع أنهم ظلوا يفتحون الحصون طوال عهدهم بها ولا يكادون ينتهون من حرب حتى يبدءوا حربا جديدة، مع ذلك كله استقروا بالمدن التى فتحوها، وكوّنوا لأنفسهم فيها ولايات إسلامية، ونقلوا إليها الحضارة العربية وكل ما اتصل بها من عمران وبناء منازل وقصور فخمه، ونهضوا بالزراعة والصناعة والتجارة، كما نهضوا بالثقافة فى مختلف فروعها وعلومها وفنونها. ولم يكتف الشباب المسلم الصقلى بما كان يحصّله من ذلك على علماء سرقوسة وجرجنت ومازر وبلرم وغيرها من المدن فقد كانوا يرحلون إلى القيروان للتزود من حلقات علمائها، وكان كثيرون من علماء القيروان وشيوخها يعبرون البحر لتزويد الطلاب هناك بما أحرزوا من العلوم وصاغوا من المؤلفات. وكأنما كانت صقلية-طوال العهد الإسلامى-بلدا تونسيا، فكل ما فى القيروان من كتب ومصنفات وعلوم وآداب يرحل مع التونسيين المهاجرين إليها ومع أبنائها فى حقائبهم حين عودتهم إلى بلدانهم. وليست المسألة إذن أن كتابا نعثر على اسمه فى النصوص الصقلية مثل كتاب الملخص للقابسى الذى لخص فيه ما اتصل إسناده من أحاديث كتاب الموطأ لمالك، حتى إذا وجدناه هو أو غيره من الكتب سجلنا به وبها ما نقل إلى صقلية من المصنفات العلمية، والمسألة كانت أوسع من ذلك إذ لم يؤلف فى القيروان كتاب مهم إلا حمل إلى صقلية، وقد يحمله نفس مؤلفه على نحو ما هو معروف عن كتاب العمدة فى صناعة الشعر ونقده لابن رشيق القيروانى، فقد ارتحل إليها بعد الهجرة الهلالية إلى موطنه، وحمل إليها معه هذا الكتاب النفيس الذى يعدّ أروع ما وضعت المغرب والأندلس فى النقد الأدبى والبلاغة ومحسناتها من كتب، ولا ريب فى أنه كان له أثر بعيد فى نهضة صقلية الأدبية.
وعلى نحو ما تبادل العلماء والأدباء فى صقلية الرحلة مع علماء وأدباء القيروان كذلك تبادلوها مع علماء وأدباء المشرق والأندلس، بل كان بعض الشباب الأندلسى يقصد إلى صقلية للاستماع إلى هذا العالم أو ذاك ممن بلغت شهرتهم العلمية الأندلس، وكثيرا ما كان يقصد بعض علماء صقلية الأندلس فيجد شهرته سبقته إليها. وكانت رحلة الطلاب الصقليين إلى مصر والمشرق كثيرة، ونزلها غير عالم وأديب من المشرق من مثل أبى محمد إسماعيل بن محمد النيسابورى، وأخذ عنه-كما يقول ابن ظافر فى كتابه بدائع البداية-غير واحد كتاب
стр. 4531
اليتيمة للثعالبى، ومثل على بن حمزة اللغوى فقد ذكر ياقوت فى ترجمته أنه كان راوية لديوان المتنبى وأنه رحل إلى بلرم فى صقلية وظل فيها يروى للطلاب ديوان المتنبى ويشرحه إلى أن توفى سنة ٣٧٥ هـ/٩٨٦ م ويبدو أن دواوين أخرى كثيرة دخلت إلى صقلية، فابن مكى يذكر فى الباب الأربعين من كتابه «تثقيف اللسان ما كان يحطى فيه المغنون من أشعار كثير وذى الرمة وجرير وابن الرومى والشريف الرضى. ويقول القفطى بكتابه تاريخ الحكماء فى ترجمة أبى سليمان المنطقى عن كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبى حيان التوحيدى: إنه خاض كل بحر وغاص كلّ لجّة، وما أحسن ما رأيته على ظهر نسخة منه بخطّ بعض أهل جزيرة صقلّية، وهو قوله:
«ابتدأ أبو حيان كتابه الإمتاع صوفيا وتوسطه محدّثا وختمه سائلا ملحفا». وفى ذلك ما يدل على أن كتب الفكر العميق المشرقية-مثل كتب أبى حيان-كانت تحت أعين الصقليين.
وما ذكرناه أو أشرنا إليه من ذلك إنما هو رموز لما نقل إلى صقلية من نفائس الكتب الأدبية والفكرية، ولا بد أن كانت نفائس الكتب التونسية والمشرقية فى التفسير والحديث النبوى والفقه تنقل بدورها إليها.
ومن المؤكد أن الحركة العلمية كانت نشيطة بها، ويدل على ذلك-من بعض الوجوه- ما يقوله ابن حوقل فى كتابه صورة الأرض من أنه كان بها ما يزيد على مائتى مسجد، ويقول أيضا-ونقل ذلك عنه ياقوت فى معجم البلدان-إن فى بلرم ما لا يقل عن ثلاثمائة معلم، ولا بد أن كانت لهم حلقات كثيرة فى المساجد يحاضرون بها الناس فى مختلف فروع الثقافة الإسلامية. ومن طريف ما يذكره ابن حوقل أنه رأى بها كتّابا به خمسة من المعلمين لهم من بينهم رئيس هو مدير الكتّاب أو مدير هذه المدرسة، ويقول إن صبيان الكتاتيب كثيرون وإنهم يبلغون أحيانا ثمانين طالبا فى الحلقة الواحدة أو الفصل الواحد، وهى بذلك ليست كتاتيب- كما يقول-إنما هى مدارس، وقد أهّلت لنشاط علمى واسع فى بلرم، وعلى شاكلتها كانت المدن الأخرى فى صقلية.
وحرىّ بنا أن نستعرض النشاط فى العلوم المختلفة بصقلية الإسلامية، ونبدأ بعلوم الأوائل، وكانت-فى رأينا-نشيطة بصقلية، إذ كان ما يقرب من نصف سكانها من الإغريق والرومان وكان لهم تراث قديم بلغتيهما الإغريقية واللاتينية، وحذق كثيرون منهم العربية وحذق بعض العرب لغتيهما بحكم الامتزاج والاختلاط والتعامل اليومى بين السكان، ودفع ذلك إلى التبادل عن طريق الترجمة بين التراث الإغريقى اللاتينى والتراث العربى، ومن أهم من عنوا بذلك الرهبان الصقليون، فكانوا ينقلون عن العربية بعض نفائس تراثها كما كانوا ينقلون إليها بعض نفائس التراث الإغريقى اللاتينى ويدل على ذلك-من بعض الوجوه-ما ذكره الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب فى الجزء الأول من كتابه ورقات عن الحضارة العربية
стр. 4532
بإفريقية التونسية من أن الأمير الأغلبى إبراهيم بن أحمد (٢٧١ - ٢٨٩ هـ) مؤسس بيت الحكمة فى عاصمته رقّادة تخيّر بعض المصنّفات اللاتينية فى العلوم الرياضية التى اطلع عليها، وكلّف بترجمتها بعض الرهبان الصقليين المتكلمين باللغة العربية وألحق بهم بعض علماء اللغة من الإفريقيين، وعهد إليهم بمهمة تنقيح عباراتهم وسبكها فى قالب عربى صحيح» ويستظهر أن يكونوا قد نقلوا إلى العربية كتاب بلينوس (Plinius) فى علم النبات، ويذكر ابن جلجل فى كتابه طبقات الأطباء أنه هاجر إلى قرطبة فى عهد عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) من صقلية طبيب يدعى أبا عبد الله كان يتكلم اليونانية ويعرف أسماء العقاقير والأدوية، فضمّه الناصر إلى علماء قرطبة وأطبائها ليكون عونا لهم فى ترجمة كتاب ديوسقوريدس المؤلف بالإغريقية عن الأدوية والنباتات. وقد مضت صقلية تعنى بعلوم الأوائل من طب وغير طب فى الترجمة. وكما كان التراث اللاتينى الإغريقى العلمى يترجم إلى العربية كان التراث العربى العلمى يترجم بدوره إلى اللاتينية. وكان الأطباء قد أخذوا يتكاثرون فى القيروان منذ أيام الأغالبة، فتكاثروا بصقلية مجاراة لأختها القيروان واطرد ذلك فى القرون التالية، ومما يدل عليه الفصل الذى عقده ابن مكى فى كتابه: «تثقيف اللسان» لبيان أغلاط الأطباء فى صقلية، واشتهرت فى القرن الرابع الهجرى بأنها بيئة فلسفية، مما جعل سعيد بن فرحون التجيبى الملقب بلقب الحمار السرقسطى يلجأ إليها حين أصابته محنة أيام المنصور بن أبى عامر فى أواخر هذا القرن كما يقول صاعد فى كتابه طبقات الأمم وظل بها إلى وفاته، وكان يحسن الفلسفة والموسيقى جميعا وله فى علوم الفلسفة رسالة بديعة سماها شجرة الحكمة. وبجانب فلاسفة أو متفلسفة صقلية كان هناك مهندسون ورياضيون من مثل العالم الرياضى عبد العزيز المعافرى وله ترجمة فى الخريدة، وتؤكد القصور الباذخة فى بلرم التى تغنّى بها شعراء صقلية واصفين فخامتها وزخارفها وحدائقها النضرة وفواراتها البديعة مهارة مهندسيها البارعين، وبهرت قصور بلرم وغيرها من مدن صقلية فون شاك بفسيفسائها ورخامها وأبهائها وغرفها ونقوشها، وظل يدرسها سنوات طوالا كما مر بنا فى غير هذا الموضع وسجل ما بهره من مشاهدها فى كتابه الفن العربى فى إسبانيا وصقلية.
وتنشط صقلية الإسلامية فى الدراسات اللغوية والنحوية، وتمدها فى تلك الدراسات روافد من الخارج، فقد نزلها موسى بن أصبغ المرادى القرطبى الذى رحل فى طلب التعمق فى اللغة إلى المشرق، ودخل العراق وتتلمذ لعلمائه اللغويين وخاصة ابن دريد صاحب معجم الجمهرة، ولم يعد إلى وطنه وإنما عاد إلى صقلية واتخذها موطنا له كما يقول السيوطى فى البغية، وتلاه صاعد اللغوى الأندلسى المشهور بكثرة تلاميذه الأندلسيين رحل إليها فى أوائل الفتنة التى نشبت بقرطبة سنة ٤٠٣ هـ/١٠١٢ م ورجع إلى الأندلس ولم يلبث أن عاد إلى صقلية وتوفى بها سنة ٤١٠ هـ/١٠١٩ م كما ذكر القفطى فى إنباه الرواة. ومن علمائها فى اللغة والنحو على بن
стр. 4533
حبيب اللغوى الصقلى أحد رجال اللغة المعدودين والعلماء بها المبرزين، ومنهم طاهر بن محمد الرقبانى الصقلى اللغوى، ويقول القفطى عنه: لم يكن فى زمانه أعلم منه بلغة العرب وكلامها، ونثرها ونظامها، وقصدته العلماء من كل مكان فلقوا منه بحرا خضرما (واسعا) وعلى شاكلته ابنه على بن طاهر الرقبانى، وكان حافظا للغة وأيام العرب، جامعا لأدوات الأدب. وما نلبث فى القرن الخامس أن نلتقى قبل الغزو النورمانى بعلم كبير من أعلام اللغة والنحو تكونت له بها مدرسة لغوية كبيرة هو محمد بن على بن الحسين بن البرّ التميمى، ولد بصقلية فى أواخر القرن الرابع الهجرى، حتى إذا أخذ ما لدى شيوخها من اللغة والنحو رحل عنها إلى المشرق للتزود منهما، وألقى عصاه بالقاهرة، وتتلمذ فيها ليوسف النجيرمى المتوفى سنة ٤٢٣ هـ/١٠٣١ م وهو أهم من روى عنه المصريون كتب اللغة ودواوين الشعراء، يقول ابن خلكان: «أكثر ما تروى الكتب القديمة فى اللغة والأشعار العربية وأيام العرب فى الديار المصرية من طريقه» وكان ما يزال يراجع الروايات المختلفة للكتاب أو للديوان ويقابل بينها حتى يخرجه فى أوثق صورة ممكنة، وبجانب الدواوين التى أخذها عن النجيرمى وفى مقدمتها ديوان ذى الرمة أخذ فى القاهرة عن صالح بن رشدين ديوان المتنبى الذى سمعه مباشرة من المتنبى وشرحه له، وأخذ أيضا فى القاهرة عن ابن بابشاذ مقدمته المشهورة فى النحو، وعاد إلى موطنه، واتخذ مدينة مازر مقاما له، وأكرمه صاحبها ابن متكود وقرّبه منه، وتحوّل إلى مدينة بلرم سنة ٤٥٠ واتسعت شهرته وجاءه الطلاب من كل فج صقليين وغير صقليين، ومن الصقليين على بن جعفر السعدى المعروف بابن القطاع وسنعود إلى الحديث عنه فى أيام النورمان، ومن تلاميذه غير الصقليين عبد الله بن إبراهيم الصيرفى ومنه سمع ديوان المتنبى سنة ٤٥٩، ومنهم عبد المنعم بن منّ الله القروى المعروف بابن الكماد وقد ألممنا به فى كتابنا عن الأندلس وردّه المفحم على رسالة ابن غرسية، وحرى بنا أن نذكر أن من تلاميذه الصقليين عمر بن خلف المشهور باسم ابن مكى الصقلى مصنف كتاب تثقيف اللسان الذى سجل فيه الأغلاط التى سمعها من أفواه العلماء وغيرهم ونراه يقول فى مقدمته إنه عرضه على أستاذه ابن البرّ «الإمام الأوحد والعلم الفرد، فأثبت ما عرفه وارتضاه، ومحا ما أنكره وأباه». وقد وزّع ابن مكى كتابه على خمسين بابا تحدث فيها عن التصحيف والتبديل والزيادة والنقص فى الأسماء وكذلك الزيادة والنقص فى الأفعال وتأنيث المذكر، وتذكير المؤنث إلى غير ذلك من صور الغلط على ألسنة الخاصة والعامة، وأضاف إلى ذلك فصولا طريفة عن أخطاء القرّاء والمحدّثين والفقهاء والأطباء. والكتاب يدل على أنه كان فى صقلية حينئذ حركة لغوية خصبة بثّها ابن البر فى تلاميذه كى يخلّصوا الألسنة من أغلاطها وخاصة ألسنة العلماء. وما توافى سنة ٤٦٠ هـ/١٠٦٧ م حتى يبارح ابن البر صقلية إلى الأندلس، ويبارحها تلميذه ابن مكى إلى تونس، ويقول العماد الأصبهانى عنه فى ترجمته بالخريدة: «ولى قضاء تونس وهو فقيه محدث خطيب لغوى، وفضله بالألسنة فى جميع الأمكنة
стр. 4534
مأثور مروى، وله خطب لا تقصّر عن خطب ابن نباتة». وابن نباتة أكبر خطيب أنتجه المشرق، وكان خطيب سيف الدولة فى حربه لبيزنطة. ولعل فى هذه الشهادة لخطيب من صقلية ما يمحو محوا ما زعمه ابن حوقل عن خطيب شاهده ببلرم يوم جمعة يجزم الأسماء مع الوصل ويجرّ الأفعال من أول خطبته إلى آخرها، وليس فى المستمعين له من مسلمى بلرم من يعترض عليه، مع أنه ظل يخطبهم نحو عامين! وذكرنا-فيما أسلفنا-أنه كان مغرضا فى كل ما وصف به صقلية لأنها كانت ترفض المذهب الشيعى الإسماعيلى مذهب الدولة الفاطمية، فاتهاماته لها ولخطبائها اتهامات زائفة، وسنراها تنتج فى مجال الدراسات الدينية والأدب شعرا ونثرا ما يؤكد بطلان اتهاماته.
ويدل ما قدمنا على أنه وصلت الشباب الصقلى مجموعة اليتيمة للثعالبى وديوان ذى الرمة وغيره من شعراء الجاهلية والإسلام، كما وصلتهم دواوين عباسية مختلفة لأبى تمام وابن الرومى والمتبنى وأضرابهم، ولا بد أن وصلهم كتاب البيان والتبيين للجاحظ وما به من خطب ومجموعة زهر الآداب للحصرى، وما من شك فى أن أكثر مجاميع الأدب المؤلفة فى المشرق وصلتهم ومرّ بنا أن ابن البرّ كان يروى بين ما يروى من الكتب والدواوين كتاب أدب الكاتب لابن قتيبة، وكل ذلك كان له تأثيره فى نشوء ذوق أدبى عام فى صقلية بين الشباب والشيوخ، ولا بد أن اطلعوا على بعض الكتابات البلاغية والنقدية فى المشرق بدليل استخدام شعرائهم وكتّابهم لمحسنات البديع، وبدليل ما فى أشعارهم من عذوبة وسلاسة، وكان حظ الشباب فى صقلية عظيما إذ نزل ابن رشيق فى أواخر أيامه بمازر واتخذها مقاما له إلى وفاته سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٣ م وظل هناك سنوات يدرس للطلاب كتابه العمدة فى صناعة الشعر ونقده ويعد من أروع كتب الأسلاف فى النقد وفى بيان المحسنات البلاغية إن لم يكن أروعها كما يقول ابن خلدون، وقرأه عليه ابن متكود والى مازر بشهادة نسخة من الكتاب وقعت للقفطى كما يقول فى ترجمته بكتابه إنباه الرواة وأخذ الطلاب فى صقلية بمازر وغير مازر يتدارسونه فى حياته وبعد وفاته. ومعنى ذلك أن صقلية أتيح لها من المختارات الشعرية والنثرية ما أتاح لأدبائها ملكات أدبية خصبة كما أتيح لها من كتب البلاغة والنقد، وفى مقدمتها كتاب العمدة ما أتاح لأدبائها جمال الصياغة ودقة الذوق الأدبى ورهافته.
وإذا تركنا الدراسات النقدية واللغوية فى صقلية الإسلامية إلى الدراسات الدينية وجدنا من كبار قرائها فى القرن الرابع الهجرى محمد بن خراسان كما فى طبقات القراء لابن الجزرى، طلب العلم بمصر وفيها درس القراءات والحديث النبوى وتتلمذ لأبى جعفر النحاس وكتب عنه مصنفاته وقرأها عليه وكان بينها كتابه إعراب القرآن، وظل مقرئا متصدرا بصقلية إلى أن توفى سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٦ م وقد بلغ ستا وتسعين، وممن روى القراءة عنه يوسف بن حبيب وغيلان بن
стр. 4535
تميم. وطبيعى أن تزدهر قراءة القرآن فى صقلية مثلها فى ذلك مثل جميع البلاد الإسلامية، وكانت مثل تونس والبلاد المغربية-تقرأ بقراءة ورش المصرى عن نافع وعادة يوصف المقرئ بأنه مفسر للقرآن مما يدل على أن المقرئين للذكر الحكيم فى صقلية كانوا كثيرا ما يعنون بتفسيره حتى تفهم الناشئة ما تحفظه منه، ونجد حمل محمد بن خراسان المار آنفا لكتاب إعراب القرآن للنحاس يحدث فى صقلية نشاطا فى هذا الموضوع فإذا أبو طاهر إسماعيل بن خلف الصقلى المتوفى سنة ٤٥٥ هـ/١٠٦٣ م يؤلف كتابا فى إعراب القرآن كان فى تسع مجلدات، وسنترجم- فيما بعد-لابن ظفر الصقلى وله فى التفسير ثلاثة كتب.
وعلى نحو ما كان إقراء الذكر الحكيم وإعرابه وتفسيره ناشطا فى صقلية كانت-بالمثل- رواية الحديث النبوى، إذ كان حفّاظه النابهون كثيرين من مثل أبى بكر الحصائرى، ومن أهم حفاظها عتيق السمنطارى وقد نوه به ياقوت فى الحديث عن بلدته «سمنطار» فى كتابه «معجم البلدان» وكان قد لزم حلقات الشيوخ فى بلرم حتى أخذ ما عندهم، وارتحل إلى لقاء الشيوخ ونزل مدينة الرسول ﷺ ، واتسع فى رحلته فأخذ عن شيوخ اليمن وفارس وخراسان والشام ومصر، وكان يلقى فى تلك البلدان بجانب شيوخ الحديث وحفاظه العبّاد والنساك ويكتب ما يسمعه من الفئتين، وصنف كل ما جمعه عنهم، كما صنّف فى الفقه تأليفا كان فى غاية الترتيب والبيان. وكان يدرس لتلاميذه فى صقلية الحديث النبوى وكتاب الموطأ فى الفقه المالكى، وتوفى سنة ٤٦٤ هـ/١٠٧١ م حين احتل روجّار الأول ملك النورمان بلرم.
وأكثر فقهاء المالكية بصقلية كانوا محدّثين لأن الموطأ لمالك كتاب فقه وحديث وكان نشاط الفقه بصقلية واسعا جدا، وهيّأ لذلك أن كان قضاة صقلية-منذ أول الأمر-يحاضرون الناس فى الفقه المالكى عمدتهم فى القضاء يتقدمهم فى ذلك سالم بن سليمان الكندى الذى ولى القضاء فى صقلية سنة ٢٨١ هـ/٨٩٤ م وقد عمل بكل جهده على نشر مذهب مالك فى صقلية كما فى كتاب رياض النفوس. ونزلها تلميذ من كبار تلامذة الإمام ابن أبى زيد فقيه القيروان المتوفى سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٦ م هو البراذعي خلف بن أبى القاسم وكان زملاؤه من فقهاء القيروان يزورون عنه، فلم تحصل له بها رياسة، فرحل إلى صقلية، وقصد أميرها فى بلرم، فحصلت له عنده مكانة طيبة، وعنده ألف كتابه التهذيب فى اختصار مدونة سحنون فى الفقه المالكى يقول ابن فرحون وعليه معول الناس فى صقلية والمغرب والأندلس، وطارت شهرته فى العالم الإسلامى وكتبت له شروح مختلفة، وألف بصقلية أيضا كتابا فى التمهيد لمسائل المدونة وكتاب الشرح والتتمات لمسائل المدونة، وله أيضا اختصار الواضحة من كتب الفقه المالكى يقول ابن فرحون: وعليه اعتماد طلبة العلم للمذاكرة وكان ابن أبى زيد قد جمع ما فى الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال فى كتابه النوادر فنقل البراذعي معظمه فى كتابه على المدونة. ويبدو أنه توفى بصقلية فى أوائل القرن الخامس الهجرى.
стр. 4536
ومن فقهاء صقلية بعده محمد بن يونس التميمى من مدينة مازر المتوفى سنة ٤٥١ وقد لقب بالإمام الأكبر لتبحره فى الفقه المالكى وجاءه الناس للفتوى، وله مؤلف جيد فى مسائل كتاب الموطأ للإمام مالك، وله إضافات مفيدة وتعليقات علمية جيدة على مدونة سحنون. وكان يعاصره عبد الحق بن محمد القرشى الصقلى، لزم حلقات الشيوخ فى بلده حتى ارتوى منها، ورحل للحج ولقاء الشيوخ والفقهاء الكبار والتقى بأبى ذر الهروى شيخ المالكية فى هراة وبالقاضى عبد الوهاب المالكى شيخهم فى العراق كما التقى فى حجة ثانية بإمام الحرمين الجوينى وسأله عن مسائل أجابه عنها وسجل ذلك فى أحد كتبه، وكان يدرس لطلابه فى بلرم مدوّنة سحنون التى جمعت أصول المذهب المالكى، يقول ابن فرحون أيضا عنه: «كان مليح التأليف، ومن مؤلفاته كتابه «النكت والفروق لمسائل المدونة» ويقول ابن فرحون أيضا إنه «عاد إليه بالتغيير والتبديل ورجع عن كثير من اختياراته وتعليلاته» وله كتاب فى الفقه المالكى كبير باسم «تهذيب الطالب» وله استدراك على تهذيب المدونة للبراذعى وله كتاب فى بسط ألفاظ المدونة، وكأن أعماله الفقهية انحصرت فى خدمة مدونة سحنون. وحاز شهرة كبيرة فى حياته وكان كثير الارتحال، فدرس عليه فى القيروان-كما فى الصلة لابن بشكوال-ابن الخياط ومحمد بن نعمة الأسدى، ودرس عليه فى صقلية من الأندلسيين أبو بكر بن الحصار، وهاجر إلى الأندلس من تلامذته الصقليين-ثابت الفقيه الصقلى، وتوفى بالاسكندرية سنة ٤٦٦ هـ/١٠٧٣ م ويبدو أنه رحل عن بلرم بمجرد استيلاء روجار الأول ملك النورمان عليها سنة ٤٦٤ هـ/١٠٧١ م.
٤ - الثقافة (١) فى العهد النورمانى
دخل النورمان صقلية والحركة العلمية بها مزدهرة، وهالهم ما رأوا فيها من حضارة ومدنية إسلاميتين، وشعروا بوضوح أنهم فى حاجة، بل فى أشد الحاجة إلى أن يجلسوا من سكانها العرب مجلس التلامذة من أساتذتهم فى الزراعة والصناعة والتجارة وفى الثقافة والعلوم والفنون المختلفة، ودفع روجّار الأول ابنه روجار الثانى إلى تعلم العربية وإلى الإكباب على علومها وفنونها، وبالمثل دفع روجار الثانى ابنه غليوم الأول إلى التزود من هذه العلوم والفنون ما وسعه
стр. 4537
التزود وحث بدوره ابنه غليوم الثانى على استيعابها ما أمكنه، ويحدثنا الإدريسي فى فواتح كتابه «نزهة المشتاق» عن مدى ما أحرز روجار الثانى من هذه الفنون والعلوم قائلا: «أما معرفته بالعلوم الرياضيات والعمليات فلا تدرك بعدّ، ولا تحصر بحدّ، لكونه قد أخذ بكل فنّ منها بالحظ الأوفر، وضرب فيه بالقدح المعلّى» ويقول ابن جبير-كما مرّ بنا-عن غليوم الثانى: «له الأطباء المنجمون، وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم حتى إنه متى ذكر له طبيب أو منجم اجتاز ببلده أمر بإمساكه، وأدرّ له أرزاق معيشته، حتى يسلّيه عن وطنه.
وأحسّ روجار الأول-منذ أول الأمر-بالحاجة إلى ترجمة الكنوز العلمية النفيسة من العربية إلى اللاتينية، حتى يحوز النورمان لأنفسهم هذه الثروات العلمية، ولم يلبث أن أتاح له ذلك نصرانى يسمى قسطنطين الإفريقى ولد بمدينة قرطاجة التونسية سنة ٤٠٠ هـ/١٠٠٩ م وثقف العربية وأتقنها، واختلف فى القيروان إلى أصحاب علوم الأوائل فى الطب والرياضة والفلك، ورحل إلى القاهرة وفيها استكمل معرفته بالعلوم المذكورة، وعاد إلى بلده: قرطاجة وتركها إلى صقلية فى عهد روجار الأول وعرف منه حاجته إلى ترجمة كل ما كتبه العرب عن الطب، فرجع إلى القيروان، وجمع منها أنفس ما كتبه أطباؤها العظام، وعاد إلى روجار الأول يبشره بأنه اصطفى له أفضل وأنفس ما لأطباء القيروان والعرب عامة من كتب طبية وغير طبية، فأسّس له دير جبل كاسينو بالقرب من مدينة سالرنو فى جنوبى إيطاليا فتولى رياسته وأخذ يغرى رهبانه بتعلم العربية حتى إذا تعلموها أغراهم بترجمة مصنفاتها الرياضية والفلكية والطبية إلى اللاتينية، ودرس ما ترجموه فى كلية سالرنو ومنها نقل إلى الجامعات الأوربية، ومما يدل على ذلك أبلغ الدلالة فى المجال الطبى أن نجد فردريك الثانى ملك صقلية وإمبراطور ألمانيا يسنّ لائحة خاصة لمزاولة العمل الطبى فى مملكته يفرض فيها على كل طبيب يعمل بها أن يحصل على إجازة الطب من كلية سالرنو، وكان ذلك قبيل عصر النهضة الأوربية، فكان له تأثير بالغ فيها. ويقول الأستاذ حسن حسنى عبد الوهاب فى القسم الأول من كتابه: «ورقات عن الحضارة العربية فى إفريقية التونسية»: «جدير بالملاحظة أن جلّ ما ترجمه قسطنطين من الكتب العربية إلى اللاتينية أو حاول تقليده والوضع على غراره إنما كان مستمدا من مصنفات أطباء قيروانيين مثل إسحاق بن عمران وأحمد بن الجزار، كما أنه اعتمد فى الفلك وعلم الهيئة على كتاب البارع فى الفلك والنجوم لعلى بن أبى الرجال القيروانى». وكل ذلك كان يصب فى صقلية أخت القيروان، ويبدو أنها اشتهرت فى الفلك والهندسة بعلماء ومهندسين أفذاذ، يدل على ذلك-من بعض الوجوه-أننا نجد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله (٣٨٦ هـ/٩٩٦ م -٤١١ هـ/١٠٢٠ م) حين ينشئ مرصده فى القاهرة يرسل إلى صقلية، فى طلب حذّاقها فى الهندسة والتنجيم، ويوافيه أبو محمد عبد الكريم المهندس الصقلى، ويتوقف العماد الأصبهانى فى القسم الخاص بصقلية ليقول عن هذا الشاعر أو ذاك إنه رياضى أو منجم فلكى أو مهندس
стр. 4538
مثل عبد العزيز المعافرى وكان من علماء الرياضيات ومثل ابن القرنى وكان منجما حاسبا، ومثل محمد بن عيسى الفقيه وكان مهندسا منجما وشاعرا بارعا.
ومعروف أن روجار الثانى ملك صقلية النورمانى استدعى الشريف الإدريسى إلى «بلرم» عاصمته، وطلب إليه أن يؤلف له كتابا فى الجغرافيا، فألّف له كتابه الرائع: «نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق» وهو أكمل كتاب جغرافى ألفه العرب، وظل عند الأوربيين أهم مرجع فى علم الجغرافيا إلى القرن السادس عشر، وقد أتم الإدريسى تأليفه سنة ٥٤٥ هـ/١١٥٠ م وترجمت قطع كبيرة منه إلى مختلف لغات العالم. وطلب منه روجّار الثانى خريطة للعالم فنقشها على كرة من الفضة تزن ثمانمائة أوقية، ورسم عليها جميع الأقاليم التى كانت معروفة لعصره، وهما عملان باهران من أعمال العبقرية العربية. وكان حريا بالإدريسى أن يقدمهما إلى حاكم عربى فى عصره لا لحاكم نورمانى نهب هو وأبوه صقلية العربية وقد وجه إلى المهدية بالإقليم التونسى اسطولا مكونا من ثلاثمائة سفينة سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م واستولى عليها وظل بها اثنى عشر عاما حتى خلصها عبد المؤمن سلطان الموحدين. وظل الإدريسى فى بلرم أيام غليوم الأول وله ألف كتابا سماه «روض الأنس ونزهة النفس، وقد وضع فيه الإدريسى-كما يقول الدومبيلى- خرائط أصغر سعة ومقياسا، وخرائطه جميعا تقوم على تحديد درجات الطول والعرض، ويقال إنه توفى سنة ٥٦٢ هـ/١١٦٦ م والمظنون أنه قتل فى ثورة للنورمان حينئذ على العرب فى بلرم.
ويلقانا فى العهد النورمانى غير عالم لغوى ونحوى، ومن نحاتها ولغوييها الذين ظلوا بها ولم يبرحوها على بن بشرى اللغوى الصقلى ويقول القفطى: «كان فى النظم والنثر سابقا لا يجارى، وفى اللغة والإعراب لا يبارى» ومنهم عمر بن حسن النحوى الصقلى يقول القفطى: «شيخ فى اللغة والنحو طويل الباع فيهما، أخذا ورويا عنه تصدر للإفاده ببلرم» ومنهم محمد بن زيد الطّرطائى الصقلى «آخذ من كل العلوم بالحظ الوافى، متقدم فى علم الأوزان والقوافى». وممن بارحوا صقلية-فى العهد النورمانى من كبار اللغويين والنحاة على بن عبد الرحمن الصقلى العروضى، يقول عنه القفطى: «نزيل الإسكندرية عالم بعلمى النحو والعروض قيم بهما. بليغ فيهما، مشارك فى جميع الأنواع الأدبية، متصدر لإفادة الطلاب». ومنهم ابن القطاع على بن جعفر التميمى المولود سنة ٤٣٣ هـ/١٠٤١ م تلميذ ابن البر، وكان مثل أستاذه عالما لغويا كبيرا، وما زال بصقلية يدرس ويؤلف لطلابه حتى إذا كانت سنة ٥٠٠ هـ/١١٠٦ م انتقل إلى مصر فاحتفى به أهلها، وتصدر للتدريس والافادة إلى أن توفى سنة ٥١٥ هـ/١١٢١ م ومن تصانيفه كتاب تهذيب أفعال ابن القوطية فى اللغة وهو خير من كتاب ابن القوطية وكتاب أبنية الأسماء يقول ابن خلكان جمع فيه فأوعى. وكان كتاب الصحاح للجوهرى بمصر-كما يقول القفطى-لا يروى إلا عن طريقه عن ابن البر، وكان له كتاب نفيس فى
стр. 4539
شعراء صقلية سماه: «الدرة الخطيرة فى المختار من شعراء الجزيرة» وفى دار الكتب المصرية مختصر له، ونقل عنه العماد الأصبهانى فى الخريدة: قسم صقلية طائفة كبيرة من شعرائها البارعين. ومن هؤلاء النازحين عن صقلية فى العهد النورمانى على بن ابراهيم النحوى الصقلى المعروف بابن المعلم، كان مجيدا للغة والنحو وتصدر للإفادة فيهما، بارح صقلية واستوطن مصر إلى أن توفى بها سنة ٥٣٢ هـ/١١٣٧ م. ومنهم عثمان بن على السّرقوسى الصقلى النحوى، كان عالما نحويا مقرئا للقرآن الكريم، وله حاشية على كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى، وكانت له فى جامع الفسطاط حلقة للإقراء وانتفع به الناس ونقلوا كلامه وكتبوا تصانيفه، وله مختصر كتاب العمدة لابن رشيق زاد به أبوابا أخل بها مؤلفه وهى واقعة موقعا جيدا من التصنيف.
وحقا كان النشاط العلمى لهؤلاء النحاة واللغويين الصقليين خارج جزيرتهم، ولكنى ذكرتهم لأدل على مدى ما حدث بالحركة العلمية فى صقلية من خمود وقف ما كان ينتظر لها من ازدهار عظيم بسبب استيلاء النورمان عليها.
وإذا انتقلنا إلى الحركة الدينية وبدأنا بالقراءات القرآنية وجدنا لصقلية إماما كبيرا من أئمتها هو عبد الرحمن بن عتيق المقرئ المعروف بابن الفحام المولود بسرقوسة سنة ٤٢٢ هـ/١٠٣٠ م وقد رحل من صقلية إلى مصر سنة ٤٣٨ هـ/١٠٤٦ م فى طلب القراءة القرآنية على أئمتها المصريين وظل يأخذها عنهم حتى سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م ومن شيوخه فيها ابن نفيس تلميذ عبد المنعم بن غلبون شيخ القراءات بمصر، وتتلمذ لابن بابشاذ وأملى عليه شرح مقدمته المشهورة فى النحو، وعاد إلى بلده، ولم يلبث أن نزلها النورمان فبارحها إلى الإسكندرية واتخذها موطنا له، وكان من أعلم القراء بالقراءات ووجوهها، ولم يلبث أن أصبح شيخ القراء بالاسكندرية علما ودراية، وألف فيها كتابه «التجريد فى بغية المريد» وبها توفى سنة ٥١٦ هـ/١١٢٢ م.
وكان كثير من القرّاء لا يزالون يلقون على طلاب صقلية دروسا فى التفسير، ويلقانا فى منتصف القرن السادس الهجرى مفسر صقلى كبير هو ابن ظفر ويهاجر منها إلى الشام وسنترجم له فى حديثنا عن النثر الصقلى، وتظل رواية الحديث النبوى ناشطة فى العهد النورمانى، ويلقانا فيه إمام من أئمته، هو الحافظ محمد بن على بن عمر التميمى المعروف باسم المازرى نسبة إلى مسقط رأسه فى مدينة مازر بصقلية، وقد لزم حلقات شيوخها حتى اكتمل مرباه العلمى، وهاجر منها إلى الإقليم التونسى، وتولى القضاء فى القيروان ثم فى المهدية، وبها ألقى عصاه إلى أن توفى سنة ٥٣٦ هـ/١١٤١ م عن ثلاث وثمانين سنة ودفن برباط المنستير وفيه يقول ابن خلكان هو أحد الأعلام المشار إليهم فى حفظ الحديث، ويقول المقرى فى أزهار الرياض ناعتا له: «الإمام المجتهد أبو عبد الله المازرى عمدة النظار، ومحور الأمصار، المشهور
стр. 4540
فى الآفاق والأقطار حتى عدّ فى المذهب المالكى إماما». وله فى الحديث النبوى شرح جيد على صحيح مسلم سمّاه كتاب «المعلم بفوائد مسلم» وفيه يقول ابن خلدون فى المقدمة: «أما صحيح مسلم فكثرت عناية علماء المغرب به. . وأملى الإمام المازرى من كبار فقهاء المالكية عليه شرحا سماه المعلم بفوائد مسلم اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه. وكان العلماء فى عصره يتسابقون إلى أخذ الإجازة عنه برواية هذا الشرح وبقية كتبه، ومنهم القاضى عياض الإمام المشهور وقد بنى على شرحه لصحيح مسلم شرحا سماه «إكمال المعلم بفوائد مسلم».
وللمازرى بجانب هذا الشرح مصنفات فى الفقه المالكى وعلم الأصول، من ذلك شرحه لكتاب التلقين للقاضى المالكى عبد الوهاب ويقال إنه ليس للمالكية كتاب مثل شرح كتاب هذا القاضى وشرح البرهان فى الأصول لإمام الحرمين الجوينى. وهو بحق يعد خاتمة الفقهاء والمحدثين بصقلية.
стр. 4541
الفصل الثالث
نشاط الشعر والشعراء
١ - نشاط الشعر
كانت صقلية جنّة من جنان العالم الإسلامى بما كانت تحمل فوق حقولها من رداء القمح الذهبى ورداءات الكروم والبرتقال ومزارع القطن الزمردية وبساتين النخيل والموز والفواكه والزهور الأرجة، والخيل الكريمة، ومعادن الذهب والفضة والكبريت والنحاس ومصانع الأقمشة والحرير المزركش. لقد كانت حديقة كبيرة فى البحر المتوسط لم يحسن الخلفاء العبيديون بعد الدولة الأغلبية القيام عليها فضلا عما تبعها من شبه جزيرة قلوريّة فى إيطاليا.
وطبيعى أن يتغنّى بهذه الحديقة الفاتنة كثير من الشعراء، ونلاحظ أن هذا التغنى تأخر نحو قرن فقد تأخر طوال حكم الدولة الأغلبية، إذ كانت فى صراع مستمر مع كثير من المدن والحصون، ومع ذلك مدّت ذراعها إلى جنوبى إيطاليا واستولت على قلوريّة. وتستولى الدولة العبيديّة على مقاليد الأمور بإفريقية التونسية وتخمد حركة الفتوح فى الجزيرة وكأنما لم تكن تعنيها فى قليل ولا كثير، حتى إذا تركت شئونها السياسية والإدارية إلى بنى أبى الحسين الكلبيين أخذت الجزيرة تشعر معهم بشئ من الاستقلال، كما أخذت تشعر بشئ من شخصيتها، وعادت لها الحماسة الإسلامية، وأخذت هذه الدولة تعنى بفتح ما تبقى من البلدان والحصون فى صقلّية وفى قلوريّة.
وتزدهر الحركة الشعرية فى صقلية لعهد هذه الدولة، وخير كتاب كنا نطلع منه على هذا الازدهار لو أنه لم يسقط من يد الزمن هو كتاب «الدرة الخطيرة فى المختار من شعراء الجزيرة» لابن القطاع على بن جعفر السعدى الذى توفى بمصر سنة ٥١٥ هـ/١١٢١ م، فقد كان يشتمل على مائة وسبعين شاعرا، وكأنه أراد أن ينافس بكتابه كتاب الأنموذج لابن رشيق الذى اشتمل على مائة شاعر فحسب، صوّر بهم الحركة الأدبية فى إفريقية التونسية، ولو أن كتاب ابن القطاع وصلنا لاستبانت الحركة الشعرية بصقلية الإسلامية تمام الاستبانة إذ قصره على تلك الحركة وحدها، ولم يدخل عليه أحدا من العصر النورمانى. وفى المكتبة التيمورية مختصر للكتاب اختيار أبى إسحاق بن أغلب، قال فى مقدمته له إنه ذكر فيه سبعة وستين شاعرا فقط،
стр. 4542
ولا يوضّح على أى أساس اختار من اختار وأهمل من أهمل، والنسخة بها نقص فى تضاعيفها وفى آخرها، بحيث لم يبق فيها سوى ٤٣ شاعرا، وحذف ما وضعه ابن القطاع مع الشاعر من مقدمات كانت حريّة أن تفيد الباحثين فى دراستهم لشعراء صقلية الإسلامية فى عصر الكلبيين. وهناك اختيار ثان لعلى بن منجب الصير فى المصرى المتوفى سنة ٥٤٢ للهجرة من كتاب الدرة الخطيرة ضمنه تسعة عشر شاعرا، وهو منشور فى عنوان الأريب المطبوع بتونس للشيخ الجليل محمد النيفر التونسى. وبجانب اختيارات ابن منجب الصيرفى وأبى إسحاق بن أغلب من الدرة الخطيرة تلقانا اختيارات العماد الأصبهانى منها فى كتابه الخريدة، وبلغ ما اختاره منها ٤٤ شاعرا مجموعة فى الجزء الأول المنشور وبعدها فى نفس الجزء شاعر من الدرة الخطيرة ص ٣٢٧ من طبعة تونس ثم شاعران آخران ص ٣٣٥، ٣٣٦ وربما كانا أيضا من شعراء الدرة. ويبدأ العماد الحديث عن شعراء الخريدة بشاعر يقول إن أبا الصلت أمية بن أبى الصلت الأندلسى سماه فى رسالته المصرية، البلّنوبى أبا الحسن على بن عبد الرحمن بن أبى البشر الكاتب الصقلى الأنصارى، ويفيض فى ذكر غزلياته، ثم ينقل عن ابن بشرون المهدوى من كتابه المختار من النظم والنثر لأفاضل أهل العصر أحد عشر شاعرا كلهم من العصر النورمانى، ويضيف إليهم فى ص ٢٧٣ ترجمة لأبى الضوء سراج بن أحمد بن رجاء الكاتب اعتمد فيها على كتاب ابن بشرون فيكون مجموع ما ساقه عن ابن بشرون اثنى عشر شاعرا من العصر النورمانى، وبذلك يبلغ من ذكرهم العماد فى الخريدة من شعراء صقلية نحو ستين شاعرا وإذا حاولنا أن نرصد بينهم أول من له صلة بالولاة الكلبيين لقينا القاسم بن نزار الكلبى يعاتب ابن عمه الأمير أحمد بن الحسن بن أبى الحسين الكلبى (٣٥٤ - ٣٥٨ هـ) على جفائه له وهو عتاب فيه مرارة شديدة إذ يقول (١):
إنّى متى يجفو الحبي ... ب وصلت جفوته ببين
ومنعت عينى أن ترا ... هـ ولو رأته فقأت عينى
ووضعته دون الحضي ... ض لو أنّه فى الفرقدين
وقطعته لو كان يش ... به أحمد بن أبى الحسين
وأكبر الظن أن الأمير أحمد بن الحسن بن أبى الحسين لم يكن فظا فقد كان قائد أسطول صقلية قبل توليه زمام الأمور بها، وكان يتعامل مع الناس تعاملا كريما، ونرى المعز يستقدمه إلى المهدية، ويوليه قيادة أساطيل الدولة، ويولى مكانه أخاه على بن الحسن (٣٥٩ - ٣٧٢ هـ)
стр. 4543
ومن مادحيه سهل بن مهران، وعرف بأنه كان ممن يطيلون فيجيدون. وولى-بعد على- صقلية جعفر بن محمد فحسنت به الأحوال واستقامت الأمور إلى أن توفى سنة ٣٧٥ وخلفه أخوه عبد الله ولم تطل مدته إذ توفى بعد عامين، وولى بعده ابنه يوسف، وكان عادلا حسن السيرة فأحبه الناس ولقّبه الخليفة الفاطمى بلقب ثقة الدولة وعمّ الرخاء والأمن فى أنحاء الجزيرة وفى عهده وصل حكم الكلبيين فيها إلى القمة المبتغاة من المجد والعزة، ووفد عليه الشعراء من إفريقية التونسية ومن الجزائر يمدحونه وفى مقدمتهم محمد بن عبدون السوسى الذى ترجمنا له بين شعراء تونس وأطلنا فى بيان صلته بثقة الدولة وابنه جعفر، وعلى شاكلته شاعر الجزائر أبو محمد عبد الله بن محمد التنوخى المعروف بابن قاضى ميلة، وله فى ثقة الدولة مدحة ضافية، ومن شعراء صقلية الذين دبّجوا فيه المدائح الطوال ابن القرقورى وهاشم بن يونس ولهما فى الخريدة مدحتان فى ثقة الدولة نوّها فيهما بشجاعته وبأسه، وعلى شاكلتهما شعر مشرف بن راشد، وإن لم يسم ممدوحه، ومن شعرائه الحسن بن محمد الطوبى، وله مدحة فى المعز بن باديس، ومنهم محمد بن أحمد أبو عبد الله الصقلى صاحب ديوان الإنشاء، وله فى ثقة الدولة مرثية استهلها بقوله: (حنانيك ما حىّ على الدهر يسلم). وأخذت الولاية الصقلية تتضعضع فى عهد ابنه جعفر ثم فى عهد أخيه أحمد الأكحل، ومن شعرائهما المشرف بن راشد وابن الخياط، وثار عليه الصقليون كما أسلفنا واستغاثوا بالمعز بن باديس صاحب القيروان وإفريقية التونسية، ثم عادوا فولّوا عليهم صمصام الدولة وسرعان ما يثور به الصقليون وتدخل صقلية فى عصر أمراء الطوائف، وأصبح لكل أمير شاعره أو شعراؤه، فمحمد بن القاسم بن زيد ينحاز إلى على بن نعمة صاحب جرجنت وقصريانة، وعبد الحليم الصقلى إلى ابن متكود فى مازر وابن الخياط إلى ابن الثمنة فى بلرم، ونلتقى بعد ذلك بالشعراء الذين بكوا صقلية ومدنها حين سقطت فى حجر النورمان من أمثال أبى محمد القاسم بن عبد الله التميمى وابن حمديس. وحرى بنا أن نتوقف الآن لنتحدث عن شعراء الشعر الصقلى موزعين على موضوعاته.
٢ - شعراء المديح
ظل المديح يدبّج فى أمراء الأسرة الكلبية طوال حكمها لصقلية، غير أن كتب المختارات لم تعرض علينا منه إلا شظايا: بيتا أو بيتين من القصيدة مع عرضها فى الغالب لمقدمتها من الغزل وغير الغزل، وكانت صقلية قد أخذت تكتط بالشعراء منذ عصر ثقة الدولة يوسف بن عبد الله الكلبى (٣٧٧ - ٣٨٨ هـ) وجاءه من يمدحونه من الجزائر وإفريقية التونسية كما أسلفنا وكثر من يمدحونه فى صقلية نفسها من أبنائها الشعراء مثل أبى الفتح محمد بن الحسين بن القرقورى
стр. 4544
الكاتب، وله يعتز به وبما ينال من عطاياه فى التخلص إلى المدح من قصيدة (١):
وماذا عليهم أن أجود بتالدى ... وأفنى طريفى قبل يومى وأتلف (٢)
لهم ما اقتنوا فليحرصوا فى ادّخاره ... ولى كنز شعر لا يبيد ويوسف
ويوسف هو يوسف بن عبد الله ثقة الدولة، وهو يقول لخصومه الذين يعنّفونه لتبذيره أمواله إنه لا يخشى شيئا من هذا التبذير طالما ينظم مدائحه المطولة فى يوسف ويسبغ عليه عطاياه.
وأكبر الظن أن ما ساقه العماد للمشرف بن راشد وهاشم بن يونس من مديح لقائد بشجاعته إنما يريدان به ثقة الدولة، وهى أبيات محدودة. ومن شعراء ثقة الدولة على بن الحسن الطوبى، وكان يلازمه ونراه بعد وفاته يعبر البحر إلى المعز بن باديس صاحب إفريقية التونسية، وله يقول من مدحة رصّع بها ديوانه كما يقول العماد (٣):
إليك معزّ الدين وابن نصيره ... حملت عقود المدح بعد انتخابها
وأثواب حمد حكت أثواب وشيها ... على ثقة منى بعظم ثوابها
وكان الشعراء فى صقلية وإفريقية التونسية كثيرا ما يتبادلون ممدوحيهم، فالشاعر القيروانى يعبر البحر لمدح الوالى أو الأمير الكلبى كما عبره محمد بن عبدون السوسى، والشاعر الصقلى يجتاز بدوره البحر ليمدح الأمير القيروانى أو الأمير المشهور فى عصر أمراء الطوائف ويلقانا بأخرة من عصر الكلبيين ابن الخياط، وسنخصه بكلمة، ونلتقى بعده بجعفر بن الطيب الكلبى، وكان شاعرا مجيدا، وله قصيدة بديعة يمدح بها مدافع بن رشيد الهلالى أمير قابس فى آخر عهد أمراء الطوائف، وله يخاطب ناقته فيها (٤):
سأنزل عنك فى مرعى خصيب ... وماء بارد عذب فرات
بأرض مدافع مأوى الأمانى ... وقتّال السنين المجدبات
فيحمل عنك همّى فوق طرف ... سبوق من خيول سابقات (٥)
أغرّ تخاله ريحا أعيرت ... قوائم باللّجين محجّلات (٦)
لقد أطمعت فى جدواك حتى ... سباع الطّير من بعض العفاة (٧)
وهو يقول لناقته إنه سينزل عنها فى مرعى مدافع الخصيب حصن الأمانى وقتّال السنين
стр. 4545
العجاف المجدبات، فيحمله فوق حصان سبوق أغرّ قوائمه محجلة بلجين يخطف الأبصار، ويقول له لقد أطمعت فى كرمك الفيّاض حتى إن سباع الطير لتلزمك وتلزم جيشك لما تعرف من كرمك وفتكك المستمر بالأعداء، حتى لكأنها من طلاب النوال.
ويظلّ العهد النورمانى صقلية، وكان المظنون أن لا يمجد الشعراء المسلمون الذين ظلوا هناك ملوك النورمان، ويبدو أنهم كانوا يفرضون على الشعراء تمجيدهم، وكانوا يضطرون إليه أحيانا لأنهم أسرى فى أيديهم ويريدون أن يفكوا عن أقدامهم أغلال الأسر، على نحو ما نجد عند أبى حفص عمر بن حسن النحوى فى مديحه لروجار الثانى وهو فى قبضة سجنه قصيدة له وفيها يقول (١):
يهتزّ للجدوى اهتزاز مهنّد ... يهتزّ فى كفّيه يوم جلاده
ويضيئ فى الدّيجور ضوء جبينه ... فتخال ضوء الشمس من حسّاده
وأظنها كانت فدية لتحريره وأنه ردّ إليه حريته. ويدل على ما نقول من أن الشعراء المسلمين كانوا يضطرون أحيانا إلى مديح روجار أن نجد شاعرا يسمى عبد الرحمن بن رمضان المالطى استنفد معظم شعره-كما يقول ابن بشرون-فى مدح روجار الإفرنجى المستولى على صقلية يسأله العودة إلى مدينة مالطة، ولا يحصل منه إلا على المغالطة (٢). غير أننا نجد ثلاثة شعراء يشيدون لروجار الثانى بقصوره-وفى قصريه: القبة والمنصورية يقول عبد الرحمن بن محمد البثيري (٣):
وقصور منصوريّة ... حطّ السرور بها مطيّه
أعجب بمنزلها الذى ... قد أكمل الرحمن زيّه
ورياضه الأنف التى ... عادت بها الدنيا زهيّه (٤)
وأسود شاذروانه ... تهمى مياها كوثريّه (٥)
وهو يقول إن السرور ألقى عصا تسياره بهذه القصور لجمالها وينوه بمكانها وما حولها من الرياض وأزهارها العطرة وحللها البهية، وما بها من الأسود التى تمج المياه من أفواهها فى شكل بديع وكنا نؤثر له أن لا يزجّ باسم الرحمن ومياه الكوثر نهر الجنة فى قصيدة يقدمها لملك نصرانى. وحين قدّم قصيدته إلى ابن بشرون ليسجلها فى كتابه: «المختار من النظم والنثر لأفاضل العصر» سأله أن يعارضه بقصيدة على وزنها وروّيها فقال (٦):
стр. 4546
لله منصوريّة ... راقت ببهجتها البهيّه
وبقصرها الحسن البناء ... والشكل والغرف العليّه
وبوحشيها ومياهها ال ... غزر العيون الكوثريّه
وقد اكتست جنّاتها ... من نبتها حللا بهيّه
ويقول العماد: اقتصرت من القصيدتين على ما أوردته، لأنهما فى مدح الكفار فما أثبتّه، ونحن بدورنا إنما اقتطفنا بعضا مما أنشده من قصيدتى الشاعرين، وقصر ثالث هو قصر الفوّارة شرقى بلرم، وقد عنى روجار الثانى-فيما نظن-ببركة بجواره أمر أن يوضع فيها السمك من كل نوع وأن تحف بها الأشجار والأزهار بحيث تصبح متنزّها بديعا وفى الفوارة ورياضها يقول عبد الرحمن بن أبى العباس الأطرابنشى (١):
فوّارة البحرين جمّعت المنى ... عيش يطيب ومنظر يستعظم
وكأنّ أغصان الرياض تطاولت ... ترنو إلى سمك المياه وتبسم
وكأنّ نازيج الجزيرة إذ زها ... نار على قضب الزّبرجد تضرم
وكأنما اللّيمون صفرة عاشق ... قد بات من ألم النّوى يتألّم
والنّخلتان كعاشقين استخلصا ... حذر العدا حصنا منيعا منهم
يا نخلتى بحرى بلرم سقيتما ... صوب الحيا بتواصل لا يصرم (٢)
هنّيتما مرّ الزمان ونلتما ... كلّ الأمانى والحوادث نوّم
والبحرين يريد بهما بحر البركة وبحر خليج بلرم، وهو يشيد بالبركة وما عليها من أشجار تطاولت أغصانها بأزهارها لترسل ببسماتها إلى سمك البركة، ويتخيل النارنج نارا مضرمة على قضب زبرجدية، والليمون يحيط بها وقد علا وجهه صفرة العشاق، وتسترعيه النخلتان المغروستان على حافة البركة وكأنما هما بقية للعرب وصحرائهم فى الجزيرة ويتخيلهما كعاشقين، استخلصا لهما حصنا منيعا فى عنان السماء ولا يستطيع الأعداء الوصول إليه، ويستمر فى الدعاء لهما أن يرعاهما المطر بتواصل لا ينقطع أبدا، وأن تظللهما الهناءة على طول الزمان وكل ما تصبوان إليه، وتظل الحوادث نائمة عنهما لا تنالهما أى نيل. ويبدو أن الشاعر لم يتماد فى مديح روجار كما تمادى عبد الرحمن البثيري وابن بشرون المهدوى، ولذلك لم يعلق عليه العماد بتعليق مماثل، ونعجب أن لا يستنكف هؤلاء الشعراء المسلمون من مديح ملوك النصارى الذين نهبوا منهم الأرض وأحالوها أنهارا من دماء أهليهم، ولكن ربما ألجأتهم إلى ذلك ضرورة من أسر أو تعذيب أو معاملة سيئة، ولن نستطيع بحال الاعتذار عن الشريف الإدريسي وذهابه إلى
стр. 4547
روجار الثانى حين استدعاه وتأليفه له-أو إهدائه إليه-كتابه المشهور فى الجغرافيا الذى مر حديثنا عنه ووضعه له خريطة العالم. ونتوقف قليلا للحديث عن ابن الخياط شاعر المديح فى زمن الكلبيين.
ابن (١) الخياط
شاعر من شعراء الكلبيين فى عهدهم الأخير، ولا نعرف شيئا عن نشأته كأكثر شعراء صقلية الإسلامية، ونراه يمدح من أمرائهم الأكحل الملقب بمؤيد الدولة (٤١٠ - ٤٢٧ هـ) كما يمدح أخاه صمصام الدولة (٤٢٧ - ٤٣١ هـ) وفى مدحهما معا يقول:
كلاهما زين أخوه به ... كما يزين الفرقد الفرقد (٢)
من تره منفردا منهما ... فى مجلس قلت هو السّيّد
فهما فرقدان أو كوكبان لا يتميز أحدهما عن صاحبه وكل منهما عليه سيماء السيادة والشرف، وتراه حين شغبت صقلية على الأكحل فى سنة ٤٢٧ يعزيه عن شغبهم بمثل قوله:
أرى كلّ شئ له دولة ... لحكم التعاقب فيها عمل
فلا تفرحنّ ولا تحزننّ ... لشئ إذا ما تناهى انتقل
فالدول لا تظل لأحد، بل تتعاقب كما يتعاقب الليل والنهار والحاكم العاقل لا يحزن إن عبس له القدر، كما لا يفرح له حين يبتسم، إذ لا شئ من عبوسه ولا من ابتسامه باق، بل الكل إلى زوال. ونراه يتعلق بمديح قائد من قواد الدولة كانت لقبته بلقب انتصار الدولة، ويصور شجاعته وبأسه فى الحروب منشدا:
ويا رب يوم له مسعر ... إذا خمدت ناره أوقدا (٣)
تخاف به الرّجل من أختها ... ولا تأمن اليد فيه اليدا
ترى السّيف عريان من غمده ... وتحسبه من دم مغمدا
فهو مسعر حرب بوقدها كلما خمدت أو خبت، ويكاد الخوف والفزع يخنقان محاربيه حتى لتتخوف الرجل من أختها واليد من شقيقتها لما يأخذ الناس من الهول، وترى السيف فتخاله
стр. 4548
عريان من غمده بينما هو مغمد ومغمور من دم الأعداء. ويصور أحد أعدائه وقد أخذه الهلع من كل جانب:
ظنّ الإمارة ظلّة فإذا بها ... حرب يكاد أوارها يتأجّج (١)
ومهنّدات كالعقائق ماؤها ... مترقرق ولهيبها متأجّج
لا تستقرّ العين فوق متونها ... فكأنما هى زئبق مترجرج
فى موطن سلب الحليم وقاره ... فكأنما هو مستطار أهوج
فهذا الخارج ظن الإمارة ظلة يستظل بها ويستريح عندها فإذا هى نار حرب متأججة. وإذا السيوف يلمع عليها ما يشبه الماء بل ما يشبه النار المضطرمة، والعين لا تستطيع استقرارا فوق متونها لأنها زئبق مترجرج، فى ساحة حرب تسلب الحليم وقاره حتى ليغدو كأنه مستطار أهوج من شدة الهول والفزع. وتولى الحكم بعد الأكحل صمصام الدولة لمدة أربع سنوات وضاعت الجزيرة من يده ودخلت فى عصر أمراء الطوائف وأخذ ابن الخياط يعزى أمراء بنى أبى الحسين الكلبيين بمثل قوله:
ليسلكم أنّ الجزيرة بعدكم ... كما قيل فى الأمثال لحم على وضم (٢)
تركتم بقايا حسنكم فى خرابها ... كما ذبل النّوّار فى خلل الحمم (٣)
وجوه كأن الله قال لمائها ... ترقرق حياء وامزج الحسن بالكرم
كأنهم فوق الأسرّة أنجم ... سعود وفى الهيجا ضراغمة بهم (٤)
فالجزيرة قد تعرّت بعد الكلبيين من بهجتها وأصبحت عارية من حسنها لحما على وضم، وإن شعبها لا يزال يكنّ لكم حبا وكأنى به ذبل كما يذبل النوار فى أثناء الحمم الملتهبة، ويقول ما أروع وجوه الكلبيين، لقد كان الحياء يترقرق فيها، وكان الحسن يمتزج بالكرم، وكانوا فوق الأسرة والعروش وبأيديهم صولجان الحكم كأنهم نجوم ساطعة فى السلم، وفى الهيجاء أسود لا يماثلها أسود. ولا نعرف شيئا عن مولد ابن الخياط ولا عن وفاته، ويبدو أنه عاش فى عصر أمراء الطوائف حتى زمن محمد بن الثمنة حاكم بلرم، غير أنه لم يلحق عصر روجّار وأبنائه، وربما كان قد ترك صقلية إلى القيروان قبل هذا التاريخ.
стр. 4549
٣ - شعراء الغزل
هذا هو الموضوع الأساسى لشعر صقلية الإسلامية سواء فيما اختاره لها ابن القطاع أو ابن بشرون المهدوى أو العماد الأصبهانى، وهو موضوع إنسانى نجده دائما فى جميع البيئات الإسلامية، إذ يتغنى الشعراء بحبهم للمرأة ويتفننون فى هذا التغنى بصور مختلفة، لعلها تعيرهم التفاتة أو تذكر لهم عهدا أو تفى لهم بوصل أو بوعد، من ذلك قول أبى الحسن على بن الحسن بن الطوبى أحد شعراء ثقة الدولة (١):
ما أحسب السحر غير معناها ... والعنبر الجون غير ريّاها (٢)
إنا جهلنا ديارها فبدا ... من عرفها ما به عرفناها (٣)
كأنما خلّفت بساحتها ... منه دليلا لكل من تاها
وأغبط الماء حين ترشفه ... إذ كان دونى مقبّلا فاها
وما ثنائى على قلائدها ... إلا بأن أشبهت ثناياها
وكان ابن الطوبى قد عبر البحر إلى القيروان فى أيام المعز بن باديس فاصطفاه لنفسه، ومرّت بنا إحدى مدائحه له، وكان المعز كثيرا ما ينشد البيت الرابع من هذه المقطوعة لرقته وعذوبته وهى جميعها فى غاية النعومة والسلاسة، حتى لتكاد ألفاظها تطير عن الفم طيرانا لما فلا الجن تنفعه ولا الإنس ويذرف الدموع مدرارا، فذلك نصيبه وحظه فى دنياه.
وهذه الصورة الطبيعية من الغزل نصادفها عند غير شاعر صقلى، من ذلك قول مستخلص الدولة عبد الرحمن بن الحسن الكلبى ممدوح ابن الخياط (٤):
قلت يوما لها-وقد أحرجتنى- ... قولة ما قدرت أنفكّ عنها
أشتهى لو ملكت أمرك حتى ... آمر الآن فيك قهرا وأنهى
فبكت-ثم أعرضت-ثم قالت ... خنتنى فى محبّة لم أخنها
وهى رقة شعور واضحة، فإنها لم ترتض منه أن يملك أمرها ويأمر فيها قهرا وينهى، وأين الحب؟ لقد خانه، ولذلك بكت بكاء مرا، إنه لم يعد عاشقا بل أصبح سيدا يريد أن يسترقها ويستذلها. ويقول أبو محمد جعفر بن الطيب الكلبى (٥):
стр. 4550
فارقتكم لا عن قلى وتركتكم ... رغما على حكم الزمان الجائر
وفقدتكم من ناظرى فوجدتكم ... -لما أردت لقاءكم-فى خاطرى
فقد فارق صاحبته لا عن بغض ولكن نزولا على حكم الزمان الظالم، وفقدها من ناظره وأمام عينيه ووجدها بطلعتها السنية فى خاطره، وهى فكرة رقيقة ودقيقة. ويقول الفقيه عبد الرحمن بن أبى بكر السرقوسى (١):
أسارقه اللحظ الخفىّ مخافة ... عليه من الواشين والرقباء
وأجهد أن أشكو إليه صبابتى ... فيمنعنى من ذاك فرط حيائى
سأكتم ما ألقاه من حرق الأسى ... عليه ولو أنى أموت بدائى
فهو يسارق صاحبته اللحظ خشية أن يتنبّه بعض الواشين والرقباء، ويجهد فى أن يشكو إليها صبابته فيمنعه فرط حيائه، وسيظل يكتم ما ينطوى عليه قلبه من حرق الأسى ولوعاته مؤثرا أن يموت بدائه. ومثل هذه القطعة اليائسة قطعة لابن الخياط يقول فيها.
ليس إلا تنفس الصعداء ... وبكائى وما غناء بكائى
من رسولى إلى السماء يؤدى ... لى كتابا إلى هلال السماء
كيف يرقى إلى السماء كثيف ... يسلك الجسم فى رقيق الهواء
عجز الإنس أن شوقى إليها ... فعسى الجن أن تكون شفائى
أم ترى الجن تتّقى شهب الرّجم ... فدعنى كذا أموت بدائى
وصاحبته فى السماء فكيف يرقى إليها فى الهواء جسم كثيف لإنسان فيفكر فى الجن، غير أن الجن حرّم عليها الصعود فى السماء، وشهب الرجم لها بالمرصاد وستتلقاها بالموت الزؤام، وييأس فلا الجن تنفعه ولا الإنس ويذرف الدموع مدرارا، فذلك نصيبه وحظه فى دنياه.
وإذا تحولنا إلى العهد النورمانى لقينا عبد الحليم بن عبد الواحد السوسى الأصل الإفريقى المنشأ الصقلى الدار، وهو من سكان مدينة بلرم، وله مقطوعتان غزليتان طريفتان، يقول فى أولاهما (٢):
قالت لأتراب لها يشفعن لى ... قول امرئ يزهى على أترابه
وحياة حاجته إلىّ وفقره ... لأواصلنّ عذابه بعذابه
стр. 4551
ولأمنعنّ جفونه طعم الكرى ... ولأمزجنّ دموعه بشرابه (١)
لم باح باسمى بعد ما كتم الهوى ... دهرا، وكان صيانتى أولى به
وهى تعلم مدى حبه لها وشغفه بها، وكان يكتم حبه ولا يصرّح باسمها، فلما صرّح به وأعلن حبه لها غضبت غضبا شديدا وصممت على الانتقام منه أشد الانتقام، إذ ستواصل عذابه بعذابه وستمنعه النوم وتمزج دموعه بأى شراب يشربه، حتى تأخذ بثأرها من بوحه باسمها بعد كتمانه دهرا، وكان أولى أن لا يصرح به أبدا. ويقول فى الأخرى (٢):
شكوت فقالت كل هذا تبرّما ... بحبّى أراح الله قلبك من حبّى
فلما كتمت الحبّ قالت: لشدّ ما ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
فأدنو فتقصينى فأبعد طالبا ... رضاها فتعتدّ التباعد من ذنبى
فشكواى تؤذيها وصبرى يسوءها ... وتحرج من بعدى وتنفر من قربى (٣)
فيا قوم هل من حيلة تعلمونها ... أشيروا بها واستوجبوا الأجر من ربّى
وهو لا يعرف كيف يرضى صاحبته، فإنه إذا شكا من حبها عدّت ذلك تبرما ودعت له أن يريحه الله من حبه، وإذا كتم شكواه وحبه قالت له: ما أشد صبرك وليس هذا من ديدن المحب العاشق. ويقول إنه يدنو فتقصيه، فيبعد آملا فى رضاها، فتعد بعده أو تباعده من ذنوبه عندها، وهو حائر فشكواه تؤذيها وصبره يسوؤها، ويؤلمها بعده وتنفر من قربه، ويسأل من حوله هل من حيلة له فى إرضائها ويدعو لمن دلّه على حيلة أن ينال جزاءه من ربه. وله بيتان بديعان يصور فيهما حال صقلية وقد نهكتها حروب النورمان (٤):
عشقت صقلّيّة يافعا ... وكانت كبعض جنان الخلود
فما قدّر الوصل حتى اكتهلت ... وصارت جهنّم ذات الوقود
فصقلية الجنة البديعة بقصورها وحقولها وزروعها وثمارها وأزهارها الزاهية أصبحت فى عهد النورمان بحروبهم وفتكهم برجالها وشبابها جهنّم المتقدة المشتعلة التى تلتهم كل سكانها، ولمحمد بن عيسى بن عبد المنعم من غزلية رائعة كان يغنّى بها هناك (٥):
مولاى يا نور قلبى ... ونور كلّ القلوب
أما ترى ما بجسمى ... من رقّة وشحوب
стр. 4552
فلم بخلت بوصلى ... وليس لى من ذنوب
وما لسقمى شفاء ... ولا له من طبيب
ولا لدائى دواء ... إلا وصال الحبيب
والقطعة جديرة بأن يغنّى بها، لخفتها فى السمع وعذوبتها وتعبيرها عن الحب الذى أضناه ببساطة، وفيم هذا البخل بالوصل، وليس له من ذنوب، والبيتان الأخيران فى غاية الرشاقة مع النعومة ومع الحلاوة فى السمع التى تشيع فى كل الأبيات. ونتوقف قليلا للحديث عن الشاعر البلّنوبى وغزلياته.
البلّنوبى (١)
هو أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن أبى البشر الأنصارى، ولد بمدينة بلّنوبة Villanova فى صقلية، فنسب إليها، وعلى شاكلة لداته اختلف إلى الكتاب لحفظ القرآن الكريم، ولزم الشيوخ حتى ثقف ما عندهم فى اللغة والنحو، وهاجر إلى مصر وعنى فيها بتدريس العروض والنحو فى كتبهما المشهورة حتى توفى سنة ٤٤٢ للهجرة ويبدو أن ملكته الشعرية تفتحت بصقلية مبكرة ونشر رزّيتانو قطعة من شعره باسم ديوان البلّنوبى، وافتتح العماد تراجم الشعراء فى صقلية بترجمته، وبها مختارات كثيرة من غزلياته، وهو فى غزله يصور ما يتسم به الغزل عند شعراء صقلية من التجافى عن الغزل المادى الحسى وما يتصل به من وصف الجسم إلى الغزل المعنوى وما يتصل به من رقة الحس والشكوى من عذاب الحب والسهر وبعد الحبيب وهجره وما يجره ذلك على المحب من الضنا والنحول والسقم الذى لا شفاء منه، ومن طريف غزله:
إليك أشكو عيونا أنت قلت لها ... فيضى فقد فضحتنى بين جلاّسى
وما تركت عدوّا لى علمت به ... إلا وقد رقّ لى من قلبك القاسى
فإن رضيت بأن ألقى الحمام فيا ... أهلا بذاك على العينين والراس
فهى التى أمرت عيونه أن تظل تذرف الدمع شوقا إلى لقائها، حتى فضحته بين جلاسه من صديق وعدو فالكل يرقّ له من قلبها المتناهى فى القسوة، وهو بذلك راض أن يظل مستجيبا لها ويظل الدمع يترقرق فى عيونه، حتى لو رضيت بأن يموت فى سبيلها، فسيتقبل الموت بمنتهى
стр. 4553
الرضا. ويقول:
أترانى أحيا إلى أن يعودا ... نازح لم يدع لعينى هجودا
كيف أرجو الحياة بعد حبيب ... كان يومى به من الدهر عيدا
أشتهى أن أبوح باسمك لكن ... لقّنتنى الوشاة فيك الجحودا
وهو يظن أنه لن يحيا حتى يعود حبيبه لطول سهاده وما يعانى منه، حتى ليتصور أنه ميت لا محالة، فقد ذهبت أيام لقائه به التى كان يعدها أعيادا، وإنه ليشتهى أن يبوح باسمه أو اسمها ولكنه يخاف الوشاة، وكأنما علّموه الجحود ونكران الحب. ويقول:
أما تعطفنّ على خاضع ... لديك يناجيك مستعطفا
إذا كتبت يده أحرفا ... إليك محا دمعه أحرفا
ولو كنت أملك غرب الدموع ... منعت جفونى أن تذرفا (١)
وهو يشكو لصاحبته حبّه متذللا مستعطفا، ويقول إنه كلما كتب لها سطرا فى رسالة محت الدموع سطرا سابقا له، ولو كان يملك مصدر دموعه لمنع جفونه أن تذرف الدمع مدرارا، وصورة السطر الذى يكتب والسطر الذى تمحوه دموعه فى الرسالة بديعة. ويقول:
هجرتك يا سؤل نفسى ولى ... فؤاد متى تذكرى يخفق
وما ذاك منى اطّراح الملول ... ولكنه نظر المشفق
كما تتركين برود الشرا ... ب ظمأى مخافة أن تشرقى
وهو يقول إنه هجر سؤل نفسه حبّ قلبه لا مللا ولكن إشفاقا عليها أشد الإشفاق، كما تترك وهى شاعرة بحرقة العطش كوبا من الماء البارد الذى يطفئ غلة ظمئها خوفا من أن تشرق بها وتغص غصة مؤذية شديدة. وكان يدرس العروض لطلابه، فرأى أن ينظم لهم مقطوعة غزلية ثلاثية الشطور، والشطر الأول فيها من مجزوء الخفيف والثانى من مجزوء الرمل والثالث من مجزوء المجتث بحيث إذا ضمّ شطر إلى أخويه أو إلى أخيه نتج وزن جديد، وهى تجرى على هذه الشاكلة (٤):
وغزال مشنّف (٢) ... قد رثى لى بعد بعدى
لما رأى ما لقيت
стр. 4554
مثل روض مفوّف (١) ... لا أبالى وهو عندى
فى حبّه إذ ضنيت
وهى غزلية للتدريس، وإن شكا فيها بعد المحبوبة وجفائها وامتناعها، ومن هذا الباب عنده مقطوعات يجمع فيها حروف المعجم أو يلغز فيها. وفى الحق أنه يصور الغزل الصقلى المعنوى تصويرا بديعا بما نجد عنده من الصبابة واللهفة على لقاء المحبوبة وكثرة الشجى لهجرها والحزن حتى ليكاد يموت المحب فى إثر محبوبته ضنا وسقما وبكاء متصلا.
٤ - شعراء الفخر
من موضوعات الشعر العربى القديمة الفخر، وكان كثيرا جدا فى الجاهلية، لأن القوم كانوا يقتتلون، وكان الشعراء من ورائهم يحمّسونهم فى القتال، وكان من المقتتلين أنفسهم شجعان يذودون عن القبيلة ويفتخرون بشجاعتهم ومآثر قبائلهم، فكثر شعر الفخر والحماسة حينئذ، وكان المظنون، والسيوف فى صقلية دائما مشرعة وقلما توضع فى أغمادها أن يكون شعر الفخر والحماسة فيها كثيرا، غير أن ما روى منه قليل، وقد يرجع ذلك إلى ابن القطاع الصقلى وابن بشرون المهدوى، فإنهما لم يرويا منه إلا القليل وخاصة ابن بشرون فإنه كاد أن لا يروى منه شيئا فى العهد النورمانى، وقد يكون ذلك راجعا إلى أن العرب كانوا مهزومين، ففيم الفخر وفيم الحماسة، أما فى العهد السابق لذلك فإن نفسيتهم كانت قوية، ونجد ابن القطاع يسوق لهم فخرا وحماسة من حين إلى آخر، من ذلك قول أبى عبد الله محمد بن على بن الصباغ الكاتب (٢):
قومى الذين إذا السنابك أنشأت ... دون السحاب سحائبا من عثير (٣)
برقت صوارمهم وأمطرت الطّلى ... علقا كثرثار الحيا المتفجّر (٤)
الواترين فلا يقاد وتيرهم ... والفاتكين بحمير وبقيصر (٥)
والمانعين حماهم أن يرتعى ... والحاسمين لكل داء يعترى
فقومه حين يشتد وطيس الحرب وتنشئ سنابك الخيل سحابا من غبارها تبرق
стр. 4555
سيوفهم وتمطر أعناق الأعداء سيولا من دم متفجر أنهارا، وإنهم ليترون أعداءهم ويفتكون بهم دون أن يطلب منهم-لبأسهم-وتر أو ثأر، وطالما فتكوا بأقيال حمير وفرسان قيصر، وقد اشتهروا بأنهم المانعون حماهم فلا تستطيع قبيلة أن تقترب منه وترعاه، وإنهم ليحسمون كل شر ويقضون عليه قضاء مبرما. وسنخص معاصره أبا الحسن على بن الحسن بن الطوبى بكلمة.
ويقول أبو على أحمد بن محمد بن القاف الكاتب (١).
سأكرم نفسى جاهدا وأصونها ... وإن قرّحت من ناظرىّ جفونها
ولست بزوّار لمن لا يزورنى ... ولا طارحا نفسى على من يهينها
فهو سيكرم نفسه إلى أقصى حد ويصونها عن أن تتعرض لإهانة مهما كلفه ذلك من السهاد، ولن يزور من لا يزوره إكراما لنفسه أن تمسها إهانة بأى صورة من الصور. ويقول الفقيه المحدث أبو محمد عمار بن المنصور الكلبى وكان من أفاضل العلماء وسادات الأمراء (٢):
تقول: لقد رأيت رجال نجد ... وما أبصرت مثلك من يمان
ألفت وقائع الغمرات حتى ... كأنك من رداها فى أمان (٣)
إلى كم ذا الهجوم على المنايا ... وكم هذا التعرّض للطّعان
فقلت لها: سمعت بكل شئ ... ولم أسمع بكلبىّ جبان
وهى ترفعه فوق رجال نجد واليمن جميعا، فليس مثله بينهم شجاع، وتقول إنه ألف وقائع الحرب حتى كأنه من موتها فى أمان، بل إنه ليهجم على الموت هجوما ضاريا متعرضا للطعان غير جزع ولا وجل، وردّ عليها قائلا إنه سمع بكل شئ إلا أنه لم يسمع بكلبى يمانى جبان. ونقف عند ابن الطوبى قليلا.
أبو الحسن (٤) الطوبى
هو أبو الحسن على بن الحسن بن الطوبى الذى تقدم ذكره فى المديح والغزل، وفيه يقول العماد الأصبهانى نقلا عن ابن القطاع: «إمام البلغاء وزمام الشعراء مؤلف دفاتر، ومصنف جواهر، ومقلد دواوين، ومعتمد سلاطين» يقول فى قصيدته التى مدح بها المعز بن باديس ومرّ ذكرها: