ولأمنعنّ جفونه طعم الكرى ... ولأمزجنّ دموعه بشرابه (١)
لم باح باسمى بعد ما كتم الهوى ... دهرا، وكان صيانتى أولى به
وهى تعلم مدى حبه لها وشغفه بها، وكان يكتم حبه ولا يصرّح باسمها، فلما صرّح به وأعلن حبه لها غضبت غضبا شديدا وصممت على الانتقام منه أشد الانتقام، إذ ستواصل عذابه بعذابه وستمنعه النوم وتمزج دموعه بأى شراب يشربه، حتى تأخذ بثأرها من بوحه باسمها بعد كتمانه دهرا، وكان أولى أن لا يصرح به أبدا. ويقول فى الأخرى (٢):
شكوت فقالت كل هذا تبرّما ... بحبّى أراح الله قلبك من حبّى
فلما كتمت الحبّ قالت: لشدّ ما ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب
فأدنو فتقصينى فأبعد طالبا ... رضاها فتعتدّ التباعد من ذنبى
فشكواى تؤذيها وصبرى يسوءها ... وتحرج من بعدى وتنفر من قربى (٣)
فيا قوم هل من حيلة تعلمونها ... أشيروا بها واستوجبوا الأجر من ربّى
وهو لا يعرف كيف يرضى صاحبته، فإنه إذا شكا من حبها عدّت ذلك تبرما ودعت له أن يريحه الله من حبه، وإذا كتم شكواه وحبه قالت له: ما أشد صبرك وليس هذا من ديدن المحب العاشق. ويقول إنه يدنو فتقصيه، فيبعد آملا فى رضاها، فتعد بعده أو تباعده من ذنوبه عندها، وهو حائر فشكواه تؤذيها وصبره يسوؤها، ويؤلمها بعده وتنفر من قربه، ويسأل من حوله هل من حيلة له فى إرضائها ويدعو لمن دلّه على حيلة أن ينال جزاءه من ربه. وله بيتان بديعان يصور فيهما حال صقلية وقد نهكتها حروب النورمان (٤):
عشقت صقلّيّة يافعا ... وكانت كبعض جنان الخلود
فما قدّر الوصل حتى اكتهلت ... وصارت جهنّم ذات الوقود
فصقلية الجنة البديعة بقصورها وحقولها وزروعها وثمارها وأزهارها الزاهية أصبحت فى عهد النورمان بحروبهم وفتكهم برجالها وشبابها جهنّم المتقدة المشتعلة التى تلتهم كل سكانها، ولمحمد بن عيسى بن عبد المنعم من غزلية رائعة كان يغنّى بها هناك (٥):
مولاى يا نور قلبى ... ونور كلّ القلوب
أما ترى ما بجسمى ... من رقّة وشحوب
стр. 4552
فلم بخلت بوصلى ... وليس لى من ذنوب
وما لسقمى شفاء ... ولا له من طبيب
ولا لدائى دواء ... إلا وصال الحبيب
والقطعة جديرة بأن يغنّى بها، لخفتها فى السمع وعذوبتها وتعبيرها عن الحب الذى أضناه ببساطة، وفيم هذا البخل بالوصل، وليس له من ذنوب، والبيتان الأخيران فى غاية الرشاقة مع النعومة ومع الحلاوة فى السمع التى تشيع فى كل الأبيات. ونتوقف قليلا للحديث عن الشاعر البلّنوبى وغزلياته.
البلّنوبى (١)
هو أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن أبى البشر الأنصارى، ولد بمدينة بلّنوبة Villanova فى صقلية، فنسب إليها، وعلى شاكلة لداته اختلف إلى الكتاب لحفظ القرآن الكريم، ولزم الشيوخ حتى ثقف ما عندهم فى اللغة والنحو، وهاجر إلى مصر وعنى فيها بتدريس العروض والنحو فى كتبهما المشهورة حتى توفى سنة ٤٤٢ للهجرة ويبدو أن ملكته الشعرية تفتحت بصقلية مبكرة ونشر رزّيتانو قطعة من شعره باسم ديوان البلّنوبى، وافتتح العماد تراجم الشعراء فى صقلية بترجمته، وبها مختارات كثيرة من غزلياته، وهو فى غزله يصور ما يتسم به الغزل عند شعراء صقلية من التجافى عن الغزل المادى الحسى وما يتصل به من وصف الجسم إلى الغزل المعنوى وما يتصل به من رقة الحس والشكوى من عذاب الحب والسهر وبعد الحبيب وهجره وما يجره ذلك على المحب من الضنا والنحول والسقم الذى لا شفاء منه، ومن طريف غزله:
إليك أشكو عيونا أنت قلت لها ... فيضى فقد فضحتنى بين جلاّسى
وما تركت عدوّا لى علمت به ... إلا وقد رقّ لى من قلبك القاسى
فإن رضيت بأن ألقى الحمام فيا ... أهلا بذاك على العينين والراس
فهى التى أمرت عيونه أن تظل تذرف الدمع شوقا إلى لقائها، حتى فضحته بين جلاسه من صديق وعدو فالكل يرقّ له من قلبها المتناهى فى القسوة، وهو بذلك راض أن يظل مستجيبا لها ويظل الدمع يترقرق فى عيونه، حتى لو رضيت بأن يموت فى سبيلها، فسيتقبل الموت بمنتهى
стр. 4553
الرضا. ويقول:
أترانى أحيا إلى أن يعودا ... نازح لم يدع لعينى هجودا
كيف أرجو الحياة بعد حبيب ... كان يومى به من الدهر عيدا
أشتهى أن أبوح باسمك لكن ... لقّنتنى الوشاة فيك الجحودا
وهو يظن أنه لن يحيا حتى يعود حبيبه لطول سهاده وما يعانى منه، حتى ليتصور أنه ميت لا محالة، فقد ذهبت أيام لقائه به التى كان يعدها أعيادا، وإنه ليشتهى أن يبوح باسمه أو اسمها ولكنه يخاف الوشاة، وكأنما علّموه الجحود ونكران الحب. ويقول:
أما تعطفنّ على خاضع ... لديك يناجيك مستعطفا
إذا كتبت يده أحرفا ... إليك محا دمعه أحرفا
ولو كنت أملك غرب الدموع ... منعت جفونى أن تذرفا (١)
وهو يشكو لصاحبته حبّه متذللا مستعطفا، ويقول إنه كلما كتب لها سطرا فى رسالة محت الدموع سطرا سابقا له، ولو كان يملك مصدر دموعه لمنع جفونه أن تذرف الدمع مدرارا، وصورة السطر الذى يكتب والسطر الذى تمحوه دموعه فى الرسالة بديعة. ويقول:
هجرتك يا سؤل نفسى ولى ... فؤاد متى تذكرى يخفق
وما ذاك منى اطّراح الملول ... ولكنه نظر المشفق
كما تتركين برود الشرا ... ب ظمأى مخافة أن تشرقى
وهو يقول إنه هجر سؤل نفسه حبّ قلبه لا مللا ولكن إشفاقا عليها أشد الإشفاق، كما تترك وهى شاعرة بحرقة العطش كوبا من الماء البارد الذى يطفئ غلة ظمئها خوفا من أن تشرق بها وتغص غصة مؤذية شديدة. وكان يدرس العروض لطلابه، فرأى أن ينظم لهم مقطوعة غزلية ثلاثية الشطور، والشطر الأول فيها من مجزوء الخفيف والثانى من مجزوء الرمل والثالث من مجزوء المجتث بحيث إذا ضمّ شطر إلى أخويه أو إلى أخيه نتج وزن جديد، وهى تجرى على هذه الشاكلة (٤):
وغزال مشنّف (٢) ... قد رثى لى بعد بعدى
لما رأى ما لقيت
стр. 4554
مثل روض مفوّف (١) ... لا أبالى وهو عندى
فى حبّه إذ ضنيت
وهى غزلية للتدريس، وإن شكا فيها بعد المحبوبة وجفائها وامتناعها، ومن هذا الباب عنده مقطوعات يجمع فيها حروف المعجم أو يلغز فيها. وفى الحق أنه يصور الغزل الصقلى المعنوى تصويرا بديعا بما نجد عنده من الصبابة واللهفة على لقاء المحبوبة وكثرة الشجى لهجرها والحزن حتى ليكاد يموت المحب فى إثر محبوبته ضنا وسقما وبكاء متصلا.
٤ - شعراء الفخر
من موضوعات الشعر العربى القديمة الفخر، وكان كثيرا جدا فى الجاهلية، لأن القوم كانوا يقتتلون، وكان الشعراء من ورائهم يحمّسونهم فى القتال، وكان من المقتتلين أنفسهم شجعان يذودون عن القبيلة ويفتخرون بشجاعتهم ومآثر قبائلهم، فكثر شعر الفخر والحماسة حينئذ، وكان المظنون، والسيوف فى صقلية دائما مشرعة وقلما توضع فى أغمادها أن يكون شعر الفخر والحماسة فيها كثيرا، غير أن ما روى منه قليل، وقد يرجع ذلك إلى ابن القطاع الصقلى وابن بشرون المهدوى، فإنهما لم يرويا منه إلا القليل وخاصة ابن بشرون فإنه كاد أن لا يروى منه شيئا فى العهد النورمانى، وقد يكون ذلك راجعا إلى أن العرب كانوا مهزومين، ففيم الفخر وفيم الحماسة، أما فى العهد السابق لذلك فإن نفسيتهم كانت قوية، ونجد ابن القطاع يسوق لهم فخرا وحماسة من حين إلى آخر، من ذلك قول أبى عبد الله محمد بن على بن الصباغ الكاتب (٢):
قومى الذين إذا السنابك أنشأت ... دون السحاب سحائبا من عثير (٣)
برقت صوارمهم وأمطرت الطّلى ... علقا كثرثار الحيا المتفجّر (٤)
الواترين فلا يقاد وتيرهم ... والفاتكين بحمير وبقيصر (٥)
والمانعين حماهم أن يرتعى ... والحاسمين لكل داء يعترى
فقومه حين يشتد وطيس الحرب وتنشئ سنابك الخيل سحابا من غبارها تبرق
стр. 4555
سيوفهم وتمطر أعناق الأعداء سيولا من دم متفجر أنهارا، وإنهم ليترون أعداءهم ويفتكون بهم دون أن يطلب منهم-لبأسهم-وتر أو ثأر، وطالما فتكوا بأقيال حمير وفرسان قيصر، وقد اشتهروا بأنهم المانعون حماهم فلا تستطيع قبيلة أن تقترب منه وترعاه، وإنهم ليحسمون كل شر ويقضون عليه قضاء مبرما. وسنخص معاصره أبا الحسن على بن الحسن بن الطوبى بكلمة.
ويقول أبو على أحمد بن محمد بن القاف الكاتب (١).
سأكرم نفسى جاهدا وأصونها ... وإن قرّحت من ناظرىّ جفونها
ولست بزوّار لمن لا يزورنى ... ولا طارحا نفسى على من يهينها
فهو سيكرم نفسه إلى أقصى حد ويصونها عن أن تتعرض لإهانة مهما كلفه ذلك من السهاد، ولن يزور من لا يزوره إكراما لنفسه أن تمسها إهانة بأى صورة من الصور. ويقول الفقيه المحدث أبو محمد عمار بن المنصور الكلبى وكان من أفاضل العلماء وسادات الأمراء (٢):
تقول: لقد رأيت رجال نجد ... وما أبصرت مثلك من يمان
ألفت وقائع الغمرات حتى ... كأنك من رداها فى أمان (٣)
إلى كم ذا الهجوم على المنايا ... وكم هذا التعرّض للطّعان
فقلت لها: سمعت بكل شئ ... ولم أسمع بكلبىّ جبان
وهى ترفعه فوق رجال نجد واليمن جميعا، فليس مثله بينهم شجاع، وتقول إنه ألف وقائع الحرب حتى كأنه من موتها فى أمان، بل إنه ليهجم على الموت هجوما ضاريا متعرضا للطعان غير جزع ولا وجل، وردّ عليها قائلا إنه سمع بكل شئ إلا أنه لم يسمع بكلبى يمانى جبان. ونقف عند ابن الطوبى قليلا.
أبو الحسن (٤) الطوبى
هو أبو الحسن على بن الحسن بن الطوبى الذى تقدم ذكره فى المديح والغزل، وفيه يقول العماد الأصبهانى نقلا عن ابن القطاع: «إمام البلغاء وزمام الشعراء مؤلف دفاتر، ومصنف جواهر، ومقلد دواوين، ومعتمد سلاطين» يقول فى قصيدته التى مدح بها المعز بن باديس ومرّ ذكرها:
стр. 4556
وإما المنى أو فالمنيّة إنها ... حياة لبيب لم ينل من لبابها
وهل نعمة إلا ببؤسى وإنما ... عذوبة دنيا المرء عند عذابها
فإما تحقيق المنى والحصول عليها وإما الموت الزؤام، وهل نعمة إلا مصحوبة ببؤس وشقاء، وإنما عذوبة دنيا الإنسان فى عذابها، وهو بذلك صاحب نفس كبيرة، ويصورها فى الأبيات التالية:
أعددت للدهر إن أردت حوادثه ... عزما يحلّ عليه كلّ ما عقدا
وصارما تتخطّى العين هزّته ... كأنما ارتاع من حدّيه فارتعدا
وذابلا توضح العليا ذبالته ... كأنها نجم سعد لاح منفردا (١)
ونثرة ليس للريح المضىّ بها ... إلا كما عرضت للنّهى فاطّردا (٢)
وهو يقول إنه أعدّ للدهر حين تنزل به حوادثه عزما يحل كل شدائده، وسيفا قاطعا تتخطى هزته العيون، وكأنما أخذه وجل من حدّيه القاطعين فارتعد، ورمحا يوضح العلياء حده القاطع وكأنه نجم سعد يكتب له دائما النصر والظفر، ودرعا تشبه طيّاتها موجات مياه الغدير حين تحركها الرياح ويقول.
سل الليل عنى هل أنام إذا سجى ... وهل ملّ جنبى مضجعى ومكانى
على أننى جلد إذا الضرّ مسّنى ... صبور على ما نابنى وعرانى
وهو يقول لصاحبه: سل الليل عنى فإنى دائما يقظ، ودائما يجفو جنبى المضجع والمكان، وإننى لجلد أحتمل كل ضر يمسنى، صبور على كل ما ينوبنى، أحتمل من ذلك ما يطاق وما لا يطاق، حتى يأتى الله بالفرج.
٥ - شعراء الوصف
الشاعر العربى-من قديم-يصف كل ما حوله من الإنسان وغير الإنسان من الحيوانات والنباتات والأزهار، وقد مر بنا فى المديح وصف قصور روجار: القبة والمنصورية والفوارة عند البثيري والطرابنشى وما حف بالأولين من بركة وبها جميعا من رياض، ولأبى الحسن بن الطوبى فى وصف الثريا (٣):
стр. 4557
انظر إلى الأفق كيف بهجته ... وللثّريا عليه تنكته
كأنها وهى فيه طالعة ... قميص وشى وتلك عروته
فالسماء بنجومها كأنها قميص وشى بديع والثريا عروته المضيئة الجميلة، وسنخص أخاه أبا عبد الله بن الطوبى بكلمة لإكثاره من الأوصاف والتشبيهات فى الطبيعة وغير الطبيعة.
ويقول مشرف بن راشد (١):
وروضة بالحزن ممطورة ... لم تنتهبها أعين الناس
بكى عليها الغيث فاستضحكت ... عن نرجس غضّ وعن آس
وكان يكثر من استخدام الطباق كما فى البيت الثانى، وجعل الروضة تضحك أو تبتسم عن نرجس غضّ وعن آس، ويقول ابن متكود صاحب مازر فى عهد أمراء الطوائف واصفا النيلوفر (٢):
كئوس من يواقيت ... تفتّح عن دنانير
وفى جنباتها زهر ... كألسنة العصافير
والنيلوفر هو اللوتس عند المصريين القدماء والبشنين عند أهل الريف المصرى، وحين تتفتح تتدلى من جنباتها أزهار-كما يقول ابن متكود-مثل ألسنة العصافير. ويقول ابن القطاع فى وصف رمانة (٣):
كأنّها حقّة من عسجد ملئت ... من اليواقيت نثرا غير منظوم
وهى صورة بديعة، ويفتح ابن القطاع صحفا غير قليلة لمديح المغنين والمغنيات والراقصين والراقصات وذمهم، من ذلك ذم البلّنوبى لمغن فى قوله (٤):
ولنا مغنّ لا يزا ... ل يغيظنا ما يفعل
غنّى ثقيلا أوّلا ... وهو الثقيل الأوّل
والثقيل الأول نغمة موسيقية معروفة عند العرب، وهى مكررة مئات المرات فى كتاب الأغانى واستغلها البلنوبى فى هجاء هذا المغنى، والتورية واضحة ونراه يمدح راقصة من راقصات صقلية قائلا (٥):
стр. 4558
هيفاء إن رقصت فى مجلس رقصت ... قلوب من حولها من حذقها طربا
خفيفة الوطء لو جالت بخطوتها ... فى جفن ذى رمد لم يشتك الوصبا
فالقلوب ترقص مع رقصها، وهى خفيفة الوطء للأرض فى رقصاتها حتى لو جالت بخطوتها الخفيفة فى جفن أرمد لم يحس بها فحسب، بل أيضا أزالت عنه ما يشكو من وصب الرمد- ويقول أبو بكر محمد بن على الكمونى فى وصف راقص (١):
ما إن رأيت كراقص ... مستظرف فى كل فنّ
يحكى الغناء برقصه ... كمراقص يحكى المغنّى
رجلاه مزمار وعو ... د فى نهاية كلّ حسن
فهو السرور لكل عي ... ن والنعيم لكل أذن
وتدل المقطوعة دلالة قاطعة على أن الغناء كان قد ارتقى فى مصاحبة الرقص فنونا من الرقى، حتى ليقول ابن الكمونى عن هذا الراقص أن رجليه كانتا مزمارا له وعودا فهو يوقّع على ضرباتهما غناءه ويلحنه تلحينا دقيقا، فهو سرور برقصه لكل عين، وهو نعيم بغنائه لكل أذن. ونتوقف لنتحدث عن أبى عبد الله بن الطوبى وبراعته فى الوصف.
أبو عبد الله (٢) بن الطوبى
هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الطوبى، كان صاحب ديوان الإنشاء فى عهد ثقة الدولة وأبنائه-كما يقول العماد-ومن ذوى الفضائل البلغاء، طبيبا، مترسلا، شاعرا. ويقول القفطى: «مقيم بصقلية يتولى الإنشاء نحوى أربى فى النحو على نفطويه وفى الطب على ابن ماسويه، وكلامه فى نهاية الفصاحة وشعره فى غاية الملاحة وله مقامات تزرى بمقامات البديع وإخوانيات كأنها زهر الربيع. كان بصقلية سنة خمسين وأربعمائة وأظنه عاش بعد ذلك مدة، وأورد ابن القطاع من نظمه كل مليح الحوك، صحيح السبك، فمن ذلك قوله فى نرجس:
أريد لأشفى سقم قلبى بنرجس ... فيذبل إن صافحته بتنفّسى
له مقلة كالتّبر، والجفن فضّة ... وقدّ كغصن البان فى ثوب سندس
ويدل العماد على براعته فى هذا الوصف للنرجس بأنه أتى فيه بأربع تشبيهات، كما يتضح فى
стр. 4559
البيت الثانى، وهى تشبيهات دقيقة. ويقول فى نار فحم والشرار يتطاير من حولها:
ونار فحم ذى منظر عجب ... يطرد عنه الشّرار باللهب
كأنما النار مبرد جعلت ... تبرد منه برادة الذهب
فلهب النار يطرد الشرار من حولها، كأنما النار مبرد يبرد من الفحم برادة ذهبية، وقد راعى النظير فى البيت الثانى، فالنار مبرد وهى تبرد من الفحم برادة الذهب، ويقول فى مديح مغنّ.
إذا غنّى يزيل الهمّ عنّا ... ويأتينا بما نهواه منه
له وتر يطالب كلّ همّ ... بوتر فالهموم تفرّ عنه
فهو مغن حاذق يعرف ما تهواه النفوس ويعرضه على سامعيه، وكأنما لعوده وتر يطالب كل هم فى نفوس الناس بوتره أو ثأره، فالهموم تفر عنه منطلقة إلى غير مآب. ويذم فى مقابل هذا المغنى مغنين آخرين من برد غنائهم يجعلون الصيف شتاء ويحولون الأعراس مآتم، وفى أحدهم يقول، وهو أخف ما قال:
لنا مغنّ غناه ... يعود شرّا عليه
لم يأت منزل قوم ... فعاد قطّ إليه
فبمجرد أن يسمعه أهل منزل يزورون عنه ولا يعودون إلى طلبه مرة أخرى. وكان يغرب أحيانا فى أوصافه مدحا وذما، وقد وجد الناس يمدحون البياض فى المرأة ويذمون السواد، فرأى أن يعكس عليهم القضية قائلا:
شبيهات المشيب تعاف نفسى ... وأشباه الشبيبة هنّ حور
سواد العين نور العين فيه ... وما لبياضها فى العين نور
فهو يرى بسواد عينيه لا بياضهما، ولذلك يعاف البياض رمز المشيب والشيخوخة، كما يعاف معه المرأة البيضاء، بينما يحب السواد رمز الشبيبة ونضرة الحياة ويحب المرأة السوداء. وكانت لديه قدرة فى حسن التعليل كقوله فى فص أحمر:
حمرتى من دم قلبى ... أين من يندب أينا
أنا من أحجار أرض ... قتلوا فيها الحسينا
وربما كان فى ذلك ما يدل على أنه كان متشيعا يعتنق المذهب الإسماعيلى الفاطمى. ومن حسن تأتيه فى التصوير قوله فى لحية كبيرة غطت وجه صاحبها:
стр. 4560
ما إن رأيت ولا سمعت بلحية ... عرضت كلحية جعفر بن محمّد
سدّت عليه وجهه فكأنما ... عيناه فى ثقبى كساء أسود
فهى قد سترت وجه صاحبها حتى لم يعد يبدو منها إلا العينان، وكأنهما ثقبان فى كساء أسود.
وكما كانت لحية جعفر بن محمد تؤذيه كذلك كانت لحية حمدون، وفيها يقول:
لحية حمدون دثار له ... تكنّه من شدّة البرد
كأنها-إذ غاب فى وسطها- ... قطيفة لفّت على قرد
فلحية حمدون كأنها دثار أو ثوب تكنّه من قسوة البرد، وكأنها إذ غاب فى وسطها ولم يعد أحد يرى له أثرا قطيفة لفت لا على إنسان بل على قرد. ونختم تصاويره بتصويره لراقصة صقلية:
راقصة كالغصن من فوقه ... بدر منير تحت ظلماء
تلهب مثل النار فى رقصها ... وهى من النّعمة كالماء
كأنما فى رجلها عودها ... وزامر يتبع بالنّاء
ساحرة الرّقص غلاميّة ... منها دوائى وبها دائى
إذا بدت ترقص ما بيننا ... يرقص قلبى بين أحشائى
وهى راقصة قوامها كغصن البان ووجهها كالبدر المنير، وكأنما تجمع النار والماء فى رقصها، تجمعهما بحركاتها وتثنياتها وكأنما توقع حركات أرجلها على عودها وزامر يتبعها بالناى وإنها لساحرة فى رقصها، وبإحدى يديها داؤه، وبالثانية دواؤه. وإن القلوب لترقص مع رقصها وإيقاعاتها المبدعة فيه.
стр. 4561
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الرثاء
من موضوعات الشعر القديمة الرثاء، وهو يتخذ ثلاثة اتجاهات: اتجاه الندب والتوجع لفقد المصاب، وعادة يكون من الأهل وخاصة الأخ والولد، واتجاه التأبين وهو ذكر فضائل الموت وبيان خسارة القبيلة أو الأمة فيه، والعزاء وهو التعزى عن المصاب فى الميت بأن الموت كأس دائر على الجميع لا يفلت منه أحد. ويقول الحسن بن إبراهيم الشامى الكنانى (١):
فلا البؤس مدفوع بما أنت جازع ... ولا الخير مجلوب بعلم ولا فهم
وإن الحريص العمر يلقيه حرصه ... إلى حفرة جوفاء واهية الرّضم (٢)
تعلّم بأن الموت أزين للفتى ... وأهون من عيش يشين ومن وصم
وهو يقول إن الحزن لا يدفعه الجزع والمرء لا يعرف ما كتبه القدر ولا أحد يستطيع أن يحمى نفسه من الموت، فالحريص كغير الحريص لا بد أن يلقى يوما فى حفرة واهية الرضم أو واهية الصخور والحجارة، وإن الموت لأزين للفتى من عيش نكد يعيشه ووصم يشينه-ويقول عمر بن الحسن بن الفونى الكاتب فى مطلع مرثية (٣) له:
للموت ما يولد لا للحياه ... وإنما المرء رهين الوفاه
كأنما ينشره عمره ... حتى إذا الموت أتاه طواه
من ترم أيدى الدّهر لا تخطه ... والدّهر لا يخطئ من قد رماه
نفس الفتى عارية عنده ... ما بخله بالردّ إلا سفاه (٤)
وهو يستهل مرثيته بالعزاء وأن الموت مكتوب على الإنسان منذ مولده، وكأنه يولد للموت
стр. 4562
لا للحياة، ويظل منذ خطواته الأولى فى دنياه رهين الوفاة، وما أشبهه بثوب ينشره عمره حتى إذا الموت أتاه طواه إلى الأبد، ومن ترمه أيدى الدهر تصبه ولا تخطئه أبدا، فإن الدهر لا يخطئ البتة فيمن قد رماه، وكأنما نفس الفتى عارية عنده ولا بد أن تسترد وما بخله بردها إلا حمق، لأنها لا بد أن تعود إلى بارئها. ويظل الرثاء فى عهد النورمان. وسنخص محمد بن عيسى بكلمة فيه، ويلقانا به عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن السوسى، ومالطة مسقط رأسه وبها تهذب وقرأ على أبيه الأدب، ثم سكن بلرم واتخذها دارا، ووجد بها قرارا، وله مرثية فى بعض رؤساء المسلمين بصقلية تدل على ما حواه من فضائل، وهى مرثية طويلة، استهلها (١) بقوله:
ركاب المعالى بالأسى رحله حطّا ... وطود العلى العالى تهدّم وانحطّا
وكيف لنور الشّمس والبدر عودة ... وهذا منار المجد والعزّ قد قطّا (٢)
أصيب فما ردّ الرّدى عنه رهطه ... بلى أودع الأحزان إذ ودّع الرّهطا (٣)
فيا رزء ما أنكى ويا حزن ما أبكى ... ويا دهر ما أعدى ويا موت ما أسطا (٤)
وهو يقول إن ركاب المعالى حط رحله بالحزن الطويل، وقد تهدّم طود العلا السامى ولن يعود أبدا، وكيف يعود نور الشمس والبدر وهذا منار المجد والعز قد استؤصل استئصالا، أصابه الموت فما ردته عنه عشيرته ولا أهله، ودّعهم وأودع. فى قلب كل منهم جمرة حزن لا تنطفئ أبدا، فيا رزء ما أشد نكايتك، ويا حزن ما أشد ما تثير من البكاء، ويا دهر ما أشد عدوانك، ويا موت ما أشد سطوتك، وكأنما كان يبكى فيه رؤساء صقلية المسلمين بصقلية جميعا. ونعجب إذ نجد أبا الضوء سراج بن أحمد بن رجاء يعزّى روجّار الثانى عن ابنه روجار بمرثية باكية، وفيها يقول (٥):
خبا القمر الأسنى فأظلمت الدّنا ... وماد من العلياء والمجد أركان (٦)
تخطّفه ريب المنون مخاتلا ... على غرّة إن المنون لخوّان (٧)
فيا لك من رزء عظيم وحادث ... يعزّ له صبر ويعوز سلوان
وقد ذهب يقيم الدنيا ويقعدها لموت ابن روجار الثانى وأنه حرى أن تهمى له العيون وتحترق الأكباد وتعظم الأشجان وأن تبكى عليه خيماته وقصوره وسيوفه ورماحه وأن تعاف
стр. 4563
خيله اللجم والأرسان، وما نواح الحمام إلا له، وما كان أفظع يومه، لكأنه كان يوم الحشر. كل ذلك ولا يرجع أبو الضوء إلى نفسه ويستنكف من تقديم هذا العزاء لملك نصرانى. ونتوقف قليلا لنتحدث عن محمد بن عيسى ومراثيه.
محمد (١) بن عيسى
هو أبو عبد الله محمد بن عيسى بن عبد المنعم يقول القفطى عنه: «من أهل صقلية من أصحاب العلم بعلمى الهندسة والنجوم ماهر فيهما قيّم بهما مذكور بين الحكماء هناك بأحكامهما»، ويقول العماد نقلا عن ابن بشرون: «كاتب شاعر، بارع ماهر، مهندس، منجم، لغارب (لكاهل) الفصاحة متسنّم، فى ملتقى أولى العلم كمىّ (شجاع) معلم (معروف). ويقول إن ابن بشرون أورد من شعره ما يهز أعطاف القلوب مراحا (مرحا) ويدير على الأسماع من الرحيق المختوم راحا. ويعجب العماد بمراثيه وينقل قطعة طويلة من إحداها، وفيها يقول:
عزّ العزاء وجلّ البين والجزع ... وحلّ بالنفس منه فوق ما تسع
من لليتامى وأبناء السبيل وهم ... قد ارتووا من أياديه وقد شبعوا
بكته شمس ضحاه واختفت جزعا ... وألفيت تحت ستر للغيم تطّلع
سعوا مشاة وهم فى الزّىّ أغربة ... مسودّة من وراء النّعش تتّبع
ولم يكن لهم بالعيد من فرح ... ولا لهم فى التسلّى بعده طمع
فالعزاء فى موت هذا الشخص صعب إذ عظم فيه الجزع وحلّ بالنفس حزن لا تطيقه.
ويبكى فيه الشاعر مواساته لليتامى وأبناء السبيل والبؤساء الذين طالما أسبغ عليهم من أفضاله، ويقول إن الشمس توارت باكية وراء سحاب لتطلع على جنازته الضخمة، وقد سعت الجموع وراء نعشه تلبس السواد بعد أن كانت تلبس البياض وكأنما كانت حمائم وانقلبت غربانا، وجاء العيد سريعا فلم يفرحوا فيه ولا فزعوا إلى شئ يتسلون به، إذ غمرهم لموته حزن شديد. ويقول إن أعماله الطيبة ستفسح له فى الفردوس الأعلى:
جاءت ملائكة الرّضوان معلمة ... بأنه لجنان الخلد مرتفع
стр. 4564
وقد أعدّت له أعماله غرفا ... فيها لأنفس أهل الفضل مرتبع (١)
يا فجعة لم تدع فى العيش من أرب ... وغصّة فى لهاه ليس تبتلع (٢)
أضرمت نارا على الأحشاء موصدة ... أكبادنا فى لظى أنفاسها قطع
فملائكة الرضوان نزلت لتستقبله وتأخذه إلى الرفيق الأعلى وجنان الخلد، إذ أعدت له أعماله الخيّرة بها غرفا فى عليين. ويعود على بن عيسى إلى التفجع على الميت قائلا إن الفجيعة فيه لم تدع فى الحياة من أمل فقد ماتت معه كل الآمال، وأودع موته غصصا لا يطيق أحد ابتلاعها، وقد أضرم فى الأحشاء نارا متقدة تتقطع فى لظاها الأكباد حسرة عليه. ويختار العماد من مرثية ثانية لمحمد بن عيسى مقاطع، وفيها يقول:
شهاب المنايا من سماء الرّدى انقضّا ... وركن المعالى والجلال قد انفضّا
بكته المذاكى المقربات وقطّعت ... شكائمها إذ منه أعدمت الرّكضا (٣)
وكادت سيوف الهند تندقّ حسرة ... وأجفانها تنشقّ عنها لكى تنضى (٤)
شهدنا على قرب بمشهد موته ... مشاهد لم تخط القيامة والعرضا
أعاد سرور العيد حزنا مماته ... ومبرم أمر فيه حوّله نقضا
فشهاب الموت قد انقض على هذا الميت من سماء الهلاك، وانهدم بذلك ركن المعالى والجلال، وإن الخيل الكريمة أو المكرمة لتبكى فروسيته، وقد قطعت الشكائم، إذ لم يعد يركض عليها لقتال أعدائه، وإن سيوف الهند لتندقّ حسرة عليه، وإن أغمادها لتنشقّ عنها لكى ينتضيها فارسها المغوار. ويصف الشاعر جنازته ويقول كأنها كانت يوم الحشر ازدحاما وهولا، وأعقب موته العيد فلم يعرف الناس فيه سرورا ولا استطاعوا أن يبرموا أمرا من أمورهم، إذ انتابهم حزن عميق. ويصور الشاعر مدى الخسارة فيه قائلا:
لقد مات فيه عدّة أىّ عدّة ... لنا فعدمنا كل عيش به يرضى
وأبصارنا كانت تسامى له وقد ... غدا الكلّ منا طرفه اليوم قد غضّا (٥)
وقد كان طرفى ليس يغضى على القذى ... فأضحى على أقذائه اليوم قد أغضى (٦)
فقد ماتت فى هذا الفقيد عدّة ضخمة للمسلمين فى صقلية النورمانية، إذ عدم الشاعر وغيره
стр. 4565
من المسلمين هناك كل عيش كانوا يقنعون به وبعد أن كانت أبصارهم تتطلّع إلى الفقيد معلّقة به أمانيها أخذت اليوم تغضّ منها خشوعا، وكان طرف الشاعر لا يغضى على القذى فأصبح اليوم يغضى على أقذاء كثيرة.
٢ - شعراء الزهد والوعظ
زاهد الأمة الأول وواعظها الرسول ﷺ وتلته طبقات من الزهاد والوعاظ كانت تقرن وعظها وزهدها بالعبادة والنسك، ونجدهم فى جميع البيئات الإسلامية، وفى كل زمن. وتموج بمواعظهم وكلماتهم الزاهدة الكتب من مثل البيان والتبيين للجاحظ وعيون الأخبار لابن قتيبة والعقد الفريد لابن عبد ربه وزهر الآداب للحصرى، وتجرى على ألسنة الشعراء فى صقلية الإسلامية أبيات تتصل بالوعظ والزهد، من ذلك قول أبى القاسم عبد الرحمن بن عبد الغنى المقرئ الواعظ (١):
أيا من نال فى الدنيا مناه ... تأهب للفراق وللرحيل
ولا تفرح بشئ قد تناهى ... فما بعد الطلوع سوى النزول
وهو ينصح من نال فى الدنيا كل آماله أن يتأهب لفراقها بالصلاة والنسك، ويقول له لا تفرح بشئ بلغ نهايته، فلم يعد أمامك بعد المنزلة التى صعدت إليها إلا النزول إلى قبرك الموحش. ويقول جعفر (٢) ابن الطيب الكلبى:
ومغتبط بعيش غير باق ... يروم سلامة تحت الهلاك
ألا يا حار (٣) ... قد حارت عقولّ
وعلّت بالقليل عن الحراك
وقد نصبت لك الدنيا شباكا ... فإياك الدنوّ من الشّباك
وهو يعجب لمن يفرح بعيش لا يدوم وكأنه يروم سلامة تحت هلاك محقق، ويعجب لأناس غرهم ما حصلوا عليه من قليل فى الدنيا فسكنوا إليه ولم يتحركوا لقضاء ما عليهم من الحقوق لربهم، وينصحهم أن لا يقتربوا من شباك اللذات والشهوات التى نصبتها لهم الدنيا، حتى لا يقعوا فيها عن غير بصيرة. ويقول أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد اللخمى الكاتب القاضى مناجيا ربه (٤):
стр. 4566
يا ربّ صفحا وغفرانا ومعذرة ... لمذنب كثرت منه المعاذير
يبكيه إجرامه طورا ويضحكه ... رجاؤه فهو محزون ومسرور
وهو يطلب من الله الصفح والعفو والغفران لما ارتكب من الذنوب، ويفكر فى أمره فيراه يبكى لكثرة ذنوبه ويضحك لرجائه لربه، وكأنه يجمع بين نقيضين، فهو دائما محزون لمعاصيه ومسرور لما يأمل عند الله من العفو والمغفرة، ولأبى حفص عمر بن حسن بن الطبرق، وكان من أهل الدين والورع والعفاف (١):
سيلقى العبد ما كسبت يداه ... ويقرأ فى الصحيفة ما جناه
ويسأل عن ذنوب سالفات ... فيبقى حائرا فيما دهاه
فيا ذا الجهل مالك والتمادى ... ونار الله تحرق من عصاه
فعوّل فى الأمور على كريم ... توحّد فى الجلالة فى علاه
وأمّل عفوه وافزع إليه ... وليس يخيب مخلوق رجاه
وهو يقول إن كل إنسان سيحاسب يوم القيامة وتعرض عليه صحيفة حاملة إليه ما كسبت يداه فى دنياه، ويسأل عما ارتكب من ذنوب وآثام فيرتج عليه، ويحتار فيما اقترفه، وواجب أن لا يتمادى الإنسان فى غيه ويذكر الجحيم المعدة للعاصين، ولا ييأس من رحمة ربه الكريم قابل الذنب والتوب الذى يعفو عن عباده الآثمين، ولا يخيب مخلوق رجاه. ويقول أبو عبد الله بن الطوبى (٢):
يحبّ بنو آدم ربّهم ... ولكنهم بعد يعصونه
وإبليس قد شربوا بغضه ... وهم بعد ذاك يطيعونه
فهذا التنافى فما بالهم ... يرون الضلال ويأتونه
وهو يعجب لمن حوله، فهم يعلنون حبهم لربهم ويعصونه، كما يعلنون بغضهم لإبليس ويطيعونه، وإنه لتناقض ما بعده تناقض، فما بالهم يرون الضلال وانحرافه بهم عن الطريق المستقيم ويأتونه. ويقول فى مقطوعة ثانية (٣):
لو قلت لى أىّ شئ ... تهوى؟ لقلت خلاصى
الناس طرّا أفاع ... فلات حين مناص (٤)
стр. 4567
نسوا الشريعة حتى ... تغامزوا بالمعاصى
يا ويحهم لو أعدّوا ... لهول يوم القصاص
وهو يقول إن المجتمع فسد، والناس فيه جميعا أفاع ويتمنى منهم الخلاص، إذ نسوا الشريعة وأوامر الدين وإنهم ليتغامزون على ارتكاب المعاصى فى غير خوف من الله ولا من يوم القيامة يوم يؤخذ العاصون بالنواصى والأقدام ويقول: يا ويحهم لقد كان حريا بهم أن يعدّوا ليوم القصاص، يوم يسأل كل شخص عما قدمت يداه. ويبدو أن ظاهرا من التصوف كان قد دخل صقلية الإسلامية فى زمنه، فأناس يلبسون مرقّعات الصوف، وأناس يغنون على صفوف الذكر، وآخرون يصيحون ويرقصون، فقال (١):
ليس التصوف لبس الصّوف ترقعه ... ولا بكاؤك إن غنّى المغنونا
ولا صياح ولا رقص ولا طرب ... ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدّينا
وأن ترى خائفا لله ذا ندم ... على ذنوبك طول الدهر محزونا
فالتصوف ليس لبس مرقعات الصوف والبكاء حين سماع المغنين والرقص والطرب وأن يقع المتصوف مغشيا عليه أو كالمغشى كأنه صار مجنونا، بل التصوف الصفاء الدينى واتباع الكتاب والسنة والخوف من الله والندم على الذنوب. ومن الوعاظ قبل العهد النورمانى عمر بن خلف بن مكى، وسنفرده بكلمة، ويقول ابن القطاع (٢):
تنبّه أيها الرجل النّئوم ... فقد نجمت بعارضك النجوم
وقد أبدى ضياء الصبح عما ... أجنّ ظلامه الليل البهيم (٣)
فلا تغررك يا مغرور دنيا ... غرور لا يدوم بها نعيم (٤)
ولا تخبط بمعوجّ غموض ... فقد وضح الطريق المستقيم
وهو يقول تنبه أيها الرجل الذى اعتاد النوم عن أداء فروض دينه وعبادة ربه، فقد ظهرت نجوم الشيب بعارضيك. وأبدى ضياء الرشاد عما أجنّ ليل الشباب البهيم من ظلام الغى، فلا تغتر يا مغرور بدنيا خادعة لا يدوم بها نعيم ولا تخبط-كالأعمى-فى طريق معوج غامض، فقد وضح أمام عينيك الطريق المستقيم. ونلم بعمر بن خلف بن مكى وماله من مواعظ.
стр. 4568
ابن (١) مكى
هو أبو حفص عمر بن خلف بن مكى، منشؤه ومرباه وشيوخه فى صقلية وفى مقدمتهم ابن البر اللغوى، وعليه تخرج ويذكر فى مقدمة كتابه اللغوى النفيس: «تثقيف اللسان» أنه عرضه عليه فما أقرّه أبقاه وما أنكره أخلا الكتاب منه، وأدى به فقهه وعلمه إلى تولى منصب القضاء فى بلده، وقد خرج منها إلى تونس قبيل استيلاء النورمان عليها، واستوطنها وولى قضاءها وخطابة جامعها، وينقل العماد عن ابن القطاع تقديمه له بقوله: «انتقل إلى تونس، وولى قضاءها، وهو فقيه محدث، خطيب، لغوى، وفضله بالألسنة فى جميع الأمكنة مأثور مروى، وله خطب لا تقصر عن خطب ابن نباتة، تعجب رواته، ومن قوله:
يا حريصا قطع الأيّام فى ... بؤس عيش وعناء وتعب
ليس يعدوك من الرزق الذى ... قسم الله فأجمل فى الطّلب
وهو يدعو إلى القناعة والزهد والرضا بما قسمه الله للإنسان، فإن أحدا لن يصيبه ضياع، بل الكل سيكفل له رزقه، ولا داعى للعناء الشديد فى طلبه ولا للحرص أكثر مما ينبغى، فما قدّر لك سيأتيك. ويقول مذكرا بالموت داعيا إلى التقوى والعمل الصالح:
عجبا للموت ينسى ... وهو ما لا بدّ منه
كيف تنساه وقد جا ... ءتك رسل من لدنه
سوف تلقى الويل إن جئ ... ت بعذر لم تبنه
وترى جسمك فى النا ... ر غدا إن لم تصنه
والذى ينجو من النا ... ر أخو التقوى فكنه
وهو يعجب لمن ينسى الموت وهو مكتوب على الإنسان، وقد جاءته رسل من لدن الله تهديه إلى الرشاد، ويقول إن من لا يستطيع أن يقدم عذرا عن سيئاته سيلقى الويل والعذاب الشديد، او من لا يصون جسمه بالعمل الصالح ستكون النار مصيره، إذ لا ينجو منها إلا أخو التقوى والعمل الصالح، وحرى بك أن تسلك مسالك التقوى والهدى، فإن فى ذلك الفوز الكبير. ويدعو إلى العزلة عن الناس والاكتفاء بأقل ما يمكن من العيش وبمصاحبة الكتب، ولا تعلق رجاءك بأحد، يقول:
стр. 4569
اجعل صديقك نفسك ... وجوف بيتك حلسك (١)
واقنع بخبز وملح ... واجعل كتابك أنسك
واقطع رجاءك إلا ... ممن يصرّف نفسك
تعش سليما كريما ... حتى توافى رمسك (٢)
وهو ينصح الإنسان أن لا يتخذ صديقا له إلا نفسه، فليس من صديق حقيقى تستطيع الاستعانة به حين يلم بك خطب من الخطوب، بل إنه ليدعوه إلى اعتزال الناس جميعا ولزوم بيته، حتى لا يصيبه أذاهم، وينصحه بالزهد فى متاع الحياة والرضا بأقل القليل: بخبز وملح فهما حسبه، وهما يكفيانه أن يريق ماء وجهه فى طلب ما فوقهما من طيبات الدنيا. ويقول له: اكتف بالكتاب، واتخذه صديقك وأنيسك فإنه سيضيف إليك معرفة، ولن يؤذيك أى أذى ولن يضرك أى ضرر، وينصحه أن يقطع رجاءه من الناس، فليس بينهم من يحقق له رجاء إلا إذا ألجأته الضرورة لمن يصرّف أمره، ويقول له إذا اتبعت هذه النصيحة من الزهد فى متع الحياة وعشت متقشفا ترضى بكسرة أو قطعة من الخبز واكتفيت بإدامها من الملح، ولم تتخذ لك صديقا سوى الكتاب، ولا أملت من أحد شيئا عشت أسعد السعداء حتى وفاتك. ويقول:
من كان منفردا فى ذا الزمان فقد ... نجا من الذلّ والأحزان والقلق
تزويجنا كركوب البحر ثم إذا ... صرنا إلى ولد صرنا إلى الغرق
وهو يمتدح العزلة والانفراد عن الناس حتى عن تكوين الأسرة، ويتمثل الزواج كركوب البحر ومخاطره من العواصف، ويتصور الأولاد ومطالبهم ومتاعبهم فى الحياة عواصف ماتنى تتناول راكب البحر وسفينته، حتى يغرق.
٣ - شعراء التفجع والحنين واللوعة
استحالت صقلية فى العهد الإسلامى إلى جنة فيحاء من جنات المسلمين بمدنها وحصونها التى تعد بالعشرات، بل بالمئات، وبحقولها وزروعها من كل صنف، وبحدائقها وثمارها من كل لون، وبأزهارها الأرجة التى تعطر جميع الأنحاء فيها والأرجاء. وبينما كانت تعيش فى أمن ورفاهية إذا أمراء الطوائف يقيمون لهم فيها عروشا وإمارات ويدب بينهم الشقاق وتتكاثر الفتن. ويشهر الإخوة المسلمون السلاح بعضهم على بعض، ويتسلل ابن الثمنة حاكم بلرم الخائن إلى روجار وروبرت ابنى طنكراد (Tancrede) أميرى قلوريّة وأنكبردة فى جنوبى إيطاليا مستنجدا بهما ضد
стр. 4570
حاكم مدينة قصريانة وينجده روجار، ويستولى على مسينى ثم على بلرم سنة ٤٦٤ هـ/١٠٧٢ م وكان ذلك إنذارا باحتلال الجزيرة وضياعها، فلم يمر عشرون عاما حتى أخذت مدنها فيها تتساقط فى حجر روجار، وأصبح المسلمون يقلبون أكفهم على ما أنفقوا فيها وأنشئوا بها من حضارة وقصور وزروع وحدائق ذات بهجة، وأخذ كثير من علمائها وشعرائها يودّعونها، منهم من يتماسك مثل أبى العرب (١) الصقلى الذى رحل عنها إلى الأندلس منشدا:
أهمّ ولى عزمان عزم مشرّق ... وآخر يغرى همّتى بالمغارب
ويا وطنى إن بنت عنّى فإننى ... سأوطن أكوار العتاق النجائب (٢)
إذا كان أصلى من تراب فكلّها ... بلادى وكلّ العالمين أقاربى
وكان لا يدرى حين فراقه للجزيرة هل يتجه شرقا أو يتجه غربا إلى الأندلس، واختار الاتجاه إلى الغرب. ويتخيل كأن الوطن هو الذى بان عنه بكثرة ما فيه من الفتن والحروب مما اضطره إلى مفارقته وتوطنه فى رحال الإبل النجيبة باحثا عن وطن جديد، ويخفف الأمر على نفسه، فإذا كان أصله من تراب وكل البلاد تحمل التراب فهى جميعا بلاده، وكل من فيها من العالمين من أقاربه وذوى رحمه، وإذا كان أبو العرب متماسكا هذا التماسك فى اضطراره إلى النزوح عن وطنه فقد كان هناك من لا يزال يحن إليه مثل عمر بن رحيق الذى نشأ وتربى فى بلرم، حتى إذا استولى عليها روجار والنورمان رحل عنها، ولا تزال ماثلة نصب عينيه، ولا يزال يحن لها ولأهله، ولا يزال حبها يضطرم فى حنايا فؤاده ويهتف (٣).
نفسى تحنّ إلى أهلى وأوطانى ... وهل رأيتم محبّا غير حنّان
كانوا بقلبى أحياء وفى كبدى ... نار تأجّج من شجوى وأحزانى
عزّ اصطبارى لرزء قد دهيت به ... وبان عنى لوشك البين سلوانى
فهو يحن إلى أهله ووطنه حنين ملتاع فقد هما، وكانوا ماثلين تحت بصره وفى قلبه، فغابوا عنه وتأججت نار بكبده من شجوه وأحزانه التى يكتوى بها فؤاده، ويقول إنه رزء ومحنة دهته، وعزّ عليه أن يتحمّلها وكيف يتحملها؟ لقد نفد صبره، وفارقه سلوانه، ولم يبق له إلا الحزن الممض والشّجى الموجع، وأكبر شاعر توجع وتفجع على فقدان صقلية ابن حمديس، وهو جدير بأن نفرده بترجمة.
стр. 4571
ابن (١) حمديس
هو عبد الجبار بن حمديس، ولد بمدينة سرقوسة الواقعة شرقى صقلية سنة ٤٤٧ هـ/١٠٥٦ م لأسرة على شئ من الثراء والعلم والفضل، واختلف مثل لداته إلى الكتاب فحفظ القرآن الكريم، وتحوّل منه إلى حلقات الشيوخ، ونزعت به ميوله إلى الأدب والشعر، ولم تلبث موهبته الشعرية أن تفتحت، وتكونت له رفقة كانت تأخذ بنصيب غير قليل من اللهو والذهاب إلى الحانات والأديرة لشرب الخمر والمتاع بالغناء. وكانت بلرم قد سقطت فى يد روجار والنورمان، وبدا فى الأفق أنهم يتأهبون للاستيلاء على سرقوسة وغيرها من بلاد الجزيرة، وأخذ يعدّ نفسه-مثل أقرانه-للقائهم برا وبحرا، ونفاجأ به فى نحو الرابعة والعشرين من عمره يصرّ على أن يغادر بلده إلى الأندلس مارا بإفريقية وتميم بن المعز مرورا سريعا وربما كان السبب الحقيقى فى مغادرته بلده لا فرارا من معركة صقلية وسرقوسة مسقط رأسه ضد النورمان، ولكن طلبا للشهرة فى عالم شعرى مزدهر، يأمل أن يتحقق له فيه ما يتمناه لنفسه من مكانة أدبية مرموقة بين شعراء الأندلس الذين كانت أسماؤهم تدوّى فى العالم العربى، ولعله من أجل ذلك اختار النزول بأهم بيئة شعرية فى الأندلس، إذ كان بها أكبر راع للشعر بين أمراء الطوائف، ونقصد المعتمد بن عباد. وحط رحاله فى بلدته إشبيلية سنة ٤٧١ هـ/١٠٧٨ م ولزم باب قصره فترة، وبعث إليه ببطاقة شعرية يقول فيها:
أيا مولى الصنع الجميل إذا انتشى ... ويا مسدى النّيل الجزيل إذا صحا
وفى كل أرض من نداه حديقة ... تضوّع مسكا نورها وتفتّحا (٢)
أأفرد بالحرمان من كل عاطل ... تطوّق من نعماك ثم توشّحا (٣)
وما إن قرأ المعتمد البطاقة حتى أعجب به واستدعاه محتفلا باستقباله ومنحه جائزة سنية، وطلب إليه أن يظل فى حضرته، وظل بها يمدحه بقصائد طوال فى مناسبات مختلفة، وكانت إشبيلية فى عهد المعتمد تعيش عيشة لاهية فشارك فى هذه المعيشة وتمتع بمناظرها الطبيعية البديعة، وأتاه نعى أبيه فحزن لوفاته ورثاه بقصيدة باكية استهلها بقوله:
стр. 4572
أتانى بدار النّوى نعيه ... فيا روعة السمع بالداهيه
وكان يسمع أخبار مسقط رأسه سرقوسة ومقاومتها العنيفة للنورمان بقيادة بطلها ابن عباد فيهتز طربا ويكبر عنده الأمل فى ضرب النورمان الضربة القاضية، وبالمثل كانت تأتيه أخبار ابن حمودة فى قصريانة ومنازلته للنورمان منازلة ضارية، فيعظم عنده الأمل فى طرد النورمان من صقلية، ويرسل إلى قومه يحضهم على جهاد العدو الغاشم ويحثهم على منازلة العدو منازلة حاسمة، فلها عليهم جميعا حقوق، وواجب أن ينصروها ولا يخذلوها حتى الذّماء الأخير:
ولله أرض إن عدمتم هواءها ... فأهواؤكم فى الأرض منثورة النظم
وعزّكم يفضى إلى الذلّ والنّوى ... من البين ترمى الشمل منكم بما ترمى
أعن أرضكم يغنيكم أرض غيركم ... وكم خالة جدّاء لم تغن عن أمّ (١)
تقيّد من القطر العزيز بموطن ... ومت عند ربع من ربوعك أو رسم
وإياك يوما أن تجرّب غربة ... فلن يستجيز العقل تجربة السّمّ
وهو ينصح الباقين بعده فى سرقوسة وغير سرقوسة أن لا يفكروا فى مبارحتها حتى لا يعدموا هواءها الذى يتنفسونه ويحيون به ولا عزّهم الذى يعيشون فيه وإلا تحولت حياتهم إلى ذل وهوان، وهل تغنى أرض عن أرض الوطن، ويهيب بكل صقلى مسلم أن يقيد نفسه بموطنه، وأن يظل يدافع عنه حتى يموت عند ربع من ربوعه أو عند رسم من رسومه، ويحذره من الهجرة عنه والإفضاء إلى غربة، هى سم قاتل. ويعتذر لنفسه مرارا عن مبارحته الوطن فى وقت محنته وأنه لا يستطيع العودة إليه، لما يغدق عليه المعتمد بن عباد من أفضال متصلة. وفى رأينا أن العائق الأهم عن عودته لوطنه إنما كان المجد الأدبى الذى أخذ شعره يحققه له فى الأندلس، وبذلك تحققت أمنيته الكبرى من مبارحة الوطن. وكأنما قيّده هذا المجد بإشبيلية فلا يستطيع منها خلاصا وحراكا. وتسقط فى أيدى النورمان سرقوسة مسقط رأسه سنة ٤٨٢ وتسقط بعدها قصريانة سنة ٤٨٤ ويتلاشى من نفسه ونفس كل صقلى الأمل فى استرداد صقلية، وينظم قصيدة جنائزية يودعها بها قائلا:
أعاذل دعنى أطلق العبرة التى ... عدمت لها من أجمل الصبر حابسا
لقدّرت أرضى أن تعود لقومها ... فساءت ظنونى ثم أصبحت يائسا
وكيف وقد سيمت هوانا وصيّرت ... مساجدها أيدى النصارى كنائسا
إذا شاءت الرهبان بالضّرب أنطقت ... مع الصبح والإمساء فيها النّواقسا
стр. 4573
أرى بلدى قد سامه الروم ذلّة ... وكان بقومى عزّه متقاعسا (١)
وكانت بلاد الكفر تلبس خوفه ... فأضحى لذاك الخوف منهن لابسا
وهو يقول لصاحبه دعنى أذرف الدموع التى لم يعد لها حابس من الصبر، إذ ظل سنين طويلة يظن أن صقلية ستعود إلى أهلها، فخاب ظنه، بل لقد أصبح يائسا يأسا مرا، فقد صهلت خيل النورمان فى كل أنحائها، وسيمت هوانا ما بعده هوان، وأى هوان أعظم على نفس المسلم من أن يرى بلده تسقط فى حجر النصارى ويحيلوا مساجدها كنائس، ويضرب الرهبان فيها النواقيس صباح مساء، لقد سام الروم صقلية الإسلامية ذلة ما تماثلها ذلة، صقلية التى كانت تعتز بمسلميها عزة لا تدانيها عزة. وكان النورمان فى جنوبى إيطاليا إذا سمعوا اسمها ارتعدت فرائصهم خوفا ورعبا، فإذا الأمر ينعكس ويصبحون هم مصدر الخوف لأهل صقلية الإسلامية.
ويفيض ابن حمديس فى الحديث عن بأس أهل صقلية المهيضة وجهادهم اليائس حين كانوا يسوقون أمامهم فرائس قلوريّة وبطارقتها وأشاوسها أسارى منكّسين ومعهم نساؤهم حواسر.
وليتأنّ الجيش النورمانى فى خطوه، فإنه يمشى فى بلاد تحت أرضها شجعانها الذين طالما أذلوا أهل قلورية، ولو شقت القبور عنهم لخرج إليهم منها أسد كاسرة غاضبة، غير أن الغيل غابت ليوثه فتبخترت فى أرجائه الذئاب.
ويحدث عقب ذلك أن يخلع يوسف بن تاشفين المعتمد بن عباد سنة ٤٨٥ من إمارته فى إشبيلية وينفيه إلى أغمات فى مراكش ونرى ابن حمديس يزوره بها ويحاول أن يخفف عنه ما دهاه، منشدا ردا على شعر كتب به إليه مستيئسا:
أتياس فى يوم يناقض أمسه ... وزهر الدّرارى فى البروج تدور (٢)
ولما رحلتم بالنّدى فى أكفّكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير
رفعت لسانى بالقيامة قد دنت ... فهذى الجبال الراسيات تسير
ورضوى جبل بالمدينة، وثبير: جبل بمكة، وهو يقول له ينبغى أن لا تيأس من أن يتغير الحال، فالكواكب الساطعة لا تثبت بل تدور فى بروج متعددة، ولما رحلتم بالجود الفياض فى أكفكم وكأنما تحرك جبلا المدينة ومكة المقدسان صحت إن القيامة قد دنت فها هى الجبال الراسيات تسير كما جاء فى الذكر الحكيم نعتا ليوم البعث.
ويتصل بأبى القاسم بن عشرة قاضى «سلا» على المحيط ويتجه إلى بجاية بالجزائر ويمدح المنصور بن الناصر بن علنّاس (٤٨٣ - ٤٩٨ هـ) ويولى وجهه نحو المهدية وتميم بن المعز بن
стр. 4574
باديس ويلقاه لقاء حسنا، ويظل يتردد بين البلدتين ويضفى مدائحه على يحيى بن تميم بن المعز وابنه من بعده على وحفيده من بعدهما الحسن ويكتظ الديوان بمديحهم جميعا، ويمدح بنى خراسان فى تونس ويظل يتردد على بجاية يمدح بعض رجالاتها من بنى حماد. ومنذ أن هاجر من صقلية لم ينسها يوما وظلت لا تبرح ذاكرته حتى أنفاسه الأخيرة، ويخصّها بعد سقوطها بأشعار مؤثرة يبكيها ويبكى أيام مجدها، من ذلك قصيدة بائية فى مديح تميم بن المعز وفيها يقول:
تدرّعت صبرى جنّة للنوائب ... فإن لم تسالم يا زمان فحارب
وهو إنما يتدرع صبره ويحتمى به استسلاما، فإن الزمان أدار معه معركة حامية الوطيس فقد فيها كثيرا من أهله وحماة بلده، بل لقد فقد بلده نفسها غير مبق له على أى شئ، إلا أن يتنقل فى صحارى إفريقيا وسهوبها ولا أليف ولا أنيس:
ولا سكن إلا مناجاة فكرة ... كأنى بها مستحضر كلّ غائب
ولما رأيت الناس يرهب شرّهم ... تجنّبتهم واخترت وحدة راهب
وحتى خيال كنت أحظى بوصله ... له فى الكرى عن مضجعى صدّ عاتب
فهل حال من شكلى عليه-فلم يزر- ... قضافة جسمى وابيضاض ذوائبى (١)
فلم يعد له سكن يسكن إليه إلا أن يناجى فكره مستحضرا ما غاب عنه خاليا بنفسه ومعتزلا للناس، بل لكأن كل شئ من حوله يعتزله حتى الطيف الذى كان يسعده وصله فى نومه وأحلامه انقطع عن مضجعه صادّا عنه لا يزوره، فهل تغير شكله عليه وما حدث له من نحافة جسمه وابيضاض شعره، فلم يعد يعرفه ولم يعد يلقاه، ويذكر إخوان الصفاء وليالى الأنس بصقلية. وكان يتمنى لو استطاع الرجوع، غير أنها أصبحت مسترقة للأعداء:
ولو أن أرضى حرّة لأتيتها ... بعزم يعدّ السّير ضربة لازب
ولكنّ أرضى كيف لى بفكاكها ... من الأسر فى أيدى العلوج الغواصب
لئن ظفرت تلك الكلاب بأكلها ... فبعد سكون للعروق الضوارب (٢)
فعائقه إلى أرضه أنها استعبدت وأصبحت ملكا لغير أهلها، بل لقد أسرت ووضعت الأغلال فى أيديها وأرجلها، ولم تعد تستطيع خلاصا ولا فكاكا ولا تحررا، وقد ظفرت بها كلاب الأعداء تنهشها بعد جهاد أهلها لهم جهادا عنيفا، ويمر بفتنتهم قبل غزو النورمان مرورا خاطفا ويفيض
стр. 4575
فى الحديث عن بطولتهم فى حروب الروم وكيف كانوا يموتون موت البسلاء الشجعان:
يموتون موت العزّ فى حومة الوغى ... إذا مات أهل الجبن بين الكواعب (١)
حشوا من عجاجات الجهاد وسائدا ... أعدّت لهم فى الدّفن تحت المناكب (٢)
فغاروا أفول الشهب فى حفر البلى ... وأبقوا على الدنيا سواد الغياهب (٣)
لقد أبلوا بلاء عظيما فى حرب الروم قديما بقلوريّة وحديثا بصقلية، وما منهم إلا من يقدم نفسه فداء لوطنه، وما منهم إلا من واقع الروم مرارا وتكرارا حتى اجتمعت له وسادة من غبار وقائعه أعدّت له ليتوسدها فى قبره، وما زالت بهم البطولة المتناهية حتى أفلوا-أفول النجوم- فى حفر البلى مخلّفين وراءهم على آفاق الدنيا سواد حزن وثكل لا يشبهه سواد. ويلتفت إلى داره الغريقة بنوطس وسرقوسة، ويستودعها الله ويستمطر لها السحاب الممطر، ويهتف:
ألا فى ضمان الله دار بنوطس ... ودرّت عليها معصرات الهواضب (٤)
أمثّلها فى خاطرى كلّ ساعة ... وأمرى لها قطر الدموع السواكب (٥)
أحنّ حنين النّيب للموطن الذى ... مغانى غوانيه إلىّ جواذبى (٦)
وهى تمثل له ليل نهار وصباح مساء فى خواطره، بل إنها لتمثل له كل ساعة وكل لحظة، ويذرف لها الدموع السواكب مدرارا، ويحن-حنين الإبل-للموطن الذى نبتت فيه، وإن مغانيه ومنازله لتجذبه إليها جذبا، وكأنما أودعها فؤاده ويريد أن يستردّه، حتى لا يحيا جسمه بدونه ودون خفقاته. وله فى صقلية قصيدة ثانية هائية يستهلها بقوله:
قضت فى الصّبا النفس أوطارها ... وأبلغها الشيب إنذارها (٧)
وهى أشبه بشريط لذكريات صباه وشبابه فى سرقوسة، ويذكر مجالس لهوه بها ويتذكر ليلة ساهرة والندامى من حوله وساقية تزرّر بكفّها أزرارها:
تدير بياقوتة درّة ... فتغمس فى مائها نارها
ويشربها رفاقه، ويمعنون فى الشرب، ويذهبون إلى دير، يحتسون الخمر، ويطيل فى وصف
стр. 4576
مجلس الطرب، ويذكر ما فيه من الغناء والرقص والشموع المتقدة قائلا:
لقد سكّنت حركات الأسى ... قيان تحرّك أوتارها
فهذى تعانق عودا لها ... وتلك تقبّل مزمارها
وراقصة لقطت رجلها ... حساب يد نقرت طارها
وقضب من الشمع مصفرة ... تريك من النار نوّارها
كأنّا نسلّط آجالها ... عليها فتمحق أعمارها
وإن للغناء هناك من القيان لنشوة تسكن حركات الأسى فى النفس أو تارها بما تصب فى الآذان من نغم بديع، والعود مسند إلى صدر قينة كأنه يعانقها، وقينة أخرى كأنها تقبّل مزمارها، وراقصة كأنما تلقط قدمها نقر صاحبتها بيدها على طارها، متفننة فى حركاتها، والشموع متقدة طول هذا المجلس اللاهى، وكأنما آجالها تنقص أعمارها تدريجا حتى تنمحق. وينتهى شريط الذكريات ويحنّ إلى صقلية مستودع صباه وشبابه وليالى أنسه ومرحه، ويهتف.
ذكرت صقلّيّة والأسى ... يهيّج للنفس تذكارها
ومنزلة للتصابى خلت ... وكان بنو اللهو عمّارها
فإن كنت أخرجت من جنّة ... فإنى أحدّث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكا ... لخلت دموعى أنهارها
وهو يذكر صقلية ومنازل صابيه وشبابه فيها والحزن يقطّع نياط قلبه عليها حسرة ولوعة، ويقول إنها لجنة عظيمة أخرجت منها، وحرى بى أن أحدّث أخبارها وأبكيها بدموع غزار، ويذكر أنه سيبكيها عشرات السنين بأنهار من الدموع لا تتوقف سيولها. ولعلها توقفت قليلا حين أبهجه انتصار جيش الحسن بن على بن يحيى بن تميم سنة ٥١٧ هـ/١١٣٧ م على جيش الملك روجار الثانى فى وقعة الديماس بمنتصف الطريق بين المنستير والمهدية على الساحل التونسى، وكان روجار يبغى الاستيلاء على المهدية، فردّ جيشه مدحورا إلى صقلية، وأشاد ابن حمديس بهذا الانتصار إشادة رائعة فى قصيدة له رائية يمدح بها الحسن بن على بن تميم مهنئا له بالنّصر على الأعداء من النورمان:
ليهنك فتح أولغ السيف فيهم ... ولاح بوجه الدّين من ذكره بشر (١)
стр. 4577
ودون مرام الرّوم فيما سموا له ... قلائد أعناق هى القضب البتر (١)
وكم من فريق منهم إذ تمزّقوا ... له غرق فى زخرة الموج أو أسر
فسل عنهم الديماس تسمع حديثهم ... فهم بالمواضى فى جزيرته جزر (٢)
هناك شفى الإسلام منهم غليله ... بطعن له بتر وضرب له هبر (٣)
أعارب جدّوا فى جهاد أعاجم ... خنازير شبّت حربها أسد هصر (٤)
وهو يهنئه بهذا الانتصار المروّع الذى جعل السيوف تلغ فى دمائهم وتشرب منها مرتوية، وكأنما ابن حمديس نفسه هو الذى يشرب منها محاولا أن يشفى غليله من النورمان وقد استبشر وجه الدين بشرا لا يماثله بشر. ويقول إن فيما تطلعوا إليه من استيلائهم على الساحل التونسى قلائد من الرماح استأصلت أعناقهم وتمزقوا كل ممزق، ووقع منهم فريق فى قبضة الأسر وفريق غرق فى زخرة الموج، وسل عنهم حصن الديماس الكبير يجبك أن عيدا كبيرا نصب لنحرهم وذبحهم فى جزيرته بالسيوف المواضى، وهناك شفى الإسلام غليله وغيظه بطعن وضرب يقطّعان أجسادهم تقطيعا، ويحيّى الجيش الباسل إنه جيش أعارب صدقوا فى حملتهم العنيفة على الروم الخنازير، وإنها لحملة أسد افترستهم، أسد أعز الله بها الدين الحنيف. والقصيدة من أروع القصائد فى جهاد أعداء الإسلام وتدمير جيوشهم تدميرا لا يكاد يبقى منهم باقية.
ولم يلبث أن عاد إلى حزنه على وطنه الضائع، وعاد إلى شعوره بغربته، وهو شعور لازمه طول حياته، وطالما ردده فى قصائده وجاءه وهو فى سن الثمانين نعى ابنته، ولم تكن تظن أنه على قيد الحياة فبكاها بقوله:
أرانى غريبا قد بكيت غريبة ... كلانا مشوق للمواطن والأهل
بكتنى وظنّت أننى متّ قبلها ... فعشت وماتت-وهى محزونة-قبلى
واجتمع عليه حزنه فى فلذة كبده بحزنه فى وطنه أو فردوسه المفقود، ودار به العام فلبى نداء ربه سنة ٥٢٧ هـ/١١٣٣ م فى بجاية، وما تعرف العربية شاعرا عاش يتفجع على وطنه ويحنّ إليه كما تعرف فى ابن حمديس، إذ كان يشعر شعورا عميقا بأنه كان كل شئ فى دنياه، بل كان فردوسه الذى أخرج منه كما أخرج أبوه آدم قديما من الفردوس، ويشعر كأنما أتى ذنبا كبيرا كذنب أبيه آدم، بل لكأنما غربته المستمرة وتطوافه فى الآفاق إصرار منه على ارتكاب هذا الذنب:
стр. 4578
ألم تر أنّا فى نوى مستمرّة ... نروح ونغدو كالمصرّ على الذّنب
وديوان ابن حمديس ديوان ضخم وقد حققه تحقيقا دقيقا الدكتور إحسان عباس وهو يموج بقصائد المديح كما يموج بقصائد الغزل ووصف الطبيعة والخمر ومجالسها، وكأنما يريد أن يغرق فيها لوعاته على ضياع صقلية وظلت تشتعل فى دخائله إلى آخر أنفاسه، وللصيد أراجيز بديعة فى الديوان وبالمثل للرثاء وخاصة لمن فقدهم من أسرته وذوى رحمه، ونلمح من حين إلى آخر مقطوعات فى الزهد لعله نظمها بأخرة من حياته، وغرض وحيد من أغراض الشعر العربى لم ينظم فيه بيتا هو الهجاء، إذ كان يترفع عن الشتم والبذاءة، يقول:
إنّي امرؤ-وطباع الحق تعضدنى- ... مطهّر العرض لا أدنو من الدّنس
فما أحرّك فى فكّىّ عن غضب ... لسان منتهش الأعراض منتهس
فهو طاهر النفس يسمو عن كل دنس فضلا عن دنس الهجاء، وهو حليم لا يغضب غضبا يخرجه عن طوره، فينتهك أعراض الناس ويمضغ لحومهم موجدة وغلاّ، وليس ذلك عن ضعف فى شاعريته، بل هو العفو والصفح عن مقدرة، يقول:
إنّي امرؤ لا ترى لسانى ... منظمّا ما حييت هجوا
كم شاتم لى عفوت عنه ... مصمّما فى اللسان نهوا
لو شئت صيّرت بالقوافى ... غارة هجوى عليه شعوا
ومزّق القول منه عرضا ... لا يجد المدح فيه رفوا
فقد عاهد نفسه أن لا ينظم هجاء طوال حياته، وأن يعفو عمن يشتمه، ولو أراد لتتابعت على خصمه حملات شعواء من هجائه ولمزّق عرضه وهتكه هتكا لا يمكن أن يرفوه مديح أو يرتق فتوقه صنيع. وفى ذلك دلالة واضحة على نبل خلقه وسمو نفسه.
وكان خياله خصبا إلى أبعد حد مما جعله ينفذ إلى كثير من الصور المبتكرة الفريدة، وهى تلقانا فى جميع أغراض شعره مفاجئة لنا، مما يحدث تأثيرا بعيدا فى نفس قارئه كقوله فى الغزل:
زادت على كحل الجفون تكحّلا ... فيسمّ نصل السّهم وهو قتول
والشعراء قبله كانوا يتحدثون عن سهام العيون وأنها قاتلة، وزاد ابن حمديس أن سهام عيون صاحبته أشد قتلا وفتكا بما أضافت إليها من تكحل جعلها سهاما مسمومة، ما إن تصيب شخصا حتى تفقده حياته، ويقول فى نهر لعله نهر إشبيلية مصورا خرير مياهه:
جريح بأطراف الحصا كلما جرى ... عليها شكا أوجاعه بخريره
стр. 4579
وهو خيال بديع، فأطراف الحصا كأنما تجرح النهر وكلما جرى عليها شكا جاعه بخريره، وكأنما هى أوجاع ابن حمديس لفراقه وطنه إلى الأبد، ومن تلك الصور الفريدة قوله فى البرد:
نشر الجوّ على الأرض برد ... أىّ درّ لنحور لو جمد
وكأن السماء لا تمطر بردا وإنما تمطر دررا تطوّق عقودها جيد الطبيعة بلآلئها المتساقطة من أصداف السحب. ويطول بنا القول لو أردنا أن نعرض فرائد ابن حمديس ما يفجأ به قارئه من الصور والمعانى المبتكرة. وهو بحق يعد فى الذروة الرفيعة لا من شعراء صقلية وحدها، بل أيضا من شعراء العرب والأندلس قاطبة.
стр. 4580
الفصل الخامس
النّثر وكتّابه
نشاط النثر
من المؤكد أن النثر الفنى من رسائل وغير رسائل نهض فى صقلية كما نهض الشعر، وكما نهضت العلوم الدينية، ومن يرجع إلى الخريدة ومن ترجم لهم من الشعراء هناك يجده يذكر فى عنوانات الشعراء أنهم كتاب، ذكر ذلك مع خمسة عشر شاعرا، ونوّه فى غير كاتب بإحسانه فى الكتابة كأن يقول فى البثيري الشاعر الكاتب: «باعه فى الترسل أمدّ، وخاطره فى النثر أحدّ» ويقول فى على بن الحسن بن الطوبى: «مؤلف دفاتر، ومصنف جواهر، ومقلد دواوين» يشير بذلك إلى أنه من كتاب الدواوين، ويصف نثره بأنه جواهر، ويقول عن ابن القرقورى إن ابن القطاع أثنى على نظمه ونثره كثيرا، كما يقول إن ابن القطاع ذكر عن هاشم بن يونس الكاتب أنه صاحب ترسل ومقامات وعن محمد بن الحسن الطوبى أنه كان صاحب ديوان الرسائل والإنشاء مترسلا شاعرا، ويقول القفطى عنه: عالم بالرسائل، وكلامه فى نهاية الفصاحة، وشعره فى غاية الملاحة، وله مقامات تزرى بمقامات البديع، وإخوانيات كأنها زهر الربيع».
وكل ذلك يدل على أن صقلية حازت لنفسها فى النثر نشاطا واسعا، بل إن من كتابها-كما يقول القفطى-من كانت مقاماته تزرى بمقامات البديع، وسقطت تلك المقامات من يد الزمن كما سقطت معها الرسائل البديعة شخصية ورسمية مما دبّجه الكتّاب هناك قبل العصر النورمانى وأيضا ما كتبوا ودبّحوا من أعمال أدبية متنوعة، ولولا أن ابن بسام ترجم لبعض من غادروا صقلية من الكتاب البارعين قبيل العهد النورمانى مثل ابن الصباغ، وسنخصه بكلمة.
وأيضا لولا أن ابن بشرون المهدوى زارها فى عهد روجار الثانى واحتفظ فى ترجمته لبعض شعرائها-وأقصد عيسى بن عبد المنعم وابنه محمد-ببعض رسائلهما ما استطعنا التعرف بوضوح على ما حظى به النثر هناك من نهضة ورقى، وسنراهما واضحين عند كاتبها المتأخر ابن ظفر، وسنفرده بترجمة قصيرة.
أما عيسى بن عبد المنعم فيذكر العماد عن ابن بشرون أنه: «كان كبير الشان، ذا الحجة والبرهان، فقيه الأمة، وأمثل الأئمة، له المعانى الأبكار البعيدة مرامى مرامها، والألفاظ التى هى
стр. 4581
كالرياض جادها هامى رهامها (غيثها)» ويقول العماد إنه أورد من كلامه ما يأسو سماعه الكلوم (الجروح)، ويجلو سنا إحسانه العلوم، ويحكى درر الأصداف ودرارى (كواكب) النجوم. .
ويذكر له العماد فصولا من ثلاث رسائل، أولاها فى براعة صديق له فى خطه الرائع وبلاغته البديعة، ومن قوله فيها:
«نظرت من الكتاب إلى خط موصوف، معتدل الحروف، أملس المتون، مفتّح العيون، لطيف الإشارات، دقيق الحركات، لين المعاطف والأرداف، متناسب الأوائل والأطراف، يروق العيون حسنه وشكله، ويعجز المحاول صنعه، متضمنا معانى كأنها رقية الزمان، وصمتة (ألهية) الأمان. .
وقلت سبحان ربى القيوم: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ أكل هذا الإحسان، فى طاقة الإنسان. . ثم رجعت إلى نفسى، وثاب إلىّ حسّى، فقلت عند سكون جأشى (نفسى) وثبوت طيشى، وإفراخ روعى وذهاب دهشى، إن من دبّ فى الفصاحة ودرج فى وكرها، ورضع بلبانها، وجرع من درّها (لبنها الكثير) وصحب السادات مقتبلا (شابا) والأمجاد مكتهلا لخليق أن يحلّ من الفضل وسائطه ويجمع قطريه، بل يستولى على غواربه (أعاليه) ويملك شطريه».
وانتخاب الألفاظ واضح فى الرسالة مع المقدرة البينة على وصف الخط البديع وما يحسن عيسى بن عبد المنعم من وصف بلاغة صاحبه، مع ما يزين وصفه من سجع أحيانا وهو سجع طبيعى لا تكلف فيه، إذ يأتى به فى تضاعيف الكلام دون محاولة التعمل له، وليس ذلك كل ما يزين به وصفه فهو يزينه بعبارات تصويرية كوصفه المعانى فى رسالة صاحبه بأنها «رقية الزمان وصمتة الأمان» وكوصف صاحبه بصور متلاحقة إذ يقول إنه «دبّ فى الفصاحة ودرج فى وكرها، ورضع بلبانها، وجرع من درّها. ويقتبس العماد فصلا من رسالة ثانية لعيسى بن عبد المنعم أسقط فيها حرف الألف واللام مشيدا فى مطالعها:
«رقعتى نحوك سيدى وسندى، وذخرى وعضدى، ومن بذّ (١) وبزّ. . فذّ دهره، ووحيد عصره، وغريب زمنه، ونسيج وحده، مدّ ربّى مدّتك فى مربوب (دائم) نعمته، ومدد نصرته، وكبت من نكب (٢) عن ودك بعظيم ذخره (المدّخر لك) ومخوف زجره. . وسوّغك من ضرب (٣) نعمه بهنيّه، ومريّه (٤)، ومتعك من موفور قسمه (٥) بحميده، ومزيده».
ولا يحسّ القارئ للرسالة بما تكلفه عيسى بن عبد المنعم من إسقاط الكلمات ذات الألف واللام لمقدرته البيانية، وكأن كتاب صقلية لم يتأثروا فى كتابة رسائلهم بأسلوب السجع الذى عمّ فى المشرق منذ أواسط القرن الرابع الهجرى، بل تأثروا أيضا بما شاع فى كتابة الرسائل من
стр. 4582
ضروب تصنع مختلفة كأن تخلو الرسالة من حرف معين كهذه الرسالة أو يطّرد حرف معين فى جميع ألفاظها على نحو ما صورنا ذلك مرارا فى عرضنا للكتابة الأدبية بالمشرق وفى الأندلس.
وأحكم عيسى بن عبد المنعم فى هذه الرسالة انتخاب الألفاظ والأسجاع، ولم يكتف بالسجع من حيث هو، بل طلب فيه القصر حتى تكون الرسالة وافرة النغم، وعنى فى السجع بتصاوير كثيرة. ورسالة عيسى بن عبد المنعم الثالثة فى العتاب وفيها يقول:
«لولا أن ذنوب الحبيب، تصغر عن التأنيب. . لكان لنا وللرئيس مجال واسع ومتسع بالغ فيما أتاه، إن لم نقل جناه، وفيما وعد فأخلف، إن لم نقل الذنب الذى اقترف، ومهما أجللنا قدره عن أن ينسب إليه خلف الوعد وإن كان جليلا، ما عذره إذ لم يكتب بوجه العذر أنه ما وجد سبيلا، وقد كنا نتوقع تدانى العناق، فصرنا نقنع بأمانى التلاق».
والعناية بانتخاب الألفاظ والأسجاع واضحة فى الرسالة، مع رهافة الشعور فى مثل قوله:
«ذنوب الحبيب، تصغر عن التأنيب» وقوله: «كنا نتوقع تدانى العناق، فصرنا نقنع بأمانى التلاق».
وقد ترجمنا لابنه محمد بين الشعراء وعرضنا هناك إشادة ابن بشرون به فى الفصاحة والقفطى به فى علوم الأوائل، وألممنا ببعض مراثيه البديعة، وساق له العماد عن ابن بشرون فصولا من ثلاث رسائل، مثل أبيه، وأولاها فى التشوق إلى صديق عزيز، ومن قوله فى صدرها:
«أخى ومولاى علّ الدهر يجمعنا ... بمنزل عن جميع الشرّ مبتعد
شوقى إلى لقائك شوق الظمآن إلى الماء الزّلال (العذب الصافى) وارتياحى إلى ما يرد من تلقائك ارتياح السقيم إلى الصّحّة والإبلال، وتلهفى على فراقك تلهف الحيران، وتأسفى على بعدك تأسف الولهان، لكننى إذا رجعت إلى شاهد العقل، وعدلت إلى طريق العدل، يمازج قلبى سرورا، ويخالط شوقى بهجة وحبورا. . فأفزع إلى الدعاء لمقدر الأمور. الذى (يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور) أن يحسن لنا العقبى، ويقضى لنا بالحسنى، ويسبل علينا من العافية سترا سابغا ضافيا، ويوردنا من السلامة موردا سائغا صافيا، وأن يقرّب بك الاجتماع، حيث يوجد الاستمتاع، بما تقرّبه الأعين ويلذ الأسماع».
ومحمد لا يقل عن أبيه عيسى بن عبد المنعم فى براعة اختياره للألفاظ وروعة انتخابه للتصاوير، مع حسن الأسجاع وكأنه يريد أن يرضى الأذن بما تجد فى الألفاظ من جمال الجرس، وفى المعانى والتصاوير من الحسن الفائق، وربما تفوق فى ذلك كله على أبيه. وله من رسالة فى عتاب بعض خلصائه:
«قد عاملنى فى مشاهد هذه الأيام، التى قمعت (قهرت) الخاص والعام، بأشياء لو جرت بينى وبينه على خلوة لعددتها من لذيذ الأنس، لكنها أتت فى الملأ (أشراف الجماعة) بما آلم النفس، واحتملت ذلك منه، رجاء أن يقلع عنه، فازداد لجاجة، وازددت حراجة (ضيقا) حتى استفحل
стр. 4583
الثّغاة (التافهون) علىّ بسبب ذلك المزاح، واستنسر البغاث إلىّ وهزّ الجناح. . وأعرضت عن أشياء لو شئت قلتها، ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا، وأنا أحرص على صحبته وممن يرعاها حق رعايتها. . فأحب أن يحسن الظن بى، والذكر عنى، فإن فعل ذلك فعل الأشكل (الأشبه) به، والأليق بأدبه، والأولى بجميل مذهبه. وقد أطفأت هذه المعاتبة نارا مؤصدة (مطبقة) وبرّدت من صدرى غلّة موقدة».
والرسالة عتاب لشخص لا يعرف متى يمازحه، إذ يمازحه بما قد يقبله منه فى الخلوة، أما أمام الناس فإن المزاح يصبح كأنه هزء به وسخرية منه، ولذلك يؤلمه، ومع ذلك يقول إنه يحتمله رجاء أن يكف عنه ولكنه لا يكف، حتى تعاظم من لا وزن لهم عليه، وحتى «استنسر البغاث» وهو مثل يضرب لمن استشعر العزة بعد الهوان، إذ البغاث من أضأل الطير فشعر كأنه أصبح نسرا.
وأضاف محمد بن عيسى إلى ذلك إضافة بديعة، إذ قال إنه استنسر وهز الجناح كناية عن شعوره الشديد بالعزة إزاءه. ومع ذلك كله يصفح محمد بن عيسى عن هذا الصديق الثقيل، إذ التزم له التجلة أمام الناس. والرسالة تتخفف من السجع أحيانا، مما يدل على أن محمد بن عيسى لم يكن يتكلفه دائما، وكأنما كان يجرى على لسانه عفوا. وله من رسالة فى الشكر لشخصية مهمة يثنى على حضرتها قائلا:
«إن غرس فضلها السابق إليه أثمر عنده شكرا وحمدا، وأنبت لديه محبة وودا، وإنه من موالاتها لعلى صراط مستقيم، ومن الإقرار بفضلها لعلى منهج قويم، ومن الدعاء لها لعلى حال مقيم، وكيف لا يكون كذلك وقد صيّره سالف إحسانها فى الرّقّ، وملكه فارط امتنانها ملك المستحق، فهو لا يفتر من جميل شكرها لسانا، ولا يخلى من خلوص ودّها جنانا».
والفصل-على شاكلة فصليه السالفين-فى دقة اختياره للألفاظ والأسجاع حتى تنزلق عن الألسنة فى يسر، وحتى يحسن وقعها فى الأسماع، وهو لذلك لا يزال يلائم بين اللفظ واللفظ، وبين المعنى والمعنى وبين الصورة والصورة، حتى يلذ الآذان والألسنة والأذهان حين تقرؤه أو تصغى إليه. وحرى بنا أن نتوقف قليلا بإزاء الكاتبين الصقليين: ابن الصباغ وابن ظفر.
ابن (١) الصبّاغ الصقلى
هو أبو عبد الله محمد بن الصباغ، من أدباء صقلية وكتابها البارعين، تألق اسمه فيها لأواخر عهد بنى أبى الحسين الكلبيين بالقرن الخامس الهجرى، وحين اضطربت صقلية بعدهم واستقلّ
стр. 4584
كل قائد فيها بمنطقته غادرها إلى الأندلس، واستوطنها، وفيه يقول ابن بسام: «أحد أدباء وقته المشاهير، وكلامه يعرب عن أدب كثير وحفظ غزير». ويعرض طائفة من فصول رقاعه ورسائله، من ذلك فصل من رقعة وجّه بها إلى ابن الشامى متولى الأرض التى كانت تتملكها الدولة فى المدن التى افتتحت عنوة، راغبا فى أن يكلّم له أمير صقلية صمصام الدولة آخر الأمراء الكلبيين الذى تولى الجزيرة بعد أخيه الأكحل سنة ٤٢٧ كى يحرّر له أرضا للدولة كان اشتراها مما عليه من ضريبتها، وربما من دين للدولة كان لا يزال مدينا به، ويمضى صدر الرسالة على هذا النمط:
«إذا الحاجات عىّ بها رجال ... وكان قضاؤها صعب المرام
وقلّت حيلة الشفعاء فيها ... فحاول نجحها ببنى الشآمى
درارىّ العلا حفّت ببدر ... منير فى سماء المجد سامى
ويعلم-أدام الله تمكينه-مذهبى فى التخفيف، وحمل مئونة التكليف، إلا فيما تلجئ الضرورة إليه، ويحمل الاضطهاد عليه، وكنت من ترفيه النفس عن الامتهان، والقناعة بما تسمح به نفس الزمان، فى حالة يعلم-حرس الله مجده-تقلّبى فى أثنائها، ومقيلى (قيلولتى) فى أفيائها (ظلالها) حتى عرض لى من سوء القضاء، ما أجار بالنار من الرّمضاء (شدة الحر) فسوّل لى الحرص الذى ما شمت (رأيت) له بارقا، والطمع الذى ما ركبت قط له عاتقا (منكبا) النظر فى إحداث بستان فى خرائب أخربت مالى، وشغلتنى عن كثير من أشغالى، وصرت منفقا ما جمعت فى الغربة والوطن، وكسبت فى الإقامة والظّعن (الارتحال) بين جدار فيها أهدمه، وغار أردمه، وأرض أرفع مرة وهادها، وأخفض تارة نجادها (مرتفعاتها) حتى استوت ساحاتها وتوطّدت (تمهدت) وغابت مغاراتها وتغطّت، وانكشطت أسنمتها وانحطّت، . . ولا يقدر على سقى دوحاته، ولا يتوصّل إلى إحياء مواته، إلا بدولاب (ساقية) وجابية (حوض) يأخذان الماء أخذة رابية (شديدة). . ومتى أعلم الأمير أن هذه الخرائب التى عانى وليّه غراسها لا يرتجى لها عمارة تعود بفائد، ولا ينتفع الديوان منها بدرهم واحد، وساكنوها منذ أعوام ما أدّى واحد منهم خراجا، ولا صنع لبيته بابا ولا رتاجا (بابا كبيرا) فهم بين قوم يأكلون الشجر قبل الثمر، ويرعون الأبّ (الحشائش) قبل الحب».
والرسالة قطعة أدبية بديعة، وهى مكتوبة بأسلوب السجع الذى يمتع اللسان بنطقه والآذان بسماعه، وتكتظ بصور تتعاقب فيها ومشاهد بديعة كمشهد إصلاح ابن الصباغ للأرض وإعدادها للزرع بين جدار يهدمه وغار يردمه ونجاد يخفضها ووهاد يرفعها حتى غابت مغاراتها وانكشطت أسنمتها وانحطت. فهو ليس حائك أسجاع وراسم تصاوير فحسب، بل هو أيضا
стр. 4585
مصور يعرف كيف يعرض عليك مشهدا بأكمله كأنك تبصره وتراه. وهو إلى ذلك خفيف الظل يعرف كيف يسرك بالكلم، وكيف يورد عليك ما يضحك سنك على نحو ما صور ساكنى أرضه وبستانه، فمنذ أعوام لم يؤد واحد منهم خراجا، ولا صنع لبيته بابا ولا رتاجا، وإنهم-لفقرهم المدقع-ليأكلون الشجر والأبّ ومراعيه كالأنعام قبل الثمر والحب. ولا بد أن ابن الشامى وصمصام الدولة ضحكا طويلا حين وصلا فى الرسالة إلى هذا المشهد المضحك. وهذا الجانب الفكه فى ابن الصباغ اتضح بصورة أوسع فى رسائل ساقها له ابن بسام حين استوطن الأندلس وصحب هناك الأديب أبا حفص القعينى، وكانت فيه بدوره دعابة، وحدث أن ماتت له هرة، فجلس للعزاء عنها تماجنا، فما كان من ابن الصباغ إلا أن كتب له رسالة عزاء فيها، ومن قوله فى بعض فصولها:
«الحياة لبنى الدنيا مراحل، والمنايا لجميعهم مناهل، والأعمار، كالأسفار، منها القريب الوصول، العاجل الحلول، ومنها البعيد الشّقّة، الشديد المشقّة، أنفاس معدودة، وآجال محدودة، وليس يناج من محتومها أحد، ولا لمخلوق منها ملتحد (ملجأ). وانتهى إلىّ-جعل الله الصبر الجميل سبيلك، وأطفأ ببرد السّلوان غليلك-نبأ جلل، وخطب معضل، وهو مصابك بشقيقة نفسك، وموضع راحتك وأنسك، وربيبة حجرك وحجرتك، وآلة حيطتك على حنطتك (قمحك) وكالئة (حافظة) ذخائرك وقنيتك (ما تقتنيه) واستحواذ فجيعتها على لبّك، وما عالجتها به من ذرور (ما يذر من العطور على الميت) وحنوط (ما يخلط من الطيب بأكفان الموتى وأجسادهم) وإشفاقك من إسلامها إلى التراب، وإبقائك إياها طويلا فى المحراب، وأليّتك (حلفك) عليها لتدعونّ إلى جنازتها مأتما، يشققن (أى النساء) عليها جيوب المدارع (فتحات الثياب) ويفضن من الوجد بها غروب (دلاء) المدامع، ويعولن عليها بالصراخ والنّياح، ويذرين (يرسلن) لمصرعها شعورهن مع الرياح».
وابن الصباغ عزّى أبا حفص القعينى فى هرّته، وكأنها كانت شقيقة نفسه وموضع راحته وأنسه، كما يقول، أو كأنها كانت محبوبة عزيزة، وهو يبدأ رسالته بأن هذه حالة الدنيا فهى دائما إلى فناء، أنفاس معدودة وآجال محدودة، ويدعو الله له أن يلهمه الصبر الجميل على فجيعته ويطفئ ببرد السلوان غليله، ويعزّيه فى ربيبة حجره وحجرته، وإضافة حجرته إلى حجره بديعة.
وتتراءى لنا فى الرسالة روح الفكاهة والسخرية مجسدة، وخاصة حين يحدثنا أن القعينى أقسم ليعقدنّ لها مأتما كبيرا تشقّ فيه جيوب النساء على محبوبته ويفضن الدمع ويرسلنه وجدا على هرته. ويعولن عليها بالصراخ والنواح. ولا نصل إلى هذه القطعة من الرسالة حتى نغرق فى الضحك، ويستمر قائلا للقعينى:
«ولست بناس ذكر تلك الملح التى كتبت لى تصف من أخلاقها وآدابها، والمدح التى أوردت
стр. 4586
فى أعراقها وأنسابها، والغرائب التى ذكرت عن قوّتها وأيدها، وحيلها وكيدها، ومكرها بالفار وصيدها. . ذات ناب مطلول (عجيب) وساعد مفتول، وخصر مجدول (صلب) ريّانة (ممتلئة) الكاهل، ظمآنة الأسافل، تستضيئ من عينيها بأنور من المصباح، وتعتدّ من مخالبها بأمضى من السلاح».
وابن الصباغ يستمر فى روحه الفكهة، فيزعم أن القعينى طالما حدّثه عن أخلاقها وآدابها وأعراقها وأنسابها ومكرها بالفار وصيدها له فى لمحة، ويشيد بجمال تكوينها وقوة بصرها ومخالبها. وهى روح فكهة بديعة لابن الصباغ، مع القدرة البارعة على انتخاب اللفظة وأختها والسجعة وشقيقتها مع إحكام التصاوير والمشاهد. وحدث أن كانت لصديقه القعينى جارية سوداء كلف بها ثم باعها، وندم فحاول استرجاعها، فزعم مشتريها أنها حامل، وتولاّه الأسف، ونظم فى ذلك أشعارا كثيرة، فكتب إليه ابن الصباغ رسالة فكهة يقول فيها:
«نقل إلىّ بعض من يعرف أحوالك، ويشارف فعالك خبرا يصمّ السّمع، ويضيّق الذّرع (الطاقة الواسعة) وذلك أنك أخرجت عن ملكك ضفدعتك المريعة (المفزعة) فتناولها من استحسنت غدرانه، وبلغك من إقبالها عليه، وانصرافها بكليّتها إليه، ما أضرم قلبك شوقا لا تخبو ناره، وسلّ الوجد بها عضبا (سيفا) لا ينبو غراره (حدّه) فأنشرت (بعثت) للناس من نفسك (توبة) الأخيلية، وأحييت لهم منك مجنون (قيس) العامرية، وعضضت على بيعها أناملك، وأنضيت (أهزلت) فى طلبها زواملك (إبلك) وأطلت فى وصف شوقك لها وأوجزت، وقصّدت (نظمت القصائد) فى ذكر الأسف عليها ورجزت (نظمت الأراجيز) وجمعت لها من المحاسن ما افترق، وفتحت من البدائع فيها ما انغلق. . فأصبحت والظنون بك مرجّمة (متكلمة) والألسنة عنك مترجمة، والأقوال فيك كثيرة، والأيدى إليك مشيرة، فنهنه (ازجر) قلبك، وراجع لبّك.
واذكر خلقها وخلقها، وتأمّل وجهها وعنقها، وانظر خدّها وقدّها، وهل شئ مما يستملح عندها؟ ! فهنيئا أبا حفص راحة بصرك من شخصها المقيت، وفراغ قلبك من الكبد بخلقها المميت. . وكأنى بك قد أنشدت بيت ابن الرومى فيمن لا يشبهها إلا فى سواد الجلد، ولا يشركها إلا فى النسبة إلى الجد، إذ يقول:
أكسبها الحبّ أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق
هيهات. . ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة».
وابن الصباغ يتهكم بصديقه القعينى مرارا وتكرارا، إذ يصور عشقه لجاريته وما يضرم فى قلبه من نار لا تخبو، حتى لكأنما بعث من نفسه توبة بن الحميّر عاشق ليلى الأخيلية وقيسا عاشق ليلى العامرية، ويذم الجارية ذمّا شديدا ترويحا عن صاحبه حتى يسلوها ويمسك عن ذكرها
стр. 4587
وينساها كما نسيته. وهو يسوق ذلك فى لغة عذبة صافية وفى عبارات مسجوعة مصورة منمقة بالغة الروعة، وراجعه القعينى برقعة انتصر فيها لنفسه، فأجابه الصقلى برقعة على شاكلة رقعته السابقة، وإن ما دوّنه ابن بسام من رقعه ورسائله ليصور للنثر الأدبى فى صقلية نهضة وازدهارا.
ابن (١) ظفر الصقلى
هو حجّة الدين أبو عبد الله محمد بن أبى محمد بن محمد بن ظفر المشهور باسم ابن ظفر الصقلى ، ولد بصقلية سنة ٤٩٧ فى أيام ملكها النورمانى روجار الثانى، رحل من بلده صغيرا فى طلب العلم، ويقال إنه نشأ فى مكة، ولا نعرف كيف انتقل إليها، وبارحها إلى مصر ثم إلى إفريقية، وأقام بالمهدية مدة فى زمن الحسن بن على بن تميم آخر ملوكها الصنهاجيين، وشهد بها الحروب بين روجّار الثانى ملك صقلية والحسن المذكور، كما شهد أخذها منه واستيلاء النورمان عليها سنة ٥٤٣ ورحل إلى صقلية وفيها تعرف على قائد مسلم من قوادها يسمى محمد بن أبى القاسم القرشى، وبقى عنده فترة أكرمه فيها غاية الكرم، مما دفعه إلى تصنيف أربع مؤلفات أهداها إليه جميعا، ولم يحتفظ الزمن باثنين منها، وهما أساليب الغاية فى إحكام آية ومثنى الاستئناف للمعونة والإشراف، واحتفظ باثنين طبعا ونشرا هما: أنباء نجباء الأبناء، وسلوان المطاع فى عدوان الأتباع، وسنلم بهما عما قليل، وعاد من صقلية إلى مصر، ورحل منها إلى حلب وأقام فيها بمدرسة ابن أبى عصرون، ووقعت فيها فتنة بين الشيعة وأهل السنة نهبت فيها كتبه، فخرج منها إلى مدينة حماة فصادف من أهلها وطلابها قبولا فسكن بها، ويقول العماد الأصبهانى: «كان إمام وقته فى التفسير والأدب، رأيته بحماة مقيما، ونفوس طلبة العلم إليه هيما (عطشى) وأجرى له راتب فى ديوان حماة، غير أنه كان دون الكفاف»، فلم يزل يكابد الفقر إلى أن لبّى نداء ربه سنة ٥٦٧ للهجرة. وكان قصير القامة تقتحمه العين، غير أنه كان علامة فى التفسير واللغة والأدب غزير التأليف والتصنيف، وإن كانت أكثر مصنفاته ومؤلفاته سقطت من يد الزمن، ومنها فى التفسير ثلاثة كتب: التفسير الكبير وينبوع الحياة وإكسير كيمياء التفسير، وحاشية على كتاب درة الغواص للحريرى ردّ فيها عليه، والمطول شرح مقامات الحريرى، والمختصر شرحها أيضا، والتنقيب على ما فى المقامات من الغريب، وخير البشر بخير البشر ذكر فيه الإرهاصات التى كانت بين يدى ظهور الرسول ﷺ ، وأرجوزة فى الفرائض، وكتاب الاشتراك اللغوى، وكتاب ملح اللغة فيما اتفق لفظه واختلف معناه وكتاب القواعد والبيان فى
стр. 4588
النحو. ونلم بكتابيه البارعين فى الأدب وهما أنباء نجباء الأبناء ، وسلوان المطاع فى عدوان الأتباع.
أنباء نجباء الأبناء
كتاب تربوى عرض فيه نجابة الصفوة من أبناء الأمة العربية فى حداثتهم، وأضاف إليهم بعض من عرفوا بنجابتهم فى الصغر من الفرس وزراء للعباسيين أو ملوكا فى القديم، واستهله بأخبار الفريدة اليتيمة المهداة إلى الأمة الإسلامية محمد ﷺ وبعض ما ذكر عنه قبل بعثته، تيمنا بذكره العطر، ثم وزع الكتاب على أربعة أصناف ممن رويت الأخبار عن نجابتهم فى صغرهم، والصنف الأول عشرة ممن كرّمهم الله بصحابة رسوله، وهم أبو بكر الصديق وعلى بن أبى طالب والعباس عم الرسول والحسن والحسين حفيداه والنفس الزكية محمد بن على ومعاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر الطيار وعبد الله بن الزبير، والصنف الثانى فى ذكر طائفة من أبناء الصحابة النجباء وغيرهم مثل عبد الملك بن مروان ويزيد بن المهلب والمأمون، والصنف الثالث للنجباء فى الصغر من الزهاد والمتصوفة، والصنف الرابع للنجباء من عرب الجاهلية فى الحداثة مثل لبيد ومن ملوك الفرس مثل بهرام جور.
ويقول ابن ظفر فى مقدمة الكتاب: «وبعد فهذا كتاب أودعته من أبناء نجباء الأبناء ما هو كشررة من ضرام (نار مضطرمة) بل كقطرة من رهام (غيث منهمر) لأنى قصدت به تلقيح همة غلام، وتنقيح فطنة كهام (بليد). فغرضه من الكتاب تعليمى، ليبعث الهمة فى الناشئة بما يعرض عليهم من همم نظرائهم، وليشحذ أذهانهم بما يعرض عليهم من فطن قرنائهم. وأيضا ليتخذوا من خلقهم وحسن سلوكهم أمثلة رفيعة يقتدون بها فى حياتهم، ونضرب لذلك مثلا بما ساقه فى الصنف الثانى مما يدل على نجابة الفضل وجعفر ابنى يحيى البرمكى ووزيرى هارون الرشيد فيما بعد. وعادة إذا كان الحديث عن شخص يجعل له عنوانا: درّة زين لقرّة عين، وإذا كان عن شخصين مثل الفضل وأخيه جعفر يجعل العنوان: درتازين لقرتى عين أى لمسرتى الأب والأم، ويذكر أن ابن صاحبة لأمهما سألها عن ابنيها أيهما يفضل صاحبه قائلا إن الناس يختلفون فيهما منهم من يقدم الفضل ومنهم من يقدم جعفرا، فقالت له: أحدثك عنهما واقض أنت.
«إنهما كانا يوما يلعبان فى دارى، فدخل أبوهما يحيى، فدعا بالغداء وأحضرهما، فطعما معه ثم آنسهما بحديثه، فقال لهما أتلعبان بالشطرنج، فقال جعفر وكان أجرأهما: نعم، قال فهل لا عبت أخاك بها قال جعفر: لا، قال: فالعبا بها بين يدى لأرى لمن الغلب، فقال جعفر:
نعم-وكان الفضل أبصر منه بها-فجئ بالشطرنج، فصفّت بينهما، وأقبل عليها جعفر، وأعرض عنها الفضل، فقال له أبوه: مالك لا تلاعب أخاك، فقال: لا أحب ذلك، فقال جعفر
стр. 4589
إنه يرى أنه أعلم بها فيأنف من ملاعبتى، وأنا ألاعبه مخاطرة (قمارا) فقال الفضل: لا أفعل، فقال أبوه: لاعبه وأنا معك، فقال جعفر: رضيت، وأبى الفضل، واستعفى أباه فأعفاه. ثم قالت الأم للسائل: قد حدثتك عنهما فاقض، فقال: قد قضيت لجعفر بالفضل على أخيه، فقالت له:
لو علمت أنك لا تحسن القضاء ما حكّمتك أفلا ترى أن جعفرا قد سقط أربع سقطات تنزّه الفضل عنهن، فسقط حين اعترف على نفسه بأنه يلعب بالشطرنج وكان أبوه صاحب جدّ، وسقط على التزام ملاعبة أخيه وإظهار الشهوة لغلبه والتعرض لغضبه، وسقط فى طلب المقامرة وإظهار الحرص على مال أخيه. والرابعة قاصمة الظهر حين قال أبوه لأخيه: لاعبه وأنا معك، فقال أخوه: لا، وقال هو: نعم، فناصب (عادى) صفّا فيه أبوه وأخوه، فقال السائل [حين سمع منها ذلك] أحسنت والله. ثم قال لها: عزمت عليك أخبرينى هل خفى مثل هذا على جعفر وقد فطن له أخوه، فقالت له: لولا العزمة ما أخبرتك، إن إياهما لما خرج قلت للفضل خالية به:
ما منعك من إدخال السرور على أبيك بملاعبة أخيك؟ فقال أمران: أحدهما لو أنى لاعبته لغلبته فأخجلته، والثانى قول أبى: لاعبه وأنا معك، فما يسرنى أن يكون أبى معى على أخى. ثم خلوت بجعفر فقلت له: يسأل أبوك عن اللعب بالشطرنج فيصمت أخوك وتعترف، وأبوك صاحب جد، فقال: إنّي سمعت أبى يقول: نعم لهو البال المكدود، وقد علم ما نلقاه من كد التعلم والتأدب، ولم آمن أن يكون بلغه أنا نلعب بها، ولا أن يبادر فننكر، فبادرت بالإقرار إشفاقا على نفسى وعليه، وقلت إن كان توبيخ فديته من المواجهة به. فقلت له: يا بنىّ فلم تقول: ألاعبه مخاطرة، كأنك تقامر أخاك وتستكثر ماله؟ فقال: كلا، ولكنه يستحسن الدواة التى وهبها لى أمير المؤمنين (الرشيد) فعرضتها عليه، فأبى قبولها، وطمعت أن يلاعبنى فأخاطره عليها وهو يغلبنى، فتطيب نفسه. فقال لها السائل: ما كانت هذه الدواة؟ فقالت إن جعفرا دخل على أمير المؤمنين، فرأى بين يديه دواة من العقيق الأحمر محلاة بالياقوت الأزرق والأصفر، فرآه ينظر إليها، فوهبها له. ثم قالت: قلت لجعفر: هبك اعتذرت بما سمعت، فما عذرك من الرضا بمغاضبة أبيك حين قال: لاعبه وأنا معك، فقلت أنت: نعم، وقال هو: لا، فقال: عرفت أنه غالبى ولو فتر لعبه لتغالبت له مع ماله من الشرف والسرور بتحيز أبيه إليه. فقال لها السائل مادحا للأخوين ومعجبا: بخ بخ هذه والله السيادة، ثم قال لها: أكان منهما من بلغ الرشد، فقالت له:
يا بنىّ أين يذهب بك؟ ! أخبرك عن صبيّين يلعبان، فتقول أكان منهما من بلغ الرشد، لقد كنا ننهى الصبىّ-إذا بلغ العشر وحضر من يستحيى منه-أن يبتسم».
وهذه الدرة-كما يسميها ابن ظفر-أو هذا الخبر عن الفضل بن يحيى البرمكى وأخيه جعفر بلسان أمهما يصور مدى براعة ابن ظفر الأدبية فى السرد الأسلوبى لأخبار نجباء الأبناء بحيث لا تجد عنده أى غرابة ى لفظة ولا أى التواء فى عبارة، بل تجد أسلوبا مطردا متسقا
стр. 4590
يروع بحسن اتساقه، فإذا أنت تركت ذلك إلى ما يشتمل عليه هذا الخبر من تربية وجدته يصور إلى أبعد حد الفطنة التى ينبغى أن يتحلى بها الناشئة إزاء إخوتهم ورفقائهم بحيث لا يبدر منهم لهم ما قد يؤذيهم، والخبر بحق يجسّد آداب الأخوّة كما يجسّد التربية الرشيدة للأم وما أروع قول الأم: لقد كنا ننهى الصبى-إذا بلغ العشر وحضر من يستحيى منه-أن لا يبتسم». وهى صحيفة تربوية بديعية فى آداب الأخوة خاصة وآداب السلوك عامة.
سلوان المطاع فى عدوان الأتباع
كتاب نفيس فى التربية السياسية ترجمة المستشرقون إلى الإنجليزية والإيطالية، وقد استهله ابن ظفر بشكر القائد الصقلى محمد بن أبى القاسم القرشى الذى صنعه له سنة ٥٤٥ ويقول فى خطبته أو مقدمته إنه عمد فيه إلى أمثلة استأثر خواص الملوك ببضاعتها، ومنعتهم الغيرة عليها من إذاعتها، فتوسع فى التعبير بألفاظه عنها والتفنن بقوى فطنته فيها، وكسا جسومها حلل الآداب الملوكية، وقلّد عواتقها بسيوف المكايد الحربية. فالكتاب إذن ليس رواية عن كتب غيره السابقة، بل هو من تأليفه وصنعه نثرا وشعرا وحكما وأمثالا وقصصا، وهو فيه يكثر من ضرب الأمثال تارة على ألسنة بعض الحيوانات مثل كليلة ودمنة، وتارة على ألسنة شيوخ حكماء ووزراء دهاة من الفرس والعرب، وقد يتوسع بذكر قصص عن ملوك اليونان وبالمثل عن ملوك الفرس. وقد يستطرد من قصة إلى قصة أو من مثل إلى مثل على طريقة كتاب كليلة ودمنة. وإذا كان كتاب أنباء نجباء الأبناء فى السلوك الاجتماعى والخلقى وآدابهما فإن هذا الكتاب فى آداب السياسة وما ينبغى أن يكون عليه الحاكم من الرفق بالرعية والعدل والإنصاف وما ينبغى أن يتخلّى عنه من البغى والطغيان والعسف والظلم. والكتاب موزع على خمس سلوانات: السلوانة الأولى فى التفويض، والثانية فى التأسى، والثالثة فى الصبر، والرابعة فى الرضا، والخامسة فى الزهد. وعادة يبدأ السلوانه بآى من القرآن الكريم وبأحاديث نبوية، ويعلق عليها تعليقات طريفة، ثم يفضى إلى غرضه فى الكتاب من ضرب الأمثلة والقصص الحيوانية والإنسانية تبصرة وعظة للحكام، حتى يتبعوا الصراط السوىّ فى تدبير حكمهم وشئونه مع سياسة الرعية سياسة حكيمة محكمة.
وابن ظفر يذكر فى مستهل سلوانة التفويض لأحكام الله قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.﴾ ثم يذكر قصة مؤمن آل فرعون التى وردت فى الذكر الحكيم وكيف أن الله تقدس اسمه وقاه سيئات ما مكروا، ويذكر بعض أسجاع وأبيات حكمية، فمن النثر قوله:
معارضة العليل طبيبه، توجب تعذيبه. . . إنما الكيّس (العاقل) الماهر، من استسلم فى قبضة القاهر-إذا التبست الموارد بالمصادر، ففوّض إلى الواحد القادر.