فى أعراقها وأنسابها، والغرائب التى ذكرت عن قوّتها وأيدها، وحيلها وكيدها، ومكرها بالفار وصيدها. . ذات ناب مطلول (عجيب) وساعد مفتول، وخصر مجدول (صلب) ريّانة (ممتلئة) الكاهل، ظمآنة الأسافل، تستضيئ من عينيها بأنور من المصباح، وتعتدّ من مخالبها بأمضى من السلاح».
وابن الصباغ يستمر فى روحه الفكهة، فيزعم أن القعينى طالما حدّثه عن أخلاقها وآدابها وأعراقها وأنسابها ومكرها بالفار وصيدها له فى لمحة، ويشيد بجمال تكوينها وقوة بصرها ومخالبها. وهى روح فكهة بديعة لابن الصباغ، مع القدرة البارعة على انتخاب اللفظة وأختها والسجعة وشقيقتها مع إحكام التصاوير والمشاهد. وحدث أن كانت لصديقه القعينى جارية سوداء كلف بها ثم باعها، وندم فحاول استرجاعها، فزعم مشتريها أنها حامل، وتولاّه الأسف، ونظم فى ذلك أشعارا كثيرة، فكتب إليه ابن الصباغ رسالة فكهة يقول فيها:
«نقل إلىّ بعض من يعرف أحوالك، ويشارف فعالك خبرا يصمّ السّمع، ويضيّق الذّرع (الطاقة الواسعة) وذلك أنك أخرجت عن ملكك ضفدعتك المريعة (المفزعة) فتناولها من استحسنت غدرانه، وبلغك من إقبالها عليه، وانصرافها بكليّتها إليه، ما أضرم قلبك شوقا لا تخبو ناره، وسلّ الوجد بها عضبا (سيفا) لا ينبو غراره (حدّه) فأنشرت (بعثت) للناس من نفسك (توبة) الأخيلية، وأحييت لهم منك مجنون (قيس) العامرية، وعضضت على بيعها أناملك، وأنضيت (أهزلت) فى طلبها زواملك (إبلك) وأطلت فى وصف شوقك لها وأوجزت، وقصّدت (نظمت القصائد) فى ذكر الأسف عليها ورجزت (نظمت الأراجيز) وجمعت لها من المحاسن ما افترق، وفتحت من البدائع فيها ما انغلق. . فأصبحت والظنون بك مرجّمة (متكلمة) والألسنة عنك مترجمة، والأقوال فيك كثيرة، والأيدى إليك مشيرة، فنهنه (ازجر) قلبك، وراجع لبّك.
واذكر خلقها وخلقها، وتأمّل وجهها وعنقها، وانظر خدّها وقدّها، وهل شئ مما يستملح عندها؟ ! فهنيئا أبا حفص راحة بصرك من شخصها المقيت، وفراغ قلبك من الكبد بخلقها المميت. . وكأنى بك قد أنشدت بيت ابن الرومى فيمن لا يشبهها إلا فى سواد الجلد، ولا يشركها إلا فى النسبة إلى الجد، إذ يقول:
أكسبها الحبّ أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق
هيهات. . ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة».
وابن الصباغ يتهكم بصديقه القعينى مرارا وتكرارا، إذ يصور عشقه لجاريته وما يضرم فى قلبه من نار لا تخبو، حتى لكأنما بعث من نفسه توبة بن الحميّر عاشق ليلى الأخيلية وقيسا عاشق ليلى العامرية، ويذم الجارية ذمّا شديدا ترويحا عن صاحبه حتى يسلوها ويمسك عن ذكرها
стр. 4587
وينساها كما نسيته. وهو يسوق ذلك فى لغة عذبة صافية وفى عبارات مسجوعة مصورة منمقة بالغة الروعة، وراجعه القعينى برقعة انتصر فيها لنفسه، فأجابه الصقلى برقعة على شاكلة رقعته السابقة، وإن ما دوّنه ابن بسام من رقعه ورسائله ليصور للنثر الأدبى فى صقلية نهضة وازدهارا.
ابن (١) ظفر الصقلى
هو حجّة الدين أبو عبد الله محمد بن أبى محمد بن محمد بن ظفر المشهور باسم ابن ظفر الصقلى ، ولد بصقلية سنة ٤٩٧ فى أيام ملكها النورمانى روجار الثانى، رحل من بلده صغيرا فى طلب العلم، ويقال إنه نشأ فى مكة، ولا نعرف كيف انتقل إليها، وبارحها إلى مصر ثم إلى إفريقية، وأقام بالمهدية مدة فى زمن الحسن بن على بن تميم آخر ملوكها الصنهاجيين، وشهد بها الحروب بين روجّار الثانى ملك صقلية والحسن المذكور، كما شهد أخذها منه واستيلاء النورمان عليها سنة ٥٤٣ ورحل إلى صقلية وفيها تعرف على قائد مسلم من قوادها يسمى محمد بن أبى القاسم القرشى، وبقى عنده فترة أكرمه فيها غاية الكرم، مما دفعه إلى تصنيف أربع مؤلفات أهداها إليه جميعا، ولم يحتفظ الزمن باثنين منها، وهما أساليب الغاية فى إحكام آية ومثنى الاستئناف للمعونة والإشراف، واحتفظ باثنين طبعا ونشرا هما: أنباء نجباء الأبناء، وسلوان المطاع فى عدوان الأتباع، وسنلم بهما عما قليل، وعاد من صقلية إلى مصر، ورحل منها إلى حلب وأقام فيها بمدرسة ابن أبى عصرون، ووقعت فيها فتنة بين الشيعة وأهل السنة نهبت فيها كتبه، فخرج منها إلى مدينة حماة فصادف من أهلها وطلابها قبولا فسكن بها، ويقول العماد الأصبهانى: «كان إمام وقته فى التفسير والأدب، رأيته بحماة مقيما، ونفوس طلبة العلم إليه هيما (عطشى) وأجرى له راتب فى ديوان حماة، غير أنه كان دون الكفاف»، فلم يزل يكابد الفقر إلى أن لبّى نداء ربه سنة ٥٦٧ للهجرة. وكان قصير القامة تقتحمه العين، غير أنه كان علامة فى التفسير واللغة والأدب غزير التأليف والتصنيف، وإن كانت أكثر مصنفاته ومؤلفاته سقطت من يد الزمن، ومنها فى التفسير ثلاثة كتب: التفسير الكبير وينبوع الحياة وإكسير كيمياء التفسير، وحاشية على كتاب درة الغواص للحريرى ردّ فيها عليه، والمطول شرح مقامات الحريرى، والمختصر شرحها أيضا، والتنقيب على ما فى المقامات من الغريب، وخير البشر بخير البشر ذكر فيه الإرهاصات التى كانت بين يدى ظهور الرسول ﷺ ، وأرجوزة فى الفرائض، وكتاب الاشتراك اللغوى، وكتاب ملح اللغة فيما اتفق لفظه واختلف معناه وكتاب القواعد والبيان فى
стр. 4588
النحو. ونلم بكتابيه البارعين فى الأدب وهما أنباء نجباء الأبناء ، وسلوان المطاع فى عدوان الأتباع.
أنباء نجباء الأبناء
كتاب تربوى عرض فيه نجابة الصفوة من أبناء الأمة العربية فى حداثتهم، وأضاف إليهم بعض من عرفوا بنجابتهم فى الصغر من الفرس وزراء للعباسيين أو ملوكا فى القديم، واستهله بأخبار الفريدة اليتيمة المهداة إلى الأمة الإسلامية محمد ﷺ وبعض ما ذكر عنه قبل بعثته، تيمنا بذكره العطر، ثم وزع الكتاب على أربعة أصناف ممن رويت الأخبار عن نجابتهم فى صغرهم، والصنف الأول عشرة ممن كرّمهم الله بصحابة رسوله، وهم أبو بكر الصديق وعلى بن أبى طالب والعباس عم الرسول والحسن والحسين حفيداه والنفس الزكية محمد بن على ومعاوية وعمرو بن العاص وعبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر الطيار وعبد الله بن الزبير، والصنف الثانى فى ذكر طائفة من أبناء الصحابة النجباء وغيرهم مثل عبد الملك بن مروان ويزيد بن المهلب والمأمون، والصنف الثالث للنجباء فى الصغر من الزهاد والمتصوفة، والصنف الرابع للنجباء من عرب الجاهلية فى الحداثة مثل لبيد ومن ملوك الفرس مثل بهرام جور.
ويقول ابن ظفر فى مقدمة الكتاب: «وبعد فهذا كتاب أودعته من أبناء نجباء الأبناء ما هو كشررة من ضرام (نار مضطرمة) بل كقطرة من رهام (غيث منهمر) لأنى قصدت به تلقيح همة غلام، وتنقيح فطنة كهام (بليد). فغرضه من الكتاب تعليمى، ليبعث الهمة فى الناشئة بما يعرض عليهم من همم نظرائهم، وليشحذ أذهانهم بما يعرض عليهم من فطن قرنائهم. وأيضا ليتخذوا من خلقهم وحسن سلوكهم أمثلة رفيعة يقتدون بها فى حياتهم، ونضرب لذلك مثلا بما ساقه فى الصنف الثانى مما يدل على نجابة الفضل وجعفر ابنى يحيى البرمكى ووزيرى هارون الرشيد فيما بعد. وعادة إذا كان الحديث عن شخص يجعل له عنوانا: درّة زين لقرّة عين، وإذا كان عن شخصين مثل الفضل وأخيه جعفر يجعل العنوان: درتازين لقرتى عين أى لمسرتى الأب والأم، ويذكر أن ابن صاحبة لأمهما سألها عن ابنيها أيهما يفضل صاحبه قائلا إن الناس يختلفون فيهما منهم من يقدم الفضل ومنهم من يقدم جعفرا، فقالت له: أحدثك عنهما واقض أنت.
«إنهما كانا يوما يلعبان فى دارى، فدخل أبوهما يحيى، فدعا بالغداء وأحضرهما، فطعما معه ثم آنسهما بحديثه، فقال لهما أتلعبان بالشطرنج، فقال جعفر وكان أجرأهما: نعم، قال فهل لا عبت أخاك بها قال جعفر: لا، قال: فالعبا بها بين يدى لأرى لمن الغلب، فقال جعفر:
نعم-وكان الفضل أبصر منه بها-فجئ بالشطرنج، فصفّت بينهما، وأقبل عليها جعفر، وأعرض عنها الفضل، فقال له أبوه: مالك لا تلاعب أخاك، فقال: لا أحب ذلك، فقال جعفر
стр. 4589
إنه يرى أنه أعلم بها فيأنف من ملاعبتى، وأنا ألاعبه مخاطرة (قمارا) فقال الفضل: لا أفعل، فقال أبوه: لاعبه وأنا معك، فقال جعفر: رضيت، وأبى الفضل، واستعفى أباه فأعفاه. ثم قالت الأم للسائل: قد حدثتك عنهما فاقض، فقال: قد قضيت لجعفر بالفضل على أخيه، فقالت له:
لو علمت أنك لا تحسن القضاء ما حكّمتك أفلا ترى أن جعفرا قد سقط أربع سقطات تنزّه الفضل عنهن، فسقط حين اعترف على نفسه بأنه يلعب بالشطرنج وكان أبوه صاحب جدّ، وسقط على التزام ملاعبة أخيه وإظهار الشهوة لغلبه والتعرض لغضبه، وسقط فى طلب المقامرة وإظهار الحرص على مال أخيه. والرابعة قاصمة الظهر حين قال أبوه لأخيه: لاعبه وأنا معك، فقال أخوه: لا، وقال هو: نعم، فناصب (عادى) صفّا فيه أبوه وأخوه، فقال السائل [حين سمع منها ذلك] أحسنت والله. ثم قال لها: عزمت عليك أخبرينى هل خفى مثل هذا على جعفر وقد فطن له أخوه، فقالت له: لولا العزمة ما أخبرتك، إن إياهما لما خرج قلت للفضل خالية به:
ما منعك من إدخال السرور على أبيك بملاعبة أخيك؟ فقال أمران: أحدهما لو أنى لاعبته لغلبته فأخجلته، والثانى قول أبى: لاعبه وأنا معك، فما يسرنى أن يكون أبى معى على أخى. ثم خلوت بجعفر فقلت له: يسأل أبوك عن اللعب بالشطرنج فيصمت أخوك وتعترف، وأبوك صاحب جد، فقال: إنّي سمعت أبى يقول: نعم لهو البال المكدود، وقد علم ما نلقاه من كد التعلم والتأدب، ولم آمن أن يكون بلغه أنا نلعب بها، ولا أن يبادر فننكر، فبادرت بالإقرار إشفاقا على نفسى وعليه، وقلت إن كان توبيخ فديته من المواجهة به. فقلت له: يا بنىّ فلم تقول: ألاعبه مخاطرة، كأنك تقامر أخاك وتستكثر ماله؟ فقال: كلا، ولكنه يستحسن الدواة التى وهبها لى أمير المؤمنين (الرشيد) فعرضتها عليه، فأبى قبولها، وطمعت أن يلاعبنى فأخاطره عليها وهو يغلبنى، فتطيب نفسه. فقال لها السائل: ما كانت هذه الدواة؟ فقالت إن جعفرا دخل على أمير المؤمنين، فرأى بين يديه دواة من العقيق الأحمر محلاة بالياقوت الأزرق والأصفر، فرآه ينظر إليها، فوهبها له. ثم قالت: قلت لجعفر: هبك اعتذرت بما سمعت، فما عذرك من الرضا بمغاضبة أبيك حين قال: لاعبه وأنا معك، فقلت أنت: نعم، وقال هو: لا، فقال: عرفت أنه غالبى ولو فتر لعبه لتغالبت له مع ماله من الشرف والسرور بتحيز أبيه إليه. فقال لها السائل مادحا للأخوين ومعجبا: بخ بخ هذه والله السيادة، ثم قال لها: أكان منهما من بلغ الرشد، فقالت له:
يا بنىّ أين يذهب بك؟ ! أخبرك عن صبيّين يلعبان، فتقول أكان منهما من بلغ الرشد، لقد كنا ننهى الصبىّ-إذا بلغ العشر وحضر من يستحيى منه-أن يبتسم».
وهذه الدرة-كما يسميها ابن ظفر-أو هذا الخبر عن الفضل بن يحيى البرمكى وأخيه جعفر بلسان أمهما يصور مدى براعة ابن ظفر الأدبية فى السرد الأسلوبى لأخبار نجباء الأبناء بحيث لا تجد عنده أى غرابة ى لفظة ولا أى التواء فى عبارة، بل تجد أسلوبا مطردا متسقا
стр. 4590
يروع بحسن اتساقه، فإذا أنت تركت ذلك إلى ما يشتمل عليه هذا الخبر من تربية وجدته يصور إلى أبعد حد الفطنة التى ينبغى أن يتحلى بها الناشئة إزاء إخوتهم ورفقائهم بحيث لا يبدر منهم لهم ما قد يؤذيهم، والخبر بحق يجسّد آداب الأخوّة كما يجسّد التربية الرشيدة للأم وما أروع قول الأم: لقد كنا ننهى الصبى-إذا بلغ العشر وحضر من يستحيى منه-أن لا يبتسم». وهى صحيفة تربوية بديعية فى آداب الأخوة خاصة وآداب السلوك عامة.
سلوان المطاع فى عدوان الأتباع
كتاب نفيس فى التربية السياسية ترجمة المستشرقون إلى الإنجليزية والإيطالية، وقد استهله ابن ظفر بشكر القائد الصقلى محمد بن أبى القاسم القرشى الذى صنعه له سنة ٥٤٥ ويقول فى خطبته أو مقدمته إنه عمد فيه إلى أمثلة استأثر خواص الملوك ببضاعتها، ومنعتهم الغيرة عليها من إذاعتها، فتوسع فى التعبير بألفاظه عنها والتفنن بقوى فطنته فيها، وكسا جسومها حلل الآداب الملوكية، وقلّد عواتقها بسيوف المكايد الحربية. فالكتاب إذن ليس رواية عن كتب غيره السابقة، بل هو من تأليفه وصنعه نثرا وشعرا وحكما وأمثالا وقصصا، وهو فيه يكثر من ضرب الأمثال تارة على ألسنة بعض الحيوانات مثل كليلة ودمنة، وتارة على ألسنة شيوخ حكماء ووزراء دهاة من الفرس والعرب، وقد يتوسع بذكر قصص عن ملوك اليونان وبالمثل عن ملوك الفرس. وقد يستطرد من قصة إلى قصة أو من مثل إلى مثل على طريقة كتاب كليلة ودمنة. وإذا كان كتاب أنباء نجباء الأبناء فى السلوك الاجتماعى والخلقى وآدابهما فإن هذا الكتاب فى آداب السياسة وما ينبغى أن يكون عليه الحاكم من الرفق بالرعية والعدل والإنصاف وما ينبغى أن يتخلّى عنه من البغى والطغيان والعسف والظلم. والكتاب موزع على خمس سلوانات: السلوانة الأولى فى التفويض، والثانية فى التأسى، والثالثة فى الصبر، والرابعة فى الرضا، والخامسة فى الزهد. وعادة يبدأ السلوانه بآى من القرآن الكريم وبأحاديث نبوية، ويعلق عليها تعليقات طريفة، ثم يفضى إلى غرضه فى الكتاب من ضرب الأمثلة والقصص الحيوانية والإنسانية تبصرة وعظة للحكام، حتى يتبعوا الصراط السوىّ فى تدبير حكمهم وشئونه مع سياسة الرعية سياسة حكيمة محكمة.
وابن ظفر يذكر فى مستهل سلوانة التفويض لأحكام الله قوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.﴾ ثم يذكر قصة مؤمن آل فرعون التى وردت فى الذكر الحكيم وكيف أن الله تقدس اسمه وقاه سيئات ما مكروا، ويذكر بعض أسجاع وأبيات حكمية، فمن النثر قوله:
معارضة العليل طبيبه، توجب تعذيبه. . . إنما الكيّس (العاقل) الماهر، من استسلم فى قبضة القاهر-إذا التبست الموارد بالمصادر، ففوّض إلى الواحد القادر.
стр. 4591
ومن الشعر قوله:
يا ربّ مغتبط ومغ ... بوط برأى فيه هلكه
علم العواقب دونه ... ستر وليس يرام هتكه
ومعارض الأقدار بال ... آراء سيّئ الحال ضنكه
ويذكر مأزقين لخليفتين: أموى وعباسى، هما الوليد بن يزيد بن عبد الملك، والمأمون وكيف أن لقاءهما بشخصين محنكين بصّراهما بما ينبغى أن يتخذا من سياسة إزاء باغيين عليهما، أما شيخ الوليد فقد عرض عليه مأزقا مماثلا لجده عبد الملك بن مروان وكيف أن شيخا كبير السن لقيه وهداه إلى ما ينبغى اتخاذه من السياسة والتدبير حتى ينتصر على عدوه الباغى، وضرب له مثلا أو قصة عن ثعلبين وحية وكيف أن الباغى تدور عليه الدوائر، وأما شيخ المأمون فضرب له مثلا من بغى فيروز الملك الفارسى على ملك الهياطلة الذى كان قد أسره فى بعض الحروب ورد إليه حريته بعد أن عاهده على أن لا يغزو بلده ولا يقصدها بسوء، ودارت الأيام بعد رجوعه إلى دار ملكه فصمم على غزو ملك الهياطلة وبلاده، وفى طريقة بغى أحد فرسانه على مسكين فقتله، وتصدّى له أخوه يريد مصارعته، وخوّفه الناس منه، فقال لهم: دعونى وإياه فإنه على فرس الغرور وأنا على فرس البصيرة، وهو لابس درع الشك وأنا لابس درع الثقة، وهو مقاتل بسيف البغى وأنا مقاتل بسيف الحق، وانتصر الحق على البغى وقتل أخو المسكين الفارس أو الإسوار العظيم من أساورة فيروز. ويقول الشيخ للمأمون إن فيروز لم يتعظ من هذا الحادث ومضى حتى وطئ كثيرا من أرض ملك الهياطلة، والتقيا ودارت الدوائر على فيروز وجنده ثمرة بغيه وعدوانه. ولقيت مقالة الشيخ قبولا لدى المأمون على إرسال الجيوش للباغى عليه، وكان أخاه الأمين الذى نكث عهد أبيه أن يكون المأمون ولى عهده والخليفة بعده، فنكث العهد ونشبت بينهما الحرب ضارية وانتصر جيش المأمون وقتل الأمين الذى لم يرع لأبيه عهده ولا خاف تبعة نكثه.
وخلال هذه الأمثال أو القصص التى ضربها الشيخان للمأمون والوليد تتعاقب حكم كثيرة طريفة لتوعية الحكام بآداب الحكم وما ينبغى أن يأخذوا به أنفسهم من السياسة الحكيمة للرعية ومع الأعداء. من ذلك قول ابن ظفر: «الرأى سيف العقل-كل رأى لم تتمخض به الفكرة ليلة كاملة فهو مولود لغير تمام-من دلائل الوفاء بر الآباء والأمهات وصلة ذوى القرابات-الباغى باحث عن مدية حتفه بظلفه ومتردّ فى مهاوى تدميره بمساوئ تدبيره- الهوى طاغية فمن ملكه أهلكه-الهوى كالنار إذا تحكم اتقادها عسر إخمادها، وكالسيل إذا اتصل مده تعسّر صده».
стр. 4592
ودائما تلقانا مثل هذه الحكم فى الكتاب، وننتقل معه إلى سلوانة التأسى، وقد أدارها على قصة طويلة لسابور الملك ووزيره وحيله واستطرد فى أثنائها لقصتى فتى وفتاة وفرس وخنزير وينثر فى تضاعيفها كثيرا من الحكم السياسية والاجتماعية مثل قوله: من غرس العلم اجتنى النباهة، ومن غرس الزهد اجتنى العزة، ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة، ومن غرس الحلم اجتنى الحكمة، ومن غرس الوقار اجتنى المهابة، ومن غرس المداراة اجتنى السلامة، ومن غرس الكبر اجتنى المقت، ومن غرس الحرص اجتنى الذل، ومن غرس الطمع اجتنى الخزى، ومن غرس الحسد اجتنى الكمد. ويقول: تتميز الملوك على السوقة بفضيلة الذات لا بفضيلة الآلات، وفضيلة ذات الملك تتميز بخمس خصال: رحمة تشمل الرعية، وتغطية تحوطهم، وصولة تذبّ عنهم، وفطنة يكيد بها الأعداء، وحزم ينتهز به الفرص. ويقول فى سلوانة الصبر التالية:
صبر الملوك ثلاثة قوى: قوة الحلم وثمرتها العفو، وقوة الكلاءة (الرعاية) والحفظ وثمرتها عمارة المملكة، وقوة الشجاعة وثمرتها فى الملوك الثبات وفى حماة المملكة الإقدام فى المعارك، ولا يراد من الملك الإقدام فى المكافحة، فإن ذلك من الملك تهور وطيش وتغرير، وإنما شجاعته ثباته حتى يكون قطبا للمحاربين ومعقلا للمنهزمين، وهذا ما دام بحضرته من يثق بذبّه عنه، ودفاعه دونه، وحمايته له. ومما قاله فى هذه السلوانة: صلاح الملك: الرفق بالرعية، وأخذ الحق منها بغير عنف، والتودد بالعدل، وأمن السبل، وإنصاف المظلوم.
وتلى ذلك سلوانة الرضا، ومن حكمه فيها الرياء سراب يخدع الفطن القاصرة، ولا يخفى عن البصائر الباصرة-أمران يسلبان الحر كمال الحرية: قبول البرّ، وإفشاء السر-كثرة النوم تجلب الدمار وتسلب الأعمار-من لزم الرقاد عدم المراد-كن من عينك على حذر، فرب جنوح حين (هلاك) جناه جموح عين-السآمة من أخلاق العامة-ما أحرى الملول بأن يحرم المأمول. ومن قوله فى سلوانة الزهدا الأخيرة:
يا متعبا كدّه الحر ... ص فى الفضول وكاده
لو حزت ما حاز كسرى ... وما حوى وأفاده
ما كنت إلا معنىّ ... ومغرما بالزّياده
لم يصف فى الأرض عيش ... إلا لأهل الزهاده
ودائما يضع مثل هذه الأبيات فى صدر كل سلوانة، مما يصور شاعرية خصبة لديه بجانب ما يسوق من حكم مسجوعة فى عبارات محكمة، وأيضا ما يسوق من أمثال وقصص فى أساليب متناسقة، تصور حسا دقيقا وذوقا مصفى وقدرة على الحوار الأدبى البارع.
стр. 4593
ملحق
ابن قلاقس الإسكندرى (١) فى صقلّية
لعهد غليوم الثانى
مرّت بنا ترجمة ابن قلاقس الإسكندرى فى الحديث عن تاريخ الأدب العربى بمصر، وهناك ألممنا برحلته إلى صقلية فى إيجاز، وحرىّ بنا الآن أن نفصّل الحديث فيها بعض الشئ تتمة للكلام عن صقلية، وقد رحل إليها فى سنة ٥٦٣ للهجرة، وهو فى نحو الثلاثين من عمره وظل بها نحو سنتين، وحار الدارسون له فى تبين أسباب تلك الرحلة ودوافعها، غير أن من يتعقب أشعاره وأخباره يعرف أنه كان على صلة وثيقة بالرشيد بن الزبير أحد أعلام الثقافة والأدب والشعر فى عصره حين ولى النظر بثغر الإسكندرية فى الدواوين السلطانية سنة ٥٥٩ للهجرة وكان قد وضع يده فى يد صلاح الدين الأيوبى حين ولاه عمه أسد الدين شيركوه الإسكندرية فى أثناء حربه مع شاور وزير الفاطميين وأعوانه من الصليبيين سنة ٥٦٢ وتطورت الظروف حينئذ وعاد صلاح الدين مع عمه شيركوه إلى الشام وتركا مصر. ولم يكن هم شاور بعد خروجهما من مصر فى تلك المرة إلا طلب من انضموا إلى صلاح الدين من رجال الدولة فى الإسكندرية وفى مقدمتهم الرشيد بن الزبير، وسارع الرشيد فاختبأ فى إحدى الدور بالمدينة فترة، وقبض عليه وقتل فى شهر المحرم سنة ٥٦٣ ونرى ابن قلاقس يرسل إليه فى مخبئه قصائد يستهل إحداها بقوله:
تدانيت دارا والوصول شسوع ... فخلّك ذو الودّ الوصول قطوع
وهو يقول له إن دار مخبئك قريبة، غير أن الوصول بعيد، وكأنه يخشى أن يزور الرشيد فيتنبه رجال شاوور إلى مخبئه، ويقول له: خلك الودود الوصول يرى كأنه لم يثبت على ودك وإخائك، ولعله يريد نفسه، وفى رأينا أن هذه الصلة بين ابن قلاقس والرشيد الذى كان فى مقدمة الثائرين على شاور وانحاز إلى صلاح الدين وما حدث من طلب شاور له، ومقتله هذه الصلة هى التى جعلت ابن قلاقس-فى رأينا-يفكر فى الرحيل عن الإسكندرية خشية أن يلقى نفس المصير على يد رجال شاور، إما لصداقته للرشيد وإما لأنه كان ممن التفّوا حول
стр. 4594
صلاح الدين فى مقامه بالإسكندرية حينذاك. وأخذ يفكر إلى أين يرحل ورأى أن يرحل بعيدا عن مصر وديارها، وصمّم على الرحيل إلى صقلية، وكان قد سمع ممن يلمون بمجالس شيخه السلفى أحيانا من أهل صقلية فى ذهابهم إلى الحج أو فى عودتهم منه-بزعيم المسلمين بجزيرتهم أبى القاسم ابن الحجر بن حمود بن محمد القرشى وكرمه الفياض وفى كتابه الرائع: الزهر الباسم والعرف الباسم فى مديح الأجل أبى القاسم الذى وصف فيه رحلته إلى صقلية وسجل مدائحه فى أبى القاسم بن الحجر نراه يذكر أنه كان قد أرسل إليه مدحة سنة ٥٦١ فكان طبيعيا أن يفكر فى النزول بجزيرته فرارا من شاور ورجاله. ونزل فى غرّة شعبان من سنة ٥٦٣ فى مدينة مسّينى فى الشمال الشرقى من صقلية، وأعجب بموقعها من البحر المتوسط وبمشاهدها الطبيعية ومبانيها الرائقة، مما جعله ينشد فى وصفها قوله:
بلد أعارته الحمامة طوقها ... وكساه حلّة ريشه الطاوس
فكأنما الأزهار منه سلافة ... وكأنّ ساحات الديار كئوس
ومكث بها فترة قليلة، واتجه غربا إلى العاصمة «بلرم» على الساحل الشمالى للجزيرة، وأحسن استقباله أبو القاسم بن الحجر بن حمود القرشى وظل حفيا به طوال مقامه بالجزيرة، وكان زعيم المسلمين فى الجزيرة، كما أسلفنا، ومن كبار رجالات الدولة لعهد الملك غليولم (غليوم) الثانى وأخذ ابن قلاقس يتعرف عن طريقه إلى بعض رجال الدولة النورمانية، وكأنما كان من واجب من ينزل صقلية من الشعراء المسلمين أن يمتدح مليكها النورمانى وبعض رجال دولته، ومر بنا أن عبد الرحمن بن رمضان المالطى استنفد أكثر شعره فى مديح روجّار وأن ابن بشرون المهدوى التونسى مدح روجار الثانى، وقد مدح ابن قلاقس غليولم (غليوم) الثانى بقصيدة ميمية روتها إحدى مخطوطات الديوان، وله يقول:
كذا فليكن عزم الملوك وقلما ... ترى ملكا يأتى بمالك من عزم
وفى القصيدة مبالغات مفرطة فى مديح غليوم، وكان حريا بابن قلاقس أن يأنف من أن يسبغها على ملك مسيحى نهب هو وآباؤه الجزيرة من أهلها المسلمين، ولكن ربما دفعته إلى ذلك ضرورة لبقائه فى الجزيرة دون تعرض له أو للإذن برحيله، ولعل نفس الضرورة هى التى دفعته لمديح جرّدنا أحد رجال الدولة النورمانية ويصفه بأنه وزير، وربما كان قائما على شئون الأمن، وفيه يقول:
وجرّدنا المدائح فاستقرّت ... على أوصاف جرّدنا (١) الوزير
فنظّمنا المفاخر كاللآلى ... وحلّينا المعالى كالنّحور
стр. 4595
وأعجب ما جرى أنا أمنّا ... ونحن بجانب اللّيث الهصور (١)
رأى منه المليك حلى أمين ... برئ النّصح من سقم الضمير
فصدّره على الديوان سطرا ... هو البسم الذى فوق السطور
ومدّ على الرعيّة ظلّ عدل ... وقاهم لفح ألسنة الهجير
والقصيدة تطفح بالمبالغات المسرفة مثل قصيدة غليولم (غليوم) الثانى. وشخصية ثالثة من شخصيات الدولة النورمانية هى شخصية غارات بن جوش، ولم ينظم فيه قصيدة إنما كتب إليه رسالة شكر، يقول فيها إنه فارق حضرته: «ممتلئ اليد نعمة، والفم نغمة، والخاطر آمالا، والناظر أموالا، اصطناعا منها (أى الحضرة) وتفضلا أبى الله أن يصدر إلا عنها».
وإذا رجعنا إلى راعيه أبى القاسم بن الحجر الذى قصد الجزيرة من أجله وجدناه يلقّب بالقائد، وكان من الأثرياء ذوى الإقطاعات الواسعة، ويذكر ابن جبير فى رحلته أنه رأى له ولأهل بيته قصورا أنيقة فى بلرم، وقد أضفى على ابن قلاقس من الإكرام والأموال مما جعله يلهج بالثناء عليه فى قصائد كثيرة بل ما جعله يؤلف فيه كتابه الزهر الباسم من أوصاف أبى القاسم» ويشيد فى مطلع الكتاب به إشادة رائعة، ثم يصف ركوبه البحر المتوسط نثرا مسجوعا بديعا وشعرا رائعا من مثل قوله:
الناس كثر ولكن لا يقدّر لى ... إلا مرافقة الملاّح والحادى
أقلعت والبحر قد لانت شكائمه ... جدّا وأقلع عن موج وإزباد
فعاد-لا عاد-ذا ريح مدمّرة ... كأنها أخت تلك الرّيح فى عاد
ونحن فى منزل يسرى بساكنه ... فاسمع حديث مقيم بيته غادى
لا يستقرّ لنا جنب بمضجعه ... كأن حالاتنا حالات عبّاد
وهو يقول إن كثيرين من الناس مقيمون لا يبرحون ديارهم وأوطانهم، أما هو فقدّر له أن يرافق الملاحين فى لجج البحار وحداة الإبل فى فيافى الصحارى، ثم يقول إن السفينة أقلعت رافعة شراعها وقد سكن البحر وكفّ عن موجه وإزباده، وسارت السفينة فى عرض البحر المتوسط، وما هى إلا ساعات حتى هبّت ريح عاصفة أشد العصف، كأنها أخت ريح عاد الموصوفة فى الذكر الحكيم بأنها صرصر شديدة البرد عاتية ويتصور السفينة منزلا غير أنه منزل لا يستقر، وكأنه ساكن مقيم وبيته منطلق به، وهو ومن حوله لا يستقر لهم جنب فى مضاجعهم بهذا المنزل لكثرة تمايله، وكأنما هم عبّاد فهم بين راكع وساجد منكفئ على جبينه. وما زالت تلك
стр. 4596
حال السفينة وسكانها والبحر المتوسط وجنونه حتى اقتربت السفينة من الجزيرة وثغر مسّينى فى أقصى الشمال الشرقى، وحينئذ كست البحر الرّخاء (الريح الليّنة) ثوب وقارها، وأمسكت الزّعزع (الريح العاصفة) عنه كأس عقارها (خمرها) وصحا بعد جنونه وسكره» كما يقول ابن قلاقس.
ومضى العماد فى الخريدة يقتبس من كتاب الزهر الباسم بعض المدائح التى نظمها ابن قلاقس فى أبى القاسم بن الحجر، ويتضح منها ومما تحدث به عن أبى القاسم فى الكتاب أنه لم يكن قائدا أو مساعدا من مساعدى الدولة فحسب، بل كان أيضا على رأس دواوين الدولة، ومعروف أن تلك الدولة كانت تتخذ العربية لغة رسمية لها أو على الأقل كانت مكانتها فى الدواوين لا تقل عن مكانة اللغة النورمانية، ونرى ابن قلاقس يشيد ببراعة أبى القاسم الكتابية حتى ليقول: «إن ألبس قلمه المداد عرى من الفصاحة قسّ إياد، وإن أنطق طرسه الرسائل، أخرس عن الخطابة سحبان وائل، يلزم لديه ابن العميد، سمت العبيد، ويغدو عليه عبد الحميد غير حميد، ويقول له الصاحب أنا عبد لا صاحب ونهاية الصابئ أنه بألفاظه صابئ». وهو بذلك يرفع بلاغته الكتابية فوق بلاغة قس الإيادي خطيب الجاهلية وسحبان وائل خطيب العصر الأموى وعبد الحميد الكاتب المشهور فى الدولة الأموية وابن العميد والصاحب بن عباد الكاتبين الفذين للدولة البويهية والصابئ الكاتب البغدادى المعروف فى القرن الرابع، وكان من الصابئة ويستغل اسمه فى أنه إزاء بلاغة أبى القاسم يصبأ أو يكفر ببلاغته. ومن قوله فيه بأولى مدائحه، وفيها يصف البحر وركوبه وصفا بديعا:
أنت فى الفضل فى بنى الحجر السّا ... دة مثل الياقوت فى الأحجار
وبيمناك طير يمن وسعد ... أصفر الظّهر أسود المنقار
قلم دبّر الأقاليم فالكت ... ب به من كتائب الأقدار
يا طراز الديوان والملك أصبح ... ت طراز الديوان فى الأشعار
والبيت الأول بديع، فبنو الحجر السادة أحجار كريمة، وهو بينهم ياقوت متوهج، وبيمناه قلم كأنه طير يمن وسعد، جلده-أو كما يقول ظهره-أصفر ومنقاره أسود، وهى إشارة بديعة إلى أنه يغمس فى مداد أسود، ويقول: إن هذا القلم يدبّر أقاليم الجزيرة بما يكتب من رسائل ديوانية مختلفة، سياسية وغير سياسية يصرّف بها أمور سكان الجزيرة المسلمين، ويهنئه بأنه زخرف الديوان والملك النورمانى، وانضاف إليه أنه أصبح زخرف ديوانه وأشعاره. ويقول فى قصيدة أخرى:
قد أقسم الحمد لا يشير إلى ... غير أبى القاسم بن حمّود
стр. 4597
فى يده للنّوال معركة ... أردى بها البخل صارم الجود (١)
وتلتقى كتبه الكتائب فى ... جيش من الخطّ صائد الصّيد (٢)
بكل لفظ كأنه نفس ... غير مملّ بطول ترديد
صحّت معانيه فانقسمن إلى ... فضل ابتكار وحسن توليد
وربما استضحك الخميس به ... عن أهرت الماضغين صنديد (٣)
فالحمد لا يعرف طريقا إلى أحد يستحقه سوى ابن حمود أو ابن الحجر الذى أقام للجود معركة تلمع فيها السيوف القاطعة للرقاب: رقاب البخل والشحّ البغيض، وإن رسائله لتخضع لها كتائب الجيوش المسلحة، وبعبارة أخرى تخضع لجيش من الخط والكتابة البليغة التى تستنزل العصاة العتاة، بكل لفظ يلذ اللسان والآذان بحسن جرسه وروعة معانيه المولدة والمبتكرة.
وليس ذلك كل ما يميز ابن حمود فإنه يتميز أيضا بالبأس والشجاعة حتى لكأنه أسد يمزق فرائسه بماضغيه أو أنيابه، أسد صنديد، شديد غاية الشدة. ولابن قلاقس مدائح وأشعار كثيرة بديعة فى ابن الحجر، من ذلك قوله:
إن ابن حموّد له راحة ... تستجلب الحمد من المرزم (٤)
فى كلّ يوم لوفود النّدى ... ببابه مجتمع الموسم
للمال من راحته عندهم ... أضعاف ما للماء من زمزم
ولو أعار الليل آراءه ... ما احتاج ساريه إلى الأنجم
فضائل كادت لإفراطها ... تنطق بالشكر فم الأبكم
وهو يقول إن راحة ابن حمود ما تزال تهطل بالجود، حتى لكأنما تريد أن تجلب لنفسها الحمد من نوء المطر وغيثه المدرار، ويبالغ فى مديحه فيقول كل يوم تجتمع الوفود ببابه وتأخذ من ماله أضعاف ما يأخذ الناس من ماء زمزم، ولو أنه أقرض الليل آراءه ما احتاج ساريه إلى نجوم تهديه فى جنح الظلام. فضائل ليس لها مثيل تكاد تنطق فم الأبكم بالشكر والامتنان. ونراه يقوم برحلة بحرية إلى سرقوسة فى شرقى صقلية، ويبدأ فيها بمدينة ثرمة فى الشمال شرقى بلرم، وغادرها سريعا لحرارتها الشديدة حتى لكأنه شرب فيها ماء المهل أو شراب الكفار فى جهنم أو كأنما طعم شجرة الزقوم طعام الكفار فى النار الحامية، واتجه شرقا إلى جفلود، وشاهد رياضها
стр. 4598
وما يحفّ بالعيون فيها من حور عين، غير أنه أسرع فى مغادرتها إسراع من يطلب بالدّين أو كمن يطلب فى صقلية بالدّين مشيرا بذلك إلى اضطهاد المسلمين فيها، ويقول إنه نزل ثنر مسّينى وظل فيها تسعين يوما عند جلف ثقيل الظل لا يخفّ أبدا حتى لو طار بجناحى جبريل، وركب السفينة أو المجنونة كما يسميها على ماء مجنون حتى ليظن أنه سيكون طعاما للحيتان، وينزل سرقوسة أخيرا ويجد فيها الملجأ الأمين. والقصيدة وصف بديع لرحلة بحرية فى صقلية، وقد أتبعها بوصفه لرحلة برية من سرقوسة إلى بلرم حيث راعيه الأمين أبو القاسم بن الحجر، ولا يتضح سبب رحلته إلى سرقوسة وعودته، وفى رأيى أنه كان يبحث فى الثغور التى مرّ بها عمن يحدثه عن مصر وأحوالها وهل لا يزال شاور وأعوانه متسلطين فيها على الحكم، وكان أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين قد عادا إلى مصر سنة ٥٦٤ فى قدمتهما الثالثة، وسرعان ما قبض على شاور وقتل وتولى أسد الدين الوزارة لمدة شهرين وتوفى، وتولاها صلاح الدين.
وأكبر الظن أن كل ذلك علم به ابن قلاقس، فاطمأن وصمّم على العودة إلى وطنه بعد وداع راعيه أبى القاسم وأصدقائه فى بلرم من مثل هبة الله السديد الحصرى وله فيه مدائح بديعة ومثل الفقيه أبى الحسن على بن أبى الفتح بن خلف الأموى، ويقول عنه فى كتابه الزهر الباسم: «هو حدقة العلم الناظرة، وحديقة الأدب الناضرة» ويسوق ابن قلاقس فى الكتاب ما كان بينهما من مكاتبات شعرية قبيل رحيله، وله يقول مودعا:
تخذتك من صقلّية خليلا ... فكنت الورد يقطف من قتاد
وشمتك بين أهليها صفيّا ... فكنت الجمر يقبس من زناد
وابن قلاقس لا يريد أن يهجو صقلية وأهلها بأنهم شوك وابن خلف وحده هو الورد، ولا أنهم زناد صلد لا يخرج منه شرر وهو وحده الجمر، وكل ما فى الأمر أنه مدحه مودعا وبالغ فى مدحه. ولابن قلاقس أشعار متعددة فى وصف مجالس الشراب بصقلية ووصف المغنين بها والراقصات من مثل قوله:
ومغنّ تناولت يده العو ... د فعادت بنا إلى الأفراح
بين ريح من المزامير أسرى ... بين أجسامنا من الأرواح
وصباح قد عقدوا طرر اللّي ... ل جمالا على الوجوه الصّباح
يبعث الرقص منهم حركات ... سرقت بعضها طوال الرّماح
وهو يقول إن صوت المغنى وهو يضرب على العود صوت مفرح ونسيم أنغام المزامير من حولهم تسرى فى أجسامهم سريان الأرواح، وراقصات فاتنات تنهدل خصل الشعر على جباههنّ وهن يتثنين ويتحركن حركات رشيقة، وكأنما سرقت الرماح فى أيدى المحاربين بعض
стр. 4599
حركاتهن ورشاقتهن. وقد رحل عن صقلية والصلة بين أبى القاسم والدولة صلة طيبة، وبتأثير من الوشايات صودرت أمواله بعد رحيل ابن قلاقس وإقطاعاته وأغرم ما يزيد على ثلاثين ألف دينار، وزار ابن جبير الجزيرة وقد عفى عنه وعاد إلى سابق العهد به، ولذلك يقول ابن جبير عنه حينئذ إنه زعيم أهل الجزيرة من المسلمين وسيدهم. وعاد ابن قلاقس إلى القاهرة سنة ٣٦٥ قبل تولّى صلاح الدين وزارة العاضد الفاطمى فمدحه ومدح رئيس الدواوين، القاضى الفاضل، وكأنما ظن أن الأحوال فى مصر لا تزال غير مستقرة فرأى أن يزور اليمن، وربما كان الذى حبّبه فى زيارتها صديقه الرشيد بن الزبير الذى كان قد زارها وتقلّد أحكامها وقضاءها فترة كما يقول ياقوت، وفى أثناء عودة ابن قلاقس منها سنة ٥٦٧ أسلم روحه إلى بارئها بثغر عيذاب على الساحل المصرى للبحر الأحمر وهو ابن خمس وثلاثين سنة.
стр. 4600
خاتمة
[ليبيا]
١
تحدثت-فى الصحف الماضية-عن ليبيا فى القسم الأول من هذا الجزء الخاص بتاريخ الأدب العربى فيها وفى تونس وصقلية من الفتح العربى إلى العصر الحديث. وعرضت جغرافيتها وتاريخها القديم وأنها ظلت تستقبل الحضارات الفينيقية والقرطاجية واليونانية والرومانية والبيزنطية دون أن تضيف إليها شيئا، وألممت بفتح العرب لها فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب وتعاقب الولاة عليها فى العصرين الأموى والعباسى، وتبعية طرابلس للدولة الأغلبية فى القيروان منذ سنة ١٨٤ هـ/٨٠٠ م إلى ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م بينما كانت برقة تتبع مصر.
ويتبعان جميعا الدولة العبيدية، ويسترد بلكين الصنهاجى تبعية طرابلس إلى القيروان ويؤسس بها بنو خزرون دولة ظلت خمسين عاما، وتعمها هى وبرقة الهجرة الأعرابية الكبرى فى منتصف القرن الخامس الهجرى، وقد أحالوا معظم ليبيا إلى مشيخات بدوية، ويعيث فيها فسادا قراقوش وابن قراتكين وابنا غانية فى النصف الثانى من القرن السادس الهجرى، وتتبع برقة مصر فى عصر الأيوبيين والمماليك، ويوكّلون عنهم بنى عزاز فى حكمها وجبايتها، وتتبع طرابلس الدولة الحفصية فى تونس، ويؤسس بها بنو عمار دولة لهم من سنة ٧٢٤ هـ/١٣٢٤ م إلى ٨٠١ هـ/١٣٩٨ م وتعود للحفصيين ويستولى عليها شارل الخامس ملك إسبانيا سنة ٩١٦ هـ/١٥١١ م ويتركها سنة ٩٣٢ هـ/١٥٢٦ م لفرسان مالطة، ويخرجهم منها الأسطول العثمانى سنة ٩٥٨ هـ/١٥٥١ م وتظل للعثمانيين، ويتولاها منهم أحمد القرمانلى سنة ١١٢٣ هـ/١٧١١ م ويجعلها وراثية فى أبنائه إلى أن استردها العثمانيون منهم سنة ١٢٥١ هـ/١٨٣٥ م وبذلك تبدأ ليبيا عصرها الحديث.
وسكان ليبيا-من قديم-ينقسمون إلى حضر فى المدن على الساحل وما وراءه من بساتين وزروع، وإلى بدو رحّل فى منطقتى شبه الصحراء والصحراء الليبية المترامية الأطراف. وقد نزلتها عناصر جنسية كثيرة بجانب سكانها البربر من فينيقيين وإغريق ويهود ورومان وزنوج وعرب وترك وجلبهم المسيحى الأوربى من القرصنة. وبجانب النشاطين الزراعى والرعوى وصيد الأسماك والإسفنج على السواحل نمت بليبيا صناعات يدوية كثيرة مثل عصر الزيت ونسيج الملابس والأبسطة ودبغ الجلود واستخراج الملح من السواحل. وكان البربر وثنيين،
стр. 4601
ونزل بديارهم اليهود، وحاول الرومان وكنيسة الإسكندرية نشر المسيحية بها وخاصة فى المدن الشمالية واكتسحها الإسلام، ودخل فيه سكانها أفواجا، حتى أصبح دينهم فى كل مكان كما أصبحت العربية لسانهم، وشاع المذهب الإباضى فى جبل نفوسة وطرابلس، وحاول العبيديون -حين أقاموا دولتهم فى القيروان-نشر عقيدتهم الإسماعيلية الشيعية فى ليبيا، ورفضها سكانها، وعلى مر العصور آثرت ليبيا مذهب مالك السنى، وتبع بعض أهلها فى العهد العثمانى المذهب الحنفى غير أن مذهب مالك ظل هو المذهب الغالب على الليبيين. ونرى كثيرين من الليبيين- على مر العصور-يؤثرون الزهد فى متاع الحياة والتقشف طلبا لما عند الله من الثواب ونعيم الفردوس، وشاعت بينهم فى الحقب المتأخرة الطرق الصوفية السنية.
ومنذ الفتح العربى ودخول ليبيا فى الإسلام كان فاتحوها يعملون-بكل ما وسعهم-على نشر الدين الحنيف بها، وسرعان ما شاعت فيها الكتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم، كما استدارت فى المساجد حلقات الشيوخ يلقّنون الناس شيئا من تفسير الذكر الحكيم ومن الحديث النبوى وقواعد الفقه وتعاليم الإسلام، وأخذ بعض أبناء ليبيا يطلبون السعة فى الزاد العلمى، فرحلوا إلى المشرق للتزود من حلقات علماء العربية وعلماء الفقه والدراسات الدينية، وعنوا خاصة بالأخذ عن الإمام مالك فقيه المدينة وتلاميذه المصريين. وأخذت تنمو العلوم الإسلامية واللغوية فى ليبيا على مر الزمن وازدهرت فى عهد الدولة الحفصية بما أنشأت من مدارس وما نشأ من زوايا كانت تعنى بدراسة العلوم، وأصاب الحركة العلمية غير قليل من الخمود والركود فى عهد الدولة العثمانية.
وإذا تعقبنا العلوم والعلماء فى ليبيا على مر القرون لاحظنا أنه لم ينشأ فيها نشاط فى علوم الأوائل، بخلاف العلوم اللغوية والدينية فقد اشتهر فيها كثيرون فى مقدمتهم الأجدابي اللغوى فى القرن الخامس الهجرى والمقرئ مؤمن بن فرج فى القرن الخامس الهجرى أيضا والحافظ المحدث الكبير أحمد بن نصر الداودى فى القرن الرابع الهجرى وعلى شاكلته ابن عبيد فى القرن السابع، ويتكاثر الفقهاء السنيون مثل ابن المنمر فى القرن الخامس وعمران بن موسى فى القرن السابع، وبالمثل فقهاء الإباضية، ومنهم عمروس بن فتح النفوسى فى القرن الثالث والجيطالى فى القرن الثامن.
وأسرعت ليبيا فى التعرب لسببين: كثرة من نزل بها من القبائل وكثرة من استقر بها من الجند، وأتمت تعربها هجرة الأعراب الكبرى من بنى سليم وبنى هلال وامتزج الشعبان:
البربرى والأعرابى وأصبحا شعبا واحدا فى الأخلاق والعادات والفروسية والنجدة والزّى والمأكل والأفراح والأحزان، وسرعان ما انتصرت العربية على البربرية. ويشهد الرحالة العبدرى فى أواخر القرن السابع لأهل برقة بالفصاحة ولا تزال لغتهم فى التخاطب إلى اليوم
стр. 4602
أقرب إلى الفصحى من لغة أى بلد عربى. ولم تحدث فى ليبيا قبل عصرها الحديث نهضة أدبية واسعة، ومرجع ذلك إلى أنها لم تنشأ بها دولة ترعى الأدب والأدباء ولا أنشئ فيها ديوان يبعث فيها حركة نثرية أدبية، وأول شاعر بها ينال شيئا من الشهرة خليل بن إسحاق فى القرن الثالث الهجرى، ويتكاثر شعراؤها فى القرن السابع من أمثال فتح بن نوح الإباضى وابن أبى الدنيا وابن معمر، وأهم شعرائها فى العهد العثمانى البهلول الطرابلسى، وله ديوان كله مدائح نبوية، ومن الشعراء بعده أحمد بن عبد الدائم. وتشير كتب التراجم بأن لهذا الكاتب الليبى أو ذاك رسالة أو مقامة، وتكتفى بمثل هذه الإشارة ولا تذكر منهما شيئا، ولفتح بن نوح الإباضى الشاعر كتاب كله وعظ على شاكلة كتاب ملتقى السبيل لأبى العلاء المعرى.
[تونس]
٢
وانتقلت فى القسم الثانى من هذا الجزء إلى تونس فتحدثت عن جغرافيتها وتاريخها القديم وفتح العرب لها ودخول أهلها فى الإسلام أفواجا وظل مدة يتعاظم فيها وفيما وراءها من بلاد المغرب. ومن ولاتها الأولين وولاة المغرب جميعه عقبة بن نافع مؤسس مدينة القيروان وحسان بن النعمان مؤسس مدينة تونس وموسى بن نصير فاتح الأندلس وناشر الإسلام فيه وفى المغرب جميعه حتى المحيط، ووليها للعباسيين يزيد بن حاتم المهلبى وأحدث بها حركة أدبية خصبة، وتولاها إبراهيم بن الأغلب للرشيد سنة ١٨٤ هـ/٨٠٠ م ويجعلها الرشيد وراثية فى أبنائه، وتظل تلك الدولة الأغلبية حتى سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م ومن أعمالها الجليلة فتح صقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م وفتح مالطة سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م ونشر الدين الحنيف واللغة العربية بهما، وتخلف الدولة العبيدية تلك الدولة إلى أن انتقل الخليفة العبيدى المعز إلى القاهرة سنة ٣٦١ هـ/٩٧١ م وجعل حكم إفريقية التونسية بعده لقبيلة صنهاجة وزعيمها بلكين، وظلت تلك الدولة الصنهاجية موالية للخلفاء الفاطميين فى القاهرة إلى أن أعلن المعز بن باديس الصنهاجى استقلاله عن خلافتهم سنة ٤٣٨ هـ/١٠٤٦ م وقبل بل فى سنة ٤٣٩ أو ٤٤٠ وغضب الخليفة الفاطمى المستنصر، فسلّط عليه أعراب بنى سليم وبنى هلال النازلين شرقى الصعيد، وكانوا نحو نصف مليون، فاكتسحوا ليبيا وإفريقية التونسية، وحاربوا المعز فى القيروان وهزموه، واضطروه إلى الانزواء فى مدينة المهدية، واستقل بعض الولاة فى مدن إفريقية التونسية وأنحائها بالحكم، وقام فيها نظام أمراء الطوائف إلى نحو قرن. ونزل روجار الثانى النورمانى ساحل تونس سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م واستولى على المهدية وطرده منها عبد المؤمن أمير دولة الموحدين المغربية سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م وعاث بها فى النصف الثانى من القرن السادس الهجرى قراقوش وابن قراتكين وابنا غانية، وخلصها منهم الموحدون والدولة الحفصية، وازدهرت الحياة بها فى أيام
стр. 4603
الحفصيين، وحاصر لويس التاسع تونس، وقبر تحت أسوارها، ونهضت البلاد طوال ثلاثة قرون، وأغار عليها شارل الخامس ملك إسبانيا سنة ٩٤٣ هـ/١٥٣٦ م وخلصها من الإسبان الأسطول العثمانى سنة ٩٨١ هـ/١٥٧٤ م وأصبحت تابعة للدولة العثمانية وتوالى عليها البايات، ومن خيرهم مراد باى وتوارثها أبناؤه وحسين بن على وبالمثل توارثتها أسرته حتى العصر الحديث.
ونزل إفريقية التونسية-بجانب سلالات البربر العريقة بها-عناصر جنسية كثيرة:
فينيقية وقرطاجنية ويهودية وزنجية ورومانية وألمانية من الواندال وبيزنطية وعربية ومن كان فى جيوش العرب من الشعوب الإسلامية ونزلتها عناصر أندلسية وتركية وأوربية مسيحية ممن كان يأسرهم القراصنة، ومع كل هذه العناصر ظلت للعنصر البربرى الغلبة، وظل يفرض عليها شخصيته وهويته. وتموج إفريقية التونسية-من قديم-بطيبات الرزق من الزروع وأشجار الزيتون والفاكهة والنخيل، وتموج مراعيها بقطعان الغنم والأبقار والخيل والإبل. وتكثر بها الصناعات اليدوية مثل عصر الزيتون ودبغ الجلود وصناعة الزجاج والبلور والخزف والمنسوجات على اختلاف أنواعها والورق وكل ما تحتاج إليه المنشآت العمرانية. وأهلتها هذه المنتجات الصناعية والزراعية وما كان يرد إليها من إفريقيا السوداء لتكون سوقا تجاريا عالميا.
وهيّأها كل ذلك لرفه واسع فى المطعم والملبس وما يتصل بذلك من كثرة الاحتفالات والأعياد والعناية بالموسيقى وآلات الطرب. وحظيت المرأة فى هذا المجتمع بمكانة كريمة.
وكان البربر قديما وثنيين، ونزلت بينهم جماعات من اليهود، وحاولت نشر دينها اليهودى فيهم واستجابت لها أقلية، واستولى الرومان على ديارهم وأخذوا يحاولون-كما حاولت كنيسة الإسكندرية-نشر الدين المسيحى بها وتأسست بعض الكنائس والأسقفيات، واعتنقه بعض البربر-وخاصة فى المدن الشمالية، وظلت فى العهود الإسلامية عناصر صقلية مسيحية تنزل بالبلاد، وعناصر أخرى ممن كان يأسرهم القراصنة من البحر المتوسط. والإسلام هو الدين السماوى الوحيد الذى عمّ-بعد الفتح-إفريقية التونسية وجميع البلدان المغربية لتحريره الشعوب من الظلم والاستعباد ولبساطته ومحوه الفوارق الطبقية بين أفراد الأمة. واختارت إفريقية التونسية مذهب مالك الفقهى السنى، وعاش بجانبه المذهب الحنفى حتى نهاية القرن الثالث الهجرى، وعاد إلى الظهور أيام العثمانيين. ولم تنجح فى إفريقية التونسية مبادئ الإباضيين ولا مبادئ العبيديين الإسماعيلية الشيعية، ومن قديم يتكاثر بها الزهاد وكثرت فيها-منذ القرن السابع-الطحق الصوفية.
ونشطت الحركة العلمية فى إفريقية التونسية منذ الفتح، وكان يقودها فى أول الأمر الفاتحون بنشرهم للدين الحنيف وتعاليمه، وما نكاد نقبل على القرن الثانى الهجرى حتى ينشأ جيل من أبناء البربر والعرب يطلب المزيد من العلم، ويرحل فى طلبه إلى المشرق للقاء أبى حنيفة ومالك
стр. 4604
ويحمل مذهبيهما إلى مدينتى القيروان وتونس، ويساعد فى ازدهار الحركة العلمية-على مر العصور-جامع أو جامعة عقبة فى القيروان وجامع أو جامعة الزيتونة فى تونس وما أنشأ الحفصيون من مدارس ومكتبات. وتعنى إفريقية التونسية بعلوم الأوائل ويؤسس فيها الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبى (٢٧١ - ٤٨٩ هـ) بيت الحكمة للعناية بتلك العلوم، وتشتهر القيروان بأطباء كبار كان لهم تأثير عظيم فى النهضة الغربية كما تشتهر بفلكى جزائرى كبير هو على بن أبى الرجال كان له تأثير قليل فى علم الفلك الأوربى. وتؤسس الدولة الصنهاجية مدرسة فى الكيمياء، وينبغ فى الدولة الحفصية كيميائى هو التيفاشى، ونلتقى فيها بأطباء ورياضيين متعددين وببعض الجغرافيين. ويكثر علماء اللغة والنحو فى العهد الصنهاجى من مثل القزاز والحصرى، ويضع ابن عصفور أسس مدرسة نحوية تونسية، ويقود ابن رشيق بكتابه «العمدة فى صناعة الشعر ونقده» حركة نقدية واسعة، ويشتهر فى القراءات ابن خيرون حامل قراءة ورش عن نافع إلى موطنه، ولا يلبث أن يظهر إمام كبير من أئمة القراءات هو مكى بن أبى طالب. ومن أوائل المفسرين عكرمة مولى ابن عباس ومن كبارهم فى القيروان على بن فضال وابن بزيزة ويكثر الحفاظ المحدثون ومن كبارهم القابسى فى القرن الرابع والمازرى فى القرن السادس، ويتعايش فى الفقه المذهبان: المالكى والحنفى وفقهاؤهما فى القرنين الثانى والثالث من أمثال سحنون المالكى وعبد الله بن فروخ الحنفى، ثم تصبح الغلبة للمذهب المالكى منذ أخذ المعز بن باديس الناس والفقهاء به، ويعود المذهب الحنفى إلى الظهور فى عهد العثمانيين، وتكون له الكلمة العليا فى الفتوى والقضاء. وكل ما كان موضعا للمناظرة والجدل من المذاهب الكلامية فى المشرق انتقل إلى المغرب سواء فى ذلك مذاهب الخوارج والمرجئة والمعتزلة، وأخذ المذهب الأشعرى يعم منذ القرن الخامس الهجرى. ونشطت الكتابات التاريخية فى القيروان عن مغازى إفريقية والدولة الأغلبية وأمرائها والدولة العبيدية وخلفائها وعن علماء إفريقية وتاريخهم وتاريخ المغرب وعن شعرائها وعمن كان بها من الزهاد وكبار العلماء وعن دولة بنى عبد الواد بتلمسان، ولابن خلدون تاريخه العظيم ومقدمته النفيسة، ويلقانا بعده كتاب الهنتاتى عن الدولة الحفصية وكتاب ابن أبى دينار: المؤنس فى أخبار إفريقيا وتونس، وكتاب السراج:
الحلل السندسية وكتاب حسين خوجه: ذيل بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان، وفيه ترجمات لفقهاء البلدان الكبيرة.
وعلى الرغم من أن اللغة البربرية ظلت تعايش لغتين متحضرتين هما الفينيقية واللاتينية فإنها لم تتحول قديما إلى لغة متحضرة لها أبجديتها وكتاباتها التاريخية، وكان من يتحضر من البربر أيام الفينيقيين يكتب بلغتهم، وبالمثل أيام الرومان، وكثيرون منهم كانوا يتقنون اللاتينية نطقا وكتابة، وظلت من ذلك بقية بعد الفتح، وسريعا أخذت البربرية لغة الشعب واللاتينية لغة بعض الخاصة تزايلان الألسنة وتحل محلها العربية حتى إذا كانت الهجرة الأعرابية الكبرى فى منتصف
стр. 4605
القرن الخامس الهجرى اختلط البربر بالأعراب وكوّنوا شعبا عربيا واحدا فى حياته ولغته ودينه. وظلت الكثرة من الأعراب تنطق بالفصحى نطقا سليما حتى القرن السابع الهجرى، وسرت إليهم عدوى العامية فهجروا الإعراب، ومع ذلك ظلت الفصحى لغة العلم والأدب الرفيع، وغذاها المهاجرون الأندلسيون فى القرن السابع ثم فى القرن التاسع والحادى عشر بغذاء قويم بثّ فيها روحا وغير قليل من الانتعاش. ويكثر الشعراء فى إفريقية التونسية منذ ولاية يزيد بن حاتم المهلبى فى أواسط القرن الثانى الهجرى، وكان أمراء الدولة الأغلبية وخلفاء الدولة العبيدية شعراء وأجزلوا العطايا لمادحيهم، وينهض الشعر فى زمن الدولة الصنهاجية، ويقال إن مادحى المعز بن باديس بلغوا المائة عدّا، وكان ابنه تميم شاعرا ومقصدا للشعراء من كل بلد مغربى ومشرقى وكان ابنه يحيى وحفيده على وابنه الحسن غاية فى الجود، فقصدهم غير شاعر، ولابن حمديس وأمية بن أبى الصلت الأندلسى فيهم مدائح رائعة، ويتكاثر الشعراء حول أمراء الطوائف مثل سلامة بن فرحان شاعر أبى الحملات أمير مدينة قابس والتراب السوسى شاعر جبارة بن كامل أمير مدينة سوسة. ومن شعراء هذا العهد على الحصرى وعبد الله الشقراطسى. ويزدهر الشعر فى العهد الحفصى ويرفده جدول أندلسى، ومن شعرائه جابر بن عنان وابن عريبة وابن حسينة وابن السماط المهدوى والليانى وغيرهم كثير، ومنذ القرن الثامن الهجرى يزاحم الشعر الشعبى الملحون الشعر، ويهاجر كثير من الأندلسيين إلى إفريقية التونسية فى القرن الحادى عشر ويسترد الشعر شيئا من حيويته ونشاطه فى العصر العثمانى، وخاصة منذ عهد الأسرة الحسينية.
وتظهر فى كل غرض من أغراض الشعر طائفة من الشعراء المبدعين، ودائما كانت سوق المديح نافقة، ومن أعلامه الذين ترجمنا لهم على بن محمد الإيادي، والكاتب الرقيق وابن رشيق والتراب السوسى وابن عريبة وعبد الله التجانى وعلى الغراب والورغى. ومن أعلام الفخر المهمين تميم بن المعز ومحمد الرشيد الحسينى. ومن أعلام الغزل على الحصرىّ وأحمد اللّليانى ومحمد ماضور. ومن أعلام شعر الغربة والشكوى والعتاب ابن عبدون ومحمد بن أبى الحسين.
ومن أعلام شعر الطبيعة عبد الواحد بن فتوح وابن أبى حديدة وأبو على بن إبراهيم. ومن أعلام شعر الرثاء للأفراد والمدن والدول ابن شرف القيروانى ومحمد بن عبد السلام. ومن أعلام الوعظ أحمد الصواف، ومن أعلام التصوف محرز بن خلف، ومن أعلام المديح النبوى الشقراطسى والسماط المهدوى. وكل هؤلاء الشعراء حاولت تبين شخصياتهم، مع عرض أهم روائعهم الشعرية.
ونهض النثر فى تونس على لسان الولاة والقواد، وتأسست بها-مبكرة-الدواوين، ونهض أبو اليسر الشيبانى رئيس ديوان الانشاء فى عهد الأغالبة بالكتابة الديوانية وكون فيها
стр. 4606
مدرسة كانت لها تقاليد متبعة، وفى صبح الأعشى رسالة ديوانية بليغة من العهد الحفصى.
وكثرت الرسائل الشخصية، وهى مسجوعة، وبها-فى الحقب المتأخرة-كثير من التكلف.
وتلقانا بعض مقامات، وهى لا تتناول حياة أديب متسول وخدعه الكثيرة لجذب السامعين، إنما هى موضوعات أدبية لبيان التفنن فى الكتابة الأدبية، وترجمت لثلاثة من الكتاب البارعين أبى اليسر الشيبانى رئيس ديوان الإنشاء فى عهد الأغالبة وإبراهيم الحصرى صاحب زهر الآداب، وابن خلدون الكاتب التونسى الفذ.
[جزيرة صقلية]
٣
وتحدثت-فى القسم الثالث من هذا الجزء-عن جزيرة صقلية وجغرافيتها وتاريخها القديم إلى أن فتحها العرب أيام الأمير زيادة الله الأغلبى سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م وظلوا طويلا يفتحون مدنها وحصونها وينشرون العربية والدين الحنيف فى ربوعها. واستولوا على مالطة سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م ونشروا بها-مثل صقلية-الإسلام والعربية، ولا يزال أهلها-حتى اليوم- يتكلمون لكنة عربية تونسية دخلها-مع طول الزمن-كثير من التحريف-وغزوا قلوريّة فى جنوبى إيطاليا، وظل للدولة الأغلبية فيها شطر بل أشطار طوال مدة حكمهم. وولى على صقلية للدولة العبيدية ولاة أساءوا السيرة إلى أن وليها للخليفة العبيدى المنصور قائد من خيرة قواده هو الحسن بن على بن أبى الحسين الكلبى سنة ٣٣٦ هـ/٩٤٧ م فجعلها وراثية فى أبنائه، وساء حكمهم فى القرن الخامس الهجرى، وثارت صقلية عليهم، واستحالت إلى إمارات طوائف لكل بلدة أمير، واختارت بلرم قائدا من قواد الثورة هو ابن الثمنة، وكان شؤما على الجزيرة كلها فإنه تحارب مع أمير قصريانة وهزم، فاستغاث بالنورمان فى قلوريّة بجنوب إيطاليا، وأغاثه روجار الأول، وسرعان ما استولى على بلرم سنة ٤٦٤ هـ/١٠٧٢ م ويحاول الاستيلاء على بقية مدن صقلية وتم له ذلك فى سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩١ م ويدور العام فيستولى على مالطة سنة ٤٨٥ هـ/١٠٩٢ م. ورأى شعب صقلية العربى يفوق شعبه مدنية وحضارة واتقانا للزراعة ولكثير من الصناعات اليدوية فأخذ يصانعه للإفادة منه مع التنكيل به فى صور شتى، وحاول ابنه روجار الثانى وحفيده غليوم الأول التخفيف من هذا التنكيل الغاشم، ولكن ظل الاضطهاد قائما كما يصور ذلك ابن جبير فى رحلته حين زار صقلية أيام غليوم الأول، وازداد الاضطهاد ضراوة حين استولى على الجزيرة أباطرة الألمان منذ سنة ٥٩١ هـ/١١٩٤ م واستغاث أهلها بالمستنصر الحفصى سنة ٦٤٧ هـ/١٢٤٩ م فراسل فردريك الثانى واتفق معه على إجلائهم إلى إفريقية التونسية. وأجبر فردريك من بقى بمالطة من المسلمين على مبارحتها إلى مدينة أمالفى Amalfi جنوبى إيطاليا وكانت صقلية موزعة بعد الفتح العربى إلى ثلاث ولايات كبيرة، ولكل ولاية وال
стр. 4607
يديرها ومعه مساعدون وكل منهم يسمى قائدا ولكل ولاية قاض أو قضاة، وعامل المسلمون المسيحيين معاملة سمحة إلى أبعد الحدود، وحافظوا لهم على كنائسهم وقوانينهم الدينية والمدنية ومحاكمهم الخاصة. وكان بكل ولاية مجموعة من الدواوين للإشراف على نظام الحكم، ومن أهمها ديوان المحاسبة القائم على جمع الضرائب. وكانت صقلية ملأى بالزروع وأشجار الزيتون والفاكهة وبالغنم والخيول، وكانت الصناعات مزدهرة بها وخاصة صناعة المنسوجات وصناعة الورق التى انتقلت إليها من القيروان ونقلتها إلى أوربا لتلهم-فيما بعد-جوتنبرج- اختراع الطباعة. ونلتقى فيها ببعض الزهاد مثل القاضيين ميمون وابن أبى محرز وببعض من ينزعون فى نسكهم منزع التصوف مثل أبى القاسم عبد الرحمن البكرى.
وقد فتح النورمان صقلية الإسلامية حربيا وفتحتهم حضاريا، مما جعل ملوكها يكبّون على تعلم العربية ليقرءوا ذخائرها العلمية، وتعلموا من المسلمين شئون الزراعة والصناعة ونظمهم الادارية والديوانية، واتخذوا العربية فى مراسيمهم الحكومية، ومع ذلك لم تكن إقامة المسلمين لشعائرهم الدينية مكفولة وساموهم غير قليل من الخسف والاضطهاد بشهادة ابن جبير لما شاهده فى الجزيرة. ودائما تنزل الثقافة الإسلامية البلدان المفتوحة مع الجيوش العربية، وهو ما حدث سريعا فى صقلية، وكان بعض أبنائها لا يكتفون بما يأخذون عن شيوخها، فكانوا يرحلون-استزادة فى العلم-إلى القيروان ومدّوا رحلتهم أحيانا إلى المشرق، ورحل إليهم بعض العلماء القيروانيين والمشارقة، ويقول ابن حوقل إنه كان فى بلرم وحدها مائتا مسجد وثلاثمائة معلم. وعنيت صقلية بعلوم الأوائل، وكان نصف سكانها مسيحيين وكانوا فئتين: فئة تتكلم اللاتينية وفئة تتكلم الإغريقية، وكان بين قساوستها من يستطيع الترجمة من اللاتينية والإغريقية إلى العربية مما جعل الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبى حين أسس بيت الحكمة فى عاصمته رقادة وعنى فيه بعلوم الأوائل يستعين ببعض الرهبان الصقليين فى ترجمة بعض المصنفات اللاتينية فى العلوم الرياضية إلى العربية، ونظل نسمع عن إتقان بعض أطبائها من العرب للغة الإغريقية وعن نزول بعض متفلسفة الأندلس بها، وتتردد فى الكتب أسماء لبعض من كانوا فيها من الأطباء والرياضيين والمهندسين والفلكيين.
وعنيت صقلية برواية الدواوين وأمهات الكتب الأدبية كما عنيت بالعلوم اللغوية واشتهر من لغوييها ابن البرّ الذى رحل إلى مصر وحمل منها كثيرا من دواوين الشعراء وأسس بها مدرسة لغوية خصبة، ومن أهم تلاميذه ابن مكى صاحب كتاب تثقيف اللسان، ونزلها ابن رشيق، وقاد فيها بكتابه العمدة فى صناعة الشعر ونقده حركة أدبية نقدية مثمرة. ونشطت بصقلية الدراسات الدينية ومن كبار قرائها فى القرن الرابع محمد بن خراسان، ومن كبار مفسريها ابن ظفر، ومن كبار محدثيها عتيق السمنطارى ومن فقهائها المهمين البراذعي
стр. 4608
ومحمد بن يونس التميمى وعبد الحق بن محمد القرشى. وظلت الحياة العلمية مطردة النمو فى عهد النورمان، وكانوا يهتمون خاصة بعلوم الأوائل، ويتكاثر فى عهدهم من ينعت بأنه رياضى أو فلكى أو طبيب، واستدعى روجّار الثانى الجغرافى العربى الإدريسى ليصنف له كتابا فى الجغرافيا، فألّف له كتابين جغرافيين: كبيرا وصغيرا وضمنهما بعض الخرائط، ورسم له خريطة كبرى للعالم على كرة ضخمة من الفضة، وكان أولى للإدريسى أن يقدم هذه الأعمال الجغرافية البديعة لحاكم عربى فى عصره لا لحاكم نورمانى. وتظل العلوم اللغوية والإسلامية ناشطة فى العهد النورمانى، غير أن علماء أعلاما كبارا بارحوا صقلية فرارا من الظلم النورمانى مثل ابن القطاع الصقلى نزيل القاهرة وإليها حمل عن أستاذه ابن البر معجم الصحاح للجوهرى، ومثل ابن الفحام أحد أئمة القراءات نزيل الإسكندرية، ومثل ابن ظفر مفسر القرآن الكريم نزيل حماة بالشام ومثل الإمام الفقيه والحافظ الكبير المازرى نزيل القيروان والمهدية.
ويزدهر الشعر بصقلية فى عهد بنى أبى الحسين الكلبيين: ويسجل لها ابن القطاع مائة وسبعين شاعرا فى كتابه: «الدرة الخطيرة فى المختار من شعراء لجزيرة»، غير أن الكتاب سقط من يد الزمن فلم يصلنا، ونقل عنه العماد فى الخريدة تراجم لسبعة وأربعين شاعرا، وأضاف إليهم البلنّوبى بن أبى البشر، كما أضاف إليهم اثنى عشر شاعرا من كتاب ابن بشرون المهدوى: «المختار من النظم والنثر لأفاضل أهل العصر». ونظم شعراء صقلية فى مختلف أغراض الشعر العربى، وعرضت ذلك مفصلا مع الترجمة فى كل غرض لأهم شعرائه، وقد ترجمت فى المديح لابن الخياط وفى الغزل للبلّنوبى وفى الفخر لأبى الحسن الطوبى وفى الوصف لأبى عبد الله بن الطوبى وفى الرثاء لمحمد بن عيسى ولغيرهم فى الزهد والوعظ وفى التفجع والحنين واللوعة ولابن حمديس وأشعاره الرائعة.
وتحدثت عن النثر وكتّابه بصقلية، ويدل تنويه كتب التراجم بما لكتابها من مقامات ورسائل على أنها حظيت فيهما بأعمال قيمة، غير أن الزمن أضاعها، واحتفظ ابن بشرون فى ترجمته لشعرائها ببعض رسائلهم الشخصية وعرضتها مع التعليق عليها، وترجمت لكاتبين من كتابها المبدعين هما ابن الصباغ وابن ظفر. وأضفت ملحقا عن زيارة ابن قلاقس الإسكندرى لصقلية وأشعاره هناك.
стр. 4609
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
١ - [الجزائر]
هذا الجزء الأخير من تاريخ الأدب العربى خاص بالجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا والسودان بدأته بالحديث عن الجزائر وجغرافيتها وتاريخها القديم أيام الفينقيين والرومان والوندال والبيزنطيين وولاتها أيام الدولتين الأموية والعباسية وتبعية القسم الشرقى منها لتونس أيام الدولة الأغلبية وتأسيس الخوارج الإباضيين للدولة الرستمية فى تاهرت، وأسس إدريس الحسنى دولة الأدراسة فى فاس، وقضت الدولة العبيدية على الدول الثلاث: الأدارسة والرستمية والأغلبية، واتخذت القيروان عاصمة لها ثم المهدية. ويتحول المعز العبيدى بتلك الدولة إلى القاهرة وتشتهر باسم الدولة الفاطمية وينيب عنه فى تونس والبلاد المغربية بلكين الصنهاجى، وجعلها وراثية فى أبنائه، وتتطور الظروف ويعلن المعز بن باديس حفيده استقلاله بالمغرب وتونس وإسقاط الدعوة العبيدية من بلاده، فيسلط عليه الخليفة الفاطمى المستنصر أعراب بنى هلال وبنى سليم النازلين بشرقى الصعيد، وكانوا نصف مليون أو يزيدون، فزحفوا على ليبيا وتونس، واستولوا على القيروان وغيرها من المدن، وأهلكوا الحرث والنسل. وكان حماد بن بلكين عم المعز بن باديس استقل فى بجاية شرقى الجزائر واستطاع أبناؤه أن يداوروا بنى هلال وتسلم لهم دولتهم إلى أن قضى عليها عبد المؤمن زعيم الموحدين، وأسس أحد ولاة دولته الدولة الحفصية فى تونس وشرقى الجزائر. وفى نفس التاريخ قامت دولة بنى عبد الواد أو بنى زيان فى تلمسان وغربى الجزائر، وتتدهور الدولتان منذ أوائل القرن العاشر الهجرى ويستولى الإسبان على مدن متعددة، فى الساحل الجزائرى، شرقية وغربية، ويغضب للجزائر بطلان تركيان من رجال البحر هما عروج وخير الدين. وتحرّر الساحل الجزائرى فيما عدا مدينتى المرسى الكبير ووهران، وتتحرر مدينة المرسى الكبير سريعا، وتبعت الجزائر الدولة العثمانيّة وظلت تابعة لها إلى أن احتلتها فرنسا سنة ١٢٤٦ هـ/١٨٣٠ م.
وتنزل الجزائر-مع أهلها من البربر-عناصر من أجناس آسيوية وإفريقية وأوربية: فينيقية. وقرطاجية ورومانية ويهودية وألمانية من الوندال وبيزنطية ثم حملة مشاعل الدين الحنيف من
стр. 4610
جنود العرب والشعوب الإسلامية التى انتظمت فى جيوشهم. وظل ينزلها فى المدن الساحلية بعض اليهود، وهاجر إليها جمهور السكان فى صقلية حين استولى عليها النورمان وكتلة كبيرة من مسلمى الأندلس حين استولى عليها نصارى الإسبان، وجلب إليها قراصنتها كثيرا من نصارى أوربا كما جلب إليها ولاتها العثمانيون حاميات من الانكشارية: ترك وغير ترك، وكل هذه العناصر ذابت فى الجزائر لما تمتاز به من قوة الشخصية.
وأساس المعيشة فى الجزائر زراعة القمح والشعير ورعى الأنعام، وتكثر بها أشجار النّقل والفواكه من كل صنف، كما تكثر الصناعات اليدوية وصناعة الحلى وأوانى الخزف والمنسوجات الكتانية والقطنية والصوفية والحريرية، ومعاصر الزيتون كانت منتشرة فى بلدان مختلفة، ومواد البناء كانت متوفرة، ولذلك كثرت إقامة المدن الجديدة، وكثر على السواحل صيد السمك والحيتان. وازدهرت التجارة واتسع الثراء وجرّ إلى رفه فى الملبس والمأكل والمسكن، حتى لنشعر إزاء تلمسان وبعض المدن أنها متحضرة حضارة حقيقية. ويتمم هذه الحضارة وما طوى فيها من رفه عناية الجزائريين بالموسيقى. وعرفت الجزائر الديانتين النصرانية واليهودية، ولا يكاد يمر نصف قرن-بعد الفتح-حتى يصبح شعبها إسلاميا عربيا، وكانوا سنية على مذهب مالك إلا ما كان من تاهرت وقيام دولة الإباضية فيها لنحو قرن ونصف. وتكاثر فى محيط تلك الدولة المعتزلة وحملوا السلاح ضد الإباضية ولم يكتب لهم النصر. ونشط المذهب الحنفى فى عهد العثمانيين، ولكن عامة الجزائريين ظلت مالكية إلى اليوم. وشاعت فى الجزائر نزعة صوفية، ونزلها بعض أصحاب التصوف الفلسفى الأندلسى وفى مقدمتهم أبو مدين شعيب، غير أن التصوف السنى هو الذى ساد فى الجزائر وانتشرت طريقتاه القادرية والشاذلية.
وكان أول من قام على الحركة العلمية بالجزائر الفاتحون الناشرون للإسلام، إذ كان الجندى الفاتح بمجرد أن يضع قدمه فى بلدة أو قبيلة يأخذ فى تحفيظ معتنقى الإسلام القرآن الكريم أو بعض سوره وبعض كلم العربية فى التخاطب وفروض الإسلام ونوافله. وأخذت الحركة العلمية فى الجزائر تنمو سريعا بفضل الكتاتيب والمساجد وما بها من حلقات الشيوخ حيث تلقى محاضرات فى مختلف العلوم الشرعية واللغوية. وزاد الحركة سرعة فى النمو تأسيس المدارس والزوايا وإنشاء المكتبات فيهما وفى المساجد، وكانت ترعى الحركة العلمية الدول التى نشأت فى الجزائر، الدولة الإباضية فى تاهرت ودولة بنى حماد فى بجاية وقلعتها ودولة بنى زيان أو بنى عبد الواد فى تلمسان، وكان من العوامل القوية فى نشاط الحركة العلمية بالجزائر نزوح الأندلسيين إليها بالآلاف فى القرن السابع الهجرى والحادى عشر. وعرضت علماءها الأعلام فى علوم الأوائل الرياضية والفلكية والطبية وفى الفلسفة وعلم المنطق، وبالمثل
стр. 4611
فى علوم اللغة والنجو والعروض والبلاغة، وفى علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام والتاريخ. ومع كل علم من عشرات هؤلاء الأعلام فى الميادين العلمية أهم كتبه، ومع كل علم ما يصور تطوره فى مختلف العصور،
وكانت اللاتينية منتشرة فى الساحل الشمالى للجزائر قبل الإسلام، وكان الشعب الجزائرى يتكلم البربرية لغة آبائه وقومه، وأخذت العربية تقهر اللغتين فى ألسنة البربر، لأنها لغة دينهم الحنيف، وبدون ريب تعربت المدن الكبيرة منذ القرن الثانى للهجرة، وخاصة المدن الشمالية أما فى الداخل والجبال فيظل يغلب على الناس التخاطب بالبربرية فى حياتهم اليومية. وأتمت الزحفة الأعرابية فى منتصف القرن الخامس الهجرى تعرب الجزائر، والمظنون أن لغة الأعراب الفصيحة أخذت تفسد منذ القرن السابع وأخذ ينشأ شعر شعبى على نحو ما نعرف فى قصة الهلالية، غير أن الشعر الفصيح ظل هو المسيطر، وله الكلمة العليا، وقد أخذ يكثر شعراؤه، وذكرت أعلامهم فى الدول والعصور المختلفة. ثم أخذت أفصّل الحديث عن شعراء المديح وأهمهم على مر الزمن والدول، وترجمت منهم لعبد الكريم النهشلى وعبد الله بن محمد التنوخى (قاضى ميلة) وابن خميس ومحمد بن يوسف القيسى الثغرى التلمسانى والشهاب بن الخلوف ومحمد القوجيلى. وعرضت شعراء الفخر، ومن أعلامه أبو حمو موسى الثانى، وبالمثل شعراء الهجاء، ومن كبار الهجائين بكر بن حماد التاهرتى وسعيد المنداسى، كما عرضت أصحاب الشعر التعليمى ومن أفذاذهم عبد الرحمن الأخضرى ناظم السلم المرونق فى علم المنطق. وتحدثت عن شعراء الغزل على مر العصور وترجمت لأهم أعلامه: محمد بن أحمد الأريسى وابن على، وعرضت شعراء وصف الطبيعة مع الترجمة لإبراهيم بن عبد الجبار الفجيجى التلمسانى وتحليل ملحمته فى الصيد. وتناولت شعراء الرثاء على مر الزمن، وترجمت لعلمه: محمد بن على بن حماد القلعى. وعرضت شعر الزهد والتصوف وترجمت لعلمين هما أبو العيش بن عبد الرحيم الخزرجى وإبراهيم التازى. وتحدثت عن شعراء المدائح النبوية على مر التاريخ الجزائرى، وترجمت لمحمد بن عبد الله العطار، وله ديوان فى المديح النبوى الشريف.
وتحدثت عن الخطب والوصايا فى عهد الدولة الرستمية وفى بجاية وتلمسان مع الإلمام بكتاب واسطة السلوك فى سياسة الملوك، وهو وصية كبيرة قدمها أبو حمو موسى الثانى لابنه: أبى تاشفين. وعرضت الرسائل الديوانية فى عهد الدولة الإباضية والدولة الحمادية ودولة بنى زيان أو بنى عبد الواد فى تلمسان، وبالمثل فى العهد العثمانى، كما عرضت الرسائل الشخصية، وحلّلت رسالة ابن الربيب المشهورة ملاحظا شيوع السجع فى الرسائل الشخصية حتى نهاية العهد العثمانى. ويكتب الأدباء مقامات أشبه برسائل أدبية يتناولون فيها بعض الموضوعات دون أى اهتمام بتقاليد مقامات الهمذانى والحريرى القائمة على الكدية والشحاذة الأدبية.
стр. 4612
وترجمت بعد ذلك لأعلام الكتاب الجزائريين، وهم أبو القاسم عبد الرحمن القالمى والوهرانى وأبو الفضل بن محشرة.
٢ - [المغرب الأقصى]
وانتقلت إلى المغرب الأقصى وتحدثت عن جغرافيته وتاريخه القديم زمن الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والقوط، وأتمّ العرب فتح المغرب الأقصى ونشر الإسلام به فى الأعوام السبعين المتممة للقرن الأول الهجرى وجنّد الولاة العظام حينئذ بعض الشباب المغربى فى الجيش العربى فأصبحوا رفقاء سلاح للعرب واختاروا منهم بعض الولاة والقواد، غير أن ولاة بنى أمية فى القرن الثانى الهجرى انحرفوا عن هذه السياسة التى يأمر الدين الحنيف باتباعها فى الشعوب الإسلامية الجديدة، فأذاقوا أهل المغرب خسفا وظلما، وانتهز الفرصة الصفرية من الخوارج وأرسلوا دعاتهم إلى المغرب الأقصى، وتبعهم كثيرون ونشبت حروب متعددة بين صفرية المغرب وولاة بنى أمية إلى أن قضبى على ثورتهم فى الشمال وانسحبوا إلى سجلماسة وقامت بها حكومة بنى مدرار الصفرية، وقضى عليها أمويو الأندلس. واستطاع إدريس سليل الحسن بن على بن أبى طالب أن يكوّن فى فاس دولة الأدارسة، وهى أول دولة إسلامية عربية فى المغرب الأقصى ونشرت به الإسلام والعلوم الإسلامية والعربية، وقضى عليها فى القرن الرابع الهجرى. وتظلّ دولة المرابطين المغرب الأقصى فى أواسط القرن الخامس الهجرى، وتحدث به نهضة علمية وأدبية، وتنقذ الأندلس من براثن نصارى الإسبان وتنشر الإسلام فى ربوع إفريقيا المدارية، وتخلفها دولة الموحدين محاولة أن تنشر لزعيمها ابن تومرت عقيدة متأثرة ببعض مبادئ الشيعة والمعتزلة، وتبلو هذه الدولة بلاء حسنا فى إنقاذ ساحل ليبيا وإفريقيا التونسية من النورمان والتنكيل بنصارى الإسبان فى غير موقعة وخاصة موقعة الأرك التى سحقوا فيها سحقا. وتخلفها دولة بنى مرين ولها دور عظيم فى منازلة نصارى الأندلس والدفاع عن غرناطة، غير أنها تخاذلت فى أواخر أيامها إزاء الاحتلال البرتغالي لبعض الموانى على المحيط والزقاق. ونوهت بشايين مغربيين قاوما البرتغاليين مقاومة عنيفة. وقاومهم الوطاسيون فرع من بنى مرين بقدر استطاعتهم، وخلفهم السعديون ومحقوا البرتغاليين محقا فى معركة وادى المخازن وقتل ملكهم وأخذوا ينسحبون من الموانى التى استولوا عليها. وقاومهم الصوفية ومن أهمهم أبو عبد الله محمد العياشى محرر العرائش وآزمور والجديدة وإن كانوا عادوا إليها بعده. وقامت الدولة العلوية ومن أهم حكامها إسماعيل محرر طنجة والعرائش وحفيده محمد بن عبد الله محرر الجديدة، ويعتلى عرش تلك الدولة الحسن بن محمد سنة ١٨٧٣ ويقود نهضة حضارية وفكرية، وفى رأينا أن عهده يعد بدء العصر الحديث فى المغرب الأقصى.
стр. 4613
وعناصر السكان فى المغرب الأقصى هم البربر سكانه منذ العصور السحيقة ومن استقر بديارهم من الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والقوط ثم العرب ومن انتظم فى جيوشهم من الشعوب الإسلامية الآسيوية والإفريقية، والأندلسيون المهاجرون إلى المغرب الأقصى فى عهد الحكم الربضى بالقرن الثانى الهجرى ومن هاجر بعدهم فى القرنين السابع الهجرى والحادى عشر، واليهود ومن نزل منهم بالمغرب فى عهد الفينيقيين والرومان والعهود الإسلامية، والنصارى وظلت منهم بقايا فى المغرب من الرومان والبيزنطيين، واتخذ المنصور الموحدى حرسا من الروم عداده خمسمائة، وجلب القراصنة من البحر المتوسط كثيرا من نصارى أوربا. وكان أهل المغرب الأقصى يعيشون على زراعة القمح والشعير والذرة والبقول والخضر ويكثر الصيد على سواحل البحر المتوسط والمحيط والبحيرات والأنهار كما يكثر صيد البر من الحيوانات الوحشية: النعام والوعول والبقر الوحشى، وتكثر أشجار الفواكه من جميع الأصناف والنخيل والنقل وأشجار النيلة للصباغة، وتكثر المعادن وخاصة الحديد، وصنعوا فى بنى يازعة «تلفريك» للعبور من ضفة نهر إلى أخرى، وتكثر مواد البناء مما هيأ لبناء بعض المدن والمنشآت العمرانية الكثيرة، وتكثر المنسوجات القطنية والصوفية والكتانية والحريرية. وكان بمراكش حديقة للحيوان الوحشى. وازدهرت التجارة ازدهارا عظيما وكثر ثراء الناس فى المدن الكبيرة والموانى، وكان بفاس مائة خمام ومائتا فندق، وعظم الرفه فى الملبس والمأكل ولعب التسلية وأقام سلاطين فاس مسرحا لصراع الرجال والثيران مع الأسود، وعنوا بالموسيقى عناية واسعة. وكانت المرأة فى المجتمع المغرب تحظى بمكانة عظيمة، وكانت كثيرات منهن عالمات وأدبيات وطبيبات، وكان لبعض فضلياتهن ندوات أسبوعية يلقين فيها الشعراء ويحاورنهم وينقدن بعض أشعارهم ويمنحنهم جوائز نفيسة، وكان منهن من تحاضر النساء فى الفقه كما يحاضر العلماء فيه الطلاب، وألممت بشيوع المذهب المالكى الفقهى. وفصلت القول فى عقيدتى الصفرية والمعتزلة اللتين انتشرتا فترة فى المغرب الأقصى وفى مذهب الظاهرية وازدهاره فى عصر دولة الموحدين، وألممت بحركتى الزهد والتصوف وانتشاره. وتناولت الحركة العلمية وكيف أن الفاتحين كانوا ناشرين للإسلام ومعلمين، وتحدثت عن دور العلم من الكتاتيب والمساجد والمدارس والزوايا والمكتبات وعن إنماء الدول المختلفة للحركة العلمية وما كان لنزول الأندلسيين فى المغرب الأقصى من عمل فى هذا الإنماء وبعث حركة تعليمية واسعة فيه. وعرضت علوم الأوائل وأعلامها فى الرياضيات والطب والفلسفة وعلم المنطق، وتحدثت عن أعلام علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة وبالمثل تحدثت عن أعلام علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام والتاريخ، ومع كل علم من هذه العلوم جميعا بيان واضح عن تطوره على مر العصور، ومع كل عالم أهم أعماله.
وكان المغرب الأقصى قد أخذ فى التعرب منذ دخول جماهيره فى الإسلام، وأسّست دولة
стр. 4614
الأدارسة فى فاس سنة ١٧٢ هـ/٧٨٩ م وكانت دولة عربية إسلامية، فعملت-بقوة-على تعريب المغرب الأقصى، وعنيت بفتح الكتاتيب فى المدن وتحفيظ الناشئة بها القرآن الكريم وأنشأت فى المساجد حلقات المفسرين والمحدثين والفقهاء ومن يعلمون الناس العربية، وبذلك رسخت العروبة ورسخ الإسلام فى المغرب الأقصى. وتحدث الهجرة الأعرابية الكبرى فى منتصف القرن الخامس الهجرى غير أن عشائر قليلة منها تسربت إلى المغرب الأقصى. ويدور الزمن، ويدخل المرابطون المغرب الأقصى ويطهرونه من الروافض ومن نحلة برغواطة الضالة وأخذ الأندلسيون فى عهد تلك الدولة يندمجون فى سكان المغرب الأقصى وكان لذلك أثره فى تعريبهم إذ كانت الأندلس عربية خالصة. وينقل عبد المؤمن إلى المغرب الأقصى ألفا من قبائل الأعراب فى الجزائر: من قبائل الأثبج وزغبة ورياح وقرة، امتزجوا بسكانه، وفى سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م استصرخ عبد المؤمن أعراب بجاية والجزائر للجهاد فى الأندلس ولبّاه كثيرون، ولنفس الغاية دعا ابنه يوسف قبيلة رياح فلباه حشد ضخم منهم، ونقل ابنه يعقوب بقايا قبائل الأثبج ورياح وجشم إلى المغرب الأقصى: أنزل قبيلة رياح منطقتى الهبط فى الشمال وأزغار فى الغرب وأنزل قبيلة جشم منطقة تامسنة فى الغرب والأثبج فى منطقى دكالة وتادلة، وانساج كثيرون من هؤلاء الأعراب فى ديار المغرب الأقصى، وبذلك كله تعرب المغرب الأقصى نهائيا.
ويكثر الشعراء منذ عصر الدولة الإدريسية ويتكاثرون كثرة مفرطة فى عصر دولة المرابطين وما تلاها من عصور، وعرضت أعلامهم المهمين فى كل تلك العصور وما كان بها من دول، وتحدثت عن شعراء الموشحات وتلمذة شعراء المغرب الأقصى لشعراء الأندلس فى فن التوشيح وظهور وشاحين مغاربة نابهين، وترجمت منهم لابن غرلة وابن الصباغ وابن زاكور، كما تحدثت عن شعراء الأزجال، وترجمت من بينهم لابن عمير وابن شجاع التازى. وعرضت شعراء المديح وترجمت من بينهم لابن زنباع وابن حبوس والجراوى وابن عبد المنّان والهوزالى وأحمد بن القاضى والدغوغى والبوعنانى، كما عرضت شعراء الفخر والهجاء وترجمت للشاذلى ولأصحاب الشعر التعليمى وترجمت لعبد العزيز الملزوزى وابن الونان. وتحدثت عن شعراء الغزل وترجمت لأبى الربيع الموحدى ولعمر السلمى، وبالمثل تحدثت عن شعراء الوصف وترجمت لعبد العزيز الفشتالى، وعرضت شعراء الرثاء وترجمت لابن شعيب الجزنائى وأبى على اليوسى الحسن بن مسعود، وشعراء الزهد والتصوف وترجمت لابن المحلى، وشعراء المدائح النبوية وترجمت لميمون بن خبازة ومالك بن المرحل.
وتركت الشعر إلى النثر وكتّابه، وبدأت بالخطب والمواعظ مع بيان أهم الخطباء والوعاظ، وتحدثت عن الرسائل الديوانية وأهم كتابها مع عرض بعض الرسائل فى مختلف العصور والدول، وبالمثل تحدثت عن الرسائل الشخصية وعن المقامات وأهم نماذجها وكتابها، وعرضت
стр. 4615
الرحلات المهمة وفى مقدمتها رحلة ابن رشيد ورحلة العبدرىّ ورحلة العياشى، وألممت برحلات أخرى مختلفة مثل رحلة الوزير الغسانى ورحلة محمد بن عثمان المكناسى ثم ترجمت لكبار الكتاب، وهم: القاضى عياض وأبو جعفر أحمد بن عطية وابن بطوطة ومحمد بن على الفشتالى ومحمد بن الطيب العلمى.
٣ - [موريتانيا]
وتحولت إلى موريتانيا فعرضت جغرافيتها وسكانها من قبائل صنهاجة الصحراوية ونفوذ الإسلام إليهم منذ عقبة بن نافع وقيام إمارة لهم فى أودغشت حتى منتصف القرن الرابع الهجرى ونزول الشيخ عبد الله بن ياسين بينهم وتسميته لهم باسم المرابطين ودفعه لهم للجهاد فى السودان الغربى وتطهير قائدهم أبى بكر بن عمر للمغرب الأقصى من دعوة الروافض ودعوة قبيلة برغواطة الضالة، ورجوعه إلى السودان المدارى لنشر الإسلام وتركه المغرب الأقصى لابن عمه يوسف بن تاشفين. وأنقذت دولة المرابطين أو دولة صنهاجة الموريتانية بقيادته الأندلس حين استصرخه أمراؤها ضد نصارى الإسبان. وضمّها إلى دولته. وبذلك يكون لصنهاجة موريتانيا ثلاثة أعمال كبرى: تطهير المغرب الأقصى من الدعوات الضالة وإنقاذ الأندلس من براثن نصارى الإسبان، ونشر الإسلام فى شعوب السودان بإفريقيا المدارية. ويبدو أن دولة المرابطين فى موريتانيا تفككت بعد وفاة البطل المغوار المجاهد أبى بكر بن عمر، وتتبع بعض مدنها غانة، ويفر بعض الفقهاء من عاصمتها كومبى صالح إلى مدينة ولاته حين غزتها قبيلة الصوصو، وبالمثل من تنبكتو حين غزتها مالى. ويمر بها جيش أحمد المنصور السعدى فى غزوة للسودان المدارى، وينقل إلى موريتانيا كثيرا من قبائل المعقل العربية: حسان وغيرها، ويكون لذلك تأثير واسع فى موريتانيا وتعريبها نهائيا، وتنشب بين قبائلها وعشائرها حروب متصلة ولا تقوم فيها حكومة منظمة حتى العصر الحديث.
وكان سكان موريتانيا يتألفون من قبائل صنهاجة وعبيدها، ونزلها كثيرون من قبائل المعقل العربية وخاصة قبائل حسان والبرابيش وأوداية، ويعيش السكان على زراعة الشعير والدخن والقمح ورعى الأنعام متنقلين بها وراء الكلأ، ومن أهم ما يزرعون النخيل ليقتاتوا بتمورها، وأهل المدن والزروع أحسن حالا من أهل المراعى. ولهم مع أهل السودان المدارى تجارة واسعة بالملح ويبيعونه لهم بأثمان مرتفعة، ذهل لها ابن بطوطة فى رحلته إلى السودان الغربى فى إفريقيا وكأنه لم يكن يعرف مدى حاجتهم إليه بسبب الحرارة القاسية فى ديارهم، وأنه هو الشئ الوحيد الذى يحفظ الماء فى الجسم فلا يتبخّر سريعا. وتلى تجارة الملح فى الأهمية تجارة الصمغ. وليس لهم نقود، وإذا لم يكن معهم ملح أو صمغ يشترون بهما ما يريدون قدموا
стр. 4616
للبائع الثمن أغناما. وصناعاتهم أولية، ومعيشتهم بدوية، ولهم سادة وشيوخ وقد تعيّن القرية أو البلدة قاضيا، والزواج شرعىّ مالكى، والصداق والجهاز بحسب العرف.
ولم يدخل الإسلام بلدا إلا رافقه التعليم والعلم، إذ كان المسلمون لا ينزلون بلدا أو يفتحونه إلا أقاموا فيه مسجدا وأخذوا يدعون للإسلام ويحفظون الناس القرآن وينشئون لهم الكتاتيب، وتتحول الناشئة بعد حفظ القرآن إلى حلقات العلماء فى المساجد يدرسون عليهم شيئا من تفسير القرآن الكريم والحديث النبوى والفقه كما يدرسون عليهم العربية، وكل ذلك حدث فى موريتانيا مثلها فى ذلك مثل بقية البيئات الإسلامية، وقد تحول أهلها إلى مجاهدين فى سبيل الله ينشرون الدين الحنيف ويعلمونه فى السودان الغربى. وكانت تلك حركة دينية تعليمية كبرى لصنهاجة فى القرن الخامس الهجرى وبعده، وحاولت أن أتعرف إلى علماء موريتانيا قبل القرن العاشر الهجرى الذى استكملت فيه تعريبها بفضل قبائل المعقل العربية: حسان وغيرها، وكانت النساء هن اللائى يقمن على تحفيظ الصبية القرآن الكريم إلى الثانية عشرة من عمرهن، وبعد هذه الدورة فى الكتاتيب ينتقلون إلى حلقات الشيوخ. والبلدان تختلف فيما يدرسه الصبى بعد ذلك مباشرة فبلاد تبدأ بالفقه وكتبه، وبلاد تبدأ بالعربية ودواوين الشعر والعقيدة الأشعرية. ولم تكن هناك حكومة تنفق على التعليم، فكان العلماء مثل الطلاب يعملون لكسب عيشهم. وذكرت أهم الكتب التى كانوا يتدارسونها فى مختلف العلوم والآداب، وعرضت أعلام العلماء فى قراءة القرآن الكريم وتفسيره وفى الحديث النبوى والفقه وفى العربية وعلم الكلام.
وتحدثت عن تعرب موريتانيا وأنه بدأ بطيئا، وأخذ فى النمو مع حركة الشيخ عبد الله ياسين ويبدو أن ولاته سبقت غيرها من المدن إلى هذا التعرب بفضل ما قام بها من حركة علمية غير أن الكثرة فى موريتانيا-وربما أيضا فى ولاته-كانت تستخدم اللغة البربرية فى حياتها اليومية حتى إذا انتشرت القبائل الحسانية وأخواتها من قبائل المعقل العربية تم تعربها ولكنها لم تنطق العربية، إنما نطقت العامية العربية التى كانت شائعة على ألسنة عرب المعقل. وأخذت فى استعراض شعراء الموضوعات المختلفة، وبدأت بشعراء المديح، وترجمت لابن رازكه ومحمد اليدالى الديمانى وحرم بن عبد الجليل العلوى، وعرضت شعراء الفخر والهجاء، وترجمت للمختار بن بون ومحمد بن سيدىّ الأيبيرى، وبالمثل شعراء الرثاء، وترجمت لباب بن أحمد بيب العلوى. وتحدثت عن شعراء الغزل، وترجمت للأحول الحسنى ومحمد بن الطلبة اليعقوبى ويقوى الفاضلى، كما تحدثت عن شعراء التصوف وترجمت للمختار الكنتى والشيخ سيديّا، وعن شعراء المدائح النبوية، وترجمت لمولود بن أحمد الجواد اليعقوبى ولمحمد بن محمد العلوى ومحمد بن حنبل الحسنى، وبالمثل تحدثت عن الشعراء والشعر التعليمى ومنظوماتهم العلمية.
стр. 4617
٤ - [السودان]
ومضيت إلى السودان وتحدثت عن جغرافيته وتاريخه القديم وعلاقته بمصر الفرعونية منذ عهد الأسرة الأولى، وكانت أراضى السودان فى حوض النيل تسمى أرض النوبة، وبها تكونت ثلاث دول: نوبية شمالية ووسطى باسم مقرة وجنوبية تحت الخرطوم باسم علوة، وتنصرت هذه الدول معتنقة المذهب اليعقوبى المصرى. وفى سنة ٣١ هـ/٦٥٢ م أرسل إلى النوبة عبد الله بن سعد بن أبى سرح والى مصر لعثمان حملة توغلت حتى دنقلة. وأخذت تنزل إقليم البجّة شرقى السودان قبائل وعشائر عربية سيطرت على معدن الذهب بوادى العلاقى الممتد من أسوان إلى ميناء عيذاب، وتغلغل المسلمون فى أرض النوبة لعهد الفاطميين حتى علوة فى الجنوب. وتنشب حروب بين النوبة والمماليك وتقوم فى دنقلة أول دولة إسلامية سنة ٧١٦ هـ/١٣١٧ م وتأخذ المسيحية فى التضاؤل بإقليمها وإقليم علوة. وكان انتشار الإسلام فى غربى السودان أسرع منه فى بلاد النوبة، نشره هناك تجار الكانم والبرنو وكتلة ضخمة من قبيلة زواوة البربرية وعرب الشاوية، وتكونت فى إقليمى وادان ودارفور مملكة إسلامية منذ القرن الخامس الهجرى. وتقوم دولة الفونج الإسلامية فى سنار أوائل القرن العاشر الهجرى/السادس عشر الميلادى لمدة ثلاثة قرون، وتتخذ العربية لغة رسمية لها وتحدث فى البلاد نهضة علمية وأدبية وتضعف فى أواخر أيامها. ويفتح محمد على السودان سنة ١٨٢٠ م ويضم إليه مينائى مصوّع وسواكن على البحر الأحمر، وأهم من خلفه الخديوى إسماعيل، وينشئ خمس مدارس فى العواصم الكبرى ويشرك السودانيين فى الحكم ويستولى على مرتفعات إريتريا، وأخطأ بتعيينه صموئيل بيكر ثم غردون الإنجليزيين حاكمين لإقليم منطقة البحيرات فى أعالى النيل. ويقوم المهدى بحركته الدينية الإصلاحية ويدين له السودان بجميع أرجائه، ويخرج منه الجيش المصرى، ويتوفى المهدى سريعا ويخلفه عبد الله التعايشى وينتصر على الحبشة مرارا، ويمد المصريون خطا حديديا من وادى حلفا إلى أبى حمد ليساعد جيشهم فى تحركاته ضد التعايشى، وكان يقوده كتشنر الإنجليزى، وانتصر على جيش التعايشى نصرا حاسما فى أم درمان، وتوفى التعايشى وقام فى البلاد الحكم الثنائى المصرى الإنجليزى فى أول سنة ١٨٩٩ للميلاد، وبمقتضى وثيقة سياسية جمعت مقاليد الحكم فى السودان لحاكم إنجليزى كان أشبه بحاكم مستقل، ووضعت للسودان نظم جديدة للشئون المالية والإدارية والتعليم والقضاء والمصالح الحكومية، وأنشئت كلية غردون حتى إذا كانت سنة ١٩٢٤ للميلاد قامت فى السودان ثورة ضخمة تعد بدءا لعصره الحديث.
ولا نصل إلى القرن العاشر الهجرى حتى يصبح السودان بلدا إسلاميا، وإن بقيت بعض جيوب مسيحية ووثنية، وفسحت دول الفونج الإسلامية للتصوف والصوفية وانتشرت الطريقتان القادرية والشاذلية وعمت النزعة الصوفية فى جميع أرجاء السودان. وكانت للمرأة السودانية
стр. 4618
مكانة مهمة اجتماعية وروحية، فكانت تحضر دروس العلماء وحلقات الصوفية وتنتظم بين مريديهم وتنشد أحيانا فى حلقات الذكر. وكان بعض الصوفية يتشدد فى العهد الذى يلزم به أتباعه كعهد أحمد ود مريم الذى يدل على ما أتاح التصوف لأهل السودان من تربية خلقية قويمة. وشجع محمد على الطرق الصوفية المصرية على أن ترسل بعض دعاتها إلى السودان. وأرسل الشيخ أحمد بن إدريس الصوفى المكى أحد دعاته إلى السودان وهو محمد عثمان الأمير غنى، فنشر طريقته من وادى حلفا إلى دنقلة وفى كردفان. ونزلت السودان طرق صوفية كالطريقة السمانية، وهى فرع من القادرية. وظهر المهدى بطريقة جديدة دعا فيها إلى ستة مبادئ هى: الزهد، والعمل بالشريعة المحمدية، والأخذ بالبساطة فى الحياة ومتاعها، ونبذ جميع الطرق الصوفية، ونبذ كتب النحل الدينية وكتب فقهاء المذاهب الأربعة، والهجرة إلى مراكز دعوته. وظلت هذه المبادئ حية فى عهد خليفته التعايشى وانتهت الدعوة بوفاته. وعادت الطرق الصوفية إلى نشاطها القديم.
وكانت الناشئة فى السودان تحفظ القرآن الكريم فى الكتاتيب والخلوات، وتنتقل بعد ذلك إلى دراسة العلوم بالمساجد والزوايا على شيوخ بلغت حلقات بعضهم ألف طالب أو تزيد، وظلت الحركة العلمية فى عهد دولة الفونج نشيطة بل مزدهرة وأرّخ لها ود ضيف الله فى كتابه الطبقات، وفيه ترجم لنحو مائتين من أعلام الشريعة والعربية والتصوف، وأفاض فى ذكر من درسوا من علماء السودان فى الأزهر والمدينة بالحجاز كما أفاض فى ذكر علماء الأزهر الذين رحلوا إلى السودان لتعليم أبنائه شريعة الإسلام وعلوم العربية والكلام والأصول والمنطق. ولما فتح محمد على السودان شجّع علماء الأزهر على الهجرة إليه، ويقال إنه شجّع بعض الطلاب السودانيين على الالتحاق بمدرسة المبتديان، وأنشأ الجامع العتيق بالخرطوم ليكون معهدا دينيا كبيرا على غرار الأزهر، وأنشأ خليفته وحفيده عباس الأول مدرسة بالخرطوم جعل ناظرها رفاعة الطهطاوى، وأغلق المدرسة سعيد خليفته، غير أن إسماعيل أمر بإنشاء خمس مدارس فى عواصم المديريات ومدرسة سادسة فى مدينة سواكن. ووقف المهدى هذا النشاط التعليمى حتى إذا قام الحكم الثنائى المصرى الإنجليزى عاد وازداد إذ أنشئت كلية غردون وكثرت المدارس الحكومية وغير الحكومية وأنشئت مدارس أولية ووسطى فنية، وأنشئت مدرسة للبنات ثم أربع أخرى، وتعددت مدارس الإرساليات الدينية، وأنشئ معهد دينى فى أم درمان، ونما التعرف على الثقافة الغربية الحديثة وتعلم اللغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية، وأنشئ ناد للخريجين تبارى فيه الخطباء، ينادون بالإصلاح الاجتماعى والسياسى.
وكان أول نزول للعرب المسلمين بالسودان فى حملة وجّه بها عبد الله بن سعد بن أبى سرح والى الخليفة عثمان على مصر، وتوغلت الحملة-كما ذكرنا-حتى دنقلة وأخذ كثير من قبائل
стр. 4619
العرب وعشائرها ينزل بين قبائل البجّة فى شرقى السودان واسلمت منها قبيلة الحدارب كما ذكر ذلك المسعودى فى القرن الرابع الهجرى، وظل الإسلام-ومعه العربية-ينتشر فى قبائل البجّة ببطء، وبالمثل فى بلاد النوبة. أما فى الغرب فكان التعرب سريعا بفضل الكتلة الضخمة من قبائل زواوة البربرية وشاوة العربية النازلة فى دارفور بالقرن الخامس الهجرى. ونشرت دولة الفونج العربية فى ربوعها، وبالمثل مملكة تقلى فى جبال النوبا وسلطنة دارفور وفى كردفان. ولا نصل إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادى حتى يكون السودان تعرّب ما عدا بعض الجبال الشاهقة فى أقصى الغرب ومنطقة الغابة فى الجنوب وقبيلة الأمرأر البجاوية. وعرضت شعراء المديح وترجمت للشيخ حسين زهراء والشيخ محمد عمر البناء، وشعراء الفخر والحماسة وترجمت للشيخ يحيى السلاوى السودانى ولعثمان هاشم، كما عرضت شعراء رثاء الأفراد وترجمت للشيخ محمد سعيد العباسى وبالمثل شعراء رثاء المدن. وتحدثت عن شعراء الغزل وترجمت للشيخ أبى القاسم أحمد هاشم، وعن شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن، وترجمت للشيخ عبد الله البناء وصالح عبد القادر، وعرضت شعراء التصوف وشعراء المدائح النبوية، وترجمت للشيخ عمر الأزهرى والشيخ عبد الله الرحمن. ولم أؤرخ للنثر الأدبى السودانى قبل العصر الحديث إذ تكثر فيه الألفاظ العامية فى عصر الفونج، وكتبت بعض رسائل فصيحة فى القرن التاسع عشر، ولكنها من القلة بحيث لا تتيح لباحث دراسة خصبة فيها. وقد تأخرت نهضة النثر السودانى حتى عصر السودان الحديث إذ نشأت فيه المقالة الأدبية والأقصوصة والقصة والمسرحية.
ومصادر ومراجع كثيرة قديمة وحديثة أفدت منها فوائد شتى فى تأليف هذا الجزء، وخاصة ما كتبه الأعلام المعاصرون فى كل بلدة من البلدان عن الحياة الأدبية فيه، إذ كان لى منارات تهدينى الطريق. وبذلك انتهت هذه السلسلة المستوعبة بأجزائها العشرة دراسة تاريخ الأدب العربى وأعلامه من الشعراء والكتاب قبل العصر الحديث، وعنيت بأن أعرض لكل أديب روائع أدبه. وذكرت بجانب ذلك أعلام الفلسفة والعلوم المتنوعة من علوم الأوائل والعلوم الإسلامية وعلوم العربية والتاريخ فى كل بلد عربى على مر الزمن. وبذلك تحمل هذه الموسوعة تاريخ الأمة العربية الأدبى والفلسفى والعلمى والحضارى قبل العصر الحديث، مبتغيا بذلك خدمة العروبة والإسلام، والله ولى الهدى والتوفيق.
القاهرة فى أول سبتمبر سنة ١٩٩٥ م
شوقى ضيف
стр. 4620
القسم الأول
الجزائر
стр. 4621
الفصل الأوّل
الجغرافية والتاريخ
١ -
الجغرافية (١)
تتوسط الجزائر فى الشمال الإفريقى بين المغرب الأدنى: تونس شرقا والمغرب الأقصى: مراكش غربا، ولذلك سماها جغرافيو العرب المغرب الأوسط. ويحدها شمالا البحر المتوسط ويمتد عليه ساحلها نحو ١٢٠٠ كيلو مترا، وهو ساحل صخرى حجرى، ولذلك تقل عليه- بل تنعدم-الخلجان العريضة، وعلى منعطفات فيه أو خلجان صغيرة نشأت موانى الجزائر، وأهمها من الشرق إلى الغرب عنابة (بونة قديما) فإسكيكدة، فجيجل، فبجاية، فدلس، فالجزائر (المدينة) فشرشال، فتنس، فأزرو، فوهران، فالمرسى الكبير.
وتلى الساحل من الشرق إلى الغرب جبال أيدوغ المشرفة على عنابة، ثم زكار والظهرة بين مدينة الجزائر وميناء أزرو، ثم الطرارة إلى الغرب. وجنوبى تلك الجبال تمتد من الشرق إلى الغرب سلسلة جبال الأطلس التلّى بادئة بجبال مجردة، فجبال البابور، فجبال الجرجرة شمالا والبيبان جنوبا، فجبال تيطرى وشماليها جبال مدينة البليدة، ثم جبال الونشريش، فجبال سعيدة، فجبال الضاية، فجبال تلمسان. وتكتظ مناطق تلك الجبال بسهول واسعة وعيون ونهيرات وبعض أنهار، مما جعلها أوسع مناطق الجزائر عمرانا، وإذا كان ساحل الجزائر يتميز بكثرة حدائقه وبساتينه فإن تلك المناطق التلية تتميز بغاباتها وزروعها وأشجارها المثمرة ومن أهم مدنها قالمة وقسنطينة فى الشرق، ومليانة جنوبى شرشال وتلمسان فى الغرب.
وتمتد جنوب هذا الأطلس التلى هضبة كبيرة، وهى قفار واسعة ينبت بها شجر الحلفا وعشب كثير فى الربيع فتؤمها قطعان الأغنام والماشية من الجنوب للرعى حتى اقتراب زمن الشتاء، فتنسحب إلى ديارها ومواطنها جنوبا. وتطوّق الهضبة سلسلة جبال الأطلس الصحراوى، ومن أهم أجزائها شرقا جبال أوراس، وإلى الشمال من تلك الجبال جبال
стр. 4622
الحضنة، وأنشأ فى أحد سهولها الخليفة الفاطمى المهدى مدينة المسيلة (المحمدية قديما) وشرقى سهلها خرائب مدينة طبنة عاصمة الزاب أيام الدولة الأغلبية التونسية، وإلى الجنوب من المسيلة قلعة بنى حماد عاصمة دولتهم. وإذا مضينا بعد جبال الأوراس غربا فى سلسلة جبال الأطلس الصحراوية لقيتنا جبال الجلفة، فجبال عمور، فجبال القصور. وجبال هذه السلسلة أعلى وأضخم من جبال الأطلس التلّى وكثير منها جبال جرداء.
وإذا انحدرنا من هذه الجبال نحو الجنوب لقيتنا الصحراء الكبرى، ويسمى القسم الشرقى منها أرض تقرت، وبه واحات متناثرة تكتظ بالنخيل وببعض الأشجار المثمرة، وإلى الغرب من هذه القسم الصحراوى الشرقى أرض ميزاب وعاصمتها غرداية، وهى أكثر جدبا من القسم الشرقى، وإليها هاجر الإباضيون حين دالت دولتهم فى تاهرت، وقد حفروا بها آلاف الآبار، وأحالوا بقاعا منها كثيرة إلى واحات غنية بالنخيل والحدائق والبساتين، وبذلك بثوا فيها غير قليل من الحياة والحضارة والعمران.
والأمطار تبدأ فى الجزائر منذ شهر أكتوبر وتغزر فى شهر يناير بالمنطقة الساحلية ومنطقة الأطلس التلّى، وتأخذ فى القلة بالهضبة الوسطى بين سلسلتى جبال الأطلس التلية والصحراوية، وتكاد تنعدم فى أكثر أجزاء الأطلس الصحراوى وجنوبيه فى الصحراء الكبرى. ولقلة الأمطار داخل الجزائر لم تتكون بها أنهار كبيرة، إنما تكونت غالبا نهيرات ومجار للمياه قصيرة، وهى جميعا لا تجرى إلا فى الشتاء فصل الأمطار، ومنها ما يتجه إلى البحر المتوسط، وقد تتجه إلى البحيرات المالحة فى الهضبة أو إلى الصحراء حيث تغيب فى طبقات الرمال. وأهم أنهارها مجردة فى الشرق، وينبع من الجبال المتاخمة لإقليم الزاب، وهو كثير المنعرجات فى مجراه الجبلى، ويخترق شرقى الجزائر متجها إلى الديار التونسية حتى مصبه بالقرب من قرطاجة فى البحر المتوسط، ويعد نهرا تونسيا أكثر من جزائريا لمسيرته الطويلة فى الديار التونسية. وأطول أنهار الجزائر الداخلية نهر شلف وينبع من جبال عمور فى الأطلس الصحراوى، ويتجه إلى الشمال، وترفده نهيرات كثيرة، ويخترق منطقة الأطلس التلّى، ويتجه شرقا ثم يغير اتجاهه إلى الشمال، وعند مدينة مليانة جنوبى شرشال يتجه إلى الغرب حتى مدينة مستغانم ويصب فى خليج أزرو. ووراء هذين النهرين الكبيرين نهيرات كثيرة أو أنهار ومجار صغيرة منها نهير سيبوز النابع من الجبال المتاخمة لقسطنطينية ويصب فى البحر المتوسط بالقرب من عنابة، ونهير العروش ومصبه بالقرب من إسكيكدة، ونهير الرمل أو الوادى الكبير ويرفده بومرزوق المخترق لقسطنطينية ويصب شرقىّ جيجل، ونهير الصمام ومصبه بالقرب من بجاية، ونهير حميز ومصبه فى خليج مدينة الجزائر، ونهير الحراش ويخترق سهول المتيجة ومصبه قريب من مدينة الجزائر إلى غير ذلك من نهيرات، كلها غير صالحة للملاحة. والنهيرات الداخلية، منها
стр. 4623
نهير جدى الذى يمر بمدينة الأغواط ويصب فى بحيرة ميغليغ، ونهير ميا ومصبه سبخة ورقلة إلى غير ذلك من نهيرات داخلية، وتتجه إلى الصحراء الكبرى نهيرات كثيرة، تغيب فى الرمال ومنها تنبع فى الصحراء الآبار الفوارة الارتوازية.
ووراء الموانى على الساحل سهول تعد لنمو أشجار النارنج والليمون والفواكه، وفى الأطلس التلى سهول واسعة متقطعة، تزرع بها الحبوب والغروس، وأكثر سكان الجزائر يعيشون من خيراتها. وتتسع السهول جنوبى عنابة ومدينة الجزائر وفى تلمسان، وتزرع الحبوب فى وديان الأطلس التلّى، ومن أهم مناطق زراعتها شرقى الهضبة بين ذراعى الأطلس التلّى والأطلس الصحراوى، وبالمثل منطقة وهران والقسم الغربى من الجزائر. ولاختلاف الطقس فى الجزائر تلقاك على جبالها وسفوحها أشجار مختلفات، ففى السفوح النخيل، وفوقها أشجار الفواكه من مثل التين والخوخ، وفى أعلاها أشجار الزيتون والنقل. وتشغل الغابات مساحات شتى فى الأطلس التلّى وجبال أوراس الصحراوية، وعليها جميعا فى أماكن مختلفة تتراءى أشجار القرو والأرز والصنوبر وخاصة فى جبال الأوراس والونشريس. ويكثر النخيل فى الواحات ومعه بعض الفواكه وخاصة فى بسكرة. وفى الهضبة بين ذراعى الجبال التلية والأطلسية الصحراوية بحيرات عدة، من أهمها بحيرة الحضنة.
والطقس على الساحل الجزائرى معتدل مثل سواحل البحر المتوسط عامة، والسهول الداخلية وراء وهران حارّة جافّة. وجبال الأطلس التلى معتدلة صيفا باردة. شتاء، والثلوج تتوج الجبال أحيانا فى الشتاء، وتتجمد المياه فى قسنطينة نحو شهرين كل عام. ومناخ الهضبة بين ذراعى الجبال التلّية والصحراوية قارّى، شديد البرد شتاء شديد الحر صيفا. ومناخ جبال الأطلس الصحراوية والنواحى الجنوبية المنحدرة منها والمترامية فى الصحراء شديدة البرد شتاء، وتشتد الحرارة فى الصحراء بالصيف شدة لا تطاق.
٢ -
التاريخ (١) القديم
يتوغل تاريخ الجزائر فى العصور القديمة السحيقة إلى آماد بعيدة، ويأخذ هذا التاريخ فى الجلاء والوضوح مع ارتياد الفينيقيين الشاميين لسواحل إفريقيا فى القرن العاشر قبل الميلاد وقبله وبعده بحثا عن مواقع تصلح لرسو سفنهم التجارية ونزولهم بها لتبادل سلع التجارة مع
стр. 4624
السكان. وكانوا شعبا ملاحيا متحضرا عريقا يحترف التجارة، ومضوا طويلا يتعرّفون على المواقع التى تلائمهم فى سواحل إفريقيا، وبمرور الزمن ودوراته المتعاقبة أقاموا مدينة قرطاجة بالقرب من مدينة تونس الحالية، ونزلت فيها منهم جالية فينيقية كبيرة، وأداهم البحث عن أماكن صالحة مماثلة فى شمالى الجزائر لتبادل السلع مع السكان إلى موقعين مهمين هما بونة (عنابة الحالية) وجيجل، وأضافوا إليهما-فيما بعد-مواقع أو مدنا جديدة هى إسكيكدة وبجاية وشرشال، واتخذوا من سكانها جميعا إدارات تدين لهم بالولاء، واختلطوا بهم وبثوا فيهم حضارتهم الفينيقية، ونقلوا إليهم-كما نقلوا إلى قرطاجة وإقليمها-من ديارهم الأصلية فى الشام أشجارا متنوعة من الفاكهة والنقل، وعلّموا كثيرين من أهل الجزائر لغتهم وما استحدثوه من حروف الكتابة الفينيقية التى نشروها فى العالم القديم.
ولما نشبت الحرب بين قرطاجة وروما وظلت طويلا من سنة ٢٦٤ حتى سنة ١٤٦ قبل الميلاد استطاعت روما أن تستميل سكان الجزائر وملكهم ماصينصا، حتى إذا علت كفّتهم فى الحرب وتغلبوا نهائيا على القرطاجيين فرضوا على الجزائر وماصينصا ملكها الولاء لهم، ورضخ إلى أن قضى نحبه، وخلفه ابن أخته يوغورطة وكان بطلا مغوارا، فأنف من التبعية للرومان ونازلهم مرارا، غير أن صهره ملك موريتانيا خانه وسلمه إليهم سنة ١٠٦ قبل الميلاد. وحكم بعده ملوك أو أمراء جزائريون كانوا يعدون موظفين رومانيين أكثر منهم حكاما جزائريين، ومن أهمهم يوبا الأول وابنه يوبا الثانى الذى نشأ فى روما حتى أصبح كأنه مواطن رومانى، وجعلوه ملكا على نوميديا أخذا من اسم كان يطلقه الجزائريون على القسم الشرقى من ديارهم أو لعله اشتق من لفظة نوماد الإغريقية وتعنى الرعاة الرحل، واتخذ شرشال عاصمة له، وضموا إليه-فيما بعد-موريتانيا الشرقية والغربية من وهران فى غربى الجزائر إلى أقصى بلاد المغرب على المحيط الأطلسى، ولم يلبث الرومان بعده أن ضمّوها إلى إمبراطوريتهم، وأخذوا يولون عليها حكاما رومانيين تابعين لروما أو لحاكم قرطاجة الكبير. وتوغلوا فى ديارها جنوبا، يدل على ذلك أكبر الدلالة ما أسسوه من مدن فى الداخل إلى مسافات بعيدة عن الساحل مثل تبسة الواقعة على بعد ١٥٠ ميلا جنوبى جيجل وبها أطلال لمبنى كان يقوم على أعمدة رخامية، ويقول الحسن الوزان: على تلك الأعمدة كتابات لاتينية، وكان اسمها الرومانى نيفسته، وفى شماليها الشرقى واحة بسكرة، واسمها الرومانى فيسيكرا وهى قرية جزائرية عتيقة. وجنوبى بسكرة نفطة وبها آثار وأطلال رومانية، وإلى الجنوب من جيجل فى الداخل قسنطينة وكان اسمها أيام الفينيقيين سرتا، وكانت بها أسرة سيفاكس التى أسست لها مملكة فى الجزائر، ومنها انحدر ماصينصا الذى وضع يده فى يد الرومان-كما أسلفنا-للقضاء على القرطاجيين، وخرّبت سرتا فى بعض ثورات الجزائريين على الرومان، وأعاد الرومان بناءها فى عهد الإمبراطور قسطنطين (٣٠٦ - ٣٣٧ م). وسموها قسطنطينة وسماها العرب قسنطينة،
стр. 4625
والأطلال والآثار الرومانية كثيرة فى مدن الجزائر الداخلية. وأرهق الرومان الجزائريين طوال حكمهم بصور شتّى من العسف والظلم والضرائب الفادحة مع نهب طيبات الأرض من الحبوب والزيتون. ولما اعتنقت روما الديانة المسيحية واتخذتها دينها الرسمى أخذت فى نشرها بإمبراطوريتها والجزائر، وساعد على انتشارها فيها الجاليات والأسر الرومانية التى استوطنت المدن الجزائرية، فبنيت الكنائس والأسقفيات فى غير مدينة لا فى المدن الساحلية فحسب، بل أيضا فى المدن الداخلية مثل قالمة جنوبى عنابة (بونة قديما) وبها آثار رومانية، ومثل بسكرة وكان بها أسقفية، واشتهر فى تلك المدن بعض القديسيين مثل أو غسطين قديس بونة فى القرن الرابع الميلادى، ويعدّ بمواعظه ومؤلفاته من أكبر آباء الكنيسة ووعاظها البارعين. ومع نهاية العقد الثالث للقرن الخامس الميلادى تكتسح البلاد موجات الوندال التى قضت على الدولة الرومانية الغربية، وتظل نحو مائة عام تخرب فى الجزائر وتدمر كل ما أسسه بها الفينيقيون والرومان من منشئات العمران والحضارة إلى أن خلصتها منهم الدولة البيزنطية سنة ٥٣٤ للميلاد على يد القائد البيزنطى المشهور بليزير، وأصبحت الجزائر-من حينئذ-تابعة لتلك الدولة، ولم تحاول أن تنشر بها لغتها اليونانية على نحو ما نشر بها الرومان لغتهم اللاتينية وظلت هى المسيطرة فى البلاد طوال العهد البيزنطى. وكان عهدهم لا يقل عسفا وظلما عن عهد الوندال ومن قبلهم الرومان، وكانوا يحكمون الجزائر بولاة تابعين لحاكم قرطاجة الكبير الملقب بالبطريق، وكان اسمه بأخرة من عهدهم جريجوريوس، وسماه العرب جرجير، وحين رأى ضعف الدولة البيزنطية واستيلاء العرب منها على أكبر درّتين فى تاجها: الشأم ومصر صمّم على الاستقلال عنها بما تحت يده من إفريقية التونسية والجزائر وقامت خصومة عنيفة بينه وبين الدولة البيزنطية وخلع طاعتها وضرب الدنانير باسمه.
٣ -
الفتح والولاة-الأغالبة-الإباضية-تلمسان
(أ) الفتح (١) والولاة
بينما جريحوريوس غارق فى حلمه بتكوين دولة له مستقلة فى البلاد المغربية إذا عمرو بن العاص والى مصر لعمر بن الخطاب يقدم على رأس جيش عربى مجاهد فى سبيل الله لتعقب الروم فى برقة وديار المغرب تأمينا لحدود مصر فى أواخر سنة ٢١ للهجرة، وسرعان ما يستولى على برقة وزويلة حاضرة فزان سنة ٢٢ هـ/٦٤٢ م وبعد أن رتب شئون الحكم فيهما تقدم غربا