الفصل الأوّل
الجغرافية والتاريخ
١ -
الجغرافية (١)
تتوسط الجزائر فى الشمال الإفريقى بين المغرب الأدنى: تونس شرقا والمغرب الأقصى: مراكش غربا، ولذلك سماها جغرافيو العرب المغرب الأوسط. ويحدها شمالا البحر المتوسط ويمتد عليه ساحلها نحو ١٢٠٠ كيلو مترا، وهو ساحل صخرى حجرى، ولذلك تقل عليه- بل تنعدم-الخلجان العريضة، وعلى منعطفات فيه أو خلجان صغيرة نشأت موانى الجزائر، وأهمها من الشرق إلى الغرب عنابة (بونة قديما) فإسكيكدة، فجيجل، فبجاية، فدلس، فالجزائر (المدينة) فشرشال، فتنس، فأزرو، فوهران، فالمرسى الكبير.
وتلى الساحل من الشرق إلى الغرب جبال أيدوغ المشرفة على عنابة، ثم زكار والظهرة بين مدينة الجزائر وميناء أزرو، ثم الطرارة إلى الغرب. وجنوبى تلك الجبال تمتد من الشرق إلى الغرب سلسلة جبال الأطلس التلّى بادئة بجبال مجردة، فجبال البابور، فجبال الجرجرة شمالا والبيبان جنوبا، فجبال تيطرى وشماليها جبال مدينة البليدة، ثم جبال الونشريش، فجبال سعيدة، فجبال الضاية، فجبال تلمسان. وتكتظ مناطق تلك الجبال بسهول واسعة وعيون ونهيرات وبعض أنهار، مما جعلها أوسع مناطق الجزائر عمرانا، وإذا كان ساحل الجزائر يتميز بكثرة حدائقه وبساتينه فإن تلك المناطق التلية تتميز بغاباتها وزروعها وأشجارها المثمرة ومن أهم مدنها قالمة وقسنطينة فى الشرق، ومليانة جنوبى شرشال وتلمسان فى الغرب.
وتمتد جنوب هذا الأطلس التلى هضبة كبيرة، وهى قفار واسعة ينبت بها شجر الحلفا وعشب كثير فى الربيع فتؤمها قطعان الأغنام والماشية من الجنوب للرعى حتى اقتراب زمن الشتاء، فتنسحب إلى ديارها ومواطنها جنوبا. وتطوّق الهضبة سلسلة جبال الأطلس الصحراوى، ومن أهم أجزائها شرقا جبال أوراس، وإلى الشمال من تلك الجبال جبال
стр. 4622
الحضنة، وأنشأ فى أحد سهولها الخليفة الفاطمى المهدى مدينة المسيلة (المحمدية قديما) وشرقى سهلها خرائب مدينة طبنة عاصمة الزاب أيام الدولة الأغلبية التونسية، وإلى الجنوب من المسيلة قلعة بنى حماد عاصمة دولتهم. وإذا مضينا بعد جبال الأوراس غربا فى سلسلة جبال الأطلس الصحراوية لقيتنا جبال الجلفة، فجبال عمور، فجبال القصور. وجبال هذه السلسلة أعلى وأضخم من جبال الأطلس التلّى وكثير منها جبال جرداء.
وإذا انحدرنا من هذه الجبال نحو الجنوب لقيتنا الصحراء الكبرى، ويسمى القسم الشرقى منها أرض تقرت، وبه واحات متناثرة تكتظ بالنخيل وببعض الأشجار المثمرة، وإلى الغرب من هذه القسم الصحراوى الشرقى أرض ميزاب وعاصمتها غرداية، وهى أكثر جدبا من القسم الشرقى، وإليها هاجر الإباضيون حين دالت دولتهم فى تاهرت، وقد حفروا بها آلاف الآبار، وأحالوا بقاعا منها كثيرة إلى واحات غنية بالنخيل والحدائق والبساتين، وبذلك بثوا فيها غير قليل من الحياة والحضارة والعمران.
والأمطار تبدأ فى الجزائر منذ شهر أكتوبر وتغزر فى شهر يناير بالمنطقة الساحلية ومنطقة الأطلس التلّى، وتأخذ فى القلة بالهضبة الوسطى بين سلسلتى جبال الأطلس التلية والصحراوية، وتكاد تنعدم فى أكثر أجزاء الأطلس الصحراوى وجنوبيه فى الصحراء الكبرى. ولقلة الأمطار داخل الجزائر لم تتكون بها أنهار كبيرة، إنما تكونت غالبا نهيرات ومجار للمياه قصيرة، وهى جميعا لا تجرى إلا فى الشتاء فصل الأمطار، ومنها ما يتجه إلى البحر المتوسط، وقد تتجه إلى البحيرات المالحة فى الهضبة أو إلى الصحراء حيث تغيب فى طبقات الرمال. وأهم أنهارها مجردة فى الشرق، وينبع من الجبال المتاخمة لإقليم الزاب، وهو كثير المنعرجات فى مجراه الجبلى، ويخترق شرقى الجزائر متجها إلى الديار التونسية حتى مصبه بالقرب من قرطاجة فى البحر المتوسط، ويعد نهرا تونسيا أكثر من جزائريا لمسيرته الطويلة فى الديار التونسية. وأطول أنهار الجزائر الداخلية نهر شلف وينبع من جبال عمور فى الأطلس الصحراوى، ويتجه إلى الشمال، وترفده نهيرات كثيرة، ويخترق منطقة الأطلس التلّى، ويتجه شرقا ثم يغير اتجاهه إلى الشمال، وعند مدينة مليانة جنوبى شرشال يتجه إلى الغرب حتى مدينة مستغانم ويصب فى خليج أزرو. ووراء هذين النهرين الكبيرين نهيرات كثيرة أو أنهار ومجار صغيرة منها نهير سيبوز النابع من الجبال المتاخمة لقسطنطينية ويصب فى البحر المتوسط بالقرب من عنابة، ونهير العروش ومصبه بالقرب من إسكيكدة، ونهير الرمل أو الوادى الكبير ويرفده بومرزوق المخترق لقسطنطينية ويصب شرقىّ جيجل، ونهير الصمام ومصبه بالقرب من بجاية، ونهير حميز ومصبه فى خليج مدينة الجزائر، ونهير الحراش ويخترق سهول المتيجة ومصبه قريب من مدينة الجزائر إلى غير ذلك من نهيرات، كلها غير صالحة للملاحة. والنهيرات الداخلية، منها
стр. 4623
نهير جدى الذى يمر بمدينة الأغواط ويصب فى بحيرة ميغليغ، ونهير ميا ومصبه سبخة ورقلة إلى غير ذلك من نهيرات داخلية، وتتجه إلى الصحراء الكبرى نهيرات كثيرة، تغيب فى الرمال ومنها تنبع فى الصحراء الآبار الفوارة الارتوازية.
ووراء الموانى على الساحل سهول تعد لنمو أشجار النارنج والليمون والفواكه، وفى الأطلس التلى سهول واسعة متقطعة، تزرع بها الحبوب والغروس، وأكثر سكان الجزائر يعيشون من خيراتها. وتتسع السهول جنوبى عنابة ومدينة الجزائر وفى تلمسان، وتزرع الحبوب فى وديان الأطلس التلّى، ومن أهم مناطق زراعتها شرقى الهضبة بين ذراعى الأطلس التلّى والأطلس الصحراوى، وبالمثل منطقة وهران والقسم الغربى من الجزائر. ولاختلاف الطقس فى الجزائر تلقاك على جبالها وسفوحها أشجار مختلفات، ففى السفوح النخيل، وفوقها أشجار الفواكه من مثل التين والخوخ، وفى أعلاها أشجار الزيتون والنقل. وتشغل الغابات مساحات شتى فى الأطلس التلّى وجبال أوراس الصحراوية، وعليها جميعا فى أماكن مختلفة تتراءى أشجار القرو والأرز والصنوبر وخاصة فى جبال الأوراس والونشريس. ويكثر النخيل فى الواحات ومعه بعض الفواكه وخاصة فى بسكرة. وفى الهضبة بين ذراعى الجبال التلية والأطلسية الصحراوية بحيرات عدة، من أهمها بحيرة الحضنة.
والطقس على الساحل الجزائرى معتدل مثل سواحل البحر المتوسط عامة، والسهول الداخلية وراء وهران حارّة جافّة. وجبال الأطلس التلى معتدلة صيفا باردة. شتاء، والثلوج تتوج الجبال أحيانا فى الشتاء، وتتجمد المياه فى قسنطينة نحو شهرين كل عام. ومناخ الهضبة بين ذراعى الجبال التلّية والصحراوية قارّى، شديد البرد شتاء شديد الحر صيفا. ومناخ جبال الأطلس الصحراوية والنواحى الجنوبية المنحدرة منها والمترامية فى الصحراء شديدة البرد شتاء، وتشتد الحرارة فى الصحراء بالصيف شدة لا تطاق.
٢ -
التاريخ (١) القديم
يتوغل تاريخ الجزائر فى العصور القديمة السحيقة إلى آماد بعيدة، ويأخذ هذا التاريخ فى الجلاء والوضوح مع ارتياد الفينيقيين الشاميين لسواحل إفريقيا فى القرن العاشر قبل الميلاد وقبله وبعده بحثا عن مواقع تصلح لرسو سفنهم التجارية ونزولهم بها لتبادل سلع التجارة مع
стр. 4624
السكان. وكانوا شعبا ملاحيا متحضرا عريقا يحترف التجارة، ومضوا طويلا يتعرّفون على المواقع التى تلائمهم فى سواحل إفريقيا، وبمرور الزمن ودوراته المتعاقبة أقاموا مدينة قرطاجة بالقرب من مدينة تونس الحالية، ونزلت فيها منهم جالية فينيقية كبيرة، وأداهم البحث عن أماكن صالحة مماثلة فى شمالى الجزائر لتبادل السلع مع السكان إلى موقعين مهمين هما بونة (عنابة الحالية) وجيجل، وأضافوا إليهما-فيما بعد-مواقع أو مدنا جديدة هى إسكيكدة وبجاية وشرشال، واتخذوا من سكانها جميعا إدارات تدين لهم بالولاء، واختلطوا بهم وبثوا فيهم حضارتهم الفينيقية، ونقلوا إليهم-كما نقلوا إلى قرطاجة وإقليمها-من ديارهم الأصلية فى الشام أشجارا متنوعة من الفاكهة والنقل، وعلّموا كثيرين من أهل الجزائر لغتهم وما استحدثوه من حروف الكتابة الفينيقية التى نشروها فى العالم القديم.
ولما نشبت الحرب بين قرطاجة وروما وظلت طويلا من سنة ٢٦٤ حتى سنة ١٤٦ قبل الميلاد استطاعت روما أن تستميل سكان الجزائر وملكهم ماصينصا، حتى إذا علت كفّتهم فى الحرب وتغلبوا نهائيا على القرطاجيين فرضوا على الجزائر وماصينصا ملكها الولاء لهم، ورضخ إلى أن قضى نحبه، وخلفه ابن أخته يوغورطة وكان بطلا مغوارا، فأنف من التبعية للرومان ونازلهم مرارا، غير أن صهره ملك موريتانيا خانه وسلمه إليهم سنة ١٠٦ قبل الميلاد. وحكم بعده ملوك أو أمراء جزائريون كانوا يعدون موظفين رومانيين أكثر منهم حكاما جزائريين، ومن أهمهم يوبا الأول وابنه يوبا الثانى الذى نشأ فى روما حتى أصبح كأنه مواطن رومانى، وجعلوه ملكا على نوميديا أخذا من اسم كان يطلقه الجزائريون على القسم الشرقى من ديارهم أو لعله اشتق من لفظة نوماد الإغريقية وتعنى الرعاة الرحل، واتخذ شرشال عاصمة له، وضموا إليه-فيما بعد-موريتانيا الشرقية والغربية من وهران فى غربى الجزائر إلى أقصى بلاد المغرب على المحيط الأطلسى، ولم يلبث الرومان بعده أن ضمّوها إلى إمبراطوريتهم، وأخذوا يولون عليها حكاما رومانيين تابعين لروما أو لحاكم قرطاجة الكبير. وتوغلوا فى ديارها جنوبا، يدل على ذلك أكبر الدلالة ما أسسوه من مدن فى الداخل إلى مسافات بعيدة عن الساحل مثل تبسة الواقعة على بعد ١٥٠ ميلا جنوبى جيجل وبها أطلال لمبنى كان يقوم على أعمدة رخامية، ويقول الحسن الوزان: على تلك الأعمدة كتابات لاتينية، وكان اسمها الرومانى نيفسته، وفى شماليها الشرقى واحة بسكرة، واسمها الرومانى فيسيكرا وهى قرية جزائرية عتيقة. وجنوبى بسكرة نفطة وبها آثار وأطلال رومانية، وإلى الجنوب من جيجل فى الداخل قسنطينة وكان اسمها أيام الفينيقيين سرتا، وكانت بها أسرة سيفاكس التى أسست لها مملكة فى الجزائر، ومنها انحدر ماصينصا الذى وضع يده فى يد الرومان-كما أسلفنا-للقضاء على القرطاجيين، وخرّبت سرتا فى بعض ثورات الجزائريين على الرومان، وأعاد الرومان بناءها فى عهد الإمبراطور قسطنطين (٣٠٦ - ٣٣٧ م). وسموها قسطنطينة وسماها العرب قسنطينة،
стр. 4625
والأطلال والآثار الرومانية كثيرة فى مدن الجزائر الداخلية. وأرهق الرومان الجزائريين طوال حكمهم بصور شتّى من العسف والظلم والضرائب الفادحة مع نهب طيبات الأرض من الحبوب والزيتون. ولما اعتنقت روما الديانة المسيحية واتخذتها دينها الرسمى أخذت فى نشرها بإمبراطوريتها والجزائر، وساعد على انتشارها فيها الجاليات والأسر الرومانية التى استوطنت المدن الجزائرية، فبنيت الكنائس والأسقفيات فى غير مدينة لا فى المدن الساحلية فحسب، بل أيضا فى المدن الداخلية مثل قالمة جنوبى عنابة (بونة قديما) وبها آثار رومانية، ومثل بسكرة وكان بها أسقفية، واشتهر فى تلك المدن بعض القديسيين مثل أو غسطين قديس بونة فى القرن الرابع الميلادى، ويعدّ بمواعظه ومؤلفاته من أكبر آباء الكنيسة ووعاظها البارعين. ومع نهاية العقد الثالث للقرن الخامس الميلادى تكتسح البلاد موجات الوندال التى قضت على الدولة الرومانية الغربية، وتظل نحو مائة عام تخرب فى الجزائر وتدمر كل ما أسسه بها الفينيقيون والرومان من منشئات العمران والحضارة إلى أن خلصتها منهم الدولة البيزنطية سنة ٥٣٤ للميلاد على يد القائد البيزنطى المشهور بليزير، وأصبحت الجزائر-من حينئذ-تابعة لتلك الدولة، ولم تحاول أن تنشر بها لغتها اليونانية على نحو ما نشر بها الرومان لغتهم اللاتينية وظلت هى المسيطرة فى البلاد طوال العهد البيزنطى. وكان عهدهم لا يقل عسفا وظلما عن عهد الوندال ومن قبلهم الرومان، وكانوا يحكمون الجزائر بولاة تابعين لحاكم قرطاجة الكبير الملقب بالبطريق، وكان اسمه بأخرة من عهدهم جريجوريوس، وسماه العرب جرجير، وحين رأى ضعف الدولة البيزنطية واستيلاء العرب منها على أكبر درّتين فى تاجها: الشأم ومصر صمّم على الاستقلال عنها بما تحت يده من إفريقية التونسية والجزائر وقامت خصومة عنيفة بينه وبين الدولة البيزنطية وخلع طاعتها وضرب الدنانير باسمه.
٣ -
الفتح والولاة-الأغالبة-الإباضية-تلمسان
(أ) الفتح (١) والولاة
بينما جريحوريوس غارق فى حلمه بتكوين دولة له مستقلة فى البلاد المغربية إذا عمرو بن العاص والى مصر لعمر بن الخطاب يقدم على رأس جيش عربى مجاهد فى سبيل الله لتعقب الروم فى برقة وديار المغرب تأمينا لحدود مصر فى أواخر سنة ٢١ للهجرة، وسرعان ما يستولى على برقة وزويلة حاضرة فزان سنة ٢٢ هـ/٦٤٢ م وبعد أن رتب شئون الحكم فيهما تقدم غربا
стр. 4626
ففتح طرابلس سنة ٢٣ هـ/٦٤٣ م. ويعود عمرو إلى مصر ويتوفى الخليفة عمر ويخلفه عثمان فيولى على مصر عبد الله بن سعد بن أبى سرح ويستأذن عثمان فى غزو إفريقية التونسية، واذن له، وانضم إلى جيشه بعض أبناء كبار الصحابة، ودق الجيش أبواب إفريقية التونسية سنة ٢٧ هـ/٦٤٧ م واستولى على مدينة قابس. وكان جريجوريوس قد عرف أن العرب لا بد أن يغزوا دياره وكان قد ترك عاصمته قرطاجة واحتمى بحصن أنشأه الروم فى الداخل جنوبى القيروان يسمى سبيطلة خوفا من أن يهاجمه بقرطاجة أسطول الروم، وجمع إليه جيشا ضخما من الروم وغيرهم استعدادا لمنازلة العرب وسرعان ما أداروا معه معركة حامية، ودارت عليه وعلى جيشه الدوائر وقتل فى المعركة، قتله عبد الله بن الزبير، وكانت معركة حاسمة، قضت على الروم فى إفريقية التونسية وفتحت بلدانها أبوابها للجيش العربى إلا ما كان من قرطاجة فقد ظلت بها حامية رومية، ورجع ابن أبى سرح إلى مصر وترك عليها نافع بن عبد القيس الفهرى، ويولى عليها عثمان سنة ٣٤ للهجرة معاوية بن حديج، ويبدو أنه عاد منها أيام فتنة عثمان، وأعاده إليها معاوية بن أبى سفيان، فنازل الروم فى بنزرت وركبوا البحر فارّين، وولاها بعده معاوية عقبة بن نافع سنة ٥٠ هـ/٦٧١ م وكان قد شهد فتح برقة وطرابلس وقابس والديار التونسية، وكان قائدا حربيّا ممتازا بعيد النظر، فرأى أن يتخذ لجيشه العربى مدينة تكون مستقرا له ودارا لا يبرحها، وأخذ توا فى بناء مدينة القيروان أى المعسكر وأتمها سنة ٥٥ هـ /٦٧٦ م وبنى بها المسجد الجامع ودار الإمارة ودورا لقواده وجنوده، وبنى حولها سورا منيعا، وأصبحت عاصمة للمغرب. غير أنه لم يلبث أن عزل وولى المغرب بعده أو بعبارة أدق إفريقية التونسية أبو المهاجر، وصمم على فتح نوميديا أو القسم الشرقى من الجزائر، وتقدم فيه بجيشه حتى بجاية، وواصل سيره إلى موريتانيا الشرقية حتى تلمسان، وهو ينشر الإسلام، وسكان الجزائر يقبلون عليه.
ومضى يتغلغل فيها وكانت الزعامة بها حينئذ لقبيلة أوربة ورئيسها كسيلة، وكان قد جمع الجموع من البربر والروم، والتقى به أبو المهاجر فى تلمسان ودارت بينهما معركة حامية الوطيس انهزم فيها جيش كسيلة، ووقع فى الأسر، فعامله أبو المهاجر معاملة كريمة جعلته يعتنق الإسلام، وأخذت أفواج من قبيلته الكبيرة تدخل فيه. وعزل أبو المهاجر سنة ٦٢ هـ/٦٨٣ م وتولّى مكانه عقبة بن نافع، وكان قائدا حربيا باسلا، غير أنه لم يكن سيوسا، فأساء إلى كسيلة مما جعله يصرّ على الانتقام منه، واستخلف عقبة على القيروان زهير بن قيس البلوى وخرج إلى الجهاد فى سبيل الله، فاقتحم بلاد الزاب فى وسط الجزائر يحالفه النصر، ومضى يفتح بقية الجزائر والمغرب الأقصى حتى طنجة قاعدته، وفتح السوس الأدنى والأقصى واتجه إلى المحيط فبلّ قوائم فرسه منه، ونادى ربه قائلا: «اللهم إنّي أشهدك أنى وصلت براية الإسلام إلى آخر المعمورة حتى لا يعبد أحد سواك» وفى عودته رصده كسيلة وقومه، حتى
стр. 4627
إذا تقدم جيشه وبقى فى جمع قليل حاصره واستشهد البطل المغوار هو ومن معه سنة ٦٣ هـ. ومضى كسيلة بجموعه حتى استولى على القيروان ونصب نفسه ملكا على البلاد، وتراجع زهير بن قيس إلى برقة منتظرا لمدد ضخم، وكان قد توفى يزيد بن معاوية واضطربت الأمور حتى إذا أصبح زمام الخلافة بيد عبد الملك بن مروان أرسل إليه جيشا وولاه على المغرب سنة ٦٩ هـ/٦٩٠ م وواقع كسيلة، وأنزل الله نصره عليه وعلى المسلمين وقتل فى الواقعة كسيلة المرتد الباغى الأثيم. ورأى زهير بعد هذا النصر العظيم أن يعود إلى المشرق، وبينما هو فى نفر قليل من أصحابه عند برقة-وقيل عند طرابلس-إذ هو يرى بعض سفن للروم وهم يسوقون أمامهم بعض المسلمين فنازلهم وكتبت له عند ربه الشهادة.
وفى سنة ٧١ يرسل عبد الملك بن مروان إلى المغرب حسان بن النعمان أحد ولاة القيروان العظام فى القرن الأول الهجرى ورأى فى بدء حكمه بثاقب بصيرته أن البلاد لن تهدأ ما دامت قرطاجة لم تستسلم وما دامت بها الجالية الرومية الكبيرة التى تنزلها، والتى تتجسس منها لحساب بيزنطة والتى تعيث وتفسد فى البلاد موغرة صدور البربر على العرب بكل وسيلة، فحاصرها وافتتحها وفرّت كثرة الروم إلى البحر المتوسط وما وراءه، وهدم أسوارها حتى لا يتجمعوا فيها مختبئين مرة ثانية، وطهّر ميناء بنزرت وشمال إفريقية التونسية من الروم، وفرض الجزية على من بقى على دينه المسيحى منهم ومن البربر. ومنذ أوائل عهده اشتعلت فتنة كبرى بقبيلة جراوة من قبائل زنانة بجبال أوراس فى الجزائر بزعامة كاهنة هناك، ونازلها بجيش جرار قرب باغاية شمالى جبال الأوراس وانهزم المسلمون وطاردتهم حتى قابس، ومكث بمدينة سرت فى ليبيا خمس سنوات ينتظر المدد من الخليفة عبد الملك، وجاءه مدد ضخم سنة ٨٠ واشتبك مع الكاهنة فى حرب ضروس بجبال الأوراس، حتى كانت الموقعة الفاصلة فانهزمت الكاهنة مع جيشها، وولّت وجهها نحو تبسّه هاربة ولحقتها كتيبة فتكت بها، واستأمن إليه من بقى من جيشها على الإسلام فأمّنهم وأمّن سكان أوراس الجزائريين جميعا على أن يكون منهم اثنا عشر ألفا مجاهدين معه، فأجابوا وأسلموا وحسن إسلامهم وولّى أكبر أبناء الكاهنة على قومه من جراوة وعلى جبل أوراس، وأكرمهم وأكرم أبناء الكاهنة، فملك قلوب الجزائريين وساد الأمن والهدوء. وكان حسان سيوسا، فنظم البلاد تنظيما إداريا وماليّا محكما إذ دوّن الدواوين: ديوان الجند وديوان الخراج وديوان الرسائل. وأصلح القنوات للرىّ، وأقام لإفريقية التونسية ميناء جديدا ليكون قاعدة لأسطول لها يحمى السواحل من غزوات الروم، مما جعله ينشئ مدينة تونس، ويلحق بها دار صناعة كبرى، وسرعان ما أنشأ أسطولا ضخما وضرب للبلاد سكة جديدة.
وخلفه موسى بن نصير سنة ٨٦ فعمل على استكمال نشر الإسلام فى ربوع المغرب، وأرسل حملات إلى أنحاء كثيرة ثم قام بحملته الكبرى فاكتسح بلاد المغرب حتى طنجة وإقليم
стр. 4628
السوس، وولى على طنجة طارق بن زياد مولاه البربرى. وكان يترك فى النواحى التى لم يتم إسلامها من يعلمون أهلها فرائض الإسلام ويحفظونهم القرآن الكريم، وأسلم كثير من البربر فى أيامه. وأتم التنظيم الإدارى لبلدان المغرب، فقسمه إلى ولايات ولكل ولاية قاعدتها وحاكمها، فالمغرب الأقصى عاصمته طنجة، وغربى المغرب الأوسط (الجزائر) عاصمته تلمسان، وشرقى المغرب الأوسط (إفريقية التونسية ونوميديا الجزائرية وطرابلس) عاصمته القيروان، وجعل لبلاد السوس جنوبى المغرب الأقصى ولاية مستقلة عاصمتها سجلماسة، وجعل إقليم برقة ولاية مستقلة عاصمته برقة. وقام بعمل عظيم مع مولاه طارق والى طنجة إذ فتحا إسبانيا ونشرا الإسلام بها فى إقليمها الجنوبى والأوسط المسمى-فيما بعد-باسم الأندلس، وهو شرف للبطلين لا يماثله شرف.
وعزل الخليفة سليمان بن عبد الملك قصير النظر موسى بن نصير. ويعد عهد موسى بن نصير نهاية الفتح العربى للربوع المغربية ونشر الإسلام فى جميع أرجائها. وقد خلفه محمد بن يزيد مولى قريش سنة ٩٧ للهجرة وكان حسن السيرة-كما يقول الرقيق القيروانى-عادلا رفيقا كل الرفق بالرعية. ويصبح عمر بن عبد العزيز خليفة المسلمين سنة ٩٩ فيصلح أداة الحكم فى الدولة، ويرسل إلى إفريقية والقيروان بعثة من عشرة فقهاء ليعملوا على نشر الدين الحنيف فى الديار المغربية واختار أحدهم وهو إسماعيل بن عبيد الله حفيد أبى المهاجر والى القيروان بين فترتى عقبة بن نافع الذى فتح المغرب الأقصى ونشر به الدين الحنيف، وكان الحفيد مثل جده تقوى وسياسة حكيمة، فأصلح الجباية بالمغرب وسوّى فيها-كما أمر عمر بن عبد العزيز- بين البربر والعرب، وعمل بقوة-مع زملائه الفقهاء التسعة الذين أرسلهم معه عمر-على نشر الدين الحنيف فى المغرب، ودخله منهم أفواج لا تكاد تحصى. وتوفى الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز سنة ١٠١ للهجرة، وخلفه يزيد بن عبد الملك، فعاد ولاته إلى الخسف والظلم فى جمع الضرائب والأموال من الولايات المغربية، وقد اختار للمغرب يزيد بن أبى مسلم صاحب شرطة الحجاج سنة ١٠٢ فساس المغرب بسياسة الحجاج الغاشمة التى قامت على التفرقة بين العرب والموالى المسلمين فى العراق، غير ملاحظ أن أهل المغرب من البربر انتظموا فى سلك الجيوش التى أتمت فتح المغربين الأوسط والأقصى وأنهم كانوا الأكثرية فى الجيش الذى فتح إيبيريا وأدخل الشطر الأعظم منها فى الدين الحنيف، وبذلك أصبحوا- بالقياس إلى العرب-رفقاء سلاح وجهاد، ولم يلبث البربر أن أجمعوا على قتله، فقتلوه سنة ١٠٣ للهجرة، وكان ذلك درسا ليزيد بن عبد الملك، فولّى على المغرب فى نفس السنة بشر ابن صفوان الكلبى، وكان رءوفا بالرعية، وأرسل حملة من العرب وإخوانهم البربر لغزو صقلية سنة ١٠٧ وعادت الحملة بغنائم وفيرة، وتوفى سنة ١٠٩ للهجرة، فولّى هشام بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن السلمى سنة ١١٠ وأخذ البربر بالرفق والمعاملة الحسنة، وأرسلت
стр. 4629
حملة إلى صقلية وعادت فى ريح عاصفة فغرقت كثرة منها. وتولّى بعده عبيد الله بن الحبحاب سنة ١١٤ للهجرة، فأعاد بناء جامع الزيتونة بتونس الذى بناه حسان، ولم يلبث أن أساء السيرة هو وعماله فى جميع أنحاء المغرب، إذ تشددوا فى جمع الخراج وجباية الأموال من البربر، ورفضوا-فى إصرار غريب-التسوية بين العرب والبربر فى الشئون المالية كما تقضى بذلك شريعة الإسلام، وبلغ من تهور عامل طنجة عمر بن عبيد الله المرادى وسفهه أن أعلن أنه عازم على تخميس أراضى البربر زاعما زعما آثما أنها فيء للعرب وغنائم حرب لهم.
وكان طبيعيا أن يثور البربر على هذه السياسة الغاشمة الظالمة، وكان دعاة الخوارج صفريّة وإباضيّة قد أخذوا ينشرون فى المغرب مبادئهم التى تحتّم التسوية بين العرب والموالى المسلمين فى جميع الشئون المالية وفى الخلافة فهى حق لجميع المسلمين بحيث يتولاها أكفأهم جميعا عربا وموالى. واعتنق البربر فى جبل نفوسة بليبيا العقيدة الإباضية المعتدلة التى لا يكفّر أصحابها إخوانهم المسلمين ولا يقاتلونهم إلا إذا بادروهم بالقتال، بينما اعتنق المغرب الأقصى عقيدة الصّفريّة الذين يكفّرون غيرهم من المسلمين ويوجبون على أنفسهم حربهم، وتزعّم الدعوة لتلك العقيدة بالقرب من طنجة على المحيط بربرى من قبيلة مضغرة البتريّة يدعى ميسرة، وبايعه البربر واتخذوه إماما لهم، وكوّن منهم جيشا ضخما احتلّ به طنجة سنة ١٢٢ هـ/٧٣٦ م وقتل عاملها الغشوم عمر بن عبيد الله المرادى. ولم يلبث أن هزم فى بعض معاركه مع جيوش ابن الحبحاب فظن به بعض أنصاره الخيانة فقتلوه، وولت الصفرية فى المغرب الأقصى عليها خالد بن حميد الزناتى سنة ١٢٣ إماما لها وقائدا، وأخذ يعدّ العدة للقاء جيش ابن الحبحاب، والتقى به فى الجزائر على نهر شلف شمالى تيهرت، ونشبت بين الطرفين معركة عنيفة كان النصر به فى الجزائر على نهر شلف شمالى تيهرت، ونشبت بين الطرفين معركة عنيفة كان النصر فيها حليف الصفرية وقتل فيها كثيرون من أشراف العرب، ولذلك سمّيت معركة الأشراف. ويعزل هشام بن عبد الملك ابن الحبحاب، ويولّى المغرب كلثوم بن عياض القشيرى وشدّ أزره بابن أخيه بلج بن بشر، ويقدمان إلى المغرب الأقصى فى جيش ضخم، ويديران مع خالد بن حميد إمام الصفرية جنوبى طنجة معركة ضارية، ويهزمان ويتوفّى كلثوم، فينسحب بلج ببقية جيشه إلى مدينة سبتة، وتحاصره الصفرية فيها وتشدد الحصار ويضطر إلى العبور بجيشه إلى الأندلس، ويثور البربر فى المغرب بجميع دياره. ويولى هشام عليه حنظلة بن صفوان سنة ١٢٤ هـ/٧٤١ م وأمدّه بجيش جرّار. وعرف أن قائدين صفريين هما عكاشة بن محصن الفزارى وعبد الواحد بن يزيد الهوارى حشدا جموع الصفرية فى الزاب بالجزائر لحربه، واتفقا أن يسيرا فى طريقين لمهاجمة القيروان: عبد الواحد من الشمال وعكاشة من الجنوب، وعلم حنظلة بخطتهما فأسرع بلقاء عكاشة ومزّق جيشه، وأخذ يستعد فى القيروان لمنازلة عبد الواحد، واستثار الفقهاء لحربه، فانضموا إلى جيشه ووزّع عليهم السلاح، وبرزت النساء مع الجيش حاملات السلاح وامتلأ الجيش حمية، ودارت المعركة فسحق جيش عبد الواحد
стр. 4630
وحملت رأسه إلى حنظلة فخرّ لله ساجدا. وقتل الوليد بن يزيد الخليفة الأموى سنة ١٢٦ فأحسّ عبد الرحمن بن حبيب حفيد عقبة بدنوّ أجل الدولة الأموية فأعلن الثورة سنة ١٢٧ هـ/٧٤٤ م وكان حنظلة تقيا فكره أن يتقاتل المسلمون وعاد إلى المشرق. ولما أصبح صولجان الخلافة بيد مروان بن محمد سنة ١٢٩ هـ/٧٤٦ م أقر ولاية عبد الرحمن بن حبيب على المغرب درءا للفتن هناك، ولأنه أعلم من غيره بشئونها إذ هى داره ودار جده عقبة بن نافع، وثارت الإباضية بطرابلس سنة ١٣٠ بقيادة عبد الله بن مسعود التجيبى وأخمد الثورة، وبايع الإباضية هناك الحارث بن تليد بالإمامة واتخذ عبد الجبار بن قيس المرادى وزيرا له ومستشارا، وأدارا الحرب مع جيوش عبد الرحمن واغتيلا سنة ١٣٢ هـ/٧٤٩ م. وفى نفس السنة تحولت الخلافة إلى العباسيين فأقروا عبد الرحمن بن حبيب فى ولايته، وسمع بتجمع للصفرية بتلمسان فى الجزائر سنة ١٣٥ ففاجأهم وكتب له النصر عليهم. وأرسل حملة إلى صقلية رجعت بكثير من الغنائم، واستولى على جزيرة قوصرة التى تبعد عن الشاطئ التونسى نحو ثلاثين ميلا، وتنازل عنها- فيما بعد-أبو زكريا مؤسس الدولة الحفصية بتونس لفردريك الثانى إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة «ملك صقلية» سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م. وتآمر على عبد الرحمن أخواه إلياس وعبد الوارث فقتلاه سنة ١٣٧ وتولى بعده إلياس، وقتله ابن أخيه: حبيب بن عبد الرحمن وتولّى مكانه، ولم تلبث قبيلة ورفجومة النفزاوية الصفرية الغالية أن هاجمته واستولت على القيروان واستباحتها سنة ١٣٨ هـ/٧٥٥ م وحاول حبيب أن يستردها سنة ١٤٠ هـ/٧٥٧ م ففتكت به ورفجومة. وكانت قد استحلت المحارم فى القيروان فغضب لأهلها أبو الخطاب عبد الأعلى إمام الإباضية بطرابلس وجبل نفوسة، فهاجم ورفجومة وخلّص منها القيروان سنة ١٤١ هـ/٧٥٨ م وولّى عليها عبد الرحمن بن رستم أحد قواده، ولم يلبث محمد بن الأشعث والى مصر أن قدم على رأس جيش ضخم، فاشتبك مع أبى الخطاب فى معركة ضارية قتل فيها أبو الخطاب، وفرّ واليه على القيروان عبد الرحمن بن رستم إلى الزاب فى الجزائر وأسس فى شمالية دولة للإباضية بمدينة تاهرت ظلت بعده حتى سنة ٢٩٦. وولّى ابن الأشعث على الزاب الأغلب بن سالم التميمى ولم يلبث أن تولّى على المغرب الأدنى سنة ١٤٨ هـ/٧٦٢ م ويقتل فى بعض حروبه سنة ١٥٠ هـ/٧٦٧ م ويتولى على المغرب عمرو بن حفص المهلبى (هزار مرد) بانى طبنة بالزاب، ونازل فى الجزائر الصفرية والإباضية بتاهرت، وثارت عليه إباضية طرابلس وحاصرت القيروان وخرج إليها واستشهد فى المعركة سنة ١٥٣ هـ/٧٧٠ م. وخلفه ابن عمه بزيد بن حاتم المهلبى سنة ١٥٤ ويقول عنه الرقيق القيروانى: «كان كثير الشّبه بجدّه المهلب فى حروبه ودهائه وكرمه وسخائه وكان خبيرا بشئون الإدارة فرتّب القيروان وسوقها، كما كان خبيرا بشئون السياسة والحرب، فقلم أظفار الصفرية فى الجزائر ولم يعد لهم نشاط إلا فى ديار زنانة بالصحراء، وقلّم بالمثل أظفار الإباضية، فلم يعد لهم نشاط إلا فى تاهرت وجبل نفوسة،
стр. 4631
وهدأت الأمور بإفريقية واستقرت طوال عهده، وكان أديبا، وأسبغ عطاياه على الشعراء ووفدوا عليه من المشرق، وأحدث فى القيروان حركة أدبية واسعة، وجدّد جامع عقبة الأعظم بها، وازدهر فى عهده العمران. وظل واليا على إفريقية التونسية ونوميديا أو شرقى الجزائر حتى قسنطينة والزاب ستة عشر عاما كانت أعوام رخاء وهدوء بالمغرب إلى أن توفى سنة ١٧١ هـ/٧٨٧ م وتولى بعده أخوه روح بن حاتم، وكان لا يقل عن أخيه شجاعة وبطولة وحنكة سياسية، ونعمت إفريقية التونسية والزاب فى أيامه باطراد الهدوء والرخاء وفى عهده تأسست الدولة الإدريسية الحسنية فى وليلى جنوبى طنجة بالمغرب الأقصى، وتوفى سنة ١٧٤ هـ/٧٩١ م وخلفه ابنه الفضل حتى سنة ١٧٩ وخلفه هرثمة بن أعين أحد قواد الدولة العباسية العظام، ونشر فى الاقليم التونسى والطرابلسى الأمن والنظام، وبنى مدينة المنستير وقصرها الكبير سنة ١٨٠ واختار للزاب واليا إبراهيم بن الأغلب التميمى، وأعجب بشجاعته وحسن سياسته ودهائه، وعاد إلى بغداد سنة ١٨١ هـ/٧٩٧ م وخلفه محمد بن مقاتل العكّى إلى سنة ١٨٤ وكان ضعيفا سيّئ السياسة. واستشار هارون الرشيد هرثمة فيمن يوليه المغرب ويحسن القيام عليه وقمع ثوراته، فأشار عليه بإبراهيم بن الأغلب وامتدحه له طويلا، فارتضى ولايته عليه منذ سنة ١٨٤ هـ/٨٠٠ م وجعله له ولأبنائه من بعده آملا أن يكوّن به أسرة حاكمة له حكما سديدا كحكم المهالبة المذكورين آنفا.
(ب) الأغالبة (١)
كانت الجزائر تحظى حينئذ فى شرقيها (نوميديا القديمة) بدولة الأغالبة المستقلة، وكان منذ الفتح تابعا للقيروان، وكان يمتد غربى الإقليم التونسى إلى بجاية على البحر المتوسط ومنها إلى الصحراء جنوبا شاملا قسنطينة وإقليم الزاب وعاصمته طبنة. ونعم هذا القسم من الجزائر فى عصر الدولة الأغلبية بنهضة عمرانية وحضارية وعلمية شأنه فى ذلك شأن عاصمته الكبرى القيروان وما تحقق لحكامها الأغالبة من مجد حربى عظيم باستيلاء الأمير زيادة الله الأغلبى على صقلية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م ونقله هو وخلفائه من أسرته إليها الدين الحنيف العظيم والحضارة العربية المزدهرة وكل ما ارتبط بها من العلوم والصناعات. وكان ذلك فتحا عظيما للدولة الأغلبية ورعاياها فى الإقليمين التونسى والجزائرى، فرحل منهم كثيرون إليها ينعمون بما فيها من طيبات الأرض، مما عاد على التونسيين والجزائريين بخير وفير، مع شعورهم بغير قليل من العزة. وظل هذا الشعور يزداد قوة طوال أيام الأغالبة بفضل أسطولهم العظيم وغزواته
стр. 4632
لبارى فى شرقى إيطاليا ولروما نفسها، ولحصون وبقاع إيطالية كثيرة جنوبيها، واستولى على مالطة سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م ونشر بها الإسلام وحضارته الباهرة. وتبلغ هذه الدولة التونسية الجزائرية أعظم قسط من الحضارة والمدنية فى عهد إبراهيم بن أحمد الأغلبى (٢٦١ هـ/٨٧٤ م-٢٨٩ هـ/٩٠١ م) إذ يؤسس فى مدينته رقادة التى بناها بجوار القيروان بيت حكمة على غرار بيت الحكمة للرشيد والمأمون ببغداد، وهو أول جامعة للعلوم نشأت فى البلاد المغربية، وكان يدرس بها الطب والفلك وتقويم البلدان والفلسفة، وقاد إبراهيم الأسطول بنفسه إلى جنوبى إيطاليا، واستولى فيه على طائفة كبيرة من الحصون. وكل ذلك كان يملأ الرعية فى الإقليم التونسى وشرقى الجزائر بالبهجة. وكان الأغالبة على وعى كبير بالسياسة وتدبير شئون الحكم، فكانوا يولون على شرقى الجزائر فى طبنة ولاة يحسنون إدارة الحكم، وكانوا يمنحونهم سلطة إدارية واسعة، وكان قاضى القيروان يولى على البلاد قضاة نزهين تقاة يحكمون بين الناس بالعدل والإنصاف لا فرق بين عربى وبربرى، بل مساواة تامة فى الحقوق والواجبات، فازدهرت الحياة فى شرقى الجزائر-لعهد الأغالبة-وازدهرت الحضارة الإسلامية ازدهارا رائعا.
(ج) الإباضيون (١)
تأسست الدولة الإباضية فى القسم الغربى من الجزائر الداخل قديما فى موريتانيا الشرقية، أسّسها عبد الرحمن بن رستم فى منطقة جبلية وعرة متخذا مدينة تاهرت عاصمة لها، ولما أن كثر أتباعه من الإباضية أعلنها سنة ١٦٠ هـ/٧٧٦ م وقد أقامها على أسس مبادئ الإباضية المثالية إذ جعلها ديمقراطية يولّى الإمام فيها بمشورة ستة من وجوه القوم ورؤساء القبائل على نحو ما صنع عمر بن الخطاب واشترط فى الإمام أن يكون عادلا منتهى العدل عالما بالإسلام وتعاليمه حق العلم عاملا بمبادئه التى تكفل بدقة مصلحة الجماعة فى الدنيا وسعادتها فى الآخرة، ويبايع الإمام بيعة عامة بعد انتخاب الشورى له، ويستشير فى الأمور المهمة «الشراة» وهم عظماء المذهب الإباضى وعلماؤه، كما يستشير فى الأمور العامة سادة القوم والقبائل، ويعيّن القضاة بعد استشارة الشراة، ويضبط الحكم عن طريق نوعين من الشرطة: شرطة تقوم بالحراسة والمحافظة على الأمن، وشرطة تسمى شرطة الحسبة تشرف على الأسواق وتحكم فى خصوماتها وتطوف فى المدينة أو القبيلة، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر. وتداول الإمامة فى تاهرت ستة أئمة، أولهم عبد الرحمن بن رستم مؤسس الدولة حتى سنة ١٧١ وكان يتميز
стр. 4633
بالعدالة والتقوى وسعة العلم، واختارت شورى الإباضية بعده ابنه عبد الوهاب وظل إماما للإباضية حتى سنة ٢١١ هـ/٨٢٧ م غير ملاحظين أن ذلك يفضى بالإمامة إلى أن تكون وراثية، مما يناقض إنكارهم لنظام الخلافة الوراثى، وأدّى ذلك إلى انشقاق فى صفوف الإباضية هناك إذ نشأت بينهم طائفة تسمى النكارية أنكرت إمامة عبد الوهاب الوراثية. وتمرّدت عليه فى شمالى الدولة فرقة الواصلية المعتزلة نسبة إلى زعيم المعتزلة فى البصرة واصل بن عطاء وحاربها وقضى على فتنتها، وانضم إلى مذهبه الإباضى جبل أوراس أو بعضا منه، وخلفه ابنه أفلح حتى سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م وكانت النكارية لا تزال تشاقّ جماعة الإباضية شاهرة السلاح فأدار معها حربا انتهت بمقتل قائدها وتشتت أنصاره فى البلاد والقبائل، وخلفه ابنه أبو اليقظان حتى سنة ٢٨١ هـ/٨٩٤ م وأخذت الدولة فى الضعف وتفاقم فى عهد ابنيه أبى حاتم وأبى اليقظان. وكان أبو عبد الله الشيعى داعية المهدى الفاطمى قد نشر الدعوة الفاطمية فى قبيلة كتامة وأيدته فى القضاء على الدولة الرستمية نهائيا سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٩ م. ومما يذكر لهذه الدولة تنشيطها التجارة إلى الصحراء الإفريقية المدارية فى بلاد تشاد والنيجر ومالى وفولتا وإلى السودان النيلى فى مناطق كردفان وواداى. وقد عنيت الدولة عناية واسعة بحراسة السبل وإقامة الفنادق والمحطات وحفر الآبار للقوافل وحراستها، وأهم من ذلك أنها أقامت فى الواحات وفى كثير من الجهات زوايا بها مساجد لنشر الإسلام فى كل البقاع التى كانت تنزلها القوافل، وهى خدمة دينية وحضارية كبرى. ولما قضى على الدولة الإباضية فى تاهرت انحاز الإباضيون فى الجزائر إلى الجنوب-حتى اليوم-فى أرض ميزاب والواحات مثل بسكرة والأغواط وغرداية وو رجلان. وتبع سقوط الدولة الرستمية سيطرة المذهب السنى-وخاصة مذهب مالك- على البلاد وعلى مراكز التجارة والزوايا فى الصحراء الإفريقية المدارية والسودان النيلى.
(د) تلمسان
فى أقصى الغرب من الجزائر تقع تلمسان وإقليمها، وكان بها من قديم بنو يفرن الزناتيون مؤسسوها وكانوا يعتنقون مذهب الصفرية الخوارج، وشدوا أزر ميسرة فى حربه ضد جيش ابن الحبحاب كما شدوا أزر الإمام الصفرى بعده خالد بن حميد. ونراهم فى سنة ١٤٨ يبايعون بالإمامة الصفرية رجلا منهم هو أبو قرة اليفرنى الزناتى، ويعدّ فى سنة ١٥٠ هـ/٧٦٧ م جيشا كبيرا لمنازلة الأغلب بن سالم التميمى فى ولايته على المغرب الأدنى (الإقليم التونسى وشرقى الجزائر) ويبلغ النبأ الأغلب فيقدم إليه بجيش جرار، حتى إذا اقترب منه هرب وتفرّقت عنه جموعه. ويتولى المغرب الأدنى سنة ١٥١ هـ/٨٦٨ م عمر بن حفص المهلبى ويأخذ فى إعداد جيش لمنازلة أبى قرة ويحصن طبنة عاصمة الزاب، وكان أبو قرة أعد جيشا كثيفا لملاقاته، وتقدم إلى طبنة، غير أن خلافا دبّ فى جيشه، وتفرّق عنه جنوده. واضطر عمر بن حفص
стр. 4634
إلى العودة إلى القيروان لبلوغه نبأ ثورة قبيلة هوارة بطرابلس عليه، وانتهز أبو قرة غيابه عن طبنة فهاجمها، وكان عمر بن حفص ترك بها المهنّا مع قطعة من جيشه، فاشتبك مع أبى قرة فهزمه وولّى الأدبار وأخذ المهنا عسكره بكل ما فيه. ولا نعود نسمع بثورة لأبى قرة، وتظل تلمسان خاضعة لقبيلة بنى يفرن الزناتية حتى تأخذها منهم قبيلة مغراوة سنة ١٧٠ هـ/٧٨٦ م. ولما أسس إدريس الأول الحسنى دولة الأدارسة فى وليلى بإقليم فاس سنة ١٧٢ هـ/٧٨٨ م ودار العام واشتدت شوكته رأى الزحف على تلمسان وما جاورها من قبيلة مغراوة، وعلم بزحفه محمد بن خزر المغراوى فخرج إليه حين اقترب من البلدة، وبايعه هو وجميع وجوه تلمسان، وعيّنه إدريس واليا عليها وأمره ببناء مسجدها وعاد إلى وليلى وتوفى سنة ١٧٥ هـ/٧٩١ م وخلفه ابنه إدريس الثانى حتى سنة ٢١٣ هـ/٨٢٨ م وكان فقيها وراويا للحديث وشجاعا مقداما فى مهام الأمور، وهو الذى بنى مدينة فاس واتخذها عاصمة للدولة، ونزل تلمسان وأقام بها ثلاث سنوات نظّم فيها شئونها الإدارية والمالية ومحا منها دعوة الصفرية. ونزلها-كما يقول ابن خلدون وبعض المؤرخين-عمه سليمان بن عبد الله، ويبدو إن إدريس الثانى أو ابنه محمد تركها له فتملكها وبايعه أهلها، وتوارثها هى وإقليمها فى الجزائر عنه أبناؤه وأحفاده إلى أن أخذها منهم موسى بن أبى العافية فى القرن الرابع ثم تصير للدولة العبيدية.
٤ -
الدولة العبيدية-الدولة الصنهاجية-بنو حماد
(أ) الدولة العبيدية (١)
لم يلبث أبو عبد الله الشيعى أن دخل القيروان وقضى على الدولة الأغلبية، وبذلك يكون قد قضى فى عام واحد على الدول الثلاث التى كانت تتقاسم الجزائر: دولة الأغالبة فى شرقيها ودولة الإباضيين بتاهرت فى وسطها ودولة الأدارسة من أبناء سليمان بن عبد الله فى غربيها، وبذلك دانت الجزائر للدولة العبيدية منذ أواخر القرن الثالث للهجرة فكان يديرها المهدى الفاطمى من القيروان ثم من مدينة المهدية التى بناها بجوارها عاصمة له ولمن بعده، ونالت الجزائر فى أيامه رخاء وأمنا وانتعشت التجارة بينها وبين الصحراء المدارية والسودان، وأيضا بينها وبين أوربا، وبنى عامله على الزاب على بن حمدون الزناتى بسهل الحضنة مدينة المسيلة (المحمدية) سنة ٣١٥، ويتوفى سنة ٣٢٢ هـ/٩٣٣ م. ويخلفه ابنه القائم وفى أيامه أخذ ثائر بربرى من الخوارج يعدّ العدة فى الجزائر للانتقاض عليه والثورة يدعى أبا يزيد مخلد بن كيداد،
стр. 4635
أصله من مدينة توزر التونسية فى بلاد الجريد، وكان فى أوائل حياته يحفّظ الصبية والغلمان القرآن الكريم فى مدن مختلفة بتونس والجزائر، ونزل تاهرت فى أواخر أيام الرستميين، ويقول المؤرّخون إنه اعتنق عقيدة الإباضية النكّارية، وأخذ يجتمع إليه كثيرون من قبيلته زناتة ومن البربر الخوارج إباضيين وصفريين، وكوّن منهم جيشا لقى به قبيلة كتامة فى الأربس وغير الأربس وهزمها مرارا. وكان يبيح لجيشه نهب البلاد وحرقها وسبى النساء وقتل الأطفال مما يؤكد أنه لم يكن إباضىّ العقيدة كما يذكر المؤرخون، إذ الإباضية لا يستحلون شيئا من ذلك كله، ومن أجل ذلك نرى أنه كان على مذهب الصفرية من الخوارج لا الإباضية، ويبدو أنه قرأ عن الخوارج الأزارقة المتطرفين الذين كانوا يستحلون سبى النساء وقتل الأطفال، فاقتدى بهم، وبئس القدوة. وما توافى سنة ٣٣٣ هـ/٩٤٤ م حتى يحشد جيشا ضخما يستولى به على كثير من البلدان فى الجزائر والإقليم التونسى، ويتقدم بجيشه حتى مدينة رقادة بالقرب من القيروان وينهبها، ويقتل واليها العبيدى خليل بن إسحاق. ويقصد القيروان ويستولى عليها وينضم إلى جيشه أهل السنة من سكانها يريدون الانتقام من العبيديين لمحاولتهم فرض عقيدتهم الإسماعيلية عليهم ومحو مذاهب السنة من مثل مذهب مالك، وزحفوا معه إلى أسوار مدينة المهدية عاصمة العبيديين وحاصرها. وتوفّى الخليفة العبيدى القائم فى أثناء حصاره لها سنة ٣٣٤ هـ/٩٤٥ م وخلفه ابنه الخليفة المنصور، وظلت الحرب بينه وبين ابن كيداد سجالا، واستصرخ زيرى زعيم صنهاجة فى الجزائر، فلبى صراخه، وانهزم ابن كيداد هزيمة ساحقة، وولّى الأدبار إلى الجزائر، والخليفة المنصور من ورائه يتعقبه فى باغاية بجبال الأوراس وغير باغاية إلى أن جاءوه به مكبلا بالأغلال، ففتك به سنة ٣٣٦ هـ/٩٤٧ م وبالقضاء على ثورته انتهت ثورات الخوارج فى الجزائر.
(ب) الدولة (١) الصنهاجية
إذا كانت قبيلة كتامة الجزائرية هى التى لعبت الدور الأول فى نصرة أبى عبد الله الشيعى على دول الجزائر الثلاث: الأدارسة فى تلمسان والإباضيين فى تاهرت والأغالبة فى القسم الشرقى من الجزائر فإن قبيلة صنهاجة هى التى كان لها الدور الأول فى القضاء على ثورة أبى يزيد مخلد بن كيداد الصّفرى، والقبيلتان جميعا كانتا تحتلان شمالى الجزائر: كتامة إلى الشرق وصنهاجة إلى الغرب، وكانتا تأخذان بحظ من الحضارة، وهما من قبائل البرانس المتحضرة. وكانت قبيلة زناتة تحتل الجنوب الجزائرى، وهى من قبائل البتر المتبدية، وكانت شعبها
стр. 4636
وفروعها تمتد إلى تلمسان والمغرب الأقصى غربا وإلى جنوبى الإقليم التونسى وطرابلس شرقا. وولّى الخليفة الفاطمى المنصور زيرى الصنهاجى على المنطقة الغربية فى الجزائر وحين تولى المعز الخلافة العبيدية سنة ٣٤١ هـ/٩٥٢ م أبقاه عليها، وكان مثل قبيلته على حظ من الحضارة ويتضح ذلك فى بنائه مدينة أشير إلى الشمال الشرقى من تاهرت سنة ٣٢٤ هـ/٩٣٥ م واتخاذها عاصمة له ولقبيلته، ودفع ابنه بلكين-فيما بعد-لتأسيس مدينة الجزائر على البحر المتوسط ومدينة مليانة جنوبى شرشال على الضفة الشرقية لنهر شلف ومدينة المدية إلى الجنوب الشرقى من مليانة. وساعد زيرى جوهرا الصقلى فى سنة ٣٤٧ هـ/٩٥٨ م فى حملته التى استولى بها على جميع بلدان المغرب الأقصى ما عدا سبتة وطنجة اللتين كانتا تدينان بالولاء لعبد الرحمن الناصر الخليفة الأموى فى قرطبة. وكان جوهر الصقلى قد استولى على مصر للمعز سنة ٣٥٩ هـ/٩٦٨ م وشاع عقب ذلك أن الخليفة العبيدى المعز سيترك عاصمته المهديّة فى إفريقية التونسية إلى مصر، وسيولّى زيرى على المغرب جميعه نائبا عنه، فامتعض لذلك جعفر بن على بن حمدون الزناتى والى الزاب للمعز سنة ٣٦٠ هـ/٩٧٠ م وكانت بينه وبين زيرى ضغائن وأحقاد وعداوة، ولم يلبث أن جمع عسكره وسلاحه وأمواله وخرج من مدينة المسيلة عاصمة ولايته التى بناها أبوه فى ولايته عليها كما مرّ بنا، واتجه إلى قبيلته: زناتة خالعا طاعة المعز، واحتفت به قبيلته وملّكته عليها، واستطاع فى سنة ٣٦١ أن يجمع منها جيشا ضخما وزحف به على أراضى صنهاجة، وعلم زيرى فجمع رجاله بسرعة، والتقى به، واشتبك الخصمان ورجحت كفة جعفر بن على وزناتة وقتل زيرى فى المعركة. وكان ابنه بلكين فى أشير وجاءه نبأ مصرع أبيه، فأعدّ العدة سريعا للأخذ بثأر أبيه، والتقى بزناتة ومزّق جموعها ونكّل بها تنكيلا شديدا، وبلغ انتصاره عليها المعز، فأقرّه على ولاية أبيه وأضاف إليه الزاب وتاهرت وسائر أعمال المغرب. وقبل مبارحة المعز المهدية إلى مصر ولاه على إفريقية التونسية والمغرب جميعه فى ذى الحجة لسنة ٣٦١ هـ/٩٧٢ م مع استثناء طرابلس وصقلية، وكان ينبغى أن يترك له صقلية لأنها بعيدة عن مصر، ولن تستطيع حمايتها عند الضرورة.
وأخذ بلكين ينهض بمسئوليات الحكم فى المغرب ويرتّب شئونه، وهو بربرى مغربى من صنهاجة، وقد مضى يعمل على تأسيس دولة صنهاجية مغربية يتوارثها أبناؤه، وهى أول مرة فى التاريخ الإسلامى تنشأ دولة مغربية إسلامية فيه، وتتوالى بعدها دول مغربية كبيرة، مما يجعل حكم بلكين للمغرب فاتحة انتقال الملك والسلطان فيه من العرب إلى البربر وبعبارة أدق إلى زعماء البربر ورؤساء قبائلهم، وهو تطور طبيعى إذ ظل البربر، وبعبارة أخرى أبناء المغرب، يتدربون قرونا-طوال الحكم العربى-على النظم الإسلامية فى إدارة الدولة وأخذوا يحكمون أقاليمها المختلفة. وآن أن تنشأ لهم دولة مغربية أو دول من ذات أنفسهم، أما ما يقوله مارسيه فى كتابه: «البربر المسلمون فى العصور الوسطى» وكتابه: «بلاد المغرب الشرقية» من أن
стр. 4637
هذا التحول فى المغرب من حكم العرب إلى البربر كان نفورا من العرب وكرها لهم وتحقيقا لآمال البربر فى الاستقلال عن العرب ودولهم فإن ذلك كله ليس بصحيح، إنما الصحيح أنه تطور طبيعى لتمرّن البربر على أساليب الحكم وبناء الدول، وأيضا بناء المدن، ومرّ بنا آنفا بناء على بن حمدون لمدينة المسيلة وبناء زيرى لمدينة أشير وبناء بلكين لمدينتى الجزائر ومليانة.
واتخذ بلكين القيروان عاصمة له، وتوفى الخليفة العبيدى المعز سنة ٣٦٥ هـ/٩٧٥ م وتولّى ابنه العزيز وثبّته فى ولايته وأضاف إليه طرابلس وإقليمها. وثارت فى أوائل عهده بالجزائر تاهرت وباغاية وتلمسان واستسلمت له سريعا، وكانت الخلافة الأموية بقرطبة لا تزال توعز لزناتة وتلمسان وسجلماسة وفاس بالثورة على الخلافة العبيدية وبلكين، وقاد فى سنة ٣٦٨ هـ/٩٧٩ م جيشا كثيفا إلى تلك الأنحاء، واستسلمت له جميعا. وتوفى فى أثناء عودته من المغرب الأقصى سنة ٣٧٣ للهجرة، وخلفه ابنه المنصور فى أوائل سنة ٣٧٤ هـ/٩٨٤ م فعقد لأخيه يطوفت على أشير عاصمة صنهاجة. وكان المنصور بن أبى عامر المستبد بحكم الأندلس باسم خليفته الشرعى المؤيد قد أعان زيرى ابن عطية زعيم زناتة على بسط سلطانه على سجلماسة، وبالمثل على فاس واتخذها عاصمة له، فأمر المنصور أخاه يطوفت أن يقود جيشا إلى المغرب الأقصى ليسترجعه من زيرى، وصدع بأمره، غير أن زيرى هزمه وعاد إلى أشير يجر أذيال الهزيمة. وكان المنصور رجل سلم فصمم أن تضع الحرب أوزارها بين قبيلته صنهاجة وقبيلة زيرى زناتة فلا يعودوا إلى القتال، وأعلن أن تلك آخر حرب بين القبيلتين حتى ينهى الحروب العقيمة التى أنهكت قواهما طويلا. وعرف العزيز الفاطمى فى القاهرة هذا النبأ فغضب لما يؤدى إليه من ضياع المغرب الأقصى نهائيا، فأرسل إلى كتامة فى الجزائر داعية يسمى أبا الفهم الخراسانى سنة ٣٧٦ لتأليبها على المنصور، وظل سنة يثير الكتاميين ويجمعهم حوله، ولقيه المنصور هو وجموعه فى سطيف شرقى تاهرت وقضى عليه. وأدت سياسته الحكيمة مع زناتة إلى أن تنضم إليه جماعة منها سنة ٣٧٩ بزعامة سعيد بن خزرون فولاّه على طبنة، وتوفى سنة ٣٨٢ فولّى ابنه فلفلا مكانه. وعم الجزائر الأمن والهدوء فى بقية أيامه وتوفى سنة ٣٨٦ هـ/٩٩٦ م وخلفه ابنه باديس فى الثالثة عشرة من عمره فدبّر له أمور الدولة فى إفريقية التونسية والجزائر أعمامه، وخاصة يطوفت فى تاهرت وحمادا وقد ولاه على أشير سنة ٣٨٧. وماتوا فى سنة ٣٨٩ حتى يعد زيرى بن عطية صاحب فاس جيشا ضخما ويحاصر يطوفت فى تاهرت، وينجده سريعا حماد كما ينجده باديس بجيش يقوده محمد بن أبى العرب، ويضع القادة الثلاثة الخطط ويشنون هجوما على زنانة، وتدور عليهم الدوائر، ويولى جيشهم الأدبار تاركين وراءهم مضاربهم وما فيها من الأموال والسلاح غنيمة لزناتة وزيرى. وبلغ باديس الخبر فخرج على رأس جيش للقاء زيرى، وعلم به فعاد إلى فاس، وخرج عليه فلفل بن سعيد فظلت فرق من الجيش تطارده، وفرّ إلى طرابلس سنة ٣٩١ واستوطنها. وجاءه خبر
стр. 4638
فى نفس السنة من عمه حماد أنه قضى على الثائرين من أعمامه عليه بقتله ماكسن وأولاده ورحيل زاوى بن زيرى وإخوته إلى الأندلس، وكان لهم فى الفتنة التى نشبت بقرطبة وقضت على الخلافة الأموية دور فى غاية السوء. وفى نفس السنة توفى زيرى بن عطية صاحب فاس والمغرب الأقصى وتنفست صنهاجة وحماد الصعداء، وعادت زناتة فى سنة ٣٩٢ إلى مهاجمة صنهاجة فى أشير ولكن بطلها زيرى كان قد توفى فهزمها حماد هزيمة ساحقة.
(ج) بنو حماد (١)
كان حماد-كما يقول لسان الدين بن الخطيب-نسيج وحده وفريد دهره شجاعا حصيفا، قرأ الفقه بالقيروان ونظر فى كتب «الجدال» وفكر جادّا فى الاستقلال عن ابن أخيه: باديس وتكوين دولة له ولأبنائه فى الجزائر، وكان أول ما فكر فيه بناء قلعة تكون عاصمة للدولة، ولم يلبث أن بنى فى سنة ٣٩٨ قلعة بنى حماد على منحدر وعر فوق سفوح جبال كيانة على الحدود الشمالية لسهول الحضنة على بعد ٢٦ كيلو مترا من المسيلة (المحمدية) وأحالها سريعا إلى مدينة تكتظ بالأحياء والفنادق والمساجد تتوسطها قصبة أو بعبارة أخرى حصن منيع، ولا تزال خرائبها وأطلالها قائمة إلى اليوم. وصمّم حماد على إعلان استقلاله. وما توافى سنة ٤٠٥ هـ/١٠١٤ م حتى يعلن استقلاله عن باديس فى القيروان وعن الدولة العبيدية وعقيدتها الشيعية المتطرفة ويدعو للعباسيين على المنابر معتنقا لمذهب أهل السنة. وصمم باديس على حربه، وأعد جيشا ضخما لمنازلته سنة ٤٠٦ واتجه به إلى القلعة وهزمه بجوارها، وفر حماد إلى القلعة تاركا خيامه ومضاربه. وتوفّى باديس فى نفس السنة وخلفه ابنه المعز فى الثامنة من عمره، ودبّر له شئون الحكم أعمامه ورجال دولته، وانتهز حماد الفرصة واستولى على مدينتى المسيلة وأشير عاصمة صنهاجة وحاصر باغاية، فزحف إليه جيش للمعز سنة ٤٠٨ للهجرة وهزمه فى معركة عنيفة، وفرّ على وجهه إلى القلعة محتميا بها، ولم يجد بدا من طلب الصلح، وتمّ، وبمقتضاه يستقل حماد وأبناؤه بأشير والمسيلة وطبنة والقلعة وتاهرت وبلاد الزاب وكل ما يفتحونه فى المغرب الأقصى. وانقسمت دولة الصنهاجيين بذلك إلى دولتين: دولة آل المنصور بن بلكين فى القيروان بإفريقية التونسية، ودولة آل حماد بن بلكين بالقلعة فى الجزائر.
وتعدّ دولة حماد وأبنائه فى القلعة أول دولة جزائرية فى العصور الإسلامية بأدق معنى لهذه الكلمة، وحقا سبقتها الدولة الرستمية فى تاهرت، كما مر بنا، ولكن مؤسسها كان فارسى الأصل، وحكمها هو وأبناؤه من بعده. وكانت اللغة البربرية تشارك اللغة العربية فى أيامهم
стр. 4639
والف بها كثير من الكتب وخاصة فى الدعوة الإباضية، أما الدولة الحمادية فكانت لأسرة من صميم البربر وبيوتهم العريقة فى صنهاجة، وبذلك كانت دولة بربرية بحتة، وأيضا فإنها اتخذت العربية لسانها ولغة رسمية لها، وعملت-بكل وسيلة-على نشرها لا فى العاصمة فحسب، بل أيضا بين القبائل، وعملت أيضا-بكل ما استطاعت-على ازدهار نهضة فى بلادها أدبية وعلمية وحضارية.
وعاش حماد هانئا بقلعته ودولته حتى سنة ٤١٩ وخلفه ابنه المسمى بالقائد، ووسّع حدوده فى المناطق الشرقية للمغرب الأقصى، ونشب نزاع وبينه وبين ابن عمه المعز سنة ٤٣٢ وزحف إليه بجيش، ولم تقع بينهما حرب، وعادت العلاقات بينهما طيبة كما يقول ابن خلدون، وتوفى القائد سنة ٤٤٦ هـ/١٠٥٤ م وخلفه ابنه محسن وخرج عليه بعض أعمامه وتغلب عليهم، وكانت مدة ولايته قصيرة: تسعة أشهر، وتولى بعده بلكّين بن محمد بن حماد سنة ٤٤٧ هـ/١٠٥٥ م. وكان المعز بن باديس فى القيروان قد خلع سنة ٤٣٨ هـ/١٠٤٦ م طاعة الفاطميين العبيديين وقطع اسمهم من خطبة الجمعة وجعل مكانهم فيها اسم الخليفة العباسى وحمل الناس على الرجوع إلى مذهب مالك الذى يرتضيه فقهاؤهم، وبذلك تطهر المغرب من عقيدة الإسماعيلية الفاطمية، وجنّ جنون المستنصر الخليفة الفاطمى العبيدى بمصر فأشار عليه أحد وزرائه المسمى اليازورى أن يتخلص من جموع كبيرة من بنى هلال وسليم كانت نزلت بشرقى النيل فى الصعيد بدفعها إلى إفريقية التونسية وبلاد المغرب، وكانوا يعدون بمئات الألوف، فاكتسحوا برقة وطرابلس وإفريقية التونسية، ولم يستطع المعز بن باديس دفع هذه السيول الجارفة فانحاز إلى المهدية سنة ٤٤٩ وبقى بها إلى نهاية حكمه ووفاته سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م. وكانوا بدوا غير متحضرين ينهبون ويخربون المدن ويفسدون الزروع، وانصبّ منهم إلى الجزائر لعهد بلكين سيل هلالى جارف على رأسه قبائل أثبج وعدى وعامر، وحاولت زناتة فى تلمسان بزعامة أبى سعيد الخزرى أو الخزرونى أن تكبح جماح هذا السيل فقتل زعيمها وتشتت جيشه، أما بلكين فى القلعة فرأى من الخير أن يترك للأثبج وعدىّ الأرياف ينهبون فيها، وتحالف معهم لحرب المغرب الأقصى وزحف عليه بجيش ضخم ودخل مدينة فاس. وفى عودته فاجأه ابن عمه الناصر بن علناس جنوبى وهران وقتله ثأرا لأخت له كان بلكين ظن أنها هى القاتلة لزوجها، وكان شقيقا له، وأعلن نفسه حاكما للقلعة وصنهاجة مكانه سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م.
والناصر بن علناس أعظم ملوك هذه الدولة وأكثرها دهاء وحنكة سياسية، وقد دام حكمه سبعا وعشرين سنة، ولم يشمل الجزائر جميعها فحسب، فإن انحياز المعز بن باديس وابنه تميم إلى المهدية وأحوازها جعل حكمه يمتد من حدود المغرب الأقصى إلى القيروان
стр. 4640
وصفاقس، ولعل ذلك ما أوغر عليه صدر تميم، فأوعز إلى أمراء بنى رياح أن يهاجموا الناصر قبل أن يفتك بهم، ونازلهم فى سبيبة شرقى الجزائر ودارت عليه الدوائر، غير أن الناصر استطاع أن يسترد ما كان معه من البلدان فى الاقليم التونسى حتى القيروان. وكان يحدث شغب فى كثير من البلدان ويستطيع الناصر القضاء عليه، وصافته زناتة، وعادت العلاقات حسنة بينه وبين تميم بن المعز. وكان بعيد النظر فعمل على التسامح مع المسيحيين ببلاده حتى يشعروا بالأمان، ويعظم إنتاجهم وعملهم فيها، وأرسل إلى البابا جريجورى السابع بتكريس قسيس يسمى سرفاند أسقفا لأبرشية بونة وافتدى جميع الأسرى المسيحيين فى بلاده أو مملكته. وكان لذلك أثر طيب فى نفس البابا فأجابه إلى تكريس سرفاند ورد عليه سنة ٤٦٩ هـ/١٠٧٦ م برسالة لطيفة قال فيها إن المسلمين والمسيحيين جميعا يؤمنون بإله واحد خالد. وخوفا على القلعة عاصمة الدولة من أن يصيبها من التخريب على أيدى العربان من بنى هلال ما أصاب القيروان وغيرها من مدن إفريقية التونسية بنى بجاية على البحر المتوسط فى الشمال سنة ٤٦١ هـ لتكون عاصمة جديدة للدولة، وعنى بتخطيطها وتشييد قصور شامخة فيها وظلت بعده تشتهر بما فيها من مساجد ومدارس وفنادق وحمامات ومستشفيات.
وخلفه ابنه المنصور سنة ٤٨١ هـ/١٠٨٨ م وفى أول حكمه ازداد ضغط القبائل الهلالية عليه واضطرته إلى أن تتقاسم معه نصف غلة الأرض، مما جعله يصمم على هجران القلعة إلى مدينة بجاية سنة ٤٧٣ هـ/١٠٨٠ م. وخلال السنتين اللتين قضاهما فى القلعة شيّد عددا من القصور، حتى إذا اتخذ بجاية عاصمة له شاد بها طائفة من القصور أهمها قصر اللؤلؤ، وخرج عليه بعض الثوار فى بونة وقسنطينة، وعادتا إليه، واشتبك مع زناتة فى الجنوب الغربى وردّ المرابطين إلى المغرب الأقصى بعد أن استولوا على تلمسان وتقدموا إلى مدينة الجزائر. وظل سيد الجزائر دون منازع إلى وفاته سنة ٤٩٨ هـ/١١٠٤ م. وتولى الدولة بعده ابنه باديس، وكان فظا سريع الغضب، وتوفى بعد ستة أشهر من حكمه، وولى بعده أخوه العزيز، وعمل على عودة السلام بين قبيلته صنهاجة وقبيلة وامانو الزناتية وتزوج بنت زعيمها ماخوخ، وكانت أيامه هادئة وآمنة. وعنى بتشجيع الحركة العلمية والأدبية وإعداد بجاية لإيواء اللاجئين من الأدباء والعلماء الذين غادروا القلعة إلى عاصمته حين تدهورت وأصبحت نهبا للأعراب، وكانوا قد أخذوا يتوغلون من جبال البابور إلى بونة. وتوفى العزيز سنة ٥١٨ هـ/١١٢٤ م وخلفه ابنه يحيى ولم يستطع إعادة الدولة إلى ما كانت عليه إذ اتسعت زغبة وغيرها من القبائل الهلالية فى التخريب والقضاء على العمران فى الجزائر وخوفا على ما فى القلعة من ذخائر وطرف ومن أدوات ترف وبذخ نقلها يحيى إلى بجاية سنة ٥٤٣ للهجرة.
стр. 4641
٥ -
دولة الموحدين-الدولة الحفصية-بنو عبد الواد
(أ) دولة (١) الموحدين
لم يلبث عبد المؤمن بن على خليفة الموحدين بالمغرب الأقصى أن دخل بجاية سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م واصطحب يحيى معه إلى عاصمته مراكش، واتسع فى إكرامه. وبذلك انتهت دولة بنى حماد فى الجزائر، وكان حكامها يأخذون بأسباب من الحضارة، وكانوا بصيرين بشئون الحكم، وعاملوا رعاياهم معاملة حسنة، وأحدثوا فى القلعة وبجاية عاصمتيهما نهضة فى الآداب والعلوم والتحضر بلغت شأوا عظيما، وعنوا بالصناعة والزراعة والتجارة مع إفريقيا والسودان فى الجنوب ومع أوربا فى الشمال، وكان أسطولهم التجارى يمخر عباب البحر المتوسط إلى مدن إيطاليا والأندلس، وأقاموا له ببجاية دار صناعة بحرية كبرى تمده بالسفن، وقد عقدوا مع الدول البحرية الأوربية معاهدات تجارية. وبدون ريب كان لهجرة الأعراب البدو من بنى هلال واكتساحهم للزاب بإبلهم وخيلهم ورجلهم فى القرن الخامس الهجرى أثر غير قليل فى إفساد الزاب، وحدثت الطامة فى القرن السادس الهجرى إذ أخذوا يتقدمون إلى الأطلس التلى وجبال البابور وامتدوا شرقا حتى سهول بونة (عنابة) وأصبح بنو حماد وبجاية فى حاجة إلى من ينقذهم، وأنقذهم عبد المؤمن خليفة الموحدين فى مراكش. وكان يعرف خطورة الهلاليين على البلاد، فأدار معهم معركة حاسمة بالقرب من سطيف جنوبى بجاية ومزقهم تمزيقا وطارد فلولهم حتى تبسة جنوبى باغاية. وتعد هذه المعركة نهاية المعارك الكبرى للهلاليين فى الجزائر، وأخذوا بعدها يتأقلمون ويتغرّبون أو يصبحون جزءا من الشعب المغربى، وانتفع بهم عبد المؤمن فى حروبه بالأندلس وكذلك ابنه يوسف وحفيده يعقوب وخاصة فى معركة الأرك المشهورة. وكان نورمان صقلية قد استولوا على المهدية سنة ٥٤٣ وبالمثل على طرابلس وطلب أهلهما من عبد المؤمن النجدة، فسار سنة ٥٥٣ بجيش ضخم وأسطول كبير إليهم، وقلم فى الجزائر وإفريقية التونسية أظفار الأمراء المستبدين بالبلاد، وحاصر المهدية ثم طرابلس برا وبحرا سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م وفر النورمان خاسئين مدحورين، ويطبق فى الإقليمين التونسى والجزائرى ما اتخذه فى المغرب من التراتيب المخزنية فى إدارة الحكم، وظلت قائمة إلى نهاية الدولة الحفصية. وتظل الجزائر هادئة فى عهده وعهد ابنه يوسف الذى خلفه سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٢ م وتوفى يوسف ويخلفه ابنه يعقوب
стр. 4642
سنة ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م. وفى عهده ثار عليه بنو غانيّة ولاة المرابطين فى جزيرة ميورقة، ونزل منهم على وأخوه فى الجزائر والإقليم التونسى يحاولان أن يقيما فيهما دولة لمقاومة دولة الموحدين بالمغرب الأقصى ويعدا جيشا لحربهم. وأحدث على قلاقل كثيرة فى الساحل الجزائرى بين بجاية ومليانة وكذلك فى الساحل التونسى، فخرج إليه يعقوب بجيش جرار سنة ٥٨٣ وظل طوال مسيرته إليه فى بلدان الجزائر وتونس يبنى المساجد كما يبنى المستشفيات، وعلى بن غانية يفر أمامه إلى أن لقى مصرعه، وعاد يعقوب إلى عاصمته. وخلف على فى شغبه على الموحدين أخوه يحيى وظل يستعين بالعصابات الهلالية، ومرة ينتصر ومرة ينهزم حتى توفى فى برية تلمسان سنة ٦٣١.
(ب) الدولة (١) الحفصية بتونس
فى هذه الأثناء قامت الدولة الحفصية، وكان مؤسسها أبو زكريا بن عبد الواحد بن يحيى بن أبى حفص واليا للموحدين على إفريقية التونسية، واستطاع أن يخضع الجزائر، أو بعبارة أدق أن يضمها إلى ولايته، إذ كانت دولة الموحدين قد ضعفت ضعفا شديدا، فاستقام له حكم البلدين حكما رشيدا يقوم على نشر العدل والأمن فى البلاد، وحين نشأت الدولة المرينية ظلت تعلن البيعة والولاء له حتى وفاته سنة ٦٤٧ هـ/١٢٥٨ م وكذلك لابنه محمد، وكان التتار قد قضوا على الخلافة العباسية فى بغداد سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م وأصبح المسلمون بدون خلافة، فانتسب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعمل بعض أتباعه على أن تبايعه مكة بالخلافة وبايعته، وتسمى باسم أمير المؤمنين وتلقب بلقب المستنصر بالله، وكان عهده فى الجزائر شرقا وغربا-كعهد أبيه-عهد رخاء واستقرار إلى وفاته سنة ٦٧٥ هـ/١٢٥٨ م. وقامت منافسات على الحكم بين أبنائه واقتتلوا وأخذ حكم الدولة ينحسر عن غربى الجزائر كما أخذ المرينيون يتخلصون من الولاء لهم، واقتحم الجزائر أبو يحيى أخو السلطان يوسف بن يعقوب المرينى سنة ٧٠١ هـ/١٣٠١ م ودخل بجاية وخرّب بستانها المسمّى بالبديع وعاد أدراجه. وانتهى من حينئذ حكم الدولة الحفصية بالجزائر، فلم تعد تمد سلطانها على تاهرت وشرشال ومدينة الجزائر، إذ تراجع حكمها-حتى نهاية أيامها فى القرن العاشر الهجرى-إلى بجاية وسطيف وبسكرة وقسنطينة والزاب. وفى الأكثر كانت تفرض تلمسان فى عهد بنى زيان سلطانها على الجزائر الغربية وأحيانا كان يفرضه عليها بنو مرين وقلما كانت تفرضه الدولة الحفصية. وحاول الخليفة الحفصى أبو عصيدة تلافى هذه الخصومة سريعا، فأرسل فى سنة ٧٠٣ وفدا
стр. 4643
إلى السلطان المرينى لتحسين العلاقات بينهما، وتحسنت وتعددت بينهما السفارات. وأخذت الدولة الحفصية تزداد ضعفا فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى، مما جعل السلطان المرينى أبا الحسن يجتاح تلمسان والجزائر ويدخل تونس سنة ٧٤٨ هـ/١٣٤٧ م ويظل بها سنتين، ويعلم بثورة أبى عنان ابنه عليه فى المغرب الأقصى فيعود إلى بلاده. وتعود للحفصيين دولتهم فى طرابلس وتونس والجزائر الشرقية حتى بجاية، ويحاول أبو عنان-بعد توليه الحكم-الاستيلاء من جديد على تونس ويكتسح الجزائر سنة ٧٥٣ هـ/١٣٥٢ م ويوجه إلى تونس حملة بحرية لمعاونة القوات البرية. ويستولى عليها لمدة شهرين، إذ يضطر إلى مبارحتها لثورة قبيلة رياح عليه ويهدم حصونها فى الزاب، ويعود إلى فاس عاصمته. وتستعيد الدولة الحفصية مدنها فى الجزائر الشرقية وتتحسن العلاقات بينها وبين الدولة المرينية. وتعود إليها قوتها فى عهد السلطان الحفصى أبى فارس عبد العزيز فيعدّ سنة ٨٢٧ هـ/١٤٢٣ م جيشا جرارا يفتح به غربى الجزائر وتلمسان حتى إذا اقترب من فاس يريد غزوها أرسل إليه صاحبها أبو سعيد عثمان المرينى رسالة يقول فيها: «إن البلاد بلادكم والسلطنة سلطنتكم وجميع ما تأمروننا به نمتثله» وكانت الرعية شكت من ظلمه فأمره أبو فارس بالعدل الذى لا تصلح حياة الرعية بدونه، وعاد إلى عاصمته تونس. ويتولى الحكم بعده حفيده أبو عمرو عثمان سنة ٨٣٨ هـ/١٤٣٤ م وامتد حكمه إلى خمسة وخمسين عاما نعمت فيها تونس والجزائر الشرقية بالأمن والعدل والرخاء، وثارت عليه تلمسان فاستردّ ولاءها لدولته وهو خاتمة الخلفاء الحفصيين المهمين، وتوفى سنة ٨٩٣ هـ/١٤٨٧ م وأخذت الدولة بعده فى التدهور وأخذت تستقل عنها بعض البلاد فى إقليم الجزائر الشرقية.
(ج) بنو عبد (١) الواد بتلمسان
لم نفصل القول حتى الآن عن تلمسان، وكان بنو زناتة يسيطرون عليها، ومر بنا أن الأدارسة استولوا عليها، وأن الفاطميين أخضعوها لهم بعدهم، وانحسرت عنهم دولتهم، أو ثاروا عليها، مما جعل صنهاجة بزعامة بلكين تغزوهم سنة ٣٦٨ للهجرة ويثأرون لأنفسهم بزعامة زيرى بن عطية سنة ٣٨٩ وتهزمهم صنهاجة سنة ٣٩٥ وتظل زناتة مسيطرة على تلمسان إلى أن يستولى عليها يوسف بن تاشفين المؤسس الحقيقى لدولة المرابطين بمراكش سنة ٤٧٤ هـ/١٠٨١ م وتظل تابعة للمرابطين إلى انتهاء دولتهم، وتتبع بعدهم دولة الموحدين. وقرّبوا منهم بنى عبد الواد الزناتيين. وفى سنة ٦٢٧ هـ/١٢٢٩ م ولوا منهم جابر بن يوسف
стр. 4644
على تلمسان فأخذ يعمل على الاستقلال ببلده عن الموحدين، غير أنه توفى سريعا، وخلفه بعض أفراد من أسرته، وصارت سنة ٦٣٣ هـ/١٢٣٦ م إلى يغمراسن فأعلن استقلاله عن الموحدين، ونصّب نفسه أميرا للمسلمين، وسيّر إليه أبو زكريا الحفصى أمير إفريقية التونسية والجزائر الشرقية جنده فأعلن له الولاء، وعاد بجنده. وزحف إليه السعيد الموحدى سنة ٦٤٦ هـ/١٢٤٨ م وانتصر عليه يغمراسن. ونشبت بينه وبين قبيلة المعقل وغيرها من القبائل الصحراوية حروب كثيرة، وجعل بينه وبينها قبيلة بنى عامر لتدرأ خطرها، وواقع مرارا بعض أعمال تلمسان فى غربى الجزائر، وتوفى سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م بعد أن ثبّت فى تلمسان دعائم الملك لأبنائه. وخلفه ابنه أبو سعيد عثمان، وقد وسّع أطراف مملكته فى غربى الجزائر حتى جبال ونشريس ومدينة المدية فى الأطلس التلى جنوبى مدينة الجزائر ومدينة تنس على الساحل غربى شرشال. وغزا تلمسان لعهده سلطان الدولة المرينية يوسف خمس مرات هزم فى أربع منها وفى الخامسة حاصر تلمسان سنة ٦٩٨ هـ/١٢٩٨ م وظل محاصرا لها ثمانى سنوات وثلاثة أشهر، ومات أبو سعيد فى الحصار كمدا سنة ٧٠٣ هـ/١٣٠٣ م وأعقبه ابنه أبو زيان وتوفى كمدا مثله سنة ٧٠٧ هـ/١٣٠٧ م وفى نفس السنة توفى السلطان المرينى يوسف وفكّ المرينيون الحصار عن تلمسان، وكان وليها أبو حمو موسى الأول فاشتغل بتثبيت ملكه وغزا غربى الجزائر واستولى على مليانة ومدينة الجزائر وسهل متيجة جنوبيها وكاد يستولى على بجاية وقسنطينة واغتيل سنة ٧١٨ هـ/١٣١٨ م وخلفه ابنه أبو تاشفين، وكان مولعا بتشييد القصور ونزل قسنطينة وأفسد الزرع، واستولى على بجاية من الدولة الحفصية مما جعل سلطانها يطلب العون من بنى مرين أصهاره فتشفّع له سلطانهم أبو الحسن، فرد أبو تاشفين رسله إليه أسوأ رد. فحاصر تلمسان، وبنى أمامها مدينة غربيها لسكناه سماها المنصورة وضيّق عليها الحصار وشدّ الخناق سنتين حتى دخلها عنوة سنة ٧٣٧ هـ وقاتل أبو تاشفين وأبناؤه دونها وقتلوا جميعا، وبذلك انتهت دولة بنى عبد الواد الأولى بتلمسان بعد أن حكمتها مائة عام ونيفا.
وأخد أبو الحسن المرينى يستولى على بعض البلدان فى غربى الجزائر. وفى سنة ٧٤٨ عين ابنه أبا عنان على تلمسان وما صار إليه من بلدان الجزائر، وزحف شرقا إلى تونس واستولى عليها من السلطان الحفصى وظل بها ما يقرب من سنتين، وعصته القبائل العربية فى تونس ونازلته وهزمته، وجاءته أخبار بأن أبا عنان ابنه غادر تلمسان إلى فاس العاصمة ودعا لنفسه فيها فبارح تونس سريعا إلى فاس، وفى هذه الأثناء انتهز أميران من الأسرة الزيانية الفرصة هما: أبو سعيد وأبو ثابت واستوليا على تلمسان سنة ٧٤٩ واشتركا فى حكمها، حتى إذا كانت سنة ٧٥٣ نازلهما السلطان المرينى أبو عنان واستولى منهما على تلمسان، ونرى الشاب الزيانى أبا حمو موسى الثانى يفر إلى تونس ويكرمه سلطانها ووزيره ابن تافراكين. وفى سنة ٧٦٠ هـ/١٣٥٨ م جهّز أبو حمو موسى الثانى جيشا من تونس والجزائر وفتح تلمسان وأخرج
стр. 4645
منها المرينيين وأعادها إلى أسرته. ولم تتسمّ الدولة حينئذ دولة بنى عبد الواد، بل تسمت باسم دولة بنى زيان نسبة إلى أحد الجدود الأولين، وهو أبو يغمراسن مؤسس الدولة الأولى ودبّر أبو حمو أمور الدولة تدبيرا سديدا ونهض بتلمسان نهضة علمية وأدبية، وكان شاعرا، واتخذ هو وخلفاؤه لقب أمير المؤمنين واصطنعوا بها لها نظاما شبيها بنظم الخلافة فى الشرق فصّل القول فيه الحسن الوزان فى كتابه وصف إفريقيا قائلا إنهم اتخذوا مراسم دقيقة إذ قسموا الإدارة قسمين إدارة عسكرية وإدارة مدنية، وعلى رأس الأولى القائد، وعلى رأس الثانية الكاتب الأول، ومن ورائهما خازن المال أو الصراف الذى يأمر بصرفه إلى مناصب ووظائف عديدة. وتوفى أبو حمو موسى الثانى سنة ٧٩١ وتنازع أبناؤه وتقاتلوا فى سبيل الاستيلاء على الحكم، ومن أهمهم أبو زيان استولى على مقاليد الحكم سنة ٧٩٦ وكان عالما شاعرا وتهادى مع السلطان المملوكى برقوق وقتل سنة ٨٠١ هـ/١٣٩٨ م بيد أخيه أبى محمد عبد الله وحكم تلمسان حتى سنة ٨٠٤ وخلفه أخوه أبو عبد الله محمد المعروف بابن خولة إلى سنة ٨١٣ هـ/١٤١٠ م وأخذ يكثر فى الأسرة القتل والخلع، وتتدخل الدولة الحفصية لنصرة الأخ على أخيه أو القريب عما أو غير عم على القريب. وفى سنة ٨٢٧ استولى السلطان أبو فارس الحفصى على تلمسان، واتسع من حينئذ تدخل الدولة الحفصية فى تولية حكام الدولة الزيانية، وقد ولّى عليها أبو فارس الحفصى أبا مالك عبد الواحد وقتل سنة ٨٣٣ وتولاها أحمد العاقل ابن أبى حمو ويتولاها المتوكل بعده سنة ٨٦٦ هـ/١٤٦١ م وثار عليه محمد بن غالية وقضى على ثورته وتاريخ وفاته شديد الغموض.
وأخذت دولة بنى زيان بتلمسان وغربى الجزائر تتدهور سريعا منذ نهاية القرن التاسع الهجرى، وبالمثل تدهورت الدولة الحفصية فى شرقى الجزائر وتونس وطرابلس، وكان فرديناند ملك إسبانيا قد أخرج العرب من غرناطة آخر قلعة بالأندلس، فنزلوا سواحل الجزائر وتونس وطرابلس، فرأى أن يستأنف الحروب الصليبية بتعقبهم فى تلك السواحل، وأطمعه أنه لم يجد للدولة الزيانية ولا للدولة الحفصية أسطولا يحمى ثغورهما على البحر المتوسط، واستولى فى الساحل الغربى للجزائر على المرسى الكبير إلى الشمال الغربى من وهران سنة ٩١٠ هـ/١٥٠٥ م وعلى وهران سنة ٩١٤ هـ/١٥٠٩ م وأيضا على مستغانم ومدينة الجزائر إلى الشرق من وهران، واستولى فى الساحل الشرقى للجزائر التابع للدولة الحفصية على بجاية سنة ٩١٧ هـ/١٥١١ م وأيضا على ثغرى جيجل وعنابة، وكأنما أصبح الساحل الجزائرى جميعه غربا وشرقا فى قبضته، إذ أهمل التلمسانيون والحفصيون الرباطات والمحارس الساحلية التى أكثر الأسلاف من إقامتها على البحر المتوسط حماية للبلاد من قراصنة الغرب.
стр. 4646
٦ -
العهد (١) العثمانى
وفى هذه الأثناء كان يجوب البحر المتوسط بطلان تركيان من رجال البحر هما عروج وخير الدين (بربروس) وكانا قد تطوعا بنقل الأندلسيين المطرودين من غرناطة وإقليمها إلى سواحل البلاد المغربية، وغضبا غضبا شديدا لاستيلاء النصارى الإسبان على سواحل الجزائر الإسلامية والبلدان المغربية وصمما على إنقاذها منهم، واتفقا مع الخليفة أبى عبد الله الحفصى أن يتخذا جزيرة جربة فى تونس قاعدة لضرب الأسطول الإسبانى وتحرير الساحل الجزائرى. ولم يلبثا أن استوليا من الإسبان على مدينة الجزائر سنة ٩٢٢ هـ/١٥١٦ م وأخذا يديران منها معارك حامية مع الإسبان، اشترك معهم فيها الجزائريون والأندلسيون المهاجرون الموتورون من فرديناند والإسبان، وحميت المعارك وأخذت بعض الموانى الساحلية تسقط فى حجر البطلين، وتوفى عروج قبل الأوان، ومضى خير الدين فى حملاته، ورأى-بثاقب نظره- أنه لا يستطيع إقامة ملك تركى مستقل بالجزائر، فأرسل إلى السلطان العثمانى بولائه له هو وفتوحاته فى الساحل الجزائرى، وقبل منه ذلك، وسماه: «بايلاريك» أى أمير الأمراء، وأمده بجند وأسطول، وبذلك دخل الأتراك الحرب ضد الإسبان المعتدين، واستطاع خير الدين (بربروس) حتى سنة ٩٤٢ هـ/١٥٣٦ م أن يحرر الساحل الشرقى والغربى من الجزائر ما عدا المرسى الكبير ووهران، ودمّر الأسطول الإسبانى فى مواقع عديدة. وبذلك وقف هذه الحرب الإسبانية الصليبية، وأنقذ الإسلام فى إفريقيا، وأسس بقوة السلاح-فى الجزائر-دولة إسلامية عثمانية. وظلت الملحمة الحربية دائرة فى الجزائر بين النصرانية تمثلها إسبانيا والإسلام يمثله الترك. ويخلف خير الدين (بربروس) ابنه حسن، وتمنحه الدولة العثمانية لقب بايلاريك مثل أبيه، وكان على شاكلته بطلا مقداما. وشنّ شارل الخامس ملك إسبانيا سنة ٩٤٨ هـ/١٥٤١ م حملة بحرية على مدينة الجزائر ظل يستعد لها طويلا، وما إن ألم أسطوله بها حتى سحق سحقا أمام المدينة، وغنم البايلاريك حسن والجزائريون والأندلسيون المهاجرون كل ما كان بالأسطول من سلاح وآلات وعدد. واستولى البايلاريك حسن على المرسى الكبير وهدمه، كما استولى عنوة على كل المواضع التى كان يحتلّها الإسبان هناك ما عدا وهران، فقد بقيت فى يد الإسبان حتى سنة ١١١٩ هـ/١٧٠٧ م إذ استطاع القائد أوزن حسن فى عهد الباشا محمد بكداش فتحها وطرد الإسبان منها، وعادت إليهم سنة ١١٤٤ هـ/١٧٣٢ م إلى أن طردوا
стр. 4647
منها نهائيا فى عهد الباي محمد الكبير سنة ١٢٠٥ هـ/١٧٩١ م. وفى عهد البايلاريك حسن عاد الإسبان بعد هزيمة شارل الخامس بقيادة الكونت دالكادوت سنة ٩٦٥ هـ/١٥٥٧ م وأداروا معركة عند مدينة مستغانم شرقى المرسى الكبير وسرعان ما اندحروا وقتل قائدهم وفروا إلى البحر وما وراءه، وهو ما حدث للأسطول الدانماركى سنة ١١٨٤ هـ/١٧٧٠ م ولحملة أدريلى الإسبانية آخر القرن الثانى عشر الهجرى.
ويذكر للبايلاريك حسن بن خير الدين أنه بسط الحكم التركى أو العثمانى على الجزائر جميعها على الساحل والجبل التلى والداخل، وكان ملوك تلمسان الزناتيون يناورونه-كما ناوروا أباه خير الدين-فتارة معه وتارة مع الإسبان، وسئم أهلها من هذا الصنيع، وأفتى مجلس علماء تلمسان بخلع الحسن آخر ملوكهم سنة ٩٦٢ فالتجأ إلى إسبانيا وبها قضى نحبه، وأظلّ الحكم العثمانى تلمسان منذ هذا التاريخ مثل أخواتها من المدن الجزائرية. وكانت تحدث أحيانا مناوشات حربية بين الجزائر والدولة العلوية فى المغرب الأقصى، ولعل أهمها ما حدث زمن إسماعيل العلوى فى سنتى ١١٠٢ هـ/١٦٩١ م و ١١١٤ هـ/١٧٠٣ م إذ باءت بالإخفاق الذريع محاولاته فى نزع إقليم تلمسان من الجزائر العثمانية.
وقد وضع البايلاريك خير الدين للجزائر العثمانية ناموس الحكم وقوانينه ورتب الدواوين وقدّر الرواتب، وخلّف حامية عسكرية عثمانية من الانكشارية، وهم جند الدولة العثمانية الذين كانت تعنى بتربيتهم تربية عسكرية إسلامية، وكانوا من الأناضول أو من رعاياها. وفى الأكثرية كانوا من سباياها فى أوربا، وكان على كل مائة منهم رئيسا يسمى الداى. وخطب الخطباء فى بلدان الجزائر باسم السلطان العثمانى وضربت السكة باسمه، وتولى أربعة بلقب البايلاريك (أمير الأمراء) حتى سنة ٩٩٥ هـ/١٥٨٧ م، وكانوا أشبه بحكام مستقلين يديرون شئون البلاد مع الاعتراف بسيادة السلطان العثمانى الأعظم، وحاولوا الحد من سلطان الانكشارية بتكوين فرق مجندة من العرب، وخاصة من قبائل التل وزواوة. . وأقلق استقلالهم الدولة العثمانية فى الآستانة، فرأت أن يتحول الحكم فى الجزائر من البايلاريك إلى الباشا وظل عهد الباشوات حتى سنة ١٠٦٩ هـ/١٦٥٩ م وكان الباشا يولّى لمدة ثلاث سنوات، وقد تجبره الانكشارية ورؤساؤها إلى العودة قبل ذلك، مما جعل مددهم قصيرة وحاولوا لذلك جمع ثروات طائلة، وثار عليهم الأغوات من قادة الانكشارية فاستولوا على أزمة الحكم ولم يعد للباشوات إلا بعض المهام التشريفية حتى سنة ١٠٨١ هـ/١٦٧١ م واختل الأمن فى هذا العهد، واغتيل الأغوات جميعا، واغتصب السلطة رؤساء الانكشارية المعروفين باسم الدايات حتى الاحتلال الفرنسى سنة ١٢٤٥ هـ/١٨٣٠ م واختفت الباشوات فلم يعد الباب العالى العثمانى يولى منهم أحدا، إذ أصبح الداى الذى ينتخبه رؤساء الانكشارية الحاكم المطلق فى الجزائر،
стр. 4648
وكانوا يولونه ويخلعونه وفقا لأهوائهم، ويستجيب لهم الباب العالى، وبلغوا حتى الاحتلال الفرنسى ثمانية وعشرين دايا، اغتيل نصفهم. وأخذ الحكم يفسد، وزاد فى فساده أن القرصنة التى كانت مصدر دخل كبير للدولة فى القرنين السادس عشر الميلادى والسابع عشر ضعفت وتضاءلت لسيطرة الدول الأوربية العظمى على البحر المتوسط، وعوّض ذلك الدايات بكثرة السلب والنهب من الجزائريين مما أدى إلى فساد الحكم العثمانى فى هذا العهد-وخاصة فى أواخره-فسادا شديدا. وكانت سلطة الداى-كما قلنا-مطلقة، وكان يعاونه فى الحكم مجلس يعرف بالديوان لا يقطع أمرا دون مشورته، وهو أشبه بمجلس وزراء، وكان يتألف من ستة: الأغا وهو القائد الأعلى للقوات البرية، ووكيل الخرج وهو وزير البحرية ويشرف على القرصنة، والقبودان وهو القائد للأسطول وجند البحر، والخزنجى وهو وزير المالية، وخوجة الخول وهو جابى الضرائب وشيخ المدينة المشرف على القضاء والشرطة، والباش كاتب وهو رئيس الديوان ومعهم بعض كبار رجال الدين ونقيب الأشراف. وبجانب هذا الديوان أو المجلس مجلس الديوان العسكرى ويتألف من رؤساء الجنود، ومجلس الرياس البحرى ويتألف من قواد البحر، وكان لهذين المجلسين نفوذ كبير. وكان هناك مجلس أعلى للقضاء يرأسه القاضى الحنفى، وكان فى أول الأمر يأتى من الآستانة مع الوالى، ويعاونه فى المجلس قضاة مذهبى الحنفية والمالكية. وكانت تعرض على المجلس بعض أحكام القضاة مما يستوجب إعادة النظر، وهو أشبه بمجلس استئناف شرعى. وكانت الجزائر مقسمة إلى ثلاث ولايات كبرى: ولاية قسنطينة فى الشرق، وولاية تيطرى فى الوسط وعاصمتها مدينة المدية، وولاية غربية وكانت عاصمتها مدينة مزونة ثم معسكر منذ سنة ١١٢٢ هـ/١٧١٠ م ثم وهران منذ سنة ١٢٠٧ هـ/١٧٩٢ م وقسمت هذه الولايات-أو كما كانت تسمى البكويات نسبة إلى البك حاكمها من قبل البايلاريك أو الباشا أو الأغا أو الداى، وكان لكل بك سلطة واسعة فى ولايته. وكانت صلته بالحاكم العثمانى فى مدينة الجزائر تنحصر فى شيئين أساسيين هما: جباية الأموال فى ولايته وأداؤها للخزينة العامة، وجمع الجند الذين ينبغى أن يرسل بهم للخدمة فى الجيش، وكانوا جندا معاونا يعاونون فى الأزمات تحت قيادة الضباط العثمانيين. وكانت بالجزائر قبائل كثيرة فى الأطلس التلى ووراءه وبالمثل فى الأطلس الصحراوى ووراءه فى الصحراء الجنوبية، وكانت هذه القبائل قسمين: قسما تتفاوت تبعيته للداى أو للعثمانيين قوة وضعفا ويدفع العشور وضريبته تسمى لازمة، وقسما مواليا للدولة معفى من الضرائب ما عدا الرسوم القانونية، وتسمى قبائله باسم قبائل المخزن، وكانت تمد الدولة العثمانية فى الجزائر بالمحاربين وجباة الضرائب وموظفى الشرطة المحافظين على الأرض فى البلاد. ودعموا دائما شيوخ القبائل، فكانوا يقطعونهم الأراضى ويمدونهم، -إذا شاءوا-بالحاميات العسكرية،
стр. 4649
وفرضوا على أنفسهم تجلة علماء الدين، وأشركوا بعض كبارهم فى ديوان الحكم، كما مرّ بنا، وبالمثل كانوا يجلّون المتصوفة ويحمون طرقهم ويطلبون منهم البركات والعون على الرعية.
وكان العثمانيون طوال حكمهم للجزائر يستأثرون بكل مناصب الدولة، مع أنهم دخلوها بطلب من أهلها لعونهم ضد الغزو الإسبانى، وهم إخوانهم فى الدين، والعدو عدو لدينهم معا، فكان ينبغى أن يطبقوا تعاليم الإسلام وأن يوثقوا الأخوة بينهم وبين الجزائريين وأن يشاوروهم فى الحكم وأن يفسحوا لهم فى تولى مناصب الدولة الرفيعة. ونعجب إذ نراهم يعاملون الجزائريين معاملة المنتصر للمهزوم. وكثيرون من القوة الانكشارية ورؤسائها تزوجوا من جزائريات، ومع الزمن نشأت طبقة من الأبناء آباؤهم عثمانيون وأمهاتهم جزائريات، وكان العثمانيون يسمونهم كراغلة جمعا لكرغلى، وجعلوهم أدنى منهم مرتبة فلا يولون منصبا رفيعا من مناصب الدولة، فضلا عن منصب الداى الحاكم للبلاد باستثناء البايلاريك حسن بن خير الدين، فقد كانت أمه جزائرية. وفى أواسط القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) تمرد الكراغلة فقبضوا على رؤسائهم ونكّلوا بهم، وبذلك أوصدوا الأبواب فى وجوههم، فلم يتولوا المناصب العليا فى الدولة مثلهم فى ذلك مثل الجزائريين. وكان الجزائريون يثورون أحيانا على العثمانيين، غير أن لهب الثورة كان ينطفئ سريعا، ومن أهم ثوراتهم ثورة زواوة سنة ١١٥٨ هـ/١٧٤٥ م بسبب ضرائب جديدة فرضت عليها وظلت الثورة نحو عام وقضى عليها حين جنّدت لها الدولة جيشا جرارا.
وكانت الجزائر قد منيت-منذ أواخر القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) بعهد الدايات وفى عهدهم أخذت تشيع الرشوة ويشيع الظلم واغتصاب الجنود الانكشاريين من المواطنين الأموال عسفا دون أى مراعاة لدين أو خلق. وظل الدايات بعيدين عن الشعب الجزائرى لا يعرفون لغته ولا عاداته وتقاليده وطرق معيشته، ولم يحاول أحد منهم أن يجعل حكم الجزائر وراثيا فى أبنائه كما فعل بايات تونس وباشوات طرابلس، ولو حدث ذلك لأصبح الحكم العثمانى فى الجزائر شيئا فشيئا وطنيا على نحو ما حدث فى تونس وطرابلس. وما نصل إلى أواخر القرن الثانى عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادى) حتى يهبط الدخل العام للدولة بسبب ضعف القرصنة كما أسلفنا وما تجبى الدولة منها من أموال. ولم تكن القرصنة فى نظر الجزائريين والترك لصوصية بحرية كما قد يظن، بل كانت فريضة جهاد إزاء دار الحرب الأوربية النصرانية، وظلت موردا مهما للجزائر منذ القرن العاشر إلى القرن الثانى عشر. وكان القراصنة الجزائريون والترك والمهاجرون من الأندلس يغيرون على سواحل إسبانيا وجنوب فرنسا وإيطاليا ويعودون بغنائم وأموال وافرة. ومنذ أواسط القرن الثانى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) كانت تقاومهم أساطيل إنجلترا وفرنسا، غير أن الدول والإمارات الأوربية الصغيرة مثل السويد والدانمارك وهولندة ونابولى ظلت طويلا تدفع لدولة الجزائر العثمانية إتاوة سنوية نظير ضمان
стр. 4650
قراصنتها لسلامة رعاياها، وكان القراصنة يجلبون إلى الجزائر مئات بل آلافا من الأسرى الأوربيين المسيحيين، وكثيرا ما كانت تكتظ موانى الساحل الجزائرى بأفواج منهم، وكانوا يعاملون-حسب تعاليم الإسلام-معاملة كريمة ويؤدون شعائرهم الدينية فى حرية تامة، فى الوقت الذى كانت فيه إسبانيا تخير الأندلسيين فيها بين التنصر أو الموت، راكلة بأقدامها حقوقهم الإنسانية المشروعة. واعتنق كثيرون من هؤلاء الأسرى الدين الحنيف، وآثروا البقاء فى الجزائر ولم يقبلوا الرجوع إلى أوطانهم وبلدانهم الأوربية.
وبينما كانت الجزائر العثمانية تعانى من أزمة اقتصادية خانقة فى أواخر القرن الثانى عشر الهجرى وأوائل الثالث عشر (أواخر القرن الثامن عشر الميلادى) بسبب تضاؤل موارد القرصنة إذا شركتان يهوديتان ليهودى يسمى نفتالى تسيطران على اقتصاد البلاد وتمتصان خيراتها منذ سنة ١١٩٥ هـ/١٧٨٠ م وما يزال سخط الجماهير والانكشارية العسكرية يزداد على هذا الرجل حتى إذا كانت سنة ١٢٢٠ هـ/١٨٠٥ م ثاروا عليه وعلى اليهود ثورة عنيفة فقتلوه مع كثيرين من إخوانه فى الدين. وفى سنة ١٢٣٢ هـ/١٨١٦ م حطم الداى على خوجه النفوذ التركى باعتماده على الجند الزواوى الجزائرى الوطنى، وبذلك أخذت الحكومة العثمانية فى الجزائر شكلا وطنيا كان له فرحة عميقة فى نفوس الجماهير، ولم تبق للعثمانيين فى الجزائر إلا سلطة اسمية، وتوفى على خوجة سنة ١٢٣٤ هـ/١٨١٨ م. وولى الجزائر بعده وزيره حسين دايا، وفى هذه السنة اتخذ مؤتمر لا شابيل قرارا بإلغاء القرصنة، وذهب إلى الجزائر وفد إنجليزى فرنسى لإقناع الداى بإلغائها نهائيا، غير أنه أصرّ على إبقائها مع كل دولة لا تؤدّى للجزائر إتاوة لسلامة سفنها ورعاياها. وكانت الشركتان اليهوديتان المذكورتان آنفا مدينتين للداى والجزائر بنحو مليونين ونصف من الفرنكات، وكانتا تدينان فرنسا بنحو سبعة ملايين لصفقات من القمح اشترتها، وقررت فى سنة ١٢٣٥ هـ/١٨١٩ م أن تدفع للشركتين مبلغ أربعة ملايين ونصف، وكان الداى أبلغها ما له على الشركتين من دين حتى تحتفظ عندها بدينه عليهما، ولم تعره التفاتا مما أثار غضبه، وفى استقبال الداى لرجال السلك السياسى بأبريل سنة ١٢٤٣ هـ/١٩٢٧ م تحاور مع القنصل الفرنسى ويقال إنه أثار حفيظته فصاح به مشيرا بمروحة فى يده مسّها طرفه وطرده. وعدّت فرنسا تلك إهانة وطلبت من الداى اعتذارا علنيا، فلم يعتذر. وفى يونية من هذه السنة أعلنت الحرب على الجزائر وحاصرتها لمدة ثلاث سنوات وأخذت فى الإعداد لحملة عسكرية، وفى مارس سنة ١٨٣٠ هـ/١٢٤٥ م قال شارل العاشر ملك فرنسا فى خطاب العرش: إنه سيقوم بعمل لترضية الشرف الفرنسى فيه فائدة للمسيحية، وكأنه عدّ حربه للجزائر حربا دينية بين المسيحية والإسلام. وفى آخر مايو سنة ١٨٣٠ م أقلع وزير الحرب الفرنسى دى بورمون بأسطول حربى ضخم أرسى بسيدى فرج بالقرب من مدينة الجزائر، ودارت معارك ضارية لمدة شهر اضطر الداى بعدها إلى الاستسلام فى الخامس من
стр. 4651
شهر يوليه وأجبر هو والانكشارية على الرحيل عن البلاد. وبذلك انتهت مدة العثمانيين فى الجزائر بعد أن استمرت أكثر من ثلاثمائة عام وبدأ الاحتلال الفرنسى الآثم وظل الجزائريون يجاهدون الفرنسيين جهادا عنيفا أبلوا فيه بلاء عظيما تحت راية البطل المغوار الأمير عبد القادر حتى سنة ١٢٦٤ هـ/١٨٤٧ م ولم تسقط الراية من أيدى المجاهدين فقد تسلمتها لالا فاطمة فى شرقى الجزائر سنة ١٢٧٤ هـ/١٨٥٧ م وحملها سى سليمان وبيته من عشيرة سيدى شيخ لمدة عشرين عاما منذ سنة ١٢٨١ هـ/١٨٦٤ م كما حملها مقرانى وأخوه فى منطقة قسنطينة لمدة عامين. وهذه الحركات التحررية جميعها مكانها فى صحف تاريخ الأدب الجزائرى فى العصر الحديث.
стр. 4652
الفصل الثّانى
المجتمع الجزائرى
١ -
عناصر (١) السكان
البربر هم العنصر الأول الذى ملأ بقبائله وشعوبه وبطونه السواحل والسهول والتلال والجبال والهضاب من إقليم الجزائر، مثله فى ذلك مثل بقية أقاليم المغرب، واختلف المؤرخون طويلا فى نسب البربر من الأمم القديمة، فقيل إنهم أخلاط من اليمن فى آسيا، وقيل إنهم من لخم وجذام كانت منازلهم بفلسطين وأخرجهم منها بعض ملوك فارس، فلما وصلوا إلى مصر منعهم ملوكها من المقام بها، فعبروا النيل إلى ديار المغرب وانتشروا فى أرجائها، وقيل إنهم من ولد القبط المصريين، وقيل هم من ولد جالوت ولما قتل رحل بهم إفريقش من ساحل الشام إلى ديار المغرب وأسكنهم إفريقيا، وقيل هم قبائل شتى من حمير اليمنية ومضر العدنانية والقبط والعمالقة والكنعانيين، وقيل إنهم أبناء مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح، وكان مازيغ أخا لفلسطين، وبارح أبناؤه الشام إلى ديار المغرب فهم حاميون. ويعلق ابن خلدون على هذه الأقوال فى أنساب البربر وما يماثلها بقوله: إنها «أحاديث خرافة»، إذ مثل هذه الأمة (البربرية) المشتملة على أمم وعوالم ملأت جانب الأرض لا تكون منتقلة من جانب آخر وقطر محصور، والبربر معروفون فى بلادهم وأقاليمهم متميزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام، فما الذى يحوجنا إلى التعلق بهذه الترهات فى شأن أوليتهم، ولا يحتاج إلى مثله فى كل جيل وأمة من العجم والعرب». ويذكر ابن خلدون أن من النسابين البربر من يزعم فى بعض قبائلهم وشعوبهم أنهم من حمير اليمنية مثل لواته وهوارة وزناتة، ثم يقول: الحق الذى شهدت به الرطانة والعجمة (فى ألسنة البربر) أنهم بمعزل عن العرب». وابن خلدون محق فى قوله إن ذلك كله خرافة وترهات ومزاعم باطلة، ولا حاجة-أى حاجة- للبربر به، إذ هم شعب عريق لا يقل عراقة عن العرب والمصريين والفرس والروم، عاشت
стр. 4653
قبائله فى ديار المغرب: جزائر وغير جزائر من عصور سحيقة، وهم لا يمتون إلى الساميين عربا وغير عرب بأى عرق، وأولى أن يعدّوا حاميين إفريقيين، ولعل ذلك ما جعل ابن خلدون يقول عن اقتناع: «والحق الذى لا ينبغى التعويل على غيره فى شأن البربر أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح. . وأن اسم أبيهم مازيغ بن كنعان» ويؤيد رأى ابن خلدون ما ترجحه الدراسات اللغوية المقارنة بين اللغتين البربرية والمصرية القديمة الحامية من أن بينهما تشابها فى النظام الفعلى وفى بعض الصيغ مما يؤكد أن البربر من الحاميين.
وكما أن فى نسب البربر اختلافا فى الآراء كذلك كلمة البربر نفسها، فمن قائل إن البربر هم الذين سموا أنفسهم بهذا الاسم من قديم، ومن قائل إن العرب هم الذين أطلقوا هذا الاسم على سكان البلاد المغربية لعدم فهمهم للغتهم، ومنه قالوا «بربر» الشخص إذا تمتم بالكلام ولم يعرف السامع المراد، ومن قائل إن الكلمة من أصل لاتينى هو بربروس Barbarus وهو من لا يفهم كلامه، وأطلق الرومان الكلمة على شعوب البربر، لأنهم يتكلمون بلغة لا يفهمونها، ولعل هذا القول أكثر الأقوال سدادا، لنزول الرومان فى المغرب من قديم، وعنهم أخذها العرب وأطلقوها على سكان المغرب جميعا.
وما زال البربر بعيدين عن الشعوب القديمة لا يتصلون بها حتى إذا كان القرن العاشر قبل الميلاد-وربما قبله أو بعده بقليل-أخذ الشعب الفينيقى اللبنانى-وكان شعبا يحترف الملاحة-تجوب أسراب منه سواحل البلدان المغربية بحثا عن أماكن صالحة لرسو سفنهم وتبادل السلع مع السكان من البربر، واختاروا قرطاجة فى الإقليم التونسى فنزلوا بها أو قل اختاروا موقعها فأسسوا به أول موطن إفريقى لهم، وأخذوا يبحثون سريعا عن مواطن لهم فى ساحل الجزائر، فاختاروا بونة (عنابة) وجيجل وبجاية وشرشال وإسكيكدة غربيها وأخذوا يختلطون بسكان تلك المدن وينشرون بينهم حضارتهم الفينيقية، ويعلمونهم الزراعة وغراسة الأشجار. ويظنّ أنهم نقلوا إلى الجزائر أشجار الزيتون والنقل والفاكهة، وعلموا الجزائريين أيضا الملاحة والتجارة وكانت قوافلهم تجوب الجنوب وتحمل منه بعض الزنوج، وسمحوا لليهود منذ القرن الثالث قبل الميلاد بالنزول فى مدنهم. وبذلك كانت تعيش فى الجزائر لعهد الفينيقيين عناصر من اليهود والزنوج بالإضافة إليهم وإلى البربر.
وينشب صراع هائل بين قرطاجة وروما وينتهى سنة ١٤٦ قبل الميلاد باستيلاء روما على المدن الفينيقية فى الإقليمين الجزائرى والتونسى، ويستوطن هذه المدن كثير من الأسر الرومانية، وتكثر روما من قوافلها إلى الجنوب، وتعود محملة بكثير من الزنوج الذين يستخدمون فى الزراعة والرعى. ومنذ سنة ٧٠ للميلاد يفد على المدن الفينيقية بعض الأسر اليهودية بعد تدمير الإمبراطور تيتوس لمعبد بيت المقدس. وتستولى جموع الوندال الألمان من روما على الإقليمين
стр. 4654
الجزائرى والتونسى فى سنة ٣٩ - للميلاد، وتظل بها نحو مائة عام إلى أن يخرجهم منها قائد بيزنطى سنة ٥٣٤ للميلاد، ويخلفهم البيزنطيون وجنودهم وموظفوهم الإغريقيون. ومعنى ذلك أنه كان يعيش فى الجزائر بالقرن السادس الميلادى سبع سلالات: سلالة أساسية من البربر أصحاب البلاد ثم سلالات من الفينيقيين والزنوج واليهود والرومان والوندال الألمان واليونان.
ويقتحم العرب أسوار الجزائر حاملين مشاعل الدين الحنيف، وتظل تقتحمها جيوش عربية لإكمال الفتح وللقضاء على ما ينشب بها من ثورات طوال القرن الأول الهجرى، وتستجيب الجزائر لدعاة الدين الحنيف ولولاتها العظام فى هذا القرن الذين سوّوا فيه بمنتهى العدل بين الجنود المسلمين الفاتحين وبين من يسلم من البربر فى جميع الحقوق والواجبات: فى الضرائب وفى دخول الجيش والجهاد. ويتولى المغرب مع فواتح القرن الثانى الهجرى ولاة طغاة بغاة أخذوا يحرمون البربر من حقوقهم التى شرعها الإسلام، مما جعل بعض البربر يعتنقون مذهبى الإباضية والصفرية اللذين يريان التسوية المطلقة بين البربر والعرب فى الخراج وغير الخراج وحتى فى الخلافة فلا يصح أن تقصر على قريش وحدها، وهبّت ثورات متعاقبة منذ سنة ١٢٢ هـ/٧٣٩ م يقوم بها أتباع الصفرية أو أتباع الإياضية حتى عهد يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ). وإنما نذكر ذلك لندل على أن الجيوش العربية ظلت تقدم إلى الجزائر منذ الفتح، وكان كثير من جنودها جميعا يقيمون فى الجزائر وغيرها من الأقاليم المغربية، ولم يكونوا جميعا عربا بل كان بينهم كثيرون من أهل الرافدين والشام ومصر وإيران، ومن كل هذه العناصر استقرت سلالات فى الجزائر وعاشت مع أهلها وامتزجت بهم امتزاجا سريعا بحكم ما يجمع بين الجانبين من الدين واللغة. وأخذ ينزل فى المدن الساحلية بعض المسيحيين واليهود لما رأوا فى الإسلام وأصحابه من المعاملة السمحة.
وحول منتصف القرن الخامس الهجرى تحدث هجرة قبيلتى بنى هلال وسليم إلى الإقليمين التونسى والجزائرى انتقاما من المعز بن باديس حين وقف الدعوة العبيدية الفاطمية وخلع طاعة الخليفة وانضوى تحت لواء الخليفة العباسى، وكان آباء هاتين القبيلتين قد وضعوا أيديهم فى أيدى القرامطة ضد الدولة الفاطمية، فلما استسلموا لها أنزلتهم فى القفار بين النيل والبحر الأحمر، ورأى وزير خبيث للمستنصر أن يستخدمهم ضد المعز بن باديس ووعدهم بامتلاك دياره، فانقضّوا عليها واكتسحتها سيولهم اكتساحا حول منتصف القرن الخامس، مما اضطره إلى الانسحاب من القيروان إلى المهدية، وتدافعت سيول من هلال وبطونها: أثبج ورياح وعامر ومعقل وعدى، وكذلك من سليم وعشائرها: دياب وزغبة وعوف ومرداس والطرود، وكانوا بدوا رعاة غير متحضرين فمضوا ينهبون ويتلفون الزروع، ورأى صاحب قلعة بنى
стр. 4655
حماد أن يترك لهم الريف. وبدون ريب أحدثت هذه الهجرة الأعرابية كثيرا من الاضطراب فى الجزائر، غير أنها أفادتها فائدة كبرى إذ أكملت تعريبها وكانت قد أخذت فى التعرب منذ القرن الأول الهجرى واستيطان كثير من الجنود المسلمين لها، وقد تحولوا ينشرون الإسلام ومبادئ العربية وأخذ ذلك يتسع مع الزمن. غير أن تعرب الجزائريين كان لا يزال محدودا، حتى إذا حدثت هذه الهجرة الأعرابية الكبيرة لمئات الألوف من العرب، إذ لم يلتق بذلك بضعة آلاف من الأعراب بالشعب الجزائرى، بل التقت به مئات الألوف، بل التقى شعبان: الشعب البربرى صاحب الديار والشعب العربى المهاجر، ولم يلبث الشعبان أن اندمجا وأصبحا شعبا واحدا دينه واحد ولغته فى الغالب واحدة، إذ ظل هناك من يحافظون على لغتهم البربرية وخاصة فى أوعار الجبال، ومع ذلك كانوا يستخدمون مع قومهم اللغة التى تكونت فيما بعد، ونقصد العامية المشتقة من العربية. وقد أصبحت الكثرة الكاثرة من الجزائريين عربا فى اللغة والزىّ وعادات المآتم والأفراح، بل لقد أصبحت الجزائر جميعها شعبا عربيا ضخما بفضل هذه الهجرة الأعرابية.
وما نصل إلى سنة ٤٨٤ هـ/١٠٩٢ م حتى يستولى النورمان نهائيا على جزيرة صقلية وفى العام التالى يستولون على جزيرة مالطة، وينزح إلى الجزائر وتونس كثير من المسلمين فى الجزيرتين فرارا بدينهم من اضطهاد النورمان، وكانت كثرتهم-إن لم يكن جمهورهم- من أبناء إفريقية التونسية من سلالات الفاتحين للجزيرتين وكان بينهم بعض أبناء الجزيرتين ممن اعتنق آباؤهم الدين الحنيف. ونمضى إلى القرن السابع الهجرى وتسقط بلدان أندلسية كثيرة فى حجر نصارى الإسبان الشماليين، وينزح كثيرون من مسلمى الأندلس إلى الجزائر وبلدانها. وإذا كانت الهجرة الأعرابية أفادت الجزائر اكتمالا فى التعرب فإن الوفود المسلمة التى نزحت إليها من الأندلس أفادتها فى الزراعة والصناعات المختلفة: صناعة النسيج وغيره، وأفادتها فوائد كثيرة فى حياتها العلمية والأدبية، إذ نزح إليها كثير من العلماء وشاركوها فى حياتها العلمية كما شاركها فى حياتها الأدبية كثير من أدباء الأندلس الذين هاجروا إليها واتخذوها دارا ومقاما. واتسع نزوح من بقى بالأندلس من المسلمين منذ سنة ١٠١٦ هـ/١٦٠٩ م حين نفى الإسبان من كان لا يزال بالأندلس من المسلمين إلا من أعلن تنصره أو تظاهر بأنه نصرانى وتضاعفت إفادة الجزائر من هؤلاء النازحين-كإخوانهم السالفين-فى العلوم والآداب والزراعة والصناعات وما حملوا من الأندلس إلى الجزائر من مدنيتهم الأندلسية العظيمة. وقد نزح معهم كثيرون من اليهود فرارا من عسف الإسبان وبطشهم.
وكان الولاة فى العهد العثمانى يحيطون أنفسهم بحاميات عسكرية من الانكشارية، ومعروف أنها كانت تتكون من الترك فى الأناضول ومن أجناس شتى من أنحاء الدولة العثمانية ومن
стр. 4656
أسرى جيوشها الغازية فى البلاد الأوربية، وكانت تعنى بتربيتهم تربية عسكرية إسلامية، وترسل إلى الجزائر-كما ترسل إلى ولاياتها الأخرى-بضعة آلاف منهم، وكانوا يتزوّجون من جزائريات أحيانا مما جعلهم يرتبطون بأسرهن وبالجزائر ارتباطا وثيقا. والمجتمع الجزائرى لا تتداخل فيه سلالات هذه العناصر الكثيرة فحسب، فإن القرصنة جلبت إليه كثيرا من العناصر الأوربية، ومرّ بنا أنها أخذت تتسع اتساعا شديدا منذ استطاع خير الدين وعروج أن يجعلا من البحر المتوسط فى القرن العاشر الهجرى بحرا عثمانيا، وكان النازحون المسلمون من إسبانيا يملئون قلوب البحارة الترك حماسة ليتسعوا ما استطاعوا بالقرصنة انتقاما من الإسبان والأوربيين، وكانوا يسحبونهم على وجوههم من البحر المتوسط بالآلاف إسبانا وفرنسيين وإيطاليين ويونانيين وكريتيين، وكان كثيرون منهم يعتنقون الإسلام وتردّ إليهم حرياتهم ويصبحون جزائريين دينا ولغة، ويندمجون فى أهل البلاد اندماجا تاما.
وواضح أن الجزائر دخلتها من قديم عناصر كثيرة إفريقية وآسيوية وأوربية بجانب سكانها الأصليين من البربر، وقد فتحتها وعاشت فيها أمم كثيرة: فينيقيون ورومان ووندال وبيزنطيون وعرب وترك، وقد أفادت منها جميعا فى نظمها وطرق معيشتها وزراعتها وصناعتها. وكان كل من ينزلها من هذه الأمم ويستوطنها لا يلبث أن ينفصل عن موطنه ويزايل صبغته الأولى ويذوب فى الجزائر لما تتميز به من قوة الشخصية والهويّة الراسخة.
٢ -
المعيشة (١)
كان أساس المعيشة فى الجزائر الزراعة ورعى الأنعام، وتأتى بعد ذلك الصناعات اليدوية والملاحة وما ارتبط دائما بها من الصيد فى البحر ومما تحولت إليه فى أواسط العصر من القرصنة. والإقليم يموج بطيبات الرزق، ونستطيع أن نتمثل ذلك بوقوفنا أولا عند النواحى الزراعية فى مدن الساحل الشمالى ثم فى المدن الداخلية وما وراءها من المدن الصحراوية. وإذا سرنا فى الساحل من الشرق إلى الغرب لقيتنا مدينة القالة، وكانت تسمى قديما مرسى الخزر، وتليها مدينة بونة ومرّ بنا أن القديس أو غسطين كان أسقفا لها فى عهد الرومان، وهى تقع وسط سهل زبرجدى بالقرب من مصب نهر سيبوز وبها صهاريج رومانية قديمة. وكان الرومان
стр. 4657
يسمونها هيبون ثم أصبحت بونة العربية. وسميت فيما بعد عنابة لكثرة ثمر العناب بها ويجفّف ويصدّر، ويقول ابن حوقل: إنها ذات أسواق حسنة، والأرض المحيطة بها ذات تربة خصبة، وتنتج القمح والشعير والكتان والفواكه والعسل بكثرة، ويقول الحسن الوزان: «الأرض المزروعة خارجها تبلغ أربعين ميلا طولا وخمسة وعشرين ميلا عرضا، وكل الأراضى ممتازة لزراعة القمح، ويملك أهلها من قبيلة مرداس العربية أعداد كبيرة من الأبقار والثيران والأغنام». وإلى الغرب منها ميناء جيجل وأرضها وعرة، كما يقول الحسن الوزان غير صالحة إلا لزراعة الشعير والكتان والقنب، وبها كثير من شجر الجوز والتين. وغربها بجاية وكانت أكبر ميناء فى الساحل الجزائرى، ويقول الإدريسى: الحنطة والشعير موجودان فيها بكثرة والتين وسائر الفواكه. وإلى الغرب منها مدينة الجزائر، وهى ثغر رومانى جدّد بناءه بنو مزغنة، ثم زيرى بن مناد سنة ٣٥٦ للهجرة ويقول الحسن الوزان: «حولها الكثير من البساتين والأراضى المزروعة بأشجار مثمرة ويمر بجوارها من الجانب الشرقى نهر نصبت عليه طواحين، وسهول منطقتها جميلة جدا ولا سيما سهل المتيجة ويبلغ طوله حوالى خمسة وأربعين ميلا بعرض مقداره ستة وثلاثون ميلا حيث ينمو قمح وفير للغاية من أجود الأنواع». وغربيها مدينة شرشال وهى ميناء فينيقى رومانى ويقول الإدريسى: بها مياه جارية وآبار عذبة وفواكه حسنة كثيرة وسفرجل كبير الجرم ذو أعناق كأعناق القرع الصغار وبها كروم وبعض أشجار التين. ويقول الحسن الوزان إنها كانت قد هجرت فى أعقاب الحروب بين ملوك تلمسان وفاس وظلت خاوية خلال مدة تقارب ثلاثمائة عام حتى سقوط غرناطة بأيدى النصارى فى عام ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م فقصدها كثير من الغرناطيين (الأندلسيين المسلمين) فأعادوا بناء قلعتها وقسم كبير من منازلها وزرعوا أراضيها. وإلى غربيها مدينة تنيس، وهى ميناء فينيقى قديم، ويقول الإدريسى: بها من الفواكه كل طويفة ومن السفرجل الطيب المعنق ما يفوق الوصف فى صفته وكبره وحسنه، ويقول الحسن الوزان تنتج أرضها الكثير من القمح والكثير من العسل. وكانت قد خرّبت فأعاد إليها مهاجرو الأندلس الغرناطيون العمران والزراعة مثل أختها شرشال. وغربيها مدينة وهران ويقول الإدريسى: «على مقربة منها نهر عليه بساتين وجنات، وبها فواكه كثيرة وأهلها فى خصب، والعسل بها موجود وكذلك السمن والزبدة والبقر والغنم فيها رخيصة وبالثمن اليسير». وكانت وهران قرية صغيرة حتى إذا كانت الهجرة الأندلسية نزلها كثيرون من الغرناطيين وأسسوا وهران الحديثة.
وإذا تركنا مدن الساحل الشمالى إلى ما وراءه وسرنا فيه من الشرق إلى الغرب لقيتنا قالمة جنوبى بونة أو عنابة وهى مدينة فينيقية قديمة، ويقول الأستاذ أحمد توفيق المدنى إنها اشتهرت بتربية نوع من البقر يعد من أجمل أنواع البقر الموجود فى الجزائر، وبه صفات لا توجد فى غيره، ويذكر أنه يوجد بقربها حمام بديع يدعى حمام المسخوطين وبه مياه معدنية تفور من
стр. 4658
عشرة عيون شديدة الحرارة وهى تتراوح بين ٩٤ و ٩٨ درجة، ولها قيمة طبية عالية». ونلتقى بعدها بمدينة نقاوس ويقول الحسن الوزان إنه يمر بجوارها نهر تقع مزارع التين والجوز على ضفافه، ويشتهر تين المنطقة بأنه أفضل أنواع التين وينقل منها إلى قسنطينة، وحول نقاوس سهول جيدة صالحة لزراعة القمح. وتلقانا مدينة قسنطينة وهى مدينة فينيقية رومية، جدد بناءها الإمبراطور قسطنطين فنسبت إليه، وهى-كما يقول الأستاذ المدنى-أم المدن بالناحية الشرقية الجزائرية، وكانت تتبع صاحب القيروان وتونس، وكان ينزل بها نائبه، وكانت لذلك مركزا كبيرا للإدارة، ويقول الحسن الوزان: جميع الأراضى الزراعية الواقعة حول المدينة طيبة وخصبة ويبلغ محصولها ثلاثين ضعفا لما بذر فيها، وتوجد بساتين جميلة جدا فى السهل على طول النهر الذى يمر بأسفلها وبجوارها نبعان: نبع ساخن ونبع بارد بجانبه بناء من الرخام. وعلى بعد ٥٠ كيلو مترا منها مدينة ميلة وهى مدينة رومانية، ويقول الحسن الوزان إن منطقتها ذات إنتاج غزير من التفاح والكمثرى والثمار الأخرى. وغربيها جنوبا مدينة المسيلة (المحمدية) وهى مدينة رومانية وسهولها مشهورة بإنتاج القمح والشعير والفواكه، كما تشتهر بتربية الحيوانات: البقر والغنم والخيل، وبنهرها سمك صغير مزدان بخطوط حمراء، ويقول الإدريسى إنه لم ير فى المعمورة سمكا على صفته. وإلى الشرق منها طبنة عاصمة الزاب الأعلى شرقى شط الحضنة المالح وتقع على نهير يسقى بساتينها وزروعها وحقول الحنطة والكتان ومختلف أنواع الفواكه. وشمالى طبنة والمسيلة مدينة سطيف وهى مدينة رومانية وتتوسط منطقة من أغنى مناطق الجزائر الزراعية. وإلى الجنوب من قسنطينة باغاية وبجوارها نهر يسقى بساتينها وحقولها الواسعة المنتجة للحبوب من القمح والشعير، وسكانها إباضيون انحازوا إليها بعد سقوط تاهرت فى آخر القرن الثالث الميلادى. وإلى الجنوب شرقا من باغاية تبسّة، وتشتهر بكثرة الفواكه وبالجوز، وينوّه أبو عبيد البكرى بكبر حجمه وطيبه. وإلى الجنوب الغربى منها مدينة بسكرة وتقع فى أشهر الواحات الجزائرية، وكان الرومان يسمونها فيسيكرا وكان بها قديما أسقفية، وعلى مقربة منها استشهد عقبة بن نافع وأصحابه كما مر بنا فى الفصل الماضى ويكثر بها النخل والزيتون ومختلف الثمار ويشيد البكرى بآبارها الكثيرة. وإذا اتجهنا إلى الشمال الغربى التقينا بتاهرت عاصمة الدولة الرستمية الإباضية، وهى على سفح جبل يسمى جزول وكان يجرى بجوارها نهر يروى زروعها وبساتينها التى وصفها البكرى بقوله: «فيها جميع الثمار وسفرجلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما ومشمّا» وينوه الإدريسى بمزارعها وحقولها وما اشتهرت به من تربية الأنعام والخيل، ويقول إنها وافرة العسل والسمن. وإلى الشمال منها مدينة مليانة وهى مدينة رومانية قديمة تشرف على نهر شلف وحولها بساتين زاخرة بالفواكه وقرى عامرة ومزارع واسعة، ويقول الإدريسى عنها: حسنة البقعة كريمة المزارع وتقع على نهر يسقى مزارعها وحدائقها وجناتها ولها أرحاء على نهرها». وعلى بعد
стр. 4659
مائة وأربعة وسبعين كيلو مترا من وهران تقع مدينة تلمسان الكبيرة بين جبال تزدان بالخضرة والخمائل النضرة وسهول مكتظة بالزروع والبساتين الخلابة، يقول ابن حوقل فيها: مدينة لطيفة قديمة ولها أنهار جارية وعليها أرحية وفيها فواكه كثيرة وغلاتها عظيمة ومزارعها كثيرة، ويقول الحسن الوزان: «توجد فى خارج تلمسان عدة كور بديعة بها منازل غاية فى الأناقة، ومن عادة سكان المدينة قضاء الصيف فيها حيث ينعمون بأكبر متعة، فلهم فيها بساتين فاخرة تنتج أعنابا من كل الألوان وذات نكهة رائعة، وكرزا من كل نوع تبلغ وفرته حدا لم أر له مثيلا فى أى مكان آخر، وتينا شديد الحلاوة أسود اللون كبير الحجم يجفّف ليؤكل فى الشتاء، ودرّاقا، وجوزا ولوزا وبطيخا وخيارا وثمارا أخرى مختلفة» وعلى نهرها العديد من طواحين القمح. وإذا توغلنا جنوبى تاهرت لقيتنا واحة الأغواط بنخيلها الكثير، وإلى الجنوب منها منطقة ميزاب ومدنها وأهمها غرداية ويكثر بها النخيل والحدائق والبساتين، ومن ورائها ست قرى وافرة النخيل والفواكه، وأهلها جميعا إباضيون وكان آباؤهم حين قضى على الدولة الرستمية فى تاهرت انسحبت كثرة منهم إلى ورقلة (ورجلان) فى الجنوب الشرقى من الجزائر، ولما غادروها إلى بلاد ميزاب بقيت منهم بقية قليلة وحل محلهم فى تلك الواحة كثير من الزنوج. وشرقى بلاد ميزاب وادى سوف وهو بلاد واحات شاسعة تمتد من أراضى ميزاب إلى أراضى الجريد فى تونس، وتنتج واحاته تمرا بديعا. وطبيعى أن تغطى الهضاب الصحراوية الكثيرة فى جنوبى الجزائر أثناء الربيع أعشاب ونباتات، ويتنقل البدو فيها لرعى أغنامهم وإبلهم، وينقسمون إلى بدو أو رعاة شبه مقيمين إذ يقل ظعنهم وهم المجاورون لتخوم جبال أطلس والجبل التلى، وبدو أو رعاة رحّل وهم المتنقلون فى الهضاب والصحارى، وهم جميعا يمدون مدن الجزائر بكثير من قطعان مواشيهم.
ومن قديم تعنى مدن الجزائر بالصناعات اليدوية كالحدادة والنجارة والحياكة واستخراج المعادن وتصنيعها وخاصة الحديد، وكانت بونة (عنابة) تشتهر بمصانعه، ومنها الرصاص والزنك فى جبال الونشريس ونواحى سطيف، وكان ببجاية دار صناعة كبرى لإنشاء الأساطيل والسفن وكانت تلك الدار تستمد الخشب من أوديتها وجبالها، كما كان بها معدن الحديد اللازم لتلك الصناعة وكان الزفت والقطران البالغا الجودة يجلبان إليها من أقاليمها كما يقول الإدريسى، وكان بها من الصناعات طرائف كثيرة، واشتهر ميناء دليس غربى بجاية بأن أكثر سكانه- كما يقول الحسن الوزان-من الصباغين لكثرة ما فيها من الينابيع والجداول ومثلها فى ذلك ضاحية تلمسان المسماة مدينة عباد. ويتوقف الحسن الوزان مرارا عند بعض المدن ليقول إن كثيرين-أو الكثرة-من سكانها صناع، ويذكر عن صناع تلمسان أنهم يحيون حياة هادئة ممتعة وينعمون بأوقات لراحتهم ويلبسون ثيابا لائقة وقليل منهم الذين يضعون عمامة على الرأس، فيستخدمون قلنسوة دون ثنيات ويلبسون أحذية تصعد حتى أواسط سيقانهم، وكانت
стр. 4660
تلمسان تشتهر بصناعة الجلد، ويقول ابن سعيد الأندلسى: «منها تحمل ألجم الخيل والسروج وما يتبع ذلك» مما يدل على ما كان بها من مصنع للحديد.
وكانت تنتشر فى أنحاء الجزائر المنسوجات الكتانية والصوفية والقطنية والحريرية، واشتهرت بونة (عنابة) بمنسوجاتها الكتانية، ويقول الحسن الوزان إن أكثر سكان وهران من الصناع والحاكة. ولما سكن الأندلسيون الغرناطيون فى هجرتهم الكبرى إلى الجزائر مدينة شرشال نهضوا فيها بصناعة الحرير إذ وجدوا بجوارها كمية لا تحصى من أشجار التوت الأبيض والأسود فربوا فيها دود القز، واتسع إنتاجهم من المنسوجات الحريرية. ويذكر الحسن الوزان كثرة ما بمدينة قسنطينة من الأقمشة الصوفية المصنوعة محليا وكذلك الكتانية، ويقول الحسن الوزان: فى مدينة ميلة عدد كبير من الصناع ولا سيما الذين يعملون فى نسج الأقمشة من الصوف التى تصنع منها أغطية الأسرّة. ويطيل الحسن الوزان فى تلمسان من وصف أكسية الصوف والجلد والقطن ووصف المعاطف. وقد اشتهرت نساء المدن الجزائرية بصناعة التطريز على الأقمشة الحريرية والجلدية، وتحتفظ المتاحف الجزائرية بمجموعات منها لا تزال أسلاكها الذهبية والحريرية والقطنية تومض كأنما وضعت عليها بالأمس.
ويكثر الحسن الوزان وغيره من المتحدثين عن المدن الجزائرية عن كثرة من بها من الصناع والحاكة، وقلما يذكرون ما يقومون به من الصناعات والحياكات، ويذكر الوزان عن أهل مليانة أنهم جميعا من الصناع ومن الحاكة ومن الخراطين الذين يصنعون أوانى جميلة من الخشب. وكان أهل الجزائر يصنعون بجانبها أوانى جميلة من الخزف الملون والجص المجزّع، ولا بد أن تفننوا طويلا فى صناعة الحلى إرضاء للمرأة، وبالمثل فى صناعة أحذيتها وأحذية الرجال. وكانت معاصر الزيتون منتشرة فى بلدان كثيرة، وكان الزيت لذلك يصدر بكثرة من الجزائر. ولا بد أن صناعة الورق من الكتان كانت منتشرة وخاصة فى المدن الكبرى وفاء بحاجة العلماء والطلاب وبما انبثّ فى الجزائر من نهضة علمية وأدبية واسعة.
ومنذ القرون الإسلامية الأولى تشاد فى الجزائر المنشآت العمرانية، ولا يشاد بناء مفرد أو أبنية مفردة فحسب بل تشاد مدن بمساجدها وقصورها وفنادقها وحماماتها ومارستاناتها فقد بنى فيها الخليفة العبيدى المهدى سنة ٣١٣ مدينة المحمدية أو المسيلة. وبنى زيرى الصنهاجى والى الجزائر من قبل الخليفة العبيدى المنصور «أشير» إلى الشمال الشرقى من تاهرت، وبنى ابنه بلكين مدينة الجزائر ومدينة مليانة جنوبى شرشال ومدينة المدية إلى الجنوب الشرقى منها، وبنى حماد بن زيرى قلعة ضخمة شمالى المسيلة عاصمة لدولته وجدّد الناصر الحمادى مدينة بجاية وأحضر لها العمال والمهندسين ومواد البناء واتخذها عاصمة للدولة. وكل حاكم منهم كان يعنى بإنشاء قصور كثيرة فى عاصمته على نحو ما نقرأ فى دولة بنى زيان ملوك تلمسان،