← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وتحوّل شعراء قريش منذ فتحت مكة ودخلوا فى دين الله يكفّرون عما قدّمت ألسنتهم بأشعار، يعتذرون فيها للرسول ﷺ كقول ابن الزّبعرى (١): يا رسول المليك إنّ لسانى ... راتق ما فتقت إذ أنابور (٢) إذ أجارى الشيطان فى سنن الغ ... ىّ ومن مال ميله مثبور (٣) آمن اللحم والعظام بما قل ... ت فنفسى الفدا وأنت النّذير وقد حسن إسلامهم، ومضوا يصدرون عنه فى أشعارهم، حتى إذا انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى أخذوا يرثونه ويتفجّعون عليه، على شاكلة قول أبى سفيان بن الحارث (٤): لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيل: قد قبض الرسول نبىّ كان يجلو الشكّ عنا ... بما يوحى إليه وما يقول وإذا تركنا شعراء المدينتين الكبيرتين إلى شعراء نجد والبوادى وجدنا بينهم كثيرين يقبسون من أضواء الإسلام، ولا نقصد من خرجوا إلى الجهاد فى سبيل الله فحسب، فقد عمّ ذلك من ظلوا فى الجزيرة ولم يتح لهم تقدم سنهم شرف الاشتراك فى هذا الجهاد. ونحن نقف عند مشهوريهم، ثم نعطف على من لم يبلغوا مبلغهم من الشهرة، ولعل أول من ينبغى الوقوف عنده عبدة بن الطبيب الذى تحدثنا عنه فى شعر الفتوح، فقد روى له صاحب المفضليات عينية بديعة، ونراه فى شطر كبير منها يوصى أبناءه بتقوى الله وبرّ الوالد والحذر من النمّام الذى يزرع الضغائن بين الناس، مستلهما فى ذلك كله آى الذكر الحكيم، يقول (٥): أوصيكم بتقى الإله فإنه ... يعطى الرغائب من يشاء ويمنع وببرّ والدكم وطاعة أمره ... إن الأبرّ من البنين الأطوع

стр. 492

واعصوا الذى يزجى النّمائم بينكم ... متنصّحا ذاك السّمام المنقع (١) يزجى عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع (٢) وهو القائل فى رثاء قيس بن عاصم (٣): عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما فلم يك قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما وواضح ما فى البيت الأول من روح إسلامية. وارجع إلى سويد (٤) بن أبى كاهل اليشكرى فسترى المفضل الضبى يروى له قصيدة (٥) يفخر فيها فخرا جديدا، لا عهد لنا به من قبل، فخرا إسلاميّا يذكر فيه ربّه وما أنعم به عليهم من نعم، يقول: كتب الرحمن والحمد له ... سعة الأخلاق فينا والضّلع (٦) وإباء للدنيّات إذا ... أعطى المكثور ضيما فكنع (٧) وبناء للمعالى إنما ... يرفع الله ومن شاء وضع نعم لله فينا ربّها ... وصنيع الله، والله صنع (٨) ويمضى فيعرض لخصم دنئ النفس كان يغتابه، ونراه يصفه وصفا يستلهم فيه الآية الكريمة ﴿(وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ)﴾ يقول:

стр. 493

بئس ما يجمع أن يغتابنى ... مطعم وخم وداء يدّرع (١) ويحيّينى إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمى رتع (٢) وممن أسلم وهو فى سنّ كبيرة الحصين (٣) بن الحمام سيد بنى مرّة الذبيانيين، وله أبيات تطرد على هذا النحو (٤): ويوم تسعّر فيه الحروب ... لبست إلى الرّوع سربالها (٥) فلم يبق من ذاك إلا التّقى ... ونفس تعالج آجالها أمور من الله فوق السماء ... مقادير تنزل أنزالها (٦) أعوذ بربى من المخزيا ... ت يوم ترى النفس أعمالها وخفّ الموازين بالكافرين ... وزلزلت الأرض زلزالها والصلة واضحة بين هذه الأبيات وآى الذكر الحكيم من مثل قوله تعالى: ﴿(وَاِتَّقُوا اللهَ)﴾ ﴿(فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)﴾ ﴿(فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)﴾ ﴿(إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)﴾ ﴿(هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)﴾ ﴿(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)﴾ وقوله عزّ شأنه: ﴿(إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها)﴾ ﴿(فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ)﴾ ﴿(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ).﴾ واقرأ فى النّمر (٧) بن تولب، وهو ممن أدركوا الإسلام وقد علت سنّهم،

стр. 494

فسترى فى شعره آثارا من تلاوته للقرآن الكريم، على شاكلة قوله (١): ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذى يعطى الرّغائب فارغب وهو القائل (٢): أعذنى ربّ من حصر وعىّ ... ومن نفس أعالجها علاجا ومن حاجات نفسى فاعصمنّى ... فإنّ لمضمرات النفس حاجا (٣) وأنت وليّها فبرئت منها ... إليك وما قضيت فلا خلاجا (٤) ويروى أنه أنشد الرسول ﷺ قصيدة قال فيها (٥): لله من آياته هذا القمر ... الشمس والشّعرى وآيات أخر ومرت بنا استجارة المخبّل (٦) السّعدى بعمر بن الخطاب حين هاجر ابنه للغزو وكيف ردّه عليه، ومن قوله فى تهاية قصيدة له رواها المفضل الضبى (٧): إنى وجدت الأمر أرشده ... تقوى الإله وشره الإثم وكان فى الشّماخ (٨) شر كثير، وهو ممن شاركوا فى معركة القادسية ومعارك أذربيجان، ومع ذلك لا نجد فى ديوانه شيئا واضحا عن جهاده فى سبيل الله، وكأنما عنى الرواة بشعره البدوى وإحسانه فيه لوصف القوس وحمار الوحش (٩)، ومما يتمثّل به من شعره (١٠): ليس بما ليس به بأس باس ... ولا يضرّ البرّ ما قال الناس

стр. 495

وقد أنشدنا فى الفصل السابق أبياتا من مرثية أخيه جزء لعمر بن الخطاب، واشتهر أخوهما مزرّد (١) بهجائه وخاصة للأضياف، ويظهر أنه ارعوى وتاب عن الهجاء. كما يدل على ذلك قوله (٢): تنزّلت من شتم الرجال بتوبة ... إلى الله منى لا ينادى وليدها ومن شعراء هذيل البارعين فى هذا العصر أبو ذؤيب (٣) الهذلى، وقد قدم المدينة عند وفاة رسول الله ﷺ فوقف يبكيه مع الباكين قائلا من أبيات (٤): كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت آطام بطن الأبطح وتزعزعت أجبال يثرب كلّها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح وهو فى ديوانه يعنى بوصف النّحل، مثله فى ذلك مثل شعراء هذيل، وقد خرج يغزو فى سبيل الله، ونراه فى جنود عبد الله بن سعد بن أبى سرح الذين فتحوا قرطاجنة، وقد أرسل به مع عبد الله بن الزبير إلى عثمان مبشرين له بفتحها. وعاد إلى مصر، ولكن حدث أن توفّى له-قبل وفاته بعام- خمس بنين فى وباء، فرثاهم بعينيته المشهورة وفيها نحسّ رضاه بقضاء الله مع التحسر اللاذع على نحو ما نجد فى قوله (٥): أودى بنىّ وأعقبونى غصّة ... بعد الرّقاد وعبرة لا تقلع فغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإخال أنى لاحق مستتبع (٦)

стр. 496

وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع وروى الرواة أنه قال حين حضره الموت يخاطب ابن أخ له يسمى أبا عبيد (١): أبا عبيد وقع الكتاب ... واقترب الوعيد والحساب وأشاع الإسلام فى نفوس كثير من الشعراء برّا ورحمة بأهليهم وأقربائهم، ويشتهر فى هذا الصدد عمرو بن شأس الذى سبق أن عرضنا له فى شعر الفتوح، فقد كان له ابن من أمة سوداء، وكانت امرأته تؤذيه وتستخف به فعاتبها بقطعته المعروفة (٢): أردت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمرى بالهوان فقد ظلم وكان ينحو هذا المنحى معن (٣) بن أوس المزنى فى عتابه لابن عمه الذى أساء إليه إساءة كبيرة. وظل يسئ إليه وهو يوالى أشعاره فى صفحه عن زلاته برّا به وبقرابته مع تجنّيه عليه وتجرّمه، يقول (٤): وذى رحم قلّمت أظفار ضغنه ... بحلمى عنه وهو ليس له حلم فما زلت فى لين له وتعطّف ... عليه كما تحنو على الولد الأمّ ومن غير شك كان يستهدى فى ذلك آى الذكر الحكيم التى تدعو إلى البر بالأقرباء والصفح الجميل. ويمرض عمرو (٥) بن أحمر الباهلى فيتوجه إلى ربه داعيا (٦):

стр. 497

إليك إله الحق أرفع رغبى ... عياذا وخوفا أن تطيل ضمانيا (١) فإن كان برءا فاجعل البرء نعمة ... وإن كان فيضا فاقض ما أنت قاضيا (٢) وممن نحس عندهم أثر الإسلام واضحا نهشل (٣) بن حرّى فى مراثيه لأخيه مالك، وكان قد قتل بصفّين، ومن قوله فى إحداها (٤): أناس صالحون نشأت فيهم ... فأودوا بعد إلف واتساق أرى الدنيا ونحن نعيث فيها ... مولّية تهيّا لانطلاق أعاذل قد بقيت بقاء قيس ... وما حىّ على الدنيا بباق وكان بجانب من قدّمنا شعراء عرفوا برقة دينهم، ومع ذلك فحين نتعقب شعرهم نجد فيه خيوطا إسلامية تظهر فى نسجه من حين إلى حين، منهم عبد (٥) بنى الحسحاس، وكان يتغزل غزلا مفحشا جعل قومه يقتلونه لعهد عثمان ونراه يقول: عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ويروى أنه أنشد هذا البيت عمر بن الخطاب فقال له: لو قلت شعرك مثل هذا لأعطيتك عليه. ومثله النجاشى (٦) قيس بن عمرو، الذى حدّه على بن أبى طالب فى شرب الخمر برمضان، وقد تهاجى مع كثير من الشعراء وعلى رأسهم تميم بن أبىّ بن مقبل العجلانى، وفيه وفى قبيلته يقول: إذا الله عادى أهل لؤم ودقّة ... فعادى بنى العجلان رهط ابن مقبل (٧) قبيّلة لا يغدرون بذمّة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل

стр. 498

ولو أنه كان صحيح الإسلام ما هجاهم بالبيت الثانى، فإن الإسلام يجلّ الوفاء بالذمم والعهود وينهى عن الظلم وكل ما يتصل به ولكن روحه كانت جاهلية. وكان ابن (١) مقبل على شاكلته، يقول ابن سلام: «إنه كان جافيا فى الدين وكان فى الإسلام يبكى؟ ؟ ؟ الجاهلية» (٢) ومع ذلك ندّت على لسانه أبيات فيها ما يدل فى وضوح على تأثره بالدين الحنيف من مثل قوله (٣): هل الدّهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغى العيش أكدح وكلتاهما قد خطّ لى فى صحيفة ... فلا الموت أهوى لى ولا العيش أروح وهو يصدر فى البيتين عن الآية الكريمة: ﴿(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها)﴾ ومما يروى له قوله (٤): الناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال وممن يسلك فى هؤلاء الشعراء الذى عرفوا برقة دينهم الحطيئة، وسنرى عما قليل أثر الإسلام فى شعره. ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل على فساد الفكرة التى شاعت بين الباحثين عربا ومستشرقين من أن الإسلام لم يترك آثارا عميقة فى نفوس المخضرمين، وخاصة أهل البادية (٥)، فقد نفذت أشعته النيرة إلى قلوبهم جميعا. ونحن نقف عند خمسة منهم يعدّون فى طليعتهم هم حسان بن ثابت وكعب بن زهير ولبيد والحطيئة والنابغة الجعدى، لنرى فيهم مدى تأثر المخضرمين بالإسلام، ولندل فى وضوح على أن هذا التأثر لم يقف عند شعراء المدينة من مثل حسان، فقد نفذ إلى شعراء البادية وتعّمقهم على نحو ما سنرى عند لبيد والنابغة الجعدى.

стр. 499

٢ - حسان (١) بن ثابت كان أبوه ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجى «من سادة قومه وأشرافهم»، وكانت أمه «الفريعة» خزرجية مثل أبيه، وقد أدركت الإسلام ودخلت فى دين الله (٢) وهو يسلك فى المعمرّين إذ يقال إنه عاش فى الجاهلية ستين سنة وفى الإسلام ستين أخرى، وهى سنّ تقريبية، فقد قيل إنه توفّى قبل الأربعين، وقيل بل سنة خمسين وقيل بل سنة أربع وخمسين. وهو ليس خزرجيّا فحسب، بل هو أيضا من بنى النجار أخوال رسول الله ﷺ ، فله به صلة قرابة ورحم. ونراه قبيل الإسلام يتردد على بلاط الغساسنة، ويقال إنه مدّ رحلاته إلى بلاط النعمان بن المنذر؛ وكان لسان قومه فى الحروب التى نشبت بينهم وبين الأوس فى الجاهلية، ومن ثمّ اصطدم بالشاعرين الأوسيين: قيس بن الخطيم وأبى قيس بن الأسلت (٣). ويقال إنه عرض شعره على النابغة بسوق عكاظ، وقدّم عليه الأعشى، فأثار موجدته (٤). ويهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فيدخل حسان فى الإسلام، حتى إذا أخذ شعراء قريش فى هجاء الرسول وصحبه من المسلمين انبرى لهم بلاذع هجائه، وكان رسول الله يحثّه على ذلك ويدعو له بمثل: «اللهم أيّده بروح القدس» واستمع إلى بعض هجائه لهم فقال: «لهذا أشدّ عليهم من

стр. 500

وقع النّبل»، وفى حديث عنه ﷺ أنه قال: «أمرت عبد الله ابن رواحة (بهجاء قريش)، فقال وأحسن، وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن، وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى». ومرّ بنا فى الفصل السابق أنه لم يكن يهجو قريشا بالكفر وعبادة الأوثان، إنما كان يهجوهم بالأيام التى هزموا فيها ويعيّرهم بالمثالب والأنساب. وهذا طبيعى لأنهم كانوا مشركين فعلا، فلو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغا، ويروى أن الرسول ﷺ قال له: «اذهب إلى أبى بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم، ثم اهجهم وجبريل معك» (١). ويذهب بعض الرواة إلى أنه كان ممن خاض فى حديث الإفك الكاذب على أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، ونراه يعلن براءته من هذا القول الآثم بأشعار يمدحها بها مدحا رائعا، من مثل قوله: حصان رزان ما تزنّ بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (٢) فإن كان ما قد قيل عنّى قلته ... فلا رفعت سوطى إلىّ أناملى ويظهر أن بعض المهاجرين وعلى رأسهم صفوان بن المعطّل أثاروه فى هذا الحادث، حتى وجد وجدا شديدا، فقال: أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلد (٣) على أنه مضى فى نفس القصيدة يعلن إخلاصه للإسلام وأنه سيستمر فى ذبّه عن الرسول ﷺ . ويقال إنه كان ينشد الرسول شعره فى المسجد، والذى لا شك فيه أنه كان يحظى منه بمنزلة رفيعة، حتى ليروى أنه كان يرفع أزواجه إلى أطمه حين يخرج لحرب أعدائه، وكان حين يعود يقسم له فى الغنائم، وقد أهداه بستانا، كما أهداه سيرين أخت زوجه مارية القبطية، وهى أم ابنه عبد الرحمن. وكان

стр. 501

الخلفاء الراشدون يجلّونه ويفرضون له فى العطاء. ويقال إنه وفد على معاوية وأنه عمى بأخرة. وبحقّ سمّى حسان شاعر الإسلام ورسوله الكريم، فقد عاش يناضل عنه أعداءه من قريش واليهود ومشركى العرب راميا لهم جميعا بسهام مصمية. وقصته مع الحارث بن عوف المرّى حين قتل فى جواره داع من دعاة الرسول مشهورة، فقد قال فيه وفى عشيرته: إن تغدروا فالغدر منكم شيمة ... والغدر ينبت فى أصول السّخبر (١) وبكى الحارث من هجائه له بدموع غزار، واستجار بالرسول متوسلا إليه أن يكفّه عنه. وقد مضى حين قدم على الرسول وفد بنى تميم يردّ على شاعر هذا الوفد الزّبرقان بن بدر مادحا للمهاجرين مدحا رائعا. يقول فى تضاعيفه: إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّة للناس تتّبع (٢) يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذى شرعوا إن كان فى الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع أهدى لهم مدحى قلب يؤازره ... فيما أراد لسان حائك صنع ومن المحقق أنه كان شاعرا بارعا، وقد اتفق الرواة والنقاد على أنه أشعر أهل المدر فى عصره وأنه أشعر اليمن قاطبة. وقد خلّف ديوانا ضخما رواه ابن حبيب، غير أن كثيرا من الشعر المصنوع دخله، يقول الأصمعى: «تنسب إليه أشياء لا تصحّ عنه» (٣) ويقول ابن سلام: «قد حمل عليه ما لم يحمل على أحد، ولما تعاضهت (تشاتمت) قريش واستبّت وضعوا عليه أشعارا كثيرة لا تنقىّ» (٤). وكان ممن حمل عليه غثاء كثيرا ابن إسحق فى المغازى، ولاحظ ذلك ابن هشام وهو يروى عنه السيرة النبوية، فكان يرجع إلى العلماء بالشعر وعلى رأسهم أبو زيد الأنصارى راوية البصرة المشهور يسألهم عن صحة أشعار حسان

стр. 502

المروية عند ابن إسحق فكانوا يثبتون بعضها وينكرون بعضا آخر وقد يردّونها إلى غيره من معاصريه ومن جاءوا بعدهم. ومع ذلك نرى كثيرا مما أنكروه مثبتا فى رواية ابن حبيب. ونحن نعرض صنيع ابن هشام ليعلم مدى ما وضع على حسان، فمن ذلك أن نراه كثيرا يقول بعد إنشاده لبعض القصائد: «وأهل العلم ينكرون هذه القصيدة لحسان» (١) ومن ذلك أنه نسب قصيدتين أضيفتا إليه إلى كعب بن مالك (٢) ونسب ثالثة إلى عبد الله (٣) بن الحارث السّهمى ورابعة إلى معقل (٤) بن خويلد الهذلى وخامسة إلى ربيعة بن أمية الدّيلى وقيل بل هى لأبى أسامة الجشمى (٥). ونسب سادسة إلى ابنه عبد الرحمن (٦). وإذا مضينا نبحث فى مراجع أخرى وجدنا قطعة لعبد الله بن رواحة تضاف إليه، وهى فى رثاء نافع بن بديل (٧)، وكذلك أضيفت إليه قطعة ثانية لعبد الله بن رواحة وهى فى رثاء عثمان (٨)، وأيضا أضيفت إليه مقطوعة يائية فى هجرة الرسول ﷺ ونصرة الأوس والخزرج له، ونصّ الرواة على أنها لصرمة (٩) بن أبى أنس الأنصارى، ونسب له بيتان فى الفخر بالأزد وهما لسعد (١٠) بن الحصين الأنصارى، ونسبت له مقطوعة رائية، وهى لبشير (١١) بن سعد بن الحصين. ونظن ظنّا أن شعره اختلط بأشعار الأنصار، وخاصة كعب بن مالك وعبد الله ابن رواحة وابنه عبد الرحمن، أما الأولان فقد اشتركا معه فى هجاء قريش،

стр. 503

وأما عبد الرحمن فمعروف أنه كان يهاجى النجاشى الحارثى ويذم قومه بنى الحارث بن كعب وعشيرته بنى الحماس ذمّا قبيحا (١)، ومن هنا كنا نشك فيما يضاف إلى حسان من هجائهم ونظن أنه من أشعار ابنه، حمل عليه (٢). ومن هذا الباب أشعاره المملوءة غيظا على قتلة عثمان، فإن كثيرا منها وضعه الأمويون (٣) ليظهروا للناس أن شاعر الرسول ﷺ كان فى صفّهم وليغسلوا عنهم عار الأشعار التى نظمها حسان فى هجاء أسرتهم حين كان أبو سفيان وغيره من رءوسها يقودون الجيوش ضد الرسول ويحادّونه. ومثلها ما يضاف إليه من أشعار فى مديح الزبير (٤) بن العوام وعبد الله (٥) بن العباس، وكأن الأحزاب السياسية لعبت دورا فى وضع الشعر على لسانه. والحق أن شعر حسان الإسلامى كثر الوضع فيه، وهذا هو السبب فيما يشيع فى بعض الأشعار المنسوبة إليه من ركاكة وهلهلة، لا لأن شعره لان وضعف فى الإسلام كما زعم الأصمعى، ولكن لأنه دخله كثير من الوضع والانتحال. ونحن نوثّق شعره فى الجاهلية إلا ما اتهمه الرواة (٦)، ومن رائع هذا الشعر ميميته التى يملؤها ضجيجا وعجيجا بمفاخر قومه والتى يقول فيها: لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولاميته التى يمدح بها الغساسنة بمثل قوله: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأوّل أما هجاؤه لقريش فينبغى أن نبعد منه ما اتهمه الرواة وأن لا نقبل منه إلا ما يغلب عليه الإقذاع بالأيام والأنساب، ومن ثمّ كنا نرتضى ميميته (تبلت فؤادك فى المنام خريدة) التى يعيّر فيها الحارث بن هشام المخزومى بفراره فى يوم

стр. 504

بدر، ومثلها قصيدته الميمية (منع النوم بالعشاء الهموم) التى يهجو فيها ابن الزّبعرى ويفتخر بقومه فخرا عنيفا، ومن نمطهما لاميته (أهاجك بالبيداء رسم المنازل). وبهذا القياس نضيف إليه مقطوعته الكافية التى وجهها إلى أبى سفيان ابن الحارث، وقد رواها ابن سلام (١)، ومثلها مقطوعته الدالية التى يستهلها بقوله: وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد (٢) ومقطوعته الميمية التى يقول فيها: لعمرك إن إلّك من قريش ... كإل السّقب من رأل النّعام (٣) وأيضا نحن نثبت له قصيدته الهمزية التى يقول فيها لأبى سفيان بن الحارث: هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء وهو يستهلها بذكر منازل صاحبته مشبّبا بها ومستطردا إلى ذكر الخمر على طريقة الجاهليين، مما جعل القدماء يقولون إن القصيدة تتكون من جزءين: جزء نظم فى الجاهلية، وجزء نظم فى الإسلام (٤)، وهو يمضى فى الجزء الثانى متحدثا عن فروسية قومه ومتوعدا قريشا بحروب مبيرة، وتختلط فى هذا الجزء المعانى الجاهلية بالمعانى الإسلامية إذ يعرض لرسالة النبى ﷺ ومتابعة قومه له ونصرتهم لدينه، من مثل قوله: وجبريل أمين الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء (٥) وقد تبرز المعانى الإسلامية فى بعض أهاجيه لقريش كقوله من مقطوعة يعيّرها فيها بهزيمتها يوم بدر: فينا الرسول وفينا الحقّ نتبعه ... حتى الممات ونصر غير محدود مستعصمين بحبل غير منجذم ... مستحكم من حبال الله ممدود (٦)

стр. 505

وهو يشير فى البيت الثانى إلى قوله تعالى: ﴿(وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً).﴾ وله مراث فى الرسول الكريم تتضح فيها المعانى الإسلامية اتضاحا على نحو ما يلقانا فى مرثيته التى رواها أبو زيد الأنصارى والتى يقول فيها: وما فقد الماضون مثل محمّد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد وقد مرّت بنا فى الفصل السابق مرثيته البديعة لأبى بكر الصديق، ومن قوله فى عمر حين توفّى على إثر طعنة فيروز المجوسى: وفجّعنا فيروز لا درّ درّه ... بأبيض يتلو المحكمات منيب (١) وعلى هذا النحو اتشحت بعض أشعار حسان الإسلامية بأضواء الدين الحنيف وهديه الكريم. ٣ - كعب (٢) بن زهير أبوه زهير بن أبى سلمى من فحول الشعر فى الجاهلية، وهما من قبيلة مزينة، ولكنهما يوضعان فى عداد غطفان حيث عاش زهير مع بنيه بين أخواله بنى مرّة الذّبيانيين. وقد تلقن كعب الشعر عن أبيه، مثله فى ذلك مثل أخيه بجير ومثل الحطيئة، ويذكر لنا الرواة الطريقة التى كان يخرّج بها زهير تلاميذه من أهل بيته وغيرهم إذ يقولون إنه كان يحفّظهم شعره وشعر غيره من الجاهليين حتى تتضح موهبة الشعر فيهم. ويقولون عن كعب إنه كان يخرج به إلى الصحراء، فيلقى عليه بيتا أو شطرا ويطلب إليه أن يجيزه (٣) تمرينا له وتدريبا. على صوغ

стр. 506

الشعر ونظمه. ويبدو أن كعبا اشتهر فى الجاهلية بأكثر مما اشتهر الحطيئة. يدلّ على ذلك ما يرويه ابن سلام من أن الحطيئة قال له: «قد علمت روايتى لكم أهل البيت وانقطاعى إليكم، وقد ذهبت الفحول غيرى وغيرك، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعنى موضعا بعدك فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع» (١)، فقال كعب قطعته التى يقول فيها: فمن للقوافى شانها من يحوكها ... إذا ما ثوى كعب وفوّز جرول (٢) ومعروف أن كعبا وبجيرا أخاه والحطيئة أدركوا الإسلام، وكان أسبقهم إلى الدخول فيه بجير، وقد هجاه كعب حينئذ هجاء آذى رسول الله بمثل قوله (٣): ألا أبلغا عنى بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت-ويحك-هل لكا شربت مع المأمون كأسا رويّة ... فأنهلك المأمون منها وعلّكا (٤) وخالفت أسباب الهدى وتبعته ... على أى شئ-ويب غيرك-دلّكا (٥) على خلق لم تلف أمّا ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا ويقال إن الرسول سمع بهذا الشعر فتوعده، وأجابه بجير فيما أجابه به بقوله (٦): من مبلغ كعبا فهل لك فى التى ... تلوم عليها باطلا وهى أحزم إلى الله لا العزّى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النّجاء وتسلم لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من النار إلا طاهر القلب مسلم وما زال كعب على وثنيته حتى فتحت مكة وانصرف الرسول ﷺ من الطائف، فكتب إليه بجير أن النبى ﷺ قتل كل من

стр. 507

آذاه من شعراء المشركين إلا من أعلنوا إسلامهم، ودعاه أن يقدم على رسول الله تائبا. وشرح الله صدره للإسلام، فقدم المدينة وبدأ بأبى بكر، فوقع من نفسه «فلما سلّم النبى ﷺ من صلاة الصبح جاء به وهو متلثم بعمامته، فقال: يا رسول الله! هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام، فبسط النبىّ، ﷺ ، يده، فحسر كعب عن وجهه، وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله! أنا كعب بن زهير. فتجهّمته الأنصار وغلّظت له، لذكره قبل ذلك رسول الله ﷺ ، وأحبّت المهاجرة أن يسلم ويؤمّنه النبى ﷺ ، فأمّنه رسول الله» (١)، وأنشده مدحته الخالدة: بانت سعاد فقلبى اليوم منبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول (٢) فكساه النبى ﷺ بردة اشتراها معاوية من أبنائه بعشرين ألف درهم، وكان يلبسها الخلفاء بعد معاوية فى العيدين (٣). وقد اكتسى بها كعب حلّة مجد لا تبلى، ولقّبت قصيدته من أجلها بالبردة. ونراه يستهلها بالغزل، إذ يذكر سعاد وفراقها وأن قلبه مرتهن عندها فليس له فكاك، وكأنه يتأثر أباه فى بعض غزله إذ يقول فى إحدى قصائده (٤): وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا (٥) ويلحّ فى وصف سعاد ويشبهها بالظبى ويشبه ريقها بالخمر، متأثرا فى ذلك أباه فى نفس القصيدة، كما تأثره فى الحديث عن إخلاف صاحبته لوعدها. ويخرج من ذلك إلى وصف ناقته مستلهما ما نظمه أبوه فى هذا الموضوع من قبل. وما زال ينعت ناقته حتى قال يصوّر خوفه وفزعه من رسول الله:

стр. 508

وقلت خلّوا طريقى-لا أبا لكم- ... فكلّ ما قدّر الرحمن مفعول كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول أنبئت أنّ رسول الله أوعدنى ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذنّى بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت عنى الأقاويل إن الرسول لنور يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول (١) فى عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا (٢) زالوا فما زال أنكاس ولا كشف ... عند الّلقاء ولا ميل معازيل (٣) ومضى يمدح المهاجرين حتى قال: يمشون مشى الجمال الزّهر يعصمهم ... ضرب إذا عرّد السّود التنابيل (٤) يعرّض بالأنصار لغلظتهم-كانت عليه-فأنكرت قريش ما قال، وقالوا لم تمدحنا إذ هجوتهم. ولم يقبلوا منه ذلك حتى قال يذكر الأنصار: من سرّه كرم الحياة فلا يزل ... فى مقنب من صالحى الأنصار (٥) الباذلين نفوسهم لنبيّهم ... يوم الهياج وسطوة الجبّار يتطهّرون-كأنه نسك لهم- ... بدماء من علقوا من الكفّار (٦) صدموا عليّا يوم بدر صدمة ... دانت لوقعتها جميع نزار (٧)

стр. 509

ورثوا السيادة كابرا عن كابر ... إن الكرام هم بنو الأخيار وحسن إسلام كعب، وأخذ يصدر فى شعره عن مواعظ وحكم يستهدى فيها الذكر الحكيم، من مثل قوله: لو كنت أعجب من شيء لأعجبنى ... سعى الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... والنفس واحدة والهمّ منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهى العين حتى ينتهى الأثر ونراه يردد كثيرا أن الله يرزق عباده، وأنه لا يتركهم بدون رزق فهو راعيهم الذى يفضل عليهم. وهو الغنى الحميد، يقول: أعلم أنى متى ما يأتنى قدرى ... فليس يحبسه شحّ ولا شفق (١) والمرء والمال ينمى ثم يذهبه ... مرّ الدهور ويفنيه فينسحق فلا تخافى علينا الفقر وانتظرى ... فضل الذى بالغنى من عنده نثق إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا ... ومن سوانا ولسنا نحن نرتزق وهو فى ذلك يقرب من زهاد المسلمين الذين كانوا يكرهون أن يفكر الشخص منهم فى رزق غد، بل كان منهم من يرى أن ذلك خطيئة لا تغتفر. وله قصيدة لامية يظهر أنه نظمها فى الجاهلية لما يذكر فيها من شربه الخمر مع من يصطفيه. ويظهر أنه عاد فأدخل فيها بعد إسلامه هذه الأبيات: فأقسمت بالرحمن لا شئ غيره ... يمين امرئ برّ ولا أتحلّل (٢) لأستشعرن أعلى دريسىّ مسلما ... لوجه الذى يحيى الأنام ويقتل (٣) هو الحافظ الوسنان بالليل ميّتا ... على أنه حىّ من النوم مثقل (٤) من الأسود السارى وإن كان ثائرا ... على حدّ نابيه السّمام المثمّل (٥)

стр. 510

وهى تنمّ عن ولائه لدينه الحنيف وأنه أسلم وجهه لربه، ﷻ ، الحافظ الذى يكلأ عباده ويقيهم الأذى، ولعلّ فى ذلك ما يدل دلالة واضحة على مدى تأثير الإسلام فى نفسه وفى شعره. وديوانه يدل-كما يدل تأخره فى إسلامه-على أنه كان فيه شر كثير، إذ نراه دائما فى شعره الجاهلى مفاخرا متوعدا مهددا، حتى إذا أسلم أخذت نفسه تصفو، وأخذ يستشعر معانى الإسلام الروحية، وما دعا إليه من الخلق الفاضل، حتى لنراه فى الهجاء نفسه يعلن لهاجيه أنه يصفح الصفح الجميل، سائقا له، لا من الشتم والسباب، بل من الحكم، ما يحاول به أن يكفّ أذاه عنه، يقول (١): إن كنت لا ترهب ذمّى لما ... تعرف من صفحى عن الجاهل فاخش سكوتى إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل فالسامع الذامّ شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذموه بالحق وبالباطل ولا تهج إن كنت ذا إربة ... حرب أخى التجربة العاقل (٢) فإنّ ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خبل خابل فهو ينهاه أن لا يجعل الصفح عنه سببا إلى سوء القول، حتى لا يجنى على نفسه ما هو أقبح أثرا وأبقى وسما، ويقول إن الذين يبسطون ألسنتهم بالهجاء سرعان ما يرتد عليهم هجاء أقذع وأمرّ، هجاء بالحق وبالباطل. وهو فى ذلك كله يأخذ بأدب القرآن ورسوله ﵊ من العفو والصفح ومن التقريع لمن يهجوه بدلا من الطعن فى الأعراض سنّتهم القديمة.

стр. 511

٤ - لبيد (١) من عشيرة ذات سيادة وشرف فى بنى كلاب العامريين، هى عشيرة بنى جعفر، وقد اشتهر فيها أبوه ربيعة وأعمامه الطّفيل وأبو براء ومعاوية. أما ربيعة فكان بحرا فياضا، ومن ثمّ لقّب: «ربيع المقترين» وقد قتلته بنو أسد فى بعض حروبها مع قومه. وأما الطفيل فكان فارسا مغوارا وهو أبو عامر المشهور هو الآخر بفروسيته، وكذلك كان أبو براء شجاعا مقداما وكان يلقّب بملاعب الأسنة، أما معاوية فكان ذا رأى وحكمة، فلقّب بمعوّذ الحكماء. وأم لبيد تامرة بنت زنباع العبسية. وقد نشأ لبيد يشعر شعورا عميقا بكرامة أسرته وأمجادها ومناقبها، وبمجرد أن شبّ أخذ يشترك فى حروبها وغاراتها ووفادتها على أمراء الحيرة ويقصّ الرواة من ذلك حديثا يتصل-إن صحّ-بأول ما كان من تيقظ موهبته الشعرية وهو لا يزال حدثا، فهم يروون أن وفدا من قومه على رأسه عمه أبو براء وفد على النعمان بن المنذر، فوجد هناك وفدا من بنى عبس على رأسه الربيع بن زياد، وكان بين العبسيين وبنى عامر قبيلة لبيد عداوة منشؤها أن العامريين قتلوا زهير بن جذيمة سيد بنى عبس فى بعض حروبهم. ولم يلبث الوفدان أن اصطدما، وأخذ الربيع يدسّ على العامريين عند النعمان. وعرفوا ذلك، فاستشاط لبيد غضبا، ووثب بين يدى النعمان يهجو الربيع برجز

стр. 512

مقذع، فانصرف النعمان عن الربيع وأجزل فى إكرامه للعامريين. وسواء أصحّ هذا الخبر أو لم يصح فإن لبيدا أخذ منذ سال الشعر على لسانه ينظمه فى الفخر بعشيرته والاعتداد بها اعتدادا بالغا. ويقال إنه كان يكتمه فى أول الأمر. حتى إذا نظم معلقته: «عفت الديار محلّها فمقامها» أخذ يظهره، وأخذ اسمه يطير فى القبائل. ولما سارت الركبان بأمر الرسول فى المدينة ورسالته النبوية أرسله عمه أبو براء برسالة إليه (١)، فوقع الإيمان فى قلبه، إلا أنه لم يعلن إسلامه حينئذ. وعاد إلى قبيلته، حتى إذا استدار العام خرج مع وفد منها إلى الرسول ﷺ ، فأعلنوا دخولهم فى دين الله. وكان ابن عمه عامر بن الطفيل وأخوه أربد وفدا على الرسول قبل ذلك يريدان به شرّا فعصمه الله. ودعا عليهما، فلم يلبث عامر أن أصابه طاعون فى عنقه فقتله، أما أربد فنزلت عليه صاعقة من السماء أهلكته، وظل لبيد بعد إسلامه يبكيه بكاء حارّا. ورجع لبيد بعد إعلانه إسلامه إلى قبيلته يذكر لهم البعث والجنة والنار ويقرأ لهم القرآن، وما زال بينهم حتى خطّ عمر الكوفة فنزلها وأقام بها إلى أن توفّاه الله فى صدر خلافة معاوية سنة أربعين للهجرة. ويقول الرواة إنه شغل نفسه حينئذ بالقرآن وتلاوته ولم ينظم الشعر إلا قليلا، ويصوّرون ذلك فيقولون إن عمر أرسل إلى المغيرة بن شعبة واليه على الكوفة: أن استنشد من قبلك من شعراء مصرك ما قالوا فى الإسلام، فلما سأل لبيدا عن شعره انطلق فكتب سورة البقرة فى صحيفة؛ ثم أتاه بها. وقال: أبدلنى الله هذه فى الإسلام مكان الشعر، فكتب المغيرة بذلك إلى عمر، فأمر أن يزيد عطاءه خمسمائة وكان ألفين. ويمضى الرواة فيزعمون إنه لم يقل فى الإسلام إلا بيتا واحدا ويختلفون فيه (٢)، فمن قائل هو قوله: الحمد لله إذ لم يأتنى أجلى ... حتى كسانى من الإسلام سر بالا

стр. 513

ومن قائل، بل هو قوله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح والحق أن له أشعارا كثيرة تفيض بمعانى الإسلام ومثاليته الروحية، بحيث يمكن أن نقسم شعره قسمين: قسما جاهليّا وقسما إسلاميّا. وهو فى القسم الجاهلى لا يخرج إلى مديح أو هجاء، بل يمضى مفاخرا فخرا عنيفا بآبائه وفتوته معتدّا اعتدادا لا حدّ له بالأقربين من أسرته، ومن ثمّ وقف مع ابن عمه عامر بن الطفيل ضد علقمة بن علاثة حين تفاخرا إلى هرم بن قطبة الفزارى (١) واقرأ فيه فستجده دائما فى هذا القسم مفاخرا بقومه وشجاعتهم وبلائهم فى الحروب وما لهم من مناقب جليلة حتى إذا أفضى إلى نفسه تحدث عن شمائله وتجشّمه لسرى الليل بأصحابه وفتوته وكيف يسقى الخمر لداته، وكيف يقامر ليطعم الجائع المحروم. وكثيرا ما يهجم فى قصائده على هذا الفخر، وقد يقدم لذلك بمقدمات، على نحو ما صنع فى معلقته، إذ بدأها بذكر الديار وذكر الأحبة الظاعنين، ثم مضى يصف اقتحامه للصحراء على ناقته، وسرعان ما شبهها بأتان وحشية، استرسل فى الحديث عنها وعن حمار كان يصاحبها ويلاعبها. وخرج من ذلك إلى تشبيهه لها ببقرة وحشية مذعورة لفقد طفلها، ويسترسل فى وصف تعقب الرماة لها وإرسالهم جوارح الكلاب عليها، ويخلص إلى الفخر بكرمه وبسالته ومنادمته لرفاقه. ويفخر بقومه وكثرة سادتهم وما سنّه لهم آباؤهم، يقول: إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة جشّامها (٢) ومقسّم يعطى العشيرة حقّها ... ومغذمر لحقوقها هضّامها (٣) فضلا، وذو كرم يعين على النّدى ... سمح كسوب رغائب غنّامها

стр. 514

من معشر سنّت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنّة وإمامها فبنوا لنا بيتا رفيعا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها فاقنع بما قسم المليك فإنّما ... قسم الخلائق بيننا علاّمها وشعره الجاهلى دائما على هذه الوتيرة من الحديث عن مناقب آبائه ومفاخره ووصف راحلته وتشبيهها بالأتان المتوجسة والبقرة المسبوعة أو النعامة الخائفة، وقد يتحدث عن المطر. وهو فى ذلك كله يتميز بالإغراب الشديد فى لفظه، حتى ليمسّ قارئه شئ من الضجر لكثرة ما يورد من أوابد الألفاظ وحوشيّها. واقرأ ما لم نروه من المعلقة قبل هذه الأبيات التى أنشدناها فإنك ستجده مفرغا فى ألفاظ متناهية فى الإغراب، ومن ثمّ وصف شعره أبو عمرو بن العلاء فقال: إنه رحى بزر (١)، يريد أنه خشن لا يحسن فى السمع، وقال الأصمعى، شعر لبيد كأنه طيلسان طبرانىّ أى أنه محكم الصنعة ولا رونق له. وإذا انتقلنا من هذا القسم إلى شعره الإسلامى وجدنا قراءته للقرآن الكريم تهذّب من لفظه وتدخل عليه غير قليل من الطّلاوة، ومن ثمّ يقول فيه ابن سلاّم: «كان عذب المنطق رقيق حواشى الكلام، وكان مسلما رجل صدق» ويتضح ذلك فى مراثيه المشهورة لأخيه أربد، فإن لألفاظها ماء ورونقا وفى معانيها من الإسلام أصداء وظلالا، وارجع إلى عينيته فستجد جمال السبك والصياغة، وستجد الروح الإسلامية ماثلة فى تضاعيف أبياتها على شاكلة قوله (٢): بلينا وما تبلى النّجوم الطّوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع (٣) فلا جزع إن فرّق الدهر بيننا ... وكل فتى يوما به الدهر فاجع وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع (٤)

стр. 515

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع (١) وما البرّ إلا مضمرات من التّقى ... وما المال إلا عاريات ودائع وليس كل ما حدث من انقلاب فى شعره الإسلامى أنه انتقل من الألفاظ الحوشية إلى الديباجة الطلية، فقد تغلغل الإسلام فى ضميره، فاتجه فى أشعاره إلى ربه منيبا إليه، والوجل يملأ نفسه من يوم الحساب الذى ينتظره، يقول فى قصيدة له (٢): إنما يحفظ التّقى الأبرار ... وإلى الله يستقرّ القرار وإلى الله ترجعون وعند الل ... هـ ورد الأمور والإصدار كلّ شئ أحصى كتابا وعلما ... ولديه تجلّت الأسرار إن يكن فى الحياة خير فقد أن ... ظرت لو كان ينفع الإنظار (٣) عشت دهرا ولا يدوم على الأيّ ... ام إلا يرمرم وتعار (٤) فإنك تجده يتحدث عن التقوى والأبرار والعمل الصالح وأن الناس معروضون على الله يوم القيامة وقد أحصى كل شئ فى كتاب وأن الموت حق لا شك فيه وأن على كل إنسان أن يفكر فى مصيره. ويمضى فى طائفة غير قليلة من أشعاره يعظ من حوله بما أهلك الله من الأمم الخالية مخوّفا من الموت ويوم الحساب، وداعيا إلى التقوى والعمل الصالح، ومهونا من الدنيا ومتاعها الزائل ونعيمها الفانى، على نحو ما نرى فى لاميته التى نؤمن بأنه نظمها فى الإسلام، وفيها يقول (٥): ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل (٦)

стр. 516

وهو فى البيت الأول يستمد من مثل قوله تعالى: ﴿(كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ)﴾ ويستمد فى البيت الثانى من مثل قوله جلّ وعز: ﴿(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)﴾ أما البيت الثالث فاستمدّه مباشرة من قوله ﵎ عن الإنسان وما ينتظره من البعث والحساب: ﴿(أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ).﴾ واسترسل فى القصيدة يتحدث عن النعمان بن المنذر وملكه وأجناده وكيف بادوا جميعا مما جعل القدماء يظنون أنه نظمها فى رثائه (١) وفى الواقع كان يتحدث عن عظة الموت وكيف يأتى على الملوك والأمم، ومن ثمّ مضى يتحدث عن الغساسنة وأصحاب الرّسّ وكيف أمسى كل ما كانوا فيه أحلاما. وعلى هذا النمط نفسه لامية أخرى يستهلها بقوله (٢): لله نافلة الأجلّ الأفضل ... وله العلا وأثيث كل مؤثّل (٣) لا يستطيع الناس محو كتابه ... أنّى وليس قضاؤه بمبدّل وهو فى هذا المطلع يستلهم الذكر الحكيم وما فيه من أوصاف الذات العلية، وأن كل ما يجرى فى الكون بقضائه وأن كل ما يأتى من عمل فى كتاب مبين، وأن كلا سيجزى بما سجّل عليه كتابه، يقول سبحانه: ﴿(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً)﴾ ﴿(وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً)﴾ ﴿(وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).﴾ ويمضى لبيد فى القصيدة فيتحدث عن خلق السموات والأرض وما أصاب بعض العماليق ولقمان ونسره وأبرهة وأمراء المناذرة والغساسنة من ريب الزمان. ومن هذه الشاكلة نفسها موعظته (٤): من يبسط الله عليه إصبعا ... بالخير والشر بأىّ أولعا (٥) يملأ له منه ذنوبا مترعا ... وقد أباد إرما وتبّعا (٦) والحق أن تلاوته للقرآن التى اشتهر بها أثّرت فى نفسه آثارا عميقة. وقد يكون الرواة تزيدوا فى بعض هذه الأشعار ولكن كثرة ما ينسب إليه منها يدل على أن

стр. 517

الإسلام تعمق روحه، وأنه استشعر معانيه ومواعظه، فمضى يحيلها أبياتا وأشعارا، بل قصائد دينية، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن من أجود هذه القصائد لاميته المقيدة التى يقول فيها (١): إن تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثى وعجل (٢) أحمد الله فلا ندّ له ... بيديه الخير ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضلّ فاكذب النفس إذا حدّثتها ... إنّ صدق النفس يزرى بالأمل غير أن لا تكذبنها فى التّقى ... واخزها بالبرّ، لله الأجلّ (٣) ونراه يذكر فى هذه القصيدة رحلة له لعلها رحلته إلى الكوفة كما يذكر فقده لأربد ويبكيه. وعلى هذا النحو يظل لبيد بشعره الإسلامى مستمسكا بالعروة الوثقى زاجرا عن الدنيا وخدعها داعيا إلى أن يكفّ الإنسان عن سيئاته ومرغّبا له فى الباقيات الصالحات حتى يغتنم بقية أجله بخير عمله. ٥ - الحطيئة (٤) اسمه جرول. ولقّب بالحطيئة لقصره أو لدمامته، وقد ولد لأمة تسمى الضّراء، كانت لأوس بن مالك العبسى. ونشأ فى حجره مغموزا فى نسبه، وجعله ذلك قلقا مضطربا منذ أخذ يحسّ الحياة من حوله، وزاد فى اضطرابه وقلقه ضعف جسمه وقبح وجهه، إذ كانت تقتحمه العيون، ولم يكن فيه

стр. 518

فضل شجاعة يستطيع أن يتلافى به هوان شأنه فى «عبس» على نحو ما صنع عنترة من قبله. ومن ثمّ نشأ يشعر بغير قليل من المرارة، ولعل هذا هو السبب فى غلبة الهجاء عليه. ولما تيقظت فى نفسه موهبة الشعر لزم زهير بن أبى سلمى يعلمه إحكام صنعه على نحو ما كان يعلم ابنه كعبا. ومر بنا أن الحطيئة كان يروى شعر كعب أيضا، وأنه طلب إليه أن ينوّه به، حتى يدور على الألسنة ذكره. ومعنى ذلك أن الحطيئة من مدرسة زهير التى كانت تعنى بالتعبير وصقله وتصفيته من كل شائبة، كما كانت تعنى بالمعانى ودقتها. ويضيئ الإسلام فى الجزيرة، فلا يسارع إليه، ومن هنا اختلف الرواة هل قدم على الرسول ﷺ بعد فتح مكة فأعلن إسلامه على شاكلة كعب، أو أنه تأخر فى اعتناقه الإسلام، حتى توفّى الرسول الكريم. ونراه يسارع إلى الرّدّة، معينا بشعره المرتدّين ضد أبى بكر وخلافته، حتى ليقول: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لعباد الله ما لأبى بكر أيورثها بكرا، إذا مات، بعده ... فتلك، وبيت الله، قاصمة الظهر على أن من الرواة من نسب هذين البيتين إلى غيره (١). وقد عاد مع المرتدين إلى الإسلام. وجمهور شعره يدور فى المديح والهجاء، ويقول الأصمعى: «كان الحطيئة جشعا سؤولا ملحفا دنئ النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلا، قبيح المنظر، رثّ الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول فى شاعر من عيب إلا وجدته، وقلما تجد ذلك فى شعره» (٢). وقد يكون الأصمعى بالغ فى نعته بهذه الصفات، وحقّا كان يمدح سادة القبائل بشعره منذ نشأ فى الجاهلية من أمثال عيينة بن حصن الفزارى وزيد الخيل، وكان يتورط فيما

стр. 519

بينهم من خصومات ومنافرات، إذ نراه يقف فى صف عيينة بن حصن حين نافر ابن عمه زبّان بن سيار، كما نراه يقف فى صف علقمة بن علاثة حين نافر عامر بن الطفيل (١). وكان غيره من الشعراء يصنعون صنيعه، فقد كان الأعشى ولبيد يقفان فى صف عامر. وقد تكون حادثته مع الزّبرقان بن بدر هى التى شوهته، ذلك أنه لقيه فى عهد عمر بن الخطاب يؤمّ المدينة، وكان على صدقات قومه، فلما عرفه دلّه على داره حيث زوجه وعشيرته، فنزل بأهله، وفزع بنو أنف الناقة-إذ كانوا ينافسون عشيرة الزبرقان-حين علموا ذلك، وعملوا على أن يفسدوا العلاقة بينه وبين زوج الزبرقان، وكانت قد تراخت فى استقباله. وأتيحت بذلك الفرصة لبنى أنف الناقة، فضموا الحطيئة إليهم وبالغوا فى إكرامه، وانطلق يثنى عليهم ثناء رائعا معرّضا بالزبرقان بمثل قوله يخاطبه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى (٢) ورفع الزبرقان أمره إلى عمر، فحكّم حسان بن ثابت فيه، فلما حكم بأنه هجاه حبسه. وأخذ الحطيئة يستعطفه بأبياته المشهورة التى يقول فيها: ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر (٣) ألقيت كاسبهم فى قعر مظلمة، ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر ولان له قلب عمر. فعفا عنه بعد أن أخذ عليه العهد أن لا يعود إلى الهجاء ويقال إنه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم (٤). ونحن إذا قرأنا أشعاره المختلفة التى عرض فيها للزّبرقان وجدناه لا يقذع فى هجائه، إنما يمسّه على نحو ما رأينا فى بيته السالف برفق، عامدا إلى التهكم والسخرية. ولا نشك فى أن الإسلام هو الذى خفّف من حدة لسانه، ونراه يصرّح بذلك إذ يقول (٥):

стр. 520

ولما أن مدحت القوم قلتم ... هجوت ولا يحلّ لك الهجاء ألم أك مسلما فيكون بينى ... وبينكم المودّة والإخاء ولم أشتم لكم حسبا ولكن ... حدوت بحيث يستمع الحداء فهو يذكر حرمة الإسلام، ويتذمم بها، ويقول إنه حين مدح بنى أنف الناقة وحدا بهم فسمعه قوم الزبرقان جعلوا ذلك ذمّا لهم وهجاء، لمدحه خصومهم. ونراه يولّى وجهه نحو علقمة بن علاثة، لينشده إحدى مدائحه فيه، ولكن الموت يسبقه إليه فيجزل له ابنه فى العطاء. ويتجه نحو العراق فى عهد عثمان. فيمدح الوليد بن عقبة واليه على الكوفة، ويذود عنه حين يطعن عليه أهلها. وقد حملت عليه أبيات فى ذمه. ويمدح من بعده سعيد بن العاص الذى خلفه فى تلك الولاية، كما يمدحه فى ولايته لمعاوية على المدينة (٤٩ - ٥٥ هـ). ونرى أهلها يجمعون له من أموالهم خشية معرة لسانه. والمظنون أنه توفّى فى ولاية سعيد آنفة الذكر. وقد كان على شاكلة زهير يعنى بشعره وتجويده عناية شديدة، وقد أثر عنه أنه كان يقول: «خير الشعر الحولىّ المحكّك» فهو ممن كان يتأنّون فى شعرهم، ويعيدون فيه النظر، حتى تخرج جميع الأبيات مستوية فى الجودة والروعة. ولعل ذلك ما جعله يكثر من المقطّعات، ونراه فى مطوّلاته يشبّب ويصف الصحراء وحيوانها الوحشى والأليف. ومدائحه لا تقل عن مدائح زهير جودة على شاكلة قوله فى بنى أنف الناقة: يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا وكانوا يعيّرون باسمهم، فما هو إلا أن قال معرّضا بالزبرقان وعشيرته: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّى بأنف الناقة الذّنبا

стр. 521

حتى أصبح اللقب فخرا لهم. وتروى له أهاج فى زوج أمه وفى أمه وفى ضيفانه. وكلها مزاح. حتى لنراه يمزح مع نفسه، فيقول: أرى لى وجها شوّه الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله أما بخله الذى أشار إليه الأصمعى والرواة، فقد غسله بكثرة مديحه للكرم، وبقصيدته «وطاوى ثلاث» (١) وفيها يصور أعرابيّا فقيرا نزل به ضيف، وعياله من حوله يتضوّرون جوعا، فهمّ أن يذبح له أحدهم، لولا أن عنّت له أتان وحشية، فصادها وأطعمها ضيفه. والقصيدة رائعة فى وصف غريزة الكرم العربية. والحق أن الرواة بالغوا فى اتهامه بالبخل ودناءة النفس، كما بالغوا فى اتهامه بفساد الدين، قد يكون رقيقه ولكنه ليس فاسده، فقد كان يستشعره فى الهجاء بشهادة لسانه كما قدمنا. ونراه فى مديحه يكثر من ذكر جزاء الله لممدوحه على ما يقدم له من برّه على شاكلة قوله فى بعض ممدوحيه: فليجزه الله خيرا من أخى ثقة ... وليهده بهدى الخيرات هاديها وقد يستهل المدح بالثناء على الله فى مثل قوله: الحمد لله إنى فى جوار فتى ... حامى الحقيقة نفّاع وضرّار وقال أبو عمرو بن العلاء: لم تقل العرب بيتا قط أصدق من بيت الحطيئة (٢): من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس ولعل فى ذلك ما يدل على أنه حسن إسلامه، وأبلغ فى الدلالة على ذلك قوله فى وصف التقى والعمل الصالح (٣): ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقىّ هو السعيد وتقوى الله خير الزاد ذخرا ... وعند الله للأتقى مزيد

стр. 522

فالسعادة فى رأيه ليست فى الدنيا وأموالها ومتاعها الزائل، وإنما هى فى الآخرة ونعيمها ومتاعها الخالد الذى لا ينال إلا بالتقوى، فهى السعادة الحقيقية. ومعنى ذلك أن الإسلام لم يظل بعيدا عن روح الحطيئة، بل أخذ يرسل فيها مثل هذه الإشعاعات النيرة. ٦ - النابغة (١) الجعدىّ هو عبد الله (٢) بن قيس من بنى جعدة العامريين، ولد بالفلج جنوبى نجد، ولما شبّ اضطرب فيما يضطرب فيه قومه من حروب، ويقال إنه ظل ثلاثين عاما فى الجاهلية لا ينطق الشعر ثم تفجّر على لسانه، فسمّى النابغة لنبوغه فيه بأخرة، ويقال إن نبوغه فيه إنما كان فى الإسلام. والنابغة الجعدى فى جاهليته مثل لبيد يتغى بمفاخر قومه وانتصاراتهم فى حروبهم ويهجو خصومهم وخاصة بنى أسد الذين قتلوا أخا له فى بعض حروبهم مع قبيلته، وقد بكاه كثيرا، ومن بكائه فيه قصيدته التى يؤبّنه فيها بقوله (٣): فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا ويقال إنه كان يفد بشعره على اللخميين فى الحيرة. ولما أخذت وفود العرب تفد على الرسول ﷺ معلنة إسلامها وفد عليه مع قومه سنة تسع للهجرة وأنشده قصيدة يقول فيها:

стр. 523

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنبغى فوق ذلك مظهرا فقال له الرسول الكريم: فأين المظهريا أبا ليلى؟ فأجابه: الجنة. وأعجب الرسول بشعره ومنطقه، فقال له: لا يفضض الله فاك (١). ويظنّ أنه لم يرجع مع قومه إلى منازلهم، بل أقام فى المدينة مهاجرا، حتى إذا كانت الفتوح خرج مع العرب ميمما نحو الشرق والفرس مجاهدا فى سبيل الله ونشر الدعوة المحمدية. وقد أخذ يضيف إلى رائعته التى أنشدها الرسول أبياتا كثيرة، تصور حياته فى الإسلام وابتغاءه رضوان الله بجهاده وتقواه جميعا يقول (٢): أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا (٣) وجاهدت حتى ما أحسّ ومن معى ... سهيلا إذا مالاح ثمّت غوّرا (٤) أقيم على التقوى وأرضى بفعلها ... وكنت من النار المخوفة أوجرا (٥) وعاد إلى المدينة وتشوّق إلى منازل قومه فى البادية، فاستأذن عثمان فى الإلمام بهم فأذن له، حتى إذا نشبت الحروب بين على ومعاوية وجدناه فى صفوف على بصفّين، يرجز بخصومه وينظم الأشعار فى مديحه وهجاء معاوية من مثل قوله (٦): قد علم المصران والعراق ... أن عليّا فحلها العتاق (٧) إن الألى جاروك لا أفاقوا ... لهم سياق ولكم سياق قد علمت ذلكم الرّفاق ... سقتم إلى نهج الهدى وساقوا إلى التى ليس لها عراق ... فى ملّة عادتها النّفاق (٨)

стр. 524

ولعل هذا هو الذى جعله يصطدم بكعب بن جعيل شاعر معاوية. ويروى أنه لما قتل على وتحولت الخلافة إلى معاوية كتب إلى مروان عامله على المدينة أن يأخذ أهله وأمواله، فاستعطفه بأبيات ألانت قلبه فعفا عنه. ونراه يقف دائما مع قومه، حتى ليضطر أبو موسى الأشعرى والى البصرة لعمر أن يضربه أسواطا، وكأنما كانت فيه بقية من عصبيته الجاهلية. ولا نشك فى أن هذه البقية فيه هى التى دفعته إلى الاصطدام بأوس ابن مغراء، ويقول ابن سلاّم إنه غلب عليه ولم يكن إليه فى الشعر ولا قريبا. ونزل مع قومه بأصبهان، وهناك نراه يتهاجى مع سوّار بن أوفى القشيرى، وتتصدى له زوجه ليلى الأخيلية، ويغلبان عليه جميعا. وهما أيضا لم يكونا إليه فى الشعر، وربما كان لتعمق الإسلام فى نفسه أثر فى تلك الهزائم، إذ كان يتحرج من المضى فى الهجاء المقذع، ويقول ابن سلام إن الأخطل هجاه بأخرة. ولما دعا ابن الزبير لنفسه فى أواخر خلافة يزيد بن معاوية قدم عليه فى مكة ومدحه بقصيدة رائعة يقول فيها (١). حكيت لنا الصّدّيق لما وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم وسوّيت بين الناس فى العدل فاستووا ... فعاد صباحا حالك الليل مظلم وأثابه ابن الزبير ثوابا جزيلا. وعاد إلى أصبهان، غير أنه لم يلبث أن توفّى بها عن سن عالية سنة خمس وستين. وهو بلا شك من المعمرين، غير أن الرواة بالغوا فى ذلك حتى قالوا إنه أقدم من النابغة الذبيانى وأنه عمّر مائة وثمانين سنة بل تزيد، مستشهدين بما أضيف إليه من مثل قوله (٢): تذكّرت شيئا قد مضى لسبيله ... ومن عادة المحزون أن يتذكّرا نداماى عند المنذر بن محرّق ... أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا والمنذر بن محرق هو المنذر بن ماء السماء الذى قتل فى بعض حروبه مع الغساسنة سنة ٥٥٦ للميلاد، ولا شك فى أن هذا الشعر مصنوع عليه.

стр. 525

ومن المحقق أن النابغة كان أحد الشعراء الذين استضاءوا بالإسلام وتعاليمه الروحية، وقد خرج يجاهد فى سبيل الله، وهو يتلو القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فكان طبيعيّا أن يستلهمه فى شعره. وهو من هذه الناحية من خير الأمثلة على أثر الإسلام فى شعر المخضرمين ومدى هذا الأثر، إذ عبّر فى غير قصيدة عن خشية الله وتقواه من مثل قوله (١): منع الغدر فلم أهمم به ... وأخو الغدر إذا همّ فعل خشية الله وأنّى رجل ... إنما ذكرى كنار بقبل (٢) وهو دائم الحديث عن نعمة الله عليه بالإسلام، وتحوله من ظلمات الوثنية إلى أضواء الدين الحنيف، يقول (٣): عمّرت حتّى جاء أحمد بالهدى ... وقوارع تتلى من القرآن ولبست مل الإسلام ثوبا واسعا ... من سيب لا حرم ولا منّان (٤) وليس كل ما نجده عنده من أثر الإسلام أبياتا مفردة تتخلل قصائده، فإن له موعظة بليغة رواها غير راو، وهى تطّرد على هذا النمط (٥): الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما المولج الليل فى النهار وفى اللّي ... ل نهارا يفرّج الظّلما الخافض الرّافع السماء على ال ... أرض ولم يبن تحتها دعما (٦) الخالق البارئ المصوّر فى ال ... أرحام ماء حتى يصير دما من نطفة قدّها مقدّرها ... يخلق منها الأبشار والنّسما ثمّ عظاما أقامها عصب ... ثمّت لحما كساه فالتأما ثم كسا الرّأس والعواتق أب ... شارا وجلدا تخاله أدما (٧)

стр. 526

والصّوت واللّون والمعايش وال ... أخلاق شتّى وفرّق الكلما ثمّت لا بدّ أن سيجمعكم ... والله، جهرا، شهادة قسما فائتمروا الآن ما بدا لكم ... واعتصموا إن وجدتم عصما فى هذه الأرض والسماء، ولا ... عصمة منه إلا لمن رحما يا أيها الناس هل ترون إلى ... فارس بادت، وخدّها رغما (١) أمسوا عبيدا يرعون شاءكم ... كأنما كان ملكهم حلما أو سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما فمزّقوا فى البلاد واعترفوا ال ... هون وذاقوا البأساء والعدما (٢) وبدّلوا السّدر والأراك به ال ... خمط وأضحى البنيان منهدما (٣) والنابغة فى مطلع هذه العظة يثنى على الله بما هو أهله، مقررا إيمانه بوحدانيته وأنه لا شريك له، ونحسّ أنه يستعير لفظه من الذكر الحكيم، فهو يستهل قوله بكلمة «الحمد لله» ولا يلبث أن يستلهم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»﴾. ويتحدث فى البيت الثانى عن نظام الكون المنبئ عن قدرة الله وجليل صنعه له وتقديره على نظام بديع، مستعيرا من القرآن نفس لفظه فى قوله جلّ وعز: ﴿(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ. .﴾ ﴿.﴾ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ).﴾ وفى البيت الثالث مضى ينظم قوله تعالى: ﴿(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها).﴾ وخرج فى البيت الرابع من خلقه للكون إلى خلقه للإنسان واستمر ينظم مثل قوله جلّ وعز: ﴿(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ).﴾ وهو يمضى فيتحدث عن البعث والنشأة الثانية محذرا مخوما. وما يلبث أن يتحدث عن

стр. 527

القرون والأمم البائدة مكملا بذلك العظة والعبرة، بالضبط على نحو ما نقرأ فى القرآن من حديث عما أصاب الأمم الباغية من هلاك، وقد اقتبس منه ما جاء فيه عن دولة سبأ اقتباسا تتطابق فيه الألفاظ واقرأ قوله تعالى: ﴿(لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ. .﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا. .﴾ ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)﴾، فإنك تجده قد نظم الآيات الكريمة فى أبياته الثلاثة الأخيرة. وأكبر الظن أنه قد اتضح اتضاحا لا لبس فيه أن أهل نجد والبوادى كان مثلهم مثل أهل الحواضر حين دخلوا فى الإسلام فقد تمثلوه وتألقت أضواؤه فى صدورهم وفى أشعارهم، حتى لتتحول جوانب منها إلى مواعظ خالصة ينفّرون فيها الناس من الدنيا ونعيمها الفانى، حاثّين لهم على التزود بالتقوى والعمل الصالح.

стр. 528

الفصل الخامس النثر وتطوره ١ - تطور الخطابة كان ظهور الإسلام إيذانا بتطور واسع فى الخطابة، إذ اتخذها الرسول ﷺ أداة للدعوة إلى الدين الحنيف طوال مقامه بمكة قبل الهجرة حيث ظل ثلاثة عشر عاما يعرض على قومه من قريش وكلّ من يلقاه فى الأسواق آيات القرآن الكريم، وهو فى أثناء ذلك بخطب فى الناس داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، محاولا بكل طاقته أن يوقظ ضميرهم بما يصوّر لهم من قوة الكائن الأعلى مدبّر الكون ومنظمه، الذى لم يخلقهم عبثا، وإنما خلقهم ليعبدوه حق عبادته، وليستشعروا كل ما يمكن من الكمالات الروحية والاجتماعية والإنسانية، حتى تتم لهم السعادة فى الدنيا والآخرة. وهاجر الرسول صلوات الله عليه إلى المدينة، فاتصلت خطابته، واتسعت جنباتها، بما أخذ يشرّع للمسلمين ويرسم لهم من حدود دولتهم ونظم حياتهم التى ينبغى أن تقوم على الإخاء والمساواة والتعاون فى سبيل الحق والخير، وهو فى تضاعيف ذلك يأخذهم بآداب رفيعة من السلوك السامى، مبينا لهم معانى الإسلام الروحية التى تقوم على معرفة الله الواحد الأحد والصلة به، كما تقوم على معرفة العمل الصالح وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى يحاسب فيها الإنسان على ما قدّمت يداه ولو كان مثقال ذرّة. وما يزال يعرض أوامر الدين ونواهيه، واضعا الحلول لكثير من المشاكل الدنيوية، كمشكلة الرقيق ومشكلة توزيع الثروة ومشكلة العلاقات بين الرجل والمرأة، وغير ذلك من مشاكل حلّت بما يحقق سعادة الجنس البشرى وهناءته.

стр. 529

وعلى هذا النحو كانت خطابة الرسول ﵇ متممة للذكر الحكيم، ومن ثمّ كانت فرضا مكتوبا فى صلاة الجمع والأعياد ثم مواسم الحج، وتحتفظ كتب الحديث بما اتخذه فيها من سنن وتقاليد (١) ثبتت إلى اليوم. وبينما كانت تسبق الخطابة الصلاة فى الجمع كانت الصلاة تسبقها فى الأعياد، وهى تتوزع على خطبتين يقف فيهما الخطيب على منبر أو نثز من الأرض، وقد اعتمد على قوس أو سيف أو عصا، ويقبل على الناس مسلّما. وتبدأ الخطبة الأولى فى الجمع بحمد الله تعالى وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله، ويؤثر عن الرسول أنه كان يقول فى فاتحة هذه الخطبة: «الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل الله فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (٢). وعادة يتلو الخطيب فى الخطبة الأولى لصلاة الجمعة بعض آى القرآن الكريم، حتى يستلهمها فى موعظته. وإذا انتهى منها جلس، ثم يقوم للخطبة الثانية، وفيها يكثر من الدعاء، ويقال إنه كان آخر دعاء أبى بكر فى الخطبة الثانية: «اللهم اجعل خير زمانى آخره، وخير عملى خواتمه، وخير أيامى يوم لقائك» وكان آخر دعاء عمر: «اللهم لا تدعنى فى غمرة، ولا تأخذنى فى غرّة، ولا تجعلنى مع الغافلين» (٣). ولا تفتتح خطبتا العيدين بالحمد لله إنما تفتتح بالتكبير، فيكبّر الخطيب فى أولاهما سبع تكبيرات وفى ثانيتهما خمس تكبيرات. وطبيعى أن تقضى هذه الخطابة على كل لون قديم من الخطابة الجاهلية لا يتفق وروح الإسلام، ولا نقصد سجع الكهّان الذى كان يرتبط بدينهم الوثنى فحسب، بل نقصد أيضا خطابة المنافرات، فقد نهى الإسلام عن التكاثر بالآباء والأنساب والأحساب، وإن ظلت لذلك بقية فى حياة الرسول ﷺ حين كانت تفد عليه وفود العرب، على نحو ما نعرف عن وفد تميم وقيام خطيبهم عطارد بن حاجب بن زرارة بين يديه مفاخرا بقومه،

стр. 530

وقد ندب له الرسول ثابت بن قيس بن الشماس، فرد عليه مستوحيا هدى الإسلام، ولم يلبثوا أن استجابوا لله ولرسوله (١). ونمضى فى عصر الخلفاء الراشدين، فتكثر بجانب خطب الجمع والأعياد المواقف التى تجلت فيها براعة هؤلاء؟ ؟ ؟ ، كموقف أبى بكر حين انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وموقفه يوم السقيفة، فقد درأ فى الموقفين جميعا الشّعث الذى كاد يودى بالجماعة، وكذلك موقفه حين ارتدّ كثير من العرب وامتنعوا عن أداء الزكاة. وكم من خطيب وقف حينذاك يحضّ قومه على الثورة أو يحثهم على الطاعة. ولا بد أن نلاحظ أن انتشار الإسلام فى الجزيرة أعدّ منذ أول الأمر إلى أن تتكاثر خطب الجمع والأعياد، إذ كانت كما قدّمنا فرضا مكتوبا على المسلمين فى كل مكان يحلّونه من الجزيزة. ثم تكون الفتوح، ويخطب أبو بكر فى الجيوش الغازية يحضّ على الجهاد ونشر الدين الحنيف فى أطباق الأرض. وترتفع أصوات القواد بالخطابة فى كل قطر حاثّين الجنود على الصبر فى القتال حتى الاستشهاد طلبا لما عند الله من الثواب. ويخيل إلى الإنسان كأنما ملك كل منهم من قلوب جنوده ببيانه وبلاغته مالا تملكه الدنيا بحذافيرها. ولا نغلو إذا قلنا إن بلدا من بلدان الفرس فى العراق وإيران وبلدان الروم فى الشام ومصر لم يفتح إلا بعد أن فتحته خطبة أحد هؤلاء القواد، كخطبة المغيرة بن شعبة فى القادسية (٢) وخالد بن الوليد فى اليرموك (٣)، وعتبة بن غزوان فى فتح الأبلّة، ونحن نكتفى بقطعة من خطبة عتبة إذ يقول (٤): «أما بعد فإن الدنيا قد تولّت حذّاء (٥) مدبرة، وقد آذنت أهلها بصرم، وإنما بقى منها صبابة كصبابة الإناء يصطبّها (٦) صاحبها، ألا وإنكم منقولون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضركم». ويتولى عمر، فيكثر من الخطابة لا فى الجمع والأعياد ومواسم الحج فحسب بل مع كل حادث، ومع كل خبر يأتيه بفتح. وقد سار على هدى أبى بكر
следующие страницы →