← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

أسرى جيوشها الغازية فى البلاد الأوربية، وكانت تعنى بتربيتهم تربية عسكرية إسلامية، وترسل إلى الجزائر-كما ترسل إلى ولاياتها الأخرى-بضعة آلاف منهم، وكانوا يتزوّجون من جزائريات أحيانا مما جعلهم يرتبطون بأسرهن وبالجزائر ارتباطا وثيقا. والمجتمع الجزائرى لا تتداخل فيه سلالات هذه العناصر الكثيرة فحسب، فإن القرصنة جلبت إليه كثيرا من العناصر الأوربية، ومرّ بنا أنها أخذت تتسع اتساعا شديدا منذ استطاع خير الدين وعروج أن يجعلا من البحر المتوسط فى القرن العاشر الهجرى بحرا عثمانيا، وكان النازحون المسلمون من إسبانيا يملئون قلوب البحارة الترك حماسة ليتسعوا ما استطاعوا بالقرصنة انتقاما من الإسبان والأوربيين، وكانوا يسحبونهم على وجوههم من البحر المتوسط بالآلاف إسبانا وفرنسيين وإيطاليين ويونانيين وكريتيين، وكان كثيرون منهم يعتنقون الإسلام وتردّ إليهم حرياتهم ويصبحون جزائريين دينا ولغة، ويندمجون فى أهل البلاد اندماجا تاما. وواضح أن الجزائر دخلتها من قديم عناصر كثيرة إفريقية وآسيوية وأوربية بجانب سكانها الأصليين من البربر، وقد فتحتها وعاشت فيها أمم كثيرة: فينيقيون ورومان ووندال وبيزنطيون وعرب وترك، وقد أفادت منها جميعا فى نظمها وطرق معيشتها وزراعتها وصناعتها. وكان كل من ينزلها من هذه الأمم ويستوطنها لا يلبث أن ينفصل عن موطنه ويزايل صبغته الأولى ويذوب فى الجزائر لما تتميز به من قوة الشخصية والهويّة الراسخة. ٢ - المعيشة (١) كان أساس المعيشة فى الجزائر الزراعة ورعى الأنعام، وتأتى بعد ذلك الصناعات اليدوية والملاحة وما ارتبط دائما بها من الصيد فى البحر ومما تحولت إليه فى أواسط العصر من القرصنة. والإقليم يموج بطيبات الرزق، ونستطيع أن نتمثل ذلك بوقوفنا أولا عند النواحى الزراعية فى مدن الساحل الشمالى ثم فى المدن الداخلية وما وراءها من المدن الصحراوية. وإذا سرنا فى الساحل من الشرق إلى الغرب لقيتنا مدينة القالة، وكانت تسمى قديما مرسى الخزر، وتليها مدينة بونة ومرّ بنا أن القديس أو غسطين كان أسقفا لها فى عهد الرومان، وهى تقع وسط سهل زبرجدى بالقرب من مصب نهر سيبوز وبها صهاريج رومانية قديمة. وكان الرومان

стр. 4657

يسمونها هيبون ثم أصبحت بونة العربية. وسميت فيما بعد عنابة لكثرة ثمر العناب بها ويجفّف ويصدّر، ويقول ابن حوقل: إنها ذات أسواق حسنة، والأرض المحيطة بها ذات تربة خصبة، وتنتج القمح والشعير والكتان والفواكه والعسل بكثرة، ويقول الحسن الوزان: «الأرض المزروعة خارجها تبلغ أربعين ميلا طولا وخمسة وعشرين ميلا عرضا، وكل الأراضى ممتازة لزراعة القمح، ويملك أهلها من قبيلة مرداس العربية أعداد كبيرة من الأبقار والثيران والأغنام». وإلى الغرب منها ميناء جيجل وأرضها وعرة، كما يقول الحسن الوزان غير صالحة إلا لزراعة الشعير والكتان والقنب، وبها كثير من شجر الجوز والتين. وغربها بجاية وكانت أكبر ميناء فى الساحل الجزائرى، ويقول الإدريسى: الحنطة والشعير موجودان فيها بكثرة والتين وسائر الفواكه. وإلى الغرب منها مدينة الجزائر، وهى ثغر رومانى جدّد بناءه بنو مزغنة، ثم زيرى بن مناد سنة ٣٥٦ للهجرة ويقول الحسن الوزان: «حولها الكثير من البساتين والأراضى المزروعة بأشجار مثمرة ويمر بجوارها من الجانب الشرقى نهر نصبت عليه طواحين، وسهول منطقتها جميلة جدا ولا سيما سهل المتيجة ويبلغ طوله حوالى خمسة وأربعين ميلا بعرض مقداره ستة وثلاثون ميلا حيث ينمو قمح وفير للغاية من أجود الأنواع». وغربيها مدينة شرشال وهى ميناء فينيقى رومانى ويقول الإدريسى: بها مياه جارية وآبار عذبة وفواكه حسنة كثيرة وسفرجل كبير الجرم ذو أعناق كأعناق القرع الصغار وبها كروم وبعض أشجار التين. ويقول الحسن الوزان إنها كانت قد هجرت فى أعقاب الحروب بين ملوك تلمسان وفاس وظلت خاوية خلال مدة تقارب ثلاثمائة عام حتى سقوط غرناطة بأيدى النصارى فى عام ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م فقصدها كثير من الغرناطيين (الأندلسيين المسلمين) فأعادوا بناء قلعتها وقسم كبير من منازلها وزرعوا أراضيها. وإلى غربيها مدينة تنيس، وهى ميناء فينيقى قديم، ويقول الإدريسى: بها من الفواكه كل طويفة ومن السفرجل الطيب المعنق ما يفوق الوصف فى صفته وكبره وحسنه، ويقول الحسن الوزان تنتج أرضها الكثير من القمح والكثير من العسل. وكانت قد خرّبت فأعاد إليها مهاجرو الأندلس الغرناطيون العمران والزراعة مثل أختها شرشال. وغربيها مدينة وهران ويقول الإدريسى: «على مقربة منها نهر عليه بساتين وجنات، وبها فواكه كثيرة وأهلها فى خصب، والعسل بها موجود وكذلك السمن والزبدة والبقر والغنم فيها رخيصة وبالثمن اليسير». وكانت وهران قرية صغيرة حتى إذا كانت الهجرة الأندلسية نزلها كثيرون من الغرناطيين وأسسوا وهران الحديثة. وإذا تركنا مدن الساحل الشمالى إلى ما وراءه وسرنا فيه من الشرق إلى الغرب لقيتنا قالمة جنوبى بونة أو عنابة وهى مدينة فينيقية قديمة، ويقول الأستاذ أحمد توفيق المدنى إنها اشتهرت بتربية نوع من البقر يعد من أجمل أنواع البقر الموجود فى الجزائر، وبه صفات لا توجد فى غيره، ويذكر أنه يوجد بقربها حمام بديع يدعى حمام المسخوطين وبه مياه معدنية تفور من

стр. 4658

عشرة عيون شديدة الحرارة وهى تتراوح بين ٩٤ و ٩٨ درجة، ولها قيمة طبية عالية». ونلتقى بعدها بمدينة نقاوس ويقول الحسن الوزان إنه يمر بجوارها نهر تقع مزارع التين والجوز على ضفافه، ويشتهر تين المنطقة بأنه أفضل أنواع التين وينقل منها إلى قسنطينة، وحول نقاوس سهول جيدة صالحة لزراعة القمح. وتلقانا مدينة قسنطينة وهى مدينة فينيقية رومية، جدد بناءها الإمبراطور قسطنطين فنسبت إليه، وهى-كما يقول الأستاذ المدنى-أم المدن بالناحية الشرقية الجزائرية، وكانت تتبع صاحب القيروان وتونس، وكان ينزل بها نائبه، وكانت لذلك مركزا كبيرا للإدارة، ويقول الحسن الوزان: جميع الأراضى الزراعية الواقعة حول المدينة طيبة وخصبة ويبلغ محصولها ثلاثين ضعفا لما بذر فيها، وتوجد بساتين جميلة جدا فى السهل على طول النهر الذى يمر بأسفلها وبجوارها نبعان: نبع ساخن ونبع بارد بجانبه بناء من الرخام. وعلى بعد ٥٠ كيلو مترا منها مدينة ميلة وهى مدينة رومانية، ويقول الحسن الوزان إن منطقتها ذات إنتاج غزير من التفاح والكمثرى والثمار الأخرى. وغربيها جنوبا مدينة المسيلة (المحمدية) وهى مدينة رومانية وسهولها مشهورة بإنتاج القمح والشعير والفواكه، كما تشتهر بتربية الحيوانات: البقر والغنم والخيل، وبنهرها سمك صغير مزدان بخطوط حمراء، ويقول الإدريسى إنه لم ير فى المعمورة سمكا على صفته. وإلى الشرق منها طبنة عاصمة الزاب الأعلى شرقى شط الحضنة المالح وتقع على نهير يسقى بساتينها وزروعها وحقول الحنطة والكتان ومختلف أنواع الفواكه. وشمالى طبنة والمسيلة مدينة سطيف وهى مدينة رومانية وتتوسط منطقة من أغنى مناطق الجزائر الزراعية. وإلى الجنوب من قسنطينة باغاية وبجوارها نهر يسقى بساتينها وحقولها الواسعة المنتجة للحبوب من القمح والشعير، وسكانها إباضيون انحازوا إليها بعد سقوط تاهرت فى آخر القرن الثالث الميلادى. وإلى الجنوب شرقا من باغاية تبسّة، وتشتهر بكثرة الفواكه وبالجوز، وينوّه أبو عبيد البكرى بكبر حجمه وطيبه. وإلى الجنوب الغربى منها مدينة بسكرة وتقع فى أشهر الواحات الجزائرية، وكان الرومان يسمونها فيسيكرا وكان بها قديما أسقفية، وعلى مقربة منها استشهد عقبة بن نافع وأصحابه كما مر بنا فى الفصل الماضى ويكثر بها النخل والزيتون ومختلف الثمار ويشيد البكرى بآبارها الكثيرة. وإذا اتجهنا إلى الشمال الغربى التقينا بتاهرت عاصمة الدولة الرستمية الإباضية، وهى على سفح جبل يسمى جزول وكان يجرى بجوارها نهر يروى زروعها وبساتينها التى وصفها البكرى بقوله: «فيها جميع الثمار وسفرجلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما ومشمّا» وينوه الإدريسى بمزارعها وحقولها وما اشتهرت به من تربية الأنعام والخيل، ويقول إنها وافرة العسل والسمن. وإلى الشمال منها مدينة مليانة وهى مدينة رومانية قديمة تشرف على نهر شلف وحولها بساتين زاخرة بالفواكه وقرى عامرة ومزارع واسعة، ويقول الإدريسى عنها: حسنة البقعة كريمة المزارع وتقع على نهر يسقى مزارعها وحدائقها وجناتها ولها أرحاء على نهرها». وعلى بعد

стр. 4659

مائة وأربعة وسبعين كيلو مترا من وهران تقع مدينة تلمسان الكبيرة بين جبال تزدان بالخضرة والخمائل النضرة وسهول مكتظة بالزروع والبساتين الخلابة، يقول ابن حوقل فيها: مدينة لطيفة قديمة ولها أنهار جارية وعليها أرحية وفيها فواكه كثيرة وغلاتها عظيمة ومزارعها كثيرة، ويقول الحسن الوزان: «توجد فى خارج تلمسان عدة كور بديعة بها منازل غاية فى الأناقة، ومن عادة سكان المدينة قضاء الصيف فيها حيث ينعمون بأكبر متعة، فلهم فيها بساتين فاخرة تنتج أعنابا من كل الألوان وذات نكهة رائعة، وكرزا من كل نوع تبلغ وفرته حدا لم أر له مثيلا فى أى مكان آخر، وتينا شديد الحلاوة أسود اللون كبير الحجم يجفّف ليؤكل فى الشتاء، ودرّاقا، وجوزا ولوزا وبطيخا وخيارا وثمارا أخرى مختلفة» وعلى نهرها العديد من طواحين القمح. وإذا توغلنا جنوبى تاهرت لقيتنا واحة الأغواط بنخيلها الكثير، وإلى الجنوب منها منطقة ميزاب ومدنها وأهمها غرداية ويكثر بها النخيل والحدائق والبساتين، ومن ورائها ست قرى وافرة النخيل والفواكه، وأهلها جميعا إباضيون وكان آباؤهم حين قضى على الدولة الرستمية فى تاهرت انسحبت كثرة منهم إلى ورقلة (ورجلان) فى الجنوب الشرقى من الجزائر، ولما غادروها إلى بلاد ميزاب بقيت منهم بقية قليلة وحل محلهم فى تلك الواحة كثير من الزنوج. وشرقى بلاد ميزاب وادى سوف وهو بلاد واحات شاسعة تمتد من أراضى ميزاب إلى أراضى الجريد فى تونس، وتنتج واحاته تمرا بديعا. وطبيعى أن تغطى الهضاب الصحراوية الكثيرة فى جنوبى الجزائر أثناء الربيع أعشاب ونباتات، ويتنقل البدو فيها لرعى أغنامهم وإبلهم، وينقسمون إلى بدو أو رعاة شبه مقيمين إذ يقل ظعنهم وهم المجاورون لتخوم جبال أطلس والجبل التلى، وبدو أو رعاة رحّل وهم المتنقلون فى الهضاب والصحارى، وهم جميعا يمدون مدن الجزائر بكثير من قطعان مواشيهم. ومن قديم تعنى مدن الجزائر بالصناعات اليدوية كالحدادة والنجارة والحياكة واستخراج المعادن وتصنيعها وخاصة الحديد، وكانت بونة (عنابة) تشتهر بمصانعه، ومنها الرصاص والزنك فى جبال الونشريس ونواحى سطيف، وكان ببجاية دار صناعة كبرى لإنشاء الأساطيل والسفن وكانت تلك الدار تستمد الخشب من أوديتها وجبالها، كما كان بها معدن الحديد اللازم لتلك الصناعة وكان الزفت والقطران البالغا الجودة يجلبان إليها من أقاليمها كما يقول الإدريسى، وكان بها من الصناعات طرائف كثيرة، واشتهر ميناء دليس غربى بجاية بأن أكثر سكانه- كما يقول الحسن الوزان-من الصباغين لكثرة ما فيها من الينابيع والجداول ومثلها فى ذلك ضاحية تلمسان المسماة مدينة عباد. ويتوقف الحسن الوزان مرارا عند بعض المدن ليقول إن كثيرين-أو الكثرة-من سكانها صناع، ويذكر عن صناع تلمسان أنهم يحيون حياة هادئة ممتعة وينعمون بأوقات لراحتهم ويلبسون ثيابا لائقة وقليل منهم الذين يضعون عمامة على الرأس، فيستخدمون قلنسوة دون ثنيات ويلبسون أحذية تصعد حتى أواسط سيقانهم، وكانت

стр. 4660

تلمسان تشتهر بصناعة الجلد، ويقول ابن سعيد الأندلسى: «منها تحمل ألجم الخيل والسروج وما يتبع ذلك» مما يدل على ما كان بها من مصنع للحديد. وكانت تنتشر فى أنحاء الجزائر المنسوجات الكتانية والصوفية والقطنية والحريرية، واشتهرت بونة (عنابة) بمنسوجاتها الكتانية، ويقول الحسن الوزان إن أكثر سكان وهران من الصناع والحاكة. ولما سكن الأندلسيون الغرناطيون فى هجرتهم الكبرى إلى الجزائر مدينة شرشال نهضوا فيها بصناعة الحرير إذ وجدوا بجوارها كمية لا تحصى من أشجار التوت الأبيض والأسود فربوا فيها دود القز، واتسع إنتاجهم من المنسوجات الحريرية. ويذكر الحسن الوزان كثرة ما بمدينة قسنطينة من الأقمشة الصوفية المصنوعة محليا وكذلك الكتانية، ويقول الحسن الوزان: فى مدينة ميلة عدد كبير من الصناع ولا سيما الذين يعملون فى نسج الأقمشة من الصوف التى تصنع منها أغطية الأسرّة. ويطيل الحسن الوزان فى تلمسان من وصف أكسية الصوف والجلد والقطن ووصف المعاطف. وقد اشتهرت نساء المدن الجزائرية بصناعة التطريز على الأقمشة الحريرية والجلدية، وتحتفظ المتاحف الجزائرية بمجموعات منها لا تزال أسلاكها الذهبية والحريرية والقطنية تومض كأنما وضعت عليها بالأمس. ويكثر الحسن الوزان وغيره من المتحدثين عن المدن الجزائرية عن كثرة من بها من الصناع والحاكة، وقلما يذكرون ما يقومون به من الصناعات والحياكات، ويذكر الوزان عن أهل مليانة أنهم جميعا من الصناع ومن الحاكة ومن الخراطين الذين يصنعون أوانى جميلة من الخشب. وكان أهل الجزائر يصنعون بجانبها أوانى جميلة من الخزف الملون والجص المجزّع، ولا بد أن تفننوا طويلا فى صناعة الحلى إرضاء للمرأة، وبالمثل فى صناعة أحذيتها وأحذية الرجال. وكانت معاصر الزيتون منتشرة فى بلدان كثيرة، وكان الزيت لذلك يصدر بكثرة من الجزائر. ولا بد أن صناعة الورق من الكتان كانت منتشرة وخاصة فى المدن الكبرى وفاء بحاجة العلماء والطلاب وبما انبثّ فى الجزائر من نهضة علمية وأدبية واسعة. ومنذ القرون الإسلامية الأولى تشاد فى الجزائر المنشآت العمرانية، ولا يشاد بناء مفرد أو أبنية مفردة فحسب بل تشاد مدن بمساجدها وقصورها وفنادقها وحماماتها ومارستاناتها فقد بنى فيها الخليفة العبيدى المهدى سنة ٣١٣ مدينة المحمدية أو المسيلة. وبنى زيرى الصنهاجى والى الجزائر من قبل الخليفة العبيدى المنصور «أشير» إلى الشمال الشرقى من تاهرت، وبنى ابنه بلكين مدينة الجزائر ومدينة مليانة جنوبى شرشال ومدينة المدية إلى الجنوب الشرقى منها، وبنى حماد بن زيرى قلعة ضخمة شمالى المسيلة عاصمة لدولته وجدّد الناصر الحمادى مدينة بجاية وأحضر لها العمال والمهندسين ومواد البناء واتخذها عاصمة للدولة. وكل حاكم منهم كان يعنى بإنشاء قصور كثيرة فى عاصمته على نحو ما نقرأ فى دولة بنى زيان ملوك تلمسان،

стр. 4661

وبخاصة فى تاريخ عبد الرحمن أبى تاشفين (٧١٨ - ٧٣٧ هـ) فقد كان مولعا بتشييد القصور- كما يقول يحيى بن خلدون-مستظهرا على ذلك بآلاف عديدة من فعلة الأسارى الأجانب وغيرهم من نجارين وبناءين ومبلّطين للخزف وزوّاقين، وشاد قصورا عدة: دار الملك ودار السرور وأبا فهر وغيرها والصهريج الأعظم الذى لا يزال موجودا-كما يقول الأستاذ محمود أبو عياد-غربى المدينة. وإذا كان بناء ثلاث قصور استلزم آلافا من العمال فما بالنا بمن بنوا مدنا بقصورها ومساجدها وكل منشآتها العمرانية. وكل هذه القصور والمدن استلزمت صناعات كثيرة من نجارة وحدادة ونقاشة وقدرة على استخدام الفسيفساء (الموزايكو) فى الحيطان والسقوف والأروقة مع رسوم مختلفة من الرياحين والأزهار، ونضرب مثلا لروعة العمارة فى مدن الجزائر بقول الحسن الوزان عن مدينة بجاية المبنية فوق سفح جبل شديد الارتفاع على ساحل البحر المتوسط إنها تمتد من حيث العرض على خاصرة الجبل امتدادا كبيرا خارقا للعادة، وسائر بيوتها جميلة، وهى مجهّزة بالجوامع بشكل طيب وبالمدارس التى يكثر فيها الطلاب وكذلك أساتذة الشريعة والعلوم، كما تحوى أيضا زوايا للمتعبدين المسلمين، وحمامات وفنادق ومارستانات وكلها عمارات حسنة البنيان وأسواقها جميلة حسنة التنسيق، وتقوم المدينة كلها على تلال صغيرة حتى إنه ليتعذر السير بضع خطوات بدون صعود أو نزول. وإلى جانب الجبل-أو جانبها-توجد قلعة كبيرة ذات جدران متينة، وتزدان بالكثير من الفسيفساء وبالجص المجزّع وبالأخشاب المحفورة بالنقوش التى تعلوها رسومات عجيبة بلون أزرق سماوى، حتى لتساوى هذه الأشغال الفنية من حيث القيمة أكثر من البنيان ذاته». وإنما نقلنا هذا النص الطويل لندل بوضوح على ارتقاء صناعة المدن والقصور فى الجزائر وكيف أنه رافقها ارتقاء فى الحفر والنقش والزينة بالفسيفساء والرسومات العجيبة باللون الأزرق البهيج، وقد خلبت بروعتها وحسنها لبّ الحسن الوزان كما خلبه جمال البيوت وعمارتها وعمارة جميع المؤسسات وحتى الأسواق. وكل ذلك إنما نهض به فى بجاية وغيرها من مدن الجزائر أيد بالغة المهارة فى العمارة وكل ما يتصل بها من زخرف وزينة. وهيّأ هذا الإنتاج الصناعى الوافر وما سبقه من الإنتاج الزراعى القطر الجزائرى لأن تصبح موانيه أسواقا عالمية، فكانت تصدر منتجاتها شمالا إلى الغرب وشرقا إلى تركيا والشام ومصر، ومنذ عصر الفينيقيين كانت قوافلها تعبر فلوات الصحراء الكبرى إلى السودان الأوسط والغربى محملة بالسلع الجزائرية من المنسوجات على اختلاف أنواعها صوفية وكتانية وقطنية ومن النقل جوزا وغير جوز ومن الزيتون والزيت ومن السروج واللبود والمفاتيح وأقفال الحديد، وتعود محملة بالعاج وريش النعام والتّبر والجلود والرقيق السودانى. ونستطيع تصور الحركة التجارية ومدى نشاطها إذا رجعنا إلى ما كتبه الحسن الوزان وغيره عنها فى الموانى والمدن الكبرى، فمن ذلك ما يقوله عن ميناء القالة، وكانت تعرف باسم مرسى الخزر: «إن أهلها يقومون

стр. 4662

بتجارة طيبة لأنهم يستمدون من جبلهم الكثير من الشمع ولديهم كمية كبيرة من الجلود ويقايضون هذه المنتجات بالسلع التى يجلبها الجنويون (تجار جنوة) الذين يترددون على مينائهم». ويقول الوزان عن أهل بونة إنهم يبيعون كمية كبيرة من أقمشتهم الكتانية، ويقول عن أهل سكيكدة إن سكانها يزاولون التجارة بكثرة مع الجنوبين فيقدمون لهم القمح ويأخذون منهم بالمقابل أقمشة ومنتجات أوربية أخرى. ويذكر عن ميناء جيجل غربيّها أنه يوجد به الكثير من شجر الجوز والتين وتنقل ثمار هذا الشجر إلى تونس. وكانت بجاية سوقا تجاريا كبرى، وفيها يقول الإدريسى: «السفن إليها مقلعة، ولها القوافل متجهة، والأمتعة إليها بحرا وجوا مجلوبة، والبضائع بها نافقة، وأهلها يجالسون تجار المغرب الأقصى وتجار الصحراء، وبها تباع البضائع بالأموال المقنطرة». ومن أجل هذه الحركة التجارية الواسعة فيها عقدت الدول البحرية الأوربية مع بجاية فى عصر الدولة الحمادية قديما معاهدات تجارية. ويقول الإدريسى عن ميناء تينس: «به فواكه وخصب وإقلاع وحطّ، وبه الحنطة وسائر الحبوب تخرج منه إلى كل الآفاق فى المراكب». وكان ميناء وهران سوقا كبيرة. ويقول الوزان: كانت وهران مقصد التجار القطالونيين (الإسبان) والجنوبين (الطليان) ولا زال فيها-لعصره فى القرن العاشر الهجرى-بيت يدعى بيت الجنوبين لأنهم كانوا يسكنون فيه. وكانت قسنطينة فى الداخل مركزا تجاريا كبيرا، ويقول الوزان: «فيها عدد كبير من الباعة الذين يزاولون تجارة الأقمشة الصوفية المصنوعة محليا، ويصدر بعض التجار الزيت والحرير وكذلك الأقمشة الكتانية، ويباع كل ذلك بالمقايضة مقابل التمور والعبيد. ويجتمع أهل قسنطينة مرتين فى العام فى قافلة تجارية، ونظرا لكثرة تعرضهم لهجمات الأعراب يصطحبون معهم بعض رماة البنادق من الأتراك الذين ينالون أجرا طيبا على ذلك. ولا يدفع تجار قسنطينة رسم دخول إلى تونس (إذ كانت جزءا من مملكتها) ولكنهم يدفعون عند خروجهم من قسنطينة مقدار اثنين ونصف بالمائة من قيمة بضائعهم». ويقول الحسن الوزان عن تجار تلمسان إن متجرهم إنما هو الرحلة إلى السودان وجلب منتجاته، وبها كما يقول بضعة فنادق من بينها اثنان لسكن التجار البنادقة والجنوبين. ولإتمام بيان وجوه المعيشة والكسب فى الجزائر كان كثير من سكان المدن الشمالية الساحلية يشغلون أنفسهم بصيد السمك والحيتان من البحر المتوسط ويقول الحسن الوزان عن أهل دليس إنهم يصيدون بالشباك الكثير منه وينطبق ذلك على أهل الموانى الشمالية جميعا. واشتهرت مدينة القالة المسماة قديما بمرسى الخزر بكثرة ما بساحلها من المرجان، وهو شجر فى البحر لين أبيض اللون، وإذا ضربه الهواء احمرّ وصلب، ويقول الحسن الوزان: ليس لأحد من أهل القالة الحق فى صيده أو التقاطه من الساحل حين تقذف به الأمواج إلى البر لأن سلطان تونس أعطى هذا الساحل بالتأجير إلى أهل جنوة الإيطاليين. وهو تصرف مخطئ لأن ذلك

стр. 4663

من شأنه أن يطمع الجنوبين أو غيرهم فى احتلال ذلك الجزء من البلاد ثم فى احتلال البلاد جميعها حين تحين الفرصة، على نحو ما سوّل الشيطان ذلك لفرنسا بالأمس. ٣ - الثراء (١) -الرفه-الموسيقى (أ) الثراء طبيعى أن أهلّت التجارة الواسعة فى موانى الجزائر الساحلية أهلها ليكونوا أثرياء، وكلّ ثراؤه حسب قدرته فى التجارة وحسب نشاطه، ونضرب مثلا لذلك مدينة القالة التى كان يتجر أهلها مع الجنوبين فى الشمع والجلود كما مر بنا، ويقايضونهم عليهما بما يحملون من السلع ويقول الحسن الوزان: «لا يوجد على الساحل مدينة أكثر غنى من هذه المدينة، فهى تربح من تجارتها مع الجنوبين (تجار جنوة) ضعف قيمة ما تعطيه لهم، ثم تبيع بالقطاعى فى الجبال المجاورة لها البضائع التى جلبها الجنويون وتجنى من ذلك كسبا ضخما. ومثلها فى هذا الاتجار والغنى بقية الموانى الشمالية، ويعبر المؤرخون عن ذلك بعبارات كثيرة كأن يقول البكرى عن بونة (عنابة) إنها كثيرة اللحم واللبن والعسل ويقول الوزان إن أهلها يبيعون كمية كبيرة من الأقمشة الكتانية وكل أراضيها ممتازة لزراعة القمح ويمتلك أهلها عددا كبيرا من الأبقار والثيران والأغنام، وتنتج المواشى كمية ضخمة من السمن. وكل تلك مؤهلات كبيرة للثراء. ويقول الوزان عن أهل بجاية إنهم مياسير وعلى قدر كبير من الغنى ومرّ بنا أنها كانت مركزا تجاريا ضخما وأن السلع كانت تباع فيها بالأموال المقنطرة. ولم يكن أهل مدينة الجزائر يقلون ثراء عن أهل بجاية، واتسع ثراؤهم فى العهد العثمانى اتساعا كبيرا، وبالمثل أهل وهران. وينوه الوزان بثراء قسنطينة وكثير من المدن الداخلية ويقول عن تجار تلمسان إنهم أغنياء جدا بما يملكون من عقار ومتاع ونقود وهم ذوو هندام جيد، وينوّه-كما مر بنا -بالصناع وثيابهم اللائقة، ويقول أفضل الناس كساء فى تلمسان الأساتذة والقضاة والأئمة والموظفون لما كانوا يتقاضون من رواتب عالية، ويذكر أن العساكر يتقاضون أجورا مرتفعة. ويذكر عن أهل ميزاب أنهم أغنياء لأنها كانت مركز التلاقى التجارى بين تجار مدينتى بجاية والجزائر وتجار بلاد السودان، ويقول عن مدينة ورقلة (ورجلان) الداخلة فى الصحراء

стр. 4664

الكبرى إن أهلها من كبار الأغنياء لأنها مركز تجارى يتبادل فيه تجار البربر من قسنطينة وتونس منتجات بلادهم بالسلع التى جلبها تجار بلاد السودان. وزاد فى ثراء سكان المدن الشمالية الساحلية-على مر العصور-تحول بعضها إلى ما يشبه قاعدة للقرصنة فى البحر المتوسط، ونقرأ أخبار هذه القرصنة منذ أيام الدولة الحمادية، فقد كان من قراصنة الجزائر من يتخذ بونة (عنابة) فى عهدهم مركزا ينطلق منه للقرصنة، ومثلها بجاية عاصمة الحماديين وظل ذلك دأب أهلها طويلا، ويقول الحسن الوزان: «كان أهل بجاية على قدر كبير من الغنى، فكانوا يسلحون مراكب وسفنا حربية ويرسلونها لغزو إسبانيا ولجلب غنائم البحر من السلع والرقيق رجالا ونساء» وكثير منهم كانوا يسلمون ويصبح لهم ما للمسلمين من الحقوق، واتسعت هذه القرصنة فى الموانى الشمالية حين استقر بها الغرناطيون والأندلسيون فى هجرتهم الكبرى أواخر القرن التاسع الهجرى وكان يحفزهم عليها محاولتهم الانتقام من نصارى إسبانيا الذين أخرجوهم من ديارهم ومواطنهم فى الأندلس، ولم يلبث أن ظهر خير الدين (بربروس) وعروج القائدان التركيان البحريان العظيمان واستوليا على الجزائر، وأخذ خير الدين يطرد الإسبان من الموانى التى كانوا قد استولوا عليها واستطاع خلال عشرين عاما أن يطهر الساحل الجزائرى منهم واستدار بالبحارة الترك ومن انضم إليهم من المهاجرين الأندلسيين يتوغل فى البحر المتوسط، وظل ذلك طوال هذا العصر حتى العقد الثانى من القرن التاسع عشر، وظلت بجاية والجزائر ووهران تستقبل جميعا غنائم البحر من السلع والرقيق وبالمثل غنائم ميورقة ومنورقة والساحل الإسبانى. ولكى يتضح لنا مدى هذه الغنائم ينبغى أن نعرف أنه كان يجلب أحيانا فى الغزوة البحرية الواحدة مئات من رقيق النصارى رجالا ونساء سوى ما كان يجلب من الغنائم، وكان ذلك مصدر ثروة واسعة لقراصنة الساحل الجزائرى من جهة وللدولة نفسها من جهة ثانية، مع ما كانت تموج به الجزائر من طيبات الرزق فى الزراعة والصناعات اليدوية والتجارة الواسعة. (ب) الرّفة معروف أن الغنى الواسع يجر إلى الرّفة ورغد العيش، ولم يكن هذا الغنى أو الثراء خاصا بفرد أو أفراد قليلين فى المدن الجزائرية، بل كثيرا ما كان يشمل كل أفراد المدينة فالجميع فى يسار وبلهنية وسعة من العيش تتيح لسكان المدينة رفاهية واسعة، ومن خير المدن التى تصور ذلك مدينة نقاوس، وفيها يقول الحسن الوزان: «مدينة رومانية على مسافة نحو ثلاثين ميلا من مدينة المسيلة، وسكانها أغنياء شرفاء كرماء ويلبسون ثيابا لائقة مثل سكان بجاية، وبالبلدة بيت معد لسكنى الغرباء وفيها مدرسة للطلاب الذين جرت العادة أن يعفوا من نفقات الكساء والغذاء، كما أن فيها جامعا جميلا فسيحا جدا ومجهزا بكل ما تمسّ الحاجة إليه،

стр. 4665

والنساء هنا جميلات، لون بشرتهنّ أبيض، وشعورهن فاحمة ولامعة، لأنهن يكثرن من التردد على الحمامات ويعتنين بأنفسهن كثيرا، وبيوتها جميعا من طابق أرضى واحد، ومع ذلك أنيقة جدا وبهيجة المنظر، لأن لكل بيت منها حديقة مليئة بالزهور المتنوعة لا سيما من الورود والرّيحان والبنفسج والقرنفل وأزهار أخرى لا تقل عنها بهاء، ولجميع البيوت عيون ماء تسقى منها. وعلى الجانب الآخر من الحديقة تكعيبة بديعة تعطى فى الصيف ظلاّ ظليلا ومنعشا. ولذلك فإن من ينزل فى نقاوس يود لو يبقى فيا حينا طويلا من الدهر ويأسف لاضطراره إلى مغادرتها لما لقيه من أهلها المضيافين من حفاوة وترحاب». ونقاوس لم تكن ميناء تتوسط حقوق عناب مثل بونة مثلا ولا كانت تتلقى غنائم البحر مثل بونة وموانى الساحل الشمالى، إنما هى مدينة عادية فى البقاع الداخلية تعيش على ما تنتجه سهولها من قمح ومزارعها من تين وجوز، مثلها فى ذلك مثل بلدان عادية كثيرة فى الجزائر، ومع ذلك فيها دار ضيافة لإكرام الغرباء ومدرسة مجانية تكفل لطلابها الكساء والغذاء وجامع فسيح جميل مجهز بكل متطلباته ونساء جميلات، والبيوت جميعا من طابق أرضى واحد، فليس بينها قصر أو قصور، بل الجميع سواء فى المسكن والمعيشة، ولكل بيت حديقته المكتظة بالأزهار العطرة وتكعيبته التى تتيح لساكنيه فى الصيف ظلا ظليلا منعشا. ولكأن الحسن الوزان يصف فردوسا من فراديس الجنان امتلأ برفاهية لا حدّ لها ولا نهاية، وإنه لآسف أشد الأسف لمبارحته لها. وتلك كانت مدن الجزائر وقراها قبل أن يحتلها الفرنسيون، وبون بعيد بين نقاوس الأمس ونقاوس أيام الفرنسيين وما نزل عليها من بلاء حين وطئتها هى وأمثالها أقدام المحتلين الباغين. وبدون ريب كانت مدن-أو على الأقل بعض المدن وخاصة الساحلية بل أيضا الداخلية يغمرها مثل هذا الرفه الرائع. ويتوقف الحسن الوزان مرارا أمام بعض المدن التى بهرته مبانيها ليقول إنها بديعة، ومن قوله عن بجاية: «سائر بيوتها جميلة» ويذكر جوامعها ومدارسها وحماماتها وفنادقها ومارستاناتها ويقول: «كلها عمارات حسنة البنيان» ويقول عن وهران: إنها مجهزة بكل العمارات والمؤسسات التى تميز مدينة حضرية كالجوامع والمدارس والمارستانات والحمامات والفنادق. ويفيض فى الحديث عن رفه أهل تلمسان، ومما يذكره بها خمس مدارس بديعة حسنة البنيان جدا ومزدانة بالبلاط الملون وسواه من الأعمال الفنية». ومرّ بنا ما ذكره من أن سكانها يقضون الصيف فى كور بديعة لهم فيها منازل غاية فى الأناقة ومن حولها بساتين فاخرة تنتج كرزا وأعنابا من كل الألوان ودرّاقا وجوزا ولوزا وثمارا مختلفة، وينوه بملابس أهلها من صناع وغير صناع ومن أساتذة مدرسين وقضاة، ويتسع فى الحديث عن البلاط الملكى بها وموظفى الدولة ورئيس التشريعات، وكأننا بإزاء عاصمة دولة حديثة متحضرة غاية التحضر ناعمة بغير قليل من الرفاهية. ويدل أبلغ الدلالة على ما نعمت به تلمسان من رفه أيام دولة بنى زيان ما نفذ إليه عالم

стр. 4666

رياضى عظيم بها يسمى أبا الحسن على بن أحمد الملقب بابن الفحام من صنع منكانة أو ساعة كانت دقاقة، وقد وضعها فى خزانه كبرى ذات تماثيل فضية محكمة الصنع، وبأعلاها أيكة- أو شجرة ملتفة-تحمل طائرا فرخاه تحت جناحيه ويخاتله فيهما ثعبان نافذ من كوّة بجذر الأيكة يحاول الصعود ينتظر غفلته، وبصدر الخزانة أبواب موصدة بعدد ساعات الليل الزمانية- إذ كانت توضع فى الاحتفال الكبير بليلة المولد النبوى زمن أبى حمو موسى الثانى (٧٦٠ هـ/ ١٣٥٩ م-٧٩١ هـ/١٣٨٩ م) -ويصاقب (يجاور) طرفى هذه الأبواب بابان مغلقان أطول من الأبواب الأولى وأعرض، وفوقها جميعا دون رأس الخزانة قمر مكتمل يسير على خط استواء سير نظيره فى الفلك ويسامت (يوازى) أول كل ساعة بابها المرتج (المغلق) فينقضّ من البايين الكبيرين عقابان بظفرى كل واحد منهما صنجة من الصّفر يلقيها إلى طست مجوف من النحاس بوسطه ثقب يفضى بها إلى داخل الخزانة فيرنّ وينقضّ الثعبان على أحد الفرخين فيصفر له أبوه، وهنالك يفتح باب الساعة الراهنة (الحالية) وتبرز منه دمية على هيئة جارية بخصرها حزام كأظرف ما أنت راء، بيمناها صحيفة فيها رقم ساعتها (العاشرة مثلا) منظوما، ويسراها موضوعة على فمها، وكأنها تعلن عن الساعة على استحياء. ومن يزور مدينة بيرن عاصمة سويسرا سيأخذه مرافقه السويسرى قبيل الساعة الثانية عشرة إلى مشهد ساعة كبيرة مثبتة على يرج شاهق وفى الجزء العلوى منها مهرج يدق جرسين قبيل دق الساعة لجرسها معلنة الثانية عشرة، وفى الحال يصيح ديك على اليسار ويحرك أحد جناحيه، ويواجهه تمثال أسد ما يزال يحرك رأسه وتمثال عمدة يحرك عصاه وتدور مجموعة من الدببة، وفى الساعة الثانية عشرة تماما تدق الساعة ويصيح الديك ويحرك أحد جناحيه كأنه يهم بالطيران. وهذه الساعة السويسرية التى يفتخر السويسريون باختراع أحد مواطنيهم لها سنة ١٥٣٠ للميلاد ليست أروع ولا أبدع من ساعة ابن الفحام التى اختزعها قبلها بقرن ونصف مما يدل على ذكائه الوقاد من جهة وعلى ما أصابه الجزائريون فى تلمسان من رفه من جهة ثانية. (ج) الموسيقى ليس بين أيدينا أخبار عن تعلق أهل الجزائر بالموسيقى والغناء فى الحقب الأولى من هذا العصر، وإذا رجعنا إلى كتاب وصف إفريقيا للحسن الوزان وجدناه يصف أهل بجاية بأنهم «ميالون إلى المرح وإلى الموسيقى والرقص ولا سيما الأمراء». ويقول عن سكان ميناء دلس الواقعة غربى مدينة بجاية إنهم «لطفاء ويحيون حياة مرحة ويجيدون كلهم تقريبا الضرب على العود وعلى القانون». ولم يصور لنا الوزان حياة المرح ومختلف وسائله عند أهل بجاية كما لم يصور رقصهم وأوقاته، ومع أنه ذكر آلتى العود والقانون الموسيقيتين اللتين كان يضرب عليهما جميع أهل دلس لم يذكر هل كانوا يصحبون هذا الضرب بتلاحين لأشعار ينشدونها أو يغنونها دائما أو فى بعض الأحوال.

стр. 4667

وأكبر الظن أن الجزائر ظلت طويلا تعتمد على موسيقاها والضرب على العود والقانون على ألحان بسيطة، حتى إذا كانت هجرة الغرناطيين الكبرى إليها بعد سقوط عاصمتهم غرناطة فى أيدى فردناند وإيزابيلا نقلوا معهم إلى مدنهم التى استوطنوها وخاصة على الساحل الشمالى موسيقاهم الأندلسية، ولا نعرف إلى أى حد امتزجت هذه الموسيقى بموسيقى الجزائر المحلية، وكانت الموسيقى الأندلسية موسيقى راقية ذات قواعد وقوانين فى تلاحينها وذات رقم مضبوطة (أى نوت جمع نوتة) وكانت تصحبها أغان أندلسية بهيجة أو شجية من الغزل وغير الغزل. ولم تلبث الموسيقى التركية أن انتقلت بدورها إلى الجزائر فى العهد العثمانى عن طريق الطاقم الموسيقى العسكرى الذى كان يلازم الوالى وما يحمل من آلات النفخ والدق. وأخذت تتسع معرفة الجزائريين بالموسيقى التركية وآلاتها وقواعدها فى التنغيم والتلحين. وهذه الموسيقى التركية وأختها الأندلسية التحمتا بما كان فى الجزائر من موسيقى أولية، وتألفت من ذلك كله منذ القرن الحادى عشر الهجرى الموسيقى الجزائرية بطوابعها وخصائصها الموسيقية، وقد أدخل الجزائريون فى ديوان موسيقاهم مصطلح البشرف وهى كلمة تركية معناها الافتتاحية ولا ينشد معها أو يغنّى كلام ثم تتوالى الأدوار فى الموسيقى، وكل دور يسمى نوبة، ولكل نوبة اسمها الخاص وتلاحينها. وتعتمد الموسيقى الجزائرية على الآلات الموسيقية التالية: الناى والعود والرباب والقانون والكمنجة والطبل والدربكة والطار والمزمار. وبجانب هذه الموسيقى الجزائرية التى كانت تشيع بين الحضر فى المدن الجزائرية كان للبدو من الأعراب أغانيهم البدوية التى توارثوا طرائق التغنى بها وإنشاءها من آبائهم فى الجزيرة العربية، وقد أخذوا يستعيدون تلك الطرائق فى هضاب الجزائر ومراعيها الواسعة التى كانوا يتنقلون فيها، وأخذها عنهم جيرانهم من البربر المتبدين مثلهم، وكانوا ينشدونها مع طبل وزمر أحيانا فى أسمارهم وحفلات اعراسهم وأفراحهم واستقبالاتهم للحجاج بلهجاتهم البدوية الدارجة. ٤ - الدين-المالكية والحنفية-الإباضية-المعتزلة (أ) الدين (١) كان البربر فى القطر الجزائرى-مثل إخوانهم من البربر فى الأقطار المغربية-وثنيين

стр. 4668

يعبدون الشمس والقمر والكواكب السيارة ويقيمون لها المعابد ويقدمون إليها القرابين ويوقدون لها النار لحراستها ويقدسون كثيرا من الأحجار. ونزل بديارهم الفينيقيون وكانوا مثلهم وثنيين وكذلك القرطاجيون. وأخذ اليهود يهاجرون إلى بلدان الجزائر بعد استيلاء الملك الكلدانى بختنصر على بيت المقدس، ولهم هجرة إليها ثانية حين هدم الإمبراطور تيتوس هيكلهم ببيت المقدس سنة ٧٠ للميلاد. وحاول يهود الهجرة الأولى والثانية أن ينشروا دينهم اليهودى بين البربر، واستجاب لهم بربر مختلفون فى جبال الأوراس، وما زالت توجد آثار للقبائل البربرية التى اعتنقت اليهودية وتمسكت بها إلى اليوم. وفى ذلك ما يفسر وجود بعض اليهود البدو الذين يلبسون ملابس البربر المسلمين ويعيشون معيشتهم. ولهم هجرة ثالثة إلى الجزائر وغيرها من البلاد المغربية، حين أنزل الإسبان بهم بعد سقوط غرناطة أهوالا من العذاب وأوصدت أوربا أبوابها دونهم فلم يجدوا لهم ملاذا سوى الجزائر وشقيقاتها العربيات المسلمات وعاملوهم معاملة الإسلام السمحة ولم يشعروهم أنهم عنصر غير مرغوب فيه، بل فسحوا لهم فى المعيشة وكانوا يعدون بالآلاف فى قسنطينة والجزائر وغيرهما من المدن الكبرى مثل تلمسان، ويقول الحسن الوزان: كان بها خمسمائة بيت من اليهود، وما زالت المدن الجزائرية تفسح لهم فى المعيشة بها، حتى إذا كانوا فى أواخر هذا العصر احتكروا التجارة والأعمال المالية وثار الشعب الجزائرى فخففوا قليلا من وطأة احتكارهم وسرعان ما استعادوا احتكارهم ونفوذهم المالى على نحو ما عرضنا ذلك فى الفصل الماضى. وأخذت المسيحية تنتشر فى الجزائر منذ القرن الثانى للميلاد، وأخذ انتشارها يتسع منذ عهد الإمبراطور قسطنطين واستيلائه فى روما على صولجان الحكم سنة ٣١٢ للميلاد إذ أعلن المسيحية دينا رسميا للدولة وأخذ يعمل على نشرها فى إفريقيا والبلاد التابعة لروما، وتكاثرت الأسقفيات والكنائس فى المدن الساحلية وفى الداخل فقد كان لهم أسقفية فى بونة (عنابة) وكان القديس أو غسطين أسقفا لها وكانت فى قسنطينة أسقفية ثانية وكذلك فى باغاية، وكانت هى وأمثالها تتبع كنيسة روما. ويظن أن المسيحية سقط منها بعض التأثير إلى القبائل الرحل فى الجنوب إذ توجد بعض كلمات فى لغة الطوارق ترجع إلى أصل مسيحى مثل اسم ميسى ومعناه عندهم إله وأنجلوس ومعناه عندهم ملاك. ولكن من المؤكد أن البربر ظلوا-قبل الإسلام-لا يقبلون على المسيحية لصعوبة تصورهم لعقيدة التثليث المسيحية المعقدة ولأن حملتها من الرومان كانوا يذيقونهم قهرا وبطشا شديدا، فظلوا منصرفين عنها، ومن اعتنقها منهم ظل يعتنقها اعتناقا ظاهريا دون أن تحتل قلبه وفؤاده، وظل يشعر أنها ديانة رومانية أوربية غريبة عليه. ومع ذلك فإن الجاليات والأسر والحاميات الرومانية ومن تنصّر من القرطاجيين كانوا كثيرين مما أتاح لتأسيس بعض الأسقفيات والكنائس وبدون ريب حاول بعض القساوسة الدعوة للمسيحية جاهدين فى أرجاء البلاد حتى صحاريها. وبعد الفتح العربى أخذ كثيرون ممن

стр. 4669

اعتنقوها يعتنقون الدين الحنيف، وأقبلت عليه جموع البربر وجماهيرها، لبساطته ولتحريره الشعوب من كل عبودية واسترقاق وظلم مع محوه لجميع الفوارق الطبقية والاجتماعية بين رعيته فهم جميعا سواء فى الحقوق والواجبات، وهذا هو التفسير الصحيح لقضاء الإسلام على المسيحية فى القطر الجزائرى وغيره من الأقطار المغربية، مع ملاحظة أن العرب عاملوا من ظلوا على مسيحيتهم من الروم وغيرهم معاملة سمحة كما يقضى بذلك دينهم وجعلوا لهم حقا مفروضا إقامتهم لشعائر دينهم المسيحى وتجديد كنائسهم ولم يمسوا أى مس حريتهم الدينية. وظل ذلك لا فى القرون الأولى بعد الفتح فحسب، بل أيضا فى جميع القرون، حتى لنجد الناصر بن علناس أمير دولة بنى حماد فى بجاية والقلعة يرسل-كما أشرنا إلى ذلك فى الفصل الماضى-خطابا رقيقا إلى البابا جريجوار السابع الذى تولى البابوية بين سنتى ١٠٧٣ و ١٠٨٥ خطابا رقيقا يطلب إليه فيه تكريس القديس سرفاند أسقفا على أبرشية بونة (عنابة) وأرسل إليه معه بهدايا نفيسة، وأهم من ذلك أنه افتدى جميع الأسرى المسيحيين الذين جلبهم القراصنة إلى مملكته وأرسل بهم إليه. وكان لذلك أجمل وقع فى نفس البابا وكبار رجال الكنيسة فى روما، وأرسل إليه مع الأسقف الجديد لبونة برسالة تفيض بشكره وشكر القسيسين وأشراف روما لهذا العمل النبيل محييا عقيدة المسلمين التى تشترك مع عقيدة المسيحيين- كما يقول-فى الاعتقاد بإله واحد خالد. وإنما سقت ذلك لأدل على مدى المعاملة الطيبة للمسيحيين فى الجزائر، وكانت لهم فى مدنها الكبيرة بعض الأحياء، كما كان لهم-مثل اليهود-مقابر خاصة. ومرّ بنا أن القرصنة اتسعت منذ القرن العاشر إلى نهاية هذا العصر، مما أدّى إلى وفود آلاف من الأسرى المسيحيين على الجزائر من مختلف مناطق البحر المتوسط (إسبان وفرنسيين وإيطاليين وكريتيين وصقليين ويونان) وكانوا يعدون رقيقا فى خدمة الدولة أو فى خدمة بعض الأعيان، وكانوا يزاولون الزراعة وحرف الصناعة والبناء ويزعم دابر Dapper فى وصف إفريقية أنه كان بمدينة الجزائر ستة آلاف أسرة من هؤلاء المسيحيين الأسرى ممن جلبهم القراصنة، وكان كثيرون من هذا الرقيق المسيحى الأسير يسلمون وتردّ إليهم حرياتهم ويكونون أسرّا ما زال بعضها يحمل اسم بلدهم الأصلى، وعمل بعضهم فى الدولة وارتقى إلى المناصب الرفيعة. ومنذ فتح المسلمون المغرب الأوسط أو إقليم الجزائر، والبربر يسارعون إلى الدين الحنيف واعتناقه، ويبدو ذلك واضحا فى عهد أبى المهاجر دينار (٥٥ هـ/٦٧٤ م-٦٢ هـ/٦٨١ م) إذ يرجع إليه الفضل فى فتح جميع الجزائر ونشر الدين الحنيف فيها وكانت قد فتحت بعض أرجائها وأخذ أهلها يتعرفون على الإسلام ويدخلون فيه، فأتم ذلك كله، متخذا له جيشا جرارا من العرب والبربر المسلمين. وسمع أن الروم وبعض البربر يتجمعون لحربه فى مدينة ميلة إلى الجنوب الشرقى من بجاية، فنازلهم واحتل البلدة واتخذها مركزا لأعماله الحربية وظل

стр. 4670

فيها عامين، تخرج فيهما سراياه للفتح بعد الفتح. وكانت الزعامة فى الجزائر حينئذ لقبيلة أوربة البرنسية ورئيسها أو زعيمها كسيلة وكان نصرانيا وأخذ يستعد استعدادا واسعا للقاء أبى المهاجر، ولقيه بجيش كثيف من الروم والبربر بالقرب من تلمسان ودارت عليه وعلى جيشه -كما مرّ بنا فى الفصل الماضى-الدوائر، ووقع أسيرا فعامله أبو المهاجر معاملة سمحة، جعلته يدخل-وتدخل معه قبيلته أوربة-فى الدين الحنيف. وخلف أبا المهاجر فى ولاية القيروان والبلاد المغربية عقبة بن نافع سنة ٦٢ هـ/٦٨٣ م فرأى أن يقتحم الجزائر والمغرب الأقصى جميعا، وأعدّ جيشا ضخما أخذ يهزم به البربر ومن اجتمع إليه من الروم حتى أوطأ حافر حصانه مياه الأطلسى. ومنذ هذا التاريخ أصبحت البلاد المغربية جميعها من أدناها إلى أقصاها بلادا إسلامية. غير أن عقبة كان قد عامل كسيلة الأوربى معاملة أغضبته وصمم على الانتقام، حتى إذا كان عائدا بالجيش فى المغرب الأوسط وتخلف عنه مع فرقة صغيرة بالقرب من طبنة هجم عليه كسيلة مع جنود من الروم والبربر كان قد أعدهم لمثل هذه الفرصة، واستشهد البطل العظيم عقبة. وانتقم له خليفته زهير بن قيس فنازل كسيلة فى موقعة ضارية خرّ صريعا فيها وتفرّق من معه فى البلاد والجبال. وعاد زهير فتولّى البلاد المغربية بعده حسان بن النعمان فرأى أن يفتتح قرطاجة التى كان ينزل فيها الروم ويحاولون الاتصال بالبربر للحرب والإفساد، وفر كثير من الروم إلى البحر ومن بقى منهم فرضت عليه الجزية. وكانت كاهنة بربرية تتزعم البربر فى جبال أوراس بالجزائر قد أعلنت الحرب على حسان والعرب، ولقيها حسان ولم يكتب له النصر فانسحب انتظارا لمدد يأتيه من الخليفة عبد الملك بن مروان وأتاه المدد سنة ٨١ هـ/٧٠٠ م فنازلها وسحق جيشها سحقا ذريعا وأمّن من بقى منه وأمّن سكان أوراس فى الجزائر جميعا وولّى أكبر أبناء الكاهنة على قبيلته جراوة وجبل أوراس، واتخذ من قومه كتيبة فى جيشه عدادها اثنا عشر ألفا. ومن حينئذ أصبحت الجزائر عربية إسلامية تعتنق الدين الحنيف وتجاهد فى سبيله عن إيمان وإخلاص. ويخلف حسانا على القيروان والبلاد المغربية موسى بن نصير سنة ٨٦ هـ/٧٠٥ م فيمكن لهذا الامتزاج التام بين العرب والبربر فى الجيش وحكم المدن وفى جميع الحقوق والواجبات، ويعمل بكل ما استطاع على نشر الدين الحنيف بين البربر، ويتوّج ذلك بالبعثة التى أرسلها الخليفة عمر بن عبد العزيز لنشر الدين الحنيف وتعاليمه فى البلاد المغربية. وبذلك أصبحت الجزائر-مثل بقية البلاد المغربية-عربية إسلامية، وحقا ولى على البلاد المغربية منذ أوائل القرن الثانى الهجرى ولاة أمويون باغون أساءوا حكم البربر سوءا شديدا فلم يسوّوا بينهم وبين العرب فى الحقوق وظلموهم فى الخراج والضرائب ظلما شديدا، وعرفوا دعوة الخوارج وما يدعون إليه من المساواة التامة بين جميع المسلمين عربا وغير عرب فى كل الحقوق حتى فى ولاية الأمة وخلافتها أو إمامتها، فليس من الحتم أن يكون الخليفة قرشيا بل

стр. 4671

يتولى الخلافة أكفأ المسلمين ولو كان عبدا جشيا، وسارع إليهم دعاة مذهبى الإباضية والصفرية، وكان المذهب الأول معتدلا وقريبا من مذاهب أهل السنة، وتبع دعاته جبل نفوسة فى طرابلس واستطاعوا أن يكونوا لهم دولة فى تاهرت، وبذلك كثر أتباع هذه الفرقة الخارجية وسنخصها فيما يلى بحديث مستقل، أما فرقة الصفرية فكانت فرقة متشددة غاية التشدد وكانت تستبيح دماء المسلمين، وتأسست فى سجلماسة والمغرب الأقصى، فلم يتبعها جزائريون إلا ما كان يحدث أحيانا من مرور جيوشها بأراضى الجزائر فى ذهابها لحرب ولاة المغرب أو لحرب الدولة العبيدية، فكان ينضم إليها بعض الجزائريين. وبقاع محدودة فى الجزائر هى التى شاعت فيها الدعوة الإباضية، ومعنى ذلك أن الجمهور فى الجزائر ظل سنيا وظلت الجزائر دارا كبيرة للمذاهب السنية. (ب) المالكية (١) والحنفية ظل شرقى الجزائر طويلا جزءا لا يتجزأ من ولاية القيروان، وكانت قد سبقت-كما مرّ فى القسم الخاص بالإقليم التونسى-إلى الاعتماد فى الفقه على مذهب مالك، وفتحت أبوابها للمذهب الحنفى وخاصة فى عهد الأغالبة الذين تابعوا بغداد فى اتخاذ القضاة غالبا من بين فقهاء الأحناف حتى نهاية القرن الثالث الهجرى، إذ خيمّت-حينئذ-العقيدة الشيعية على الإقليمين الجزائرى والتونسى، وكادت تتوقف فيهما دراسة الفقه السنى المالكى والحنفى حتى إذا فارقوا المهدية إلى القاهرة فى أواخر العقد السادس من القرن الرابع عادت إلى الفقهاء السنيين حريتهم، وأخذوا يعنون بدراسة الفقه المالكى، وتولى المعز بن باديس شئون القيروان وشرقى الجزائر سنة ٤٠٦ واشتد فى عهده تذمر أهل القيروان من ذكر الخطباء على المنابر أسماء الخلفاء العبيديين والدعاء لهم فى خطب الجمعة، وبلغ بهم الأمر أن قطعوا صلاة الجمعة احتجاجا على الدعوة والدعاء لهم فيها، ويقول ابن عذارى إن بعضهم كان إذا بلغ إلى المسجد قال سرا: اللهم اشهد، اللهم اشهد، وانصرف، فصلّى الظهر. وانتهى الحال إلى تعطيل الجمعة فى القيروان زمنا، وأخذت تقوم مشادات عنيفة بين أنصار السنة وأنصار الدعوة العبيدية الشيعية منذ سنة ٤٠٧ هـ/١٠١٦ م وفى نفس هذه السنة قتلت العامة من أنصار العبيديين خلقا كثيرا رجالا ونساء ونهبوا دور قوم منهم وأموالهم. ومن حين إلى حين كانت تثور بهم العامة فى القيروان وأيضا فى المهدية عاصمة العبيديين ومدينتهم المنصورية حتى إذا كانت

стр. 4672

سنة ٤٣٥ هـ/١٠٤٣ م ثارت بهم العامة ثورة دامية سفك فيها كثير من الدماء فى الحواضر والبوادى، ولم يتمكن المعز من إيقافها، فرأى نزولا على إرادة شعبه نبذ الدعوة العبيدية أو الفاطمية علانية وخلع طاعة خلفائها فى القاهرة، وأمر بأن يحمل جميع أهل المغرب على اتباع مذهب الإمام مالك سنة ٤٣٨ هـ/١٠٤٦ م وقيل بل فى السنة التالية، وأمر أن يخطب على المنابر باسم الخليفة العباسى القائم بأمر الله وجاءه منه تقليد يعترف له فيه باستقلاله. ومن حينئذ أصبح مذهب مالك هو المذهب الفقهى السنى الذى تتبعه البلدان المغربية وجماهيرها لا فى الإقليم التونسى وشرقى الجزائر فحسب، بل فى جميع بلدان الجزائر والمغرب الأقصى وأيضا فى طرابلس وبرقة وأخذ يدرس فى كل بلد مغربى وكثر فقهاؤه كثرة مفرطة. ويقول ابن خلدون-فى المقدمة-إن أهل المغرب اختاروا مذهب مالك دون غيره من المذاهب السنية كالمذهب الحنفى والمذهب الشافعى لأنه مذهب أهل الحجاز الذين تجمعهم بهم البداوة، وفى رأينا أن هذا التعليل غير دقيق، لما سنرى عما قليل من شيوع مذهب الاعتزال فى الجزائر-ومثلها المغرب الأقصى-ومعروف أن البصرة هى التى وضعته دون الكوفة لأن عقلها-كما قلت فى كتاب المدارس النحوية-كان أدق وأعمق من عقل الكوفة لاتصالها بالثقافات الأجنبية وبالفكر اليونانى، ولذلك وضعت أصول الاعتزال. فالتعليل لاختيار أهل المغرب مذهب مالك بالبداوة تعليل لا يستقيم، وأولى من ذلك أن يعلّل إيثارهم لمذهب مالك من قديم، لأنهم كانوا يقصدون إلى المسجد الحرام للحج ويزورون المدينة دار الهجرة وكان مالك إمام المدينتين غير مدافع وإمام أهل الحجاز، فجلسوا إلى محاضراته فى المدينة دار الرسول ﷺ منذ أواسط القرن الثانى للهجرة وحملوا عنه موطّأه إلى القيروان وتدارسوه فيها كما تدارسوه على تلاميذه المصريين النابهين يتقدمهم عبد الرحمن بن القاسم، وكان قد فرّع على المذهب فروعا فى مدوّنة له حملها عنه أحد تلاميذه القيروانيين: سحنون، وأذاعها فى طلابه، وأصبحت فى البلاد المغربية: الجزائر وغير الجزائر أمّا للمذهب المالكى مثل كتاب إمامه الموطأ، وظل المغاربة بعد سحنون يلتمسون المذهب المالكى عند أئمته المصريين الذين خلفوا عليه ابن القاسم المتوفى سنة ١٩١ هـ/٨٠٦ م وخلفه على إمامة المذهب المالكى بالفسطاط أشهب بن عبد العزيز المتوفى سنة ٢٠٤ هـ/٨١٩ م وتولاها بعده عبد الله بن عبد الحكم المتوفى سنة ٢١٤ هـ/٨٢٩ م وإمام المالكية بعده فى الفسطاط أصبغ بن الفرج المتوفى سنة ٢٢٥ هـ/٨٣٩ م فكل هؤلاء الأئمة كان يرحل إليهم شباب المالكية المغاربة للتزود فى المذهب من حلقاتهم العلمية، كما كانوا يتزودون من تلامذة سحنون فى ديارهم المغربية، وتوالت طبقات فقهاء المالكية فى الجزائر إلى اليوم. وقد أخذ المذهب الحنفى وفقهاؤه ينشطون فى العهد العثمانى إذ كانت الدولة العثمانية

стр. 4673

تقصر الفتوى والقضاء على فقهاء المذهب الحنفى، وكان كبير المفتين أو أصحاب الفتوى عندهم يلقب بلقب شيخ الإسلام وما إن استقر الحكم العثمانى حتى أشرك الولاة العثمانيون مع القاضى المالكى قاضيا حنفيا، وكان يأتى فى أول العهد من إستانبول. وكان حكم القاضى المالكى لا يصبح نافذا إلا إذا وقّع عليه القاضى الحنفى، وتبعت هذا القضاء الحنفى مدارس تعنى بالفقه الحنفى، وأخذت تنشأ فئة كبيرة من فقهائه ومدرسيه، وبعد أن كان القاضى الحنفى يأتى فى صدر العهد العثمانى من إستانبول أخذ أولو الأمر يعينون القضاة من أسر حنفية توارثت المذهب فى الجزائر. (ج) الإباضية (١) والصفرية الإباضية-قديما-من فرق الخوارج الذين أنكروا التحكيم الذى ارتضاه على بن أبى طالب فى الحرب الدائرة بينه وبين معاوية فى صفّين، وقالوا إن الخلافة-أو إمامة المسلمين -لا يصح أن تقصر على قريش، إذ ليست حقا لها، بل هى حق لله، وينبغى أن يتولاها خير المسلمين تقوى وإقامة للعدل ولو لم يكن قرشيا بل لو كان عبدا جبشيا، وحاربهم على بن أبى طالب وهزمهم، وظلوا بعده يقاومون الخلافة الأموية ثم الخلافة العباسية، وانقسموا فرقا كان من أكثرهم غلوا فرقتا الصفرية والأزارقة الذين عدّوا دار المسلمين دار حرب ينبغى حربهم وجهادهم ما داموا يستسلمون لحكام الأمويين والعباسيين القرشيين الجائرين، وتبع فرقة الصفرية كثيرون فى سجلماسة والمغرب الأقصى وحملوا السلاح ضد حكامهم من العرب وخاضوا معهم حربا طاحنة، وكانت جيوشهم تمر أحيانا بالجزائر قاصدة القيروان مقر الحاكم الأموى والعباسى ومن بعدهما الحاكم العبيدى لحربه، وكان يتبعهم بعض العامة من الجزائر، ولكن جماهير الجزائر ظلت بعيدة عن اعتناق هذه العقيدة الخارجية الغالية. وإذا كانت الجزائر لم تعتنق العقيدة الصفرية فإن جماعات فيها اعتنقت العقيدة الإباضية، وتأسست لها دولة فى مدينة تاهرت، حتى إذا قضى عليها أبو عبيد الله الشيعى داعية المهدى العبيدى انسحب منها الإباضيون إلى باغاية وورقلة، ثم تجمعوا فى غرداية وقرى ميزاب، ولا يزالون إلى اليوم فى كل هذه الأنحاء. وفرقة الإباضية لم تكن تغلو-من قديم-غلو فرقة الصفرية، فهى لا تعدّ دار المسلمين دار حرب ولا تحمل السلاح لقتالهم وسفك دمائهم مثل الصفرية، إلا أن يضطروها إلى ذلك، وهى لا تعد-مثل الصفرية والأزارقة-مرتكب الكبيرة كافر ملة يجب قتله، إنما هو كافر نعمة فلا ينبغى قتله، وهم يتوارثون مع إخوانهم السنيين

стр. 4674

ويصهرون إليهم، ولذلك يرى بعض الباحثين المعاصرين منهم أنهم ليسوا خوارج إذ لا يخرجون على الدين الحنيف وتعاليمه إنما هم فرقة إسلامية كانت-ولا تزال-ترى أن تكون الخلافة- أو إمامة المسلمين-جمهورية، فالمسلمون يختارون لها أكفأهم وأولاهم بحكمهم وتحقيق العدل بينهم، وهم-إلى ذلك يختلفون مع أهل السنة مالكية وغير مالكية وجوها من الاختلاف، من ذلك أنهم-مثل المعتزلة-ينفون تشبيه الله بالمخلوقين نفيا مطلقا، والآيات القرآنية التى قد يفيد ظاهرها ذلك تؤوّل كما أوّلها المعتزلة، وهم مثلهم يرون أن صفات الله عين ذاته الكاملة كمالا مطلقا ويرون أن مرتكب الكبيرة إن مات على غير توبة خلد فى النار، بينما يذهب أهل السنة إلى أن أمره مفوّض إلى مشيئة ربه إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾. ويذهبون إلى أن الإيمان لا يكفى فيه القول وحده، بل لا بد من العمل معه بحيث لا يعد المسلم مؤمنا إلا إذا أدّى جميع الفروض الدينية. وكان أهل السنة يرون أن تظل الخلافة فى قريش، بينما يرى الإباضية-كما أسلفنا-أنها حق للمسلمين جميعا يتولاها أصلحهم لها. وكلها خلافات يمكن عدّها خلافات فرعية لفرقة إسلامية. (د) المعتزلة (١) أخذ واصل بن عطاء إمام المعتزلة بل مؤسس مذهب الاعتزال يتألق-فى أواخر العصر الأموى-فى عملين كبيرين: وعظه المؤثر فى الناس ودعوته لهم أن يعتنقوا مذهبه فى الاعتزال ومبادئه التى كان يدعو لها، وفى مقدمتها مسألة مرتكب الكبيرة وهل يعد مؤمنا أو كافرا، وكانت المرجئة تعده مؤمنا وكان الخوارج من الصفرية والأزارقة يعدونه كافرا وكان أهل السنة يعدونه مؤمنا فاسقا، وعدّه الإباضية كافر نعمة لا كافر ملة، ونفذ واصل إلى القول بأنه فى منزلة وسطى بين منزلتى الإيمان والكفر، وأضاف إلى هذا المبدأ فى الاعتزال أربعة مبادئ أخرى هى وحدانية الله وتنزيهه عن الشبه بالمخلوقات، ومرّ بنا أن الإباضية يأخذون بهذا المبدأ الاعتزالى، ومبدأ ثان هو العدل على الله وتترتب عليه حرية الإرادة عند الإنسان بحيث يحاسب على عمله فلا جبر ولا قدر مقدور كما يرى ذلك أهل السنة والإباضية، ومبدأ ثالث انفاذ الوعد بثواب المتقين المؤمنين والوعيد بعذاب العاصين الكافرين، ومبدأ رابع هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وكان واصل ينفذ إلى القلوب بوعظه المؤثر وإلى العقول ببراهينه الساطعة لمبادئه الاعتزالية، وأعجب به فى المجالين شباب موطنه البصرة إعجابا شديدا، واتخذهم دعاة يدعون إلى نحلته الاعتزالية، فى أطراف الأرض ويصور ذلك صفوان الأنصارى فى مدحته له التى أنشدها الجاحظ فى أوائل الجزء الأول من بيانه قائلا:

стр. 4675

له خلف شعب الصّين فى كلّ ثغرة ... إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم ... تهكّم جبّار ولا كيد ماكر وأوتاد أرض الله فى كلّ بلدة ... وموضع فتياها وعلم التشاجر ويصفهم صفوان بالقدرة على التشاجر والجدال وقرع الحجة بالحجة البيّنة، ويصفهم فى أبيات تالية بروعة البيان والخطابة ويقول إنهم رسله ودعاته وحاملو مبادئة الاعتزالية إلى أطراف الأرض فى أقصى الشرق حتى الصين وفى أقصى الغرب حتى بلاد السوس وقد استطاع هؤلاء الدعاة لواصل أن يجذبوا إلى نحلته الاعتزالية جماعات فى الجزائر شمالا بين ميناءى مستغانم ووهران وجنوبا فى وادى ميزاب بمدينة العطفا، ولا تزال لهم مقبرة بها، ونجد المناظرات محتدمة فى تاهرت بين الإباضية والمعتزلة المقيمين شماليها وكانوا يبلغون ثلاثين ألفا، وهو عدد ضخم، واشتعلت هذه المناظرات فى عهد إمام الإباضية عبد الوهاب (١٧١ - ٢١١ هـ) ونازله هو وعلماء دعوته أحد علماء هؤلاء المعتزلة وهزمهم جميعا، واستنجد عبد الوهاب بعلماء نفوسة فى طرابلس وأرسلوا إليه شيخا منهم يسمى مهدىّ، وتناظر مع عالم المعتزلة مناظرات حادة، ولم تلبث المعتزلة أن حملت السيوف لقتال الإباضية، ولم يكتب لهم النصر كما يقول مؤرخو الإباضية، ولو كتب لهم لتكونت فى الجزائر دولة اعتزالية لأول مرة فى التاريخ العربى. ويبدو أن الدعوة الشيعية التى قضت على الدولة الإباضية فى تاهرت لأواخر القرن الثالث الهجرى قضت أيضا هناك على الدعوة الاعتزالية لا فى الجزائر وحدها بل أيضا فى المغرب الأقصى. ٥ - الزهد (١) والتصوف أخذت تشيع فى الجزائر نزعة مبكرة للزهد فى متاع الحياة العاجل والإقبال على العبادة والنسك طلبا للثواب عند الله فى الآجل. وكان مما عمل على إشاعة الزهد والتقوى فى نفوس الجزائريين الوعّاظ فى أيام الجمع بالمساجد وفى غير أيام الجمع إذ كانوا ما يزالون ينفّرون الناس من ملذات الدنيا مذكّرين لهم بيوم القيامة وما ينتظر العصاة فيه من العذاب الأليم والتقاة من النعيم المقيم، مستشهدين لهم بآيات الذكر الحكيم والأحاديث النبوية التى تصور عذاب الجحيم ونعيم الفردوس، حاثين لهم على القناعة بالكفاف من العيش وطيباته فتلك هى الوجهة المفلحة

стр. 4676

والصفقة الرابحة. لذلك لا نعجب أن يتكاثر الزهاد فى البلاد المغربية بالجزائر وغير الجزائر وأن ينعت العديد من الفقهاء والمحدّثين بالزهد فى خيرات الحياة وإيثار التقشف والرضا بالقليل. وتظل موجة الزهد حادة فى الجزائر، وتتدافع معها موجة تصوف منذ ولاية يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ) وبنائه على الساحل التونسى لرباط المنستير الذى آوى إليه كثرة من العبّاد لحراسة الساحل التونسى، وأخذت تبنى رباطات أخرى على سواحل البلاد لحمايتها من قراصنة أمم البحر المتوسط الأوربية. وكان ينزلها كثير من النسّاك والفقهاء للإسهام فى هذه الحماية قياما بحقوق الدين والوطن، واستحالت هذه الرباطات قرونا إلى دور عبادة ونسك كبرى. ومنذ القرن السادس الهجرى يتخذ بعض النساك لهم فى المدن مراكز يتابعون فيها نسكهم وما قد يلقون من دروس إن كانوا فقهاء أو محدّثين، وسميت هذه المراكز رباطات وزوايا، ويتبرع كثيرون لبعض هذه المراكز، فيتضاعف حجمها ويتضاعف مريدو الشيخ الناسك وقصّاده. وأخذت هذه الزوايا والرباطات تتكاثر مع الزمن لا فى المدن فحسب، بل أيضا فى سفوح الجبال وفى الهضاب والصحارى البعيدة القاحلة. وكانت الطرق الصوفية قد شاعت فى المشرق على نحو ما هو معروف عن الطريقة القادرية المنسوبة إلى عبد القادر الجيلانى المتوفى ببغداد سنة ٥٦١ هـ/١١٦٥ م والطريقة الرفاعية المنسوبة إلى أحمد بن على الرفاعى العراقى المتوفى سنة ٥٨٧ هـ/١١٨٢ م. وأخذت هاتان الطريقتان تشيعان فى جميع البلاد الإسلامية، وكان أتباع الطريقة القادرية فى الجزائر أكثر عددا. وتصوف الطريقتين جميعا تصوف سنى. وكان يجرى بجانبهما فى المشرق تيار من التصوف الفلسفى الذى يفسح لفكرة الحلول الإلهى فى الكائنات كما يفسح لفكرة الاتحاد الصوفى مع الذات العلية، وهو تيار قديم فى التصوف منذ الحلاج مؤسسة المتوفى سنة ٣٠٩ هـ/٩٢١ م وأخذ أتباع هذا التصوف الفلسفى يتكاثرون فى الأندلس منذ القرن السادس الهجرى على نحو ما بسطنا ذلك فى كتابنا عن الأندلس، وقد تحدثنا هناك عن أبى عبد الله الشوذى الإشبيلى وتلميذه إبراهيم بن دهاق المتوفى سنة ٦١١ هـ/١٢١٤ م كما تحدثنا عن ابن عربى المتوفى سنة ٦٣٨ هـ/١٢٤١ م بدمشق وابن سبعين المتوفى سنة ٦٦٩ هـ/١٢٧١ م بمكة. وهم جميعا من أصحاب التصوف الفلسفى ونزلوا جميعا فى تلمسان، وبها تتلمذ ابن دهاق على أبى عبد الله الشوذى ونزل بها فترة ابن عربى وابن سبعين وتجولا فى بعض مدن الجزائر، ونزلها قبلهم جميعا الصوفى المشهور وبخاصة فى الجزائر أبو مدين شعيب وسنترجم له بين شعراء التصوف وتصوفه فلسفى، وقد استوطن بجاية وتوفى بتلمسان سنة ٥٩٤ هـ/١١٩٧ م. وهذا التصوف الفلسفى لم تتكون حول أئمته طرق صوفية، فقد ظلت تلك الطرق تخص التصوف السنى وتكونت معها فى القرن السابع الهجرى طريقة صوفية سنية مغربية هى طريقة

стр. 4677

أبى الحسن على بن عبد الله الحسنى الشاذلى المتوفى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٩ م ولم يكد يدعو إليها فى شاذلة بالقرب من تونس وفى تونس نفسها حتى تكاثر أتباعه فى البلاد المغربية ونزل القاهرة مع تلميذه أبى العباس المرسى، وكتب لطريقته أن تصبح أهم الطرق الصوفية السنية لا فى مصر وحدها، بل أيضا فى الجزائر وجميع البلاد المغربية. ويتكاثر شيوخ الصوفية وزواياهم فى الجزائر منذ القرن الثامن الهجرى ويعنى بعض المؤرخين بالترجمة لهم وفى مقدمتهم يحيى بن خلدون إذ نراه فى كتابه «بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد» يسوق ترجمات لمائة وتسعة من العلماء وأهل التقوى والصلاح، ويتكاثر رجال التصوف فى القرن التاسع الهجرى ويزدادون زيادة مفرطة فى العهد العثمانى، لعنايته بالتصوف وتقريبه لهم وإغداقه الأموال على زواياهم وكان الولاة العثمانيون يزورونهم ويتبركون بهم ويزورون أضرحة المتوفّين منهم، ودخلت معهم إلى الجزائر الطرق الصوفية التى اشتهرت ببلادهم مثل البكداشية والنقشبندية والمولوية أتباع جلال الدين الرومى، ولكن الطريقتين الشاذلية والقادرية ظلتا تجذبان إليهما كثرة من الأتباع. وأخذ بعض أتباع الشاذلية يؤسس لنفسه فيها طريقة فرعية جديدة، بحيث أصبحت هى والطرق التى اشتقت منها مثل المليانية والزيانية والرحمانية والدرقاوية أهم الطرق التى استوعبت جماهير الجزائر فى المدن والقرى والهضاب والصحارى. ولا بد أن نشير إلى أن هذه الفئة من المتصوفة اندس بينها كثيرون فى الحقب الأخيرة من هذا العصر يدّعون لأنفسهم التقوى وهى منهم براء، بل لقد كانوا يدعون أنهم أولياء يكشفون الغيب وينسبون لأنفسهم الكرامات، واندس معهم كثيرون من الدراويش الجوالين والمشعوذين الدجالين، مما جعل عبد الكريم الفكون يؤلف كتابه: «منشور الهداية فى كشف حال من ادعى العلم والولاية» وهو فى ثلاثة فصول أولها فيمن لقيه من العلماء والصلحاء المقتدى بهم ومن كانوا قبل زمنهم ممن نقلت إليه أحوالهم وصفاتهم. والفصل الثانى فى المتشبهين بالعلماء والصلحاء، والفصل الثالث فى المبتدعة «الدجاجلة» الكذابين على طريقة الصوفية. والفصلان الثانى والثالث مليئان بنقد متصوفة عصره من أدعياء العلم ودجاجلة الشعوذة الصوفية الذين يتخذون الرقص الصوفى أو ما يسمى بالذكر والتغنى عليه بضاعة لهم يستغلون بها العامة مع تحالفهم عليها مع أصحاب الحكم والسلطان، ويصيح ضد البدع والخرافات، ويدعو إلى الاجتهاد واستخدام العقل والعمل بالكتاب والسنة.

стр. 4678

الفصل الثالث الثقافة ١ - الحركة العلمية (أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون عجب كثير من المستشرقين فى السرعة التى انتشر بها الإسلام فى الجزائر وغيرها من أقطار المغرب، إذ لم يمض نحو قرن أو بعبارة أدق لم يمض القرن الأول الهجرى، حتى أصبحت الأقطار المغربية أقطارا إسلامية، ومبعث العجب عندهم أن الفينيقيين ظلوا-وحدهم-فى البلاد أكثر من ستة قرون ولم يستطيعوا أن ينقلوهم إلى لغتهم وحضارتهم وديانتهم وعاداتهم، وخلفهم الرومان نحو ستة قرون أخرى وظل تأثيرهم لا يكاد يعدو مدن الساحل الشمالى، وحاولوا نشر المسيحية فى تلك المدن، ولم يعتنقها فيها من البربر إلا قليلون. ونزلتها بيزنطة وشعبها الإغريقى، وكان تأثيرهم فى المدن الشمالية محدودا. وظل البربر بعامة محافظين على دينهم الوثنى ولغتهم وعاداتهم، حتى إذا فتح العرب الجزائر وغيرها من بلاد المغرب أخذت جماهير البربر تعتنق الإسلام وتحاول النطق بلغته، وكان لذلك عاملان: عامل الإسلام نفسه وتعاليمه الدينية البسيطة وما فرضه على الفاتحين من العرب والمسلمين أن يعاملوا الأمم المفتوحة معاملة سمحة وأن يصبح للمسلمين منها أو بعبارة أدق من يسلمون منها كل ما للفاتحين من حقوق، فلا عبودية ولا استعمار ولا استنزاف لخيرات البلاد ولا استعباد لفرد فضلا عن شعب، فالجميع متساوون، وقد محيت بين المسلمين الجدد من البربر والفاتحين كل الفوارق الجنسية والاجتماعية. والعامل الثانى هو الفاتحون أنفسهم، إذ لم يكونوا يفتحون للغنائم والسلب والنهب، ولم تكن تلك أمنيتهم حينما خرجوا من ديارهم للفتوح فى الأقطار المغربية وغيرها، إنما كانت أمنيتهم أن ينتظموا فى جيوش المجاهدين فى سبيل الله ابتغاء نشر دينه الحنيف فى أرجاء الأرض. كان الجندى فى الجيش العربى الفاتح بمجرد أن يضع قدمه فى بلدة جزائرية أو مغربية أو فى أى قبيلة جبلية أو صحراوية يحاول أن يدخل فى الدين الحنيف من يأنسون إليه من البربر، فيحفّظهم فاتحة الكتاب وبعض كلم العربية فى التخاطب. وأخذت الكتاتيب تنشأ

стр. 4679

سريعا فى كل مكان لتعليم البربر فروض الإسلام وتحفيظهم بعض سور القرآن. وأخذ الولاة يسندون نشر الدين الحنيف بوسائل كثيرة، ومن أهمهم فى هذا الجانب حسان بن النعمان (٧١ - ٨٦ هـ) وكان قد ثار عليه شطر كبير من الجزائر فى جبل أوراس قادته قبيلة جراوة وزعيمتها الكاهنة: «داهية» وأشعلت جميع الجزائر نارا، وامتدت نار ثورتها حتى طنجة فى أقصى المغرب، وساعدها الروم، وواقعت حسان بن النعمان سنة ٧٧ للهجرة وهزمته، وظل ينتظر المدد من الخليفة عبد الملك بن مروان سنوات، وبمجرد أن جاءه نازل الكاهنة وجموعها ودارت عليها الدوائر. وبإلهام من الإسلام وتعاليمه فى معاملة البلاد المفتوحة جنّد حسان من هذا الجيش الجزائرى المنهزم اثنى عشر ألفا أدخلهم فى الجيش العربى للمشاركة معه فى الجهاد بنفس الأعطيات والرواتب والحقوق للجند العربى وليس ذلك فحسب، فقد عدّ أرض الجزائر-والمغرب عامة-فتحت صلحا لا عنوة، وهى بذلك تظل لأهلها مع ما يؤدون عنها من خراج أو زكاة، وأيضا ليس ذلك فحسب، فإنه ولّى على قبيلة جراوة وجبل أوراس واليا بربريا هو أكبر أبناء الكاهنة «داهية». وكل تلك كانت بواعث فعالة لدخول الجزائريين والمغاربة فى دين الله أفواجا، فلم يعودوا مستعبدين لفاتحين فينيقيين أو رومان أو بيزنطيين يظلمونهم ويرهقونهم بالضرائب المتنوعة، بل أصبحوا أحرارا فى ديارهم ولهم ما للفاتحين من الحقوق، فهم إخوة دين حنيف وهم زملاء سلاح وهم حكام أنفسهم. وبهذه السياسة الحصيفة الرشيدة انفتحت قلوب البربر فى الجزائر وغير الجزائر لدين الله القويم. وخلف حسانا موسى بن نصير (٨٦ - ٩٦ هـ) فوثّق هذه السياسة وزادها ضبطا وإحكاما، إذ جاس خلال الديار المغربية حتى أقصاها فى الغرب، وفى كل بلد وفى كل قبيلة خلّف معلمين يحفّظون الناس القرآن ويعلّمونهم فروض دينهم وتعاليمه، واتخذ للبربر ولاة من ذات أنفسهم، ومن أهمهم طارق بن زياد والى طنجة الذى عهد إليه بفتح الأندلس وعبر إليها بجيش من العرب والبربر، وتبعه موسى بن نصير بجيش مماثل، مما يدل بوضوح على اندماج البربر فى العرب دينا وجهادا فى سبيل الله ونشر دينه الحنيف. ولا نبلغ سنة مائة للهجرة فى خلافة عمر بن عبد العزيز، حتى نجده يكلف عشرة من الصفوة فى فقهاء التابعين بالذهاب إلى إفريقيا لاستكمال نشر الإسلام فيها وتعليم البربر شريعة الإسلام وما تقوم عليه من الإيمان بوحدانية الله وغير ذلك من أصول العقيدة الإسلامية وأيضا ما تقوم عليه من العبادات والفرائض، واختار أحدهم، وهو إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر ليكون الوالى على جميع البلاد المغربية جزائر وغير جزائر، ويقول عنه ابن عذارى: «ما زال حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام حتى أسلمت بقيتهم على يديه» وعلى أيدى معاونيه من الفقهاء التسعة الذين اصطفاهم عمر بن عبد العزيز لهذه المهمة، وهم عبد الرحمن بن رافع التنوخى وعبد الله بن يزيد المعافرى الحبلى وإسماعيل بن عبيد الأنصارى وحبان بن أبى جبلة وبكر بن سوادة

стр. 4680

الجذامى وجعثل بن عمير وموهد بن حى المعافرى وطلق بن حابان وسعيد بن مسعود التجيبى وكل منهم كان فقيها يتقن معرفة الشريعة ويروى الحديث النبوى عن الصحابة من أمثال عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبى أيوب الأنصارى وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكانوا يحسنون تفسير القرآن الكريم، وقد تحولوا جميعا مع إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر فى إفريقية إلى معلمين يفقهون البربر أمور شريعتهم، وأتاهم البربر من كل فج من الجزائر وغير الجزائر يدرسون عليهم الشريعة الإسلامية، وعنوا بتحفيظهم القرآن الكريم. واتخذ كل منهم بجانب المسجد الذى بناه كتّابا لتحفيظ الناشئة القرآن. فأسلمت وتفقهت على أيديهم جموع كبيرة من البربر، وهم يعدّون-بحق-المعلمين الأولين للبربر تعاليم الشريعة الإسلامية، وبهم تمّ العمل الكبير من نشر الجيوش العربية وولاة المغرب من أمثال حسان بن النعمان وموسى بن نصير الدين الحنيف فى ربوع المغرب جزائر وغير جزائر، وانضمت الأمة البربرية إلى الأمة العربية فى دين واحد وعقيدة واحدة. (ب) دور العلم: الكتاتيب - المساجد -المدارس-الزوايا-المكتبات الكتاتيب أخذت تتأسس عقب الفتوح الإسلامية فى بلدان الجزائر كتاتيب لتعليم الناشئة والناس القراءة والكتابة العربيتين وتحفيظهم القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية وتعريفهم بما ينبغى أن يعلموه من فروض الإسلام وتعاليمه. وكانت هذه الكتاتيب تبنى مستقلة أو ملحقة ببعض المساجد، وأخذت المعارف فى هذه الكتاتيب تتسع بمر الزمن، فشملت مبادئ الحساب وسيرة الرسول ﷺ والخلفاء الراشدين ولكن العناية الكبرى إنما كانت تنصب على تحفيظ القرآن وبعض الأحاديث حتى يرسخ الإيمان فى نفوس الناشئة، وتأتى بعد ذلك مدارسة الحساب وغيره من مبادئ العلوم، وكانت الكتاتيب منبثة فى المدن والقرى وفى كل تجمع للقبائل الجزائرية الجبلية والصحراوية وتكاثرت فى المدن كثرة مفرطة، حتى كانت تعد بالعشرات فى طبنة وقسنطينة وبونة وبجاية وتاهرت والجزائر وتلمسان والميزاب فى بسكرة وغير بسكرة. المساجد كانت الناشئة حين تنهى حفظها للقرآن الكريم وبعض متون الحديث وتتعرف على مبادئ العربية والعلوم فى الكتاتيب تتجه إلى حلقات المساجد وما يلقى فيها الشيوخ من الدروس فى موضوعات كثيرة، فى مقدمتها تفسير الذكر الحكيم، ورواية الحديث النبوى، والفقه

стр. 4681

وما يصور من تعاليم الشريعة، وتاريخ الرسول والخلفاء الراشدين والفتوح الإسلامية والأمة العربية، وكان من هؤلاء الشيوخ من يقدّم فى دروسه أوليات المواد والعلوم فى الدراسات الدينية والدراسات النحوية واللغوية وكأنه هو ومن يماثلونه يشبهون معلمى التعليم الثانوى فى عصرنا، حتى إذا أتقنها الناشئ وفقهها حق الفقه انتقل إلى حلقات شيوخ أعلى فى المستوى العلمى، يلقون محاضرات متعمقة فى تفسير الذكر الحكيم، ويقرءون-ويشرحون-بعض كتب الحديث النبوى المهمة، ويلقون على الطلاب كتاب الموطأ لمالك أو ما يماثله حتى يتسع فهمهم وفقههم لتعاليم الإسلام فى فروض الدين ووجوه المعاملات، ويحاضرونهم فى قواعد العربية، ويقرءون لهم بعض كتبها المهمة مع الشرح والتفسير، كما يقرءون لهم بعض كتب الشعر والنثر محاولين أن يغرسوا فى نفوسهم السليقة العربية وأن يصبحوا قادرين على نظم الشعر والكتابة الأدبية. ومع مر الزمن أخذت تلك الحلقات الكبرى وخاصة فى الجامع الأعظم أو الكبير بالمدينة تدرس علوم أصول الفقه والكلام والمنطق والطب والفلسفة، وبذلك كان الجامع الأعظم فى كل مدينة جزائرية يعد جامعة كبرى لدراسة العلوم النقلية والعقلية. وكانت تلحق به وببعض المساجد أبنية أو زاوية بها غرف معدة بالأثاث والفرش اللازمة لسكنى الطلاب من خارج المدينة وبعض الشيوخ، ويقوم عليها من يعدّ لهم الطعام ومن يخدمهم. وكان ينفق على الجوامع والمساجد من أوقاف محبوسة وكان أهل الثراء والسعة فى الرزق يتنافسون فيما يحبسون عليها من عقارات. ومن التوابع الضرورية للجوامع والمساجد الثريات والمصابيح المضيئة والميضات للوضوء والطهارة. المدارس بجانب الجوامع والمساجد أخذت تنشأ منذ عصر الحفصيين فى القرن السابع الهجرى المدارس فى القسم الشرقى من الجزائر الذى كان تابعا لهم، أسوة بما أسسوا من مدارس فى عاصمتهم تونس، حتى إذا استولت دولة بنى زيان على مقاليد الحكم عنى بعض حكامها بتشييد المدارس فى عاصمتهم تلمسان، وأوقفوا عليها الأوقاف الكثيرة. وأول مدرسة أسسوها مدرسة أولاد الإمام أسسها أبو حمو موسى الأول (٧٠١ - ٧١٨ هـ) للفقيهين أبى زيد وأبى موسى ابنى الإمام الخطيب أبى عبد الله، وأسس بعده ابنه أبو تاشفين عبد الرحمن الأول (٧١٨ - ٧٣١ هـ) المدرسة التاشفينية، وأسس أبو حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) المدرسة اليعقوبية، وأسس أحمد العاقل مدرسته الجديدة ووقف عليها أوقافا جليلة، وأسس أبو الحسن مدرسة خامسة بالعباد ضاحية تلمسان. ويذكر الحسن الوزان فى كتابه: وصف إفريقيا أنه شاهد بتلمسان حين زيارته لها حوالى سنة ٩٢٠ للهجرة خمس مدارس بديعة حسنة البنيان جدا (لعلها المدارس السابقة) ومزدانة بالبلاط الملوّن وسواه من الأعمال الفنية. وأخذت

стр. 4682

المدارس تتكاثر فى العهد العثمانى بالجزائر لا فى العاصمة: مدينة الجزائر وحدها بل أيضا فى المدن المختلفة مثل قسنطينة، وكان بها وحدها سبع مدارس. وكان يقوم على التدريس فى مدارس الجزائر جميعا علماء مهرة فى العلوم الدينية واللغوية والأدب والفلسفة والطب والمنطق، وكانت تنفق عليها الدولة أحيانا. وفى أكثر الأحيان كانت تعتمد على أوقاف حبسها ذوو اليسار عليها، وكانت تلحق بها مبان لسكنى الطلبة الغرباء وكانت تزود بكل ما يلزمهم من مطعم وملبس وأثاث وبمن يخدمهم ويوفر لهم النظافة والراحة. الزوايا أخذت تتكاثر منذ القرن الثامن الهجرى الزوايا فى أنحاء البلاد المغربية جميعها جزائر وغير جزائر، وكانت الزاوية تشتمل على مسجد تؤدّى فيه فروض الصلاة، وأبنية لسكنى الطلبة الغرباء والفقراء (الزهاد)، وكانت تحبس عليها أوقاف كثيرة ينفق منها على شيوخها الذين ينهضون فيها بدروس العلوم الدينية واللغوية وعلى طلابها الغرباء والنازلين بها من الفقراء، وكانت بذلك دار تعليم ودار عبادة، وكثيرا ما كان يدفن فيها الشيخ الصالح الذى أقامها، فينصب له ضريح فيها وتقام عليه قبة، ويقصده الناس للزيارة والتبرك به، ويعد مؤسس الزاوية المسئول الأول عنها، وترث ذريته القيام عليها، ويتبعها موظفون للقيام بالخدمات المختلفة. وكانت الزوايا بجانب أنها دور عبادة تعنى بإلقاء المحاضرات فى الموضوعات والعلوم الدينية المختلفة، فهى دور عبادة وتعليم، وتحول كثير منها-وخاصة فى المدن الجزائرية-إلى ما يشبه مدارس عالية. وكان كثير من التلامذة يقصدها من الأماكن القريبة والبعيدة، وكما كانت تعنى بتعليم الناشئة كانت تعنى بتنوير العامة، وكثرت كثرة مفرطة منذ القرن العاشر فى منطقة زواوة وبجاية وعنابة أو بونة، ويقال إنها بلغت فى مدينة الجزائر نحو ١٥ زاوية، وبلغت فى قسنطينة نحو ١٦ زاوية، أما فى تلمسان فبلغت نحو عشرين زاوية. المكتبات فى كل مسجد-من قديم-كانت الزوايا تتخذ المكتبات، وكانت تجمع إليها بجانب المصاحف وكتب الحديث النبوى أمهات الكتب فى الفقه وغير الفقه، وكانت الدولة تساعد فى شرائها ويساعد ذوو اليسار، وكثيرا ما كانت توقف أو تحبس لطلاب العلم وشيوخه، واشتهر إبراهيم الثانى الأغلبى باتخاذه فى عاصمة رقادة يقرب القيروان بيتا أو مؤسسة سماها بيت الحكمة جلب إليها أصحاب علوم الأوائل وغيرهم من العلماء وأقام بها مكتبة ضخمة تتبعها قاعات للجلوس والمطالعة. وكأنما أراد بها أن ينافس الدولة الرستمية فى تاهرت التى عنيت منذ إمامها عبد الرحمن بن رستم (١٦٠ - ١٧١ هـ) بإنشاء مكتبة كبيرة فى عاصمتها وتبعه خلفاؤه يعنون بها، ويذكر عن ابنه عبد الوهاب (١٧١ - ٢١١ هـ) أنه أرسل إلى بعض

стр. 4683

الإباضيين فى البصرة بألف دينار ليشتروا له كتبا بها، فاشتروا له كثيرا من الكتب وأرسلوها إليه على أربعين بعيرا كما يقول البارونى فى الأزهار الرياضية. وما زال خلفاؤه يجمعون لتلك المكتبة الكتب مسمين لها باسم المعصومة حتى بلغت ثلاثمائة ألف كتاب فى الدراسات الدينية واللغوية والرياضية وغير الرياضية من علوم الأوائل، وهالت أبا عبيد الله داعية العبيديين حين استولى على تاهرت سنة ٢٩٦ للهجرة، فأمر بإحراقها ما عدا الكتب الخاصة بعلوم الأوائل من طب وغير طب. وظل الاهتمام بجمع الكتب لمكتبات المساجد مطردا فى عهد الدولة الحمادية، ولها وللمدارس والزوايا فى عهد الدولة الزيانية. وينوه المؤرخون بما كان فى زاوية إبراهيم التازى بالقرن التاسع الهجرى من خزائن متعددة مكتظة بالكتب العلمية. وظلت-طوال القرون المختلفة فى العصر-الكتب تهاجر مع طلبة العلم الوافدين على المشرق إلى الجزائر، وظلت تودع فى المكتبات المختلفة للزوايا والمدارس والمساجد. ومن يقرأ تراجم العلماء فى كتاب مثل عنوان الدراية يشعر أنه لم يؤلف فى المشرق ولا فى تونس والأندلس كتاب مهم إلا نقل إلى الجزائر: فى القراءات والتفسير أو الحديث النبوى أو الفقه المالكى أو النحو أو الأصول أو المنطق أو علوم الأوائل وخاصة كتب الشفاء والنجاة والإشارات والتنبيهات لابن سينا، وبالمثل كتب ابن رشد الأندلسى. فالتيار العلمى فى الأقطار العربية كان جارفا، وكانت كتبه شرقا وغربا تصبّ فى مكتبات كل بلد عربى جزائر وغير جزائر، فيما بها من مساجد وزوايا ومدارس. وكثير من الأسر التى كانت تتوارث العلم اشتهرت باقتنائها مكتبات كبيرة مثل أسرة الفكون فى قسنطينة، وكان بالجزائر هواة للكتب ينفقون فى جمعها أموالا طائلة، وكانوا منبثّين لا فى المدن فحسب بل أيضا فى الواحات والصحارى، ويذكر العياشى فى القرن الحادى عشر الهجرى برحلته أن مكتبة شيخ يسمى محمد بن إسماعيل تيكوران كانت تضم نحو ألف وخمسمائة كتاب، فما بالنا بما ضمته مكتبات المساجد والمدارس والزوايا. (ج) نمو الحركة العلمية أخذت الحركة العلمية تنمو فى الجزائر منذ القرن الثانى الهجرى، وخاصة منذ عهد الدولة الأغلبية إذ كانت ترعاها فى شرقىّ الجزائر فى بونة (عنابة) وقسنطينية وطبنة وغيرها من البلدان. وتأسست منذ سنة ١٦٠ للهجرة فى غربى الجزائر بمدينة تاهرت الدولة الرستمية الإباضية، وظلت طوال قيامها حتى سنة ٢٩٦ للهجرة ترعى العلم والعلماء، ويعدّ الأستاذ محمد على دبوز فى الجزء الثالث من كتابه: تاريخ المغرب الكبير عشرات منهم قائلا إن الدولة الرستمية كانت دولة العلم والمعرفة وإن العلماء كثروا فيها، وزخرت بهم مدنها وقراها، حتى

стр. 4684

ليعدون بالمئات. وخلفت الدولة الرستمية دولة بنى حماد واتسع سلطانها، فشمل الجزائر أو أكثرها، وقد بنى حماد مؤسسها قلعة سنة ٣٩٨ على منحدر جبلى بالقرب من المسيلة (المحمدية) وسرعان ما أصبحت مدينة عربية ضخمة، يقول ابن خلدون فى الجزء السادس من تاريخه إن «حمادا استكثر فى القلعة من المساجد والفنادق فاستبحرت فى العمارة واتسعت فى التمدن ورحل إليها من الثغور القاصية والبلدان البعيدة طلاب العلوم وأرباب الصنائع لرواج أسواق المعارف والحرف والصنائع بها» وظلت-من حينئذ-مركزا كبيرا للدراسات الدينية واللغوية، حتى بعد انتقال الناصر الحمادى منها سنة ٤٧٣ هـ/١٠٨٠ م إلى عاصمته الجديدة: بجاية وكان كثير من أبنائه وأحفاده يكرمون العلماء ويعقدون لهم مناظرات فى مجالسهم وبعثوا فى القلعة ثم فى بجاية نهضة علمية وأدبية، وأمّ حاضرتيهما بعض العلماء والشعراء المرموقين من أمثال ابن حمديس مادح المنصور بن الناصر بن علناس (٤٨١ - ٤٩٨) بالقصائد الطنانة فى مدحه ووصف قصوره، واشتهر ابنه العزيز (٤٩٨ - ٥١٨ هـ) بأن بلاده كانت سلاما وأمنا وأن العلماء-كما يقول ابن خلدون-كانوا يتناظرون فى مجالسه وقد بذل جهودا خصبة فى إنماء الحركة العلمية ببجاية، حتى أصبحت مركزا علميا ضخما لا بعلمائها المحليين فحسب، بل أيضا بوفود العلماء المنتقلين إليها من القلعة ووفودهم اللاجئة إليها من الأندلس والبلاد المغربية، واطردت هذه المكانة العلمية لبجاية بعد سقوط دولة بنى حماد سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م إذ اشتهرت بها طائفة أو طوائف من العلماء والأدباء وظل يفد عليها غير عالم وأديب وخاصة من الأندلس، ويوضح ذلك كتاب عنوان الدراية فى علماء بجاية للغبرينى إذ ترجم فيه لأكثر من مائة عالم من علماء بجاية فى القرنين السادس والسابع للهجرة، وهؤلاء هم المشهورون ووراءهم كثيرون لم يبلغوا مبلغهم فى الشهرة. ويدل على كثرة غير المشهورين ما رواه الغبرينى عن أبى على المسيلى المتوفى سنة ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م من أنه قال: «أدركت ببجاية ما ينيف على تسعين مفتيا» ويعلق الغبرينى على كلمته بقوله: وإذا كان من المفتين ببجاية تسعون فكم يكون من المحدثين ومن النحاة والأدباء وغيرهم ممن تقدم عصرهم ممن لم يدركهم. وظلت النهضة العلمية بها مزدهرة فى القرون التالية وزارها الحسن الوزان حوالى سنة ٩٢٥ هـ/١٥١٩ م وقال إنها «مجهزة بالجوامع بشكل طيب وبالمدارس التى يكثر فيها الطلاب وأساتذة الشريعة والعلوم سوى الزوايا للنساك المتعبدين». ومنذ سنة ٦٣٣ هـ/١٢٤٠ م تنشأ فى تلمسان دولة بنى زيان، وقد بثّت فيها نهضة علمية وأدبية رائعة، ويقول التنسى فى كتابه تاريخ بنى زيان ملوك تلمسان عن مؤسس الدولة: يغمراسن (٦٣٣ - ٦٨١ هـ) إنه كان له فى أهل العلم رغبة عالية يبحث عنهم أينما كانوا ويستقدمهم إلى بلده ويقابلهم بما هم أهله، وممن استقدمهم إبراهيم بن يخلف

стр. 4685

التنسى وأقطعه إقطاعات واسعة، ولما اشتهرت عنايته بأهل العلم والأدب وفد عليه من الأندلس أبو بكر بن خطاب الكاتب، فأكرمه، وجعله رئيس ديوانه. ويقول التنسى عن حفيده أبى حمو موسى الأول (٧٠١ - ٧١٨ هـ) إنه كان محبا للعلم وأهله معتنيا به قائما بحقه، ولما وفد عليه الفقيهان أبو زيد وأبو عيسى ابنا الإمام محمد بن عبد الله من أهل برشك بالقرب من تنس على الساحل الشمالى للجزائر احتفل بهما، وبنى لهما المدرسة التى سميت مدرسة أولاد الإمام فنشرا بتلمسان كثيرا من العلوم، وكان ابنه أبو تاشفين حفيّا مثله بالعلم وأهله ولما وفد عليه الفقيه أبو موسى عمران المشدالى الزواوى احتفى به وولاه التدريس بمدرسته التاشفينية الجديدة. وكان على شاكلته أبو حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) فى رعاية العلم والعلماء، وكان أديبا وشاعرا بارعا وله كتاب نظم السلوك فى سياسة الملوك ضمنه بعض أشعاره، وهو أول من احتفل من ملوك الدولة بليلة المولد النبوى، وبلغ من احتفائه بالفقيه أبى عبد الله محمد بن أحمد الإدريسى أن بنى له مدرسة ليلقى فيها دروسه. ويشيد التنسى بأبى زيان محمد بن أبى حمو (٧٩٦ - ٨٠١ هـ) قائلا إنه «كلف بالعلم حتى صار منهج لسانه وروضة أجفانه، فلم تخل حضرته من مناظرة ولا عمرت إلا بمذاكرة ومحاضرة، وكتب بيده نسخا من القرآن الكريم ونسخة من صحيح البخارى ونسخا من كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضى عياض، ووقفها جميعا بخزانته فى مقدم الجامع الأعظم أو الكبير بتلمسان، وألف كتابا نحا فيه نحو التصوف، سماه «كتاب الإشارة فى حكم العقل بين النفس المطمئنة والنفس الأمارة» ووجه هدية إلى برقوق سلطان مصر ومعها قصيدة بديعة. وينوه التنسى بأبى مالك عبد الواحد (٨١٤ - ٨٣٣ هـ) قائلا: «فى أيامه نفق (راج) سوق الأدب، وجاء بنوه إلى بابه ينسلون (يسرعون) من كل حدب (موضع) فينقلبون بجر (مملوئى) الحقائب ظافرين بجزيل الرغائب (بوافر العطايا). ونرى يحيى بن خلدون فى كتابه «بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد يعدّد من أنجبته تلمسان أو استقر بها من العلماء الصالحين ويبلغ بهم مائة وتسعة وجمهورهم من العلماء الذين دوّى صيتهم، وإذا كان عددهم قد بلغ ذلك فى عهد يحيى بن خلدون المتوفى فى أواسط عصر الدولة الزيانية حول سنة ٧٨٠ هـ/١٣٧٨ م فإن عددهم-لا شك-تضاعف بعده، وبلغ بعددهم بعده ابن مريم فى أوائل القرن الحادى عشر الهجرى فى كتابه: «البستان فى ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان» مائة واثنين وخمسين عالما. وأخذت تلمسان-كما أخذت بجاية- تتراجع علميا وثقافيا فى العهد العثمانى، إذ أصبحت مدينة الجزائر العاصمة، وأخذت تجذب إليها العلماء والأدباء وإن ظلوا مبثوثين فى عاصمتى بنى حماد وبنى زيان وبونة وبسكره وغيرها، وخاصة قسنطينية إذ ظل بها فى العهد العثمانى نشاط علمى غزير.

стр. 4686

ولم أتحدث-حتى الآن-عن هجرات الأندلسيين إلى الجزائر منذ هزيمة دولة الموحدين فى واقعة العقاب بالأندلس سنة ٦٠٩ هـ/١٢١٢ م فقد بدا لكثيرين منهم أن المستقبل ينذر برجحان كفة الإسبان وقرب استيلائهم على البلدان الأندلسية، وأخذ نفر منهم غير قليل يهاجر إلى البلاد المغربية باحثا له عن وطن جديد يلتجئ إليه، وأخذت مدنهم تتساقط فى حجر الإسبان منذ العقد الرابع من القرن السابع الهجرى، وسقطت جوهرتهم الكبرى قرطبة، وتبعتها فى السقوط دانية وشاطبة وإشبيلية عروس الأندلس وبلنسية ثم مرسية. وكانت كل مدينة أندلسية تسقط ينزح منها إلى مدن الجزائر وغيرها من المدن المغربية أندلسيون كثيرون، وكان الأثرياء منهم والعلماء ينزلون مدن الساحل الشمالى فى الجزائر وينزل معهم بعض أصحاب الحرف والصناعات. أما أهل القرى الأندلسية فكانوا ينزلون فى السهول والوديان-وربما نزلوا فى سفوح الجبال كما كانوا ينزلون فى الأندلس-وكانوا يعنون بالزراعة وغرس الأشجار وإنشاء الحدائق والبساتين. وأخذت تكتظ بهم المدن الشمالية مثل وهران ومستغانم وبونة (عنابة) وبجاية، ومن يرجع إلى كتاب عنوان الدراية فى علماء بجاية بالقرن السابع الهجرى سيجد من بينهم أكثر من عشرين عالما وأديبا نزحوا من الأندلس إلى بجاية حينذاك وملئوها علما وأدبا، وكانوا من العوامل الفعالة فى نهضتها العلمية والأدبية. وتهبط إلى الجزائر من الأندلس موجة ثانية كبيرة بعد سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م ويستوطنون المدن الساحلية المذكورة آنفا وأخواتها على الساحل الشمالى مثل شرشال ويقول الحسن الوزان «إن كثيرا من الغرناطيين قصدوها وأعادوا بناء قسم كبير من منازلها وكذلك قلعتها وزرعوا أراضيها، وزاولوا فيها أعمال صناعة الحرير لأنهم وجدوا بها كمية لا تحصى من أشجار التوت الأبيض والأسود وتحسنت أحوالهم يوما بعد يوم حتى أصبحوا يسكنون ألفا ومائتين من البيوت وتوطّنوها مثل إخوانهم فى المدن الجزائرية الأخرى، وبنوا كثيرا من سفن الملاحة لمطاردة السفن الإسبانية فى البحر المتوسط والاستيلاء على ما فيها من غنائم انتقاما من فرديناند واستيلائه على غرناطة. ويدور الزمن دورة حتى سنتى ١٠١٦ - ١٠١٧ هـ/١٦٠٨ - ١٦٠٩ م فينفى ملك إسبانيا كل من بقى فى إسبانيا من المسلمين، وتتجه أفواج كبيرة منهم إلى المدن الجزائرية، ويتخذوها وطنا ثانيا لهم، وقد نقلوا معهم كل حضارتهم ومدنيتهم مما كان له تأثير واسع فى الجزائر أثناء العهد العثمانى. وقد بعثوا فيها حركة تعليمية واسعة منذ جاءت أعدادهم الكبيرة بعد سقوط غرناطة، وكانوا يؤسسون جمعيات خيرية للإنفاق على فقرائهم ولإنشاء المدارس كمدرسة مازونة ومدرسة الأندلسيين فى مدينة الجزائر، ولا بد أن كانت لهم مدارس فى المدن الأخرى، وكانوا يحبسون عليها أموالا أو عقارات للإنفاق منها على الأساتذة والطلاب. وتنبه العثمانيون لقدرة الأندلسيين التعليمية، فكانوا يعينون منهم كبار المعلمين فى المدارس ويفرضون لهم رواتب مجزية.

стр. 4687

٢ - علوم (١) الأوائل اهتمت الجزائر-كما اهتمت البلدان العربية المختلفة-بمدارسة علوم الأوائل من فلسفة وطب وغير طب، وانصبت عناية علمائها خاصة على ما سموه علوم التعاليم، يقصدون بها علوم الرياضيات وما يتصل بها من حساب وجبر وهندسة وفلك. ولم يحدث بين الفقهاء وهذه العلوم وما يتصل بها من الفلسفة والطب أى تخاصم أو تقاطع طوال هذا العصر، بل إن من يرجع إلى تراجمهم سيجد كثيرين من كبارهم ينعتون بأنهم سادوا أهل عصرهم فى العلوم العقلية أو يقال إن فلانا بذّ فقهاء عصره فى علوم التعاليم أو كان مستبحرا فى فنونها إلى غير ذلك من نعوت تدل على أخذهم منها بحظ وافر، وكثيرا ما يجمع الفقيه المشهور بين الفقه والطب. وأول رياضى فلكى نلتقى به فى الجزائر على بن أبى الرجال التاهرتى الذى هاجر من بلدته تاهرت إلى القيروان وأصبح معلما ومربيا لحاكمها الصنهاجى المعز بن باديس ثم وزيرا له ورئيسا لديوان الإنشاء حتى وفاته سنة ٤٢٦ هـ/١٠٣٤ م وباسمه ألف ابن رشيق بعض مؤلفاته الأدبية مثل كتاب «العمدة فى صناعة الشعر ونقده». وهو أول مغربى تعمق علم الفلك والتنجيم وألف فيه كتابه: البارع فى علم الفلك الذى ترجمه قسطنطين الإفريقى إلى اللاتينية فى القرن الحادى عشر الميلادى وتناقلته اللغات الأوربية المختلفة وانتفع به العلماء الغربيون الفلكيون أيما نفع. وظل الجزائريون يعنون بعلم الفلك وغيره من العلوم الرياضية مثل محمد بن يحيى النجار التلمسانى المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٨ م وكان إماما فى النجوم وأحكامها، وكان يعاصره محمد بن إبراهيم الآبلى المتوفى سنة ٧٥٧ هـ/١٣٥٦ م الذى فاق أهل زمانه فى جميع العلوم العقلية، وهو شيخ ابن خلدون وأحد معلميه. وكتب عالم قسنطينة المشهور ابن قنقذ المتوفى سنة ٨٠٩ هـ/١٤٠٨ م شرحا على أرجوزة فلكية لابن أبى الرجال ضمنه جداول فلكية. ومن أهم الفلكيين فى القرن التاسع بعده الحباك محمد بن أحمد المتوفى سنة ٨٦٧ هـ/١٤٦٣ م وله منظومة فى الأسطرلاب الفلكى عدّت-منذ زمنه-ألفيّة لعلم الأسطرلاب كألفية ابن مالك فى النحو. وقد شرحت مرارا وممن شرحها الفقيه الكبير محمد السنوسى المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٩٠ م وظلت تتدارس حتى نهاية هذا العصر. ومن الأعمال الفلكية بعده

стр. 4688

منظومة السراج لعبد الرحمن الأخضرى التى الفها سنة ٩٣٩ هـ/١٥٣٢ م وقد شرحت مرارا وطبعت فى مصر مع شرح لها من تأليف سحنون الراشدى. وفى العهد العثمانى ألف محمد الصخرى الجزائرى سنة ١٠٤٣ هـ/١٦٣٣ م كتابا فى علم الأسطرلاب سماه: «القلادة الجوهرية فى العمل بالصفيحة العجمية» جعله فى مقدمة وخمسة عشر بابا وخاتمة، ولعبد الرزاق بن حمادوش المتوفى حوالى سنة ١١٧٠ هـ/١٧٥٦ م مؤلف فى علم الفلك وآخر فى علم الأسطرلاب. ومنذ نظم عبد الله بن الحجاج بن الياسمين المغربى المتوفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٤ م منظومة الياسمينية فى الجبر والمقابلة وكذلك منذ ألف أبو العباس بن البناء المراكشى المتوفى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٦ م كتابه: «تلخيص أعمال الحساب» وعلماء الجزائر يتدارسون العملين للطلاب ويشرحونهما، وللفقيه سعيد العقبانى التلمسانى المتوفى سنة ٨١١ هـ/١٤٠٨ م شرح على كل منهما، ولمعاصره ابن قنفذ القسنطينى شرحان على تلخيص ابن البناء سمى أحدهما شرح التلخيص ويقال «التمحيص فى شرح التلخيص» وسمىّ الثانى: «حطّ النقاب عن وجوه أعمال الحساب». وممن شرح التلخيص معاصرهما على بن موسى البجائى المتوفى سنة ٨١٦ هـ/١٤١٤ م ونظم ابن مرزوق الحفيد المتوفى سنة ٨٤٢ هـ/١٤٣٨ م كتاب التلخيص شعرا. ونزل البلاد المغربية القلصادى على بن محمد القرشى الغرناطى المتوفى ببجاية سنة ٨٩١ هـ/١٤٨٦ م وكان رياضيا كبيرا وظل المغاربة يتداولون كتبه وخاصة كتابه: «كشف الجلباب عن علم الحساب». وفى أواخر النصف الأول من القرن العاشر الهجرى عنى عبد الرحمن الأخضرى القسنطينى بعلمى الحساب والفرائض وألف فيهما منظومة سماها «الدرة البيضاء» طبعت مع شرحها بمصر. ويبدو أنه كان للهندسة حظ غير قليل من الجزائريين. وقد مر بنا فى الفصل الماضى كيف أن عالما تلمسانيا رياضيا ومهندسا كبيرا فى زمن أبى حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) هو أبو الحسن على المعروف بابن الفحام اخترع ساعة دقاقة عجيبة فى أعلاها أيكة تحمل طائرا معه فرخاه احتضنهما تحت جناحية وثعبان خارج من كوة يخاتله فيهما، وقمر تكتمل دورته كل تمام ساعة أمام باب مغلق فيفتح وينقضّ منه عقابان وينهش الثعبان أحد الفرخين فيصفر الطائر أبوه. ويفتح باب الساعة الذهبية، وتتراءى جارية جميلة بيدها صحيفة تعلن رقم الساعة، والساعة تدق. ومن المهندسين المهمين فى القرن التاسع الهجرى الفلكى المار ذكره الحباك، وله كتاب فى شكل من الأشكال الهندسية هو الربع المجيب يقول فى مقدمته: «لما كان الربع المجيب أحسن الآلات شكلا وأحقها عملا وأخفها حملا، مع استخراج الأعمال منه لجميع العروض للوقت المفروض هجس فى خاطرى أن أقيد عليه رسالة تذكرة لنفسى ولمن شاء الله من جنسى» وقد جعله-كما يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله-فى مقدمة وعشرة أبواب تناول فيها الجيب وجيب التمام والسهم والقوس والقطر والدائرة والارتفاع

стр. 4689

الذى لا سمت له إلى غير ذلك من مباحث هندسية مع بيان حركات الشمس والقمر ومعرفة مواقيت الصلاة. ورأينا فى القسم الخاص بتونس أنه كان بها نهضة كبيرة فى دراسة الطب منذ أواخر القرن الثالث الهجرى وامتدت إلى القرن العاشر، وكان القسم الشرقى من الجزائر حتى قسنطينة وبجاية مندمجا فى الإقليم التونسى إلى نهاية القرن الرابع، وقامت فيه دولة بنى حماد، وتكاد تستولى على أكثر الجزائر، وعنيت بتشجيع العلوم والآداب، فكان طبيعيا أن تعنى بالطب، ويلقانا من أطبائها فى القرن الخامس الهجرى ابن النباش محمد بن عبد الله البجائى، وكان يعنى بعلم الطب وعلاج مرضاه عناية شديدة، ومن أطباء هذه الدولة فى القرن السادس ابن أبى المليح ويقول العماد الأصبهانى فى الخريدة إنه كان طبيبا ماهرا وشاعرا مجيدا، غير أن اشتهاره إنما هو فى الطب. ونلتقى فى قلعة بنى حماد بصيدلى هو أبو جعفر القلعى عمر بن اليدوخ وكان خبيرا بمعرفة الأدوية المفردة والمركبة، ومن مؤلفاته حواش على كتاب القانون فى الطب لابن سينا. ومن أطباء بجاية فى القرن السابع ابن أندراس محمد بن أحمد الأموى أندلسى من مدينة مرسية هاجر منها إلى بجاية فى عشر الستين وستمائة مستوطنا وكان يدرس للطلاب الطب ويقرئهم كتبه ويقول الغيرينى إنه قرأ عليه أرجوزة ابن سينا فى الطب وجملة من كليات القانون، وكان يحضر دروسه نبهاء الطلبة ويثير فيها من الأبحاث الطبية ما تعجز الكتب عن بيانه، وكان متوليا لطب الولاة ببجاية مع بعض خواص الأطباء بها، وله رجز نظم فيه بعض الأدواء، واستدعاه المستنصر الحفصى إلى تونس ولم يلبث أن توفى سنة ٦٧٤ هـ/١٢٧٥ م. وكان يعاصره محمد بن يحيى بن عبد السلام وكان له حظ من الطب علمى وعملى، وكان مزاولا له يعالج المرضى. وننتقل إلى تلمسان فى عهد الدولة الزيانية، ومن أطبائها المهمين محمد بن أبى جمعة التلالسى أحد أطباء أبى حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) وكان شاعرا مجيدا. ويذكر عبد الباسط بن خليل المصرى الذى زار تلمسان فى أواخر القرن الثامن الهجرى وسجل زيارته لها فى رحلته أنه رأى فيها طبيبين: طبيبا مسلما هو محمد بن على بن فشوش وهو أحد أطبائها فى تدريس الطب ومزاولة المهنة، وطبيبا يهوديا وفد على تلمسان من الأندلس يسمى موسى بن صمويل ويعرف بابن الأشقر اليهودى ويقول إنه كان ملازما لسلطان تلمسان محمد بن أبى ثابت (٧٩٦ - ٨٠١ هـ). ومن تلاميذ ابن فشوش فى القرن التاسع الهجرى أبو الفضل محمد المشدالى، وكان يعاصره إبراهيم بن أحمد الثغرى وله معجم صغير فى الطب. ونلتقى فى العهد العثمانى بعبد الرزاق بن حمادوش المتوفى حوالى سنة ١١٧٠ هـ/١٧٦٥ م وله كتاب الجوهر المكنون من بحر القانون فى الطب وفروعه، وقد طبع منه قسم خاص بالصيدلة يسمى كشف الرموز. وإذا تركنا العلوم الطبية والرياضية إلى الفلسفة وبدأنا ببجاية التى كانت عاصمة للدولة الحمادية التقينا فيها بنزيلها الأندلسى الحرالى على بن أحمد من قرية من قرى مدينة مرسية المتوفى

стр. 4690

سنة ٦٣٨ هـ/١٢٤١ م ويقول الغيرينى إنه كان أعلم الناس بالطبيعيات والإلهيات، وإنه كان يقرأ عليه مع بعض الطلاب كتاب النجاة لابن سينا فيوضح منه ما يليق ويقرره بأحسن طريق ثم ينقضه ويوهنه. ونزل بجاية بعده من مالقة أحمد بن خالد المتوفى حوالى سنة ٦٦٠ هـ/١٢٦٢ م وكانت له مشاركة فى الفلسفة فى الطبيعيات والإلهيات، وكان طلاب بجاية يقرءون عليه كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا من فاتحته إلى خاتمته. وكان يعاصره ابن أساطير على بن عمران المليانى المتوفى سنة ٦٧٠ هـ/١٢٧١ م وهو من تلامذة الحرالى ومن خواصهم، وكان الطلاب يقرءون عليه أيضا كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا. ونمضى إلى تلمسان فنلتقى بالشريف الحسنى التلمسانى المتوفى سنة ٧٧١ هـ/١٣٦٩ م والذى انتهت إليه إمامة المالكية بالمغرب، ويقول يحيى بن خلدون إنه لم يكن يعزب عن علمه فن عقلى ولا نقلى، وكانت تقرأ عليه كتب ابن سينا من مثل الإشارات والتنبيهات وكتاب الشفاء كما كانت تقرأ عليه تلاخيص ابن رشد لفلسفة أرسطو وبعض كتب التعاليم الرياضية فضلا عما كان يقرأ عليه من كتب الدراسات الدينية وما كان يلقيه من محاضرات فى تفسير الذكر الحكيم. ومنذ القرن التاسع الهجرى يقل القول بأن هذا الفقيه أو ذاك درس الحكمة أو درس معقولات الحكماء أو له مشاركة فى الحكمة أو كان حاذقا فى الطبيعيات والإلهيات أو كان يقرأ عليه كتاب النجاة أو كتاب الشقاء لابن سينا فقد أخذ يحل محل ذلك أنه من أهل الورع والنسك أو من أهل التصوف أو أنه من المتصوفة أو الأولياء الكبار مكاشف يتبرّك به أو أنه متصوف من أهل العرفان أو أنه من العلماء الصالحين الأولياء أو زاهد ورع ذو كرامات أو من أهل الخلوة ترك الدنيا وما فيها أو سالك طرق المتصوفة أو سنن الفضلاء الصلحاء الأمجاد إلى غير ذلك من نعوت تدل على انغماس الفقهاء مع الشعب فى التصوف وطرقه الكثيرة التى عمت الجزائر وخاصة الطريقة الشاذلية وفروعها المتعددة، وكلما قطعنا شوطا أو شطرا من الزمن فى العهد العثمانى ازدادت موجة التصوف-كما مر بنا فى الفصل الماضى-حدة، وازدادت المؤلفات فيه وفى شيوخه وأقطابه وفرة. على أن فرعا من فروع الفلسفة ظل مزدهرا فى حلقات الشيوخ بالجزائر حتى نهاية هذا العصر ونقصد علم المنطق، وقد ألف فيه الحرالى المار ذكره كتابا سماه «المعقولات الأول». وألف الخونجى المتوفى سنة ٦٤٨ هـ/١٢٥٠ م كتابا فى المنطق سماه: «الجمل فى المنطق» تداوله علماء الجزائر سريعا يدرسونه للطلاب ويشرحونه. ويقال إنه لم يكن يوجد ببجاية فى القرن السابع الهجرى أعلم بكتاب الجمل للخونجى من عبد الوهاب بن يوسف المتوفى سنة ٦٨٠ هـ/١٢٨١ م. وللشريف الحسنى التلمسانى المار آنفا شرح للجمل، يقول ابن مريم فى كتابه البستان إن العلماء انتفعوا به وأكبّوا عليه قراءة ونسخا. ولابن قنفذ القسنطينى شرح

стр. 4691

له، ولسعيد العقبانى معاصره شرح له كان يتداوله العلماء والطلاب، وشرحه محمد بن مرزوق الحفيد المار ذكره وسمى شرحه: «نهاية الأمل فى شرح الجمل للخونجى. ولمحمد بن يوسف السنوسى المحدث المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٨٩ م ثلاثة أعمال فى المنطق: مختصر له فيه شرح مرارا، وشرح على الجمل للخونجى، وحاشية على شرح إيساغوجى فى المنطق للبقاعى. وللفقيه محمد بن عبد الكريم المغيلى التلمسانى المتوفى سنة ٩٠٩ هـ/١٥٠٣ م ثلاثة أعمال أيضا فى المنطق: مختصر فيه وشرح الجمل للخونجى ومنظومة فيه سماها فتح «الوهاب» وكتب لها ثلاثة شروح. وكان عبد الرحمن السيوطى المصرى المشهور معاصره كتب كتابا نهى فيه عن الاشتغال بعلم المنطق وذكر فيه بعض ما قاله العلماء فى ذمه، فكتب إليه قصيدة بديعة يدافع فيها عن علم المنطق وأنه الحق أو يهدى إلى الحق بدلالاته وأشكاله المنطقية السديدة. وقد ظل علم المنطق يدرس فى الأزهر كما يدرس فى الجزائر وشغف الأزهريون والجزائريون بمنظومة فيه لعبد الرحمن الأخضرى القسنطينى الجزائرى المتوفى سنة ٩٥٣ هـ/١٥٤٦ م وسماها السلّم وشرحها وهى فى مائة وثلاثة وأربعين بيتا، ويقال إنه نظمها فى الحادية والعشرين من عمره، ووضعت عليها شروح كثيرة لجزائريين ومصريين كما وضعت حواش كثيرة من أهمها حاشية الفقيه الكبير سعيد قدورة المتوفى سنة ١٠٦٦ هـ/١٦٥٥ م ويقول فى مقدمته لها إنها «إضافة لشرح الأخضرى على منظومته كالتذييل لما أغفله فى شرحه، مظهرا لمقاصده ومستخرجا بعض فوائده». وظلّ يدرس مع السلم فى الجزائر مختصر السنوسى فى المنطق وتوضع له بعض الشروح مثل شرح عبد الرزاق بن حمادوش، المار ذكره سماه «الدرر على المختصر». وظلت لسلم الأخضرى وشروحه وحواشيه الشهرة المدوية. ٣ - علوم (١) اللغة والنحو والعروض والبلاغة والنقد أخذت الجزائر تعنى بعلم اللغة منذ ألّم بها أبو على القالى فى طريقه إلى الأندلس زمن عبد الرحمن الناصر، ونرى بين تلاميذه تلميذا جزائريا هو إبراهيم بن عبد الرحمن التنسى وقد حمل عنه كتابه الأمالى ومحاضراته فى اللغة، ونجد مدينة طبنة عاصمة الزاب تعنى بمادة اللغة ومدارستها، وينبغ فيها زيادة الله بن على الطبنى نزيل قرطبة فى عهد المنصور بن أبى عامر وزير

стр. 4692

الخليفة المؤيد منذ سنة ٣٦٦ إلى ٣٩٢ فاحتفى به. يقول ابن بسام فى الذخيرة إنه اتخذه نديمه إذ كان من أمتع الناس حديثا وأنصعهم ظرفا، وأحذقهم بالملاطفة وآخذهم بالقلوب، وكان عالما لغويا يقول القفطى: «كان من أهل العلم بالآداب واللغات والأشعار، روى الناس عنه علما كثيرا، وكان كثير الإغراب» توفى سنة ٤١٥ هـ/١٠٢٤ م ونشّأ ابنه عبد الملك- وكان محدثا-تنشئة لغوية جيدة حتى ليقول السيوطى فى البغية إنه كان إماما فى اللغة له رواية وسماع. وتنهض الدولة الحمادية بالقلعة عاصمتها الأولى وبجاية عاصمتها الثانية نهضة علمية خصبة حتى نهاية مدتها سنة ٥٤٧ وتظل النهضة مطردة فى العاصمتين وتجتذبان كثيرا من علماء الأندلس، كما مر بنا، فضلا عن علماء المدن والأصقاع الجزائرية. وينزل بجاية المحدث الأندلسى الكبير عبد الحق الإشبيلى المتوفى سنة ٥٨١ هـ/١١٨٥ م ويتولى بجامعها الأعظم الخطبة وصلاة الجمعة كما يتولى بها القضاء، ويؤلف فى غريب القرآن الكريم والحديث النبوى كتابا ضخما فى ثمانية عشر مجلدا سماه الحاوى ضاهى به كتاب الغريبين فى القرآن والحديث للهروى. وللفقيه التلمسانى محمد بن عبد الحق المتوفى سنة ٦٢٥ هـ/١٢٢٧ م كتاب فى غريب الموطأ للإمام مالك. وكان يعاصره يحيى بن عبد المعطى الزواوى المتوفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م من كبار علماء العربية، وكان قد أخذ يكثر فى الجزائر نظم العلوم والمعارف، وقد نظم معجم الجمهرة فى اللغة لابن دريد، وحاول نظم معجم الصحاح للجوهرى ولم يكتب له أن يتمه. وكان محمد بن الحسن بن ميمون القلعى المتوفى سنة ٦٧٣ هـ/١٢٧٤ م يقرأ للطلاب ببجاية كتاب الأمالى للقالى وكتاب زهر الآداب للحصرى ومقامات الحريرى ومنتخبات من شعر أبى تمام والمتنبى، وكان شاعرا ونحويا كبيرا مثل ابن عبد المعطى. وكان يعاصره أحمد بن يوسف اللّبلى نزيل بجاية المتوفى بها سنة ٦٩١ هـ/١٢٩٢ م وله شرح على كتاب الفصيح لثعلب وكتاب فى التصريف ضاهى به كتاب الممتع لابن عصفور. ومن لغويى القرن السابع الهجرى ونحاته الكبار يوسف بن يخلف الجزائرى وكان يدرس لطلابه فى بجاية شعر أبى تمام والمتنبى والأشعار الستة برواية الشنتمرى المسندة إلى الأصمعى، وهى دواوين امرئ القيس وزهير والنابغة وطرفة وعنترة وعلقمة ودواوين أبى العلاء: سقط الزند واللزوميات والحماسة للتبريزى والمرزوقى وإصلاح المنطق لابن السكيت والأمالى لأبى على القالى والمقامات وغير ذلك من الكتب الأدبية. ولعل فى عمل ابن يخلف اللغوى ببجاية ما يدل بوضوح على مدى العناية الواسعة فيها بمدارسة كتب اللغة والأدب ودواوين الشعر الجاهلية وغير الجاهلية. ولابن مالك كتاب لامية الأفعال عنى به غير جزائرى، ولابن العباس محمد التلمسانى المتوفى سنة ٨٧١ هـ/١٤٦٧ م شرح عليها نوّه به معاصروه. وتكثر الشروح للأشعار وخاصة قصيدة البردة النبوية للبوصيرى، ومن أهم شروحها شرح سعيد العقبانى المتوفى سنة ٨١١ وشرح ابن مرزوق الحفيد

стр. 4693

المتوفى سنة ٨٤٢ وشرح القلصادى المتوفى سنة ٨٩١. وتتكاثر الشروح اللغوية فى العهد العثمانى ومن أهمها شرح عبد الكريم الفكون على أرجوزة المكودى الفاسى فى التصريف ألفه سنة ١٠٤٨ للهجرة، وكتب محمد بن بدوى الجزائرى سنة ١١٢٧ رسالة الارتضاء فى الفرق بين الضاد والظاء. وبأخرة من العصر كتب محمد بن أحمد الجليلى الملقب بأبى راس المتوفى سنة ١٢٣٨ هـ/١٨٢٣ م كتابا لغويا فى نقد القاموس المحيط سماه: إضاءة القابوس على كتاب القاموس. وعلى شاكلة ازدهار الدراسات اللغوية فى الجزائر منذ القرن السابع الهجرى تزدهر الدراسات النحوية وحامل لوائها فى هذا القرن يحيى بن عبد المعطى الزواوى المار ذكره بين اللغويين والمتوفى بالقاهرة بعد أن تصدّر لتدريس النحو واللغة بها فى الجامع العتيق: جامع عمرو، وله فى النحو ألفية على غرارها نظم ابن مالك ألفيته، ومن مؤلفاته النحوية شرح لكتاب الجمل للزجاجى وحواش على كتاب أصول النحو لابن السراج، وكتاب فى النحو سماه العقود والقوانين، وله كتاب فى شرح أبيات سيبويه. ولعبيد الله النفزى الشاطبى نزيل بجاية المتوفى بها سنة ٦٤٢ هـ/١٢٤٤ م شرح على كتاب المفصل للزمخشرى المتوفى سنة ٥٣٨ للهجرة وكان يتقن شرحه ودرسه للطلاب. ومن كبار نحاة بجاية فى القرن السابع لغويها المار ذكره يوسف بن يخلف الجزائرى وكان يشرح لطلابه الكتب التالية: كتاب الجمل للزجاجى وكتاب الإيضاح لأبى على الفارسى وكتاب المفصل للزمخشرى ومقدمة ابن بابشاذ النحوى المصرى وقانون أبى موسى الجزولى المتوفى سنة ٦٠٧ هـ/١٢١١ م أو متنه النحوى المقتضب الذى أخذه عن ابن برى المصرى المتوفى سنة ٥٨٢ هـ/١١٨٦ م. وكان يعاصره محمد بن الحسن بن ميمون القلعى المار ذكره آنفا بين اللغويين وهو من قلعة بنى حماد، وكان لغويا ونحويا كبيرا مثل ابن يخلف، استوطن بجاية، وعاش يدرس لطلابها ويقول تلميذه الغبرينى فى ترجمته: «كان له درس يحضره من الطلبة فضلاؤهم ونبهاؤهم، وتجرى فيه المذاكرات المختلفة فى التفسير والحديث وأبيات الغريب من الأشعار، ويعرض من المعانى والأفكار ما لا يكاد يوجد مثله فى نوادر الكتب، وكان قويا فى علم التصريف ومحبا للتعليل، جاريا فى ذلك على سنن أبى الفتح بن جنى، وكان كثير التلامذة والأصحاب، وتقرأ عليه جميع الكتب النحوية واللغوية والأدبية، ويقوم على جميعها أحسن قيام، وهو أفضل من لقيت فى علم العربية». ويذكر الغبرينى من كتب النحو التى كان يدرسها ابن ميمون القلعى للطلاب كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى وكتاب سيبويه والمفصل للزمخشرى وقانون أبى موسى الجزولى المسمى بالجزولية. ومن نحاة بجاية فى القرن السابع عبد الله بن محمد الأغماتى نزيل بجاية، وكان فى علم العربية بارعا، وكان يفقه كتاب سيبويه فقها حسنا، إذ كان من أعلم الناس به، وكان يقرن مسائله بعضها إلى بعض ويدرك مقاصده

стр. 4694

إدراكا دقيقا، ويقول عنه الغبرينى ناقلا عن بعض تلاميذه: «أما كتاب مفصل الزمخشرى وقانون أبى موسى الجزولى فكانا عنده من المبادئ دالا بذلك على تعمقه لكتب النحو ومسائله وقواعده». ولمحمد بن عبد الرحمن الخزرجى قاضى بجاية المتوفى سنة ٦٩١ هـ/١٢٩٢ م شرح محكم على الجزولية، وكان يدرسها للطلاب دراسة جيدة. وللفقيه الكبير ابن قنفذ أحمد بن حسن القسنطينى المتوفى سنة ٨١١ هـ/١٤٠٩ م الإبراهيمية فى مبادئ علم العربية، وله على ألفية ابن مالك شرح سماه «آية السالك إلى ألفية ابن مالك». وكان ابن مرزوق الحفيد يقرأ لطلابه-أو يقرأ عليه-كتاب سيبويه وكتاب الإيضاح لأبى على الفارسى والألفية وكتاب التسهيل لابن مالك والكافية لابن الحاجب وكتاب المغنى وأوضح المسالك لابن هشام. ولمعاصره إبراهيم بن فائد القسنطينى المتوفى سنة ٨٥٧ هـ/١٤٥٣ م شرح على ألفية ابن مالك، ومنذ ألّف ابن آجرّوم الصنهاجى الفاسى المتوفى سنة ٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م متنه البديع فى النحو المسمّى الآجرّومية. والعلماء فى الجزائر وغير الجزائر يتناولونه بالدرس والشرح، ومن شروحه فى الجزائر شرح المحدث الكبير محمد السنوسى المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٩٠ م وشرح معاصره القلصادى الأندلسى نزيل تلسمان وبجاية المتوفى سنة ٨٩١ هـ/١٤٨٦ م. ويظل علماء النحو فى العهد العثمانى يعنون بشرح متن الأجرومية وألفية ابن مالك، ومن شروح الأجرومية حينئذ شرح محمد بن محمد الصباغ القلعى من نحاة القرن العاشر الهجرى، ونظمها فى القرن الثانى عشر خليفة بن حسن القمارى فى أرجوزة قيل إنه «يرقص لها المبتدى لسلاسة نظمها وعذوبة موسيقاها». ومن نحاة الجزائر المهمين فى القرن الحادى عشر يحيى الشاوى المتوفى سنة ١٠٩٦ هـ/١٦٨٥ م ومن مصنفاته حاشية على شرح المرادى لألفية ابن مالك، وله شرح على كتاب التسهيل لابن مالك، ومختصر فى أصول النحو استضاء فيه بكتاب الاقتراح للسيوطى. ويكثر الشارحون لشواهد كتب النحو، ولأبى القاسم بن محمد البجائى من نحاة القرن الحادى عشر الهجرى شروح لشواهد ثلاثة من كتب ابن هشام، هى القطر وشذور الذهب والقواعد الصغرى. وبعض النحاة كان يدرس العروض لطلابه، ولذلك ينعت بالعروضى مثل عبد الله بن محمد القسنطينى المتوفى بأخرة من القرن السادس الهجرى، وليحيى بن عبد المعطى المذكور بين النحاة واللغويين منظومة فى العروض بجانب ألفيته فى النحو ونظمه اللغوى لمعجم الجمهرة. وينظم ضياء الدين الخزرجى السبتى فى عصر الموحدين قصيدة فى العروض فى نحو مائة بيت ضمّنها قواعد علم العروض والقوافى، وطارت شهرتها وسميت الخزرجية نسبة إليه، وينسبها بعض الباحثين المعاصرين خطأ لابن أبى الجيش وليس هو صاحب الخزرجية. وشغف بها الجزائريون وتناولها كثير من أعلامهم بالشرح مثل ابن قنفذ المذكور بين النحاة وسمى شرحه:

стр. 4695

«بسط الرموز الخفية فى شرح عروض الخزرجية» وشرحها ابن مرزوق الحفيد وسمى شرحه: «المفاتيح المرزوقية فى استخراج رموز الخزرجية» وشرحها القلصادى، وله بجانب شرحها مختصر فى العروض. ومن شروح العهد العثمانى على الخزرجية شرح لسعيد قدورة الحفيد المتوفى سنة ١٠٦٦ هـ/١٦٥٥ م وشرح ثان لبركات بن باديس المتوفى فى أوائل القرن الثانى عشر الهجرى. وكانت الجزائر-فيما بيدو-تعتمد فى دراسة البلاغة على ما كتبه ابن رشيق المتوفى سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٣ م فى كتابه «العمدة فى صناعة الشعر ونقده» وكان قد طار صيته لا فى القيروان وحدها بل فى جميع البلدان المغربية والمشرقية. وأخذت تشيع شرقا وغربا دراسة المتون البلاغية وشروحها فى القرن السابع وما بعده منذ وضع السكاكى مصنّفه أو كتابه المفتاح وعرض فيه علمى المعانى والبيان، وألحق بهما دراسة للمحسنات اللفظية والمعنوية، وخلفه الخطيب القزوينى وصنع لعرض السكاكى هذه العلوم فى القسم الثالث من كتابه المفتاح تلخيصا، ولم يلبث أن بسط قضاياه فى كتاب ثان سماه الإيضاح، منذ ذلك ودارسو البلاغة العربية فى الجزائر وغير الجزائر يعنون عناية واسعة بكتابيه المذكورين، وخاصة بالتلخيص إذ أخذ يتجرد غير عالم فى كثير من البلدان العربية لشرحه. وكان الفقيهان الكبيران التلمسانيان ابنا الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الشريف التلمسانى وأخوه أبو موسى عيسى رحلا إلى المشرق فى شبابهما لأوائل القرن الثامن الهجرى للتزود من حلقات علمائه ولقيا فى رحلتهما بدمشق أو فى القاهرة الخطيب القزوينى قاضى القضاة بهما فى عهد الناصر بن قلاوون، فحضرا دروسه وحملا عنه مصنفيه البلاغيين: متن التلخيص وكتاب الإيضاح، وأذاعاهما فى موطنهما، وكأن الجزائر اشتغلت بهما عقب تأليفهما سريعا مثل مصر والبلدان المشرقية، ونرى الشريف الحسنى التلمسانى محمد بن أحمد المتوفى سنة ٧٧١ كما مر بنا يعنى بالتلخيص والإيضاح جميعا ويأخذهما عنه الطلاب، وبالمثل كان يدرسهما للطلاب بتلمسان الحافظ الكبير ابن مرزوق الحفيد المتوفى سنة ٨٤٢ وضم إليهما كتاب المصباح فى علوم المعانى والبيان والبديع لبدر الدين ابن النحوى الكبير ابن مالك المتوفى سنة ٦٨٦ هـ/١٢٨٧ م. ولمعاصره إبراهيم بن فائد شرح وضعه على متن التلخيص، وشرحه أيضا محمد بن عبد الكريم المغيلى. ويضع عبد الرحمن الأخضرى فى أوائل العهد العثمانى صاحب متن السلم فى المنطق كتابا مختصرا فى علوم البلاغة سماه: «الجوهر المكنون فى الثلاثة فنون: المعانى والبيان والبديع» وشرح مرارا، ومن شروحه شرح محمد بن يوسف الثغرى المتوفى سنة ١١١٥ هـ/١٧٠٣ م سماه: «موضح السر المدفون فى الجوهر المكنون» ويضع على بن عبد القادر المشهور باسم ابن الأمين حاشية على شرح السعد التفتازانى لمتن التلخيص.
следующие страницы →