له، ولسعيد العقبانى معاصره شرح له كان يتداوله العلماء والطلاب، وشرحه محمد بن مرزوق الحفيد المار ذكره وسمى شرحه: «نهاية الأمل فى شرح الجمل للخونجى. ولمحمد بن يوسف السنوسى المحدث المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٨٩ م ثلاثة أعمال فى المنطق: مختصر له فيه شرح مرارا، وشرح على الجمل للخونجى، وحاشية على شرح إيساغوجى فى المنطق للبقاعى. وللفقيه محمد بن عبد الكريم المغيلى التلمسانى المتوفى سنة ٩٠٩ هـ/١٥٠٣ م ثلاثة أعمال أيضا فى المنطق: مختصر فيه وشرح الجمل للخونجى ومنظومة فيه سماها فتح «الوهاب» وكتب لها ثلاثة شروح. وكان عبد الرحمن السيوطى المصرى المشهور معاصره كتب كتابا نهى فيه عن الاشتغال بعلم المنطق وذكر فيه بعض ما قاله العلماء فى ذمه، فكتب إليه قصيدة بديعة يدافع فيها عن علم المنطق وأنه الحق أو يهدى إلى الحق بدلالاته وأشكاله المنطقية السديدة. وقد ظل علم المنطق يدرس فى الأزهر كما يدرس فى الجزائر وشغف الأزهريون والجزائريون بمنظومة فيه لعبد الرحمن الأخضرى القسنطينى الجزائرى المتوفى سنة ٩٥٣ هـ/١٥٤٦ م وسماها السلّم وشرحها وهى فى مائة وثلاثة وأربعين بيتا، ويقال إنه نظمها فى الحادية والعشرين من عمره، ووضعت عليها شروح كثيرة لجزائريين ومصريين كما وضعت حواش كثيرة من أهمها حاشية الفقيه الكبير سعيد قدورة المتوفى سنة ١٠٦٦ هـ/١٦٥٥ م ويقول فى مقدمته لها إنها «إضافة لشرح الأخضرى على منظومته كالتذييل لما أغفله فى شرحه، مظهرا لمقاصده ومستخرجا بعض فوائده». وظلّ يدرس مع السلم فى الجزائر مختصر السنوسى فى المنطق وتوضع له بعض الشروح مثل شرح عبد الرزاق بن حمادوش، المار ذكره سماه «الدرر على المختصر». وظلت لسلم الأخضرى وشروحه وحواشيه الشهرة المدوية.
٣ -
علوم (١) اللغة والنحو والعروض والبلاغة والنقد
أخذت الجزائر تعنى بعلم اللغة منذ ألّم بها أبو على القالى فى طريقه إلى الأندلس زمن عبد الرحمن الناصر، ونرى بين تلاميذه تلميذا جزائريا هو إبراهيم بن عبد الرحمن التنسى وقد حمل عنه كتابه الأمالى ومحاضراته فى اللغة، ونجد مدينة طبنة عاصمة الزاب تعنى بمادة اللغة ومدارستها، وينبغ فيها زيادة الله بن على الطبنى نزيل قرطبة فى عهد المنصور بن أبى عامر وزير
стр. 4692
الخليفة المؤيد منذ سنة ٣٦٦ إلى ٣٩٢ فاحتفى به. يقول ابن بسام فى الذخيرة إنه اتخذه نديمه إذ كان من أمتع الناس حديثا وأنصعهم ظرفا، وأحذقهم بالملاطفة وآخذهم بالقلوب، وكان عالما لغويا يقول القفطى: «كان من أهل العلم بالآداب واللغات والأشعار، روى الناس عنه علما كثيرا، وكان كثير الإغراب» توفى سنة ٤١٥ هـ/١٠٢٤ م ونشّأ ابنه عبد الملك- وكان محدثا-تنشئة لغوية جيدة حتى ليقول السيوطى فى البغية إنه كان إماما فى اللغة له رواية وسماع. وتنهض الدولة الحمادية بالقلعة عاصمتها الأولى وبجاية عاصمتها الثانية نهضة علمية خصبة حتى نهاية مدتها سنة ٥٤٧ وتظل النهضة مطردة فى العاصمتين وتجتذبان كثيرا من علماء الأندلس، كما مر بنا، فضلا عن علماء المدن والأصقاع الجزائرية. وينزل بجاية المحدث الأندلسى الكبير عبد الحق الإشبيلى المتوفى سنة ٥٨١ هـ/١١٨٥ م ويتولى بجامعها الأعظم الخطبة وصلاة الجمعة كما يتولى بها القضاء، ويؤلف فى غريب القرآن الكريم والحديث النبوى كتابا ضخما فى ثمانية عشر مجلدا سماه الحاوى ضاهى به كتاب الغريبين فى القرآن والحديث للهروى. وللفقيه التلمسانى محمد بن عبد الحق المتوفى سنة ٦٢٥ هـ/١٢٢٧ م كتاب فى غريب الموطأ للإمام مالك. وكان يعاصره يحيى بن عبد المعطى الزواوى المتوفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م من كبار علماء العربية، وكان قد أخذ يكثر فى الجزائر نظم العلوم والمعارف، وقد نظم معجم الجمهرة فى اللغة لابن دريد، وحاول نظم معجم الصحاح للجوهرى ولم يكتب له أن يتمه.
وكان محمد بن الحسن بن ميمون القلعى المتوفى سنة ٦٧٣ هـ/١٢٧٤ م يقرأ للطلاب ببجاية كتاب الأمالى للقالى وكتاب زهر الآداب للحصرى ومقامات الحريرى ومنتخبات من شعر أبى تمام والمتنبى، وكان شاعرا ونحويا كبيرا مثل ابن عبد المعطى. وكان يعاصره أحمد بن يوسف اللّبلى نزيل بجاية المتوفى بها سنة ٦٩١ هـ/١٢٩٢ م وله شرح على كتاب الفصيح لثعلب وكتاب فى التصريف ضاهى به كتاب الممتع لابن عصفور. ومن لغويى القرن السابع الهجرى ونحاته الكبار يوسف بن يخلف الجزائرى وكان يدرس لطلابه فى بجاية شعر أبى تمام والمتنبى والأشعار الستة برواية الشنتمرى المسندة إلى الأصمعى، وهى دواوين امرئ القيس وزهير والنابغة وطرفة وعنترة وعلقمة ودواوين أبى العلاء: سقط الزند واللزوميات والحماسة للتبريزى والمرزوقى وإصلاح المنطق لابن السكيت والأمالى لأبى على القالى والمقامات وغير ذلك من الكتب الأدبية. ولعل فى عمل ابن يخلف اللغوى ببجاية ما يدل بوضوح على مدى العناية الواسعة فيها بمدارسة كتب اللغة والأدب ودواوين الشعر الجاهلية وغير الجاهلية. ولابن مالك كتاب لامية الأفعال عنى به غير جزائرى، ولابن العباس محمد التلمسانى المتوفى سنة ٨٧١ هـ/١٤٦٧ م شرح عليها نوّه به معاصروه. وتكثر الشروح للأشعار وخاصة قصيدة البردة النبوية للبوصيرى، ومن أهم شروحها شرح سعيد العقبانى المتوفى سنة ٨١١ وشرح ابن مرزوق الحفيد
стр. 4693
المتوفى سنة ٨٤٢ وشرح القلصادى المتوفى سنة ٨٩١. وتتكاثر الشروح اللغوية فى العهد العثمانى ومن أهمها شرح عبد الكريم الفكون على أرجوزة المكودى الفاسى فى التصريف ألفه سنة ١٠٤٨ للهجرة، وكتب محمد بن بدوى الجزائرى سنة ١١٢٧ رسالة الارتضاء فى الفرق بين الضاد والظاء. وبأخرة من العصر كتب محمد بن أحمد الجليلى الملقب بأبى راس المتوفى سنة ١٢٣٨ هـ/١٨٢٣ م كتابا لغويا فى نقد القاموس المحيط سماه: إضاءة القابوس على كتاب القاموس.
وعلى شاكلة ازدهار الدراسات اللغوية فى الجزائر منذ القرن السابع الهجرى تزدهر الدراسات النحوية وحامل لوائها فى هذا القرن يحيى بن عبد المعطى الزواوى المار ذكره بين اللغويين والمتوفى بالقاهرة بعد أن تصدّر لتدريس النحو واللغة بها فى الجامع العتيق: جامع عمرو، وله فى النحو ألفية على غرارها نظم ابن مالك ألفيته، ومن مؤلفاته النحوية شرح لكتاب الجمل للزجاجى وحواش على كتاب أصول النحو لابن السراج، وكتاب فى النحو سماه العقود والقوانين، وله كتاب فى شرح أبيات سيبويه. ولعبيد الله النفزى الشاطبى نزيل بجاية المتوفى بها سنة ٦٤٢ هـ/١٢٤٤ م شرح على كتاب المفصل للزمخشرى المتوفى سنة ٥٣٨ للهجرة وكان يتقن شرحه ودرسه للطلاب.
ومن كبار نحاة بجاية فى القرن السابع لغويها المار ذكره يوسف بن يخلف الجزائرى وكان يشرح لطلابه الكتب التالية: كتاب الجمل للزجاجى وكتاب الإيضاح لأبى على الفارسى وكتاب المفصل للزمخشرى ومقدمة ابن بابشاذ النحوى المصرى وقانون أبى موسى الجزولى المتوفى سنة ٦٠٧ هـ/١٢١١ م أو متنه النحوى المقتضب الذى أخذه عن ابن برى المصرى المتوفى سنة ٥٨٢ هـ/١١٨٦ م. وكان يعاصره محمد بن الحسن بن ميمون القلعى المار ذكره آنفا بين اللغويين وهو من قلعة بنى حماد، وكان لغويا ونحويا كبيرا مثل ابن يخلف، استوطن بجاية، وعاش يدرس لطلابها ويقول تلميذه الغبرينى فى ترجمته: «كان له درس يحضره من الطلبة فضلاؤهم ونبهاؤهم، وتجرى فيه المذاكرات المختلفة فى التفسير والحديث وأبيات الغريب من الأشعار، ويعرض من المعانى والأفكار ما لا يكاد يوجد مثله فى نوادر الكتب، وكان قويا فى علم التصريف ومحبا للتعليل، جاريا فى ذلك على سنن أبى الفتح بن جنى، وكان كثير التلامذة والأصحاب، وتقرأ عليه جميع الكتب النحوية واللغوية والأدبية، ويقوم على جميعها أحسن قيام، وهو أفضل من لقيت فى علم العربية». ويذكر الغبرينى من كتب النحو التى كان يدرسها ابن ميمون القلعى للطلاب كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى وكتاب سيبويه والمفصل للزمخشرى وقانون أبى موسى الجزولى المسمى بالجزولية. ومن نحاة بجاية فى القرن السابع عبد الله بن محمد الأغماتى نزيل بجاية، وكان فى علم العربية بارعا، وكان يفقه كتاب سيبويه فقها حسنا، إذ كان من أعلم الناس به، وكان يقرن مسائله بعضها إلى بعض ويدرك مقاصده
стр. 4694
إدراكا دقيقا، ويقول عنه الغبرينى ناقلا عن بعض تلاميذه: «أما كتاب مفصل الزمخشرى وقانون أبى موسى الجزولى فكانا عنده من المبادئ دالا بذلك على تعمقه لكتب النحو ومسائله وقواعده». ولمحمد بن عبد الرحمن الخزرجى قاضى بجاية المتوفى سنة ٦٩١ هـ/١٢٩٢ م شرح محكم على الجزولية، وكان يدرسها للطلاب دراسة جيدة. وللفقيه الكبير ابن قنفذ أحمد بن حسن القسنطينى المتوفى سنة ٨١١ هـ/١٤٠٩ م الإبراهيمية فى مبادئ علم العربية، وله على ألفية ابن مالك شرح سماه «آية السالك إلى ألفية ابن مالك». وكان ابن مرزوق الحفيد يقرأ لطلابه-أو يقرأ عليه-كتاب سيبويه وكتاب الإيضاح لأبى على الفارسى والألفية وكتاب التسهيل لابن مالك والكافية لابن الحاجب وكتاب المغنى وأوضح المسالك لابن هشام. ولمعاصره إبراهيم بن فائد القسنطينى المتوفى سنة ٨٥٧ هـ/١٤٥٣ م شرح على ألفية ابن مالك، ومنذ ألّف ابن آجرّوم الصنهاجى الفاسى المتوفى سنة ٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م متنه البديع فى النحو المسمّى الآجرّومية. والعلماء فى الجزائر وغير الجزائر يتناولونه بالدرس والشرح، ومن شروحه فى الجزائر شرح المحدث الكبير محمد السنوسى المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٩٠ م وشرح معاصره القلصادى الأندلسى نزيل تلسمان وبجاية المتوفى سنة ٨٩١ هـ/١٤٨٦ م.
ويظل علماء النحو فى العهد العثمانى يعنون بشرح متن الأجرومية وألفية ابن مالك، ومن شروح الأجرومية حينئذ شرح محمد بن محمد الصباغ القلعى من نحاة القرن العاشر الهجرى، ونظمها فى القرن الثانى عشر خليفة بن حسن القمارى فى أرجوزة قيل إنه «يرقص لها المبتدى لسلاسة نظمها وعذوبة موسيقاها». ومن نحاة الجزائر المهمين فى القرن الحادى عشر يحيى الشاوى المتوفى سنة ١٠٩٦ هـ/١٦٨٥ م ومن مصنفاته حاشية على شرح المرادى لألفية ابن مالك، وله شرح على كتاب التسهيل لابن مالك، ومختصر فى أصول النحو استضاء فيه بكتاب الاقتراح للسيوطى. ويكثر الشارحون لشواهد كتب النحو، ولأبى القاسم بن محمد البجائى من نحاة القرن الحادى عشر الهجرى شروح لشواهد ثلاثة من كتب ابن هشام، هى القطر وشذور الذهب والقواعد الصغرى.
وبعض النحاة كان يدرس العروض لطلابه، ولذلك ينعت بالعروضى مثل عبد الله بن محمد القسنطينى المتوفى بأخرة من القرن السادس الهجرى، وليحيى بن عبد المعطى المذكور بين النحاة واللغويين منظومة فى العروض بجانب ألفيته فى النحو ونظمه اللغوى لمعجم الجمهرة. وينظم ضياء الدين الخزرجى السبتى فى عصر الموحدين قصيدة فى العروض فى نحو مائة بيت ضمّنها قواعد علم العروض والقوافى، وطارت شهرتها وسميت الخزرجية نسبة إليه، وينسبها بعض الباحثين المعاصرين خطأ لابن أبى الجيش وليس هو صاحب الخزرجية. وشغف بها الجزائريون وتناولها كثير من أعلامهم بالشرح مثل ابن قنفذ المذكور بين النحاة وسمى شرحه:
стр. 4695
«بسط الرموز الخفية فى شرح عروض الخزرجية» وشرحها ابن مرزوق الحفيد وسمى شرحه: «المفاتيح المرزوقية فى استخراج رموز الخزرجية» وشرحها القلصادى، وله بجانب شرحها مختصر فى العروض. ومن شروح العهد العثمانى على الخزرجية شرح لسعيد قدورة الحفيد المتوفى سنة ١٠٦٦ هـ/١٦٥٥ م وشرح ثان لبركات بن باديس المتوفى فى أوائل القرن الثانى عشر الهجرى.
وكانت الجزائر-فيما بيدو-تعتمد فى دراسة البلاغة على ما كتبه ابن رشيق المتوفى سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٣ م فى كتابه «العمدة فى صناعة الشعر ونقده» وكان قد طار صيته لا فى القيروان وحدها بل فى جميع البلدان المغربية والمشرقية. وأخذت تشيع شرقا وغربا دراسة المتون البلاغية وشروحها فى القرن السابع وما بعده منذ وضع السكاكى مصنّفه أو كتابه المفتاح وعرض فيه علمى المعانى والبيان، وألحق بهما دراسة للمحسنات اللفظية والمعنوية، وخلفه الخطيب القزوينى وصنع لعرض السكاكى هذه العلوم فى القسم الثالث من كتابه المفتاح تلخيصا، ولم يلبث أن بسط قضاياه فى كتاب ثان سماه الإيضاح، منذ ذلك ودارسو البلاغة العربية فى الجزائر وغير الجزائر يعنون عناية واسعة بكتابيه المذكورين، وخاصة بالتلخيص إذ أخذ يتجرد غير عالم فى كثير من البلدان العربية لشرحه. وكان الفقيهان الكبيران التلمسانيان ابنا الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الشريف التلمسانى وأخوه أبو موسى عيسى رحلا إلى المشرق فى شبابهما لأوائل القرن الثامن الهجرى للتزود من حلقات علمائه ولقيا فى رحلتهما بدمشق أو فى القاهرة الخطيب القزوينى قاضى القضاة بهما فى عهد الناصر بن قلاوون، فحضرا دروسه وحملا عنه مصنفيه البلاغيين: متن التلخيص وكتاب الإيضاح، وأذاعاهما فى موطنهما، وكأن الجزائر اشتغلت بهما عقب تأليفهما سريعا مثل مصر والبلدان المشرقية، ونرى الشريف الحسنى التلمسانى محمد بن أحمد المتوفى سنة ٧٧١ كما مر بنا يعنى بالتلخيص والإيضاح جميعا ويأخذهما عنه الطلاب، وبالمثل كان يدرسهما للطلاب بتلمسان الحافظ الكبير ابن مرزوق الحفيد المتوفى سنة ٨٤٢ وضم إليهما كتاب المصباح فى علوم المعانى والبيان والبديع لبدر الدين ابن النحوى الكبير ابن مالك المتوفى سنة ٦٨٦ هـ/١٢٨٧ م. ولمعاصره إبراهيم بن فائد شرح وضعه على متن التلخيص، وشرحه أيضا محمد بن عبد الكريم المغيلى. ويضع عبد الرحمن الأخضرى فى أوائل العهد العثمانى صاحب متن السلم فى المنطق كتابا مختصرا فى علوم البلاغة سماه: «الجوهر المكنون فى الثلاثة فنون: المعانى والبيان والبديع» وشرح مرارا، ومن شروحه شرح محمد بن يوسف الثغرى المتوفى سنة ١١١٥ هـ/١٧٠٣ م سماه: «موضح السر المدفون فى الجوهر المكنون» ويضع على بن عبد القادر المشهور باسم ابن الأمين حاشية على شرح السعد التفتازانى لمتن التلخيص.
стр. 4696
وتهدى مدينة المسيلة (المحمدية) فى الجزائر إلى القيروان ناقدا مبكرا فى أواخر عهد المنصور بن بلكين (٣٦٨ - ٣٨٦ هـ) هو عبد الكريم النهشلى، وكان شاعرا يحسن الكتابة كما كان شاعرا مجيدا فألحقته الدولة بدواوينها وظل بها إلى أن توفى سنة ٤٠٣ هـ/١٠١٢ م. وله فى النقد كتاب يعد باكورة الكتابات النقدية فى البلاد المغربية هو كتاب الممتع فى علم الشعر وعمله. ونشر الدكتور منجى الكعبى اختيارا منه لأحد الأدباء السابقين يقع فى خمسمائة صفحة حققها تحقيقا علميا جيدا. ويدل هذا الاختيار على أن النهشلى بن الكتاب على منتخبات شعرية ونثرية تتخلّلها نظرات نقدية، ووزّع المنتخبات على أبواب متعاقبة انتفع بها ابن رشيق فى تأليفه لكتابه: «العمدة فى صناعة الشعر ونقده» كما أوضح ذلك الدكتور منجى فى هوامش التحقيق ببيان ما يلتقى فيه الكتابان من أبواب ونصوص مختلفة منذ الصفحة الثالثة من الممتع إذ نقل ابن رشيق عن عبد الكريم ما قاله من أن «أصل الكلام منثور ثم تعقبت العرب ذلك واحتاجت إلى الغناء بأفعالها وذكر سابقتها ووقائعها وتضمين مآثرها، إذ كان المنطق هو المؤدى عن عقولهم، وألسنتهم خدم أفئدتهم» وتبعه ابن رشيق فقال: «وكان الكلام كله منثورا، فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها وطيب أعراقها وذكر أيامها الصالحة». ويعقد عبد الكريم ص ٢٤ فصلا فى فضل الشعر، ويتابعه ابن رشيق بفصل مماثل يردد فيه ما يقوله (انظر صفحتى ٢٤ و ٢٥). ومن الحق أنه قد يصرح به ولكن فى مواطن معدودة من العمدة، وقد يأخذ عنه أبوابا مثل باب ألقاب الشعراء ص ١٩٢ وهو فى العمدة (تحقيق محيى الدين عبد الحميد) ١/ ٣٣ وباب احتماء العرب بالشعر وذبهم به عن الأعراض ص ٢٢٠ وهو عند ابن رشيق فى ١/ ٤٩ وباب الأنفة من السؤال ص ٢٤٩ وهو عند ابن رشيق باب التكسب بالشعر والأنفة منه ص ٦٣ ويقول الدكتور منجى فى الهامش: «وتجد عند ابن رشيق فصولا كثيرة من هذا الباب ضمن أبواب أخرى لها علاقة به مثل باب الاقتضاء والاستنجاز فى الجزء الثانى من العمدة. ومن ذلك باب فيمن نوه به المدح وحطّه الهجاء ص ٢٤٣ وهو عند ابن رشيق ١/ ٢٩. ومن ذلك باب فيه النهى عن تعرض الشعراء ص ٢٧٩ وهو عند ابن رشيق ١/ ٥٩. والكتاب يحمل فى كل باب وفى كل موضوع نصوصا أدبية: شعرية ونثرية بديعة تدل-دلالة واضحة-على ما كان يمتلكه عبد الكريم النهشلى من ذوق أدبى مرهف مع حسن العرض. ويبدو أن أصل الكتاب كان يحمل بعض نظرات نقدية بارعة لم يعن صانع المختار من الكتاب بإثباتها، بدليل ما سجل ابن رشيق منها، إذ عقد فى الجزء الأول من العمدة فصلا للقدماء والمحدثين ذهب فيه مذهب ابن قتيبة فى أنه ينبغى أن لا يقدّم فى الشعر القديم لقدمه ولا الحديث لحداثته، إذ المعوّل فى ذلك على جودة الشعر لا على قدمه أو حداثته، ولا يلبث أن يقول: «ولم أر فى هذا النوع أحسن من فصل أتى به عبد الكريم (النهشلى) فإنه قال:
стр. 4697
«قد تختلف المقامات والأزمنة والبلاد، فيحسن فى وقت ما لا يحسن فى آخر، ويستحسن عند أهل بلد ما لا يستحسن عند أهل غيره، ونجد الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند أهله، بعد أن لا تخرج من حسن الاستواء وحدّ الاعتدال وجودة الصنعة، وربما استعملت فى بلد ألفاظ لا تستعمل كثيرا فى غيره كاستعمال أهل البصرة بعض كلام أهل فارس فى أشعارهم ونوادر حكاياتهم. قال: والذى أختاره أنا التجويد والتحسين الذى يختاره علماء الناس بالشعر، ويبقى غابره على الدهر، ويبعد عن الوحشىّ المستكره، ويرتفع عن المولد المنتحل، ويتضمن المثل السائر والتشبيه المصيب والاستعارة الحسنة».
فعيد الكريم يرى أن الجودة فى الشعر تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأن المدار فيها ليس على القدم والحداثة ولا على بلد شرقا دون بلد غربا إنما المدار فيها على حسن النسق وجمال الصياغة بحيث لا يكون الكلام حوشيا جافيا ولا مولّدا سفسافا غثّا بل يكون رصينا جزلا أو رقيقا سلسا مع ما يحمل من تلاوين التشبيهات والاستعارات البارعة. ونمضى مع ابن رشيق فى الجزء الأول من كتابه العمدة فنجده يعقد بابا فى الشعراء والشعر يذكر فيه عن عبد الكريم قوله: «الشعر أصناف، فشعر هو خير كله، وذلك ما كان فى باب الزهد والمواعظ الحسنة والمثل العائد على من تمثّل به بالخير وما أشبه ذلك، وشعر هو ظرف كله، وذلك القول فى الأوصاف والنعوت والتشبيه وما يفتنّ به من المعانى والآداب، وشعر هو شر كله، وذلك الهجاء وما تسرّع به الشاعر إلى أعراض الناس، وشعر يتكسّب به، وذلك أن يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها ويخاطب كل إنسان من حيث هو ويأتى إليه من جهة فهمه».
وهى أنواع تستقصى أغراض الشعر، فمنه الخيّر الذى يهدى إلى السّنن القويم من الزهد والسلوك المستقيم إيثارا لما عند الله من الثواب على متاع الحياة الفانى، ومنه ما تستريح إليه النفس من وصف الطبيعة ومن الحكم والمعانى الطريفة، ومنه ما هو شر خالص وهو الهجاء المقذع الذى ينتهك الأعراض، ومنه ما يتكسب به، وهو شعر المديح الذى يعود على صاحبه بالنفع فى كل سوق. ويعقد ابن رشيق عقب هذا الباب بابا لحد الشعر وبنيته، ويذكر فيه لعبد الكريم قوله:
«يجمع أصناف الشعر أربعة: المديح والهجاء والحكمة واللهو، ثم يتفرّع من كل صنف من ذلك فنون فيكون من المديح المراثى والافتخار والشكر، ويكون من الهجاء الذم والعتاب والاستبطاء، ويكون من الحكمة الأمثال والتزهيد والمواعظ، ويكون من اللهو الغزل والطرد والخمر والمخمور». وفنون الشعر الأربعة التى ذكرها عبد الكريم نقلها عن ابن وهب فى كتابه نقد النثر، وقد عرف كيف يرد إليها كل أغراض الشعر، فالمديح منه الرثاء إذ هو مديح لميت، ومنه الفخر إذ هو مديح للشاعر الذى نظمه، مديح لنفسه، وكذلك الشكر مديح لمن يقدم إليه وعرفان بفضله، ومن السهل إدخال الذم فى الهجاء أما العقاب والاستبطاء فيدخلان فيه بشئ من التوسع إذ قد ينقلبان هجاء. وبحق تدخل الأمثال فى الحكمة كما يدخل فيها
стр. 4698
التزهيد والوعظ لأنهما يقومان على ضرب الأمثال والتأمل فى مصير الإنسان وما ينتظر من السعادة أو الشقاء فى الآخرة، ويدخل فى اللهو الانشغال عن الحياة الجادة بالغزل أو بالصيد أو بالخمر أسوأ صور اللهو الماجن».
وواضح أننا عرفنا عن طريق الفقر الثلاث السالفة التى نقلها ابن رشيق عن كتاب الممتع فى علم الشعر وعمله لعبد الكريم النهشلى جانبا من نظراته النقدية التى ضمنها كتابه، ونظن ظنا أنه كان فى الكتاب نظرات نقدية أخرى مماثلة أهملها-كما ذكرنا-صانع هذا الاختيار الذى حققه ونشره الذكتور منجى الكعبى. ولم يظهر بعد عبد الكريم فى الجزائر ناقد على شاكلته إلا ما كان من ظهور ابن رشيق الناقد الفذ مواطنه الذى ولد مثله بالمسيلة الجزائرية ونشأ بها وعلمه أبوه صنعته وهى الصياغة وهاجر فى سن السادسة عشرة إلى القيروان فتأدب بها ونضجت فيها موهبته الأدبية والنقدية وظل مستوطننا لها بقية حياته بحيث عدّ من أهلها وأدبائها، ولذلك تحدثنا فى القسم الخاص بالإقليم التونسى عنه وعن كتابه العمدة فى صناعة الشعر ونقده الذى يعد بحق أروع عمل نقدى أنتجته البلدان المغربية طوال هذا العصر.
٤ -
علوم (١) القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام
يعكف المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها على حفظ القرآن الكريم وتلاوته، وحين نشأت فيه القراءات أخذ يحملها عن أئمتها فى المشرق مقرءون كثيرون فى المغرب ولا بد أن
стр. 4699
كان للجزائر حظ كبير من هؤلاء المقرئين مثل بقية البلاد الإسلامية، ويذكر ابن الجزرى من كبار قرائها فى القرن الرابع الهجرى عبد الحكم بن إبراهيم نزيل بجاية تلميذ ابن خيرون كبير القراء فى القيروان وقد حمل عنه قراءة ورش المصرى عن نافع وهى القراءة التى لا تزال فى البلاد المغربية إلى اليوم. ومن كبار القراء فى القرن الخامس الهجرى يوسف بن على بن جبارة من بسكرة عاصمة الزاب، وله كتاب الكامل فى القراءات العشر، ويقول ابن الجزرى إنه طاف البلاد فى طلب القراءات، ويذكر فى كتابه الكامل إنه لقى ثلاثمائة وخمسة وستين مقرئا من شيوخ القراء وذكر منهم فى كتابه مائة واثنين وعشرين شيخا. ومن قراء القرن السادس ابن عفراء محمد بن عبد العزيز وعنه حمل القراءات محمد بن عبد الله القلعى المتوفى سنة ٦١١ هـ/١٢١٤ م ويقول الغبرينى إنه جلس للأستاذية ببجاية وأقرأ الناس وانتفعوا به. وكان يعاصره ببجاية المقرئ أحمد بن محمد المعافرى قرأ عليه عالم واستفاد منه خلق كثير، وله مختصر كتاب التيسير للدانى فى القراءات السبع، وبالمثل أحمد بن محمد الصدفى المتوفى سنة ٦٧٤ وله كتابان فى قراءة ورش. ومن قراء القرن السابع الذين ذكرهم ابن الجزرى فى غاية النهاية سعيد بن على بن زاهر المتوفى سنة ٦٥٤ هـ/١٢٥٦ م استوطن بجاية وأقرأ بها الطلاب، ومثله محمد بن صالح الكنانى المتوفى سنة ٦٩٩ هـ/١٢٩٧ م ولى إقامة الفريضة والخطبة بجامع بجاية الأعظم ما ينيف على ثلاثين عاما، وكان مع إملائه القراءات يقرأ للطلاب مفصل الزمخشرى ودواوين الأشعار الستة وأبى تمام والمتنبى. ومن مقرئى القرن الثامن الهجرى محمد بن محمد بن غريون البجائى تلميذ محمد بن صالح الكنانى وأستاذ محمد بن محمد البلفيقى ببجاية، وكان يقرئ القراءات الثمان. ومن المقرئين فى منتصف القرن الثامن أحمد بن محمد الزواوى مقرئ قسنطينة، ومن مقرئى النصف الثانى من هذا القرن يحيى بن موسى الغمارى مقرئ بجاية. وكان يعاصره يعقوب بن على الصنهاجى شيخ أهل تلمسان فى القراءات.
ومن كبار القراء فى القرن التاسع ابن مرزوق الحفيد، وله فى القراءات أرجوزة فى محاذاة الشاطبية المشهورة، وتلاه فى العناية بالقراءات بأخرة من القرن محمد بن يوسف السنوسى وله شرح كبير على الشاطبية ومختصر فى القراءات السبع، وكان يعاصره محمد بن أحمد المصمودى وله فى القراءات رجز باسم: «المنحة المحكية لمبتدئ القراءة المكية» عرض فيها الخلاف بين قراءة ابن كثير المكى ونافع المدنى، ومن معاصريه محمد بن شقرون الوهرانى وله كتاب تقريب النافع فى الطرق العشر (طرق الروايات) لنافع، وهى أكثر من ذلك فى حديث ابن مجاهد عن أسانيد قراءة نافع فى مقدمته لكتابه: «السبعة». واشتهرت زواوة فى العهد العثمانى بكثرة المقرئين فيها، ومن أشهرهم فى أواخر القرن الحادى عشر وأوائل الثانى عشر محمد بن صولة وكان الطلاب يأخذون عنه القراءات السبع. ولا بد أن كان بالجزائر مقرءون آخرون فى
стр. 4700
زواوة وغيرها يتجاوزون القراءات السبع إلى ما بعدها من القراءات العشر، وربما إلى ما وراءها من القراءات.
وللجزائر نشاط فى التفسير مماثل لنشاطها فى القراءات، وخاصة منذ القرن السادس الهجرى، وفيه نلتقى بيوسف بن إبراهيم الورجلانى الإباضى المتوفى ببلدته: ورجلان سنة ٥٧٠ هـ/١١٧٥ م ويذكر أحمد توفيق المدنى فى كتاب الجزائر أنه كان له فى التفسير كتاب كبير فى ٧٠ جزءا. ويتكاثر المفسرون بالجزائر منذ القرن السابع، ومنهم على بن أحمد الحرالى نزيل بجاية المار ذكره، ويقول الغبرينى: «له تفسير على كتاب الله تعالى سلك فيه سبيل التحرير فتكلم عليه لفظة لفظة وحرفا حرفا» ومن مفسرى القرن السابع بتلمسان ابن أبى العيش الخزرجى محمد بن عبد الرحيم وفيه يقول يحيى بن خلدون فى كتابه بغية الرواد: له مشاركات فى فنون العلم وكان مؤلفا متقنا فسّر الكتاب العزيز. ومن مفسرى القرن الثامن الهجرى الشريف الحسنى التلمسانى محمد بن أحمد إمام المغرب قاطية، وفيه يقول ابن مريم: «فسّر القرآن فى خمس وعشرين سنة أتى فيه بالعجب العجاب، وكان عالما بحروفه ونحوه وقراءاته وبيانه وبلاغته وأحكامه ومعانيه». ومن مفسرى القرن التاسع سعيد العقبانى المتوفى سنة ٨١١ هـ/١٤٠٨ م وله تفسير لسورة الأنعام والفتح والفاتحة أتى فيه بفوائد جليلة، ولإبراهيم بن فائد المتوفى سنة ٨٥٧ هـ/١٤٥٣ م تفسير للقرآن الكريم. ونلتقي بالمفسر الكبير عبد الرحمن الثعالبى التلمسانى المتوفى سنة ٨٧٥ هـ/١٤٧٠ م وله تفسير دوّت شهرته فى عصره والعصور التالية اختصر فيه تفسير عبد الحق بن عطية الأندلسى ورجع فيه إلى عشرات من كتب التفسير، يقول فى مقدمته: «ضمنته-بحمد الله-المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية، وزدته فوائد جمة من غيره من كتب الأئمة وثقات أعلام هذه الأمة حسبما رأيته ورويته عن الأثبات، وذلك قريب من مائة تأليف، وما منها تأليف إلا وهو منسوب لإمام مشهور بالدين ومعدود فى المحققين، وكل من نقلت عنه من المفسرين شيئا فمن تأليفه نقلت وعلى لفظ صاحبه عوّلت، ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع فى الزلل» وقد سمى تفسيره: «الجواهر الحسان فى تفسير القرآن». وقوله إنه رجع فى التأليف إلى مائة تفسير يدل-بوضوح-على أن المشرق لم يؤلف تفسيرا مهما إلا نقله الشيوخ إلى الجزائر. ولا يختص هذا العمل من نقل التراث العلمى المشرقى إلى الجزائر بالتفسير وحده، فقد عم هذا التراث فى القراءات والحديث النبوى والفقه وعلم الكلام والتاريخ وكتب النحو ومعاجم اللغة، بفضل طلاب العلم الجزائريين وشيوخه البررة الذين ظلوا يحملونه طوال القرون الماضية إلى بلدان الجزائر وغير الجزائر من الأقاليم المغربية. ولمحمد السنوسى مختصر حاشية التفتازانى على تفسير الزمخشرى المسمى بالكشاف. ومن تلاميذ الثعالبى محمد بن عبد الكريم المغيلى المار ذكره، ومن مصنفاته: «البدر المنير فى علوم التفسير». ونلتقى فى العهد العثمانى بيحيى الشاوى المار ذكره المتوفى سنة ١٠٩٦ هـ/١٦٨٥ م وله فى
стр. 4701
التفسير كتاب فى أجوبته على اعتراضات أبى حيان الأندلسى فى تفسيره المحيط على عبد الحق بن عطية والزمخشرى. وبأخرة من هذا العصر نلتقى بمحمد بن أحمد بن عبد القادر الملقب بأبى راس، وله تفسير فى ثلاثة مجلدات.
وزخرت الجزائر بالنشاط فى دراسات الحديث النبوى مثلها فى ذلك مثل بقية البلاد الإسلامية فكثر بها المحدثون من أبنائها والنازحين إليها من الأندلس والبلدان المغربية والمشرقية، ومن أوائل الوافدين عليها من المحدثين أبو معمر عباد بن عبد الصمد التميمى من أهل البصرة كان قد لقى الصحابى أنس بن مالك وعليه معتمده وكذلك لقى الحسن البصرى وعطاء بن أبى رباح التابعين وروى عنهم جميعا الحديث وقدم البلاد المغربية فأخذ الحديث عنه أناس كثيرون فى طرابلس والقيروان وقسنطينة وبها توفى، ويقول أبو العرب فى طبقاته إنه روى مناكير فى الحديث عن أنس لم يروها غيره ولكنه مشهور بكثرة من أخذ الحديث عنه. وممن بكروا فى النزوح إليها من الأندلس سعيد بن فحلون نزيل بجاية المتوفى بها سنة ٣٤٦ هـ/٩٥٨ م عن ثلاث وتسعين سنة، وكان قد رحل إلى المشرق وحمل عن النسائى كتابه السّنن أحد كتب الصحاح الستة المشهورة، وكانت إليه الرحلة للسماع من البلدان الأندلسية. وفى نفس هذا القرن الرابع استوطن أحمد بن نصر الداودى تلمسان حتى وفاته سنة ٤٠٢ هـ/١٠١٢ م، وكان فقيها كبيرا وله شرح على صحيح البخارى سماه النصيحة. واشتهرت فى طبنة عاصمة الزاب فى القرون الأولى أسرة بنى الطبنى برواية الحديث النبوى، ومنها عبد الملك بن زيادة الله الطبنى نزيل قرطبة المتوفى سنة ٤٥٧. ومن محدثى القرن السادس بتلمسان يعقوب بن أحمد، لقى بمرسية فى الأندلس أبا على الصدفى سنة ٥١١ وعاد إلى تلمسان فحدّث الطلاب بها إلى وفاته. ومن كبار المحدثين فى نفس القرن عبد الحق الإشبيلى نزيل بجاية المتوفى بها المار ذكره، وله الأحكام الكبرى فى الحديث ست مجلدات والأحكام الصغرى والأحكام الوسطى والجمع بين الصحيحين: صحيح البخارى وصحيح مسلم. وكان يعاصره مواطنه أبو بكر بن سعادة الإشبيلى نزيل تلمسان المتوفى سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٤ م ويقول ابن مريم: «كان ضابطا نقادا محدثا عالى الرواية» ومن تلاميذه ابن أبى العيش الخزرجى. ومن محدثى الإباضيين يوسف بن إبراهيم الورجلانى المار ذكره بين المفسرين وله ترتيب مسند الربيع بن حبيب الإباضى البصرى المتوفى سنة ١٧٠ هـ/٧٨٧ م. ومن محدثى القرن السابع أبو زكريا الزواوى استوطن بجاية وتوفى بها سنة ٦١١ هـ/١٢١٤ م وكان يقرأ عليه صحيح البخارى إلى وفاته عن سنّ عالية. ومن محدثى هذا القرن فى مدينة الجزائر محمد بن قاسم بن منداس المتوفى بها سنة ٦٤٣ هـ/١٢٤٦ م وكان يعكف على تدريس علوم الحديث. وكان يعاصره فى بجاية على بن فتح بن عبد الله المتوفى بها سنة ٦٥٢ هـ/١٢٥٥ م واشتهر بسنده العالى لصحيح البخارى الذى أخذه فى رحلته إلى المشرق، إذ أخذه عن أبى محمد بن يونس عن أبى الوقت وروايته إحدى الروايات الأساسية
стр. 4702
التى اعتمد عليها اليونينى فى إخراج صحيح البخارى وتحقيق نصوصه، وسمع أبو الوقت روايته عن أبى الحسن الداودى عن ابن حموية عن محمد بن يوسف الفربرى عن الإمام محمد بن إسماعيل البخارى. وهو سند عال لصحيح البخارى، تسامع به الأندلسيون فرحلوا إلى بجاية لأخذ رواية صحيح البخارى عنه لقصور سندهم له عن هذا السند. وكان يعاصره أحمد بن محمد بن السراج الإشبيلى نزيل بجاية المتوفى سنة ٦٥٧ هـ/١٢٥٨ م وكانت له فى الحديث رواية عالية. وكان يعاصرهما حسن بن على بن قنفذ محدث بلده: قسنطينة المتوفى بها سنة ٦٦٤ هـ/١٢٦٥ م. وتوفى بمطلع القرن الثامن المحدث الفقيه قاضى الجماعة ببجاية أحمد بن محمد الغبرينى صاحب كتاب عنوان الدراية فى علماء بجاية.
ومن محدثى القرن الثامن الهجرى محمد بن يحيى الباهلى البجائى المتوفى سنة ٧٤٤ ومحمد بن أحمد بن مرزوق الخطيب التلمسانى المتوفى سنة ٧٨٠ هـ/١٣٧٨ م ويقول ابن قنفذ فى كتابه الوفيات: كان له طريق واضح فى الحديث وأسمعنا حديث البخارى وغيره، وله شرح جليل على كتاب عمدة الأحكام فى الحديث، وأيضا شرح على كتاب الشفاء للقاضى عياض. وفى سنة ٧٨٤ هـ توفى محدث قسنطينة وقاضيها حسن بن ميمون بن باديس. ومن كبار المحدثين فى القرن التاسع الهجرى محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن مرزوق الملقب بالحفيد إشارة إلى أنه حفيد ابن مرزوق الخطيب، الحافظ المحدث الثقة جامع أشتات العلوم الشرعية والعقلية، وكان لا يترك علما عقليا ولا نقليا إلا ألف فيه، فهو يؤلف فى المنطق كما مر بنا وفى النحو وفى الفقه وينظم فى علوم الحديث أرجوزتين كبرى باسم الروضة وصغرى باسم الحديقة ويدرس للطلاب الصحيحين: صحيح البخارى وصحيح مسلم وجامع الترمذى وسنن أبى داود وعمدة الأحكام فى الحديث سوى الأمهات فى الفقه المالكى والنحو والعربية والبلاغة. وكان يعاصره أحمد بن زاغو المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/١٤٤٢ م وله شرح على صحيح البخارى وشرح على صحيح مسلم. ونلتقى بأخرة من هذا القرن بالإمام محمد السنوسى، وله مختصر لشرح الأبّى على مسلم، وشرح خصه بمشكلات البخارى ومختصر لشرح الزركشى عليه. ونلتقى فى العهد العثمانى بأسماء علماء كثيرين يدرسون للطلاب بعض أمهات كتب الحديث وخاصة صحيح البخارى، وكانت تقام المهرجانات لختمه فى رمضان. وكان ابن أبى جمرة قد عنى بوضع مختصر لصحيح البخارى فشرحه عبد القادر المجاجى. ويضع بأخرة من العصر عبد العزيز الثمينى الإباضى مختصرا لحاشية مسند الربيع بن حبيب فى ثلاثة أجزاء، ويضع معاصره أحمد بن عمار حاشية على صحيح البخارى.
ومنذ الفتح الإسلامى يتجرد كثيرون من الجيوش الفاتحة لنشر الإسلام فى الجزائر وغيرها من البلاد المغربية وتعليم أهلها الشريعة الإسلامية وتحفيظهم القرآن الكريم. ومرّ بنا فى هذا
стр. 4703
الفصل كيف أن موسى بن نصير (٨٦ - ٩٦ هـ) ظل خلال مسيرة جيشه حتى المحيط يترك فى كل بلد مغربى فى الجزائر وغير الجزائر معلمين يحفظون أهله القرآن ويقفونهم على تعاليم الإسلام وعلى قواعد العربية. ويظل معلمون قائمين بذلك طوال القرن الأول الهجرى، وكان عمر بن عبد العزيز فى آخر هذا القرن قد أرسل إلى القيروان عشرة من الفقهاء ليعلموا الناس فروض الشريعة، ومنذ هذا الحين أخذت تزدهر فى القيروان-عاصمة المغرب جميعه حينذاك- الدراسات الفقهية، وأخذ كثيرون من أهل الجزائر يؤمونها ليحسنوا معرفة الفقه ويبثوها فى بلدانهم، وكان منهم-من يقتدى بشباب القيروان فيرحل إلى المشرق للنهل من حلقات فقهائه الكبار فى الحجاز والعراق وخاصة حلقة الإمام مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ). ومن أوائل الجزائريين الراحلين إلى المدينة للاستماع إليه والتلمذة عليه أبو القاسم عبد الله الزواوى. ونلتقى مع أواخر القرن الثانى وأوائل الثالث للهجرة بفقيه جزائرى هو إبراهيم الطبنى الذى كان يشارك أسد بن الفرات فى القضاء.
وكانت الدولة الرستمية الإباضية قد نشأت منذ أواسط القرن الثانى وتولى أمورها الإمام عبد الوهاب، وهو من أوائل الفقهاء الإباضيين إذ ينسب إليه الأستاذ دبوز فى تاريخ المغرب الكبير كتابا يجمع فتاويه الشرعية لأتباعه يسمى نوازل نفوسة. واشتهر قضاة مالكية فى أواسط القرن الثالث ولاّهم سحنون فى بعض مدن الجزائر حين أصبح قاضى القيروان: عاصمة الإقليم التونسى وشرقى الجزائر حينذاك منهم حمدون قاضى طبنة وعلى بن منصور قاضى ميلة ويحيى بن خالد السهمى قاضى الزاب، وكانوا جميعا يعنون بنشر الفقه المالكى الذى درسوه على أستاذهم سحنون. ومن الفقهاء الجزائريين فى النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى عبد الملك بن سيانح أستاذ فضل بن سلمة البجائى المتوفى سنة ٣١٩ هـ/٩٣٢ م وكان من أعرف الفقهاء باختلاف أصحاب مالك، وكان يرحل إليه للسّماع منه، أقرأ-ودرّس-بالمسجد الجامع فى بجاية، وله مختصر لمدوّنة سحنون فقيه القيروان ومختصر ثان لكتاب الواضحة لعبد الملك بن حبيب فقيه قرطبة المعاصر لسحنون والمتوفى سنة ٢٣٨ هـ/٨٥٢ م وقد زاد فيه من فقهه كثيرا، وله مختصر ثالث لكتاب الفقيه المالكى المصرى ابن المواز. ونلتقى فى القرن الخامس بمروان بن على نزيل بونة (عنابة) المتوفى قبل سنة ٤٤٠ هـ/١٠٤٨ م وله شرح على الموطأ لمالك نوّه به ابن فرحون.
وفى نفس القرن الخامس يلمع بين الإباضيين فقيه يسمى أحمد بن محمد بن بكر ولد لأبيه القادم إلى وادى ميزاب من جبل نفوسة بليبيا. ويقال إن أباه هو الذى أسس هيئة العزابة فى بلدان قرى ومدن ميزاب، ويقال بل مؤسسها هناك ابنه أحمد المذكور المتوفى سنة ٥٠٤ هـ/١١١١ م كما يذكر معمر فى كتابه الإباضية فى موكب التاريخ، وهى هيئة دينية عليا تشرف على جميع شئون المجتمع الإباضى فى كل مدينة وقرية ومنها يختار شيخ البلد والمفتى
стр. 4704
وناظر الأوقاف ومؤدّب الناشئة والمؤذن والإمام. وكان أحمد فقيها وله من المصنفات كتاب أحكام الحرب وكتاب القسمة وكتاب أصول الأرضين فى كل ما يتصل بها من شئون الملكية والاستثمار والضرائب وهو فى ستة أجزاء، وله أيضا كتاب الألواح وكتاب تبين أفعال العباد.
ومن كبار فقهاء المالكية فى القرن السادس أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن أبى قنون المتوفى سنة ٥٥٧ هـ/١١٦٢ م وله المقتضب الأشفى فى اختصار المستصفى للغزالى. ومن فقهاء الظاهرية عبد الله بن جبل الوهرانى الظاهرى المذهب قاضى عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين. ومنهم ميمون بن جبارة المتوفى سنة ٥٨٤ هـ/١١٨٩ م قاضى بجاية، وكان الطلاب يقرءون عليه معيار المعالم والمقاصد للغزالى، ومنهم محمد بن على بن مروان بن جبل قاضى الناصر الموحدى المتوفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٤ م.
ومن فقهاء الإباضية فى هذا القرن يوسف بن إبراهيم الورجلانى المتوفى سنة ٥٧٠ هـ/١١٧٤ م، وهو تلميذ أحمد بن محمد بن بكر السابق ذكره بين المفسرين-المحدثين، وله كتاب العدل فى أصول الفقه فى ثلاثة أجزاء وكتاب مرج البحرين. ومن كبار فقهاء المالكية فى القرن السابع الهجرى أبو زكريا الزواوى البجائى المتوفى سنة ٦١١ هـ/١٢١٥ م ومنهم محمد بن عبد الحق التلمسانى المتوفى سنة ٦٢٥ هـ/١٢٢٨ م وله فى الفقه: المختار فى الجمع بين المنتقى للباجى والاستذكار، وكتاب غريب الموطأ، ومنهم أبو الحسن على المشهور بابن الزيات مستوطن بجاية، وكان الطلاب يقرءون عليه تهذيب مدوّنة سحنون وكتاب التلقين لعبد الوهاب إمام المالكية وكتاب التفريع لابن الجلاب وكتاب الرسالة لابن أبى زيد. ومنهم إبراهيم بن أبى بكر التلمسانى المتوفى بأخرة من سنة ٦٩٧ هـ/١٢٩٧ م وكان فقيها نابها، وله فى الفرائض أرجوزة لقّبت بلقب «التلمسانية» وهى ضابطة للفرائض محكمة عجيبة الوضع كما يقول ابن فرحون، وشرحها غير فقيه جزائرى مثل ابن زاغو والحباك.
ومن فقهاء بجاية المهمين أبو على ناصر الدين الزواوى وهو الذى جلب إلى بجاية والمغرب مختصر ابن الحاجب فى الفقه المالكى آخر المائة السابعة ومن هذا التاريخ عكف عليه أهل بجاية والمغرب يدرسونه ويشرحونه. ومن كبار الفقهاء فى القرن الثامن الهجرى أبو زيد بن الإمام المتوفى سنة ٧٤٣ هـ/١٣٤٣ م وأبو موسى بن الإمام المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م نزلا تلمسان أيام أبى حمو موسى الأول (٧٠١ - ٧١٨ هـ) فبنى لهما المدرسة المعروفة باسم مدرسة أبناء الإمام كما مر، وكان يعاصرهما عمران المشدالى المتوفى سنة ٧٤٥ هـ/١٣٤٥ م ويقول يحيى بن خلدون: «لم يكن فى معاصريه أحد مثله علما بمذهب مالك وحفظا لأقوال الصحابة وعرفانا بنوازل الأحكام وصوابا فى الفتيا» وفى كتاب تعريف الخلف برجال السلف مناظرة بينه وبين أبى زيد الإمام موضوعها الفقيه المصرى عبد الرحمن بن القاسم الذى حمل عنه سحنون المدوّنة المنسوبة إليه خطأ وهى من إملاء أستاذه عبد الرحمن.
стр. 4705
وقد تناظر الفقيهان فى عبد الرحمن بن القاسم هل هو مقلد أو هو مجتهد. وقال عمران إنه مجتهد اجتهادا مطلقا بدليل مخالفته لمالك فى كثير من المسائل. ونلتقى فى القرن الثامن بالإمام العالم الفذ فارس المعقول والمنقول محمد بن أحمد الشريف الحسنى التلمسانى المتوفى سنة ٧٧١ هـ/١٣٧٠ م ومرّ ذكره فى علوم الأوائل وبين المفسرين وإليه انتهت إمامة المذهب الفقهى المالكى فى عصره، وكان مع علمه الواسع بالفقه عالما بأصوله، ومن مصنفاته مفتاح الوصول فى بناء الفروع على الأصول طبّق فيه الأصول على مسائل الفقه، ويقول ابن خلدون إنه ملأ المغرب معارف وتلاميذ. ومن فقهاء هذا القرن عبد الرحمن الوغليسى المتوفى سنة ٧٨٦ هـ/١٣٨٥ م شيخ العلماء فى بجاية وعالمها ومفتيها، وله «الجامعة فى الأحكام الفقهية على مذهب الإمام مالك، وتسمى: «الوغليسية» نسبة إليه.
ومن كبار فقهاء القرن التاسع الهجرى أحمد بن حسن المشهور باسم ابن قنفذ قاضى قسنطينة المتوفى سنة ٨٠٩ هـ/١٤٠٦ م، وله شرح على رسالة ابن أبى زيد فى الفقه المالكى وشرح ثان على كتاب التفريع لابن الجلاب المالكى وشرح ثالث على الأرجوزة التلمسانية باسم معونة الرائض فى مبادئ الفرائض. ومن فقهاء القرن الكبار محمد بن مرزوق الحفيد المار ذكره فى علوم الأوائل وبين العروضيين والبلاغيين والمحدثين، وله: شرح على باب الطهارة بمختصر خليل بن إسحاق الفقيه المصرى المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٨. ومنذ ألف خليل هذا الكتاب الموجز وشروحه تتكاثر فى الجزائر كما تتكاثر شروح مختصر ابن الحاجب الفقيه المصرى المالكى المتوفى قبله بنحو قرن. ومن الفقهاء أحمد بن زاغو التلمسانى المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/١٤٤١ م، ومن تآليفه شرح التلمسانية فى الفرائض.
ونلتقى بعبد الرحمن الثعالبى كبير المفسرين فى العصر، ومن مصنفاته الفقهية شرح ابن الحاجب الفرعى فى سفرين، وجواهر المدوّنة وعيون مسائلها فى سفرين، وجامع الأمهات فى أحكام العبادات. ويلقانا بعده تلميذه وتلميذ ابن زاغو الفقيه يحيى المازونى المتوفى سنة ٨٨٣ هـ/١٤٧٩ م وله الدرر المكنونة فى نوازل مازونة، جمع فيه فتاوى الفقهاء المتأخرين من أهل تونس وبجاية والجزائر وتلمسان وغيرهم فى سفرين. ونلتقى فى أواخر القرن التاسع الهجرى وأوائل العاشر بالفقيه أحمد بن يحيى الونشريسى المتوفى سنة ٩١٤ هـ/١٥٠٨ م حامل لواء المذهب المالكى فى أيامه، وكان يدرس لطلابه مدونة ابن سحنون وابن الحاجب الفرعى ومن مؤلفاته: تعليق على ابن الحاجب الفرعى والقواعد فى الفقه والفروق، وأهم مؤلفاته المعيار المعرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب فى ستة أسفار، وهو موزع على أبواب الفقه فى العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية.
ونمضى إلى العهد العثمانى فى الجزائر وكان سلاطين آل عثمان يرسلون مع ولاتهم قضاة
стр. 4706
أحنافا، وعادة كانوا يعودون مع الولاة بعد حكمهم نحو سنتين، ويأتى الوالى الذى خلفه ومعه قاض جديد، وبعد عدة أجيال كان يدرس لهم الفقه الحنفى فى بعض المدارس والجوامع أخذ ينشأ فى الجزائر علماء أحناف من أبناء العثمانيين المولودين فيها. وأخذ الولاة يولون منهم القضاة دون حاجة إلى جلب قضاة من العاصمة: إستانبول، وأول قاض حنفى جزائرى هو الحسين بن رجب الذى تولى القضاء سنة ١١٠٢ هـ/١٦٩١ م وكان القاضى الحنفى يسمى المفتى وشيخ الإسلام ودائما كان بجواره فى المدن قاض مالكى، إذ كانت جماهير الشعب مالكية، وله بدوره حق الفتوى، وإذا اختلف مع القاضى الحنفى عقد لهما مجلس من العلماء للمناظرة ومن انتصر منهما أخذ بفتواه وقد يعزلان معا ويولّى غيرهما.
وعلى الرغم من كثرة الدروس فى المذهب الحنفى لم ينشط أصحابه فى التأليف إذ ظلوا طويلا يمكثون سنتين فى الجزائر ويعودون إلى استانبول فلم تهيّأ لهم الفرصة حينئذ للتأليف طوال القرن الحادى عشر الهجرى إنما تهيأ ذلك حين أصبح القضاة يختارون من أبناء العثمانيين الجزائريين، ويوضح ثبت فى كتاب تعريف الخلف برجال السلف مدد توليهم فى القرن الثانى عشر الهجرى وكيف كانت تتوارث وظيفة القضاء الحنفى بعض الأسر مثل أسرة العنابى ولها نشاط محمود فى التأليف، وعلى شاكلتهم عبد القادر الراشدى القاضى الحنفى فى أوائل القرن الثانى عشر ولكنه عنى بمباحث علم الكلام. أما الفقه المالكى فظل التأليف بالعهد العثمانى متصلا فيه وخاصة فى وضع الشروح والحواشى ونظم المتون، ولمصطفى الرماصى المتوفى فى أوائل القرن الثانى عشر حاشية على شرح لمختصر خليل بن إسحاق، ونظمه أحمد البونى المتوفى سنة ١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م تيسيرا لحفظه على الناشئة، ولعبد الرحمن الأخضرى صاحب متن السلم فى المنطق مختصر فى العبادات شرحه عبد الكريم الفكون (الحفيد) المتوفى سنة ١١٧٣ هـ/١٧٦٠ م ولعبد الرحمن البيدرى التلمسانى ياقوتة الحواشى على شرح الإمام الخراشى لمختصر خليل فى أربعة أسفار فرغ منه سنة ١١٧٩ هـ/١٧٦٦ م ونظم المختصر خليفة بن حسن القمارى فقيه بسكرة وفرغ من نظمه سنة ١١٩٢ هـ/١٧٧٩ م.
ومن كبار فقهاء الإباضية فى العهد العثمانى عبد العزيز الثمينى المتوفى سنة ١٢٢٣ هـ/١٨٠٨ م وله كتاب النيل فى ثلاثة أجزاء وهو مرجع أساسى فى الفقه الإباضى وفروعه فى العبادات والمعاملات، وهو يقوم عند الإباضيين مقام مختصر خليل بن إسحاق المصرى فى الفقه المالكى وشروحه وحواشيه. وأكمله بكتابه: الورد البسام فى رياض الأحكام، وله مختصر المنهاج فى علوم الشريعة فى أربعة أجزاء وكتاب الألواح فى الفقه وكتاب التاج فى حقوق الأزواج وفيه يعرض الحقوق الزوجية وقضايا الأسرة إلى غير ذلك من كتب فى المنطق وعلم الكلام وأصول الدين.
стр. 4707
ومرّ بنا فى القسم الخاص بالإقليم التونسى وما كان يتبعه من شرقى الجزائر أن كل ما كان يتحاور فيه علماء الكلام من مرجئة وجبرية ومعتزلة انتقل هناك مبكرا، وكان المعتزلة قد انضموا قديما فى البصرة إلى جيش إبراهيم بن عبد الله الحسنى فى حربه لأبى جعفر المنصور الخليفة العباسى سنة ١٤٥ ولم يكتب له الظفر بل دارت عليه وعلى أخيه محمد النفس الزكية فى المدينة الدوائر، وأخذ المنصور يتعقب أبناء الأسرة هو وخلفاؤه، فهرب إدريس أخوهما إلى المغرب، وغلب على مدينة فاس وأنحائها وأسس هناك دولة الأدارسة. وكان دعاة واصل بن عطاء رأس المعتزلة وصلوا إلى هذه الأنحاء وأصبح لهم فى كورتى طنجة والبيضاء أتباع كثيرون، فوضعوا أيديهم فى أيدى إدريس، وأعانوه فى تأسيس دولته كما أعان-من قبل-معتزلة البصرة أخاه إبراهيم فى ثورته على المنصور، ونراهم يتكاثرون فى شمال الجزائر الغربى لعهد عبد الوهاب أمير الدولة الرستمية (١٧١ - ٢١١ هـ)، وعقدت مناظرات طويلة بينهم وبين علماء دولته الإباضية، وأعلن الحرب عليه منهم نحو ثلاثين ألفا ولم يقدّر لهم النصر فهزموا ولم تقم لهم بعد ذلك فى الجزائر قائمة. وطبيعى أنهم كانوا يعتنقون مبادئ المعتزلة الخمسة المشهورة، وهى التوحيد بمعنى تنزيه الله عن التشبيه بالمخلوقين فهو ليس جسما ولا ما يشبه الجسم، والعدل مما يترتب عليه نفى سيطرة القدر على إرادة الإنسان حتى يكون مسئولا عن أعماله مما يستوجب له الثواب والعقاب، وحتمية وعد الله-جلّ شأنه-بالثواب ووعيده بالعقاب فلا تبدل لهما، مما يترتب عليه عقاب مرتكب الكبيرة إلا إذا تاب وأناب، ونفذوا فى مناقشة الحكم عليه إلى مبدئهم الرابع وهو أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين الكفر والإيمان بينما قال أهل السنة إنه مؤمن فاسق، وقالت الإباضية إنه كافر لكن لا كفر ملّة بل كفر نعمة، والمبدأ الخامس الذى اعتنقته المعتزلة هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ويبدو أن أبا عبيد الله الصنعانى الداعية الإسماعيلى العبيدى كما قضى على الدولة الرستمية فى تاهرت لأواخر القرن الثالث الهجرى قضى أيضا على الدعوة الاعتزالية، فلم نعد نسمع عن جماهير تعتنقها فى الجزائر والمغرب، إنما يلقانا من حين لآخر بعض أفراد من العلماء يعتنقونها.
وكان أبو الحسن القابسى المتوفى بالقيروان سنة ٤٠٣/ ١٠١٢ قد حمل مذهب أبى الحسن الأشعرى الكلامى إلى القيروان وأشاعه فيها وشاع فى الجزائر بعده إلى نهاية هذا العصر، ومذهبه يقوم على التوفيق بين آراء المعتزلة وأهل السنة، فإذا قال أهل السنة بالقضاء والقدر فى أفعال الإنسان وقال المعتزلة بل الإنسان هو الذى يخلق أفعاله قال إنها لله خلقا وتقديرا وللإنسان كسبا وإرادة، وإذا قال أهل السنة القرآن أزلى غير مخلوق وقال المعتزلة إنه محدث مخلوق قال إنه قديم وحادث فألفاظه دلالات على كلام الله الأزلى والدلالات مخلوقة محدثة والمدلولات قديمة أزلية، إلى غير ذلك من آراء مثل تفضيل الأنبياء على الملائكة.
стр. 4708
وكان يعاصر الأشعرى الماتريدى السمرقندى المتكلم، ومذهبه مثل مذهب الأشعرى فى التوفيق بين آراء المعتزلة وآراء أهل السنة، ولم يشع مذهبه فى العالم العربى إنما الذى شاع مذهب الأشعرى حتى فى بيئة الماتريدى فى خراسان، ومن أكبر مؤيديه هناك إمام الحرمين الجوينى المتوفى سنة ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م الذى رأس المدرسة النظامية فى نيسابور، ويتردد اسم كتابيه البرهان والإرشاد فى أصول الدين فى تراجم عنوان الدراية للغبرينى فى القرنين السادس والسابع وتراجم الكتب التالية. وحاول جزائريون كثيرون أن يكتبوا فى علم الكلام-أو كما يسمى أحيانا علم التوحيد-وخاصة منذ القرن التاسع الهجرى، وكانت تكتب فيه قصائد وتشرح، ولعل أحدا لم تنل أعماله من الشهرة فيه ما ناله الحافظ محمد بن يوسف السنوسى المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٩٠ م كما مر بنا فى علوم الأوائل وهو من كبار المفسرين والمحدثين، ويعد كبير علماء الجزائر فى زمنه، وقدم له أحمد بن عبد الله الجزائرى قصيدته فى علم التوحيد المسماة باسم «القصيد فى علم التوحيد» فشرحها وشاعت باسم الجزائرية وأيضا شرح لتلميذه أحمد بن عبد الرحمن الحوضى فى نفس الموضوع أرجوزته: «واسطة السلوك، ثم رأى أن يؤلف فى نفس الموضوع فألف فيه ثلاثة أعمال: العقيدة الكبرى وشرحها، والعقيدة الوسطى وشرحها، ثم العقيدة الصغرى وشرحها.
وهذه الأعمال سيطرت فى مباحث علم الكلام على الدارسين منذ وضعها وطوال العهد العثمانى لا فى الجزائر وحدها بل فى بلدان المغرب والعالم الإسلامى، وقد وضعت على العقيدة الصغرى شروح لا تكاد تحصى، يتقدمها شرح تلميذه محمد بن عمر الملالى وشرح عمر الوزان فى قسنطينة وتلميذه عبد الرحمن الأخضرى صاحب متن السلم فى المنطق وشرح ابن مريم صاحب كتاب البستان المتوفى سنة ١٠١٤ هـ/١٦٠٥ م وشرح سعيد قدورة المتوفى سنة ١٠٦٦ هـ/١٦٥٦ م وشرح مصطفى الرماصى فى أوائل القرن الثانى عشر الهجرى وشرح خليفة القمارى بأخرة من هذا القرن إلى غير ذلك من شروح للعقيدة الصغرى، سوى ما وراءها من شروح للعقيدتين الأخريين ومن كتب أخرى فى علم الكلام أو علم التوحيد.
وللإباضيين نشاط واضح فى هذا العلم من قديم، على نحو ما نجد عند عبد الكافى الورجلانى فى القرن الخامس الهجرى، إذ له «الموجز فى علم الكلام» كتاب فى جزءين، ولتلميذه يوسف بن إبراهيم الورجلانى «الدليل والبرهان» فى علم الكلام، ولعمرو بن جميع فيه مختصر باسم «متن عقيدة التوحيد» عنى به علماء الإباضية وشرحوه مرارا، ولعبد العزيز الثمينى كتاب «معالم الدين» فى علم الكلام وأصول الدين.
стр. 4709
٥ -
التاريخ (١)
نلتقى فى التاريخ بكتب مختلفة ومن أوائلها كتاب «أخبار الأئمة الرستميين» لابن الصغير ومعروف أنها دولة إباضية أقامها عبد الرحمن بن رستم وأبناؤه من سنة ١٦٠ للهجرة إلى سنة ٢٩٦ للهجرة، وقد ألممنا بها فى حديثنا عن تاريخ الجزائر، وكتاب ابن الصغير ينتهى حول سنة ٢٩٠ فى حكم أبى حاتم يوسف (٢٨١ - ٢٩٤ هـ). ولم يكن ابن الصغير إباضيا غير أنه يعرض أخبار الدولة وأئمتها عرضا حياديا ويصور ما كان يأخذ به أئمتها الرعية من العدل وما كانوا يحاولونه من ازدهار الأحوال الاقتصادية والفكرية، كما يصور ما حدث من مناظرات بين المذهب الإباضى ومذهب المعتزلة مما عرضنا له فى غير هذا الموضع. وكان المظنون أن يعنى بعض الجزائريين بتاريخ دولة بنى حماد فى القلعة وبجاية، فيكتب تاريخها مفصلا، غير أنه تكفل بذلك البيان المغرب لابن عذارى وتاريخ ابن خلدون وأعمال الأعلام لابن الخطيب.
أما تاريخ دولة بنى عبد الواد أو بنى زيان فى تلمسان فقد عنى بتاريخها وعرض حكّامها وأعمالهم مؤرخان: يحيى بن خلدون ومحمد بن عبد الله التنسى ويتوسط بينهما ابن قنفذ ولكن لا يكتب عن الدولة الزيانية وإنما يكتب عن الدولة الحفصية بتونس. أما يحيى بن خلدون المتوفى سنة ٧٨٠ هـ/١٣٧٩ م فيؤلف كتابا عن دولة بنى زيان باسم «بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد» حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور عبد الحميد حاجيات، والكتاب فى القسم الأول يتحدث عن أصل قبيلة بنى عبد الواد وماضيها والبلاد التى حكموها وعاصمتهم تلمسان ويستطرد إلى ذكر علمائها وصلحائها ويترجم لمائة وتسعة منهم ثم يتحدث عن الدول التى ملكت تلمسان قبل بنى عبد الواد واستقرارهم بنواحيها. وفى القسم الثانى يترجم لمؤسس الدولة يغمراسن وخلفائه حتى استيلاء أبى الحسن المرينى على تلمسان وعودة الحكم إلى بنى عبد الواد. ويخص القسم الثالث بالحديث عن عهد أبى حمو الثانى حتى سنة ٧٧٦ هـ/١٣٧٥ م.
وكتب ابن قنفذ القسنطينى المتوفى سنة ٨٠٩ هـ/١٤٠٧ م كتابا مجملا عن الدولة الحفصية فى تونس بعنوان: الفارسية فى مبادى الدولة الحفصية. ثم يكتب محمد بن عبد الله التنسى المتوفى سنة ٨٩٩ هـ/١٤٩٩ م كتابا تاريخيا أدبيا بعنوان «نظم الدر والعقيان فى بيان شرف بنى زيان» وجعله فى خمسة أقسام كبيرة وزعها على أبواب، والقسم الأول فى سبعة أبواب قدّم فى ستة أبواب منها لتاريخهم بحديث طويل عن أسلافهم ونسبتهم إلى قريش وآل البيت وتاريخ الأدارسة فى المغرب. وهى أبواب تسبق الباب السابع الخاص بتاريخ بنى زيان ملوك
стр. 4710
تلمسان، وينتهى القسم الأول فى الكتاب، ويتبعه بأربعة أقسام فى السياسة وفى طرف من الأخبار والنوادر من النثر والشعر. ونشر الباب السابع من القسم الأول الخاص بتاريخ ملوك بنى زيان حتى عصر المتوكل (٨٦٦ - ٨٧٣ هـ) الدكتور محمود بوعياد محققا له ومعلقا عليه ومقدما له.
ونمضى إلى العهد العثمانى فيكتب إبراهيم المرينى البجائى كتاب عنوان الأخيار فيما مر على بجاية من الأخبار فى القرن العاشر الهجرى مؤرخا ما مرّ بها من الأحداث فى استيلاء العثمانيين عليها بعد استيلاء الإسبان، ويكتب معاصر له يسمى بركات الشريف كتابا يصور فيه هزيمة شارل الخامس أمام مدينة الجزائر واستيلاء خير الدين (برباروس) عليها ويتحدث عنه وعمن خلفه من ولاة العثمانيين فى القرن العاشر الهجرى. والكتابان المذكوران لم ينشرا حتى الآن. ويستولى محمد بكداش على مدينة وهران من يد الإسبان سنة ١١١٩ هـ/١٧٠٨ م فيكتب محمد ميمون عنه وعن هذا الفتح كتابا باسم: التحفة المرضية فى الدولة البكداشية، ويستعيدها الإسبان سنة ١١٤٥ هـ/١٧٣٣ م ويستردها الباي محمد الكبير سنة ١٢٠٥ هـ/١٧٩١ وتنطم فى فتحه لها قصائد كثيرة.
وتكتب فى السيرة النبوية مؤلفات كثيرة فى العصور المتأخرة وربما كان أهمها عنوان الأنوار فى آيات النبى المختار لعبد الرحمن الثعالبى المتوفى سنة ٨٧٥ هـ/١٤٧٠ م وتنظم فى الرسول مدائح كثيرة تتناول سيرته وتشرح شروحا مطولة، ولأحمد البونى فى العصر العثمانى سيرة نبوية بديعة باسم تنوير السريرة بذكر أعظم سيرة.
ومنذ القرن السابع الهجرى تتكاثر كتب التراجم عن العلماء فى البلدان الكبرى بالجزائر، ومما نشر منها كتاب «عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء فى المائة السابعة ببجاية» لأحمد الغبرينى المتوفى سنة ٧٠٤ هـ/١٣٠٥ م وبينهم كثيرون من علماء المائة السادسة.
ويكتب محمد بن مرزوق جد المرازقة المتوفى سنة ٧٨٠ هـ/١٣٧٩ م كتابا عن السلطان أبى الحسن المرينى باسم «المسند الصحيح الحسن فى مآثر ومحاسن مولانا أبى الحسن» انتهى منه سنة ٧٧٢ هـ/١٣٧١ م لخص فيه تاريخ الدولة المرينية ثم أرّخ لأبى الحسن تاريخا مفصلا. ولا نبالغ إذا قلنا إن أروع ما خلفه الجزائريون فى التراث العربى التاريخى والحضارى كتاب تخريج الدلالات السمعية على ما كان فى عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية لأبى الحسن على الخزاعى التلمسانى المتوفى سنة ٧٨٩ هـ/١٣٨٨ م والكتاب نفيس إلى أبعد حد، إذ يصور تاريخ الحضارة الإسلامية فى أقدم عهودها وما يتصل بها فى عهد الرسول وصدر الإسلام من الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والكتاب بحق مفخرة من مفاخر علماء الجزائر فى العصور الماضية.
стр. 4711
ويؤلف ابن القنفذ المار ذكره كتاب الوفيات لأعلام الصحابة والعلماء والمحدثين والمؤلفين استهلّه بانتقال سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ثم رتبه على العقود أو على العشرات فى كل مائة يذكر أشهر من توفوا فيها حتى العشرة الأولى أو العقد الأول من المائة التاسعة أو بعبارة أدق إلى قبيل وفاته سنة ٨٠٩ وقيل بل سنة ٨١١ للهجرة وكان له كتاب فى طبقات علماء قسنطينة وهو مفقود، وحقق له الأستاذ محمد الفاسى وأدولف فور كتابه أنس الفقير وعز الحقير فى رجال من أهل التصوف كأبى مدين شعيب وأصحابه. ومن حينئذ يتكاثر تأليف الجزائريين فى المتصوفة كثرة مفرطة، من ذلك ترجمة ابن مرزوق الحفيد المتوفى سنة ٨٤٢ هـ/١٤٣٢ م للشيخ إبراهيم بن موسى الصنهاجى. وكان الشيخ محمد السنوسى المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٩٠ م محدثا وفقيها كبيرا وكان فيه نزوع قوى إلى التصوف وترجم له غير واحد من تلاميذه وممن ترجم له منهم أحمد العبادى ومحمد بن عمر الملاتى وسمى ترجمته: «المواهب القدسية فى المناقب السنوسية» ولابن صعد المتوفى سنة ٩٠١ هـ/١٤٩٥ م كتاب النجم الثاقب فى الصلحاء والمتصوفة بعامة، وله كتاب روضة النسرين فى مناقب الأربعة المتأخرين: محمد الهوارى وإبراهيم التازى والحسن أبر كان وأحمد الغمارى.
ويكبّ العلماء فى العهد العثمانى على الترجمة لمشايخ الطرق. ومن أهم كتب التراجم التى تجمع فى هذا العهد بين العلماء والمتصوفة كتاب البستان فى ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان لابن مريم وهو كتاب نفيس انتهى من تأليفه ابن مريم سنة ١٠١١ هـ/١٦٠٢ م. وهناك كتابان لا يقلان نفاسة عن كتاب البستان بل يتفوقان عليه تفوقا واضحا، هما أزهار الرياض فى أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به ارتياح وارتباض» وكتاب نفح الطيب فى أخبار الأندلس وابن الخطيب لأحمد بن محمد المقرى المتوفى سنة ١٠٤١ هـ/١٦٣٢ م وهو يترجم فى القسم الثانى من أزهار الرياض لحافظ سبتة وفقيهها: عياض كما يترجم فى القسم الثانى من نفح الطيب لابن الخطيب أما فى القسم الأول فى الكتابين فيفيض فى أخبار الأندلس وتراجمها بحيث يصبح الكتابان موسوعتين تاريخيتين حضاريتين للأندلس على مر التاريخ، وقد نقل فيهما عن كتب فقدت أو فقد الكثير منها مع مر الزمن وقد أشرت فى سنة ١٩٥٣ حين نشرت ما بقى من أوراق كتاب المغرب فى حلى المغرب من أخبار الأندلس لابن سعيد فى مجلدين أنه كاد ينقلهما إلى نفح الطيب، ومع ذلك تظل له أهمية كبيرة فى التعريف بالأندلس وتاريخها الحضارى. ونلتقى بعده فى العهد العثمانى بكثيرين يترجمون لكبار المتصوفة وخاصة أصحاب الزوايا فى كتب وأراجيز على نحو ما يلقانا لأحمد بن قاسم البونى بأوائل القرن الثانى عشر الهجرى فى أرجوزته: الدرة المصونة فى علماء وصلحاء بونة (عنابة) وهى أرجوزة طويلة. وللبونى كتاب فى تراجم مشاهير النحاة سماه «فتح المستبين فى تراجم بعض مشاهير النحاة واللغويين».
стр. 4712
الفصل الرّابع
نشاط الشعر والشعراء
١ -
تعرب (١) الجزائر
ذكرنا-فيما أسلفنا-أنه كان بالجزائر قبل الفتوح العربية الإسلامية عناصر جنسية مختلفة، جمهورها من البربر ومن نزلوا بديارهم من الفينيقيين والقرطاجيين واليهود والرومان والوندال الألمان والإغريق البيزنطيين، ثم نزلها العرب ومن انتظم فى جيوشهم من أهل البلاد الإسلامية: من إيران والعراق والشام ومصر، وظلت جيوش متعاقبة تنزلها فى العهدين الأموى والعباسى، كما ظلت جموع متفاوتة من هذه الجيوش تستقر فى البلاد المغربية من برقة إلى المحيط الأطلسى مختلطة بالسكان وناشرة للإسلام ولغته العربية. وعاملان أساسيان ساعدا بسرعة على نشر الإسلام ولغته هناك، هما تعاليم الإسلام السمحة التى حررت البربر من ظلم الدول السابقة التى احتلت ديارهم قرونا متطاولة وأرهقتهم بضرائب باهظة مع العسف والبغى الشديد، وليس ذلك فحسب، فقد رأوه دينا قويما يسوّى بين أتباعه فى جميع الحقوق، والعامل الثانى سياسة ولاته وخاصة فى القرن الأول الهجرى وما كفلوا للبربر من العدل والمساواة بينهم وبين العرب فى جميع الحقوق: فى الجهاد وفى غنائم الحرب وفى الولاية على القبائل والمدن. وعنى موسى بن نصير الوالى هناك (٨٦ - ٩٦ هـ) بأن يعهد فى الأنحاء التى لم يتم إسلامها حتى عهده إلى فقهاء ومعلمين يعلمون أهلها فرائض الإسلام ويحفظونهم القرآن الكريم، ودخلت جماعات بربرية كثيرة لعهده فى الدين الحنيف، وانضم كثيرون من البربر إلى جيوشه فى فتوح المغرب، وفتح الأندلس بقيادة قائد منهم هو طارق بن زياد على نحو ما هو معروف. وعنى عمر بن عبد العزيز بإرسال بعثة-كما مر بنا-لنشر الإسلام هناك بأخرة من القرن الأول الهجرى. وينحرف حكام بنى أمية-منذ أوائل القرن الثانى-عن جادة الإسلام الرشيدة فى حكم الشعوب التى اعتنقته، ويثور البربر فى الجزائر وغير الجزائر، وتقدم إليهم جيوش مختلفة وتظل منها بقايا كثيرة فى ديارهم. ويحدث ذلك نفسه فى أوائل عهد العباسيين، حتى إذا ولى يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ) هدأت المغرب فى الجزائر وغير الجزائر وعمّ الأمن والرخاء فى البلاد، ويؤسس إبراهيم بن الأغلب الدولة الأغلبية منذ سنة ١٨٤
стр. 4713
ويقول ابن خلدون: «فى أيامه انخضدت شوكة البربر واستكانوا للغلب وأطاعوا الدين، فضرب الإسلام بجرانه» أى ثبت واستقر نهائيا فى الديار المغربية.
ونمضى إلى القرن الخامس الهجرى، ويحدث حدث كبير أتمّ تعرب البربر فى الجزائر وغير الجزائر، فإن المعز بن باديس الصنهاجى حاكم برقة وإفريقية التونسية وشرقى الجزائر للدولة العبيدية الفاطمية فى القاهرة نقض طاعته لتلك الدولة، وحوّل الدعوة فى ولايته إلى الخلافة العباسية وأرسل إلى الخليفة العباسى القائم أبى جعفر بن القادر ببيعته له ودعا له على منابر القيروان وغير القيروان سنة ٤٣٨ وأرسل إليه القائم بالتقليد وبالخلع، وعرف ذلك الخليفة العبيدى الفاطمى المستنصر وصمم على الانتقام منه. وكان القرامطة قد اشتبكوا فى حرب سنة ٣٥٩ مع الخليفة الفاطمى العزيز نزار فى فلسطين ومدخل مصر، وكانت تؤازرهم قبيلتا سليم وهلال اللتان كانتا تزعجان قوافل الحجاج حول المدينة، فلما انتصر عليهم العزيز أنزل هاتين القبيلتين فى الصحراء الشرقية بالصعيد بين النيل والبحر الأحمر، وكانتا تحدثان غير قليل من الإضرار بسكانه، فأشار على الخليفة الفاطمى العزيز وزيره اليازورى أن يصطنع مشايخ هاتين القبيلتين وأن يغريهم بالهجرة إلى المغرب مع من يوالونهم من البدو وقال له إن ظفروا بالمعز بن باديس الصنهاجى صاروا أولياء للدولة وعمالا لها بتلك الأنحاء النائية، وإلا دبرنا له ما يقضى عليه، وأعجبت المستنصر الفاطمى تلك الفكرة، فاستقدم شيوخ القبيلتين وعرضها عليهم سنة ٤٤١ للهجرة فقبلوها، وفرض لكل بدوى مهاجر بعيرا ودينارا. وعبرت سيولهم النيل سنة ٤٤٢ واندفعت إلى برقة وما وراءها من البلاد المغربية كالجراد المنتشر لا يمرون بشئ إلا أتوا عليه كما يقول ابن خلدون، واستولت سليم على برقة جميعها وبعض البلدان الشرقية لإفريقية التونسية، واتجه بنو هلال إلى إفريقية ووصلوا القيروان سنة ٤٤٣ للهجرة ونازلوا المعز بن باديس، وتمت لهم الغلبة واحتلوا القيروان وغيرها من البلدان التونسية وخرّبوا المبانى وطمسوا معالم الحسن والرونق فيها، وأهلكوا كثيرا من الزروع فى الريف، حتى أصبحت يبابا؟ ؟ ؟ ومفاوز كما يقول ابن خلدون. ولما تمّ استيلاؤهم على البلاد التونسية اكتسحت سيولهم الجزائر واقتسمتها القبائل الهلالية وبعض عشائر من سليم، وظلت تتقاتل مع القبائل البربرية هناك فى السهول وخاصة زناتة وصنهاجة وعشائرهما حتى عجزوا عن مدافعتهم، ونازلوا الناصر بن علنّاس الحمادى صاحب القلعة وخربوا جنباتها وجنبات طبنة والمسيلة (المحمدية) وغيرهما. ويقول ابن خلدون إنهم أزعجوا ساكنى هذه البلدان وكل ما يتصل بها من المنازل والقرى والضياع حتى أصبحت قاعا صفصفا، ولم يزل ذلك دأبهم حتى هجر الناصر بن علنّاس سكنى القلعة واختط بالساحل مدينة بجاية ونقل إليها ذخيرته وأعدّها لسكنه، ونزلها بعده ابنه المنصور فرارا من ضيم هؤلاء الأعراب، واتخذ كثيرون من البربر الجبال والمرتفعات الوعرة حصونا منيعة لهم. أما هم فاقتسموا السهول لخصبة التى احتلوها واستقروا فيها شمالى
стр. 4714
البلاد وأواسطها، وبمرور الزمن اختلطوا بالبربر وصاهروهم. وتنبه عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين لهم فنازلهم فى الأربعينيات من القرن السادس حتى إذا تغلب عليهم أخذ يصانعهم هو وابنه يوسف وحفيده المنصور وجندوا منهم كثيرين أشركوهم فى حرب نصارى الأندلس وأبلوا فيها بلاء عظيما، وأنزلوا عشائر كثيرة منهم فى الشمال الغربى لمراكش، واستوطن كثيرون منهم إقليم وهران وكان لهم فيما بعد أثر عظيم فى مجاهدة الإسبان مع بنى زيان.
وهذه الهجرة الأعرابية الضخمة التى يقول المؤرخون إن عددها كان يزيد عن نصف مليون أعرابى والتى انتشرت فى الجزائر وغيرها من الأقاليم المغربية كان لها فضل عظيم فى إتمام تعرب المغرب واصطباغه بصبغة عربية كاملة، ويصور ذلك ابن خلدون فى حديثه عن بعض القبائل البربرية مثل بنى يفرن إذ يقول إنهم «نسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعائرهم فى جميع أحوالهم» ويقول عن قبيلة هوارة إنهم صاروا فى عداد الناجعة (طلاب المراعى) من عرب بنى سليم فى اللغة والزّىّ وسكنى الخيام وركوب الخيل والإبل وممارسة الحروب وإيلاف الرحلتين فى الشتاء والصيف فى تلالهم قد نسوا رطانة البربر واستبدلوا منها فصاحة العرب فلا يكاد يفرّق بينهم». وهو قول يعم جميع البربر فى سهول الجزائر ومدنها إلا من اعتصم بالجبال والأنجاد الوعرة، أما عامة البربر فقد أصبحوا عربا فى اللغة والدين والزى والعادات وأساليب الحياة والخصال الكريمة من المروءة والفروسية، أو بعبارة أخرى أصبح المغرب جميعه فى الجزائر وغير الجزائر شعبا عربيا عظيما وتغلغل الشعور بعروبته فى أعماقه، مما جعل قبائل البربر فى جميع الأنحاء المغربية شرقا وغربا تصطنع لها أنسابا إلى القبائل اليمنية والمضرية وتتكلم العربية إلا فى أنحاء من الجبال لتوعر مسالكها وفى بعض جهات نائية اعتنقوا الإسلام وظلوا يتكلمون لغتهم البربرية مع غيرتهم وحميتهم للدين الحنيف.
ولا نبالغ إذا قلنا إن الجزائر-منذ هذه الهجرة الأعرابية الكبرى-أخذت تصطنع العربية لغة هؤلاء الأعراب فى لسانها، وعمت بين جماهيرها فى الزاب وقسنطينة وبونة (عنابة) والمدن الساحلية التى سكنها هؤلاء الأعراب. والمظنون أنها ظلت فصيحة سليمة طوال قرنين على الأقل، ثم أخذت تتحول حتى فى ألسنة الأعراب أنفسهم إلى لغة عامية تفتقد الإعراب وكانت كثرتهم فى الجزائر من القبائل الهلالية، ونزلت منها الأثبج فى الشمال ومنها دريد، وقد نزلوا بين بونة (عنابة) وقسنطينة، وانتشرت بطونهم غربى قسنطينة ونواحى جبال أوراس، ونزلت زغبة فى القفار من نواحى تلمسان، ونزل بنو رياح الهلاليون فى قسنطينة بينما نزل بنو عامر فى وهران وأنحائها. ويسهب ابن خلدون فى الجزء السادس من تاريخه فى توزيع القبائل الهلالية فى الجزائر من بونة إلى تلمسان، وفى أثناء ذلك يقول: ولهؤلاء الهلاليين فى الحكاية عن دخولهم إلى إفريقية طرق فى الخبر يزعمون أن الشريف ابن هاشم
стр. 4715
كان صاحب الحجاز ويسمونه شكر بن أبى الفتوح أصهر إلى أحد رجالات وشيوخ بنى هلال الحسن بن سرحان فى أخته الجازية، وولدت منه ولدا سمته محمدا. ثم حدث بينهم وبين الشريف مغاضبة، فأجمعوا على الرحلة من نجد إلى إفريقية، واحتالوا عليه فى استرجاع الجازية، وطالبته بزيارة أبويها، فأزارها إياهم، ولم يلبثوا أن ارتحلوا به وبها وكتموا عنه مقصودهم من رحلتهم مموّهين عليه بأنهم يباكرون به للصيد والقنص ثم يعودون إلى منازلهم، ورآهم يبعدون فى ارتحالهم، ولما تبين له أنهم مكروا به فارقهم إلى دار ملكه فى مكة وبين جوانحه من حب الجازية داء دفين، وكلفت بحبه على الرغم من اقترانها ببعض أبناء عمومتها فى مسيرتها معهم إلى إفريقية، إذ ظلت تذكره إلى أن ماتت. يقول ابن خلدون إنهم يتناقلون من أخبارها فى ذلك ما يعفّى على أخبار قيس (صاحب ليلى) ويروون كثيرا من أشعار الحكاية محكمة المبانى متقنة الأطراف، وفيها المطبوع والمنتحل والمصنوع، لم يفقد فيها من البلاغة شئ، وإنما أخلّوا فيها بالإعراب فقط. . والخاصة من أهل العلم بالمدن يزهدون فى روايتها ويستنكفون عنها لما فيها من خلل الإعراب. . وفى هذه الأشعار كثير دخلته الصنعة وفقدت فيه صحة الرواية، ولذلك لا يوثق به، ولو صحت روايته لكانت فيه شواهد بأيامهم ووقائعهم وحروبهم مع زناتة (فى المغرب) وضبط لأسماء رجالاتهم وكثير من أحوالهم، لكنا لا نثق بروايتها. وربما يشعر البصير بالبلاغة بالمصنوع منها ويتهمه، وهذا قصارى الأمر فيه، وهم متفقون على الخبر عن حال هذه الجازية والشريف خلفا عن سلف وجيلا عن جيل». والحكاية التى يتحدث عنها ابن خلدون هى حكاية الهلالية المعروفة فى الملحمة المشهورة باسم «سيرة بنى هلال» وتعرف أيضا باسم قصة أبى زيد الهلالى، وكانت إلى عهد قريب ينشدها شخص يسميه المصريون باسم الشاعر على ربابة فى مقاهى مصر وبلدانها المختلفة. والتاريخ الحقيقى للرحلة الهلالية إلى إفريقية وسببها ذكرناه فيما أسلفنا، غير أن ما وضع للحكاية أو الملحمة من قصة زواج الجازية الهلالية بشكر بن أبى الفتوح أمير مكة الحسنى (٤٣٠ - ٤٥٣ هـ) يبدو أنه صحيح وقد أنجب منها ابنه محمدا الذى خلفه فى الحكم، ويبدو أيضا أنها زارت أبويها وعشيرتها حين كانوا ينوون الرحلة مع القرامطة لحرب الفاطميين، وارتحلت معهم. والحكاية أو القصة تجعلها بطلتها، وتروى على لسانها أشعارا بديعة، من ذلك قولها لولدها أو غلامها الصغير ناصحة مرشدة:
ولا خير فى الطفل الصغير إذا نشا ... وكانه رقّادا كثير همائده
وإما يمت يرتاح من عيشة الرّدى ... وإلا يعد كالصّقر مالى مخالبه
وهى تقول لطفلها لا خير ولا نفع فيمن ينشأ نواما كسولا، يرضى بالجلوس ولا يخرج فى طلب الرزق، وحرى بالشخص أن يمضى شرقا وغربا طالبا معاشه مقطعا فى ذلك أوعية زاده غير مبق منه شيئا. وإما أن يموت فيرتاح من المعيشة التعسة الضنك، وإما أن يعود كالصقر
стр. 4716
الجارح بصيده وقد ملأ مخالبه. وينشد ابن خلدون لبعض بنى دريد الهلاليين من عشيرة الجازية مفاخرا بساداتها مع حنينه إلى القيروان حين نزلوا بها فى أول قدومهم إلى الإقليم رامزا لها بصبرة التى بناها فى جنوبيها المنصور العبيدى:
دريد سراة البدو للجود منقع ... كما كلّ أرض منقع الما خيارها
وهم غرّبوا الأعراب حتى تعرّفت ... بطرق المعالى ما يوفّى قصارها
وطرّوا طريق البارمين ثنيّه ... وقد كان ما تقوى المطايا حجارها
والشاعر يقول دريد الراحلة أشراف البدو ومنقع الجود ينهل منه كل ظامئ، وهم أصحاب الفضل فى قيادة الهلاليين إلى ديار المغرب حتى تعرفوا طرق المعالى المفرطة الطول الشاقة وقد طروا أى مهّدوا طريق البارمين إلى الجزائر وأنحاء بونة وما بها من ثنيات وممرات فى الجبال وكانت المطايا والإبل لا تستطيع السير فيه لكثرة ما به من الحجارة والصخور، فأصبح ممهدا ذلولا. والأبيات فصيحة وتجرى على سنن العربية فى الإعراب، ولا ندرى هل أشعار القصص فى الهلالية بدأت معربة ثم فقدت الإعراب مع الزمن أو أنها وضعت غير معربة، ومن المؤكد أنها لم توضع عقب الرحلة والاستقرار فى المغرب مباشرة، بل وضعت بعد ذلك حين أخذت تسود العامية فى الأفواه بالقرن السادس وما بعده، وبها كثير من الأشعار البليغة بما تحوى من العبارات الرصينة والمشاعر الرقيقة والصور البديعة. ومن هذا الميراث عن الأعراب ما دخل على اللغة البربرية من ألفاظ عربية سليمة اقترضوها من الفصحى وتبلغ فى بعض الأنحاء نحو ثلث اللغة البربرية المتداولة.
ويعقد ابن خلدون فى مقدمته فصلا فى أشعار العرب المستعجمة أو المستحدثة بالعامية لعهده فى القرن الثامن الهجرى فيقول: «فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد فى سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ويأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب والمدح والرثاء والهجاء، ويستطردون فى الخروج من فن إلى فن فى الكلام، وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم، وأكثر ابتدائهم فى قصائدهم باسم الشاعر؛ ثم بعد ذلك ينسبون، وأهل أمصار المغرب من العرب يسمون هذه القصائد باسم الأصمعيات نسبة إلى الأصمعى راوية العرب لأشعارهم. ولهم فن آخر فى كلامهم كثير التداول فى نظمهم يجيئون به معصّبا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثلاثة قبله فى رويه ويلتزمون القافية الرابعة فى كل بيت (دور) إلى آخر القصيدة شبيها بالمربعات والمخمسات التى أحدثها المتأخرون من المولدين. ولهؤلاء العرب (البدو) فى هذا الشعر بلاغة فائقة، وفيهم الفحول والمتأخرون
стр. 4717
(المتخلّفون). والكثيرون من المنتحلين للعلوم لهذا العهد-وخصوصا علم اللسان- يستنكرون هذه الفنون التى لهم إذا سمعوها، ويمجّون نظمهم إذا أنشد، ونعتقد أن ذوقهم إنما نبا عنها واستهجنها لفقدان الإعراب منها. . وأساليب الشعر وفنونه موجودة فى أشعارهم هذه ما عدا حركات الإعراب فى أواخر الكلم، فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر (ساكنة) ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب». وينشد ابن خلدون طائفة من أشعار الملحمة الهلالية على لسان الشريف ابن هاشم يبكى الجازية أخت الحسن بن سرحان، ويذكر ارتحالها مع قومها إلى المغرب وعتابا منه لزوجها ماضى بن مقرب ورثاء بعض شعرائهم للزناتى خليفة، ويسوق أشعارا أخرى لشعرائهم. ومن الصعب التمثل بأبيات منها لأنها غير مضبوطة بالشكل، ولأن كثيرا من الكلم فيها أصابه غير قليل من التحريف، بحيث يصعب فهمها ونطقها نطقا سليما. وكلما تقدمنا فى الزمن بعد عصر ابن خلدون فى القرن التاسع الهجرى يتكاثر هذا الشعر العامى أو الشعبى. ويزداد طغيانه على الشعر الفصيح فى العهد العثمانى، وكان ينظم فى المولد النبوى وفى الجهاد الحربى للأجانب وفى الأزمات الاقتصادية والأحوال المعيشية. ولسعيد المنداسى مدحة نبوية عامية سماها «العقيقة» عنى بها غير شارح، وممن شرحها ابن سحنون. واشتهر بتلمسان فى القرن الثانى عشر الهجرى ثلاثة شعراء شعبيون هم: محمد بن مسائب وابن التريكى والزناقى، ولهم أشعار دينية مختلفة، سوى ما لكل منهم-كما فى كتاب تاريخ الجزائر الثقافى-من رحلة حجازية منظومة.
ومن الحق أن الشعر العامى الشعبى فى الجزائر سواء نظم على لسان البدو من الأعراب أو على لسان أهل الحضر والمدن لم ترجح يوما كفّته على كفّة الشعر الفصيح، والجزائر فى ذلك مثل بقية البلاد المغربية والعربية عامة إنما كانت تعنى الطبقات المثقفة فيها عناية أكبر وأوسع بالشعر الفصيح. ومن الحق أيضا أن الهجرة الأعرابية الكبرى إلى الجزائر استطاعت-منذ القرن الخامس الهجرى-أن تفرض لغتها العربية على سكان البوادى وسفوح الجبال والسهول والحواضر بفضل امتزاج هؤلاء الأعراب بالبربر فى المعاش وعن طريق المصاهرة ودفعهم إلى التخاطب بالعربية مما جعل اللغة البربرية تتقهقر وتتراجع أمامها إلى الجبال والمعاقل النائية المنيعة، ومع ذلك لحقتها العربية هناك واستولت على ألسنة كثيرين من أهلها، بل لقد استولت على اللغة البربرية هناك فأشاعت فيها كثيرا من ألفاظها، مما جعل سكان الجزائر-منذ أواسط القرن الخامس الهجرى أو بعد ذلك بقليل-يعدون شعبا عربيا تاما فى دينه الحنيف ولغته وثقافته وآدابه وأشعاره، مع ما اقتبسوه من معيشة هؤلاء الأعراب ومن تقاليدهم وعاداتهم فى حياتهم الاجتماعية، وكل ذلك استقر وثبت ثبوت الراسيات.
стр. 4718
٢ -
كثرة الشعراء
طبيعى أن لا نلتقى بشعراء كثيرين فى الجزائر طوال القرن الأول الهجرى وشطر غير قليل من القرن الثانى إلا ما كان يجرى على ألسنة بعض نزلائها من العرب، حتى إذا تأسست الدولة الرستمية فى تاهرت (١٦٠ - ٢٩٦ هـ) وأخذت تعنى بتعليم العربية ونشرها بين الجزائريين، حينئذ أخذ جيل ناشئ يتقنها ويتقن نظم الشعر، وكان من حكام هذه الدولة من أحسن نظمه، مثل الإمام أفلح بن عبد الوهاب الرستمى (٢١١ - ٢٤٠ هـ) وله قصيدة طويلة فى الدعوة إلى العلم والتعلم وبيان منزلة العلماء. وكانت الأسرة الرستمية جميعا تهتم بالحركتين العلمية والأدبية، وأخذ الشعر يتدفق على بعض الألسنة، وأنتجت الجزائر فى عهدها أكبر شاعر عرفته فى القرن الثالث الهجرى، ونقصد بكر بن حماد المتوفى سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م وكان له ديوان شعر كبير، وعاصره شاعر يسمى ابن حزاز التاهرتى.
وكان القسم الشرقى من الجزائر-حينئذ-تابعا للدولة الأغلبية فى القيروان، ثم تبع الدولة العبيدية مع الجزائر جميعها ثم أصبح تابعا للدولة الصنهاجية وحكامها فى القيروان، ولذلك كان شعراؤه يرحلون إلى العاصمة المذكورة حين تتفتح ملكاتهم الشعرية، إذ كانت مركز الحركة الأدبية فى الدولة، وقد يظلون بها ويتخذونها موطنا لهم، كما حدث لابن رشيق، وهو ما جعلنا نسلكه بين شعراء القيروان لأن مرباه الأدبى تكامل فيها. ومنهم من نظن أن مرباه الأدبى تكامل فى الجزائر ثم هاجر منها إلى القيروان أو غيرها، مثل محمد بن الحسين الطبنى الذى هاجر بأسرته الطبنية إلى قرطبة فى الأندلس واستقر بها. وممن نزل القيروان بعد نضجه الأدبى فى موطنه بالجزائر عبد الكريم النهشلى المتوفى سنة ٤٠٣ هـ/١٠١٢ م وهو من المسيلة (المحمدية) ومنهم ابن قاضى ميلة المعاصر للنهشلى، والحسن بن محمد التميمى المعروف باسم ابن الربيب المتوفى سنة ٤٢٠ هـ/١٠٢٩ م وهو من تاهرت ومثله على بن أبى الرجال الفلكى المشهور المتوفى سنة ٤٢٥ هـ/١٠٣٣ م فهو أيضا تاهرتى.
وكان حماد بن بلكين قد عقد له أخوه المنصور على مدينتى أشير والمسيلة (المحمدية) وضم إليهما أيام ابن أخيه باديس المغرب الأوسط وأخذ يفكر فى الاستقلال عن باديس والقيروان واختط مدينة القلعة سنة ٣٩٨ هـ/١٠٠٧ م وتمّ له استقلاله سنة ٤٠٨ هـ/١٠١٧ م كما مرّ بنا فى الفصل الأول، واستكثر حماد فى القلعة من المساجد والفنادق، واتسعت فى التمدن، وكان مثقفا قرأ الفقه بالقيروان ونظر فى كتب الجدل، وعنى فى قلعته بالحركة العلمية، ورحل إليها من الثغور القاصية-كما يقول ابن خلدون-طلاب العلوم. وتبعه أبناؤه وأحفاده فى الدولة الحمادية بالقلعة ثم ببجاية منذ نقل إليها المنصور بن علناس (علاء الناس) عاصمة الدولة
стр. 4719
سنة ٤٨٣ ومع ذلك ظل للقلعة نشاطها العلمى والأدبى حتى الحقب المتأخرة من هذا العصر، كما ظل نفس النشاط لبجاية بعد قضاء دولة الموحدين على الدولة الحمادية سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م. ومن المؤكد أن القلعة وبجاية أنتجتا كثيرا من الشعراء والعلماء فى عهد الدولة الحمادية، وذاعت للحركتين العلمية والأدبية شهرة غير قليلة مما جعل غير عالم وشاعر يرحل إليها مثل ابن حمديس الصقلى الذى أقام فى بجاية فترة لعهد المنصور الحمادى (٤٨١ - ٤٩٨ هـ) وله فيه وفى وصف قصوره مدائح بديعة. وإلى المنصور التجأ عز الدولة بن صمادح بعد قضاء يوسف بن تاشفين المرابطى على دولة أسرته فى مدينة المرية، فأكرمه وقلده ولاية دلس على البحر المتوسط غربى بجاية وظل بها إلى وفاته، وكان شاعرا وله شعر يشكو فيه من الدهر وأحداثه. ومن كبار الشعراء الذين نزلوا بقلعة بنى حماد واستوطنوها أبو الفضل يوسف بن محمد التوزرى التونسى، وبها تصدّر للتدريس حتى وفاته سنة ٥١٣ هـ/١١١٩ م وهو صاحب قصيدة الاستغاثة المشهورة باسم المنفرجة السائرة فى الآفاق. ومعروف أن العماد الأصبهانى ترجم فى كتابه «الخريدة» لشعراء العالم الإسلامى فى عصره بالقرن السادس الهجرى، وممن ترجم له من شعراء الدولة الحمادية فى عهدها الأخير يوسف بن المبارك وله مدحة جيدة فى أمراء تلك الدولة، وابن أبى المليح الطبيب شاعر الأمير الحمادى: العزيز (٤٩٨ - ٥١٥ هـ) وطبيبه الخاص، وعلى بن الزيتونى وأنشد له مقطوعة فى مديح قاض، والفقيه عمر بن فلفول كاتب الأمير الحمادى يحيى بن عبد العزيز (٥١٨ - ٥٤٧ هـ) وأنشد له مقطوعة غزلية.
وفى السنة المذكورة سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م قوّضت دولة الموحدين بقيادة أميرها عبد المؤمن دولة بنى حماد نهائيا فى بجاية والقلعة وإقليمهما، وظلت الحركتان الأدبية والعلمية مزدهرة بهما على الرغم مما أحدث على بن غانيّة من اضطراب فى الجزائر، إذ فاجأ أسطوله الذى جلبه معه من ميورقة سنة ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م بقيادته مدينة بجاية واستولى عليها. وطوال النصف الثانى من القرن السادس أخذ بعض متصوفة الأندلس ينزلون مدن الجزائر، وأخذت تشيع فيها منذ هذا التاريخ حركات صوفية واسعة، ونمتها عند الجزائريين الطرق الصوفية السنية التى شاعت بديارهم: شاذلية وغير شاذلية، ومن كبار نزلائها من صوفية الأندلس أبو مدين شعيب نزيل بجاية، وسمع به المنصور أمير الموحدين أو خليفتهم، فطلبه، وفى طريقه إليه توفى بتلمسان سنة ٥٩٤ ومنهم أبو عبد الله الشوذى الصوفى نزيل تلمسان، ومنهم أيضا محيى الدين بن عربى وقد قام بسياحات متعددة فى بلدان المغرب والجزائر، ونزل بجاية ولزم أبا مدين شعيب الصوفى فترة معجبا به وبطريقته الصوفية، ثم ولّى وجهه نحو المشرق: مصر والحجاز والشام. ومن شعراء الجزائر فى عهد الموحدين الحسن بن الفكون القسنطينى الشاعر المبدع المتوفى بأوائل القرن السابع الهجرى، ومعاصره محمد بن على بن جبل الوهرانى قاضى تلمسان ثم قاضى الجماعة بمراكش توفى سنة ٦٠١ وله مدائح فى الخليفة المنصور الموحدى، ومنهم أبو عبد الله بن الحجام
стр. 4720
التلمسانى المتصوف المتوفى سنة ٦١٤ ومحمد بن على بن حماد القلعى المشهور بمراثيه للدولة الحمادية المتوفى سنة ٦٢٨.
وتتقاسم الجزائر-منذ العقد الثالث فى القرن السابع الهجرى-الدولة الحفصية فى الشرق: قسنطينة وبجاية وما إليهما، ودولة بنى زيان أو بنى عبد الواد فى الغرب: تلمسان وما إليها. وينزلها من صوفية الأندلس ابن سبعين نزيل بجاية، كما ينزلها أبو الحسن الششترى، ويقال إنه تتلمذ لأصحاب أبى مدين شعيب ومريديه واعتنق طريقته الصوفية، ولقى ببجاية ابن سبعين وأعجب به ولزمه فترة، ورحلا إلى المشرق. وكان لهما ولمن سبقهما من صوفية الأندلس إلى النزول بالجزائر وكذلك لشيوع الطرق الصوفية وانتشارها بها أثر عميق فى موجات التصوف التى عمت فى البلاد المغربية جزائر وغير جزائر، ونلتقى-منذ هذا القرن-بشعر صوفى كثير على ألسنة الجزائريين. وظلت الدولتان: الحفصية والزيانية تتقابلان فى الجزائر طوال ثلاثة قرون، ومن الشعراء لعهدهما فى القرن السابع الهجرى عبد الله بن نعيم الشاعر الصوفى المتوفى سنة ٦٣٦ ومحمد بن أحمد الأريسى وله غزليات وخمريات، وعبد الله بن محمد بن علوان وهو من شعراء المديح النبوى ومحمد بن يحيى بن عبد السلام وهو من شعراء المديح، ومحمد بن الحسن القلعى المتوفى سنة ٦٧٣ وهو من شعراء الزهد والمديح النبوى وعبد الحق بن ربيع الصوفى المتوفى سنة ٦٧٥. وكل هؤلاء الشعراء بجائيون، ومثلهم عبد المنعم بن محمد الغسانى نزيل بجاية وهو من أهل مدينة الجزائر وله مشاركة فى المديح النبوى توفى سنة ٦٨٠ وإبراهيم بن أحمد بن الخطيب الشاعر الصوفى وعبد الرحمن بن أبى دلال وهو من شعراء المديح. ومن شعراء تلمسان عفيف الدين التلمسانى الصوفى المتوفى بدمشق سنة ٦٩١ وأبو العيش الخزرجى محمد بن عبد الرحيم وله فى التصوف شعر كثير.
ويفتتح القرن الثامن بمحمد بن محمد العطار ودواوينه النبوية المتوفى سنة ٧٠٧ وهو من مدينة الجزائر، وكان يعاصره فى تلمسان ابن خميس المتوفى سنة ٧٠٨ وله شعر تصوف وزهد ومديح كثير، وعاصره فى مليانة أحمد بن على المليانى المتوفى سنة ٧١٤ وله فخر بديع، ومن شعراء هذا القرن محمد بن عمر المليكشى من مدينة الجزائر المتوفى سنة ٧٤٠ وله غزليات متنوعة، وابن مرزوق الخطيب المتوفى سنة ٧٧٠ وله مدائح نبوية وغير نبوية وابن أبى حجلة التلمسانى نزيل القاهرة المتوفى سنة ٧٨٠ ومعاصره يحيى بن خلدون شاعر أبى حمو موسى الثانى ومؤرخ الدولة الزناتية المتوفى فى نفس السنة. ويزدهر شعر المولديات الذى ينشد فى مولد الرسول ﷺ ومن كبار ناظميه شاعرا الدولة محمد بن يوسف الثغرى ومحمد بن أبى جمعة التلالسى. ومن شعراء القرن أيضا الأمير الزيانى أبو حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) وله شعر فخر كثير وكان ابنه أبو زيان محمد شاعرا، توفى سنة ٨٠١. ونلتقى فى القرن التاسع
стр. 4721
وبعده حتى العهد العثمانى بشعراء كثيرين، ومن كبارهم ابن قنفذ القسنطينى المتوفى سنة ٨٠٩ وله أشعار دينية، وابن مرزوق الحفيد التلمسانى المتوفى سنة ٨٤٢ وله منظومات تعليمية كثيرة، والصوفى الكبير إبراهيم التازى المتوفى سنة ٨٦٦ وله أشعار صوفية بديعة، والرياضى المشهور محمد بن أحمد الحباك المتوفى سنة ٨٦٧ وله منظومة فلكية فى الأسطرلاب، وأبو عبد الله بن البناء وله غزل بديع. وأحمد بن عبد الله الجزائرى المتوفى سنة ٨٨٤ وله منظومة فى علم التوحيد ومرثية بديعة لأستاذه عبد الرحمن الثعالبى، ومحمد بن يوسف السنوسى المتوفى سنة ٨٩٥ وله منظومتان فى علم التوحيد باسم السنوسية الكبرى والسنوسية الصغرى، ومحمد بن عبد الجليل التنسى مؤرخ دولة بنى زيان المتوفى سنة ٨٩٩ وله مدحة طويلة فى الأمير الزيانى المتوكل وأبنائه ختم بها تاريخه، وكان يعاصره الشهاب بن الخلوف القسنطينى المتوفى أيضا سنة ٨٩٩ شاعر السلطان الحفصى أبى عمرو عثمان، وعاصرهما محمد بن عبد الرحمن الحوضى المتوفى سنة ٩٠٠ ويشتهر بمرثية له فى أستاذه السنوسى، وله غزل ومديح نبوى وغير نبوى، وكان يعاصره محمد بن عبد الكريم المغيلى المتوفى سنة ٩٠٩ وله-كما أسلفنا- قصيدة مشهورة أرسل بها إلى السيوطى فى الدفاع عن علم المنطق وضرورة تعلمه. ومن معاصريه إبراهيم بن أحمد الفجيجى صاحب قصيدة فى الصيد مشهورة، وعنى ابن أخيه بشرحها سنة ٩٨٦ وسمى شرحه: «الفريد فى تقييد الشريد» وسنعرض للقصيدة وشرحها فى غير هذا الموضع. ونمضى إلى العهد العثمانى ونلتقى فى القرن العاشر الهجرى بمحمد بن على بهلول المجاجى المتوفى سنة ١٠٠٢ وله شعر صوفى كثير ومنظومات علمية، ولتلميذه أحمد المانجلاتى مرثية بديعة فيه وتنسب خطأ إلى سعيد قدورة، وللمانجلاتى مديح نبوى كثير وديوانان وموشحات. ونلتقى بعبد الرحمن بن موسى المتوفى سنة ١٠١١ وله قصائد متوسطة فى الحث على الجهاد وفى الاستغاثة بالله ورسوله. وكان يعاصره محمد بن عبد الرحمن البونى المتوفى سنة ١٠١٨ وله شعر كثير فى الخمر، وتلاهم أحمد المقرى صاحب نفح الطيب المتوفى سنة ١٠٤١ وكان يعاصره يحيى بن أبى راشد وله أشعار فى الجهاد وفى وصف مدينة تلمسان، ومحمد بن رأس العين المتوفى حوالى سنة ١٠٦٠ وهو من شعراء الموشحات والهزل والمجون. وجاء فى إثره عبد الكريم الفكون صاحب منشور الهداية فى نقد المتصوفة المتوفى سنة ١٠٧٣ وله ديوان فى المديح النبوى. وكان يعاصره محمد القوجيلى المتوفى سنة ١٠٨٠ وله مديح ورثاء وغزل. ويلقانا فى القرن الثانى عشر الهجرى محمد بن أحمد البونى المتوفى سنة ١١١٦ وله منظومات علمية كثيرة كثرة مفرطة، ومحمد بن محمد بن على مفتى الجزائر الحنفى وله شعر كثير فى جهاد الإسبان وانتصار بكداش عليهم وفتحه لوهران سنة ١١١٩ هـ/١٧٠٨ م وقد قيلت فيه وفى هذا الفتح مدائح لشعراء جزائريين كثيرين سجلها ابن ميمون فى كتاب له سماه «التحفة المرضية». ومن شعراء هذا القرن أيضا أحمد بن عمار المفتى المالكى المتوفى فى أوائل
стр. 4722
القرن الثالث عشر الهجرى، وله موشحات نبوية بديعة، ومنهم أحمد بن سحنون شاعر الباي محمد الكبير صاحب الفتح الثانى لوهران بعد أن استردّها الإسبان سنة ١٢٠٥ هـ/١٧٩٠ م وتغنى بهذا الفتح النهائى لوهران كثير من الشعراء الجزائريين وسجل أشعارهم ابن سحنون فى كتابه «الثغر الجمانى».
٣ -
شعراء المديح
يعدّ المديح أهم موضوع استغرق صفحات الشعر العربى على مر العصور، وقد نشأ أول ما نشأ عند العرب حول التغنى ببطولات فرسانهم وشجعانهم فى الحروب ومكارم سادتهم وخصالهم الحميدة فى السلم والحرب، وظل لكل عصر أبطاله وسادته وأمراؤه وحكامه، وتفنن الشعراء فى وصف البطولات الحربية والخصال الكريمة وحكم الخلفاء والحكام العادل الرشيد على مدى العصور الإسلامية المتعاقبة. وطبيعى أن يكون للجزائر حظ فى هذا الوصف منذ تكونت فى تاهرت الدولة الرستمية الإباضية، وكان من أمرائها من يجرى الشعر على ألسنتهم مثل أفلح بن عبد الوهاب (٢١١ - ٢٤٠ هـ) وله قصيدة-كما مرّ بنا-فى العلم والتعليم والترغيب فيهما، وهى رمز لعناية تلك الدولة بالحركتين العلمية والأدبية فى تاهرت، ويلقانا من مبكرى شعرائها أحمد بن فتح التاهرتى وابن حزاز، وأهم شعرائها-حينئذ- بكر بن حماد، وتصبح تاهرت-ومثلها الجزائر جميعها-تابعة للدولة العبيدية فى المهدية، ويأمر المهدى العبيدى قائده على بن حمدون الزناتى بتأسيس مدينة المسيلة (المحمدية) واتخاذها عاصمة لإقليم الزاب فى الجزائر بدلا من طبنة سنة ٣١٣ هـ/٩٢٥ م. وكان قد نشأ تنافس بين عبد الرحمن الناصر الخليفة الأموى فى الأندلس وبين المهدى العبيدى وخلفائه العبيديين فى البلدان المغربية. ونرى أسرة طبنية تهاجر من موطنها إلى قرطبة سنة ٣٣١ بزعامة مؤسسها بالأندلس محمد بن الحسين الطبنى ويرحّب عبد الرحمن الناصر به وبمن قدم معه من أهله، ويصبح من شعرائه وبطانته، ويكثر من مديحه، حتى ليقول ابن حيان إن مدائحه فيه تملأ ديوانا كاملا، ويقرّبه بعده ابنه الحكم المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٥ هـ) حين استولى على صولجان الخلافة بعد أبيه، وكان كلما قدم على المستنصر عيد مدحه بقصيدة طويلة، ونراه فى عيد الفطر لسنة ٣٦١ ينشده قصيدة جيمية مهيئا الناس لما كان يريده المستنصر من تولية ابنه هشام -وكان لا يزال طفلا-ولاية العهد قائلا له (١):
стр. 4723
حصّن به دين النبىّ محمد ... وأقم به أود الزمان الأعوج
لهجت ببيعته النفوس فأخذها ... من واجب الأشياء لو لم تلهج
عود النبوّة والخلافة أصله ... والفرع من تلك العروق الوشّج (١)
وارم المشارق باسمه فليفتحن ... ما بين مصر إلى بلاد الرّخّج (٢)
وواضح أنه كان يضع نفسه فى خدمة الخلافة الأموية بالأندلس ومناصرتها والاحتطاب فى حبلها إلى أن توفى سنة ٣٩٤ هـ/١٠٠٣ م. وكان قد هاجر معه إلى قرطبة أخوه على وأنجب ابنا له هو أبو مضر زيادة الله، وعنى بتربيته وأصبح-فيما بعد-نديما للمنصور بن أبى عامر حاجب هشام المؤيد ثم لولديه من بعده عبد الملك المظفر وأخيه عبد الرحمن الملقب بشنجول، وحين قام بالحجابة بعد وفاة أخيه أرغم الخليفة هشاما المؤيد على أن يعهد إليه بولاية العهد، ولما دخلت الوفود عليه للتهنئة كان مما هنّاه به (٣):
تخيّر الله والسلطان للأمم ... ولىّ عهد براه الله من كرم
اختاره الله للإسلام يحفظه ... وخصّه بعلوّ القدر والهمم
وكان صنيع شنجول المذكور سببا فى القضاء عليه وفى فتنة قضت على الدولة الأموية فى الأندلس، وكان حريا بالشاعر أن يتريث وأن لا يكيل الثناء لشنجول، إذ مضى يمدحه بقصائد أخرى. وكان لزيادة الله ابن يسمى عبد الملك عنى بتأديبه ويقول ابن سعيد بترجمته له فى كتابه المغرب إنه كان إماما فى علم الحديث وكان شاعرا وأشعر منه ابن أخيه على بن عبد العزيز، وفيه يقول الحجارى إنه أشعر بنى الطبنى وأنشد له ابن سعيد أشعارا فى الخمر والغزل.
وإذا كانت طبنة عاصمة الزاب القديمة أهدت إلى قرطبة أسرة بنى الطبنى فى القرن الرابع الهجرى وكل ما نظمه أفرادها من الشعر فإن قرطبة بدورها لم تلبث بعد نزول تلك الأسرة فيها بقليل أن أهدت إلى المسيلة عاصمة الزاب الحديثة وواليها من قبل العبيديين منذ سنة ٣٣٤ هـ/٩٤٥ م جعفر بن على بن حمدون وكان قد خلف فيها أباه الذى أسسها-كما مرّ بنا-وكانا قد اتسعا فيها بالعمران وأصبحت مدينة شامخة وقصدها الشعراء والعلماء، وممن اختارته قرطبة لقصد جعفر فيها شاعرها الفذ ابن هاني، وله فيه مدائح رائعة خلدت اسمه، ومن قوله فيه (٤):
المشرقات النيّرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر
стр. 4724
ويقول مخاطبا له فى إحدى مدائحه:
لم تدننى أرض إليك وإنما ... جئت السماء ففتّحت أبوابا
ورأيت حولى وفد كلّ قبيلة ... حتى توهمت العراق الزّابا (١)
أرض وطئت الدرّ من حصبائها ... والمسك تربّا والرّياض جنابا
وسمع بالشاعر ومدائحه فى جعفر الخليفة المعز العبيدى الفاطمى فطلبه منه، ولم يستطع مخالفته فجهزه إليه، وأحسّ حينما بعد عن المسيلة والزاب كأنما فارق فردوسه، وصوّر ذلك فى إحدى قصائده منشدا:
خليلىّ أين الزّاب منى وجعفر ... وجنّات عدن بنت عنها وكوثر
وقبلى نأى عن جنّة الخلد آدم ... فما راقه من جانب الأرض منظر
وهو يتحسّر على فراقه للزاب وجعفر، فقد فارق جنّة الخلد ونهرها «الكوثر» كما فارقهما أبوه آدم قبله، ولم ينفعه ندمه ولا أسفه ولا تحسره، ولا راقه بعدهما مشهد فى الأرض ولا منظر. وإذا كانت الجزائر أهدت إلى الشعر العربى شاعرا كبيرا فى القرن الثالث الهجرى هو بكر بن حماد فإنها أهدت إليه فى النصف الثانى من القرن الرابع شاعرين كبيرين هما عبد الله بن محمد التنوخى المعروف باسم ابن قاضى مدينة ميلة الواقعة إلى الشمال الغربى من مدينة قسنطينة، واشتهر بمدحة فائية مدح بها والى صقلية يوسف ثقة الدولة وسنخصه بترجمة. والثانى عبد الكريم النهشلى المسيلى شاعر المنصور الصنهاجى وابنه باديس، وسنفرد له ترجمة. وقادت الدولة الحمادية فى القلعة وبجاية طوال القرن الخامس الهجرى حركة أدبية وعلمية نشيطة، وارتحل إلى أمرائها الشعراء ليمنحوهم الجوائز والصلات من أمثال ابن الفكاه أبى القاسم عبد الخالق القرشى القيروانى مادح الناصر بن علناس (٤٥٤ - ٤٨١ هـ) وفيه أنشد (٢):
قالت سعاد وقد زمّت ركائبنا ... مهلا عليك فأنت الرائح الغادى
فقلت تالله لا أنفكّ ذا سفر ... تجرى بى الفلك أو يحدو بى الحادى
حتى أقبّل ترب العزّ منتصرا ... بالناصر بن علنّاس بن حمّاد
وكان ابنه المنصور (٤٨١ - ٤٩٨ هـ) كاتبا شاعرا وفيه يقول ابن خلدون: «هو الذى حضّر ملك بنى حماد وصيّر بجاية دار المملكة وجدّد قصورها وشيّد جامعها وتأنق فى اختطاط المبانى وتشييد المصانع واتخاذ القصور وإجراء المياه فى الرياض والبساتين، فبنى فى القلعة قصر المنار والملك والكوكب وقصر السلام وبنى فى بجاية قصر اللؤلؤة وقصر أميميون». ونزل به عبد الجبار بن حمديس شاعر صقلية الفذ فقلده صلات سنية وقلده ابن حمديس قصائد باهرة،
стр. 4725
منها رائية بديعة يصف فيها أحد قصوره وما امتد أمامه من بهو يتوسطه حوض كبير به نافورة تحملها مجموعة من الأسد المذهبة تمج المياه البلورية من أفواهها إلى بركة محيطة بها، وفوقها شجرة ذهبية ترصّع أغصانها طيور بمناقيرها مياه كمتناثر اللآلى الصافية، يقول (١):
قصر لو انّك قد كحلت بنوره ... أعمى لعاد إلى المقام بصيرا
أذكرتنا الفردوس حين أريتنا ... غرفا رفعت بناءها وقصورا
فلك من الأفلاك إلا أنه ... حقر البدور فأطلع المنصورا
وضراغم سكنت عرين رئاسة ... تركت خرير الماء فيه زئيرا (٢)
وكأنما غشبى النضار جسومها ... وأذاب فى أفواهها البلّورا (٣)
وبديعة الثمرات تعبر نحوها ... عيناى بحر عجائب مسجورا (٤)
قد صوفحت أغصانها فكأنما ... قبضت بهنّ من الفضاء طيورا
خرس تعدّ من الصّفاح فإن شدت ... جعلت تغرّد بالمياه صفيرا
وأبيات القصيدة جميعها درر نفيسة على هذه الشاكلة، حتى ليقول المقّرى بعد إنشاده لها فى كتابه «نفح الطيب»: «لم أر لهذه القصيدة فى لفظها ومعناها من نظير». ومعروف أن العماد الأصبهانى ترجم فى كتابه الخريدة لشعراء العالم العربى فى القرن السادس الهجرى، وقد ترجم لنفر (٥) من شعراء الدولة الحمادية نقل ترجماتهم عن كتاب المختار من النظم والنثر لابن بشرون المهدوى القيروانى مع نعته لهم بأنهم من المقلين، وهم ثلاثة: على بن الزيتونى الشاعر ويوسف بن المبارك وابن أبى المليح الطبيب، وقال عن على بن الزيتونى إنه شاعر المغرب الأوسط (الجزائر) وأديبه، وألمعيّه وأربيه، وهو صاحب توشيح وتوشيع وتقصيد وتقطيع، وأنشد له قطعة من قصيدة فى مديح قاض، وفيها يقول:
نهاه عن محارمه نهاه ... وقرّبه لخالقه تقاه (٦)
وشدّ به عرى الإسلام حتى ... رأينا النّجح وانعقدت عراه (٧)
أمين عدله غمر البرايا ... فما يخشى على أحد قضاه
لقد ظفرت يد علقت نداه ... ومن ناواه قد تبّت يداه (٨)
стр. 4726
وكان يوسف بن المبارك من موالى بنى حماد، وله فيهم مدائح مختلفة، من ذلك قوله فى بعض قصائده يخاطب الأسرة:
ما منكم إلا همام حوى ... مناقبا جلّى ومجدا صراح (١)
وتبذلون الرّفد يوم النّدى ... وتسعرون الحرب يوم الكفاح (٢)
وترفعون الجار فوق السّها ... وتكرمون الضيف مهما استماح (٣)
لا زلتم تجنون زهر العلا ... فى معرض العزّ بحدّ الصّفاح (٤)
أما ابن أبى المليح فكان اشتهاره بالطب أكثر من اشتهاره بالشعر إذ كان طبيبا ماهرا، ويقول العماد إن له مقطعات فى الغزل جالبة للحب سالبة للبّ ولم يرو منها شيئا له، إنما روى قطعة من قصيدة يهنئ بها الأمير عبد الله بن العزيز الحمادى فى أحد الأعياد واصفا فيها خيله، يقول:
وجالت به جرد المذاكى كأنها ... عذارى ولكن نطقهنّ تحمحم (٥)
وصفراء كالتّبر العتيق صقيلة ... ودهماء يتلوها كميت وأدهم (٦)
وأشقر لو يجرى مع البرق جهده ... لكان له يوم الرّهان التقدم
وحام لواء النّصر يتبع راية ... بها العزّ معقود عليها متمّم (٧)
ويترجم العماد فى نفس الجزء السالف من خريدته لشاعرين من شعراء القلعة الحمادية قدما إلى مصر فى أواخر عهد تلك الدولة هما محمد بن عبد الله بن زكريا القلعى الأصم وعلى بن إسماعيل القلعى، أما محمد فينقل عن كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان للرشيد بن الزبير المؤلف حول منتصف القرن السادس الهجرى أنه قال عنه: «كان جيد الشعر، وارى (٨) زناد الفكر» وأنشد له قطعة فى وصف فوارة من قصيدة فى مديح كرامة بن المنصور بن الناصر بن علناس وفيها يقول:
وحاكية بالماء لون اضطرابه ... قواما وحسنا حين يبدو ويوبص (٩)
قضيب لجين ألمع الصّقل متنه ... وأخلصه فى السّبك من قبل مخلص (١٠)
تسامى قليلا ثم عاد كأنه ... جمان حواليها على الماء يرقص (١١)
كأنّ نوالا من يمين «كرامة» ... يمدّ به إذ لا ترى الماء ينقص
стр. 4727
وينقل العماد عن ابن الزبير أنه كان مبخوس الجدّ (١) وأنه ورد إلى الإسكندرية ومصر (الفسطاط) وأقام بهما زمانا لا يجد من يروى ظمأته ويسد خلّته (٢)، وعاد إلى المغرب ونزل بينى الأشقر فى طرابلس الغرب، وامتدحهم بقصيدة ميمية فأحسنوا صلته وعظموا جائزته، ومن قوله فى مديحهم:
وفى ذا الحمى المأمول يأمن خائف ... وفى ذا الندى المعسول ينقع حائم (٣)
عضدتم على أحسابكم بفعالكم ... كما عضدت أسّ البناء الدعائم (٤)
على كلّ أرض من نداكم مياسم ... وفى كل ناد من ثناكم مواسم (٥)
وأما على بن إسماعيل القلعى فينقل العماد عن الرشيد بن الزبير أنه كان من الواردين أيضا على مصر وأن الخليفة الفاطمى الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٤ هـ) استوزر أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالى، وكان هو وأبوه وجده سنيين، ويبدو أنه أراد أن يزيل الخلافة الفاطمية من مصر، فأمر خطباء المساجد أن لا يدعوا فى خطب يوم الجمعة للحافظ وأن يسقطوا من أذانهم للصلاة: «حىّ على خير العمل» شعار الفاطميين، وتنبه أنصار الفاطميين وشيعتهم فقتلوه، ويقول ابن الزبير إن على بن إسماعيل القلعى نظم فى هذا الحادث قصيدة مدح بها الحافظ ومن قوله فيها:
وليل صحبت السيف يرعد حدّه ... وقد شاب فيه مفرق الصّعدة السّمرا (٦)
إلى أن بدا وجه الصّباح كأنه ... لحافظ دين الله آيته الكبرى
ويعلق العماد على وصف الخليفة الحافظ بأنه حافظ لدين الله قائلا: «أستغفر الله من ذلك فإنه لم يكن حافظا وإنما كان مضيّعا».
وتقضى دولة الموحدين وزعيمها عبد المؤمن على الدولة الحمادية فى بجاية وتصبح الجزائر تابعة لها، ويشتهر بها حينئذ شاعران: الحسن بن على بن عمر القسنطينى المعروف باسم ابن الفكون وسنخصه بترجمة، ومحمد (٧) «بن على بن مروان بن جبل الهمدانى الوهرانى الأصل الناشئ بتلمسان، وكان فقيها نابها تولى قضاء تلمسان ثم استقدمه المنصور الموحدى (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) لقضاء الجماعة بمراكش وظل حميد السيرة مشهورا بالعدل فى أحكامه، وعزله المنصور بعد فترة، وأعاده ابنه الناصر إلى أن توفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٤ م ومن مدائحه للمنصور قوله:
стр. 4728
أسيّدنا يا بن الإمامين أمركم ... منوط بأمر الله ما عنه معدل
نصرتم لأن الحقّ آن ظهوره ... وناصره فى الله ما كان يخذل
ملأتم بساط الأرض عدلا وما بقى ... فأخباركم فيه تسير وتنقل
ويؤسس أبو زكريا منذ سنة ٦٢٥ بتونس الدولة الحفصية وتتبعها بجاية وقسنطينة وشرقى الجزائر إلى ما بعد مليانة، بل حتى أحيانا إلى مدينة الجزائر شمالا وحتى مدينة ورقلة جنوبا، وكانوا يتخذون للمدن الكبرى: قسنطينة وبجاية وبونة ولاة حفصيين. وظلت لبجاية أهمية كبيرة طوال القرن السابع الهجرى ثم خلفتها قسنطينة أو بعبارة أدق نازعتها الأهمية، فقد ظلت فى كليهما حركة أدبية وعلمية نشيطة، على الرغم من أنه لم تنشأ فيهما ولا فى شرقى الجزائر عامة دولة كبيرة كدولة بنى حماد فى بجاية التى قضى عليها عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين ولا كدولة الزيانيين فى تلمسان التى سنلم بها بعد قليل، ولا يلقانا فى بجاية وقسنطينة وشرقى الجزائر شعر مديح فى حاكم كبير، وحقا يلقانا شعر مديح يتعلق بصداقات مثل قول محمد بن يحيى بن عبد السلام فى صديقه على بن سيد الناس وعشيرته (١):
شمس السعادة لاسنا النّبراس ... حلّت بأفق على بن سيد الناس
من معشر بذل النوال شعارهم ... وهم الأسود لدى احتدام الباس
فالبس رداء الفخر جرّر ذيله ... وانعم بطيب العيش والإيناس
وأهم شاعر مديح أنتجه شرقى الجزائر فى عهد الدولة الحفصية شهاب الدين بن الخلوف القسنطينى شاعر السلطان أبى عمرو عثمان، وسنخصه بترجمة عما قليل.
وتؤسّس بتلمسان الدولة الزيانية منذ سنة ٦٣٣ ويقود يغمراسن مؤسسها وأبناؤه وأحفاده نهضة علمية وأدبية عظيمة فينشئون المدارس ويكثرون فى مجالسهم من مناظرات العلماء بين أيديهم، ويتخذون المفتين من كبار الفقهاء كما يتخذون الأطباء ويتغنى بمديحهم الشعراء ويجزلون لهم فى العطاء، ومن أول ما يلقانا من ذلك قصيدة لشاعر يغمراسن حين هاجمه السعيد الموحدى صاحب مراكش سنة ٦٤٦ وانتصر عليه يغمراسن، وفيها يقول مهنئا له بالانتصار (٢):
بشرى بعاجل فتح أوجب العرسا ... وأسفر الدّهر عنه بعد ما عبسا (٣)
فتح تبجّست الأنواء صادقة ... بودقه ومحت أنواره الغلسا (٤)
فتح تفتّح باب السعد عن كثب ... عنه وأنجز فيه اليمن ما التمسا (٥)
فتح جرى فى الورى مجرى الحياة فقد ... سرى فمازج منّا النّفس والنّفسا
стр. 4729
والقصيدة جيدة وفيها يشير الشاعر إلى تطور الأحداث فى الحرب ومقتل السعيد الموحدى ويشيد بشجاعة الجيش التلمسانى وبأس فرسانه، وكان من جملة الذخائر التى استولى عليها يغمراسن من محلة الأمير الموحدى السعيد والتى بعد بها صيته وضخم ملكه كما يقول التنسى العقد اليتيم المشتمل على عشرات من خرزات الياقوت والدرر الثمينة بل على مئات كما يقول ابن خلدون فى تاريخه، وعضاد (١) الزمرد، وأنفس من ذلك وأعظم مصحف عثمان بن عفان الذى خطّه بيمينه، وكان قد صار إلى بنى أمية، ونقل إلى عبد الرحمن الداخل فى قرطبة فوقفه بجامعها وغشاه بصفائح الذهب ونظم فى مواضع منها لآلئ نفيسة وأحجار ياقوت وزمرد. وكان أبناؤه يقدمونه أمامهم فى أسفارهم قائمين بحقه إلى أن كان من نعم الله على يغمراسن أن حظى به، إن صحّ ما قاله يحيى بن خلدون وغيره من المؤرخين. ولا تلبث تلمسان أن تنجب الشاعر البارع ابن خميس كاتب أبى سعيد عثمان الأول ابن يغمراسن (٦٨١ - ٧٠٣ هـ) وشاعره، وسنفرد له ترجمة. وكان يعاصره ابن أبى حجلة الذى ترجمنا له فى الجزء الخاص بمصر من هذه السلسلة، وكان قد رحل فى بواكير حياته إلى الحج واستوطن مصر وولى إحدى مشيخات الصوفية وكان يزرى على أصحاب الوحدة من الصوفية، وله مدائح نبوية متعددة وكتب أدبية متنوعة، منها سكردان السلطان أى إناء السكر، وديوان الصبابة أهداهما للسلطان حسن المملوكى، مضمنا فيهما بعض مدائحه فيه من مثل قوله فى الكتاب الأخير:
مليك أسود الغاب تحذر بأسه ... لأن ملوك الأرض طرّا تحاذره
وأىّ كماة لم يرعهم نزاله ... وأى مكان ما علته منابره
ولعل حاكما من حكام الدولة الزيانية لم يمدح كما مدح أبو حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) الذى خلّص تلمسان من حكم المرينيين واستعادها لأسرته، وكان أديبا فذّا وشاعرا ماهرا ونهضت تلمسان فى عهده نهضة علمية وأدبية عظيمة وأحاطت به كوكبة من الشعراء ألم بها وبمدائحها فيه التنسى فى كتابه: «راح الأرواح فيما قاله أبو حمو وقيل فيه من الأمداح» وسنخصه بترجمة بين شعراء الفخر، ومن مداحه وكتّابه محمد بن صالح شقرون وأبو الفضل العصامى ومحمد بن قاسم، ومن مداحه أيضا محمد بن أبى جمعة التلالسى أحد أطبائه، وفيه يقول فى قصيدة (٢):
مطاع شجاع فى الوغى ذو مهابة ... حسام على الباغين فى الأرض قد سلاّ
له راحة كالغيث ينهلّ ودقها ... وصارم نصر مرهف الحدّ لافلاّ
إمام حباه الله ملكا مؤزّرا ... فلا ملك إلا لعزّته ذلاّ
من الزّاب وافانا عزيزا مظفّرا ... يجرّ من النّصر المنوط به ذيلا
стр. 4730
لطاعته كلّ الأنام تبادرت ... فيا سعد من وافى ويا ويح من ولّى
لقد جبر الله البلاد بملكه ... به ملئت أمنّا به ملئت عدلا
والقصيدة بديعة وقد استهلها التلالسى بوصف طبيعة تلمسان الجميلة، ونوه بوجود قبر الصوفى الكبير أبى مدين شعيب فيها، وعاد إلى الإشادة بحسنها وأنها جنة الدنيا ثم أخذ فى مديح أبى حمو واستيلائه على تلمسان من يد الدولة المرينية قهرا ومبادرتها إلى عقد الصلح. وله موشحة أنشدها المقرى فى أزهار الرياض يجمع فيها بين مديحه ومديح الرسول الكريم، ومن مديحه له فيها (١):
من لم يزل يسمو ... إلى المعالى كلّ حين
ذاك أبو حمّو ... المولى أمير المسلمين
طاعته غنم ... نلنا بها دنيا ودين
وكان أبو حمو استنّ فى تلمسان الاحتفال بليلة مولد سيد المرسلين، وكان المنشد يستهلّ الحفل بإنشاد مدحته النبوية، ثم يظل ينشد طويلا ما رفع إليه من مدائح شعراء البلاط فى أبى حمو وفى الرسول الكريم، وتسمى تلك القصائد باسم المولديات، وظل ذلك تقليدا بعده، وسنترجم لشاعرين من شعرائه عما قليل، هما يحيى بن خلدون ومحمد بن يوسف الثغرى. وممن تولى مقاليد الحكم بعده ابنه أبو زيان محمد الثانى (٧٩٦ - ٨٠١ هـ) وكان كلفا بالعلم والأدب-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-وراجت سوقهما فى عهده، وكان شاعرا كما كان عالما، وتهادى مع السلطان المملوكى برقوق (٧٨٤ - ٨٠١ هـ) والطريف أنه وجّه إلى برقوق مع هديته قصيدة من نظمه استهلّها بتصوير أشواقه وحنينه إلى زيارة المصطفى والبقاع المقدسة، ومن قوله بها فى مديح السلطان برقوق (٢):
ملك به نام الأنام وأمّنت ... سبل المخاوف، لا يخاف سبيل
والملك ضخم والجناب مؤمّل ... والفضل جمّ والعطاء جزيل
والصّنع أجمل والفخار مؤثّل ... والمجد أكمل والوفاء أصيل (٣)
يا خادم الحرمين حقّ لك الهنا ... وحباك من روح الإله قبول
وممن انتعش الأدب فى أيامه بعده أبو مالك عبد الواحد الزيانى (٨١٤ - ٨٢٧ هـ) ويقول التنسى إن الأدباء جاءوا إلى بابه ينسلون من كل حدب (٤) فينقلبون بجر (٥) الحقائب، ظافرين