وكان يوسف بن المبارك من موالى بنى حماد، وله فيهم مدائح مختلفة، من ذلك قوله فى بعض قصائده يخاطب الأسرة:
ما منكم إلا همام حوى ... مناقبا جلّى ومجدا صراح (١)
وتبذلون الرّفد يوم النّدى ... وتسعرون الحرب يوم الكفاح (٢)
وترفعون الجار فوق السّها ... وتكرمون الضيف مهما استماح (٣)
لا زلتم تجنون زهر العلا ... فى معرض العزّ بحدّ الصّفاح (٤)
أما ابن أبى المليح فكان اشتهاره بالطب أكثر من اشتهاره بالشعر إذ كان طبيبا ماهرا، ويقول العماد إن له مقطعات فى الغزل جالبة للحب سالبة للبّ ولم يرو منها شيئا له، إنما روى قطعة من قصيدة يهنئ بها الأمير عبد الله بن العزيز الحمادى فى أحد الأعياد واصفا فيها خيله، يقول:
وجالت به جرد المذاكى كأنها ... عذارى ولكن نطقهنّ تحمحم (٥)
وصفراء كالتّبر العتيق صقيلة ... ودهماء يتلوها كميت وأدهم (٦)
وأشقر لو يجرى مع البرق جهده ... لكان له يوم الرّهان التقدم
وحام لواء النّصر يتبع راية ... بها العزّ معقود عليها متمّم (٧)
ويترجم العماد فى نفس الجزء السالف من خريدته لشاعرين من شعراء القلعة الحمادية قدما إلى مصر فى أواخر عهد تلك الدولة هما محمد بن عبد الله بن زكريا القلعى الأصم وعلى بن إسماعيل القلعى، أما محمد فينقل عن كتاب جنان الجنان ورياض الأذهان للرشيد بن الزبير المؤلف حول منتصف القرن السادس الهجرى أنه قال عنه: «كان جيد الشعر، وارى (٨) زناد الفكر» وأنشد له قطعة فى وصف فوارة من قصيدة فى مديح كرامة بن المنصور بن الناصر بن علناس وفيها يقول:
وحاكية بالماء لون اضطرابه ... قواما وحسنا حين يبدو ويوبص (٩)
قضيب لجين ألمع الصّقل متنه ... وأخلصه فى السّبك من قبل مخلص (١٠)
تسامى قليلا ثم عاد كأنه ... جمان حواليها على الماء يرقص (١١)
كأنّ نوالا من يمين «كرامة» ... يمدّ به إذ لا ترى الماء ينقص
стр. 4727
وينقل العماد عن ابن الزبير أنه كان مبخوس الجدّ (١) وأنه ورد إلى الإسكندرية ومصر (الفسطاط) وأقام بهما زمانا لا يجد من يروى ظمأته ويسد خلّته (٢)، وعاد إلى المغرب ونزل بينى الأشقر فى طرابلس الغرب، وامتدحهم بقصيدة ميمية فأحسنوا صلته وعظموا جائزته، ومن قوله فى مديحهم:
وفى ذا الحمى المأمول يأمن خائف ... وفى ذا الندى المعسول ينقع حائم (٣)
عضدتم على أحسابكم بفعالكم ... كما عضدت أسّ البناء الدعائم (٤)
على كلّ أرض من نداكم مياسم ... وفى كل ناد من ثناكم مواسم (٥)
وأما على بن إسماعيل القلعى فينقل العماد عن الرشيد بن الزبير أنه كان من الواردين أيضا على مصر وأن الخليفة الفاطمى الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٤ هـ) استوزر أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالى، وكان هو وأبوه وجده سنيين، ويبدو أنه أراد أن يزيل الخلافة الفاطمية من مصر، فأمر خطباء المساجد أن لا يدعوا فى خطب يوم الجمعة للحافظ وأن يسقطوا من أذانهم للصلاة: «حىّ على خير العمل» شعار الفاطميين، وتنبه أنصار الفاطميين وشيعتهم فقتلوه، ويقول ابن الزبير إن على بن إسماعيل القلعى نظم فى هذا الحادث قصيدة مدح بها الحافظ ومن قوله فيها:
وليل صحبت السيف يرعد حدّه ... وقد شاب فيه مفرق الصّعدة السّمرا (٦)
إلى أن بدا وجه الصّباح كأنه ... لحافظ دين الله آيته الكبرى
ويعلق العماد على وصف الخليفة الحافظ بأنه حافظ لدين الله قائلا: «أستغفر الله من ذلك فإنه لم يكن حافظا وإنما كان مضيّعا».
وتقضى دولة الموحدين وزعيمها عبد المؤمن على الدولة الحمادية فى بجاية وتصبح الجزائر تابعة لها، ويشتهر بها حينئذ شاعران: الحسن بن على بن عمر القسنطينى المعروف باسم ابن الفكون وسنخصه بترجمة، ومحمد (٧) «بن على بن مروان بن جبل الهمدانى الوهرانى الأصل الناشئ بتلمسان، وكان فقيها نابها تولى قضاء تلمسان ثم استقدمه المنصور الموحدى (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ) لقضاء الجماعة بمراكش وظل حميد السيرة مشهورا بالعدل فى أحكامه، وعزله المنصور بعد فترة، وأعاده ابنه الناصر إلى أن توفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٤ م ومن مدائحه للمنصور قوله:
стр. 4728
أسيّدنا يا بن الإمامين أمركم ... منوط بأمر الله ما عنه معدل
نصرتم لأن الحقّ آن ظهوره ... وناصره فى الله ما كان يخذل
ملأتم بساط الأرض عدلا وما بقى ... فأخباركم فيه تسير وتنقل
ويؤسس أبو زكريا منذ سنة ٦٢٥ بتونس الدولة الحفصية وتتبعها بجاية وقسنطينة وشرقى الجزائر إلى ما بعد مليانة، بل حتى أحيانا إلى مدينة الجزائر شمالا وحتى مدينة ورقلة جنوبا، وكانوا يتخذون للمدن الكبرى: قسنطينة وبجاية وبونة ولاة حفصيين. وظلت لبجاية أهمية كبيرة طوال القرن السابع الهجرى ثم خلفتها قسنطينة أو بعبارة أدق نازعتها الأهمية، فقد ظلت فى كليهما حركة أدبية وعلمية نشيطة، على الرغم من أنه لم تنشأ فيهما ولا فى شرقى الجزائر عامة دولة كبيرة كدولة بنى حماد فى بجاية التى قضى عليها عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين ولا كدولة الزيانيين فى تلمسان التى سنلم بها بعد قليل، ولا يلقانا فى بجاية وقسنطينة وشرقى الجزائر شعر مديح فى حاكم كبير، وحقا يلقانا شعر مديح يتعلق بصداقات مثل قول محمد بن يحيى بن عبد السلام فى صديقه على بن سيد الناس وعشيرته (١):
شمس السعادة لاسنا النّبراس ... حلّت بأفق على بن سيد الناس
من معشر بذل النوال شعارهم ... وهم الأسود لدى احتدام الباس
فالبس رداء الفخر جرّر ذيله ... وانعم بطيب العيش والإيناس
وأهم شاعر مديح أنتجه شرقى الجزائر فى عهد الدولة الحفصية شهاب الدين بن الخلوف القسنطينى شاعر السلطان أبى عمرو عثمان، وسنخصه بترجمة عما قليل.
وتؤسّس بتلمسان الدولة الزيانية منذ سنة ٦٣٣ ويقود يغمراسن مؤسسها وأبناؤه وأحفاده نهضة علمية وأدبية عظيمة فينشئون المدارس ويكثرون فى مجالسهم من مناظرات العلماء بين أيديهم، ويتخذون المفتين من كبار الفقهاء كما يتخذون الأطباء ويتغنى بمديحهم الشعراء ويجزلون لهم فى العطاء، ومن أول ما يلقانا من ذلك قصيدة لشاعر يغمراسن حين هاجمه السعيد الموحدى صاحب مراكش سنة ٦٤٦ وانتصر عليه يغمراسن، وفيها يقول مهنئا له بالانتصار (٢):
بشرى بعاجل فتح أوجب العرسا ... وأسفر الدّهر عنه بعد ما عبسا (٣)
فتح تبجّست الأنواء صادقة ... بودقه ومحت أنواره الغلسا (٤)
فتح تفتّح باب السعد عن كثب ... عنه وأنجز فيه اليمن ما التمسا (٥)
فتح جرى فى الورى مجرى الحياة فقد ... سرى فمازج منّا النّفس والنّفسا
стр. 4729
والقصيدة جيدة وفيها يشير الشاعر إلى تطور الأحداث فى الحرب ومقتل السعيد الموحدى ويشيد بشجاعة الجيش التلمسانى وبأس فرسانه، وكان من جملة الذخائر التى استولى عليها يغمراسن من محلة الأمير الموحدى السعيد والتى بعد بها صيته وضخم ملكه كما يقول التنسى العقد اليتيم المشتمل على عشرات من خرزات الياقوت والدرر الثمينة بل على مئات كما يقول ابن خلدون فى تاريخه، وعضاد (١) الزمرد، وأنفس من ذلك وأعظم مصحف عثمان بن عفان الذى خطّه بيمينه، وكان قد صار إلى بنى أمية، ونقل إلى عبد الرحمن الداخل فى قرطبة فوقفه بجامعها وغشاه بصفائح الذهب ونظم فى مواضع منها لآلئ نفيسة وأحجار ياقوت وزمرد. وكان أبناؤه يقدمونه أمامهم فى أسفارهم قائمين بحقه إلى أن كان من نعم الله على يغمراسن أن حظى به، إن صحّ ما قاله يحيى بن خلدون وغيره من المؤرخين. ولا تلبث تلمسان أن تنجب الشاعر البارع ابن خميس كاتب أبى سعيد عثمان الأول ابن يغمراسن (٦٨١ - ٧٠٣ هـ) وشاعره، وسنفرد له ترجمة. وكان يعاصره ابن أبى حجلة الذى ترجمنا له فى الجزء الخاص بمصر من هذه السلسلة، وكان قد رحل فى بواكير حياته إلى الحج واستوطن مصر وولى إحدى مشيخات الصوفية وكان يزرى على أصحاب الوحدة من الصوفية، وله مدائح نبوية متعددة وكتب أدبية متنوعة، منها سكردان السلطان أى إناء السكر، وديوان الصبابة أهداهما للسلطان حسن المملوكى، مضمنا فيهما بعض مدائحه فيه من مثل قوله فى الكتاب الأخير:
مليك أسود الغاب تحذر بأسه ... لأن ملوك الأرض طرّا تحاذره
وأىّ كماة لم يرعهم نزاله ... وأى مكان ما علته منابره
ولعل حاكما من حكام الدولة الزيانية لم يمدح كما مدح أبو حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) الذى خلّص تلمسان من حكم المرينيين واستعادها لأسرته، وكان أديبا فذّا وشاعرا ماهرا ونهضت تلمسان فى عهده نهضة علمية وأدبية عظيمة وأحاطت به كوكبة من الشعراء ألم بها وبمدائحها فيه التنسى فى كتابه: «راح الأرواح فيما قاله أبو حمو وقيل فيه من الأمداح» وسنخصه بترجمة بين شعراء الفخر، ومن مداحه وكتّابه محمد بن صالح شقرون وأبو الفضل العصامى ومحمد بن قاسم، ومن مداحه أيضا محمد بن أبى جمعة التلالسى أحد أطبائه، وفيه يقول فى قصيدة (٢):
مطاع شجاع فى الوغى ذو مهابة ... حسام على الباغين فى الأرض قد سلاّ
له راحة كالغيث ينهلّ ودقها ... وصارم نصر مرهف الحدّ لافلاّ
إمام حباه الله ملكا مؤزّرا ... فلا ملك إلا لعزّته ذلاّ
من الزّاب وافانا عزيزا مظفّرا ... يجرّ من النّصر المنوط به ذيلا
стр. 4730
لطاعته كلّ الأنام تبادرت ... فيا سعد من وافى ويا ويح من ولّى
لقد جبر الله البلاد بملكه ... به ملئت أمنّا به ملئت عدلا
والقصيدة بديعة وقد استهلها التلالسى بوصف طبيعة تلمسان الجميلة، ونوه بوجود قبر الصوفى الكبير أبى مدين شعيب فيها، وعاد إلى الإشادة بحسنها وأنها جنة الدنيا ثم أخذ فى مديح أبى حمو واستيلائه على تلمسان من يد الدولة المرينية قهرا ومبادرتها إلى عقد الصلح. وله موشحة أنشدها المقرى فى أزهار الرياض يجمع فيها بين مديحه ومديح الرسول الكريم، ومن مديحه له فيها (١):
من لم يزل يسمو ... إلى المعالى كلّ حين
ذاك أبو حمّو ... المولى أمير المسلمين
طاعته غنم ... نلنا بها دنيا ودين
وكان أبو حمو استنّ فى تلمسان الاحتفال بليلة مولد سيد المرسلين، وكان المنشد يستهلّ الحفل بإنشاد مدحته النبوية، ثم يظل ينشد طويلا ما رفع إليه من مدائح شعراء البلاط فى أبى حمو وفى الرسول الكريم، وتسمى تلك القصائد باسم المولديات، وظل ذلك تقليدا بعده، وسنترجم لشاعرين من شعرائه عما قليل، هما يحيى بن خلدون ومحمد بن يوسف الثغرى. وممن تولى مقاليد الحكم بعده ابنه أبو زيان محمد الثانى (٧٩٦ - ٨٠١ هـ) وكان كلفا بالعلم والأدب-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-وراجت سوقهما فى عهده، وكان شاعرا كما كان عالما، وتهادى مع السلطان المملوكى برقوق (٧٨٤ - ٨٠١ هـ) والطريف أنه وجّه إلى برقوق مع هديته قصيدة من نظمه استهلّها بتصوير أشواقه وحنينه إلى زيارة المصطفى والبقاع المقدسة، ومن قوله بها فى مديح السلطان برقوق (٢):
ملك به نام الأنام وأمّنت ... سبل المخاوف، لا يخاف سبيل
والملك ضخم والجناب مؤمّل ... والفضل جمّ والعطاء جزيل
والصّنع أجمل والفخار مؤثّل ... والمجد أكمل والوفاء أصيل (٣)
يا خادم الحرمين حقّ لك الهنا ... وحباك من روح الإله قبول
وممن انتعش الأدب فى أيامه بعده أبو مالك عبد الواحد الزيانى (٨١٤ - ٨٢٧ هـ) ويقول التنسى إن الأدباء جاءوا إلى بابه ينسلون من كل حدب (٤) فينقلبون بجر (٥) الحقائب، ظافرين
стр. 4731
بجزيل الرغائب، ويضرب مثلا لمادحيه من غير التلمسانيين قصيدة لشاعر فارسىّ يسمى على العشّاب يهنئه فيها ببعض فتوحه قائلا (١):
ملك تجلّل بالمهابة وارتدى ... وسما فدان له الزمان الأسعد
كم بيّنت آراؤه من مشكل ... والله يكفل ملكه ويؤيّد
ملك أبى الرحمن إلا نصره ... فمن الذى يخفى سناه ويخمد
وربما كان أهم حاكم زيانى بتلمسان بعده المتوكل (٨٦٦ - ٨ هـ) ويعنى الفقيه التنسى بوضع كتاب أرّخ فيه له ولأسرته-كما مرّ بنا-سماه نظم الدر والعقيان فى بيان شرف بنى زيان، وأنهى حديثه فيه عنه بقصيدة فى مديحه ومديح أبنائه الستة، وفيه يقول (٢):
حوى فى صباه من وثاقة رأيه ... مع الحزم ما لم تحوه اللّمم الشّمط (٣)
هو البحر جودا من جميع جهاته ... فمعروفه لجّ وإحسانه الشّطّ
وكلّ بنى الآمال ساعون نحوه ... كذا كلّ من أضناه من دهره قسط (٤)
وبرّز من بين الملوك مجليا ... وأعطاه ربّ العرش فوق الذى أعطوا
وتضعف الدولتان الزيانية والحفصية مع أوائل القرن العاشر الهجرى ويستولى فرديناند ملك إسبانيا من الدولتين على الثغور الشمالية المهمة للجزائر. ويتصدى له خير الدين (بربروس) وعروج ويستخلصان منه مدينة الجزائر سنة ٩٢٢ هـ/١٥١٦ م وما يزال خير الدين ينازله مستوليا منه على الثغور الشمالية ما عدا المرسى الكبير ووهران، ويضيف إقليم الجزائر إلى الدولة العثمانية، ويخلفه عليه ابنه حسن، ولا يزال الجزائريون يستحثونه على منازلة الإسبان، ويسترجع منهم فى سنة ٩٤٨ هـ/١٥٤١ م المرسى الكبير والجزء الأعلى من وهران، ويهنئه الشاعر عبد الرحمن بن موسى بمثل قوله (٥):
هنيئا لكم باشا الجزائر والغرب ... بفتح أساس الكفر مرسى قرى الكلب
وأبقاك ربى فاتحا لحصونهم ... وكهفا منيعا ذا عتوّ وذا ضرب
ويريد بالكلب شارل الخامس ملك إسبانيا وكان قد ساق إلى الجزائر حملة كبيرة، فسحقها البايلاريك حسن. وتظل وهران مع الإسبان، وما يزال الشعراء يستحثون الولاة العثمانيين فى فتحها من مثل محمد بن عبد المؤمن الذى يستحث الداى «باب حسن» على فتحها فى حماسية طويلة منشدا:
стр. 4732
نادتك وهران فلب نداها ... وانزل بها لا تقصدن سواها
واستدع طائفة العساكر نحوها ... يغزونها ولينزلوا بفناها
أضحى الصّليب مؤيدا والدين قد ... درست معالمه فلست تراها
فادع الغزاة لغزوها مستنجدا ... وانهض إليها وانزلن مرساها
وعلى شاكلته محمد القوجيلى. . وسنخصه بكلمة. ويتولى محمد بكداش مقاليد الولاية سنة ١١١٨ هـ/١٧٠٦ م فيعظم الأمل فى نفوس الجزائريين أن يحقق لهم أمنيتهم فى فتح وهران، ويهنئه يحيى بن أبى راشد مشيدا به فى مثل قوله:
ملك تفرّد بالكمال ولم يكن ... لكماله فى السالفين مثال
دانت له الأيّام طرّا مثلما ... دانت لليث الغابة الأشبال
خضعت لسطوته الملوك وسلّمت ... لجلاله الأمراء والأقيال (١)
ويكثر الشعراء من استثارة بكداش. ويدور العام الأول من حكمه، ويفتتح وهران عنوة سنة ١١١٩ هـ/١٧٠٧ م وكان أديبا يجمع النثر والخطابة والشعر، وتبارى شعراء الجزائر والمغرب فى تهنئته بهذا النصر العظيم، وجمع محمد بن ميمون ما نظم فيه من شعر منذ ولايته فى كتابه «التحفة المرضية فى الدولة البكداشية» وجعله فى ست عشرة مقامة. ومن شعرائه أحمد بن قاسم اليونى ومحمد القوجيلى والمستغانمى وابن على الذى هنّأه تهنئه حارة مصورا كيف يسحقهم سحقا لا يبقى ولا يذر بمثل قوله:
إمام سقى الكفار كأس منيّة ... لهم شبه بالنّمل والسيف حاطم
ومزّقهم فى الأرض كلّ ممزّق ... فربعهم-بعد العمارة-طاسم (٢)
وعاد لوهران السنيّة فخرها ... وعاد إليها عهدها المتقادم
ويتوفى بكداش سريعا سنة ١١٢٢ هـ/١٧١٠ م. ويسترد الإسبان وهران وتظل فى حوزتهم حتى سنة ١٢٠٥ هـ/١٧٩٠ لعهد الباي محمد الكبير، فيفتتحها نهائيا، وكانت الحياة الأدبية نشطت لعهده والتف حوله غير شاعر مثل أحمد القرومى ومحمد بن الطيب المازرى وأحمد بن عمار، ومن أهمهم أحمد بن سحنون كاتبه، وله فى فتحه لوهران أرجوزة طويلة افتتحها بقوله:
حمدا لمن آزر نصر الدّين ... ودان ناصريه أسنى الدّين
وفتّح الأقطار بالجهاد ... حتى غدت ليّنة المهاد
وشرح الأرجوزة شرحا أدبيا تاريخيّا سماه: «الثغر الجمانى فى ابتسام الثغر الوهرانى» وصف فيه الفتح وسيرة الباي والشعراء الذين مجّدوه وبعض أشعارهم فى تهنئته بالفتح،
стр. 4733
ووصف منشئاته العمرانية وخاصة الجامع الكبير الذى شاده والمدرسة الملحقة به وفيها يقول (١) أحمد القرومى:
وترى المدرّس قد علا كرسيّه ... يلقى على العلماء حبّ الجوهر
تحويه مدرسة غدت آثارها ... تحييه بالعلم الشريف الأشعرى
وكانت عقيدة الأشعرى قد شاعت فى البلدان المغربية-مثل العراق والشام ومصر- منذ القرن الخامس الهجرى. ويعترف ابن سحنون فى «الثغر الجمانى» بضعف الشعر فى زمنه لغلبة العجمة على الألسنة، فصار الناس يتغنّون بالملحون (العامى) وبه يهجون ويمدحون» ويضيف أن الشعر الفصيح شاع فيه الكسر فى الأوزان والاختلال فى المبانى والمعانى.
ويكثر فى العهد العثمانى مديح التلامذة لشيوخهم على نحو ما يلقانا عند محمد القوجيلى فى مديحه لأستاذه على بن عبد الواحد الأنصارى، وسنفرد له ترجمة عما قليل. ويكثر الشعر المتبادل بين العلماء فى الجزائر وبينهم وبين علماء تونس والمغرب الأقصى، وحرى أن نتوقف لنترجم لبعض شعراء المديح.
عبد (٢) الكريم النهشلى
ولد ونشأ فى مدينة المسيلة (المحمدية) بالجزائر الشرقية فى أرض الزاب، وفيها كان مرباه وتلمذته لشيوخها فى الأدب وتفتحت ملكته الشعرية مبكرة، مما جعله يترك بلدته إلى القيروان العاصمة، ولا يلبث أن ينتظم فى دواوين الدولة الصنهاجية، ويقال إنه كتب لتميم بن باديس بن المنصور، غير أنه كتب للمنصور بن بلكين من قبله ثم لباديس من بعده وأصبح شاعرهما. ومر بنا أن له فى الشعر والنقد كتابا سماه الممتع وأن ابن رشيق نقل عنه فى كتاب العمدة فى «صناعة الشعر ونقده» وذكره مرارا وترجم له فى كتابه الأنموذج ومما قاله عنه أنه: «كان شاعرا مقدما عارفا باللغة خبيرا بأيام العرب وأشعارها بصيرا بوقائعها وآثارها» ويدل كتابه الممتع على ثقافة واسعة بالشعر سعة لا حدود لها كما يدل على ذوق أدبى مرهف مع البصر بنقد الشعر وأحكام النقاد عليه. ويقول ابن رشيق إنه توفى بالقيروان أو مدينة المهدية سنة ٤٠٥ هـ/١٠١٤ م وأنشد له أبياتا من قصيدة فى مديح المنصور بن بلكين وما ذكر فيها من هدية أرسلت إليه من الخليفة الفاطمى العزيز نزار سنة ٣٨٤ هـ/٩٩٤ م وكان بها طائفة من
стр. 4734
الخيل الكريمة والإبل البخاتيّ النجيبة وحمارا مخططا من حمر الوحش وفيلا ضخما، ووصفها النهشلى جميعا وصفا بارعا، استهله بقوله:
هنتك أمير الجود خير هديّة ... تقدّمها الإيمان واليمن والفخر
ومضى يصف الهدية، وكان حريا بابن رشيق أن ينشد شيئا من مديحه الذى كان يبرع فيه براعة فائقة كما تشهد بذلك بائية له فى المنصور بن بلكين أنشد منها طائفة كبيرة فى كتابه الممتع، وفيها يصور هيبة مجلسه منشدا:
ومجلس موقور الجلالة تنثنى ... عيون الورى عنه وينبو خطابها
ترى فيه رفع الطّرف خفضا كأنما ... لحاظ الرجال ريبة تستريبها
إذا حكتها ظلّت نواسج عبقر ... حواسد مدسوسا إلىّ عتابها
على ملك تهدى إلى مكرماته ... عقائل أشعار يرفّ شبابها
همام دعت كفّاه قاصية العلا ... فلبّاه منها صفوها ولبابها
فهو مجلس محفوف بالجلال حتى لتنثنى عنه العيون مهابة ويتعثر الكلام فى الأفواه وينخفض الطرف ريبة يستشعرها. وإذا حاك قصيدته الرائعة فيه ظلت نواسج عبقر تحسده على إحسانه فيها إحسانا يفوق كل وصف، وما تزال نفائس الأشعار تزفّ إليه، وإنه لهمام تستجيب إليه ذروة العلا فينال منها صفوها ولبابها الخالص ويقول:
إذا ورد المنصور أرضا تهلّلت ... وجوه رباها واستهلّ ربابها (١)
إذا اغبرّت الآفاق بلّت سماؤه ... ثراها بأيد ما يجفّ رغابها (٢)
كأن العوالى الزّرق عنه مضاؤها ... وخضر السحاب من نداه عبابها (٣)
فمن يوله سعدا ينله ومن يرد ... يه شقوة تخلع عليه ثيابها
يحلّ بنا-ما حلّها-البرّ والتّقى ... ويخضرّ من بعد اصفرار جنابها
فما ينزل المنصور أرضا حتى تمتلئ رباها بشرا ويسقط بها الغيث مدرارا، وما إن تغبرّ الآفاق وتجف الديار حتى يهطل عليها من سمائه ما يرويها ويحيلها أرضا سهلة خصبة. ويقول كأن أسنة العوالى أو الرماح الزرق من مضائه وعزمه، وكأن غيث السحاب المنهمر من نداه وكرمه الفياض، وإن من يمنحه سعدا ينله ومن ينزل به شقاء يصبه، وإن أى أرض يحلّ بها يحلّ فيها التقى والرحمة والربيع الزاهى، ويمضى قائلا:
وما بلد لم يؤتك الطّوع أهلها ... بآمنة أن لا تدكّ هضابها
تحطّ بها الأسد الضوارى خواضعا ... لديك ولو أن الكواكب غابها
стр. 4735
ولو أنها عاصتك غير مجيبة ... أجابتك من تحت السيوف رقابها
تهابك آفات الخطوب فتنتهى ... ولا تنتهى عن خطّة فتهابها
رماحك أحناء الضلوع نقافها ... وخيلك تامور النفوس شرابها (١)
وهو يقول للمنصور إن بلدا لم تستسلم لك ولم تأتك طاعة أهلها لا تأمن أن تدكّ هضابها دكّا كأن لم تكن شيئا مذكورا، وإن الأسد الضارية المفترسة بها لتحطّ لديك خواضع مهما كان غابها وغيلها بعيدا ولو أنها أعلنت عصيانك لأجابتك رقابها من تحت السيوف ذليلة خانعة، وإن الخطوب-مهما عظمت-لتهابك، بينما أنت لا تهاب خطة، إذ لا تزال تبرم الخطط، وتلك رماحك لا تزال تضرب فى أحناء الضلوع، ولا يزال شراب خيلك دم الأعداء. والقصيدة مكتوبة بلغة جزلة رصينة وكأنها تقرع الآذان قرعا بموسيقاها اللجبة، وكأنما تمتلئ برعد قاصف. وبدون ريب كان عبد الكريم النهشلى شاعرا مبدعا.
عبد (٢) الله بن محمد التنوخى (ابن قاضى ميلة)
تقع ميلة فى الشمال الغربى لقسطنطينية والجنوب الشرقى من بجاية، وبها نشأ عبد الله بن محمد التنوخى فى بيت علم إذ كان أبوه قاضيها، ولذلك اشتهر باسم ابن قاضى ميلة، ويقول ابن رشيق إنه صحب أباه إلى جزيرة صقلية، فاتصل عن طريقه بواليها ثقة الدولة (٣٧٩ - ٣٨٨ هـ) وكان حسن السيرة، ضبط صقلية وساس رعيتها سياسة عادلة حببته إليها، ودوّخ الروم واستقامت له فيها الأمور، وكان كريما كرما فياضا فقصده كثيرون من كل فجّ، فأكرمهم وفى مقدمتهم قاضى ميلة. وكان ابنه عبد الله شاعرا محسنا، فمدحه بقصيدة فائية بارعة، فقرب منزلته ومنزلة أبيه وأجزل صلته، ويبدو أنهما لم يمكثا طويلا بصقلية. وأشاد بابن قاضى ميلة من ترجموا له، فابن رشيق يقول فيه: «شاعر لسن مقتدر يؤثر الاستعارة ويسلك طريق ابن أبى ربيعة وأصحابه فى نظم الأقوال والحكايات، وله فى الشعر قدم سابقة ومجال متسع، وربما بلغ فى الإغراق والتعمق إلى فوق الواجب، وهو لهج بذلك طالب له». ويقول ابن بسام فيه: «ضرب فى الأدب بأعلى قدح وافترّ عنه على أوضح صبح». ونوه ابن خلكان بفائيته فى ثقة الدولة، ويقول أحببت إثباتها لحسنها وغرابتها، وأنشدها. وهو يستهلها بغزل حوارى لصاحبة له التقى بها محرمين فى الحج، وهو غزل بديع سنذكر طرفا منه فى غير هذا الموضع، وخرج منه إلى مديح ثقة الدولة والى صقلية فى يوم عيد من أعيادهم، وفيه يقول:
стр. 4736
أغرّ قضاعىّ يكاد نواله ... لكثرة ما يدعو إلى الشّكر يجحف (١)
سعى وسعى الأملاك فى طلب العلا ... ففاز وأكدوا إذ أخفّ وأقطفوا (٢)
ويقظان شاب البطش بالبرّ والتّقى ... بكفّيه ما يرجى وما يتخوّف
حسام على من ناصب الدين مصلت ... وستر على من راقب الله مغدف (٣)
يسايره جيشان: رأى وفيلق ... ويصحبه سيفان: عزم ومرهف
مطلّ على من شاءه فكأنما ... على حكمه صرف الرّدى يتصرّف
وهو يقول إن كثرة نواله وعطائه تكلّف من الشكر ما لا يكاد يطاق لعظم ما ينثر من أمواله على الناس، وقد سعى وسعى الملوك من حوله فى طلب العلا ففاز وخابوا إذ أسرع فسبقهم وأبطئوا فتخلفوا، وإنه ليقظان دائما يجمع بين البر والتقوى والبطش الشديد، ففى كفيه ما يرجى من الجود ويخشى من البأس العنيف، وإنه لحسام مسلول على أعداء الدين وستر مسبل على أوليائه، يرافقه جيشان من حزمه وجنده، وسيفان: سيف مرهف وسيف من عزمه، وكأنما ينزل صرف الهلاك على رأيه ويتصرف على حكمه، ويدعو له الله أن يرعاه:
رعى الله من ترعى حمى الدين عينه ... ويحمى حمى الإسلام والليل أغضف (٤)
ومن وعده فى مسرح الحمد مطلق ... وإيعاده فى ذمّة الحلم موقف
ومن يضرب الأعداء هبرا فتنثنى ... صناديدهم والبيض بالهام تقذف (٥)
رماهم بمجر ضعضع الأرض رزّه ... كأن الروابى منه بالنّبل تدلف (٦)
كأن الرّدينيّات فى رونق الضّحى ... أراقم فى طام من الآل تزحف (٧)
يعود الدّجى من بيضه وهو أبيض ... ويبدو الضحى من نقعه وهو أكلف (٨)
وهو يدعو الله أن يحمى حامى الدين والإسلام والليل أشد ما يكون ظلاما، الوافى بوعده والممسك بوعيده يمسك به حلمه، وإنه ليضرب الأعداء ضربات متوالية والسيوف تقذف بالرءوس إذ رماهم بجيش كثيف تهتز الأرض تحت أقدام خيله حتى لكأن الروابى تقدم إليها، وكأن الرماح أراقم تزحف فى أمواج من السراب، وشاب الدجى، وبدا الضحى كلفا مغبرا فى احمرار لكثرة النقع وغبار الحرب، ويقول:
стр. 4737
فيا ثقة الملك الذى الملك سهمه ... يراش لأكباد الأعادى ويرصف (١)
هنيئا لك العيد الذى منك حسنه ... يروق ومن أوصافك الغرّ يوصف
بدا معلم الأرجاء يزهى كأنما ... على عطفه وشى العراق المشفّف (٢)
أتى بعد حول زائرا عن تشوّف ... وقد كان ذا طرف للقياك يطرف
فطوّقته عزّا وشنّفته به ... فلاح لنا وهو المحلّى المشنّف (٣)
ولا زلت تستجدى فتولى وترتجى ... فتكفى وتستدعى لخطب فتكشف
وهو يقول له يا ثقة الملك لا زال سهم ملكك يسدّد إلى أكباد الأعادى فينفذ فيها ويصميها وهنيئا لك العيد الذى يستمد منك حسنه وأوصافه البديعة، وإنه ليمتلئ زهوا بما على جوانبه من وشى العراق الشفاف الرقيق، وقد ظل حولا يتطلع إليك ويتمنى زيارتك، فحليته بطوق رائع وقرط بديع، فلا زلت تستحدى فتنعم وترتجى فتلبّى وتستدعى لخطب فتكشف نوازله. وأنشد ابن رشيق من مديحه قوله:
طبّ بأدواء الجهاد إذا ... صدم العجاج قوادم النّسر
وإذا احتبى فى شملة ضربت ... بيض النّوال جماجم الفقر
يندى وأيدى المزن جامدة ... ويلين عند قساوة الدهر
فصاحبه يعرف كيف يشفى أدواء الجهاد حين تشتد الحرب وتحتدم ويصدم عجاجها وغبارها الكثيف قوادم النسور وأجنحتها المحلقة. هذا شأنه فى الحرب أما فى السلم فلا تزال سيوف نواله وعطائه تضرب جماجم الفقر، وإن يديه لتجودان جودا متصلا حين تشح أيدى السحاب، وإن جانبه ليلين لوارديه عند قساوة الدهر وشدته. وواضح ما يتميز به ابن قاضى ميلة من التعمق والبعد فى التصاوير.
ابن (٤) خميس
هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن خميس الحميرى الحجرى الرّعينى التلمسانى، ويتضح من نسبه أنه ينمى إلى حمير من عرب اليمن فى الجنوب، وبالذات من حجر ذى رعين، وذكر ذلك فى شعره مفاخرا به قائلا:
стр. 4738
وإن انتسبت فإنّنى من دوحة ... تتفيّأ الأنساب برد ظلالها
من حمير من ذى رعين من ذرا ... حجر من العظماء من أقيالها (١)
ولد بتلمسان سنة ٦٥٠ هـ/١٣٥٣ م أو قبلها بقليل، وبها كان منشؤه ومرباه، ولا نعلم شيئا عن أسرته وأكبر الظن أنه كان من أسرة متواضعة، وقد أقبل على حلقات العلماء ينهل منها، وسرعان ما عرف بين أقرانه بذكائه. وتتفتح موهبته الأدبية، ويصبح من كتاب ديوان الإنشاء فى عهد السلطان التلمسانى يغمراسن ثم فى عهد ابنه أبى سعيد عثمان (٦٨١ - ٧٠٣ هـ) وقد التقى بالعبدرى الرحالة وأكثر العبدرى من مجالسته ورواية أشعاره فى رحلته وأثنى عليه. وحدث فى أواخر عهد هذا السلطان سنة ٦٩٨ أن حاصر السلطان يوسف بن عبد الحق المرينى تلمسان ومات سلطانها أبو سعيد فى أثناء الحصار كمدا سنة ٧٠٣ هـ/١٣٠٤ م. ونجد ابن خميس يغادر تلمسان فى نفس السنة إلى سبتة على مضيق جبل طارق، ويستظهر ناشر الديوان ومحققه المقدم له الأستاذ عبد الوهاب بن منصور أن يكون ذلك بسبب نصيحة قدمها ابن خميس إلى أولى الأمر التلمسانيين بالدخول فى طاعة المرينيين مما أوغر صدورهم عليه وجعلهم يفكرون فى قتله، وأحس بذلك ففر عن تلمسان، وهو ينشد:
وأغروا بنفسى طلاّبها ... سرارا فجاءوا لقتلى صراحا
فشاورت نفسى فى ذا فما ... رأت لى بغير الفلاة فلاحا
وقد فرّ ابن خميس إلى الفلاة ثم إلى سبتة وأمرائها من أسرة بنى العزفى فرحبوا به وأغدقوا عليه من نوالهم وأغدق عليهم من مدائحه، وكان قد عزم على الإقامة بها وإقراء طلابها، غير أن بعض الماكرين من شيوخها دسّوا عليه أسئلة نحوية على لسان الطلاب فلم يعجبه المقام بها، وجاز الزقاق إلى مالقة بالأندلس فغرناطة أواخر سنة ٧٠٣ وكان يحكمها حينئذ الأمير محمد الثالث (٧٠١ - ٧٠٨ هـ) ووزيره أبو عبد الله بن الحكيم وكان أديبا وراعيا للأدباء من أمثال عبد المهيمن الحضرمى وأبى العباس العزفى فما إن وفد عليه ابن خميس حتى ألحقه بمجلسه وأسبغ عليه عطاياه، وأخذ ابن خميس يضفى عليه مدائحه، وجال فى المرية وغير المرية بعض جولات غير أن استقراره كان فى غرناطه بجوار راعيه ابن الحكيم، ويقال إنه كان يقرئ فيها العربية مع ملازمته لمجالس ابن الحكيم، وحين دبّر خصوم الوزير لمقتله وقتلوه قتلوا معه شاعره ابن خميس يوم عيد الفطر مستهل شوال سنة ٧٠٨ هـ/١٣٠٩ م.
ويعد ابن خميس أهم شعراء المائة السابعة فى الجزائر بل فى المغرب عامة، وفيه يقول لسان الدين بن الخطيب إنه «فحل الأوان فى المطول وأقدر الناس على اجتلاب الغريب» ويقول ابن خاتمة: «كان-﵀-من فحول الشعراء وأعلام البلغاء، يصرّف العويص،
стр. 4739
ويرتكب مستصعبات القوافى، ويطير فى القريض مطار ذوى القوادم الباسقة والخوافى» ولقبه يحيى بن خلدون بشاعر المائة السابعة الدّباج الذى لا نظير له، ويقول محققه إنه «يمتاز فى شعره على الخصوص بظاهرتين: الجانب القصصى وغرابة الألفاظ، وقلّ من شعراء القرن السابع من يضارعه فى قوة العارضة وخصب القريحة وفيض الخاطر وطول النفس، وندر من يماثله فى سلاسة المبانى وسلاسة المعانى». والقصص عنده قصص تاريخى ولذلك يحتاج قارؤه فى فهم بعض اشعاره إلى الرجوع للمصادر التاريخية، وكان يكلف بالغريب قائلا فى بعض شعره:
ما ذاق طعم بلاغة ... من ليس للوحشىّ ماضغ
ولم يكن يعممه فى أشعاره، وكأنما كان يريد باستظهاره أحيانا العودة إلى الصياغة الشعرية القديمة إمعانا فى العروبة. ولم يكن يفزع إلى الغريب دائما إنما كان يفزع إليه فى مخاطبة بنى العزفى وابن الحكيم لما عرفوا به هم ومجالسوهم من اتساع الثقافة اللغوية. ومن أشعاره فى بنى العزفى خائية طنانة استهلها برثاء تلمسان وما أصابها من حصار السلطان يوسف المرينى منذ سنة ٦٩٨ وتعطل معاهد أنسه بها، ويلوم بنى زيان لتشتيتهم له ولأمثاله ممن نصحوهم بالدخول فى طاعة المرينيين حتى يفكوا عنهم هذا الحصار الذى طال أمده، ويخرج إلى مدح سبتة وبنى العزفى منشدا:
تركت لمينا سبتة كلّ نجعة ... كما تركت للعزّ أهضابها الشمخ (١)
وآليت أن لا أرتوى غير مائها ... ولو حلّ لى فى غيره المنّ والمذخ (٢)
فأملاكها الصّيد المقاولة الألى ... لعزّهم تعنو الطّراخمة البلخ (٣)
كواكب هدى فى سماء رياسة ... تضيء فما يدجو ضلال ولا يطخو (٤)
بنو العزفيّين الألى من صدورهم ... وأيديهم تملا القراطيس والطّرخ (٥)
رياسة أخيار وملك أفاضل ... كرام لهم فى كلّ صالحة رضخ (٦)
وهو يقول إنه ترك لميناء سبتة كل ما يرجى من نجعة ومعروف، كما تركت للعز وديانها الشامخة، وآلى أن لا يرتوى بغير مائها حتى لو عرض له فى غيرها عسل المن المذكور فى القرآن وعسل الرمان، فحسبه أن ينعم بلقاء ملوكها العظام الذين يخضع لهم الأشراف المزهوون، وإنهم لكواكب هدى فما يظلم ضلال ولا يعتم، علماء أجلاء تمتلئ القراطيس والطوامير
стр. 4740
بعلمهم، أخيار أفاضل كرام، لهم فى كل صالحة من عمل رضخ أو عطاء جليل، ويقول لهم:
بنى العزفيّين أبلغوا ما أردتم ... فما دون ما تبغون وحل ولا زلخ (١)
ولا تقعدوا عمن أراد سجالكم ... فما غربكم جفّ ولا غرفكم وضخ (٢)
وخلّوا وراء كلّ طالب غاية ... وتيهوا على من رام شأوكم وانخوا (٣)
ولا تذروا الجوزاء تعلو عليكم ... ففى رأسها من وطء أسلافكم شدخ (٤)
وهو يقول لهم إن الدنيا تبلغكم كل ما أردتم من منى وآمال فخذوا منها ما تشاءون فما عائق يحول بينكم وبين ما تتمنون وتأملون ولا تلتفتوا إلى من ابتعى مفاخرتكم بأعماله، فما دلوكم خال ولا غرفكم قليل، وخلّوا وراءكم كل طالب غاية وتيهوا وامتلئوا افتخارا على من يروم أن يبلغ شأوكم من المجد والفخار، ولا تدعوا الجوزاء تشعر بأنها تعلو عليكم ففى رأسها من وطء أسلافكم شدوخ وشروخ. ويمدح ابن الحكيم الوزير الغرناطى فى شعبان سنة ٧٠٦ للهجرة بقصيدة همزية يستهلها بحنين وشوق ظامئ إلى تلمسان ويخلص إلى مديح الوزير منشدا:
ولولا جوار ابن الحكيم محمد ... لما فات نفسى من بنى الدهر إقماء (٥)
حمانى فلم تنشب محلّى نوائب ... بسوء ولم ترزأ فؤادي أرزاء (٦)
دعانى إلى المجد الذى كنت آملا ... فلم يك لى عن دعوة المجد إبطاء
وبوّأنى من هضبة المجد تلعة ... يناجى السّها منها صعود وطأطاء (٧)
يشيّعنى منها إذا سرت حافظ ... وبكلوى فيها إذا نمت كلاّء (٨)
ولا مثل نومى فى كفالة غيره ... وللذئب إلمام وللصّل إلماء (٩)
إذا كان لى من نائب الملك كافل ... ففى حيثما هوّمت كنّ وإدفاء
وهو يعترف بما للوزير ابن الحكيم الغرناطى عليه من منة مشكورة، فلولاه لساق إليه الناس ما يشعره بالذل فقد حماه منهم ومن نوائب الدهر ومحنه، بل لقد دعاه إلى ما كان يتمنى من مجد وأنزله من هضبته مكانا عليا يناجى منه نجم السّها صعودا وهبوطا، وحافظ يشيّعه إذا سار وحافظ يكلؤه ويسهر عليه إذا نام، لا كمثل من لا يرعون من يحمونهم من الذئاب والأفاعى، بل رعاية وكفالة تامة وكنّ مريح يرد البرد ودفء ما بعده دفء. وله وراء ذلك فى ابن الحكيم مدائح تموج بالغريب وبالصور البديعة، فقد كان مصورا بارعا، وكان يخف عليه الجناس
стр. 4741
والطباق حين يريدهما، وهو يعد فى الذروة من شعراء المغرب عامة والجزائر خاصة وسننشد له أشعارا فى الطبيعة وفى النزعة الصوفية إذ كان فنانا كبيرا فى كل ما ألم به من موضوعات.
محمد (١) بن يوسف القيسى الثغرى التلمسانى
أهم شعراء الجزائر فى المائة الثامنة لعهد أبى حمو موسى الثانى، وكان يعاصر كوكبة من الشعراء المبدعين أمثال ابن أبى جمعة التلالسى وعبد المؤمن بن يوسف المديونى ومحمد بن صالح الشقرونى وابن ميمون السنوسى ومحمد بن على العصامى ويحيى بن خلدون وغيرهم كثير. وليس بين أيدينا ما يشير إلى التكوين الأدبى للثغرى، غير أن بيئته كانت تكتظ بالعلماء والأدباء، وكان من ترى فيه مخايل النبوغ الأدبى يختار للعمل فى دواوين الدولة، واختير الثغرى وأصبح كاتب الإنشاء لأبى حمو الثانى، كما أصبح شاعره الفذ الأول، وكان أبو حمو الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) يرعى الأدباء ويجزل لهم العطاء، وكان أديبا كما كان شاعرا كبيرا فطبيعى أن يعنى بالأدباء والشعراء لعهده وأن يكون لشاعره محمد بن يوسف الثغرى حظ كبير من هذه العناية. وكان قد استنّ الاحتفال بالمولد النبوى منذ استولى على صولجان الحكم فكان ينظم فيه مدحة مولدية وكذلك شعراؤه وفى مقدمتهم الثغرى، وكانوا يستطردون فيها من مديح الرسول ﷺ إلى مديحه، وسنلم بذلك فى حديثنا عن المديح النبوى إنما تهمنا الآن مدائح الثغرى فى أبى حمو موسى الثانى وابنيه أبى ناشفين وأبى زيان، ومن قصيدة يمدح فيها أبا حمو:
يا إمام الهدى وشمس المعالى ... وغمام النّدى وبدر النّوادى
لك بين الملوك سرّ خفىّ ... ليس معناه للعقول ببادى
وكأنّ البلاد كفّك مهما ... كان فيها من ينتمى لعناد
لم تزل دائما تحنّ إليكم ... كحنين السّقيم للعوّاد
قد أطاعتكم البلاد جميعا ... طاعة أرغمت أنوف الأعادى
فأريحوا الجياد أتعبتموها ... وأقرّوا السّيوف فى الأغماد
وهو يشيد به، فيجعله إمام الهدى وشمس المعالى وسحاب الكرم والبدر المضيئ الهادى ويقول إن له سر اخفيا بين الملوك جعله محبوبا من شعبه، وكأنما يقبض على البلاد بكفه، بل هى كفه، حتى لو كان فيها خارج عليكم، وإنها لا تزال تحن إليكم حنين السقيم للعواد،
стр. 4742
فأنت بلسمها المداوى الشافى. ويقول إن البلاد جميعا تطيعك فأرح الجياد التى طالما أتعبتها وأقرّ السيوف فى أغمادها وعش قرير العين مطمئن البال. وله فيه من أخرى أشاد فيها بتلمسان ومشاهدها إشادة بديعة، وفيه وفى قبيلته بنى عبد الواد يقول:
فرسان عبد الواد آساد الوغى ... حاموا الذّمار أولو الفخار الأطول
وإذا أمير المؤمنين رأيته ... فالثم ثرى ذاك البساط وقبّل
بشرى لعبد الواد بالملك الذى ... خلصوا به من كل خطب معضل
وكفاهم سعدا أبو حمّو الذى ... يحمى حماهم بالحسام الفيصل
وبحسن نيّته لهم وبجدّه ... وبسعده وبسعيه المتقبّل
ذو الهمّة العليا التى آثارها ... حلّت به فوق السّماك الأعزل
وهو يشيد بفرسان قبيلة عبد الواد أسد الحروب أصحاب الفخار العظيم الذين يحمون الحمى، وإذا رأيت أمير المؤمنين فقدم له كل ما يمكن من تجلة، وبشرى لعبد الواد ملكهم الذى خلصهم من كل ما ألم بهم من خطوب خطيرة، ويكفيهم سعدا أنه أبو حمو حامى حماهم بشجاعته الباسلة وهمته القعساء التى حلّت به فوق نجم السماك المصعد فى السماء. وكان ما يزال ينظم مولديات فى احتفال أبى حمو بليلة المولد النبوى وكان يستطرد فيها إلى مديحه دائما بمثل قوله فى إحداها:
ظفر التّقى والعدل من موسى الرّضا ... بالجوهر الفرد الذى لا يتأم
يا أيها الملك التقىّ ومن له ... شرف على سمك السّماك مخيّم
أعطيت بالعدل الخلافة حقّها ... فملوكها فى حقها لك سلّموا
جود وإحسان وقصد فى الهدى ... حسن وعقد فى التقى مستحكم
وتواضع يعلى وقدر يعتلى ... وندى يد تهمى وبشر يبسم
والحلم أوسع والجناب مؤمّل ... والعزّ أمنع والسجيّة أكرم
وهو يقول إن التقى والعدل جميعا ظفرا من أبى حمو بالجوهر الفرد الذى لا نظير له، وإن تقاه ليخلع عليه شرفا يسمو به فوق نجم السماك الأعلى، وبالمثل عدله الذى يسبغ على الخلافة جميع حقوقها مما جعل ملوكها يسلّمون لك عن يد، وهذا أنت جود وإحسان وهدى وتقى وتواضع ومكانة كبيرة وكرم يهمى ويهطل وبشر يبسم وحلم أوسع وكنف مؤمّل وعز منيع وسجايا كريمة. ويظل يرصف له فضائل كريمة كثيرة. ويتحول الثغرى بعد أبى حمو الثانى شاعرا لابنه أبى تاشفين (٧٩١ - ٧٩٥ هـ) وينشده مولديات يستطرد فيها إلى مديحه من مثل قوله فى الاحتفال بليلة سابقة لليلة المولد الشريف:
стр. 4743
إمام تولّى الله تشييد فخره ... فما شئت من مجد ومن كرم عدّ
يعدّ إلى الأعداء كلّ كتيبة ... بها الجرد تردى والقوارس كالأسد
يهاب ويرجى فى جلال جماله ... كليث وغيث فى وعيد وفى وعد
فيا مالكا يحمى الرعيّة رعيه ... ويحييهم بالبذل والعيشة الرّغد
ويكفلهم بالعدل والفضل والنّدى ... ويشملهم بالجود والرفق والرّفد
وهو يمدح أبا تاشفين بما أسبغ الله عليه من مجد ومن كرم فياض، ويقول إنه يعد إلى الأعداء كتائب تضرب خيلها الأرض بحوافرها الصلبة ويضرب فرسانها الأعداء ضربات مصمية، وإنه ليهاب كليث فى وعيده ويرجى كغيث فى وعده، ودائما يحمى الرعية برعايته ويحييهم بما يسبغ عليهم من عطاء ورخاء مع ما يكلفهم به من العدل والفضل ويشملهم به من الرفق والجود والكرم المدرار. ويلحق الشاعر عصر أبى زيان (٧٩٦ - ٨٠١ هـ) وفيه يقول من ميلادية طويلة:
لئن كان بحرا فى العلوم فإن فى ... بنان يديه للنّدى أبحرا عشرا
وما همّه إلا كتاب وسنّة ... بنسخهما قد أحرز الفخر والأجرا
فنسخ كتاب الله ﷻ ... ونسخ البخارى ضامنان له النّصرا
ومن كان يعتدّ الشفاء شفاءه ... فمن علل الأوزار فى نسخه يبرا
ولم أدر والأوراق راقت بخطّه ... أمسكا على الكافور ينثر أم حبرا
ألا هكذا فليسم للمجد من سما ... ويجرى لآماد الفضائل من أجرى
وكان أبو زيان كلفا بالعلم كما وصفه التنسى ولم يخل مجلسا له من مناظرة أو مذاكرة ومحاضرة، وكان غيثا مدرارا فى الجود والكرم، وجعل همه-كما يقول الثغرى والتنسى- كتابة نسخ من المصحف الشريف، وتحتفظ الخزانة العامة للرباط بإحدى هذه النسخ النفيسة، وهى على رق غزال ومحلاة بالذهب وجميع ما فيها من أسماء الله الحسنى مكتوب بالذهب وكتب نسخة من صحيح البخارى ونسخا من كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ للقاضى عياض. وبحق ما يقوله الثغرى من أن من يعتد شفاء القاضى عياض شفاء له يبرأ به من جميع الأوزار فما بالك بمن يعتد بالبخارى وأهم من ذلك وأعظم بالقرآن الكريم. ويقول الثغرى إن من يرى المداد على تلك الأوراق إنما يرى مسكا منثورا على الكافور، وما أعظمه من مجد حققه لنفسه أبو زيان، وهو مجد خليق بأن يتسابق إليه المتسابقون ويتنافس فيه المتنافسون. ولم تذكر المراجع متى توفى الثغرى، وأكبر الظن أنه توفى فى آخر القرن الثامن أو فى أوائل التاسع الهجرى.
стр. 4744
الشهاب (١) بن الخلوف
هو شهاب الدين أحمد بن أبى القاسم بن عبد الرحمن بن الخلوف لقبا الحميرى نسبا، ولد لأبيه فى قسنطينة سنة ٨٢٩ هـ/١٤٢٥ م وقصد بابنه بعد ولادته توّا لأداء فريضة الحج، وظل مجاورا بمكة أربع سنوات، وبارحها إلى مدينة بيت المقدس واستقر بها حتى توفى سنة ٨٥٩ هـ/١٤٥٥ م. وفيها نشأ ابنه الشهاب، فحفظ القرآن واختلف-بعد حفظه-إلى حلقات الفقهاء واللغويين والقراء وغيرهم من العلماء، واستوعب كثيرا مما عندهم، وشغف- منذ صباه-بالأدب شعرا ونثرا كما يحكى الدكتور هشام بوقمرة محقق ديوانه فى مقدمته له، إذ ذكر أن الشاعر قال فى إحدى مخطوطات ديوانه: «كنت ممن ولع بعصفورى النظم والنثر فى الصبا، مستوهبا من دوحتيهما نسمتى القبول والصّبا، مقتطفا لزهرتيهما من رياض الآداب، ملتقطا لدرتيهما من أصداف الطّلاب (٢)، لا أسلك واديا لم يترنم فيه حمامهما، ولا أعكف على حديقة لم يمطر فيها غمامهما، ولا أرقب سماء لم تلح فيها زواهرهما (٣) ولا أخوض بحرا لم تتكون فيه جواهرهما إلى أن ظفرت من المطلوب بأوفى نصيب، واحتويت من كنانتيهما (٤) على كل سهم مصيب». وسرعان ما تفتحت موهبته الشعرية، وأعجب بشعره أبوه، فأمّل أن يكون له شأن بين شعراء تونس، فنصحه بالهجرة إليها فى تاريخ غير معروف، ويظن أنه هاجر إليها فى نحو الخامسة والعشرين من عمره، وأخذ يظفر بغير قليل من إعجاب الأدباء، مما أتاح له وهو فى السادسة والعشرين أن يكون فى مقدمة المهنئين لسلطان تونس عثمان الحفصى (٨٣٨ - ٨٩٣ هـ) باقتران ابنه وولى عهده المسعود من ابنة عمه سنة ٨٥٥ هـ/١٤٥١ م وأعجب به السلطان وابنه المسعود فعاش فى حاشيتهما واتخذه المسعود كاتبا له، وكان يحسن الكتابة كما يحسن الشعر، ولذلك كان يلقب فى حياته بصاحب الصناعتين. ويشكو مرارا وتكرارا فى مدائحه للسلطان عثمان وابنه المسعود من حساده ومنافسيه، ومن أهمهم زميله فى الكتابة بديوان المسعود الشاعر محمد الخيّر المالقى الذى كان يكثر من معارضة أشعاره. وظل ابن مخلوف يلازم المسعود حتى سنة ٨٧٧ هـ/١٤٧٣ م إذ يعزم فيها على أداء فريضة الحج، ويؤديها ويظل فى القاهرة نحو أربع سنوات تنعقد فيها الصداقة بينه وبين مؤرخ مصر الكبير السخاوى صاحب كتاب الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع، وقد ترجم له فيه، ويقول عنه إنه: «حسن الشكل والأبهة ظاهر النعمة طلق العبارة بليغ بارع فى الأدب ومتعلقاته»
стр. 4745
ويصفه بالظرف وحسن الهيئة. وعاد إلى تونس سنة ٨٨١ هـ/١٤٧٧ م ويعود إلى الكتابة عند المسعود، ويقول الدكتور هشام بوقرة إن المسعود جفاه سنة ٨٨٨ هـ/١٤٨٤ م ولم يلبث أن رضى عنه سنة ٨٩٠ هـ/١٤٨٦ م وظل كاتبا له حتى وفاته سنة ٨٩٣ هـ/١٤٨٨ م وفى نفس السنة توفى السلطان عثمان الحفصى، وخلفه حفيده يحيى بن المسعود بوصية منه، ولم يدر العام حتى قتل فى معركة مع ابن عمه عبد المؤمن والى بجاية، واستولى عبد المؤمن على صولجان الحكم فى تونس، ولم يهنأ به طويلا فقد ثأر منه زكريا بن السلطان يحيى المقتول فى أوائل خريف العام التالى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٩٠ م واستولى على أزمة الحكم، وصوّر ذلك ابن الخلوف فى رائية له يمدحه بها قائلا:
حزت الخلافة عاصبا لا غاصبا ... والحق ورّثك النفيس المدّخر
وهو يقول له إنك حزت الخلافة أو السلطنة عاصبا أى عن طريق الإرث عن الآباء لا غاصبا عن طريق الظلم والعدوان، واجتاح تونس سنة ٨٩٩ هـ/١٤٩٤ م طاعون توفى فيه السلطان زكريا وأيضا توفى فيه الشهاب بن الخلوف، وربما توفى قبله بقليل. ونجده لا يكتفى بما ينظم من الشعر فى أغراضه المعروفة من المديح والرثاء والغزل والخمريات والوصف وغير ذلك من الأغراض التى رتّب عليها الدكتور هشام بوقرة ديوانه، إذ نظم كثيرا من الشعر التعليمى وله فيه منظومات كثيرة، فقد نظم كتاب المغنى لابن هشام كما يقول مترجموه وله فى النحو أيضا منظومة فى صيغ الأفعال، ونظم كتاب التلخيص فى علوم البلاغة للقزوينى، وله بديعية صوّر فيها ألوان البديع ومحسناته لعصره، وله أرجوزة فى علم الفرائض، وله فى العروض تحرير الميزان لتصحيح الأوزان. وله بجانب ديوانه المذكور آنفا ديوان فى المدائح النبوية سماه «جنا الجنتين» ويشيد مترجموه به إشادة رائعة. ونراه يستهل ديوانه العام قبل أغراضه المختلفة ببعض قصائد وأزجال وموشح فى المديح النبوى، ويبدو أن له كثيرا من الأزجال فى أغراض مختلفة، وبالمثل له موشحات متعددة. وهو مداح كبير، وقد ظل طوال أربعين عاما يمدح السلطان عثمان الحفصى وابنه المسعود فى الأعياد والمناسبات المختلفة، ويلزمهما ملازمة المتنبى لسيف الدولة، ومن قوله فى السلطان عثمان:
إمام براه الله أولى عباده ... بحقّ وأهداهم لأوضح حجّة
تؤمّل نعماه ويخشى انتقامه ... لطالب سلم أو لطالب فتنة
يصول ويحمى شرعة نبويّة ... بسمر رشاق أو ببيض جليّة (١)
له دولة أربت على كل دولة ... بتأييد آراء وتأييد نصرة
يحنّ إلى المعروف حتى ينيله ... كما حنّ مشتاق لوصل الأحيّة
стр. 4746
وهو يقول إنه إمام اختاره الله لرعيته لأنه أولاهم بحق الخلافة وأهداهم لأوضح حجة دامغة، وإنه ليوزع نعماه وعطاياه على طلاب السلم المطيعين بينما ينزل نقمه على طلاب الفتن العاصين، وإنه ليحمى الشريعة النبوية ويذود عنها بالرماح والسيوف المصمية، وإن دولته لتسمو على كل الدول بالآراء الصائبة والانتصار الساحق، وإنه يصبو دائما إلى بذل المعروف والأعمال الخيّرة كما يصبو المحب إلى وصل محبوبته، ويقول فيه من أخرى:
تملّك رقّ الجود واستخدم الغنى ... فلم يبق عان يشتكى ألم الفقر (١)
إذا ما دعاه العسر يا محيى الوفا ... بدا فدعاه اليسر يا قاتل العسر
روى الفضل أخبار التّقى عن كماله ... كما نمّ عن طيب الرّبى طيّب النّشر (٢)
لقد ذكرت للأوّلين فضائل ... ولكنّ هذا الفضل لم يجر فى ذكر
سخاء يد تروى الجداول ماءها ... عن السّيل عن قطر الغمام عن البحر
ومجد كما تروى الأشعّة نورها ... عن البرق عن زهر النجوم عن البدر
وحسبك يا فرع المكارم والعّلا ... أصول زكت فى روضة المجد والفخر
وهو يصفه بأنه استرقّ الجود وامتلكه وأصبح الغنى أو الثراء له خادما يرسله ويوزعه كيف شاء حتى لم يبق بائس يشتكى ألم البؤس والفقر، ويتخيل أن العسر ناداه يا محيى الوفاء، ولم يكد يبدو ويظهر حتى ناداه اليسر يا قاتل العسر: كناية عن كرمه الفياض، ويقول إن الفضل والتقوى ينمان عن كماله ونبل خلقه وشمائله كما ينم الشّذى العطر عن طيب الرّبى وأزهارها الأرجة، وينوه بفضله ويقول إنه يفوق فضائل الأولين، فلم تنطق الألسنة بفضل يماثله، ويشيد بسخائه وكرمه، ويقول إن مياهه لتغمر أنحاء تونس وكأنما تفيض عن سيل، عن غمام منهمر، عن بحر تتدفق أمواجه، وهى مبالغة شديدة. ومثل ذلك قوله إن مجده كما تروى الأشعة نورها الساطع عن البرق عن النجوم المضيئة عن البدر، ويقول له حسبك الأصول التى نمت فى روضة المجد والفخر الذى ليس مثلهما فخر ولا مجد. وله ينشد فى إحدى مدائحه:
ملك إذا هزّ الحسام بكفّه ... خرّت لبارق رعده الخرصان (٣)
لو فرّقت عزماته وهباته ... فى الناس لم يك باخل وجبان
ويرى العواقب فى صحيفة فكره ... فكأنما أفكاره كهّان
تعزى إلى الغيث السّكوب هباته ... هيهات أين الغيث والطوفان
يصغى الزمان لأمره ولنهيه ... وتطيع الانس لحكمه والجان
стр. 4747
وتراه ما بين الأسنّة سافرا ... كالبدر دارت حوله الشّهبان (١)
أنت الإمام ومن عداك رعيّة ... أنت المقدّم والورى أعوان
وهو يقول له إنه مفرط الشجاعة حتى إذا صال فى ميادين الحروب وهزّ حسامه سقطت السيوف من أيدى أعدائه هيبة ورهبة، ويمضى الشاعر فى مبالغاته فلو وزّعت هباته وعزماته فى الناس لم يبق بخيل ولا جبان، ويبلغ من نفاذ بصيرته أن يتنبأ بعواقب الأمور وأن تحدث طبق تنبؤه، حتى لكأن تنبؤاته أفكار كهان يبصرون الغيب ويخبرون به، وإن هباته لتعزى إلى الغيث المنهمر، بل أين الغيث منها والطوفان، وقد بلغ من عظم السلطان أن أصبح الزمان يصدر عن أمره ونهيه وأصبحت الإنس تطيع حكمه والجان، وإنه ليخوض الحروب بين السيوف والرماح بوجه مشرق كالبدر تحفّ به النجوم الساطعة، ويقول له إنك الإمام والرعية من حولك أعوان ونصراء. وله فى مديحه موشحة بديعة، يقول فى تضاعيفها:
قابل النور ظلمة الحلك ... بمصباح منير (٢)
ورقا النجم ذروة الفلك ... خائفا مستجير
بأبى عمرو الرضا الملك ... من سعير الهجير (٣)
من روى المجد عن علا عمر ... بطريق الصّحاح
وسرى فى النّهى على قدر ... بمطايا الفلاح
لو رأى البدر وجهه الطّلقا ... لاعتراه السجود
لو رأى الغيث جوده الغدقا ... لاستحى أن يجود
فاق خلقا وقد حوى خلقا ... قارنته السعود
بوّأ الملك رتبة الظّفر ... بعوالى الرّماح
ومحى عزمه دجى الغير ... بصباح الصّفاح (٤)
والموشحة طريفة، وهو يستهلها بوصف الطبيعة وصفا بديعا ويخرج منه إلى مديح أبى عمرو عثمان الحفصى وكأنما يتخذ من نور الفجر رمزا لحكمه الرشيد، وكان الوقت صيفا والقيظ شديد الحرارة، فقال إن النجم علا ذروة الفلك مستجيرا بالسلطان أبى عمرو المحبوب من نار الهجير، ويقول إنه روى مجده عن آبائه المنتسبين إلى عمر بن الخطاب نسبة صحيحة أو بطريق الآثار الصحاح كما يقول، ويمضى فى مبالغاته فلو رأى البدر وجهه المستبشر لخرّ ساجدا ولو رأى الغيث جوده المدرار لعلاه الخجل والاستحياء ونوّه به خلقا وخلقا، ويدعو
стр. 4748
له أن يقترن هو وحكمه بالسعود. ولعل صوت الشهاب بن الخلوف اتضح لنا اتضاحا تاما، وهو صوت يكتظ بالعذوبة والسلاسة وصفاء التعبير ويجمع بين الرقة والمتانة، وكأنما يستمد من معين لا ينضب، معين زلال ممتع دون أن يكلفك أى عناء فى فهم لفظة أو عبارة، إذ كان يشغف بالوضوح التام كل الوضوح.
محمد (١) القوجيلى
من كبار شعراء مدينة الجزائر فى القرن الحادى عشر الهجرى لعهدها العثمانى، ولا نعرف شيئا واضحا عن نشأته، غير أن من المؤكد أنه عكف على حفظ القرآن الكريم فى صباه مثل لداته، حتى إذا أتقن حفظه وجوّده على قرائه أخذ يختلف إلى حلقات الشيوخ يأخذ عنهم علوم الفقه والحديث النبوى والعربية والأصول والتوحيد والبيان والبلاغة، وتميز فى علمه بالفقه والشريعة، مما أعدّه ليصبح قاضيا من قضاة الدولة. وشغف مبكرا بالشعر، وأخذ ينهل من دواوينه حتى استقامت له ملكته الشعرية. وسرعان ما أصبحت ملكته خصبة، واتجه بها أول ما اتجه إلى المشاركة فى الشئون السياسية والتعبير عن أمانى أمته الجزائرية، وكان من أهم أملها فى بواكير شبابه تخليص وهران من أيدى الإسبان الذين طال احتلالهم لها منذ أوائل القرن العاشر الهجرى، ونراه حين ولى الجزائر أحمد باشا سنة ١٠٠٧ هـ/١٥٩٩ م يهنئه بولايته ويحضه على الجهاد ضد الإسبان حتى ينهزم جمعهم فى وهران ويولون عنها فرارا، بل حتى يسحقهم سحقا لا يبقى منهم باقية، يقول:
فرحت جزائرنا بكم وتأنّست ... بمقامكم فيها بحال حبور (٢)
فلتلتفت نحو الجهاد بقوة ... والكفر فاقطع أصله بذكور (٣)
وبغربنا وهران ضرس مؤلم ... سهل اقتلاع فى اعتناء يسير
فانهض بعزمك نحوها مستنصرا ... بالله فى جدّ وفى تشمير
بعساكر مثل السيول تزاحمت ... للسبق تحت لوائك المنصور
ونرى القوجيلى يتحول من دعوة الوالى لجهاد الإسبان وفتح وهران إلى نصحه بأن يصرف للعلماء والأدباء شعراء وكتابا إعانات تعينهم على العيش الكريم، إذ كان ولاة العثمانيين على الجزائر لا يفهمون العربية، فكانوا لا يعنون برجال الدين فضلا عن الشعراء والكتاب وساعد على ذلك أن ديوانهم-حينئذ-كان تركيا خالصا، فلم يعد للأدب ولا للعلم سوق رائجة فى عهدهم، مما جعل القوجيلى يدعو الوالى الجديد إلى تلافى ذلك حتى لا تنتكس الحركة العلمية والأدبية، وإنه ليهتف بالوالى العثمانى:
стр. 4749
العلم ميراث النبوّة ناله ... قوم لهم حظّ من التنوير
كم فى بلادك من نجيب حافظ ... ومشارك فى النظم والمنثور
ومحقّق ومدقق ومناظر ... من كل درّاك الحجى نحرير
لكنهم فقدوا الإعانة واغتدوا ... ما إن يراعيهم ذوو التأمير
ضاعوا وجاعوا لا محالة وابتلوا ... فى ذا الزمان الصعب بالتقتير
وهو يقول له إن العلماء ورثة الأنبياء، وكم فى البلاد من حافظ محدث وشاعر وكاتب وفقيه محقق وعالم مدقق ومناظر يدرك براهين الحجى والعقل نحرير حاذق فى عمله كل الحذق، غير أنهم فقدوا ما يسد رمقهم، وابتلوا فى العصر بالتقتير والتضييق عليهم فى النفقة، إذ لا يراعيهم أمراؤهم أو ذوو التأمير.
ويصبح القوجيلى قاضيا فى تاريخ غير معروف، وتدل تلك الوظيفة على ما حاز لنفسه من الدراسات الدينية وخاصة الفقه وما عرف به من القدرة على الفتوى السديدة، وأكبّ على دراسة الحديث مما جعله ينظم عملا شعريا حول الجامع الصحيح للبخارى سماه: «عقد الجمان اللامع المنتقى من قعر بحر الجامع» وهو منظومة فى مخرجى أحاديث البخارى وعدد الأحاديث التى لكل منهم مع بيان المكثر منهم والمقل فى السند على ما أورده ابن حجر المصرى وزاد عليه تراجم الرواة. ويبدو أنه كان يضيف إلى اشتغاله بالقضاء اشتغاله بتدريس الفقه والحديث للطلاب. ويتولى صديق له الفتيا يسمى أبا عبد الله محمد بن قرواش، ويتصادف حدوث زلزال عند توليه، فيتطير من ذلك، فيمدحه بقصيدة محاولا فيها أن يجعل الزلزال بشرى لفرح الأرض بتوليه هذا المنصب الدينى الجليل قائلا:
اهنأ أبا عبد الإله بخطّة ... جاءتك وهى لدى الزمان جمال (١)
والأرض قد فرحت بما خوّلتم ... مرحت بسائطها ومال جبال (٢)
وتحرّكت أرجاؤها طربا بكم ... ما مسّها رجف ولا زلزال
بل إنما ماست لذلك نخوة ... حتى لقد رقصت بنا الأطلال (٣)
والأبيات تدل على أن ملكته الخيالية كانت خصبة، وأنه كان يعرف بها كيف يجعل ما قد يظن أنه نحس أو شؤم فألا حسنا لفرح وسرور وحياة هنيئة طيبة. وانعقدت صداقة متينة بينه وبين الفقيه الحافظ على بن عبد الواحد الأنصارى السجلماسى الذى هاجر بأسرته من مدينته سجلماسة بالمغرب الأقصى إلى مدينة الجزائر حوالى سنة ١٠٤٠ هـ/١٦٣١ م واتخذها وطنا ثانيا له حتى وفاته سنة ١٠٥٧ هـ/١٦٤٨ م وكان عالما متبحرا فى جميع العلوم الدينية
стр. 4750
واللغوية والبلاغية، وطارت شهرته فى إقليم الجزائر والمغرب الأقصى وقصده الطلاب من كل فج، ونرى القوجيلى يمدحه بقصائد متعددة. وهى ظاهرة كبرى فى العهد العثمانى بالجزائر أن نرى الشعراء منصرفين بمدائحهم عن الولاة العثمانيين إلا قليلا، لأنهم كانوا تركا ولم تكن كثرتهم تفهم العربية فضلا عن إحسانها، فقلّ منهم من فتح أبوابه للشعراء إلا نفرا محدودا لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ولذلك انحاز الشعراء الجزائريون بمدائحهم عن الولاة العثمانيين وأخذوا يسبغونها على الشيوخ من العلماء الأجلاء، على نحو ما نرى عند القوجيلى فى إكثاره من مديح الحافظ الفقيه على بن عبد الواحد الأنصارى، يمدحه-كما يمدح أمثاله من الشيوخ-لا طلبا لنوال أو عطاء، وإنما تجلّة وعرفانا لهم بالفضل وما أوتوا من العلم النافع. ومن مديح القوجيلى للشيخ الأنصارى قوله فى إحدى مدائحه:
أبو الصلاح علىّ فى الكرام علا ... من لا يماثله فى الناس من أحد
بحر طمى فرمى درّا لملتقط ... غيث همى فنما نفعا لمجتهد (١)
أكرم بمجلسه السامى فقد ظهرت ... لنا به نفحات العون والمدد
تلاطمت فيه أنواع العلوم كما ... تلاطم البحر بالأمواج والزّبد
من يحرم الرّىّ من صافى مشاربه ... يعضّ من ندم فى شفة ويد
وهو ينعت الشيخ الأنصارى بالصلاح حتى ليجعله إياه ويرفعه درجات فوق الناس قائلا إنه لا يماثله أحد من العلماء، يريد من نظرائه الفقهاء، ويشيد بمجلسه العلمى وما يعرض فيه من نفحات العلوم، بل يقول إنه تتلاطم فيه تلاطم الأمواج والزبد فى البحر المتوسط، ويقول إن من لا ينهل من صافى علومه يندم ندما شديدا. وله يقول فى مدحة ثانية:
علاّمة أحيا العلوم وقد ... خفيت معانيها على الكثر
يا طالبا للعلم هل لك فى ... رشد وفى الإكثار من خير
اقصد لمجلسه تنل شرفا ... وتحوز فخرا أيّما فخر (٢)
إن جئت مجلسه تجد عجبا ... منه العلوم تفيض كالبحر
بدراية ورواية ثبتت ... بصحيح إسناد عن الغرّ (٣)
وهو يشيد بعلمه وتناهيه فيه أو بلوغه منتهاه، حتى ليعدّه محييا له، وينصح طالب العلم أن يقصد إلى مجلسه لينال شرف العلم وفخره، إذ سيجده يفيض على طلابه بسيول من علومه وسيجده يجمع بين الدراية والرواية، وبعبارة أخرى بين المعقول والمنقول، فهو من أهل الاجتهاد والرواية الوثيقة بأسانيد صحيحة عن رواة أعلام. وكانت قد حدثت اضطرابات فى
стр. 4751
العقد الحادى عشر الهجرى وظنّ أن الباب العالى فى إسطانبول سيعيّن على الجزائر واليا جديدا، ونرى القوجيلى يذهب إلى إسطانبول على رأس وفد جزائرى سنة ١٠٦٥ هـ/١٦٥٥ م ملتمسا من السلطان-وكان حينئذ محمد خان الرابع-موافقته على إصدار فرمان بتولية يوسف باشا، وما إن يضع القوجيلى قدمه فى تلك المدينة حتى يتجه بقصيدة إلى مفتى إسطانبول أبى سعيد، يمدحه بها ويسأله أن يكون شفيع وفدهم لدى الخليفة العثمانى فى قبول ملتمسهم، ومن قوله فيها:
سعدت فدم فى العزّ واستكمل العليا ... ودم فى اقتناء المعلوات مدى المحيا (١)
وكن ملجأ للوافدين فمن يعن ... أخا فهو فى عون الذى كوّن الأشيا
شكايتنا مما دهانا بقطرنا ... توالت علينا أعصر أورثت غيّا (٢)
وكم من أمير ظنّ يكشف ضرّه ... فلم يلف ما قد ظنّ بل قد وهى وهيا (٣)
وأولاهم فى العزم والحزم والوفا ... سمىّ الذى فى السجن قد عبّر الرّؤيا
فكن عوننا عند الخليفة وامضيين ... بنا بين أيدينا لحضرته العليا
وهو يدعو للمفتى أبى سعيد بدوام العز واقتناء الرفعة والشرف ويرجوه أن يكون ملجأ للوفد الجزائرى وعونا فى إنجاز مهمته عند الخليفة مشيرا إلى الحديث النبوى: «إن الله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه» ويقول إن شكايتنا مما نزل بقطرنا الجزائرى مشيرا إلى المنازعات فى السلطة وصراع الانكشارية العثمانية، وكل وال يظن أنه سيتلافى الاضطرابات بها حتى إذا تولاها عجز عن إصلاحها. وقال إن أصلح أمير لحكمها سمىّ الذى أول الرؤيا فى السجن لصاحبيه أى أنه يوسف باشا سمى يوسف الصديق ﵇. ويطلب إلى المفتى أن يتقدم وفدهم لدى الخليفة شافعا لهم عنده فى تحقيق ما يأملون. ولا نعرف شيئا عن القوجيلى بعد هذه الوفادة، وقد نجح فى مهمته، وتولى يوسف باشا أمر الجزائر. وعاد إلى موطنه، وظل به حتى وفاته سنة ١٠٨٠ هـ/١٦٧٠ م وهو يعد من أنبه شعراء العهد العثمانى.
٤ -
شعراء الفخر والهجاء
(أ) شعراء الفخر
الفخر غرض قديم من أغراض الشعر العربى فمنذ الجاهلية يتغنى به الشعراء طوال العصور التالية إلى اليوم مثاليتهم وأخلاقهم الرفيعة من مثل المروءة والكرامة والجود والشجاعة إلى غير ذلك من شيمهم وخصالهم الحميدة، كما يتغنون عصبياتهم ومشاعرهم القومية، ومن طريف
стр. 4752
ما يلقانا فى الجزائر من فخر قول شاعرها ابن أبى الرجال الشيبانى وزير المعز بن باديس مفتخرا بقومه (١):
يا آل شيبان لا غارت نجومكم ... ولا خبت ناركم من بعد توقيد
أنتم دعائم هذا الملك مذ ركضت ... قبل الخيول لإبرام وتوكيد
المنعمون إذا ما أزمة أزمت ... والواهبون عتيقات المزاويد (٢)
سيوفكم أفقدت كسرى مرازبه ... فى يوم ذى قار إذ جاءوا لموعود
وهو يفتخر بقومه من آل شيبان ويدعو أن تظل نجومهم مضيئة فى سماء العروبة وأن تظل نيرانهم متقدة لا تنطفئ أبدا، إذ هم دعائم الملك العربى منذ نشبت الحروب وصهلت فيها خيول الفرسان لفرض المعاهدات وعقد المواثيق، وقد اشتهروا بما ينعمون فى الأزمات ويهبون من العطايا الجزيلة، ويرفع أمام الأعين بطولتهم العظيمة يوم ذى قار الذى نكّلوا فيه بالفرس تنكيلا شديدا: منقبة عظيمة لقبيلته شيبان فى الجاهلية لا ينساها العرب ولا ينساها التاريخ. ونرى الحسن بن الفكون القسنطينى المتوفى بأوائل القرن السابع الهجرى يفتخر ببلدته «بجاية» ومسقط رأسه قائلا (٣):
دع العراق وبغدادا وشامهم ... فالناصريّة ما من مثلها بلد
برّ وبحر ومرج للعيون به ... مسارح بان عنها الهمّ والنكد
حيث الهوى والهواء الطلق مجتمع ... حيث الغنى والمنى والعيشة الرّغد
والنّهر كالصّلّ والجنّات مشرفة ... والنهر والبحر كالمرآة وهو يد
إن تنظر البرّ فالأزهار يانعة ... أو تنظر البحر فالأمواج تطّرد
يا طالبا وصفها إن كنت ذا نصف ... قل جنّة الخلد فيها الأهل والولد
وهو يفضل الناصرية أو بجاية على بغداد ودمشق، ويقول إنه ليس مثلها بلد جمعت بين البر والبحر ومشاهد مرج بأشجاره ونباتاته البديعة التى تزيل الهم والنكد حيث مجتمع الحب والهواء الطلق الذى يستروحه المحبون، وحيث الثراء والمنى والعيشة الطيبة، والنهر يجرى كصلّ أو أفعوان، والجنات تحفّه من كل جانب، وكأنما البحر مرآة والنهر يدها الثابتة. إن تنظر إلى البر راعتك أزهاره، وإن نظرت إلى البحر راعتك أمواجه المطردة، وهى-بإنصاف- جنة الخلد، وفيها الأهل وفلذات الكبد من الولد أو الأولاد. ويقول أحمد (٤) بن على المليانى المتوفى سنة ٧١٥ هـ/١٣١٦ م:
стр. 4753
العزّ ما ضربت عليه قبابى ... والفضل ما اشتملت عليه ثيابى
والزهر ما أهداه غصن يراعتى ... والمسك ما أبداه نقش كتابى
فالمجد يمنع أن يزاحم موردى ... والعزم يأبى أن يسام جنابى
وإذا بلوت صنيعة جازيتها ... بجزيل شكرى أو جزيل ثوابى
وإذا عقدت مودّة أجريتها ... مجرى طعامى من دمى وشرابى
وهو يفخر فخرا مسرفا، فالعز ما ضربت عليه خيامه، والفضل ما اشتملت عليه ثيابه، والزهر كلماته مما كتبه قلمه، والمسك نقش كتابته، وبلغ من المجد أن لا يزاحمه أحد فى مورده كما بلغ من العزم أن لا يرعى جنابه، فحماه لا يسام ولا يضام، وإذا اختبر صنيعة أو معروفا بادر بالشكر وجزيل الثواب، وإذا عقد مع شخص مودة كانت غذاء لروحه وجرت مجرى الطعام من دمه وشرابه. ويفتخر ابن خميس شاعر تلمسان بعروبته ودينه الحنيف، منشدا:
إنا-بنى قحطان-لم نخلق لغ ... ير غياث ملهوف ومنعة لاجى
بسيوفنا البيض اليمانية التى ... طبعت لحزّ غلاصم ووداج (١)
تأبى لنا الإحجام عن أعدائنا ... يوم اللقاء طهارة الأمشاج (٢)
أنصار دين الهاشمىّ وحزبه ... وحماته فى الجحفل الرّجراج (٣)
وحماته بنفوسهم ونفيسهم ... من غدر مغتال وسورة هاج (٤)
منا التبابعة الذين ببابهم ... كانت تنيخ جباة كلّ خراج (٥)
ولأمرهم كانت تدين ممالك ال ... دّنيا بلا جبر ولا إحراج
أبوابهم مفتوحة لضيوفهم ... أبدا بلا قفل ولا مزلاج
وهو يفخر بأصوله من بنى قحطان اليمنيين الذين إنما خلقوا لغياث الملهوف وحماية اللاجئ لهم بسيوفهم اليمانية التى صيغت لقطع الرقاب، وإن أنسابهم لتأبى لهم الإحجام عن لقاء أعدائهم وسحقهم، ومعروف أن أنصار الرسول ﷺ من أهل المدينة كانوا يمنيين أو من أصول يمنية، وهو لذلك يفخر بنصرتهم للرسول وأنهم كانوا حماته حين تنشب الحروب حموه بنفوسهم وبكل ما يملكون من غدر مغتال ومن حدة هاج إذ كان منهم حسان بن ثابت وغيره من شعرائهم الذين كانوا يذودون عن الرسول وصحبه ضد شعراء قريش وأهاجيهم. ويفخر بأن منهم قديما التبابعة ملوك اليمن وأمراؤها فى الجاهلية الذين كان يجبى لهم الخراج من أنحاء دولتهم، وكانت ممالك الدنيا تدين لهم طوعا لا قسرا، وبلغوا من جودهم أن كانت
стр. 4754
أبوابهم مفتوحة لضيوفهم دائما لا تغلق أبدا. ويعتلى عرش دولة بنى عبد الواد أو الدولة الزيانية أكبر شعراء الفخر فى الجزائر على مر العصور، وأقصد أبا حمو موسى الثانى، وحرى أن أقف قليلا لأترجم له وأعرض أطرافا من فخره.
أبو حمو (١) موسى الثانى
ولد أبو حمو موسى لأبيه يوسف بن عبد الرحمن بن يغمراسن فى أواخر مقامه بغرناطة فى بلاط سلطانها أبى الوليد بن فرج سنة ٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م وفى تلك السنة استدعى يوسف وإخوته إلى تلمسان سلطانها أبو تاشفين الأول (٧١٨ - ٧٣٧ هـ) ولبّوه وأكرمهم وأعلى مكانتهم بين أمراء الأسرة، وبذلك كان منشأ أبى حمو موسى ومرباه الأول فى تلمسان حتى إذا بلغ الرابعة عشرة من عمره استولى السلطان أبو الحسن المرينى على تلمسان وأرغم أباه وبعض أمراء الأسرة على الاستقرار بفاس، وعلى شيوخها أتم أبو حمو موسى تعلمه، وظل بها مع أبيه إلى بداية إمارة عميه أبى سعيد وأبى ثابت سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م حتى إذا فتك بهما السلطان أبو عنان المرينى سنة ٧٥٣ هـ/١٣٥٣ م رأينا أبا حمو موسى يقصد تونس وسلطانها أبا إسحاق فأكرمه غاية الإكرام، حتى إذا كانت سنة ٧٥٨ هـ/١٣٥٧ م واستولى فيها السلطان المرينى أبو عنان على تونس ارتحل أبو حمو مع السلطان الحفصى إلى إقليم الجريد جنوبى الإقليم التونسى، واضطرت الظروف أبا عنان بالعودة إلى فاس مع جيشه فى السنة التالية، وعاد السلطان الحفصى وأبو حمو موسى إلى تونس، والتف حوله عرب الدواودة وأخذ يستعين بهم فى مطاردة المرينيين، وسارعت إليه قبيلة بنى عامر شيعة أسرته ووطنه وتوجه بهم إلى الزاب ثم ورقلة، ونازل أولاد عريف من قبيلة سويد الهلالية وهزمهم هزيمة ساحقة، وجاءه عقبها نبأ وفاة السلطان أبى عنان المرينى فى أواخر ذى الحجة سنة ٧٥٩ هـ/١٣٥٨ م فصمم على أخذ تلمسان، وبايعه جميع من كان معه فى الخامس من محرم سنة ٧٦٠ هـ/١٣٥٩ م وجدّ فى السير مع جموعه من العرب وغيرهم، وتسامع به كل من كان فى طريقه إلى تلمسان، وكان أبو عنان ولّى عليها ابنه محمدا وترك معه حامية، فحاصره أبو حمو مدة كانت فيها مناوشات، وتيقن المرينيون أنه لا طاقة لهم بمنازلة أبى حمو، فطلبوا الأمان، وأسلموا تلمسان إليه وبايعه أهلها حين دخلها فى غرة شهر ربيع الأول، ويقول التنسى إنه «ساس أهل مملكته بالسيرة الحسنى وغمر الرعية قسطاس عدله الأسنى، وقسم أوقاته بين حكم يقضيه وحق يمضيه، وعاقّ يرضيه، وسيف لحماية الدين ينضيه، وسبيل إلى رضاء الله تعالى ورسوله يفضيه». وقد غيّر اسم الدولة، إذ
стр. 4755
كان اسمها بنى عبد الواد نسبة إلى قبيلتهم، فرأى أن تسمى باسم الدولة الزيانية نسبة إلى زيان والديغمراسن مؤسس الدولة. وقد أعاد لها عزّها وسلطانها واستردّ لها بلدانها فى الجزائر: وهران والجزائر وتدلس، وكثرت الحروب فى أيامه بينه وبين بعض القبائل العربية والدولة المرينية. وثار عليه ابن عمه أبو زيان بن السلطان أبى سعيد وانصاعت له قبيلة عامر واستولى على مدينتى المدية ومليانة، ونشبت بينه وبين أبى حمو وقائع، واستطاع أبو حمو القضاء على ثورته فى أواخر سنة ٧٦٩ هـ/١٣٦٨ م وانتهز السلطان عبد العزيز المرينى فرصة تضعضع جيشه من كثرة الحروب واستولى على تلمسان سنة ٧٧٢ هـ/١٣٧١ م وظل أبو حمو يتنقل فى الصحراء حتى علم بوفاة السلطان المرينى سنة ٧٧٤ هـ/١٣٧٣ م فعاد إلى عاصمته تلمسان، وتبدأ منافسات بين ابنه وولى عهده أبى تاشفين وإخوته ويغتال يحيى بن خلدون كاتب أبى حمو ومؤرخه فى مؤامرة دبّرها ولى العهد سنة ٧٨٠ هـ/١٣٧٩ م حتى إذا كانت سنة ٧٨٦ هـ/١٣٨٥ م أغار السلطان أبو العباس المرينى-واستولى-على تلمسان، غير أن الأحداث فى عاصمته فاس اضطرته إلى العودة إليها سريعا، وعاد أبو حمو إلى تلمسان. وتسوء العلاقات سوءا شديدا بين ولى العهد أبى تاشفين وإخوته، مما جعل أبو حمو يخلع نفسه إرضاء لأبى تاشفين سنة ٧٩١ هـ/١٣٨٩ م ويتجه إلى الحج. وما إن نزل بجاية حتى غيّر رأيه، واتّجه إلى تلمسان، واستثار كل من كان فى طريقه وأقبل إليها بجموعه، وعلم ابنه أبو تاشفين، فلحق بفاس واستعان بسلطانها المرينى، وأعانه بجيش كثيف والتقى مع أبيه وجموعه واقتتلوا قتالا شديدا وكبا الفرس بأبى حمو وتوفّى. وهو من خيرة سلاطين الأسرة الزيانية وقد نهض بالعلم فى دولته واشتهر بها كثير من العلماء فى مقدمتهم أبو عبد الله الشريف الذى بنى له مدرسة كبيرة أكثر عليها من الأوقاف ورتب فيها الجرايات للشيوخ والطلاب وكما نهض بالعلم نهض بالأدب، ومن كتّابه وشعرائه محمد بن يوسف الثغرى الذى مرت ترجمته، ومنهم محمد بن على العصامى ومحمد بن صالح شقرون، ومن مآثره احتفاله بالمولد النبوى احتفالا عظيما، كان يبدأ فيه بمدحة نبوية له ثم تتوالى مدائح نبوية أخرى شطرا كبيرا من الليل وكان يدعى إليه الناس من العامة والخاصة، وتقام قبيل الصباح مأدبة ضخمة، وسنعرض لذلك فى حديثنا عن شعراء المدائح النبوية. وكان أديبا بارعا وله كتاب واسطة السلوك فى سياسة الملوك، وسنلم به فى حديثنا عن النثر فى الجزائر. وكان يحسن نظم الشعر، واحتفظ يحيى بن خلدون بكثير منه فى الجزء الثانى من كتابه بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد، وجمع منه كثيرا الدكتور عبد الحميد حاجيات فى كتابه عن أبى حمو موسى، وهو موزع بين فخر ونبويات مع مرثيتين لأبيه. ونراه عقب استقراره فى تلمسان وتمام الملك له ينظم ميمية طويلة يصور فيها حركته من تونس إلى تلمسان لاسترداد ملك آبائه وكيف أخذ يعد جيشا لمنازلة المرينيين من قبيلة عامر واقتحامه للزاب وريغ وورقلة والحمادى
стр. 4756
والتقائه بالجنود المرينيين وبطشه بهم وتقدمه إلى وادى يسر ودخوله تلمسان عنوة، وينهى القصيدة منشدا:
نظمنا شتيت الملك بعد افتراقه ... وكم بات نهبا شمله دون ناظم
شددنا له أزرا وشدنا بناءه ... بأوثق أركان وأقوى دعائم
فصارت ملوك الأرض تأتى مطيعة ... إلى بابنا تبغى التماس المكارم
وجاءت لنا من كلّ أوب ووجهة ... تبايعنا طوعا وفود العمائم
وقمنا بأمر الله فى نصر دينه ... وفى كفّ ما قد أحدثت من مظالم
وهو يفتخر بأنه أعاد للملك الزيانى المنهوب نظامه وسلطانه، وشدّ أزره وقوته وشاد بناءه وأعلاه أقوى ما يكون الإعلاء بأركان وثيقة ودعائم متينة، مما جعل ملوك الأرض يقصدون بابه معلنين طاعتهم زلفى إليه والتماسا لمكارمه، وإن قبائل العرب ليفدون عليه من كل ناحية وجهة تبايعه طوعا، وإنه ليقوم بنصر دين الله ونشر العدل فى ربوع بلاده والقضاء على ما أحدث المرينيّون من مظالم، ويفتخر فى قصيدة ثانية من وزن المتدارك بسياسته الرشيدة فى الحكم قائلا:
أنزلت الناس منازلهم ... وتركت الظالم فى وجل
أحمى المظلوم وأنصره ... وأقيم الحق على عجل
وأنا للحرب كعنترها ... وأنا فى السلم أخو جذل
وأنا موسى وأبو حمو ... أصلح للملك ويصلح لى
سيفى إن صلت بقائمه ... أدنى المرّاق إلى الأجل
وكذا كفّاى إذا انبسطت ... من كان مقلاّ عاد ملى
فهو يسوس رعيته سياسة حميدة ينزل الناس فيها منازلهم دون خفض أو رفع، وهى سياسة تقوم على العدل الذى لا تصلح حياة الرعية بدونه، وإنه ليحمى المظلوم من ظالمه وينصره عليه، ويقيم الحق سريعا لا يخشى فيه ملامة لائم، وإنه شجاع شجاعة عنتر بن شداد فى الحرب، أما فى السلم فإنه صاحب دعة وحياة آمنة رافهة، ويقول أنا أبو حمو موسى أصلح للملك بعدلى وحكمى القويم ويصلح لى، وإنه لبطل فى الحرب يقطع رقاب المارقين والثائرين، أما فى السلم فغيث مدرار وإن كفيه لتنثران الأموال نثرا، حتى ليصبح المقل الفقير مليئا ثريا، ويقول مفاخرا:
وما بسوى العلياء همنا جلالة ... إذا هام قوم بالحسان النّواعم
بروق السيوف المشرفيّات والقنا ... أحبّ إلينا من بروق المباسم
стр. 4757
وأحسن من قدّ الفتاة وخدّها ... قدود العوالى أو خدود الصوارم (١)
وأما صهيل السابحات لدى الوغى ... فأشجى لدينا من غناء الحمائم
إذا نحن جرّدنا الصوارم لم تعد ... لأغمادها إلا بحزّ الغلاصم (٢)
وهو يقول عن نفسه وقومه إذا كان الناس يهيمون بالحسان الجميلات فإننا لا نهيم إلا بالعلياء والمجد والشرف، وإن بروق السيوف المشرفيات والرماح لأحب إلينا من بروق المباسم الفاتنة، وأحسن عندنا من قدّ الفتاة وقوامها وخدها الجميل قدود الرماح وخدود السيوف الصوارم القاطعة، وإن صهيل الخيل فى الحرب لأشجى عندنا من غناء الحمائم الذى طالما تغنى به الشعراء، وترانا فى الحرب إن نحن شهرنا السيوف لم تعد لأغمادها إلا بحزّ الغلاصم والرقاب، ويمضى فى القصيدة قائلا:
ألا أيها الآتى لظلّ جنابنا ... نزلت برحب فى عراص المكارم (٣)
وقوبلت منا بالذى أنت أهله ... وفاض عليك الجود فيض الغمائم
بهمّتنا العليا سمونا إلى العلا ... وكم دون إدراك العلا من ملاحم
وهو يبشر من ينزل بجنابهم وفى كنفهم أنه ينزل برحب أو واسع فى عرصات أو ساحات المكارم ويقابل بما يليق به، ويفيض عليه الجود فيض السحاب الهاطل. ويقول إنهم لذوو همم عالية سمت بهم إلى العلا وكم دون إدراكها والحصول عليها من ملاحم وحروب طاحنة، ويقول مفاخرا فى انتصار له على الدولة المرينية:
لقد نهضت بعون الله متّكلا ... على الإله ومن يرجموه لم يخب
بعسكر لجب ضاق الفضاء به ... كالبحر أعظم به من عسكر لجب
من كل ليث شجاع فارس بطل ... حامى الذّمار من الأعجام والعرب (٤)
على سوابق خيل ضمّر عرب ... تزهى بحليتها كالخرّد العرب (٥)
بها وطئنا بلادا لا سبيل لها ... وما أردنا تناولناه من كثب (٦)
وهو يقول إنه نهض لحرب المرينيين مستعينا بربه متكلا عليه راجيا النصر منه، ومن يرجوه لا يخيب رجاؤه، وقد نازلهم بعسكر كثير ضاق الفضاء به، وكأنه بحر زاخر بالليوث الشجعان والفرسان الأبطال حماة الذمار من العجم والعرب، يركبون إلى الحرب خيولا ضامرة نجيبة
стр. 4758
تزهى بجمالها زهو الجميلات المعجبات بحسنهن. ويقول إنهم يطئون بحوافرها بلادا بعيدة يذلّلونها تذليلا، ولا بلدا ولا ناحية أردناها إلا انتصرنا فيها وانقادت إلينا انقيادا. وجمع الحافظ التنسى فيه كتابا سماه: «راح الأرواح فيما قاله المولى أبو حمو من الشعر وما قيل فيه من الأمداح».
(ب) شعراء الهجاء
الهجاء قديم فى الشعر العربى، وكان فى الأصل لعنات يصبها الشاعر على القبيلة المعادية أو على سيدها راجيا أن تنزل بهم المقادير هزائم متوالية، وتحول من هذه اللعنات إلى ذم شديد على لسان الشاعر الجاهلى، فما يرجعون من حروبهم حتى يسلّ شعراؤهم على أعدائهم ألسنتهم ملحقين بهم مثالب شتى. ومعروف ما كان بين مكة والمدينة لعهد الرسول ﷺ من أهاج ينظمها شعراؤهما عقب كل معركة. واستحال الهجاء فى العصر الأموى على لسان الفرزدق وجرير إلى ما يشبه مناظرة حادة فى بيان فضائل ومساويء عشيرتيهما وقبيلة تميم التى كان يدافع عنها الفرزدق وقيس التى كان يدافع عنها جرير. وظل الشعراء لعصرهما يكثرون هم وشعراء العصر العباسى الأول من الهجاء، وتحول عند الأخيرين إلى بيان المساوئ الفردية والاجتماعية فى المهجو مع التهوين منه والإيلام إيلاما شديدا، وطار شرر كثير من هذا الهجاء إلى الأقاليم العربية. وكان قد بارح المغرب إلى بغداد الشاعر الجزائرى بكر بن حماد التاهرتى وهو أول شاعر جزائرى له أهاج مختلفة، وسنترجم له عما قليل، وكان يعاصره ابن خزاز التاهرتى فى القرن الثالث الهجرى، وكان قد نزل مدينة تنس شمالى تاهرت على البحر المتوسط، فقال يأسى على بعده عن مسقط رأسه هاجيا تنس ومقامه فيها (١):
نأى النوم عنّى واضمحلّت عرى الصّبر ... وأصبحت عن دار الأحبّة فى أسر
وأصبحت عن تاهرت فى دار غربة ... وأسلمنى مرّ القضاء من العذر
إلى تنس ذات النحوس فإنها ... يساق إليها كلّ منتقص العمر
بلاد بها البرغوث يحمل راجلا ... ويأوى إليها الذئب فى زمن الجرّ
ترى أهلها صرعى ومن أمّ ملدم ... يروحون فى سكر ويغدون فى سكر
فالنوم بعد عن عينه لا يلم بها وفرغ منه الصبر، حتى ليشعر كأنه فى أسر بعيد عن دار الأحبة: تاهرت، إذ أسلمه مر القضاء إلى دار غربة إلى تنس ذات النحوس التى لا يدفع إليها إلا منتقص العمر ليشقى بما فيها من براغيث، وإن الذئاب لتملأ عرصاتها صيفا، أما أم ملدم أى الحمى، فكل أهلها من صرعاها، وإنها لتخدر عقولهم وكأنهم فى سكر دائم. ولمحمد بن الحسينى الطبنى فى أحد خصومه (٢):
стр. 4759
ووغد إن أردت له عقابا ... عفى عن ذنبه حسبى ودينى
يؤنّبنى بغيبة مستطيل ... ويلقانى بصفحة مستكين
وقالوا قد هجاك فقلت كلب ... عوى جهلا إلى ليث العرين
وهو يقول عن خصمه إنه رذل دنئ إن فكرت فى عقابه عفا عن ذنبه شرفى ودينى، يأكل لحمه غائبا ويلقاه خاضعا ذليلا، وما مثله إلا مثل كلب يعوى إلى أسد فى عرينه ومأواه. وكانت أسرة هذا الشاعر قد هاجرت إلى قرطبة فى أوائل القرن الرابع، ومنها عبد الملك الطبنى المحدث جليس المنصور بن أبى عامر، ويروى أن المنصور عدا على شخص يسمى الحذلمىّ فى مجلسه وضربه ضربا موجعا، فقال عبد الملك متشفيا فيه وهاجيا (١):
شكرت للعامرىّ ما صنعا ... ولم أقل للحذيلمىّ لعا
ليث عرين عدا لعزّته ... مفترسا فى وجاره ضبعا
وددت لو كنت شاهدا لهما ... حتى ترى العين ذلّ من خضعا
إن طال منه سجوده فلقد ... طال لغير السجود ما ركعا
وهو يشكر العامرى ولا يقول للحذيلمى: لعا أى أقال الله عثرتك، ويصور العامرى ليث عرين افترس ضبعا فى وجاره أو بيته ومأواه، ويقول ليته كان حاضرا ليرى ما ركب الحذلمى من الذل والهوان، ويرميه بأنه كثيرا ما ركع فى غير الصلاة، يريد أنه عاهر الخلوة، وهو هجاء مقذع. وكانت الجزائر وغير الجزائر من البلاد المغربية تعتنق مذهب الأشعرى غالبا، وبلغ من تغلغل عقيدته فى نفوسهم أن نرى ابن مرزوق الخطيب الجزائرى المتوفى سنة ٧٧١ هـ/١٣٧٠ م يغضب حين سمع قول الزمخشرى فى كشّافة معرضا بأهل السنة بل هاجيا هجاء قبيحا قائلا:
وجماعة سموا هواهم سنّة ... وأراهم حمرا لعمرى موكفه
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا ... شنع الورى فتستّروا بالبلكفه
وهو يقول إن جماعة سمت هواها الذى تعتنقه سنة، وهم حمر، عليها وكفها أو براذعها، إذ شبهوا الله بخلقه، فقالوا إنه يرى متسترين بالبلكفة أو بقولهم إنه يرى بلا كيفية حتى ينفوا عنه التشبيه بالآدميين، وردّ على الزمخشرى كثيرون من أهل الجزائر وغيرهم، وردّ ابن مرزوق الخطيب معنفا له ولأصحابه من المعتزلة جميعا قائلا:
стр. 4760
وجماعة عرفت لعمرى بالسّفه ... وتمسّكت بضلال أهل الفلسفه
عدلت عن النهج القويم فلقّبت ... عدليّة وعدولها عن معرفه
ضلّت وقالت لن يرى ربّ الورى ... يوم الجزاء وألزمت نفى الصّفه
وكذاك أسلمت الأمور لنفسها ... هيهات تنقذ نفسها من متلفه
كيف السبيل لصرفها عن غيّها ... والعدل يمنع صرفها والمعرفه
وابن مرزوق الخطيب يرمى المعتزلة بالسفه، وأنهم ضلوا ضلال الفلاسفة الملحدين إذ عدلوا عن النهج القويم وسموا أنفسهم عدلية، لأن من مبادئهم وجوب العدل على الله جلّ شأنه، ويقول إنهم ضلوا حين نفوا رؤية الله يوم القيامة بينما أثبتها أهل السنة وقالوا إنها رؤية بلا كيفية. وينعى على المعتزلة قولهم بنفى الصفة عن الله وقولهم إن صفته هى عين ذاته. ويستبعد أن يستطيع المعتزلة إنقاذ أنفسهم من تلف العقيدة ويتمنى لو وجد سبيلا أو طريقا لهداهم، ولكن كيف ذلك وهم يؤمنون بالعدل على الله وغير ذلك من مبادئهم المخالفة لمبادئ أهل السنة. ونمضى إلى العهد العثمانى ونلتقى فيه بابن على المفتى الحنفى فى القرن الثانى عشر الهجرى، وكان شاعرا بارعا ونراه يهجو خصومه وحساده قائلا:
نصبوا حبائل مكرهم وتعرّضوا ... بسهامهم للنّجم فى كيوانه
من كل أهوج أرعن الأخلاق قد ... أربى على فرعون مع هامانه
أجلاف هذا العصر حقا لو رأوا ... حسّان ما جنحوا إلى إحسانه
إن أنكروا فضلى لخبث طباعهم ... فالدرّ ليس يعزّ فى أوطانه
وهو يقول إنهم نصبوا حبالات مكرهم وأرسلوا علىّ سهام هجائهم ولكن أنّى لهم، إنهم يحاولون أن يصيبوا نجما لا يستطيعون الوصول إليه، نجما شديد البعد هو كيوان أو زحل وهل منهم إلا أهوج أو أحمق قد زاد على فرعون ووزيره هامان فى بهتانه، إنهم أجلاف لا يقدرون الشعر ولا الشاعر حتى لو كان حسان بن ثابت شاعر الرسول فى روعة بيانه، ويقول إنهم إن أنكروا فضلى لخبث طباعهم وضمائرهم، فالدر لا يعرف فضله فى وطنه. وكان ولاة العثمانيين يبطشون أحيانا بالجزائريين، وكان الشعراء يوجهون إليهم سهام هجاء كثيرة من شعرهم الفصيح والشعبى على نحو ما كان يصنع سعيد المنداسى، وهو حرى بالترجمة له مع بكر بن حماد التاهرتى الذى مر بنا ذكره.
بكر (١) بن حماد التاهرتى
تقع تاهرت مسقط رأس حماد فى الجنوب الغربى من مدينة الجزائر، ومرّ بنا فى غير هذا
стр. 4761
الموضع أن عبد الرحمن بن رستم أقام بها الدولة الرستمية، وكان يعتنق مذهب الخوارج الإباضية، وأتته جموع الخوارج من كل مكان فى المغرب. وكان أئمة هذه الدولة-على شاكلته- يفسحون لأهل السنة والمعتزلة فى مدينتهم، وفيها ولد بكر بن حماد سنة مائتين للهجرة، وكان من قبيلة زناتة البربرية الضخمة، ولا نعرف شيئا عن أسرته. ويبدو أن أباه لم يكن إباضيا، وكانت بتاهرت حركة علمية خصبة بثّتها فيها الدولة الرستمية، ووجهه أبوه إلى العلم، فحفظ القرآن، وأخذ يختلف إلى حلقات العلماء وشغف بالشعر وتفتحت ملكته مبكرة، كما شغف بحلقات المحدثين، ونراه يرحل فى سن السابعة عشرة إلى القيروان فالبلاد المشرقية، يأخذ الحديث واللغة، وأوغل فى رحلته حتى البصرة وفيها تتلمذ على مسدّد بن مسرهد وأخذ عنه مسنده فى الحديث النبوى، وسيعنى فيما بعد بإذاعته فى الديار المغربية. وتتلمذ على شيوخ البصرة فى اللغة حينذاك من أمثال ابن الأعرابى، ودفعه طموحه إلى أن يذهب إلى بغداد، وفيها لفت أبا تمام وغيره من شعرائها الكبار بمهارته فى الشعر، ففسحوا له فى مجالسهم، وتعرّف على دعبل هجّاء الخلفاء: المعتصم العباسى وغيره، ويبدو أن الفتى الجزائرى مدح المعتصم وأجزل له فى العطاء مما جعله يخاصم دعبلا، وربما خاصمه غضبا لخليفة المسلمين، ونراه يحرّضه على عقابه والقصاص منه قائلا:
أيهجو أمير المؤمنين ورهطه ... ويمشى على الأرض العريضة دعبل
أما والذى أرسى ثبيرا مكانه ... لقد كادت الدنيا لذاك تزلزل
ولكن أمير المؤمنين بفضله ... يهمّ فيعفو أو يقول فيفعل
وكأنه فى الكلمة الأخيرة من أبياته يحرّض المعتصم على الفتك بدعبل، ويقال إن أبا تمام حين سمع منه هذه الأبيات قال له: لقد قتلته يا بكر، وكأنما أعجبته كلمة أبى تمام- حبيب بن أوس-فألحق بالأبيات بيتين إشارة إلى كلمة أبى تمام قائلا:
وعاتبنى فيه حبيب وقال لى ... لسانك محذور وسمّك يقتل
وإنّي-وإن صرّفت فى الشعر منطقى- ... لأنصف فيما قلت فيه وأعدل
ولم يطل ببكر المقام فى بغداد، فقد عاد إلى الديار المغربية سريعا واستقر فى القيروان عاصمة المغرب الأدنى (الإقليم التونسى) واختلف إلى حلقات شيخين كبيرين فيها هما سحنون صاحب المدونة فى فقه مالك الذى كانت شهرته تدوى فى المغرب، والثانى محدث كبير هو عون بن يوسف الخزاعى وكان قد تتلمذ لعبد الله بن وهب المحدث المصرى صاحب كتاب الجامع فى الحديث، وعنه أخذه بكر بن حماد، كما أخذ فى البصرة مسند مسدّد بن مسرهد. ويبدو أنه أخذ يعنى بعد وفاة شيخيه الكبيرين: عون وسحنون برواية مسند مسدّد وجامع ابن وهب وإملائهما على الطلاب فى القيروان، وقد نال فى دراسته للحديث النبوى شيئا من
стр. 4762
الشهرة فى زمنه، إذ يقال إنّ الحافظ الأندلسى الكبير قاسم بن أصبغ (٢٤٤ - ٣٤٠ هـ) حضر دروسه وأخذ عنه أحد الكتابين المذكورين آنفا أو هما معا.
وكان بكر مع تدريسه الحديث النبوى يمدح أمراء الأغالبة حكام القيروان، ويسبغون عليه بعض؟ ؟ ؟ عطائهم، ويروى أنه قصد يوما الأمير الأغلبى إبراهيم بن أحمد (٢٦١ - ٢٩٠ هـ) فى قصره حاملا إليه بعض مديحه حسب عادته، فمنعه الحاجب وقال إن الأمير مشغول الآن بجواريه، وأمر أن لا يصل إليه أحد، فكتب بكر أبياتا فى رقعة، وتلطف إلى الحاجب فى إيصالها إليه، وفيها:
خلقن الغوانى للرجال بليّة ... فهنّ موالينا ونحن عبيدها
إذا ما أردنا الورد فى غير حينه ... أتتنا به فى كل حين خدودها
وبمجرد أن قرأ الأمير الرقعة أرسل إليه بصرّة بها مائة دينار، وإنما روينا هذا الخبر لندل به على أن بكرا كان دائم الصلة بأمراء الأغالبة بمدحهم ويثيبونه على مديحه. وكان يزور تاهرت أحيانا للقاء أهله ومعارفه فيها ونراه بها فى عهد أميرها الرستمى الإباضى أبى حاتم يوسف بن محمد بن الأفلح (٢٨١ - ٢٩٤ هـ) ويبدو أنه عاتبه على مديحه للأغالبة دون حكام بلده، فقال له فى مدحه:
أبا حاتم ما كان ما كان بغضة ... ولكن أتت بعد الأمور أمور
فأكرهنى قوم خشيت عقابهم ... فداريتهم والدائرات تدور
وكان يزور بعض الأمراء الأدارسة فى المغرب الأقصى وينال جوائزهم، والمظنون أنه بأخرة من أيامه اختار المقام بتاهرت إلى أن لبي نداء ربه سنة ٢٩٦ للهجرة.
وديوان بكر بن حماد سقط من يد الزمن غير أن الأستاذ محمد بن رمضان شاوش استطاع أن يجمع طائفة كبيرة من أشعاره تتناول من أغراض الشعر العربى الهجاء والوصف والمدح والزهد مع الوعظ والاعتذار والرثاء، وذكر فى الهجاء المقطوعة السالفة فى دعبل التى يحرض فيها الخليفة المعتصم على الفتك به. ويبدو أنه لم يكن يسلم من لسانه أحد، حتى المحدّثون، إذ نراه يسلق شيخا جليلا من شيوخهم وحفاظهم هو يحيى بن معين المتوفى سنة ٢٣٣ هـ/٨٤٧ م قائلا:
لقد جفّت الأقلام بالخلق كلهم ... فمنهم شقىّ خائب وسعيد
أرى الخير فى الدنيا يقلّ كثيره ... وينقص نقصا والحديث يزيد
ولابن معين فى الرجال مقالة ... سيسأل عنها والمليك شهيد
فإن يك حقا قوله فهو غيبة ... وإن يك زورا فالقصاص شديد
وكل شياطين العباد ضعيفة ... وشيطان أصحاب الحديث مريد
стр. 4763
وهو يقول إن أقلام القضاء أحاطت بالخلق فمنهم شقى خاسر وسعيد فائز، وإن الخير فى الدنيا آخذ فى القلة والنقص، والحديث فى ذلك يطول. ويتعرض ليحيى بن معين مؤسس نقد رجال الحديث مما هيأ بقوة لنشوء علم الرجال أو علم الجرح والتعديل، وهو علم محّص رواية الحديث النبوى الشريف، ونفى عنها الزيف والكذب والتدليس، وهل من يوثّق راويا للحديث يكون مغتابا له أو يكون قد أولاه شرفا رفيعا؟ ومعاذ الله أن يكون يحيى بن معين قد زوّر على راو صدوق للحديث تجريحا أو اتهاما بسوء، ومعاذ الله ثانية أن يذكر بكر الشياطين وأن يلقب يحيى بأنه شيطان مريد أو خبيث للمحدّثين، نضّر الله وجه يحيى بن معين وجزاه الجزاء الأوفى عن الحديث النبوى والمحدثين. وكان عمران بن حطّان الخارجى قد أشاد بشقى الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادى قاتل على بن أبى طالب، وفى طعنته له يقول (١):
يا ضربة من تقىّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا
إنّي لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البريّة عند الله ميزانا
وسمع-أو قرأ-البيتين بكر بن حماد السّنّىّ فاستشاط غضبا وحمية للإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، وعارض البيتين بقصيدة هجا فيها ابن ملجم هجاء مريرا مع بيان ما للإمام على من فضل عظيم فى الإسلام ليبين مدى جناية ابن ملجم وما ارتكب من إثم شنيع، وفيها يقول:
قل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت- ويلك-للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشى على قدم ... وأوّل الناس إيمانا وإسلاما
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سنّ الرسول لنا شرعا وتبيانا
صهر النبىّ ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه-على رغم الحسود له- ... مكان هارون من موسى بن عمرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر ... فقلت سبحان ربّ الناس سبحانا
أشقى مراد إذا عدّت عشائرها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا
يا ضربة من شقىّ أورثته لظى ... مخلّدا وأتى الرحمن غضبانا
وبكر يصوّر فضائل الإمام على ليجسد جريمة ابن ملجم وفداحة ما اقترفه إذ هدم ركنا ضخما من أركان الإسلام، وكان على أول الناس إيمانا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله، وكان صهره وسيفه المسلول على أعدائه وأعداء الدين فى جميع غزواته. ويشير إلى الحديث النبوى: «على منى بمنزلة هارون من موسى». وإنه ليذرف عليه الدمع مدرارا، ويقول إن ابن ملجم أشقى قبيلته مراد وأخسر البرية ميزانا عند ربه، ويا لها ضربة أو طعنة ستصليه نار جهنم خالدا فيها مع غضب الله عليه غضبا شديدا. وواضح أنها أهجية مريرة لسنّى ضد قاتل
стр. 4764
الإمام على. ولعل فى كل ما أسلفت ما يصور شعر بكر بن حماد، وهو استهلال مبكر فى القرن الثالث الهجرى لما ينتظر الجزائر فى الشعر من مستقبل خصب.
سعيد (١) المنداسى
هو سعيد بن عبد الله المنداسى الأصل التلمسانى موطنا ومنشأ، عاش فى القرن الحادى عشر الهجرى، ولا يعرف تاريخ مولده كما لا يعرف شئ عن أسرته ونشأته، ولا بد أن نشأ مثل لداته يعنى بحفظ القرآن الكريم، حتى إذا حفظه أخذ ينهل من حلقات علماء اللغة والبلاغة والأدب والعلوم الدينية. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة واستطاع أن يجمع بين الشعر الشعبى والشعر الفصيح، ونظم كثيرا من النوع الأول وشهره فيه قصيدة نبوية سماها «العقيقة» فى نحو ثلاثمائة بيت. وكانت تلمسان فى شبابه تغلى دائما بفتن واضطرابات ضد العثمانيين وظلمهم، وكان أهلها يثورون ضدهم ويثور معهم الشاب سعيد المنداسى ، وكثيرا ما كان يذكى ثورة التلمسانيين بشظايا من شعره الشعبى، وأحيانا يفزع إلى سهام من الشعر الفصيح، وخوّفه كثيرون مغبة ذلك. وحدث أن أغار على تلمسان صاحب سجلماسة محمد بن الشريف رأس الدولة العلوية بالمغرب الأقصى فى الخمسينيات من القرن الحادى عشر الهجرى، وأقام بها فترة قصيرة التحق فيها سعيد المنداسى بحاشيته، وعاد معه إلى عاصمته، ويقول صاحب الاستقصاء إن المنداسى مدحه بقصائد شعبية كثيرة وإنه أغدق عليه كثيرا من نواله، وخلفه أخوه الرشيد، وظل سعيد يقدم إليه مدائحه الشعبية، والرشيد يقرّبه ويجزل له فى العطاء حتى قال صاحب الاستقصاء إنه منحه خمسة وعشرين رطلا من الذهب جائزة على بعض مدائحه فيه، وتوفى وخلفه أخوه السلطان إسماعيل العلوى سنة ١٠٧٩ هـ/١٦٦٨ م واتسع فى الاستيلاء على بلدان المغرب الأقصى وخلّص كثيرا مما كان منها شمالا بيد الإسبان. وكان عهده عهد عدل وأمن ورخاء، وشيد كثيرا من الآثار، مما جعل سعيدا المنداسى يتغنى طويلا بمديحه فى شعره الشعبى، وكان السلطان إسماعيل بدوره يسبغ عليه كثيرا من عطاياه، حتى ليقال إنه أعطاه خمسة وعشرين رطلا من الذهب الخالص جائزة على بعض مدائحه فيه. وقد توفى الشاعر فى عهده بسجلماسة، ويقال بل إنه عاد إلى بلده وتوفى فيها ولا يعرف تاريخ وفاته، واستظهر بعض الباحثين أنها كانت سنة ١٠٨٨ هـ/وربما كانت بعد ذلك بسنوات معدودة.
وشعر سعيد المنداسى سواء الشعبى والشعر الفصيح يتناول المديح كما أسلفنا والغزل
стр. 4765
والمدائح النبوية والموعظة والوصف، وكان يكثر من الهجاء-قبل مبارحته تلمسان-للعثمانيين، ومن قوله فى وصف أهاجيه:
كأن قوافى الشعر منّى جنادل ... وكفّ الزمان منجنيق بها يرمى
وهو يقول إنه كان يرسلها جنادل على العثمانيين وغيرهم، واضطرته إلى مبارحة تلمسان خشية أن ينزل به العثمانيون عقابا أليما، ومن أشد أهاجيه فيهم أهجية طويلة سماها: «الإعلام فيما وقع للإسلام» نظمها عقب مذبحة لحاكم تلمسان العثمانى، إذ سلط جنده على بعض أعلامها وعلمائها، فسفكوا دماءهم بغيا وظلما وهدموا مبانيهم وسبوا نساءهم وذراريهم. وكان أحد الفقهاء المسمى ابن زاغو سوّغ لهم ذلك فى فتوى جائرة، فصبّ عليه وعلى العثمانيين فى أهجيته سياط هجائه غاضبا غضبا شديدا، وهو يستهلها بهجائهم بمثل قوله:
وأكبر شئ أفسدته أكفّهم ... تلمسان عين الغرب علما وإيمانا
وكانت لهم لما أرادوا فسادها ... أراذل منهم كالبطارق أعوانا
وهو يقول إن أكبر شئ أو مدينة أفسدوها تلمسان حاضرة الدولة الزيانية أم مدائن الجزائر علما ودراسات دينية، أفسدها منهم أراذل كبطارقة النصارى العتاة، ويلتفت للفقيه ابن زاغو الذى قدم لهم فتوى سوّلت للحاكم العثمانى جريمته الآثمة فيقول:
فقل لابن زاغو للضلال أئمة ... تدبّر-لحاك الله-ما قال مولانا
ولا تركنوا-والرّكن منك سجيّة- ... كأنك لم تسمع من الله قرآنا
قتلت فحول العلم صبرا ولم تزل ... على عهدك المعلوم فى الزّيغ هيمانا
فأيّمت بالفتوى نساء كريمة ... ويتّمت بالقول المضلّل ولدانا
وهو يقول إن ابن زاغو الفقيه إمام لا من أئمة التقوى بل من أئمة الضلال والفساد فى الأرض، ويتجه إليه قائلا: تدبّر-قبّحك الله-ما قال الله فى كتابه: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أى لا تميلوا، ويقول إنه دائما من المائلين إلى العثمانيين الظالمين، وبئس الميل لقد أفتيتهم بقتل العلماء العظام وما زلت على عهدك غارقا فى الزيغ والضلال، لقد أيمت نساء وجعلتهن ثكلى فاقدات لأزواجهن الذين يعولونهن باكيات عليهم نادبات ويتمت أطفالا صغارا لا تخاف الله ولا تخشاه. ويصور بعد ذلك فى الأهجية سفك العثمانيين لدماء العلماء وما حملوا من رءوس كم باتت ساجدة لله وكم ظلت تدرس الدين وكتب التوحيد من مثل السنوسية الكبرى سوى من قيدوهم بالأغلال وزجوا بهم فى السجون، ويعود إلى تصوير فتوى ابن زاغو ويكويه بمثل قوله: