الموضع أن عبد الرحمن بن رستم أقام بها الدولة الرستمية، وكان يعتنق مذهب الخوارج الإباضية، وأتته جموع الخوارج من كل مكان فى المغرب. وكان أئمة هذه الدولة-على شاكلته- يفسحون لأهل السنة والمعتزلة فى مدينتهم، وفيها ولد بكر بن حماد سنة مائتين للهجرة، وكان من قبيلة زناتة البربرية الضخمة، ولا نعرف شيئا عن أسرته. ويبدو أن أباه لم يكن إباضيا، وكانت بتاهرت حركة علمية خصبة بثّتها فيها الدولة الرستمية، ووجهه أبوه إلى العلم، فحفظ القرآن، وأخذ يختلف إلى حلقات العلماء وشغف بالشعر وتفتحت ملكته مبكرة، كما شغف بحلقات المحدثين، ونراه يرحل فى سن السابعة عشرة إلى القيروان فالبلاد المشرقية، يأخذ الحديث واللغة، وأوغل فى رحلته حتى البصرة وفيها تتلمذ على مسدّد بن مسرهد وأخذ عنه مسنده فى الحديث النبوى، وسيعنى فيما بعد بإذاعته فى الديار المغربية. وتتلمذ على شيوخ البصرة فى اللغة حينذاك من أمثال ابن الأعرابى، ودفعه طموحه إلى أن يذهب إلى بغداد، وفيها لفت أبا تمام وغيره من شعرائها الكبار بمهارته فى الشعر، ففسحوا له فى مجالسهم، وتعرّف على دعبل هجّاء الخلفاء: المعتصم العباسى وغيره، ويبدو أن الفتى الجزائرى مدح المعتصم وأجزل له فى العطاء مما جعله يخاصم دعبلا، وربما خاصمه غضبا لخليفة المسلمين، ونراه يحرّضه على عقابه والقصاص منه قائلا:
أيهجو أمير المؤمنين ورهطه ... ويمشى على الأرض العريضة دعبل
أما والذى أرسى ثبيرا مكانه ... لقد كادت الدنيا لذاك تزلزل
ولكن أمير المؤمنين بفضله ... يهمّ فيعفو أو يقول فيفعل
وكأنه فى الكلمة الأخيرة من أبياته يحرّض المعتصم على الفتك بدعبل، ويقال إن أبا تمام حين سمع منه هذه الأبيات قال له: لقد قتلته يا بكر، وكأنما أعجبته كلمة أبى تمام- حبيب بن أوس-فألحق بالأبيات بيتين إشارة إلى كلمة أبى تمام قائلا:
وعاتبنى فيه حبيب وقال لى ... لسانك محذور وسمّك يقتل
وإنّي-وإن صرّفت فى الشعر منطقى- ... لأنصف فيما قلت فيه وأعدل
ولم يطل ببكر المقام فى بغداد، فقد عاد إلى الديار المغربية سريعا واستقر فى القيروان عاصمة المغرب الأدنى (الإقليم التونسى) واختلف إلى حلقات شيخين كبيرين فيها هما سحنون صاحب المدونة فى فقه مالك الذى كانت شهرته تدوى فى المغرب، والثانى محدث كبير هو عون بن يوسف الخزاعى وكان قد تتلمذ لعبد الله بن وهب المحدث المصرى صاحب كتاب الجامع فى الحديث، وعنه أخذه بكر بن حماد، كما أخذ فى البصرة مسند مسدّد بن مسرهد. ويبدو أنه أخذ يعنى بعد وفاة شيخيه الكبيرين: عون وسحنون برواية مسند مسدّد وجامع ابن وهب وإملائهما على الطلاب فى القيروان، وقد نال فى دراسته للحديث النبوى شيئا من
стр. 4762
الشهرة فى زمنه، إذ يقال إنّ الحافظ الأندلسى الكبير قاسم بن أصبغ (٢٤٤ - ٣٤٠ هـ) حضر دروسه وأخذ عنه أحد الكتابين المذكورين آنفا أو هما معا.
وكان بكر مع تدريسه الحديث النبوى يمدح أمراء الأغالبة حكام القيروان، ويسبغون عليه بعض؟ ؟ ؟ عطائهم، ويروى أنه قصد يوما الأمير الأغلبى إبراهيم بن أحمد (٢٦١ - ٢٩٠ هـ) فى قصره حاملا إليه بعض مديحه حسب عادته، فمنعه الحاجب وقال إن الأمير مشغول الآن بجواريه، وأمر أن لا يصل إليه أحد، فكتب بكر أبياتا فى رقعة، وتلطف إلى الحاجب فى إيصالها إليه، وفيها:
خلقن الغوانى للرجال بليّة ... فهنّ موالينا ونحن عبيدها
إذا ما أردنا الورد فى غير حينه ... أتتنا به فى كل حين خدودها
وبمجرد أن قرأ الأمير الرقعة أرسل إليه بصرّة بها مائة دينار، وإنما روينا هذا الخبر لندل به على أن بكرا كان دائم الصلة بأمراء الأغالبة بمدحهم ويثيبونه على مديحه. وكان يزور تاهرت أحيانا للقاء أهله ومعارفه فيها ونراه بها فى عهد أميرها الرستمى الإباضى أبى حاتم يوسف بن محمد بن الأفلح (٢٨١ - ٢٩٤ هـ) ويبدو أنه عاتبه على مديحه للأغالبة دون حكام بلده، فقال له فى مدحه:
أبا حاتم ما كان ما كان بغضة ... ولكن أتت بعد الأمور أمور
فأكرهنى قوم خشيت عقابهم ... فداريتهم والدائرات تدور
وكان يزور بعض الأمراء الأدارسة فى المغرب الأقصى وينال جوائزهم، والمظنون أنه بأخرة من أيامه اختار المقام بتاهرت إلى أن لبي نداء ربه سنة ٢٩٦ للهجرة.
وديوان بكر بن حماد سقط من يد الزمن غير أن الأستاذ محمد بن رمضان شاوش استطاع أن يجمع طائفة كبيرة من أشعاره تتناول من أغراض الشعر العربى الهجاء والوصف والمدح والزهد مع الوعظ والاعتذار والرثاء، وذكر فى الهجاء المقطوعة السالفة فى دعبل التى يحرض فيها الخليفة المعتصم على الفتك به. ويبدو أنه لم يكن يسلم من لسانه أحد، حتى المحدّثون، إذ نراه يسلق شيخا جليلا من شيوخهم وحفاظهم هو يحيى بن معين المتوفى سنة ٢٣٣ هـ/٨٤٧ م قائلا:
لقد جفّت الأقلام بالخلق كلهم ... فمنهم شقىّ خائب وسعيد
أرى الخير فى الدنيا يقلّ كثيره ... وينقص نقصا والحديث يزيد
ولابن معين فى الرجال مقالة ... سيسأل عنها والمليك شهيد
فإن يك حقا قوله فهو غيبة ... وإن يك زورا فالقصاص شديد
وكل شياطين العباد ضعيفة ... وشيطان أصحاب الحديث مريد
стр. 4763
وهو يقول إن أقلام القضاء أحاطت بالخلق فمنهم شقى خاسر وسعيد فائز، وإن الخير فى الدنيا آخذ فى القلة والنقص، والحديث فى ذلك يطول. ويتعرض ليحيى بن معين مؤسس نقد رجال الحديث مما هيأ بقوة لنشوء علم الرجال أو علم الجرح والتعديل، وهو علم محّص رواية الحديث النبوى الشريف، ونفى عنها الزيف والكذب والتدليس، وهل من يوثّق راويا للحديث يكون مغتابا له أو يكون قد أولاه شرفا رفيعا؟ ومعاذ الله أن يكون يحيى بن معين قد زوّر على راو صدوق للحديث تجريحا أو اتهاما بسوء، ومعاذ الله ثانية أن يذكر بكر الشياطين وأن يلقب يحيى بأنه شيطان مريد أو خبيث للمحدّثين، نضّر الله وجه يحيى بن معين وجزاه الجزاء الأوفى عن الحديث النبوى والمحدثين. وكان عمران بن حطّان الخارجى قد أشاد بشقى الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادى قاتل على بن أبى طالب، وفى طعنته له يقول (١):
يا ضربة من تقىّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا
إنّي لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البريّة عند الله ميزانا
وسمع-أو قرأ-البيتين بكر بن حماد السّنّىّ فاستشاط غضبا وحمية للإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، وعارض البيتين بقصيدة هجا فيها ابن ملجم هجاء مريرا مع بيان ما للإمام على من فضل عظيم فى الإسلام ليبين مدى جناية ابن ملجم وما ارتكب من إثم شنيع، وفيها يقول:
قل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت- ويلك-للإسلام أركانا
قتلت أفضل من يمشى على قدم ... وأوّل الناس إيمانا وإسلاما
وأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سنّ الرسول لنا شرعا وتبيانا
صهر النبىّ ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورا وبرهانا
وكان منه-على رغم الحسود له- ... مكان هارون من موسى بن عمرانا
ذكرت قاتله والدمع منحدر ... فقلت سبحان ربّ الناس سبحانا
أشقى مراد إذا عدّت عشائرها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا
يا ضربة من شقىّ أورثته لظى ... مخلّدا وأتى الرحمن غضبانا
وبكر يصوّر فضائل الإمام على ليجسد جريمة ابن ملجم وفداحة ما اقترفه إذ هدم ركنا ضخما من أركان الإسلام، وكان على أول الناس إيمانا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله، وكان صهره وسيفه المسلول على أعدائه وأعداء الدين فى جميع غزواته. ويشير إلى الحديث النبوى: «على منى بمنزلة هارون من موسى». وإنه ليذرف عليه الدمع مدرارا، ويقول إن ابن ملجم أشقى قبيلته مراد وأخسر البرية ميزانا عند ربه، ويا لها ضربة أو طعنة ستصليه نار جهنم خالدا فيها مع غضب الله عليه غضبا شديدا. وواضح أنها أهجية مريرة لسنّى ضد قاتل
стр. 4764
الإمام على. ولعل فى كل ما أسلفت ما يصور شعر بكر بن حماد، وهو استهلال مبكر فى القرن الثالث الهجرى لما ينتظر الجزائر فى الشعر من مستقبل خصب.
سعيد (١) المنداسى
هو سعيد بن عبد الله المنداسى الأصل التلمسانى موطنا ومنشأ، عاش فى القرن الحادى عشر الهجرى، ولا يعرف تاريخ مولده كما لا يعرف شئ عن أسرته ونشأته، ولا بد أن نشأ مثل لداته يعنى بحفظ القرآن الكريم، حتى إذا حفظه أخذ ينهل من حلقات علماء اللغة والبلاغة والأدب والعلوم الدينية. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة واستطاع أن يجمع بين الشعر الشعبى والشعر الفصيح، ونظم كثيرا من النوع الأول وشهره فيه قصيدة نبوية سماها «العقيقة» فى نحو ثلاثمائة بيت. وكانت تلمسان فى شبابه تغلى دائما بفتن واضطرابات ضد العثمانيين وظلمهم، وكان أهلها يثورون ضدهم ويثور معهم الشاب سعيد المنداسى ، وكثيرا ما كان يذكى ثورة التلمسانيين بشظايا من شعره الشعبى، وأحيانا يفزع إلى سهام من الشعر الفصيح، وخوّفه كثيرون مغبة ذلك. وحدث أن أغار على تلمسان صاحب سجلماسة محمد بن الشريف رأس الدولة العلوية بالمغرب الأقصى فى الخمسينيات من القرن الحادى عشر الهجرى، وأقام بها فترة قصيرة التحق فيها سعيد المنداسى بحاشيته، وعاد معه إلى عاصمته، ويقول صاحب الاستقصاء إن المنداسى مدحه بقصائد شعبية كثيرة وإنه أغدق عليه كثيرا من نواله، وخلفه أخوه الرشيد، وظل سعيد يقدم إليه مدائحه الشعبية، والرشيد يقرّبه ويجزل له فى العطاء حتى قال صاحب الاستقصاء إنه منحه خمسة وعشرين رطلا من الذهب جائزة على بعض مدائحه فيه، وتوفى وخلفه أخوه السلطان إسماعيل العلوى سنة ١٠٧٩ هـ/١٦٦٨ م واتسع فى الاستيلاء على بلدان المغرب الأقصى وخلّص كثيرا مما كان منها شمالا بيد الإسبان. وكان عهده عهد عدل وأمن ورخاء، وشيد كثيرا من الآثار، مما جعل سعيدا المنداسى يتغنى طويلا بمديحه فى شعره الشعبى، وكان السلطان إسماعيل بدوره يسبغ عليه كثيرا من عطاياه، حتى ليقال إنه أعطاه خمسة وعشرين رطلا من الذهب الخالص جائزة على بعض مدائحه فيه. وقد توفى الشاعر فى عهده بسجلماسة، ويقال بل إنه عاد إلى بلده وتوفى فيها ولا يعرف تاريخ وفاته، واستظهر بعض الباحثين أنها كانت سنة ١٠٨٨ هـ/وربما كانت بعد ذلك بسنوات معدودة.
وشعر سعيد المنداسى سواء الشعبى والشعر الفصيح يتناول المديح كما أسلفنا والغزل
стр. 4765
والمدائح النبوية والموعظة والوصف، وكان يكثر من الهجاء-قبل مبارحته تلمسان-للعثمانيين، ومن قوله فى وصف أهاجيه:
كأن قوافى الشعر منّى جنادل ... وكفّ الزمان منجنيق بها يرمى
وهو يقول إنه كان يرسلها جنادل على العثمانيين وغيرهم، واضطرته إلى مبارحة تلمسان خشية أن ينزل به العثمانيون عقابا أليما، ومن أشد أهاجيه فيهم أهجية طويلة سماها: «الإعلام فيما وقع للإسلام» نظمها عقب مذبحة لحاكم تلمسان العثمانى، إذ سلط جنده على بعض أعلامها وعلمائها، فسفكوا دماءهم بغيا وظلما وهدموا مبانيهم وسبوا نساءهم وذراريهم. وكان أحد الفقهاء المسمى ابن زاغو سوّغ لهم ذلك فى فتوى جائرة، فصبّ عليه وعلى العثمانيين فى أهجيته سياط هجائه غاضبا غضبا شديدا، وهو يستهلها بهجائهم بمثل قوله:
وأكبر شئ أفسدته أكفّهم ... تلمسان عين الغرب علما وإيمانا
وكانت لهم لما أرادوا فسادها ... أراذل منهم كالبطارق أعوانا
وهو يقول إن أكبر شئ أو مدينة أفسدوها تلمسان حاضرة الدولة الزيانية أم مدائن الجزائر علما ودراسات دينية، أفسدها منهم أراذل كبطارقة النصارى العتاة، ويلتفت للفقيه ابن زاغو الذى قدم لهم فتوى سوّلت للحاكم العثمانى جريمته الآثمة فيقول:
فقل لابن زاغو للضلال أئمة ... تدبّر-لحاك الله-ما قال مولانا
ولا تركنوا-والرّكن منك سجيّة- ... كأنك لم تسمع من الله قرآنا
قتلت فحول العلم صبرا ولم تزل ... على عهدك المعلوم فى الزّيغ هيمانا
فأيّمت بالفتوى نساء كريمة ... ويتّمت بالقول المضلّل ولدانا
وهو يقول إن ابن زاغو الفقيه إمام لا من أئمة التقوى بل من أئمة الضلال والفساد فى الأرض، ويتجه إليه قائلا: تدبّر-قبّحك الله-ما قال الله فى كتابه: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أى لا تميلوا، ويقول إنه دائما من المائلين إلى العثمانيين الظالمين، وبئس الميل لقد أفتيتهم بقتل العلماء العظام وما زلت على عهدك غارقا فى الزيغ والضلال، لقد أيمت نساء وجعلتهن ثكلى فاقدات لأزواجهن الذين يعولونهن باكيات عليهم نادبات ويتمت أطفالا صغارا لا تخاف الله ولا تخشاه. ويصور بعد ذلك فى الأهجية سفك العثمانيين لدماء العلماء وما حملوا من رءوس كم باتت ساجدة لله وكم ظلت تدرس الدين وكتب التوحيد من مثل السنوسية الكبرى سوى من قيدوهم بالأغلال وزجوا بهم فى السجون، ويعود إلى تصوير فتوى ابن زاغو ويكويه بمثل قوله:
стр. 4766
وقال اقتلوا فالقتل يردع غيرهم ... ولا رقّ ذاك القلب منه ولا لانا
تعالوا تروا ضلّيل فى زىّ ناسك ... يطوّل من ثوب الضلالة أردانا
وقد قدّ ذاك الثوب من كل موضع ... ومرّ بأبصار الخلائق عريانا
إذا شيم منه الخير فالبرق كاذب ... وإن صال منه الرعد يهلك بلدانا
ويقول إنه أفتى بقتل من سفكت دماؤهم لزجر غيرهم وردعهم لا يرعى فيهم عهدا ولا ذمة، وكأنما قسا قلبه وخلا منه كل شعور حتى غدا كالحجر الصلد أو أشد قسوة، ويعجب أن يتظاهر بالنسك وعبادة ربه وهو يطوّل من ثوب الضلالة أردانه أو أكمامه، ويقول إن هذا الثوب قدّ وشقّق ومزّق حتى أصبح-رغم لبسه له-عريانا، وحتى لو رؤى منه برق خير فالبرق كاذب، أما إذا أرعد فهلاك للبلاد والعباد. ويهيب الشاعر بأهل تلمسان أن يثوروا بالعثمانيين ثورة عنيفة، ويتوعد ابن زاغو بما سيلقى عند ربه قائلا:
أيا آل دين الله مالى أراكم ... نياما وكان الطّرف من قبل يقظانا
أما تذكرون الأهل والزمن الذى ... عهدتم فذاك الوصل قد صار هجرانا
وهلا سألتم عن يتامى تفرّقت ... أيادى سبا فى الغرب أنثى وذكرانا
فقل لابن زاغو رأس كلّ خطيئة ... قلّى تحسبون الفتك بالأهل سلوانا
ألا إنك الدّجّال للناس فتنة ... تأهّب لزوح الله فالحين قد حانا
وهو يستصرخ أهل تلمسان ليهبوا من نومهم الطويل ويذودوا عن أهلهم وحريمهم الذين قتل العثمانيون أزواجهن ويتموا أبناءهن وتفرقوا فى البلدان مزقا أناثا وذكورا، ويقول لابن زاغو رأس هذه الخطيئة قلى وبغضا لك حين تتخذ الفتك بالأهل سلوانا، إلا إنك الدجال الذى يموه الحق ويزين الباطل ويوقد الفتن، فتأهب واستعد لإزاحة الله لك من على وجه الأرض، فقد آن موتك ولم يعد لك مفر منه. وواضح أن سعيدا المنداسى كان شاعرا بارعا، ولم يكن يعيش بمعزل عن قومه، فقد كان يشاركهم فى ثوراتهم على ظلم الحكام العثمانيين فى أيام شبابه، وإن فاته أن يحمل السلاح فى وجوههم فإنه لم يفته أن يجعل من أبيات شعره الفصيح والعامى سهاما يسلطها على جباه العثمانيين ويقذفها على رءوسهم وصدورهم محاولا- بكل جهده-أن يستثير مواطنيه من أهل تلمسان ضدهم حتى يذيقوهم نكالا ووبالا.
٥ -
الشعراء والشعر التعليمى
مرّ بنا فى الجزء الخاص بالعصر العباسى الأول أن رقى الحياة العقلية فيه هيأ لاستحداث الشعر التعليمى الذى يعنى بنظم التاريخ والعلوم والقصص التعليمية، وكان من السابقين إلى
стр. 4767
ذلك أبان بن عبد الحميد ناظم قصص كليلة ودمنة شعرا، وله منظومات سقطت من يد الزمن فى تاريخ ملوك الفرس وأيضا له منظومة فى الفقه وأحكام الصلاة، ونظم فى هذا الفن التعليمى الأصمعى فى الملوك والأمم البائدة كما نظم إبراهيم الفزارى منظومة طويلة فى الفلك يقال إنها استوعبت عشر مجلدات.
ومنذ العصر العباسى الأول رسخ هذا الفن فى الشعر العربى وأصبح أحد موضوعاته، وقد اصطلح أبان وأصحابه فى العصر المذكور على أن ينظم من وزن الرجز، لأنه من أوفر أوزان الشعر العربى أنغاما ومن أكثرها قبولا للتغير. فى تفاعيله، وهو بذلك أكثرها مرونة لحمل المعارف العلمية. وأخذت الأقاليم العربية تسهم فى هذا الفن كلما اتسعت فيها الحركات العلمية وكثر علماؤها، إذ يرون أن يضعوا فى علومهم منظومات لمساعدة الناشئة على حفظ قواعدها.
وأقاليم عربية تسرع فى هذا الصنيع، وأقاليم أخرى تتأخر قليلا أو كثيرا، ونلتقى فى القرن الخامس الهجرى بابن أبى الرجال المتوفى سنة ٤٢٦ هـ/١٠٣٤ م وله أرجوزة فى الفلك والتنجيم، ويلقانا فى القرن السابع يحيى (١) بن عبد المعطى المولود سنة ٥٦٤ هـ/١١٦٩ م وهو من قبيلة زواوة البجائية، وقد نشأ فى بجاية، وأتقن فيها علم النحو كما أتقن نظم الشعر، غير أنه اتجه به نحو التمرن على نظم بعض المعارف، ورحل إلى دمشق وسكنها وانتفع به خلق كثير، ورغبه السلطان الكامل الأيوبى فى الانتقال إلى مصر وانتقل إليها وتصدّر لإقراء الطلاب فى الجامع العتيق (جامع عمرو بن العاص) وكان يقرأ لهم ألفيته التى نظمها فى النحو ويفسر أبياتها لهم، ولا يعرف متى نظمها؟ هل نظمها قبل رحيله إلى دمشق أو بعد ذلك وما زال يقرئها الطلاب المصريين حتى توفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣١ م وعلى غرارها نظم ابن مالك ألفيته المشهورة فى النحو. ونمضى فى القرن السابع ونلتقى بأبى إسحاق (٢) إبراهيم بن أبى بكر الأنصارى التلمسانى المتوفى سنة ٦٩٧ هـ/١٢٩٨ م وقد نظم فى الفرائض (علم الميراث) وهو ابن عشرين سنة أرجوزة اشتهرت باسم التلمسانية، وهى أرجوزة محكمة ضابطة لعلم الميراث عجيبة الوضع لم يصنّف فى فنها مثلها وقد طارت شهرتها فى الجزائر وغير الجزائر وشرحت مرارا. وممن كثر نظمهم فى الشعر التعليمى ابن (٣) مرزوق الحفيد وله ألفية فى القراءات فى محاذاة ألفية الشاطبى: حرز الأمانى، وأرجوزتان فى علم الحديث: كبرى باسم الروضة وصغرى باسم الحديقة، وأرجوزة فى تلخيص كتاب المفتاح فى علوم البلاغة للقزوينى، وأرجوزة فى الميقات أو الفلك
стр. 4768
فى ألف وسبعمائة بيت سماها المقنع الشافى، وله أرجوزة فى تلخيص أعمال الحساب لابن البناء، وأرجوزة فى نظم كتاب الجمل فى المنطق للخونجى. ومن ناظمى الشعر التعليمى فى القرن التاسع بين أصحاب علوم الأوائل الحباك (١) محمد بن أحمد المتوفى سنة ٨٦٧ هـ/١٤٦٣ م وله أرجوزة فى الأسطرلاب كانت ألفية هذا العلم فى العهد العثمانى، ومن أجل ذلك كثرت شروحها وقد سماها: «بغية الطلاب فى علم الأسطرلاب» وفيها تحدث عن رسوم الأسطرلاب وأجزائه ومطالع البروج والجهات الأربع إلى غير ذلك من موضوعات علم الفلك. ومن ناظمى هذا القرن أحمد (٢) بن عبد الله الجزائرى المتوفى سنة ٨٨٤ هـ/١٤٧٩ م وله منظومة فى علم التوحيد أو علم الكلام استهلّها بقوله:
الحمد لله وهو الواحد الأزلى ... سبحانه جلّ عن شبه وعن مثل
نظمها فى مقتبل عمره وسماها الجزائرية وأرسلها إلى العلامة محمد السنوسى فأعجب بها وشرحها، وقد دوّت شهرتها فى الجزائر وغير الجزائر، وبالمثل شرح السنوسى أرجوزة فى نفس العلم لتلميذه محمد (٣) بن عبد الرحمن الحوضى، سماها واسطة السلوك افتتحها بقوله:
الحمد لله الذى دلّ عليه ... إيجادنا ثم افتقارنا إليه
وبعد فالتوحيد أشرف العلوم ... وهو أساسها الذى به تقوم
ولابن (٤) زكرى معاصرهما المتوفى سنة ٩٠٠ هـ/١٤٩٤ م أرجوزة فى نفس الموضوع شرحها الورتلانى. وحرى بنا أن نعرف أن الجزائر وكل بلاد المغرب-كما قلنا فى غير هذا الموضع-كانت تعتنق مذهب الأشعرى فى قضايا العقيدة وعلم التوحيد. ونمضى فى القرن العاشر الهجرى ونلتقى بالفقيه أحمد (٥) بن الحاج البجائى المتوفى سنة ٩٣٠ هـ/١٥٢٤ م وقد رأى للشيخ السنوسى كتابين فى علم التوحيد باسم العقيدة الكبرى والعقيدة الصغرى، فنظم الصغرى فى أرجوزة له ابتدأها بقوله:
الحمد لله الذى عرّفنا ... بنفسه وبالهدى شرّفنا
وبعد فالمقصود من هذا النظام ... نظم عقيدة السّنوسىّ الإمام
من غير تبديل ولا تغيير ... سوى اختلاف اللفظ والتعبير
وله منظومات فى مسائل فقهية متعددة. ولكثيرين منظومات أو أراجيز فى علوم مختلفة، على نحو ما نرى عند عبد الرحمن الأخضرى وسنخصه بكلمة أو ترجمة، وكثيرا ما كانوا
стр. 4769
ينظمون فى بعض مسائل العلوم الدينية واللغوية، ولمحمد بن على بهلول المجاجى فى ألقاب الإعراب والبناء (١):
من يبتغ العزّ يرفعنّ همّته ... بالضمّ عن كل مخلوق يرى عجبا
وبين عينيه ينصبن منيّته ... بفتح باب لليث الموت قد نصبا
ويخفض النّفس لا يبغى لها شرفا ... بكسر شهوتها ينال ما طلبا
بذا يجرّ لها النّفع مجاهدها ... فإن عصته رمى بسهمه عطبا
واجزم على اللهو نفسا طالما اضطربت ... وبالسكون يكون الجزم خذ أدبا
وواضح أن ألقاب الإعراب تتوالى فى الأبيات، وهى الرفع والنصب والجر والجزم، وبالمثل تتوالى ألقاب البناء، وهى الضم والفتح والكسر والسكون. ونظم خليفة بن حسن القمارى الأجرومية فى قصيدة تسمى اللامية فى نظم الأجرومية فى النحو لابن آجروم الصنهاجى. ونلتقى بأحمد (٢) البونى المولود سنة ١٠٦٣ هـ/١٦٥٣ م والمتوفى سنة ١١٤٠ هـ/١٧٢٨ م وذكر له الحفناوى فى تعريف الخلف برجال السلف نحو ستين منظومة نقلها عن رسالته: «التعريف بما للفقير من التأليف» منها نظم السيرة المحمدية، ومما يتعلق بالقرآن الكريم نظم غريب القرآن فى تفسير ابن عباس، ونظم غريب العزيزى للقرآن العظيم المسمى تحفة الأريب بأشرف غريب، ونظم الخصائص الكبرى للسيوطى وأكبر الظن أنها شمائل رسول لله، ونظم تحفة الفكر لابن حجر، ونظم الفرائض (علم الميراث) فى رسالة ابن أبى زيد القيروانى، ونظم الوغليسية فى الفقه لعبد الرحمن الوغليسى المتوفى ببجاية سنة ٧٨٦ هـ/١٣٨٥ م ونظم مختصر الشيخ خليل بن إسحاق المصرى حامل لواء المذهب المالكى المتوفى سنة ٧٦٩ هـ/١٣٦٨ م فى عشرة آلاف بيت، ونظم كتابه الجامع فى ألف بيت ونظم الأجرومية فى تسعين بيتا، أما علم الكلام أو كما يسمى علم العقيدة فى الجزائر فكاد لا يترك فيه كلاما لإمام مشرقى أو مغربى إلا نظمه، فله نظم فى عقيدة الماتريدى والطحاوى والغزالى وعبد القادر الجيلانى وابن عربى وأبى الحسن الشاذلى والعز بن عبد السلام والتفتازانى والنسفى وابن الحاجب وعبد الكريم الفكون، ونظم العقيدة الوسطى والصغرى للسنوسى وعقيدة أبى مدين، وكاد لا يترك كلاما لإمام من الأئمة الماضين سنيين أو صوفيين إلا وضع فيه منظومة. وحرى بنا الآن أن نخص عبد الرحمن الأخضرى أحد أصحاب هذا الشعر التعليمى بكلمة.
عبد (٣) الرحمن الأخضرى
ولد عبد الرحمن الأخضرى فى بنطيوس من قرى بسكرة فى الزاب حوالى سنة
стр. 4770
١٠٢٠ هـ/١٦١١ م وبها حفظ القرآن الكريم، وبعد حفظه تتلمذ لشيوخها ولأبيه محمد وله حاشية على مختصر الشيخ خليل بن إسحاق المصرى فى الفقه المالكى. وبعد أن أخذ كل ما عند أبيه وأقرانه من فقه ولغة ارتحل إلى قسنطينة، فأكبّ على حلقات شيوخها، واستوعب كل ما أخذه عنهم من علوم أوائل وآداب تصوف وعلوم بلاغة ومنطق، وعاد إلى موطنه يدرس لطلابه كل ما فقهه وتمثله من علوم مختلفة، ويشيد مترجموه برسوخه فى المعقول والمنقول، وظل يرعى طلابه إلى أن توفى سنة ١٠٥٣ هـ/١٦٤٣ م. وشغف بنظم العلوم، فألّف مجموعة من المتون يتدارسها الطلاب والعلماء شرقا وغربا، منها فى الفلك منظومة السراج وقد شرحها سحنون بن عثمان معاصره، ومنها الدرة البيضاء فى الحساب وعلم الفرائض وجعلها فى ثلاثة أقسام: قسم خاص بالحساب، وقسم خاص بالفرائض (علم الميراث) وقسم خاص بقسمة التركات. وطبعت مع شرحها فى القاهرة ونصّ فى الطبعة على أن شرح قسم الفرائض من عمل المؤلف الأخضرى. وله فى التصوف منظومة سماها القدسية، وهى فى آداب السلوك ونكران البدع، وشرحها حسين الورتلانى المتوفى سنة ١٢١٠ هـ/١٧٩٥ م وسمى شرحه الكواكب العرفانية والشوارق الإنسية فى شرح ألفاظ القدسية، ونظم الأخضرى تلخيص المفتاح فى علوم البلاغة للقزوينى وسمى منظومته الجوهر المكنون فى الثلاثة فنون: المعانى والبيان والبديع، وشرحها فى القاهرة الشيخ أحمد الدمنهورى فى القرن الماضى.
وأهم منظومات الأخضرى فى العلوم منظومته فى علم المنطق، وقد سماها: «السلم المرونق فى علم المنطق» وهى أرجوزة فى مائة وثلاثة وأربعين بيتا، ويقول فى آخرها أنه نظمها وهو فى الحادية والعشرين من عمره، وشرحها، وطارت شهرتها ووضعت عليها شروح كثيرة، ويستهلها بقوله:
الحمد لله الذى قد أخرجا ... نتائج الفكر لأرباب الحجا
وحطّ عنهم من سماء العقل ... كلّ حجاب من سحاب الجهل
حتى بدت لهم شموس المعرفه ... رأوا مخدّراتها منكشفه
نحمده جلّ على الإنعام ... بنعمة الإيمان والإسلام
من خصّنا بخير من قد أرسلا ... وخير من حاز المقامات العلا
محمد سيّد كل مقتفى ... العربى الهاشمى المصطفى
وقد بدأ أرجوزته بالحمد لله والثناء عليه. والحجا: العقل، وفى البيت الأول براعة استهلال إذ أشار بنتائج الفكر لأرباب العقل إلى موضوع الأرجوزة وهو علم المنطق، ومضى فى البيتين الثانى والثالث يكمل معنى البيت الأول بما رفع الله من الحجاب عن قلوب أولى الألباب حتى ظهرت لهم شموس المعرفة ورأوا مخدراتها وعرائسها المستورة منكشفة. ويحمد الله
стр. 4771
على إنعامه بنعمة الإيمان والإسلام، وأن جعله من أمة محمد سيد المرسلين العربى القرشى المصطفى من بنى هاشم لرسالته العظمى. ويمضى فى هذه المقدمة قائلا إن المنطق زمام للعقل كما أن النحو زمام للسان، ويوزع الأرجوزة على فصول متوالية، وأولها فصل عن جواز الاشتغال بالمنطق كما قال الغزالى خلافا لابن الصلاح والنواوى، إذ به تصحّح الأفكار ويهتدى فيها إلى الصواب. ويضع عنوانا: أنواع العلم الحادث أى العلم الإنسانى لا العلم الربانى وينشد:
إدراك مفرد تصورا علم ... ودرك نسبة بتصديق وسم
وقدّم الأول عند الوضع ... لأنه مقدّم بالطّبع
والنظرى ما احتاج للتأمل ... وعكسه هو الضرورىّ الجلى
وهو يقول إن العلم قسمان: إدراك مفرد ويسمى تصورا كإدراكنا معنى الحيوان أو الإنسان أو الإخلاص، وإدراك نسبة ويسمى تصديقا مثل «العالم حادث» فنسبة الحدوث إلى العالم تصديق وإدراك العالم فى نفسه وكذلك الحدوث تصور، فالتصور يسبق دائما التصديق على وجه الإثبات كما فى المثال السالف أو على وجه النفى كقولنا: «العالم غير حادث». والتصديق إما جازم وهو التصديق اليقينى مثل «الشمس تطلع كل يوم» وهو حكم لا يتغير، وإما غير جازم مثل: «السماء تمطر غدا» وهو حكم يقارنه احتمال: ظن أووهم. والعلم الحادث قسمان: ضرورى ونظرى، والضرورى ما يدرك بداهة بلا تأمل كقولنا: «الكل أعظم من الجزء» و «الواحد نصف الاثنين» والنظرى ما يحتاج إلى نظر واستدلال كقولنا: «الأرض كروية» و «الصبر مفتاح الفرج». ويجمل الأخضرى الدلالة الوضعية أو اللفظية بقوله:
دلالة اللفظ على ما وافقه ... يدعونها دلالة المطابقه
وجزئه تضمنا وما لزم ... فهو التزام إن بعقل التزم
وهو يقول إن الدلالة إما دلالة مطابقة كدلالة الحيوان المفترس على الأسد. وإما دلالة جزئية أى دلالة الجزء فى ضمن الكل كدلالة الأسد على الحيوان لأنه من أفراده. وإما دلالة التزام كدلالة العمى على البصر ودلالة الدخان على النار. ويوجز بيان الكل والكلية والجزء والجزئية فى فصل على هذا النمط:
الكلّ حكمنا على المجموع ... ككل ذاك ليس ذا وقوع
وحيثما لكل فرد حكما ... فإنه كلّية قد علما
والحكم للبعض هو الجزئيه ... والجزء معرفته جليّه
وهو يذكر أن الكل هو المجموع المحكوم عليه كقولك «طلاب الجامعة مجتهدون،
стр. 4772
ففيهم من ليس مجتهدا، والكلية الحكم الشامل لكل فرد فى المجموع كقولك: «كل إنسان قابل للعمل». والجزئية الحكم على بعض الأفراد كقولك: «بعض طلاب الجامعة مجتهدون» والجزء ما تركب منه ومن غيره كالسمار والخيط للحصير والمبتدأ والخبر للجملة الاسمية. ويعقد فصلا للتعريفات والحدود قائلا:
معرّف إلى ثلاثة قسم ... حدّ ورسمىّ ولفظىّ علم
فالحدّ بالجنس وفصل وقعا ... والرسم بالجنس وخاصّة معا
وناقص الحدّ بفصل أو معا ... جنس بعيد لا قريب وقعا
وناقص الرسم بخاصة فقط ... أو مع جنس أبعدن قد ارتبط
وما بلفظىّ لديهم شهرا ... تبديل لفظ برديف أشهرا
والأخضرى يقول إن التعريفات خمسة أقسام: حدّ تام وهو التعريف بالجنس والفصل وهو الصفة الملازمة التى لا يشترك فيها أحد مع المعرف مثل: «الإنسان حيوان ناطق» أى ذو عقل مفكر. والحد الناقص هو التعريف بالفصل وحده مثل ناطق أو بالفصل مع الجنس البعيد مثلى: «الإنسان جسم ناطق». والرسم التام التعريف بالجنس القريب والخاصة وهى صفة غالبة غير ملازمة وقد تكون مشتركة كتعريف الإنسان بأنه حيوان ضاحك لأن من النسانيس والقردة ما قد يضحك. والرسم الناقص إما بالخاصة فقط مثل ضاحك أو مع جنس بعيد مثل الإنسان جسم ضاحك. والتعريف اللفظى أو باللفظ التعريف بالمرادف الأشهر مثل تعريف الغضنفر بأنه الأسد. وواضح مدى إحكام عبد الرحمن الأخضرى للتعبير عن مسائل علم المنطق وقواعده بمنتهى الوضوح ومنتهى الدقة فى الإيجاز والاختصار. وهو-بحق- يعد فى طليعة المجيدين لنظم العلوم لا فى الجزائر وحدها بل فى العالم العربى جميعه. وقد أكب كثيرون على شرح هذا المتن البديع فى علم المنطق فشرحه سعيد قدورة فى الجزائر وشرحه فى مصر الملوى شرحين كبيرا وصغيرا ووضع عليه حاشية الشيخ إبراهيم الباجورى سنة ١٢٢٦ هـ/١٨١٦ م وطبعت مع تقرير عليها للشيخ محمد الإنبابى سنة ١٢٩٧ هـ/١٨٨٠ م. وشرحه الشيخ أحمد الدمنهورى وطبع شرحه مع شرح الناظم الأخضرى سنة ١٣١٤ هـ/١٨٩٧ م وهى صورة من التواصل العلمى بين مصر والجزائر. ومرّ بنا أن الجزائر ظلت تعنى طويلا بكتابات ابن الحاجب وخليل بن إسحاق المصريين فى الفقه المالكى.
стр. 4773
الفصل الخامس
طوائف من الشعراء
١ -
شعراء الغزل
يعد الغزل من أهم الموضوعات التى شغلت شعراء العرب من الجاهلية إلى العصر الحديث، فمن قديم يتغنون بعاطفة الحب الخالدة، ويصورون مشاعرهم وأحاسيسهم إزاء المرأة وما يكون بينهم وبينها من لقاء ووداع ووصال وهجران، وهم تارة سعداء بوصالها وتارة أشقياء يشكون الهجران والحرمان، ويتمنون ولو نظرة من بعيد، وكأنها الفردوس الذى حرموا منه، وهم يألمون لذلك أشد الألم مع الإكثار من الاستعطاف. والغزل من قديم نوعان: نوع مادى يعنى فيه الشاعر بتصوير المرأة تصويرا حسيا صادرا فيه عن الغريزة النوعية وما تتطلب من المتاع المادى، ونوع عذرى طاهر يتسامى فيه الشاعر إلى بث الوجد الذى يصلى بناره فى دخائله وبلوعاته لوعات لا تنتهى، وهو يتغنى فيه بمحبوبته ظامئا إلى رؤيتها ظمأ متصلا متضرعا، وكأنها ملاك من عالم غير عالمه، ودائما يبكى بدموع غزار. وهذا النوع الثانى من الغزل القائم على الحرمان وعلى السمو فى الحب هو الغالب على غزل شعراء الجزائر، وما من شاعر جزائرى مشهور إلا نجد عنده من هذا الغزل إشعاعات كقول عبد الكريم النهشلى (١):
يشكو هواك إلى الدموع متيّم ... لم يبق فيه للعزاء نسيس
لولا الدموع تحرّقت من شوقه ... يوم الوداع قبابكم والعيس
وهو يقول إنه ودّع صاحبته ولم يعد يستطيع أن يقدم شكواه إلا دموعه، وقد أضناه الحب، ولم يعد فيه إلا نسيس أو بقية من الروح، ولولا الدموع وطوفانها لتحرقت بنار حبه قبابها وخيامها وهوادجها والعيس أو الإبل الظاعنة عليها. والتفت ذات يوم إلى شجرة فرأى عليها حمائم وسمعها تترنم وتنوح، فتأثر وأنشد (٢):
стр. 4774
أواجدة وجدى حمائم أيكة ... تميل بها ميل النّزيف غصونها
نشاوى وما مالت بخمر رقابها ... بواك وما فاضت بدمع عيونها
أعيدى حمامات اللّوى إن عندنا ... لشجوك أمثالا يعود حنينها (١)
ويتساءل النهشلى أهذه الحمائم تداخلها مواجد مثل مواجده، وإن غصون الأيكة لتتمايل بها ميل النزيف أو السكران المنتشى، وإن الحمائم نفسها لنشاوى سكارى وما شربت خمرا، وإنها لبواك تثير الشجون وما بكت عيونها، وإنه ليلتمس منها أن تعيد بكاءها ونواحها فإنها تثير فيه نفس الشجو وما يعتاده من الحنين والشوق. ونلتقى بابن قاضى ميلة وقصيدته الفائية التى نوه بها ابن خلكان والتى مدح بها ثقة الدولة أمير صقيلة، وقد استهلها بغزل حوارى على طريقة عمر بن أبى ربيعة أبدع فيه كل الإبداع، ونقتطف منه الأبيات التالية (٢):
ولما التقينا محرمين وسيرنا ... بلبّيك ربّا والركائب تعسف (٣)
نظرت إليها والمطىّ كأنما ... غواربها منها معاطس رعّف (٤)
فقالت أما منكنّ من يعرف الفتى ... فقد رابنى من طول ما يتشوف (٥)
أراه إذا سرنا يسير حذاءنا ... ونوقف أخفاف المطىّ فيوقف (٦)
فقلت لتربيها ابلغاها بأنّنى ... بها مستهام قالتا نتلطّف (٧)
وقولا لها يا أمّ عمرو أليس ذا ... منى والمنى فى خيفه ليس تخلف (٨)
وفى عرفات ما يخبّر أننى ... بعارفة من عطف قلبك أسعف (٩)
فأوصلتا ما قلته فتبسّمت ... وقالت: أحاديث العيافة زخرف (١٠)
وقد أنذر الإحرام أنّ وصالنا ... حرام وإنا عن مزارك نصدف (١١)
وابن قاضى ميلة يذكر التقاءه بصاحبته وهما محرمان يلبيان ربهما قائلين لبيك اللهم لبيك، وكل منهما يركب مطية مجهدة كبقية مطايا الحج والعرق يسيل منها مدرارا، وهو ما يزال ينظر إلى صاحبته، سائرا بجوارها، وكلما توقفت مطاياها وصحبها توقّف، فقال لصاحبتيها وقد دنا منهما أبلغاها بأننى هائم بها، وقولا لها إننا سننزل منى، وينبغى أن تحقق لى فى خيف
стр. 4775
منى اللقاء، وسنقف بعدها فى عرفات، فهل تجود على بملاقاة، وحدّثاها عنه فابتسمت وقالت تلك أحاديث عيافة وكهانة وتفاؤل مزخرف. وإننا محرمان والإحرام يحرم وصالنا، وإنّي لصادفة عنه مزورة، ولن ألقاه، وتمضى قائلة إن قذفنا للجمرات ليخبرك بأن كلامنا سيقذفه البعد والنوى إلى ديار متباعدة. ويسوق الغبرينى فى كتابه «عنوان الدراية» غزليات طريفة لشعراء بجاية، منها قول (١) محمد بن يحيى بن عبد السلام:
ألا بأبى من لا أرى فى الهوى سوى ... محيّاه شمسا أو سنا ثغره برقا
ولا خمر إلا من لماه ولحظه ... ولا غصن إلا القدّ لا ما ارتقت ورقا
لئن لدغت قلبى عقارب صدغه ... فريقته التّرياق لى وبها أرقى
تعلّمت من عينيه عشقى لحسنه ... فلله ألحاظ تعلّمنى العشقا
ولو أن هاروتا رأى سحر طرفه ... أقرّ بأن السحر من لحظه اشتقّا
فيا طامعا فى الوصل منه تسلّ هل ... سمعت بأشراك تصاد بها العنقا
وهو ينوه فى أول الأبيات بجمال صاحبته التى يرى وجهها شمسا وضوء ثغرها برقا، ولا خمر مسكرة إلا من سمرة شفتيها ولحظ عينيها. ولا حسن غصن إلا رشاقة قدّها لا ما ارتقت الورقاء من قدود الأغصان الجميلة. ويقول لئن لدغت عقارب شعرها الملتوى على صدغها فإن ريقتها الترياق والبلسم الذى يرقى به لشفائه، ويذكر أن جمال عينيها هو الذى ألقى فى فؤاده عشقها، وما أبدعه، فلو أن هاروت الساحر المذكور فى القرآن الكريم رأى سحر عينيها لأقرّ بأن السحر مشتق منه. ثم يلقى اليأس فى قلوب من يطمعون فى وصلها، فيقول هل يمكن لأحد أن يصيد العنقاء الطائر الخرافى بشباكه وأشراكه. وكان يعاصر هذا الشاعر فى بجاية محمد بن أحمد الأريسى وله غزليات رقيقة، وسنترجم له عما قليل.
ونهضت الدولة الزيانية: دولة بنى عبد الواد بالأدب شعرا ونثرا وسرعان ما أنتجت النهضة الأدبية فى زمنها شاعرا كبيرا هو ابن خميس وله غزليات رقيقة بديعة كثيرة، من ذلك قوله (٢):
نظرت إليك بمثل عينى جؤذر ... وتبسّمت عن مثل سمطى جوهر (٣)
عن ناصع كالدرّ أو كالبرق أو ... كالطّلع أو كالأقحوان مؤشّر (٤)
تجرى عليه من لماها نطفة ... بل خمرة لكنها لم تعصر (٥)
стр. 4776
لو لم يكن خمرا سلافا ريقها ... تزرى وتلعب بالنّهى لم تحظر (١)
وكذاك ساجى جفنها لو لم يكن ... فيه مهنّد لحظها لم يحذر (٢)
لو عجت طرفك فى حديقة خدّها ... وأمنت سطوة صدغها المتنمّر (٣)
لرتعت من ذاك الحمى فى جنّة ... وكرعت من ذاك اللما فى كوثر (٤)
وابن خميس يشبّه عينى صاحبته بعينى جؤذر وأسنانها فى ثغرها بعقدى جوهر ويقول إنه ثغر ناصع البياض كالدرّ أى اللؤلؤ أو كضوء البرق أو كطلع النخل أو كزهر الأقحوان الأبيض المفلّج الأوراق كأسنان هذا الثغر المفلّجة، وهو ثغر يجرى عليه من شفتى صاحبته نطفة (قطرات) سائغة من الريق بل خمر، وإن لم يعصرها خمار، خمرة تلعب بالعقول، غير محرمة، ولو لم يكن فى فاتر جفنها سيف لحظها يحميها ما حذرت، ولو أتيح لك أن تعطف طرفك فى خدها وجماله المتنوع، وكأنه حديقة باهرة، وأمنت بطش عقرب صدغها المتنمر لنعمت بجنّة رائعة، ونهلت من لماها أو شفتيها من الكوثر نهر الفردوس. ويمضى ابن خميس فى هذا الغزل قائلا:
طرقتك وهنا والنجوم كأنها ... حصباء درّ فى بساط أخضر (٥)
بيضا إذا اعتكرت ذوائب شعرها ... سفرت فأزرت بالصباح المسفر (٦)
طرحت غلالتها فقلت سبيكة ... من فضة أو دمية من مرمر (٧)
منحتك ما منعتك يقظانا فلم ... تخلف مواعدها ولم تتغيّر
هاجت بلابل نازح عن إلفه ... متشوّق ذاكى الحشا متسعّر (٨)
وهو يقول إن صاحبته طرقته أو زارته فى منتصف الليل والسماء تنتثر لآلئ نجومها فى بساطها الأخضر، ويقول إنها إذا أحسّت بكثافة شعرها وكشفت عن وجهها أزرت بالصباح المضيئ الجميل، أما إذا خلعت غلالتها فإنها تبدو كأنها سبيكة من فضّة أو دمية من مرمر، ويقول إنه لم ير شيئا منها يقظان وإنما ذلك حلم رآه فهاج شجون مغترب عن إلفه متشوق تتقد أحشاؤه وتشتعل حبا وهياما. ولابن خميس غزل كثير فى مطالع مدائحه يصف فيه لوعات حبه وما تكنّ ضلوعه من مواجعه، وقد يحيله غزلا صوفيا بديعا. ولمحمد (٩) بن عمر المليكشى البجائى المنتسب إلى مدينة الجزائر والمتولى خطة الإنشاء بتونس والمتوفى بها سنة ٧٤٠ للهجرة قوله:
стр. 4777
رضّا نلت ما ترضين من كل ما يهوى ... فلا توقفينى موقف الذلّ والشكوى
وصفحا عن الجانى المسيء لنفسه ... كفاه الذى يلقاه من شدة البلوى
قفى أتشكّى لوعة البين ساعة ... ولا يك هذا آخر العهد بالنّجوى
قفى ساعة فى عرصة الدار وانظرى ... إلى عاشق ما يستفيق من البلوى (١)
وكم قد سألت الرّيح شوقا إليكم ... فما حنّ مسراها علىّ ولا ألوى (٢)
فيا ريح حتى أنت ممن يغاربى ... ويا نجد حتى أنت تهوى الذى أهوى
خلقت ولى قلب جليد على النّوى ... ولكن على فقد الأحبّة لا يقوى
وهو يلتمس رضا صاحبته وأن لا تقفه شاكيا من حبه متذللا، وأن تصفح عما قد تظن من تجنّيه فكفاه ما يلقى من محنة الحب، ويسألها أن تقف ليشكو لها لوعة البين والبعد ساعة أو بعض ساعة آملا أن لا يكون هذا آخر العهد بلقائها ونجواها، بل إنه يسألها أن تقف لحظة فى ساحة الدار وتنظر إلى ما اعتراه فى محنة الحب وبلواه، ويقول إنه ليسأل الريح المقبل من دارها عنها فلا تحن عليه ولا تعطف، فحتى الريح تغار منه، ويخال كأنها أخت ليلى معشوقة المجنون ساكنة نجد، وحتى نجد تهواها وتهيم بها، ويقول إن قلبه يتحمل النوى والفراق، ولكنه لا يتحمل فقد الأحبة. وكان يعاصره بتلمسان أبو عبد الله محمد بن البناء ويقوّل يحيى بن خلدون عنه إنه «كاتب شاعر متخلق ظريف» وينشد من غزله (٣):
عيد وغيد؟ ؟ ؟ وعود وابنة العود ... يا ليلة جمعت شملى بها عودى (٤)
وشادن خنث الأعطاف من ترف ... علّقته بدرتمّ فوق أملود (٥)
يجنى فتمحو جناياه محاسنه ... وللجمال شفيع غير مردود
لما سألناه عن خمر بريقته ... يحميه بالبيض من أجفانه السود (٦)
وسالفيه وصدغيه فقال لنا ... هذى المدامة من تلك العناقيد (٧)
وهو يذكر ليلة عيد اجتمع له فيها فتيات حسان والعود يترنم وابنة العود يريد الخمر بنت شجرة العنب وفتاة جميلة ناعمة الأعطاف تعيش فى ترف ونعيم شغف بها وبقدها الرشيق وكأنها بدر فوق غصن ناعم، وكم جنت عليه ومحاسنها تشفع لجناياتها شفاعة لا ترد، ويتمنى لو ارتشف من خمر ريقها ولا يستطيع إذ تحميه سيوف مسلولة من أجفانها السود وعقربى
стр. 4778
صدغيها وصفحتى جيدها الجميلتين، ويقول إنهم لما سألوها عن خمر ريقها قالت لهم مدلة إن هذى المدامة من تلك العناقيد. وينشد يحيى بن خلدون للشاعر موشحة محكمة الصنعة مثل مقطوعته السالفة وفيها يقول:
بدر أزراره تبدّت فلكا ... قلبى ملكا
عيناه مع الهوى دمى سفكا ... فيه اشتركا
قد أشبهت المها لحظا فتكا ... والخال حكى
مسكا مستمسكا على سوسان ... غضّ عبق (١)
يهدى كنسيم جنّة الرضوان ... للمنتشق
هو يقول كأنها بدر وأزرارها الفلك ملكت قلبه واشتركت عيناها مع الهوى فى سفك دمه وقد أشبه لحظها الفاتك لحظ البقر الوحشى حسنا وجمالا، وحكى الخال مسكا على سوسان أبيض غضّ عطر، يهدى كنسيم الفردوس الذكىّ للمنتشق. وللشهاب بن الخلوف غزليات كثيرة وهى تشغل فى ديوانه نحو مائة وعشرين صفحة سوى ما يودعه مقدمات مدائحه من غزل رقيق، ومن طريف غزله قوله (٢):
إذا القمرىّ غرّد فى الغصون ... أعان المستهام على الشّجون
وإن ناح الحمام بكيت وجدا ... بمزن سحائب الدّمع الهتون (٣)
وقال الله هل أبصرت صبّا ... حزين القلب مقروح الجفون
تطارحه الصبابة بالتّصابى ... وتسلمه الأمانى للمنون (٤)
ينوح على الديار وساكنيها ... إذا ما النّوق سارت بالظّعون
ويكتم فى حشاه الوجد سرّا ... فتظهره المدامع فى العيون
وهو يقول إن قمرىّ الحمام يترنم فى الغصون بتغاريده يثير الشجون فى قلوب المحبين، وحين ينوح الحمام يبكى وجدا ويذرف الدموع مدرارا. ويدعو لمخاطبه أن يقيه الله من الحب وأوصابه، ويسأله أرأيت مغرما حزين القلب قريح الجفون من كثرة البكاء، يمنيه الشوق أن سيصبى صاحبته، وما يزال يتمنى ذلك حتى الموت. وترحل صاحبته مع أهلها وتسير النوق بالظعون أو الهوادج، ويكتم نار وجده وحبه فى صدره وأحشائه، وتعلن سره دموعه المنهلّة الغزيرة. ونمضى إلى العهد العثمانى وممن نقرأ له غزلا طريفا فيه محمد القوجيلى من مثل قوله (٥):
стр. 4779
الحبّ صعب والرقيب أعانه ... والدمع باح بذا الهوى وأبانه
والحبّ يستدعى القلوب إلى الهوى ... فتجيبه منقادة ولهانه
وبجسمى المضنى فتاة غازلت ... قلب الكئيب بأعين فتّانه
خرجت مع الأتراب بين أزاهر ... فكأنها بدر تكلّل بانه (١)
وهو يقول إن الحب صعب والرقيب يعين جذوته اشتعالا، وهو لا يخفى فالدمع دائما يبوح به ويعلنه إعلانا، ويذكر أن الحب يستدعى القلوب إلى العشق فتلبيه خاضعة ولهانة وقد غازلته فتاة جميلة أضنته وشغفته حبا بسحر عيونها حين رآها مع أترابها الفاتنات وكأنما وجهها بدر يتوّج قامتها الرشيقة. ولسعيد المنداسى معاصره قصيدة نبوية يستهلها بغزل ويطيل فيه طولا شديدا. وهى منسوبة فى كتاب تعريف الخلف برجال السلف لمحمد بن عبد الرحمن الحوضى وبالمثل فى تاريخ الجزائر الثقافى والغالب أنها للمنداسى لوجودها فى ديوانه، وفيها يقول (٢):
أرذاذ المزن من عينى نزل ... أم دموع الشوق إذ رقّ الغزل (٣)
أبعينى ديمة وكّافة ... أم شعيب للنّوى منها انبزل (٤)
دع-عذولى-اللوم إنّي شائق ... رقّ طبعى حين صنعى فى الأزل (٥)
ما الهوى إلا عذاب للفتى ... أو يخفى إن بقلب المرء حلّ
لا تلمنى دون علم-عاذلى- ... فبسمعى صمم عمن عذل
كم دموع من عيونى انهمرت ... لعيون من عذاب لا تملّ
مذ دعانى البين والدمع على ... صحن خدّى وابل يهمى وطلّ
ويستمر هذا الغزل إلى نحو ستين بيتا كلها بهذه الموسيقى العذبة وهذه اللغة المنتخبة الصافية، والشاعر يتساءل عن الدموع المنهمرة من عينيه أهى قطرات سحاب هاطل أم دموع شوقه تتقاطر متوالية، وهل حقا بعينه سحابة سائلة أو مسيل للنوى انشقّ، ويقول لعاذله لا تلمنى فإنى رقيق الطبع منذ صنعى فى الأزل، وهل الهوى والحب إلا ألم للفتى وعذاب متصل إن حل بقلب لا يخفى، فلا تكرر علىّ لومك دون علم بحقيقة الحب، فبأذنى وقر لا أسمعك، وكأنما تخاطب حجرا أصم، وكم أسراب دموع سالت من عيونى وصاحبتى لا تمل هذا
стр. 4780
العذاب. ومذ دعاه الفراق والدمع يجرى على خدّيه وكأنه مطر منصبّ وطلّ ماينى يتقاطر ويتساقط. ومن أهم شعراء الغزل فى الجزائر الأريسى وابن على وحرى أن نخصّ كلا منهما بترجمة مفردة.
محمد (١) بن أحمد الأريسى
من شعراء بجاية فى القرن السابع الهجرى، ولا نعرف شيئا عن تاريخ مولده ولا عن نشأته وتعلمه، غير أنه من بيت علم وفقه فقد كان جده الأريسى فقيها ببجاية وكان اعتماد قاضيها أبى محمد بن حجاج المتوفى بعد سنة ٦٤٠ للهجرة عليه وعلى الفقيه أبى على بن عزون وبينهما كان جلوسه إذ كانا المشاورين له. وعكف الحفيد فى كتّاب على حفظ القرآن ثم أخذ ينهل من حلقات الشيوخ فى موطنه دارسا عليهم الفقه حتى برع فيه، وبالمثل درس عليهم الأدب. وتفتحت موهبته مبكرة فى الشعر والنثر، مما سلكه بين الكتّاب، ولمع اسمه بينهم حتى أصبح رئيس كتبة الديوان ببجاية، وكما كان يتقن الكتابة والنثر كان يتقن الشعر، وكان يسلك فيه طريقة المتنبى بينما كان صاحبه أبو عبد الله محمد بن الحسن التميمى القلعى يسلك طريقة أبى تمام، كما يقول الغبرينى، وكانا يتراسلان بالأشعار وكل منهما يجاوب صاحبه على طريقته، ويقول الغبرينى عن الأريسى: «كان سهل الشعر كثير التجنيس يأتيه من غير تكلف. . وله شعر كثير فى كل فن من فنون الشعر» وأنشد له الغبرينى مطلع مدحة وقصيدتين غزليتين، وفى المطلع يقول:
ونادى خطيب الورق يدعو هديله ... وغنّى فأغنى عن ضروب التّلاحين (٢)
وذكّر أيام الصبّابة والصّبا ... ولذّة عيش كان لى غير ممنون (٣)
فيا ساكنى نجد أأطرق حيّكم ... وأرجع مغلوبا بصفقة مغبون
ويا ساكنى الجرعاء إن كان عندكم ... نصيب من الصبر الجميل فواسونى (٤)
تركت فؤادي عند خيمة زينب ... وما سحر عينيها علىّ بمأمون
أغارت عليه حين لم يلف ناصرا ... وأغرته بى حتى تعلّم يجفونى
فخطيب الحمام دعا الهديل ليتغنى بصوته الجميل فتأثر به الشاعر وذكّره أيام الصبا والحب ولذة عيش هنئ متصل، وثار منه كمين الوجد، فنادى أهل صاحبته من ساكنى نجد متذللا، أيطرق حيهم ويرجع مغلوبا مغبونا، وبالمثل نادى ساكنى حيّها فى الجرعاء بنجد هل عندهم
стр. 4781
له نصيب من الصبر يواسونه به، ويقول إن فؤاده تخلف عنه عند خيمة زينب الساحرة العينين، وقد أغارت عليه ولا ناصر له، وأغرته به حتى جفاه وأبى الرحيل معه. ويقول الأريسى فى قصيدته الغزلية الأولى:
لعلك بعد الهجر تسمح يا بدر ... بوصل فقد أودى بمهجتى الهجر (١)
أبيت كما ترضى الكآبة والأسى ... وأضحى كما تهوى الصبابة والفكر
إذا قنطت نفسى ينادى بها الرّجا ... رويدك كم عسر على إثره يسر (٢)
ولا أنس يوما للسرور وبيننا ... عتاب كبرد الماء لكنه الجمر
وو الله ما أدرى لطيب حديثها ... أضمّن سحرا لفظها أم هو السحر
خليلىّ قولا إن بدا لكما الحمى ... أهيل الحمى مشغوفكم مسّه الضّرّ
على م تناسيتم حديث عهودكم ... وليس له ذنب وليس لكم عذر
والأريسى يتذلل لمحبوبته أن تسمح له بالوصل فقد كادت مهجته أو روحه أن تزهق وإنه ليبيت كئيبا محزونا ويضحى مفكرا مهموما، وينادى الرجاء عليه لا بد بعد العسر من اليسر. ولا ينسى يوم لقاء مع صاحبته كان يوم سرور لا حد له، مع ما شابه من شظايا عتاب كالجمر أو أشد، ومع ذلك لا يدرى لجمال حديثها أضمّن سحرا أو هو السحر نفسه، وينادى صاحبيه إن ألّما بالحمى أن يقولا لأهلها إن المشغوف بفتاتكم مسّه الضر وأصابه الضّنا، وقد نسيتم عهودكم دون عذر لكم ودون ذنب جناه. ويستهل قصيدته الغزلية الثانية بقوله:
أهل الحمى هل لكم عن قصتى خبر ... وإنّ ليلى بليلى كلّه سهر
وفى ضلوعى نيران يضرّمها ... دمع على صفحات الخدّ ينهمر
لما رأيت بدور الحىّ سافرة ... عن النّقاب بدا لى أنه السّفر
ولا عوامل إلا من قدودهم ... ولا صوارم إلا ما انتضى الحور (٣)
سألتك الله يا حادى المطىّ بهم ... رفقا علىّ لعل الصّدع ينجبر
عرّج علىّ فلى قلب يميل إلى ... حديث من قتلوا منا ومن أسروا
وأنت-يا سعد-إن غنّت ظباؤهم ... فقف تعاين فؤادى كيف ينفطر (٤)
والشاعر يعرض قصته على أهل الحمى وأن حبه لليلى يشغف قلبه حتى ليبيت مسهّدا، وفى ضلوعه نار ما تزال توقد جذوتها دموعه المنهمرة على صفحات خده. ورأى بدور الحى سافرة فعرف أنها تستعد للسفر، وتراءت له قدودهن كأنها أسنّة رماح تصيب قلوب الرجال،
стр. 4782
وكأنما حور عيونهن يسلّ سيوف مصمية، ويسأل حادى المطى يرفق به لعل الصّدع الذى أحدثته صاحبته فى فؤاده ينجبر، كما يسأله أن يميل بالركب عليه فقلبه يتمنى لو سمع حديث من قتلن منهم ومن أسرن، وإن تغنين فقف ليرى فؤاده كيف ينفطر ويتصدع ألما. ويعرض حوارا لصاحبته معه منشدا:
تقول والحسن يطغيها فتظلمنى ... ولا مؤازر إلا صارم ذكر (١)
دع الحسام وضع حمل السلاح فما ... فى كل وقت يفيد الحزم والحذر
ما للمهنّد حكم فى محلّتنا ... بل للمنهّد فيها الحكم والنّظر (٢)
فإن طمعت بلين فى لواحظنا ... فنحن أهل قلوب مثلها الحجر
وإن حلت لك ألفاظ نردّدها ... ما بيننا فهناك الصّاب والصّبر (٣)
فارحم شبابك وارحل دون مغلبة ... واقبل من الحسن ما أعطاكه النظر
حدّثته صاحبته كما يقول وهى شاعرة بحسنها حتى ليجعلها طاغية، وكان يحمل سيفا فقالت له ليس للسيف حكم فى منازلنا وإنما الحكم والرأى القاطع للفتاة، وإن أطمعك لين فى نواظرنا فنحن أهل قلوب كالحجارة أو أشد صلادة وصلابة، وإن أطمعتك ألفاظ حلوة نرددها بيننا فوراءها الصّاب والصبر شديدا المرارة مرارة لا تطاق، فارحم شبابك وارحل دون قهر، واكتف من الحسن بالنظر إليه. وهذه الأبيات التى أجراها الأريسى على لسان صاحبته لتملأ نفس قارئه إعجابا بخصب شاعريته.
ابن (٤) على
هو محمد بن محمد بن محمد المهدى بن رمضان بن يوسف العلج، وذكر العلج فى آبائه يدل على أن أسرته عثمانية وأن جده يوسف العلج من أوائل العثمانيين النازلين بالجزائر حين أصبحت ولاية عثمانية. وغلب عليه اسم ابن على مما يدل على أن أحد آبائه كان يسمى عليا، ويؤكد ذلك أن شاعرا هو محمد الشباح سمى أباه فى مدحة له كما جاء فى مجموعة أشعار جزائرية محمد بن على قائلا:
وسمىّ غوث الغرب من مجّاجة ... وافاك من ربّ العلا إقبال
ويريد الشباح بسمىّ غوث الغرب من مجّاجة محمد بن على المجّاجى، فاسمه إذن بشهادة هذا الشاعر ابن على، وإما أن يكون على أباه أو أحد أجداده، وسقط من سلسلة نسب الشاعر.
стр. 4783
واشتهرت هذه الأسرة بنظمها للشعر منذ رمضان بن يوسف ففى مجموعة أشعار جزائرية أبيات له فى الحث على طلب العلم، وكذلك لمحمد المهدى قصيدة ضمنها شكوى إلى علماء إسطانبول وأبيات لوالد الشاعر، فهو من بيت شعر وأدب، وأيضا فإن بيته كان بيت فقه حنفى وقضاء وفتوى، يدل على ذلك بوضوح أن جده محمد المهدى عيّن مفتيا للحنفية سنة ١٠٤٥ هـ/ ١٦٣٥ م ولقّب بشيخ الإسلام وهو لقب كان يتلقب به المفتى الحنفى فى الجزائر طوال العهد العثمانى وظل فى هذا المنصب حتى وفاته فى أواخر العقد السابع من القرن الحادى عشر الهجرى. وطبيعى أن يكون والد الشاعر فقيها على غرار أبيه، إذ نرى الشباح ينوه فى مدحته له بقوله:
العالم العلامة القطب الذى ... ضربت بحسن صنيعه الأمثال
ولا نعرف متى ولد الشاعر، ويبدو أنه ولد فى أواخر القرن الحادى عشر، كما قال الدكتور أبو القاسم سعد الله، مستدلا على ذلك بأنه كان أحد من هنئوا محمد بكداش والى الجزائر بفتحه لوهران وانتصاره فيه على الإسبان سنة ١١١٩ هـ/١٧٠٧ م ومن قوله فى قصيدته:
وعهدى بحور الشعر عنى أذودها ... زمانا وفكرى موجه متلاطم
وكأنه قد عالج الشعر قبل عام فتح وهران مما يدل على أن سنه كانت حينئذ فى نحو العشرين من عمره على الأقل. وكان يكبّ على حلقات فقهاء المذهب الحنفى والحديث النبوى وتفسير الذكر الحكيم مما أهّله فيما بعد ليدرس للطلاب التفسير والحديث والفقه الحنفى، وليصبح خطيب المسجد الكبير يعظ الناس كل جمعة مواعظ مؤثرة، ويختار سنة ١١٥٠ هـ/١٧٣٨ م مفتيا حنفيا للجزائر ويلقب بشيخ الإسلام، ويظل شاغلا هذا المنصب حتى وفاته سنة ١١٦٩ هـ/١٧٥٦ م. ويعد ابن على فى الذروة من شعراء الجزائر فى القرن الثانى عشر الهجرى، وكان ينظم فى المديح والمنشئات ووصف الطبيعة والرثاء، وأكثر من شعر الغزل إكثارا يسبق فيه شعراء عصره، وجمع لنفسه ديوانا ضم أشعاره وأشعار بعض معاصريه وأشعار آبائه ومعاصريهم فى القرن الحادى عشر الهجرى. وسقط هذا الديوان من يد الزمن غير أن أكثره- أو كثيرا منه-مبثوث فى المجموعة التى أشرنا إليها المنشورة باسم أشعار جزائرية. ويبدو أنه أخذ ينصرف عن نظم الغزل حين ولّى الخطابة والتدريس فى المسجد الكبير، وولّى منصب الإفتاء الجليل، ويصرح بذلك قائلا:
لولا-وحقّك-خطّة قلّدتها ... زهرت بها فى الخافقين شموعى
ومنابر فيها رقيت إلى العلا ... وقد استدار بها كثيف جموع
لنحوت منحى العامرى صبابة ... ولكان من حرق الجوى مشفوعى
وهو يقول لولا خطّة الفتوى-على المذهب الحنفى-التى تقلدتها وتلألأت وتألقت بها شموعى فى الجزائر، ولولا منابر فيها صعدت بها إلى العلا بوعظى الجموع الكثيفة من أهل
стр. 4784
الجزائر لظللت أنظم غزلا عذريا عفيفا مثل غزل قيس العامرى مجنون ليلى كله صبابة وهيام وحرق من الحب والوجد تضطرم اضطراما، وله يتغزّل:
يمينا لقد عزّت علىّ المطالب ... ولى أبدا من سحر عينيك طالب
فسبحان من سوّاك فى الحسن صورة ... لها اعترفت بالحسن حور كواعب (١)
مراشف من شكل العقيق مصوغة ... ومبسم درّ للعقيق مناسب (٢)
وصدر بدت رمّانتاه كحقّتى ... لجين ونحر مشرق وترائب (٣)
تحوم عليها الشمس غيرى كئيبة ... تجاذب ثوبا للسّنا وتجانب (٤)
وقد حاولوا منى التسلّى بغيرها ... لقد أخفقت تلك الظنون الكواذب
وهل يستوى المصباح والشمس فى السّنا ... وهل يستوى بدر السما والكواكب
وهو يعجب بسحر عينى صاحبته فى البيت الأول وبجمالها فى البيت الثانى الذى تعترف به الحور الجميلات الشابات، وكأن مراشفها مصوغة من فصوص العقيق، ويلتئم بها مبسم اللآلى البديعة، وينوه بجمال صدرها ونحرها وترائبها، ويقول إن الشمس تغار من جمالها وتشعر بغير قليل من الحزن حين تراها وتجاذبها ثوب ضوئها، وتحاول تجنّبها شعورا منها بأنها أروع وأبهج. ويظن غير واحد أننى أستطيع التسلّى عنها بغيرها وخابت ظنونهم جميعا، وهل يمكن أن يتساوى المصابح والشمس أو يمكن أن يتساوى البدر فى تمّه وكماله بالكواكب والنجوم؟ ! . ومن غزلياته قوله:
أغصون تأوّدت أم قدود ... أم ورود تفتّحت أم خدود (٥)
أم وجوه بدت لنا أم بدور ... طالعات يحفّهنّ السّعود
فى سماء الجمال تسطع نورا ... وبقلبى منها-الزمان-وقود
كم لها فى الأسود من فتكات ... وبروق-من صدّها-ورعود
سحر تلك العيون فيه تناهت ... وتفانت زيانب وهنود
جنّتا وجنتيه عذّ بتانى ... وجنا الجنّتين عنى بعيد (٦)
وهو لا يدرى أيرى قدودا وقامات لهؤلاء الحسان أم يرى غصونا تتثنى دلالا، وهل يرى خدودا فاتند بحمرتها أم ورودا تتفتح جمالا، وهل يرى وجوها فاتنة أم بدورا يحفها السعد بل سعد السعود، وكأنها كواكب تسطع فى سماء الجمال نورا، ولقلبه منها وقود ماينى مشتعلا، وكم لها فى الأسد من فتكات وكم لها بروق ورعود، وإن سحر عيونها ما بعده سحر، ذاب
стр. 4785
فيه سحر العيون جميعا وسحر كل زينب وهند، ويقول إنه لا يستطيع الدنوّ أو القرب من وجنيتها فضلا عن أن يقتطف منهما شيئا، وهو لذلك يتعذب عذابا شديدا، وربما كان أهم الغزلين فى عصره.
٢ -
شعراء وصف الطبيعة
وصف الطبيعة غرض مهم من أغراض الشعر العربى فى كل عصر وفى كل إقليم، فدائما الشعراء يتغنون بما تقع عليه أبصارهم من مشاهد الطبيعة الصامتة: من الرياض والأزهار والحدائق والجبال والأنهار والبحار، وما يروعهم من مشاهدها الحية المتحركة فى الطير والحيوان الوحشى والأليف. ونلتقى ببكر بن حماد المتوفى سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م ومقطوعة له فى الطبيعة الصامتة إذ يصف البرد فى بلدته تاهرت عاصمة الدولة الرستمية قائلا (١):
ما أخشن البرد وريعانه ... وأطرف الشمس بتاهرت
تبدو من الغيم إذا ما بدت ... كأنما تنشر من تخت
فنحن فى بحر بلا لجّة ... تجرى بنا الرّيح على السّمت
نفرح بالشمس إذا ما بدت ... كفرحة الذمىّ بالسّبت
وهو يقول ما أشد خشونة البرد وصعوبته فى تاهرت وما أطرف طلوع الشمس بها إذ تبدو محجبة دائما من وراء الغيم وكأنما تنشر من وراء تخت أو ستر صفيق، وإنا لنشعر لشدة البرد كأننا فى بحر بلا لجة، وما أشد فرحتنا بالشمس حين تبدو كفرحة اليهودى بيوم السبت يوم عيده الأسبوعى. ولبكر مقطوعة حزينة يبكى بها بلدته تاهرت حين خرّبها فى سنة ٢٩٦ أبا عبيد الله داعية العبيديين وقضى على الدولة الرستمية بها، وفيها يقول (٢):
زرنا منازل قوم لم يزورونا ... إنا لفى غفلة عما يقاسونا
لو ينطقون لقالوا الزاد ويحكم ... حلّ الرحيل فما يرجو المقيمونا
الموت أجحف بالدنيا فخرّبها ... وفعلنا فعل قوم لا يموتونا
فالآن فابكوا فقد حقّ البكاء لكم ... فالحاملون لعرش الله يبكونا
ماذا عسى تنفع الدنيا بأجمعها ... لو كان جمّع فيها كنز قارونا
وهو يقول إننا زرنا منازل قوم فى قبورهم قضى عليهم أبا عبيد الله ولا نعرف ما يقاسون ولو نطقوا لقالوا لنا تزودوا للآخرة فقد حلّ بالمقيمين الرحيل عما قليل، وقد استأصل الموت أهل
стр. 4786
تاهرت وخربها، ونحن لا نتعظ كأننا لن نموت، والآن فابكوا فالحاملون لعرش الله يبكون عليكم ومن أجلكم، وماذا ينفع الدنيا لو أن حكام تاهرت جمعوا فيها كنز قارون فكل شئ فيها صار إلى فناء. ولابن قاضى ميلة المترجم له بين شعراء المديح فى وصف عود وما صار إليه من التغنى عليه (١):
جاءت بعود يناغيها ويسعدها ... انظر بدائع ما يأتى به الشّجر
غنّت عليه ضروب الطير ساجعة ... حينا فلما ذوى غنّى به البشر
فلا يزال عليه-أو به-طرب ... يهيجه الأعجمان: الطّير والوتر
فقد كانت ضروب الطير وصنوفه تغنى على هذا العود، وهو موصول بشجرته، فلما قطع منها وذوى غنى عليه البشر بما شدّوا عليه من أوتار، وكأنما يهيجه طوال حياته أعجمان: الطير قديما والوتر حديثا. ويبدو أن سمك القرش المفترس كان يتراءى أحيانا فى مياه تونس فقال ابن قاضى ميلة يصفه (٢):
وأشغى بفكّيه مثل المدى ... طويل القرا مدمج الأعظم (٣)
تصرّفه فى ضمان المياه ... ومهجته فى يد الخضرم (٤)
يخاف الهواء ويخشى الضياء ... وإن كان أجرأ من ضيعم (٥)
له داخل اليمّ بطش الأسود ... وتصحبه مشية الأرقم
وقد وصف ابن قاضى ميلة القرش وصفا دقيقا فقال إنه مختلف الأسنان وإن بفكيه مثل المدى أو السكاكين وإنه طويل الظهر مدمج العظم واللحم، ولا يعيش إلا فى الماء يخاف الهواء والضياء، وإن كان أجرأ من أسد فاتك، غير أنه لا يعلو على سطح الماء بل يظل فى داخله متلويا فى مشيته كالأفعوان. وكان يعاصر ابن قاضى ميلة عبد الله بن محمد الجراوى وسنخصه بترجمة. وأهدى نزار الخليفة الفاطمى فى القاهرة المنصور بن بلكين سنة ٣٨٤ هدية فيها خيل وإبل وحمار وحشى مخطط وفيل، ووصفها جميعا عبد الكريم النهشلى، وفى الخيل يقول (٦):
وبلق تقاسمن الدجنّة والضّحى ... فمن هذه شطر ومن هذه شطر
وصفر كان الزعفران خضابها ... وإلا فمن ماء العقيق لها قشر
وشهب من اللّجّ استعيرت متونها ... ومن صور الأقمار أوجهها قمر (٧)
عليها السروج المحكمات إذا مشت ... بها خيلاء الخيل رنّحها كبر
والخيل بينها بلق يلتقى فيها السواد بالبياض، وكأن الظلمة والضحى اقتسما لونها فلكل
стр. 4787
منهما نصيب، ومنها صفر كأنما خضبت بالزعفران وإلا بقشر من ماء العقيق، ومنها شهب يختلط فيها بياض الشعر بسواده، وكأنما استعيرت ظهورها من لجّ الليل وظلمته الشديدة السواد أما أوجهها فمضيئة ضياء الأقمار الساطعة، وتمشى مزهوّة مشية خيلاء متعالية، ويقول فى الفيل الذى كان مصاحبا للهدية (١):
وأضخم هندىّ النّجار تعدّه ... ملوك بنى ساسان إن رابها أمر
يجئ كطود جائل فوق أربع ... مضبّرة لمّت كما لمّت الصّخر (٢)
له فخذان كالكثيبين لبّدا ... وصدر كما أوفى من الهضبة الصّدر
ووجه به أنف كراووق خمرة ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر (٣)
والنهشلى يقول عن الفيل إنه ضخم هندى الأصل، كانت تعده ملوك الفرس حين يربيها أمر. ويشبهه بجبل يتحرّك فوق أربع مكتنزة اللحم والعظم تضامّت أجزاؤها تضامّ أجزاء الصخر، وله فخذان كأنهما كثيبان متراكمان وصدر عريض متسع، ووجه به أنف طويل طول عنق إبريق الخمر ينال به ما يناله الإنسان بأنامله العشرة. ونلتقى فى بلاط بنى حماد ببجاية بالطبيب ابن أبى المليح شاعر الأمير العزيز الحمادى (٤٩٨ - ٥١٥ هـ) وله يصف خيوله وموكبه فى قصيدة عيديّة منشدا (٤):
وجالت به جرد المذاكى كأنّها ... عذارى ولكن نطقهنّ تحمحم
بصفراء كالتّبر العتيق صقيلة ... ودهماء يتلوها كميت وأدهم
وأشقر لو يجرى وللبرق جهده ... لكان له يوم الرّهان التقدّم
وجاء لواء النّصر يتبع راية ... بها العزّ معقود عليها متمّم
وهو يقول: جالت بالأمير خيل كريمة مدربة كأنها لم تركب لأول مرة: صفراء كالتبر ودهماء كالليل يتلوها كميت وأسود وأشقر، ولو أن الأشقر سابق البرق لسبقه، وجاء موكب الأمير تقدمه راية العز والنصر.
وإذا اتجهنا إلى تلمسان التقينا بشاعرها فى القرن السابع الهجرى ابن خميس، وكان قد بارحها إلى الأندلس، وله قصيدة بديعة يتشوق فيها لرؤية مشاهدها ومتنزهاتها فى مثل قوله (٥):
стр. 4788
تلمسان جادتها السحاب الدّوالح ... وأرست بواديها الرياح اللواقح (١)
ففى كل شفر من جفونى ماتح ... وفى كل شطر من فؤادى قادح (٢)
كتمت هواها ثم برّح بى الأسى ... وكيف أطيق الكتم والدّمع فاضح
لساقية الرومىّ عندى مزيّة ... وإن رغمت تلك الرّوابى السّوانح (٣)
وكم لى عليها من غدوّ وروحة ... تساعدنى فيها المنى والمنائح (٤)
ظباء مغانيها عواط عواطف ... وطير محانيها شواد صوادح (٥)
تقتّلهم فيها عيون نواظر ... وتبكيهم منها عيون نواضح (٦)
وإن أنس لا أنس الوريط ووقفة ... أنافح فيها روضه وأفاوح (٧)
مطلا على ذاك الغدير وقد بدت ... لإنسان عينى من صفاه صفائح (٨)
أماؤك أم دمعى عشيّة صدّقت ... عليّة ما قال العذول المكاشح (٩)
لئن كنت ملآنا بدمعى طافحا ... فإنى سكران بحبّك طافح
وابن خميس يخلط مشاهد تلمسان بالغزل بها وبفتياتها الحسان، وهو يستهل قصيدته بالدعاء لتلمسان أن تجود عليها السحب دائما وتظل بواديها الرياح الملقحة المنتجة، ويقول إن فى كل حرف من جفونه ماتح يملأ دلاءه بدموعه شوقا إليها وفى كل شطر من فؤاده قادح لنيران الوجد والحب، وكم كتم حبه ووجده غير أن دموعه تفضحه، فلم يعد بدّ من إعلانه، ويذكر مشهد القناة المسماة بساقية الرومى وإن عتبت عليه الروابى من حولها، ويذكر كم له فيها من غدو وروحة وأبواب المنى والآمال مفتوحة فى وجهه وحسانها يبدين له العطف، والطير من حوله ترقص وتصدح وتغنى، وهنّ يقتلن بجمالهن من يطيل النظر إليهن، وينصرفون عنهن بعيون باكية ذرفت كل ما كان بها من دموع، ولا ينسى منتزه الوريط وما كان ينافحه فيه ويفاوحه من نسيم عطر، ولا ينسى جناح الغدير به، وقد بدت لرصد مياهه الصافية صفائح الدروع، ويسأله أبك ماؤك أم دمع عينى عشيّة صدّقت عليّة ما قال العذول المعادى، ولئن كنت ملآنا بدمعى طافحا به فإنى سكران طافح بحبى. ويقول الشهاب الخلوف شاعر قسنطينة فى أواخر عصر الدولة الحفصية يصف الطبيعة فى يوم ممطر (١٠):
стр. 4789
لقد بلّ أردان الثّرى دمع مزنة ... تناثر فى أسلاكها فتنظّما (١)
وجرّ على هام الرّبى ذيل وبله ... فدبّج أثواب الربوع وسهّما (٢)
وخط بطرس الجوّ سطرا مذهبا ... فنقّطه قطر الغمام وأعجما (٣)
وشاب لجين الطّلّ عسجد بارق ... فدنّر أزهار الربيع ودرهما
ودار بساق الغصن خلخال جدول ... كما سوّر التجعيد للنهر معصما
وهو يقول إن دموع السحابة بلّت أكمام الربى وتناثرت فى أسلاكها وانتظمت، وسحب المطر على رءوس الربى ذيل وبله فزيّن ثيابها وخطّطها تخطيطا بديعا، وخط على صفحة الجو سطرا مذهبا نقّطه قطر الغمام، وشاب لجين الطل المتلألئ عسجد البرق، فاستحالت أزهار الربيع دنانير ودراهم، واستحال ما فى الجدول من تجعدات للرياح خلاخيل لسيقان الغصون على نحو ما جعلت تجعداتها للنهر أساور تزين معصمه. واشتهر إبراهيم بن عبد الجبار الفجيجى التلمسانى بأخرة من عصر الدول الحفصية بقصيدة طويلة فى مائتى بيت وأربعة عشر وصف فيها صيد الصقر، وسنخصه بكلمة. ونمضى إلى العهد العثمانى، ومن طريف ما نقرأ فيه وصف ابن أبى راشد لمدينة الجزائر فى الربيع، وفيه يقول (٤):
سقى المطر الهطال أرضا تشرّفت ... بمصر غدت للفضل والفخر جامعه
بمزغنّة الفيحاء تظهر من مدّى ... ترى كسقيط الثّلج بيضاء ناصعه (٥)
وحيث الربيع الغضّ تم شبابه ... ترى أرضها تبدى النضارة يانعه
تريك احمرارا فى ابيضاض كأنها ... دماء على أرض من الثلج واقعه
دواليبها تسقى الغصون فتنثنى ... حمائمها تشدو على القضب ساجعه
فتبصر أغصان الحدائق سجّدا ... تميد من الصوت الحنون وراكعه
وما هى إلا جنّة قد تأرّجت ... مباخرها بالطيب والمسك ساطعه
وابن أبى راشد يدعو بالسّقيا لمدينة الجزائر التى أصبحت مصرا وعاصمة لقطرها فى عهد العثمانيين وغدت جامعة للفضل والفخر، ويظل المطر يهطل على مزغنة الفيحاء، وكأنه يسميها باسمها القديم، ويقول إن مبانيها جميعا بيضاء بياض الثلج المتساقط الناصع، وإنها لترى فى الربيع وقد لبست ثوبا من رفاهة العيش والنضارة، وترى ورودها الحمراء تكسو ورودها البيضاء، وسواقيها تروى بساتينها والحمام يشدو على الغصون مبتهجا، وكأنما الأغصان تستمع إلى صوتها الحنون الشجى، فما تزال بفعل الرياح ساجدة راكعة، وما مدينة الجزائر
стр. 4790
إلا جنة، قد فاحت مباخرها بالطيب والمسك وسطع شذاها سطوعا عظيما. وحرى أن نفرد ترجمة لكل من عبد الله بن محمد الجراوى وإبراهيم بن عبد الجبار الفجيجى.
عبد الله بن محمد الجراوى (١)
شاعر جزائرى من جراوة بين مدينة قسنطينة وقلعة بنى حماد، تأدب فى مسقط رأسه جراوة داخل الجزائر، وقدم إلى القيروان-كما يقول ابن رشيق-فى أوائل العقد الرابع من حياته، وتعلق بخدمة المعز بن باديس. ويقول ابن رشيق: كان شاعرا فحلا وصافا جيد الفكر والخاطر، تحسب بديهته رويّته، يتحدّر كلامه كالسيل، وكان حسن الخلق جميل العشرة مزاحا، سأله أيوب بن يطوفت أحد رجالات صنهاجة: أى بروج السماء لك؟ فقال: وا عجبا منك مالى فى الأرض بيت فكيف يكون لى برج فى السماء، فضحك، وأمر له بدار جواره. ويذكر ابن رشيق أنه: توفى سنة خمس عشرة وأربعمائة وقد بلغت سنه نيفا وأربعين سنة، وكانوا قد أغروا به القائد حماد بن سيف (العزيز بالله) فدسّ عليه من قتله ليلا، وعرف خطأه فأسف عليه. وقد أشاد به ابن رشيق كما رأينا فى الشعر إشادة رائعة، ومما أنشد له قوله البديع فى وصف ديك:
وكائن نفى النوم عن عترفان ... بديع الملاحة حلو المعانى (٢)
بأجفان عينيه يا قوتتان ... كأن وميضهما جمرتان
على رأسه التاج مستشرفا ... كتاج ابن هرمز فى المهرجان
وقرطان من جوهر أحمر ... يزينانه زين قرط الحصان
له عنق حولها رونق ... كما حوت الخمر إحدى القنانى
ودار برائله حولها ... كما نوّرت شعرة الزعفران (٣)
والجراوى يقول إن النوم انتفى عن الديك وظل مسهدا طوال الليل بديع الجمال حلو المعانى وبأجفانه ياقوتتان تومضان كأنهما جمرتان وعلى رأسه تاج عرفه كتاج ابن هرمز فى احتفال يوم المهرجان، وله قرطان من ياقوت أحمر يزينانه كما يزينان المرأة العفيفة الطاهرة، ويستدير حول جيده رونق من الجمال الرائع: وله ريش بديع زاه زهو الزعفران، ويستتم وصفه للديك قائلا:
ودارت بجؤجئه حلّة ... تروق كما راقك الخسروانى (٤)
وقام به ذنب معجب ... كباقة زهر بدت من بنان
وقاس جناحا على ساقه ... قيس ستر على خيزران
стр. 4791
وصفّق تصفيق مستهتر ... بمحمرّة من بنات الدّنان
وغرّد تغريد ذى لوعة ... يبوح بأشواقه للغوانى
يقول الجراوى: قد استدارت حلة بصدره كما يروق الطيلسان الخسروانى، وبدا له ذيل زاه كباقة زهر، ورفرف بجناحه على ساقه وكأنه مقيس عليه كستر يسدل على خيزران، وصفّق به تصفيق مخمور، وغرد تغريد ملتاع يبوح للغوانى بأشواقه الحارّة.
إبراهيم (١) بن عبد الجبار الفجيجى التلمسانى
فجيج المنسوب إليها إبراهيم بن عبد الجبار هو وأبوه وأسرته فى أقصى الجنوب من تلمسان، وكان أبوه فقيها ومفسرا وله تفسير للقرآن الكريم فى اثنى عشر جزءا ومختصر لحياة الحيوان، ونشأ ابنه إبراهيم على غراره يعنى بتحصيل العلوم، ورحل فى سبيل العناية بها إلى فاس وتلمسان ولقى علماءهما وأخذ عنهم، ويقال إنه رحل إلى مصر وأخذ عن علمائها. وعاد إلى موطنه، وله منظومتان: منظومة فى علم الصيد بالصقر سماها روضة السلوان وهى فى مائتى بيت وأربعة عشر، ومنظومة ثانية فى الفقه سماها مفيدة الولدان. وكان حيا سنة ٩٢٠ وتوفى بمدينة جى ببلاد السودان الغربى القديم. وشرح قصيدة الصيد ابن أخيه أبو القاسم بن محمد بن عبد الجبار سنة ٩٨٦. ويستهل أبو إسحاق إبراهيم الفجيجى مطولته ببيان منافع الصيد فى عشرين بيتا ويتلوها بصفات الصائد فى اثنى عشر بيتا، ومنها العفة والنزاهة وعدم الاختلاط بأهل اللؤم والغيبة، فلا سوء عشرة ولا هتك هيبة. ويصف الصقر بمثل قوله:
طويل ثلاث لا كطول بغاثها ... جناح وعنق ثمّ طالت أصابع (٢)
رحيب ثلاث وهى ما هى كفّه ... وما بين منكبيه والصدر واسع (٣)
عظيم ثلاث: رأسه ثم فخذه ... ومنسره لجزر ما هو صارع (٤)
له عدّة من نفسه فى مخالب ... شديد سوادها، حداد، لواسع (٥)
بيمناه بارق محيط بزنده ... من الفضة البيضاء كالسيف لامع (٦)
كذلك فى يسراه ثان وجلجل ... تلوّن بالإبريز أصفر فاقع (٧)
стр. 4792
إذا انقضّ خلت البرق والريح عاصفا ... ورعدا به رجز على الصيد واقع (١)
دوىّ جلاجل ولمع خلاخل ... وخفق جناح كلّ ذلك فاجع
والفجيجى يقول إن صقره يحوز صفات الصقر الحميد فهو طويل الجناح والعنق والأصابع، وهو واسع الكف والصدر بعيد ما بين المنكبين عظيم الهامة ممتلئ الفخذين صلب المنقار لجزر ما يفتك به، وعدّته مخالبه الشديدة السواد القاطعة التى تلسع لسع العقارب، وفى يمناه خلخال لامع من الفضة بزنده، وفى يسراه خلخال وجرس صغير أصفر مموه بذهب فاقع، وإذا انقض على فريسته من الطير ظننت البرق والريح والرعد كل ذلك هجم عليه، ولا تسمع سوى دوى جلاجل ولمع خلاخل وخفق أجنحة، كل ذلك ينقض على الفريسة. ويصور الفجيجى انقضاضه على طائر الحبارى منشدا:
ويلجأ لات حين يأويه ملجأ ... فلا الأرض تنجيه ولا الجوّ مانع
ذؤابته فى كفّ من لا يقيله ... يساق بها للموت وهو يوادع
وتندبه حباريات ألفنه ... بفيفاء مجهل وهنّ جوازع (٢)
نوائح أعراب على الطّبل حلقة ... يحاجلن مجنونا لهن تواجع
شققن جيوبا ناشرات الرءوس قد ... جرحن خدودا ما لهنّ براقع
والفجيجى يقول إن الحبارى كان يطلب ملجأ حين رأى الصقر، وضاق عليه الجو بأعاليه وضاقت عليه الأرض بجبالها الشاهقة وما رحبت، وأخذ الصقر بذؤابة رأسه وريشه الطويل، ولم يعد يجد مناصا ولا خلاصا منه فهو يوادعه موادعة اليائس من الحياة، وتندبه حباريات ألفنه متجرعات عليه غصص الجزع. وشبههن الفجيجى بنوائح الأعراب حين يتحلقن على الطبل بحرقة الحزن، ويحاجلن ندّابهن الذى يزيد فى حزنهن ويشعله فى نفوسهن، ويشققن جيوبهن وينشرن شعورهن ويخمشن وجوههن السافرة حزنا على فقيدهن. ويمضى الفجيجى متمنيا لو عادت أيام الصغر أو أيام الشباب ويذكر مواضع كثيرة فى الربيع والشتاء كان يرودها للصيد ويندد بمن كانوا يتلومونه لاهتمامه به، ويقول إن مثلهم مثل من لا تحرّكه بهجة الربيع ولا متعة العود والموسيقى وكأنهم لم يشعروا يوما بالحب والهوى. ويفيض فى عرض فقه الصيد وما أحلّه الشارع منه وما حرّمه وواجبات القانص إزاء ذلك وأجناس صيده فى البر، ويتجه إلى قارئ قصيدته بعد نحو مائتى بيت قائلا:
أتيتك بالتحقيق نظما فخذ به ... ودع عنك ما سواه فهو جعاجع
فدونكها من بحر فكرى درّة ... تفجّر منها للعلوم ينابع
فمن كان ذا جدّ وعى خصب حكمة ... ومن يبتغ الإحماض فالمرج واسع
стр. 4793
فقل روضة السلوان إن شئت فى اسمها ... وقل رحم الرحمن من هو ساجع
ولا تعدون عيناك عنها لكونها ... بدت بدويّة وأنّى واضع
وكم رمية لغير رام فقرطست ... وأخرى لرام أخطأت هل تنازع؟
فأغضوا على ما كان واعفوا وسامحوا ... وإن كان خرق فليداركه رافع
وهو يقول لقارئ قصيدته إنه أتاه من وصف الصقر وأحواله وأحكام صيده وفقهه وأحكامه بما لا مزيد عليه فى التحقيق، ودع سواه من الجعاجع التى لا فائدة فيها ولا طائل وراءها، وقد غصت عليها فى بحر فكرى واستخرجتها لك درة تتفجر بكثير من المعارف عن الصيد وفقهه، فمن كان صاحب جدّ وعى منها حكمة، ومن كان صاحب لهو وجد فيها مبتغاه، وسمّها باسمها: «روضة السلوان» وقل رحم الله ناظمها رحمة واسعة، ولا تحقرها لأنها تتناول موضوع الصيد البدوى وأنى ناظمها، وكم رمية قرطست وأصابت الهدف وكم رميات أخرى انحرفت عن الهدف والغرض المقصود، وذلك فضل الله يمنّ به على من يشاء. ويطلب من قارئه فى تواضع أن يغض الطرف عن هفواته ويعفو، وإن كانت فى قصيدته زلة فليتداركها بلطفه.
٣ -
شعراء الرثاء
الرثاء من أغراض الشعر القديمة، والشاعر فيه إما أن يتفجع على الميت ويبكيه ويتوجع لفقده ويسمى ذلك ندبا، وإما أن يبكى فيه خلاله ومناقبه التى حرم منها المجتمع ويسمى ذلك تأبينا، وإما أن يفضى إلى ذكر الموت وأنه حوض لا بد للحى من وروده، ويسمى ذلك عزاء، وقد يمزج الشاعر بين نوعين من هذه الأنواع وقد يمزج بين الثلاثة. ويلقانا الرثاء مبكرا فى الشعر الجزائرى على لسان بكر بن حماد شاعر تاهرت فى القرن الثالث الهجرى، وكان قد مات له ابن فندبه طويلا بمثل قوله يخاطب نفسه وقد وقف على قبره (١):
قف بالقبور فناد الهامدين بها ... من أعظم بليت فيها وأجساد
قوم تقطّعت الأسباب بينهم ... من الوصال وصاروا تحت أطواد
كيف البقاء وهذا الموت يطلبنا ... هيهات هيهات يا بكر بن حمّاد
بينا ترى المرء فى لهو وفى لعب ... حتى تراه على نعش وأعواد
وهو يقول قف بالقبور وناد بأعلى صوتك فلن يرد عليك أحد فقد تقطعت أسباب الوصال بينك وبين من فيها ولا سميع ولا مجيب، ويقول كيف البقاء والموت يطلبنا فى كل لحظة،
стр. 4794
وبينما المرء لاه عنه فى لهو وفى لعب إذا هو محمول على نعش وأعواد وآلة حدباء تقذف به فى مهاوى القبور. ويبكى ابنه طويلا بمثل قوله (١):
بكيت على الأحبّة إذ تولّوا ... ولو أنّى هلكت بكوا عليّا
فيا ولدى بقاؤك كان ذخرا ... وفقدك قد كوى الأكباد كيّا
كفى حزنا بأنى منك خلو ... وأنك ميّت وبقيت حيّا
ولم أك يائسا فيئست لما ... رميت التّرب فوقك من يديّا
وهو يبكى أحبته وفلذة كبده بكاء حارا، وقد كان بقاء ابنه ذخرا لا يماثله ذخر له وقد كوى فقده كبده كيّا مؤلما أشد الألم، ويقول إنه يكفيه حزنا أن مات ابنه وأنه عاش بعده يتلظى موجدة وحزنا، ولم يك يعرف اليأس إلا حين فقده، ورمت يداه عليه التراب فأظلمت الدنيا فى عينيه. ولابن الرّبيب يرثى خمسة من القواد فى عهد باديس (٣٨٦ - ٤٠٦ هـ) غامروا بأنفسهم فى معركة خاسرة بالزّاب، وفيهم يقول مصورا بأسهم (٢):
أبت لهم أن يرتضوا الضّيم أنفس ... كرام رأت رميا بها الموت أحزما
فهبّوا وما هابوا الرّدى فتدرّعوا ... على خطر قطعا من الليل مظلما (٣)
وهوّن وجدى أنهم خمسة مضوا ... وقد أقعصوا خمسين قرما مسوّما (٤)
وكان عظيما لو نجوا غير أنهم ... رأوا حسن ما أبقوا من الذكر أعظما
أبوا أن يفرّوا والقنا فى نحورهم ... وأن يرتقوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لفرّوا أعزّة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
وهو يقول إن أنفس هؤلاء القواد الخمسة كانت من الشعور بالعزة والكرامة بحيث أبت لهم أن يفروا بها عن الحرب فرموا بها فى أتونها وضرامها غير هائبين وتدرعوا طائفة من الليل ومضوا يتقدمون حتى لم يجدوا متقدّما وحتى تقطعت السيوف فى أيديهم. خمسة أبطال قتلوا خمسين شجاعا معلما من الأعداء، وكانوا يستطيعون النجاة ولكنهم رأوا الضرب فى الأعداء حتى النفس الأخير فإن فى ذلك ذكرا عاطرا باقيا لهم. وتكاثر عليهم الأعداء وأخذتهم الرماح من كل جانب وأبوا أن يفروا خشية الموت، ولو فروا لفروا أعزة بما أذاقوا أعداءهم من كثرة القتل والطعن، غير أنهم رأوا أن يصبروا وأن يموتوا فى ميدان الحرب، لينالوا شرف التضحية بالنفس. ويقول ابن قاضى ميلة فى وصف غريق بالبحر (٥):
وما زلت أستسقى له القطر دائبا ... وأستودع الريح السلام المجدّدا
стр. 4795
فكان الذى استسقيت أول خاتل ... له والذى استودعت من أعظم العد (١)
فتى فاظ بين الماء والريح روحه ... وما زاره أهل ولا زار ملحدا (٢)
وهو يقول إن الذى كان يستسقى القطر له ويستودع له الريح السلام حين تمر بدياره كان الماء أول خاتل غادر له إذ أتاه من حيث لا يشعر، وكان الريح من أعظم أعدائه، وقد فاظت روحه بين الماء والريح وصعدت إلى بارئها، وما زاره أهل، ولا زار لحدا، فقد ذهب أدراج أمواج البحر ولم يين له أثر. ونلتقى فى بجاية بمحمد بن على بن حماد فى القرن السابع ومراثيه للدولة الحمادية، وسنخصه بترجمة. وكان السلطان أبو حمو موسى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) شاعرا ومرت له ترجمة فى الفصل الماضى، ومن قوله يرثى أباه (٣):
قد كان لى فى الدّنى أب يساعدنى ... فصار تحت الثرى فى لحده اكتنفا (٤)
مددت فى ظل نعماه يدى زمنا ... ونلت من رفده فى دهرى التّحفا
يا فقد يوسف ما أبقيت لى جلدا ... يا فقد يوسف إنّ الصبر عنك غفا
ما مثل يوسف مفقود لفاقده ... ولا كموسى أخو فقد إذا وصفا
يا قبر يوسف لا تعدوك هامية ... من الغمام ولا زال الثرى وجفا (٥)
وأبو حمو موسى يبكى أباه ويذكر كثرة ما كان يساعده به فى الدنيا حربا وسلما، ويذكر كم مدلّه يده فيملؤها له نعما وتحفا، وقد أصبح تحت الثرى يكتنفه اللحد من جميع جوانبه، وقد أفقده موت أبيه الصبر والجلد، ويشيد به أبا مثاليا ويدعو لقبره أن تظل السحب وافدة عليه تهمى وتهطل، ولا يزال الثرى أو القبر خافقا. ويقول محمد بن يوسف الثغرى فى تأبينه مواسيا أبا حمو موسى (٦):
أسفا لمن فاق الملوك جلالة ... وديانة وبكلّ فضل حوبى
أعظم به من زاهد ومجاهد ... ومنيل رفد تارة ومنيب
هوت النجوم الزاهرات لفقده ... وذوى من الأزهار كل رطيب
وتغيّرت شمس النهار له أسى ... وتبدّلت من نورها بشحوب
وبكت سيوف الهند فى أغمادها ... بدم، بماء فرندها مخضوب
ولقد بكته جياده بصهيلها ... وغدت تحنّ له حنين النّيب (٧)
من للوفود إذا أوت لجنابه ... يلقاهم بالبشر والترحيب
والثغرى يجعله فوق الملوك جلالة ومهابة وديانة وبكل ضروب الفضل من زهد وجهاد
стр. 4796
وكرم وإنابة لله، وكأنما هوت النجوم المتلألئة لفقده وذوت الأزهار الغضّة، وحتى شمس النهار تغيّرت حزنا وتبدلت من نورها بشحوب. وإن سيوف الهند التى طالما شهرها على أعدائه لتبكيه بدم مخضوب بما يلمع على صفحاتها من تموجات الضوء، وإن جيادة لتنتظره مؤملة بصهيلها التى تعبر به عن حنينها له أن يمتطيها للقاء الأعداء. ويتساءل الشاعر من سيلقى الوفود الكثيرة التى كانت تفد على بابه بالبشر والترحيب وقضاء حاجاتها الكثيرة. ويقول الشهاب الخلوف شاعر السلطان عثمان الحفصى يبكى ابنا له مات صغيرا (١):
أصبت عين المها يا موت بالرّمد ... وقد أهضت جناح المجد فاتّئد (٢)
ناجزت فى صرف آجال قد اقتربت ... إذ لا تسلّمها إلا يدا بيد (٣)
كم زدت فى نقصك العليا جوى كبد ... حرّى فيا ليت لم تنقص ولم تزد
وكم تركت أبا يبكى على ولد ... أذقته طعم ثكل الأمّ للولد
بنىّ ليتك لم تخلق لورى بلى ... يا ليتنى لم أسم بالصبر عن شهد (٤)
سقى الحيا قبرك الزاكى وواصله ... سحاب عفو وغفران مدى الأبد (٥)
وهو يخاطب الموت محزونا ويقول له اتئد، فقد أصبت عين الأمّ بالرمد لكثرة البكاء على من تفقدهم وحطمت جناح المجد وناجزت فى حدث الموت وأبيت إلا أن تستلم ابنى يدا بيد، وكم نقصت العليا وزدت الكبد حزنا وحرارة، وكم أذقت أبا فقده لابنه فذاق طعم حزن الأم حين تفقد ابنها. ويخاطب ابنه فليته لم يخلق لبلى جسده وعظامه حتى لا يسام أبوه ولا يكلف الصبر على ما نزل به، ويستسقى له السحاب وأن يمنحه الله عفوه وغفرانه.
ويكثر منذ أواخر عصر الدولة الحفصية رثاء التلامذة لشيوخهم الأعلام فى تلمسان وغيرها من مدن الجزائر، وكان من كبار علماء تلمسان فى القرن التاسع الهجرى محمد بن يوسف السنوسى نسبة إلى قبيلة مغربية وهو حسنى من ذرية الحسن بن على بن أبى طالب، وفيه ألف تلميذه الملالى كتابا سماه «المواهب القدسية فى المناقب السنوسية» وكان فقيها، بل كان إماما فى الفقه وفى علم التوحيد وله فيه الكتاب المشهور عقيدة أهل التوحيد وشرح مرارا، ورثاه تلميذه الشاعر محمد بن عبد الرحمن الحوضى حين توفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٨٩ م بقصيدة بديعة، وفيها يقول (٦):
стр. 4797
ما للمنازل أظلمت أرجاؤها ... والأرض رجّت حين خاب رجاؤها
هذا الذى ورث النبىّ فأصبحت ... علل الضلال به استفيد دواؤها
ودعا إلى التوحيد دعوة مخلص ... وإلى الشريعة فاستنار ضياؤها
يا أوحد العلماء يا علما به ... كلّ العلوم بدت لنا أنحاؤها
من للتآليف التى ألّفتها ... يبدى بها ما استشكلت قرّاؤها
من للعلوم على اختلاف فنونها ... يبدى لها نكتا يروق سناؤها
يا ربّ قدّس روحه وضريحه ... ومن الجنان تحفّه نعماؤها
والحوضى يقول إن الديار أظلمت والأرض كأنما زلزلت زلزالا عظيما بموت السنوسى الذى ورث الهدى عن الرسول الكريم فكأنما علل الضلال وجدت عنده أدواءها جميعا. وعملان عظيمان له الدعوة إلى عقيدة التوحيد والشريعة وفقهها المضيئ، بل لقد أضاء للطلاب كثيرا من أنحاء العلوم التى درسها لهم لا فى الفقه والتوحيد فحسب بل أيضا فى المنطق والقراءات والفرائض وغير ذلك مما درسه وألف فيه. ويتكاثر رثاء التلاميذ لشيوخهم فى العهد العثمانى، ونسوق من ذلك رثاء: شاعر مدينة الجزائر سعيد قدورة الذى اشتهر بشرحه لمتن السلم فى المنطق والمتوفى سنة ١٠٦٦ هـ/١٦٥٥ م فقد رثى أستاذه محمد بن على المجاجى وكان قد توفى مقتولا وفيه يقول (١):
مصاب جسيم كاد يصمى مقاتلى ... ورزء عظيم قاطع للمفاصل
ومن لفنون العلم نحوا ومنطقا ... وفقها وتوحيدا وفتوى لسائل
لمنزله كانت تشدّ رحالنا ... فمن راكب يسعى إليه وراجل
أحقّا قتلت الألمعىّ محمّدا ... على قول حقّ لا على قول باطل
قتلت امرءا من شأنه العلم والتّقى ... فيا خير مقتول ويا شرّ قاتل
ومالك يوم العرض إلا جهنّم ... تقاد إليها صاغرا بالسلاسل
عليه من الرحمن أوسع رحمة ... وأزكى سلام فى الضّحى والأصائل
وسعيد قدورة يقول إنه مصاب جسيم ورزء عظيم أن يقتل هذا العالم الجليل دون ذنب جناه، ويقول إلى أين يذهب طلاب العلم نحوا ومنطقا وفقها وتفسيرا وتوحيدا، وإلى من يرجعون فى الفتوى. وكانت تشد إليه الرحال من فجاج الأرض بين راكب وراجل، ويعجب أن يقتله شخص وهو لا يصدر إلا عن حق لعلمه وتقاه، وإنه لخير مقتول، أما قاتله فشر قاتل، ويتوعده أن يكون مصيره إلى جهنم يقاد إليها بالسلاسل والأغلال، أما الشيخ المقتول
стр. 4798
فعليه من ربه أوسع رحمة وأطهر سلام وأعطره. ونتوقف قليلا لنترجم لشاعر بجاية محمد بن على بن حماد.
محمد (١) بن على بن حماد القلعى
من أهل قلعة بنى حماد وفضلائها، قرأ بها وتفقه على علمائها، ثم طلب المزيد فقرأ على علماء بجاية وكان بها أبو مدين شعيب فأخذ عنه كتابه: «المقصد الأسنى فى أسماء الله الحسنى» وشرحه من فاتحته إلى خاتمته، ولزم دروس عبد الحق الإشبيلى وأخذ عنه كتاب الموطأ لمالك وغيره من الكتب، وحضر على جلّة الشيوخ فى بجاية وغيرها، وكان له برنامج يشتمل على مائتين واثنين وعشرين كتابا مسندة إلى مؤلفيها، ويبدو أنه كان ينزع نحو المذهب الظاهرى مذهب دولة الموحدين، ولذلك عيّنوه-فى رأينا-قاضيا بالأندلس فى مدينة الجزيرة الخضراء، ثم نقلوه منها سنة ثلاث عشرة وستمائة إلى سلا فى المغرب على المحيط وظل بها إلى أن توفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م. وكان شاعرا بارعا، وله قصائد أو مراث مختلفة يرثى بها دولة بنى حماد التى أزالها الموحدون عن موطنه سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م، وفى إحداها يقول (٢):
أين العروسان لا رسم ولا طلل ... فانظر ترى ليس إلا السهل والجبل
وقصر بلاّرة أودى الزمان به ... فأين ما شاد منه السادة الأول
وما ورا الكوكب العلوىّ معتصم ... وقد عرا الكوكب التغيير والبدل
وقد عفا قصر حماد فليس له ... رسم ولا أثر باق ولا طلل
وإنّ فى القصر قصر الملك معتبرا ... لمن تغرّره الأيام والدول
وما رسوم المنار الآن ماثلة ... لكنها نبذ يجرى بها المثل
حتى المصلّى امّحت آياته وعفت ... إلا جدارا وما طلّت به الطّلل (٣)
كرجعك الطّرف كانت كلّ آبدة ... مما تراه كذاك العمر والأجل
وهو يقول أين القصران العروسان المبهجان، لم يعد حتى رسم ولا طلل ولم يعد إلا الفضاء، وقد امّحى قصر بلارة المجيد وما شاده فيه ملوكه الأول، وامحى قصر الكوكب العلوى وقصر حماد إذ لم يبق منه رسم ولا أثر ولا طلل، وإن فى ذلك لعبرة أى عبرة لمن يغتر بالأيام والدول، وأين قصر المنار؟ إنه لم يبق منه إلا آثار يتمثل بها الناس، وحتى المصلى الذى كان يلحق بالقصور لم يبق منه إلا جدار وبقايا أطلال إذ سرعان ما زايلته النعمة سريعا وزايلت كل آبدة
стр. 4799
وغريبة مما كان فى القصور من عجائب ونقوش، فكل ذلك ذهب كرجعك الطرف إلى غير مآب كما تذهب الأعمار والآجال، ويقول (١)
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بوادى الهوى ما بين تلك الجداول
وهل أسمعن تلك الطيور عشيّة ... تجاوب فى تلك الغصون البلابل
وهل أردن عين السلام على الصّدى ... فأبرد من حرّ الضلوع النواهل (٢)
وانظر طيقان «المنار» مطلّة ... على الوجنات الزاهرات الخمائل (٣)
كأن القباب المشرفات بأفقه ... نجوم تبدّت فى سعود المنازل
فإن ثنت الأيّام عنها أعنّتى ... وأنزلننى فى غير تلك المنازل
فصبر جميل غير أنّ صبابتى ... ستبقى بقاء الطالعات الأوافل
وابن حماد يتمنى فى غربته الطويلة ببلاد المغرب والأندلس لو بات ليلة بوادى بجاية: وادى الهوى والحبّ بين جداولها يتسمع إلى الطيور وهى تجاوب البلابل فى المساء، ويتمنى أن يرد على عين السلام ليبرد صداه ويشفى ظمأه الطويل وحر ضلوعه، وينظر طيقان المنار وهى مطلة على الخمائل المزهرة فوق الأرض الصخرية حول بجاية، ويتصور كأن قباب هذا القصر التى كانت تشرف على ما حوله نجوم مسعدة. ويمتلئ شوقا وحنانا لبلدته بجاية فيقول إن ثنت الأيام أعنتى عنها إلى سلا وغير سلا من مدن المغرب والأندلس فسأفزع إلى الصبر الجميل ولكن صبابتى ببلدى وموطنى ستظل جاثمة فى فؤادى ما حييت، وستظل باقية بقاء النجوم الطالعات الأوافل، ويقول فى عين السلام (٤):
على عين السلام سلام صبّ ... غذاه ماؤها العذب النّمير
تأوّد أيكها وجرت صباها ... وشمّ لها كما فتق العبير
وأبرد ما يكون الجوّ فيها ... وأندى حين يحتدم الهجير
وقد قام المنار على ذراها ... كما قام العروس أو الأمير
بناء يزدرى إيوان كسرى ... لديه والخورنق والسّدير
وهو يرسل بالتحية إلى عين السلام التى طالما نهل من مائها العذب الصافى الزاكى، وإن أيكها أو شجرها ليتثنى بفعل الرياح ويهب صباها عليلا حاملا منها شذى عطرا، وحين تشتد حرارة الهاجرة وراء بجاية فى الصحراء تصبح بجاية أبرد وأندى ما تكون، وإن قصر المنار ليقف فى أعاليها وكأنه عروس ينتظر الزفاف أو أمير ينتظر الموكب الحافل، وإنه
стр. 4800
لقصر مشيد يزدرى بجانبه إيوان كسرى، والخورنق والسدير: قصران كانا لملوك الحيرة فى الجاهلية.
٤ -
شعراء الزهد والتصوف
(أ) شعراء الزهد
الزهد قديم فى الأمة منذ العصر الإسلامى وزاهد الأمة الأول محمد ﷺ وكان كثيرون فى أيامه يأتسون بزهده وتقشفه، ويفرد الجاحظ للزهاد صحفا كثيرة فى البيان والتبين حتى عصره، ويتوالى من بعده فى الكتابة عنهم، ويلقانا منهم فى المغرب كثيرون فى كتاب رياض النفوس للمالكى، يقبلون على ما عند الله من ثواب الآخرة ويرفضون الدنيا، ودائما يذكرون الموت وأنه مقبل لا محالة وأن من واجب الإنسان أن يتدبر أمره وغده وأنه عما قريب محمول على آلة حدباء وسيلقى ربه، وحرى بالإنسان أن يعمل لآخرته قبل أن يفجأه الموت ويأتيه على حين غرّة أو غفلة، وفى ذلك يقول بكر بن حماد متحدثا عن الموت (١):
لقد جمحت نفسى فصدّت وأعرضت ... وقد مرقت نفسى فطال مروقها (٢)
فيا أسفى من جنح ليل يقودها ... وضوء نهار لا يزال يسوقها (٣)
إلى مشهد لا بدّ لى من شهوده ... ومن جرع للموت سوف أذوقها
سحاب المنايا كلّ يوم مظلّة ... فقد هطلت حولى ولاح بروقها
تجهّمت خمسا بعد سبعين حجّة ... ودام غروب الشمس لى وطلوعها
وأيدى المنايا كلّ يوم وليلة ... إذا فتقت لا يستطاع رتوقها
تصبّح أقواما على حين غفلة ... ويأتيك فى حين البيات طروقها
وهو يقول إن نفسه جمحت منه وركبت هواها وعصته عصيانا شديدا، إذ لا تسمع إلى نصحه وإرشاده، وكأنما زمامها بليل مظلم مما يؤسفه وإنها لا تتطلع إلى ضوء نهار مشرق يريها المشهد الحقيقى من الموت وجرعه وما سيحسو منه، وإن سحاب الموت ليظلّه، وإنه ليهطل من حوله وتلمع بروقه، وقد احتمل خمسا وسبعين سنة، وطالما أشرقت عليه الشمس وغربت وأيدى الموت من حوله إذا فتقت فتقا لا يستطيع أحد رتقه، وتصبّح أقواما فجأة بمن تختطفه منهم وبالمثل تمسّيهم، وما أحرانا أن نعمل لآخرتنا قبل فوات الأوان. ويحدثنا صاحب