← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

وكرم وإنابة لله، وكأنما هوت النجوم المتلألئة لفقده وذوت الأزهار الغضّة، وحتى شمس النهار تغيّرت حزنا وتبدلت من نورها بشحوب. وإن سيوف الهند التى طالما شهرها على أعدائه لتبكيه بدم مخضوب بما يلمع على صفحاتها من تموجات الضوء، وإن جيادة لتنتظره مؤملة بصهيلها التى تعبر به عن حنينها له أن يمتطيها للقاء الأعداء. ويتساءل الشاعر من سيلقى الوفود الكثيرة التى كانت تفد على بابه بالبشر والترحيب وقضاء حاجاتها الكثيرة. ويقول الشهاب الخلوف شاعر السلطان عثمان الحفصى يبكى ابنا له مات صغيرا (١): أصبت عين المها يا موت بالرّمد ... وقد أهضت جناح المجد فاتّئد (٢) ناجزت فى صرف آجال قد اقتربت ... إذ لا تسلّمها إلا يدا بيد (٣) كم زدت فى نقصك العليا جوى كبد ... حرّى فيا ليت لم تنقص ولم تزد وكم تركت أبا يبكى على ولد ... أذقته طعم ثكل الأمّ للولد بنىّ ليتك لم تخلق لورى بلى ... يا ليتنى لم أسم بالصبر عن شهد (٤) سقى الحيا قبرك الزاكى وواصله ... سحاب عفو وغفران مدى الأبد (٥) وهو يخاطب الموت محزونا ويقول له اتئد، فقد أصبت عين الأمّ بالرمد لكثرة البكاء على من تفقدهم وحطمت جناح المجد وناجزت فى حدث الموت وأبيت إلا أن تستلم ابنى يدا بيد، وكم نقصت العليا وزدت الكبد حزنا وحرارة، وكم أذقت أبا فقده لابنه فذاق طعم حزن الأم حين تفقد ابنها. ويخاطب ابنه فليته لم يخلق لبلى جسده وعظامه حتى لا يسام أبوه ولا يكلف الصبر على ما نزل به، ويستسقى له السحاب وأن يمنحه الله عفوه وغفرانه. ويكثر منذ أواخر عصر الدولة الحفصية رثاء التلامذة لشيوخهم الأعلام فى تلمسان وغيرها من مدن الجزائر، وكان من كبار علماء تلمسان فى القرن التاسع الهجرى محمد بن يوسف السنوسى نسبة إلى قبيلة مغربية وهو حسنى من ذرية الحسن بن على بن أبى طالب، وفيه ألف تلميذه الملالى كتابا سماه «المواهب القدسية فى المناقب السنوسية» وكان فقيها، بل كان إماما فى الفقه وفى علم التوحيد وله فيه الكتاب المشهور عقيدة أهل التوحيد وشرح مرارا، ورثاه تلميذه الشاعر محمد بن عبد الرحمن الحوضى حين توفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٨٩ م بقصيدة بديعة، وفيها يقول (٦):

стр. 4797

ما للمنازل أظلمت أرجاؤها ... والأرض رجّت حين خاب رجاؤها هذا الذى ورث النبىّ فأصبحت ... علل الضلال به استفيد دواؤها ودعا إلى التوحيد دعوة مخلص ... وإلى الشريعة فاستنار ضياؤها يا أوحد العلماء يا علما به ... كلّ العلوم بدت لنا أنحاؤها من للتآليف التى ألّفتها ... يبدى بها ما استشكلت قرّاؤها من للعلوم على اختلاف فنونها ... يبدى لها نكتا يروق سناؤها يا ربّ قدّس روحه وضريحه ... ومن الجنان تحفّه نعماؤها والحوضى يقول إن الديار أظلمت والأرض كأنما زلزلت زلزالا عظيما بموت السنوسى الذى ورث الهدى عن الرسول الكريم فكأنما علل الضلال وجدت عنده أدواءها جميعا. وعملان عظيمان له الدعوة إلى عقيدة التوحيد والشريعة وفقهها المضيئ، بل لقد أضاء للطلاب كثيرا من أنحاء العلوم التى درسها لهم لا فى الفقه والتوحيد فحسب بل أيضا فى المنطق والقراءات والفرائض وغير ذلك مما درسه وألف فيه. ويتكاثر رثاء التلاميذ لشيوخهم فى العهد العثمانى، ونسوق من ذلك رثاء: شاعر مدينة الجزائر سعيد قدورة الذى اشتهر بشرحه لمتن السلم فى المنطق والمتوفى سنة ١٠٦٦ هـ/١٦٥٥ م فقد رثى أستاذه محمد بن على المجاجى وكان قد توفى مقتولا وفيه يقول (١): مصاب جسيم كاد يصمى مقاتلى ... ورزء عظيم قاطع للمفاصل ومن لفنون العلم نحوا ومنطقا ... وفقها وتوحيدا وفتوى لسائل لمنزله كانت تشدّ رحالنا ... فمن راكب يسعى إليه وراجل أحقّا قتلت الألمعىّ محمّدا ... على قول حقّ لا على قول باطل قتلت امرءا من شأنه العلم والتّقى ... فيا خير مقتول ويا شرّ قاتل ومالك يوم العرض إلا جهنّم ... تقاد إليها صاغرا بالسلاسل عليه من الرحمن أوسع رحمة ... وأزكى سلام فى الضّحى والأصائل وسعيد قدورة يقول إنه مصاب جسيم ورزء عظيم أن يقتل هذا العالم الجليل دون ذنب جناه، ويقول إلى أين يذهب طلاب العلم نحوا ومنطقا وفقها وتفسيرا وتوحيدا، وإلى من يرجعون فى الفتوى. وكانت تشد إليه الرحال من فجاج الأرض بين راكب وراجل، ويعجب أن يقتله شخص وهو لا يصدر إلا عن حق لعلمه وتقاه، وإنه لخير مقتول، أما قاتله فشر قاتل، ويتوعده أن يكون مصيره إلى جهنم يقاد إليها بالسلاسل والأغلال، أما الشيخ المقتول

стр. 4798

فعليه من ربه أوسع رحمة وأطهر سلام وأعطره. ونتوقف قليلا لنترجم لشاعر بجاية محمد بن على بن حماد. محمد (١) بن على بن حماد القلعى من أهل قلعة بنى حماد وفضلائها، قرأ بها وتفقه على علمائها، ثم طلب المزيد فقرأ على علماء بجاية وكان بها أبو مدين شعيب فأخذ عنه كتابه: «المقصد الأسنى فى أسماء الله الحسنى» وشرحه من فاتحته إلى خاتمته، ولزم دروس عبد الحق الإشبيلى وأخذ عنه كتاب الموطأ لمالك وغيره من الكتب، وحضر على جلّة الشيوخ فى بجاية وغيرها، وكان له برنامج يشتمل على مائتين واثنين وعشرين كتابا مسندة إلى مؤلفيها، ويبدو أنه كان ينزع نحو المذهب الظاهرى مذهب دولة الموحدين، ولذلك عيّنوه-فى رأينا-قاضيا بالأندلس فى مدينة الجزيرة الخضراء، ثم نقلوه منها سنة ثلاث عشرة وستمائة إلى سلا فى المغرب على المحيط وظل بها إلى أن توفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م. وكان شاعرا بارعا، وله قصائد أو مراث مختلفة يرثى بها دولة بنى حماد التى أزالها الموحدون عن موطنه سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م، وفى إحداها يقول (٢): أين العروسان لا رسم ولا طلل ... فانظر ترى ليس إلا السهل والجبل وقصر بلاّرة أودى الزمان به ... فأين ما شاد منه السادة الأول وما ورا الكوكب العلوىّ معتصم ... وقد عرا الكوكب التغيير والبدل وقد عفا قصر حماد فليس له ... رسم ولا أثر باق ولا طلل وإنّ فى القصر قصر الملك معتبرا ... لمن تغرّره الأيام والدول وما رسوم المنار الآن ماثلة ... لكنها نبذ يجرى بها المثل حتى المصلّى امّحت آياته وعفت ... إلا جدارا وما طلّت به الطّلل (٣) كرجعك الطّرف كانت كلّ آبدة ... مما تراه كذاك العمر والأجل وهو يقول أين القصران العروسان المبهجان، لم يعد حتى رسم ولا طلل ولم يعد إلا الفضاء، وقد امّحى قصر بلارة المجيد وما شاده فيه ملوكه الأول، وامحى قصر الكوكب العلوى وقصر حماد إذ لم يبق منه رسم ولا أثر ولا طلل، وإن فى ذلك لعبرة أى عبرة لمن يغتر بالأيام والدول، وأين قصر المنار؟ إنه لم يبق منه إلا آثار يتمثل بها الناس، وحتى المصلى الذى كان يلحق بالقصور لم يبق منه إلا جدار وبقايا أطلال إذ سرعان ما زايلته النعمة سريعا وزايلت كل آبدة

стр. 4799

وغريبة مما كان فى القصور من عجائب ونقوش، فكل ذلك ذهب كرجعك الطرف إلى غير مآب كما تذهب الأعمار والآجال، ويقول (١) ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بوادى الهوى ما بين تلك الجداول وهل أسمعن تلك الطيور عشيّة ... تجاوب فى تلك الغصون البلابل وهل أردن عين السلام على الصّدى ... فأبرد من حرّ الضلوع النواهل (٢) وانظر طيقان «المنار» مطلّة ... على الوجنات الزاهرات الخمائل (٣) كأن القباب المشرفات بأفقه ... نجوم تبدّت فى سعود المنازل فإن ثنت الأيّام عنها أعنّتى ... وأنزلننى فى غير تلك المنازل فصبر جميل غير أنّ صبابتى ... ستبقى بقاء الطالعات الأوافل وابن حماد يتمنى فى غربته الطويلة ببلاد المغرب والأندلس لو بات ليلة بوادى بجاية: وادى الهوى والحبّ بين جداولها يتسمع إلى الطيور وهى تجاوب البلابل فى المساء، ويتمنى أن يرد على عين السلام ليبرد صداه ويشفى ظمأه الطويل وحر ضلوعه، وينظر طيقان المنار وهى مطلة على الخمائل المزهرة فوق الأرض الصخرية حول بجاية، ويتصور كأن قباب هذا القصر التى كانت تشرف على ما حوله نجوم مسعدة. ويمتلئ شوقا وحنانا لبلدته بجاية فيقول إن ثنت الأيام أعنتى عنها إلى سلا وغير سلا من مدن المغرب والأندلس فسأفزع إلى الصبر الجميل ولكن صبابتى ببلدى وموطنى ستظل جاثمة فى فؤادى ما حييت، وستظل باقية بقاء النجوم الطالعات الأوافل، ويقول فى عين السلام (٤): على عين السلام سلام صبّ ... غذاه ماؤها العذب النّمير تأوّد أيكها وجرت صباها ... وشمّ لها كما فتق العبير وأبرد ما يكون الجوّ فيها ... وأندى حين يحتدم الهجير وقد قام المنار على ذراها ... كما قام العروس أو الأمير بناء يزدرى إيوان كسرى ... لديه والخورنق والسّدير وهو يرسل بالتحية إلى عين السلام التى طالما نهل من مائها العذب الصافى الزاكى، وإن أيكها أو شجرها ليتثنى بفعل الرياح ويهب صباها عليلا حاملا منها شذى عطرا، وحين تشتد حرارة الهاجرة وراء بجاية فى الصحراء تصبح بجاية أبرد وأندى ما تكون، وإن قصر المنار ليقف فى أعاليها وكأنه عروس ينتظر الزفاف أو أمير ينتظر الموكب الحافل، وإنه

стр. 4800

لقصر مشيد يزدرى بجانبه إيوان كسرى، والخورنق والسدير: قصران كانا لملوك الحيرة فى الجاهلية. ٤ - شعراء الزهد والتصوف (أ) شعراء الزهد الزهد قديم فى الأمة منذ العصر الإسلامى وزاهد الأمة الأول محمد ﷺ وكان كثيرون فى أيامه يأتسون بزهده وتقشفه، ويفرد الجاحظ للزهاد صحفا كثيرة فى البيان والتبين حتى عصره، ويتوالى من بعده فى الكتابة عنهم، ويلقانا منهم فى المغرب كثيرون فى كتاب رياض النفوس للمالكى، يقبلون على ما عند الله من ثواب الآخرة ويرفضون الدنيا، ودائما يذكرون الموت وأنه مقبل لا محالة وأن من واجب الإنسان أن يتدبر أمره وغده وأنه عما قريب محمول على آلة حدباء وسيلقى ربه، وحرى بالإنسان أن يعمل لآخرته قبل أن يفجأه الموت ويأتيه على حين غرّة أو غفلة، وفى ذلك يقول بكر بن حماد متحدثا عن الموت (١): لقد جمحت نفسى فصدّت وأعرضت ... وقد مرقت نفسى فطال مروقها (٢) فيا أسفى من جنح ليل يقودها ... وضوء نهار لا يزال يسوقها (٣) إلى مشهد لا بدّ لى من شهوده ... ومن جرع للموت سوف أذوقها سحاب المنايا كلّ يوم مظلّة ... فقد هطلت حولى ولاح بروقها تجهّمت خمسا بعد سبعين حجّة ... ودام غروب الشمس لى وطلوعها وأيدى المنايا كلّ يوم وليلة ... إذا فتقت لا يستطاع رتوقها تصبّح أقواما على حين غفلة ... ويأتيك فى حين البيات طروقها وهو يقول إن نفسه جمحت منه وركبت هواها وعصته عصيانا شديدا، إذ لا تسمع إلى نصحه وإرشاده، وكأنما زمامها بليل مظلم مما يؤسفه وإنها لا تتطلع إلى ضوء نهار مشرق يريها المشهد الحقيقى من الموت وجرعه وما سيحسو منه، وإن سحاب الموت ليظلّه، وإنه ليهطل من حوله وتلمع بروقه، وقد احتمل خمسا وسبعين سنة، وطالما أشرقت عليه الشمس وغربت وأيدى الموت من حوله إذا فتقت فتقا لا يستطيع أحد رتقه، وتصبّح أقواما فجأة بمن تختطفه منهم وبالمثل تمسّيهم، وما أحرانا أن نعمل لآخرتنا قبل فوات الأوان. ويحدثنا صاحب

стр. 4801

عنوان الدراية عن الشيخ الفقيه النحوى اللغوى محمد بن الحسن بن ميمون القلعى البجائى، وكان كثير التلامذة والطلاب وتقرأ عليه جميع الكتب النحوية واللغوية والأدبية، وكان يسلك فى شعره طريقة أبى تمام، وتوفى سنة ٦٧٣ هـ/١٢٧٤ م وله منظومات فى الزهد والمديح النبوى، ومن قوله فى الزهد (٤): الخبر أصدق فى المرأى من الخبر ... فمهّد العذر ليس العين كالأثر واعمل لأخرى ولا تبخل بمكرمة ... فكلّ شئ على حدّ إلى قدر وكل حىّ وإن طالت سلامته ... يغتاله الموت بين الورد والصّدر هو الحمام فلا تبعد زيارته ... ولا تقل ليتنى منه على حذر يا ويح من غرّه دهر فسرّ به ... لم يخلص الصّفو إلا شيب بالكدر تنافس الناس فى الدنيا وقد علموا ... أن المقام بها كاللّمح بالبصر انظر لمن باد تنظر آية عجبا ... وعبرة لأولى الألباب والعبر وهو يقول إن التجربة أصدق من الخبر إذ ما يرى بالعين ليس كالأثر، واعمل لآخرتك ولا تبخل بصالحة، فكل شئ مقدر، وكل حى وإن طالت سلامته سيغتاله الموت فجأة بين ورده لشئ وصدره عنه، إنه الموت فلا تظن أن زيارته ستبطئ عنك، ولا تظن أنك تستطيع أن تكون على حذر منه، ويا ويح من غرّه زمن سرّه، فإن الصفو دائما يشاب بالكدر، ويا ويح الناس فإنهم يتنافسون فى الدنيا وأمانيها ومظاهرها وهم يعلمون أنهم راحلون عنها سريعا سرعة اللمح بالبصر، وانظر لمن باد من السالفين فإن فى ذلك عبرة لأولى الألباب. ويذكر ابن ميمون البجائى الملوك الهالكين: دارا الفارسى وذا يزن اليمنى وهرقل البيزنطى وغيرهم فكلهم أفناهم الدهر ولم تبق منهم إلا الأسماء والسير. وتكثر الابتهالات إلى الله والاستغاثات والتوسلات على ألسنة الزهاد، ويتسع ذلك فى العهد العثمانى ويتسع معه وضع الأذكار والأوراد، ومن أطول الاستغاثات استغاثه (١) محمد بن حواء المستغانمى بربه، وسميت الغوثية الكبرى فى الكرب والشدائد إذ تقع فى أربعمائة بيت، بدأها بالحمد لله والصلاة على رسوله روح الوجود ومطلع الأنوار وقدوة الأقطاب ويخرج إلى دعاء ربه والاستغاثة به إلى أن قال (٢): يا سامع الدّعاء يا قدير ... يا من إليه ترجع الأمور يا مالك الملوك يا جبّار ... انصر ذليلا ماله أنصار

стр. 4802

ولعبد الكريم الفكون، صاحب رسالة فى التصوف ونقد رجاله وما صار إليه، قصيدة يتوسل فيها إلى ربه جعل مطلعها (٣ - ): بأسمائك اللهم أبدى توسلا ... فحقّق رجائى يا إلهى تفضّلا وكثر التوسل فى هذا العهد بين الفقهاء والشعراء جميعا، وللمفتى المالكى محمد بن الشاهد صاحب القصائد المولدية: توسل مطلعه (١): بأسمائك الحسنى فتحت توسلى ... ومنك رجوت العفو أسمى مطالبى (ب) شعراء التصوف نزل الجزائر أئمة التصوف الأندلسيون منذ القرن السادس الهجرى يتقدمهم أبو مدين شعيب (٢) المتوفى سنة ٥٩٤ هـ/١١٩٧ م ويقال إنه من تلامذة الشيخ ابن حرزهم بفاس المتوفى سنة ٥٥٩ ولبس الخرقة على يد الشيخ أبى عبد الله الدقاق وسلك طريقته على يد أبى يعزى المتوفى سنة ٥٧٢ واستوطن بجاية وانتشرت بها طريقته الصوفية، وأرسل فى طلبه سلطان الموحدين المنصور يعقوب فمضى إليه عن طريق تلمسان وتوفى بها وقبره بالعباد فى جوارها، ومن قوله: «بى قل، وعلىّ دلّ، فأنا الكل» وهى عبارة قد تفيد أنه كان يؤمن بالاتحاد بالله، وربما كانت شطحة من شطحاته وكان تصوفه فلسفيا. وممن نزل تلمسان فى القرن السادس أبو عبد الله (٣) الشوذى الإشييلى من كبار العبّاد العارفين، ويروى تلميذه ابن دهاق المتوفى سنة ٦١١ أنه رآه بتلمسان فى يده طبق به حلوى يبيعها للصبيان الصغار وهم ينقرون له ويدور ويشطح، وكان يمزج التصوف بالفلسفة ويقول بوحدة الوجود (٤). ومن هؤلاء الأئمة النازلين بالجزائر محيى (٥) الدين بن عربى المولود سنة ٥٦٠ والناشئ فى إشبيلية، وعلى متصوفيها تلقن التصوف وفى سنة ٥٩٠ بارحها متجولا فى الأرض ونزل بجاية ولزم أبا مدين الصوفى فترة ثم اتجه إلى المشرق. وممن نزل بجاية ابن (٦) سبعين عبد الحق وأبو (٧) الحسن الششترى، ويروى أنهما التقيا وأراد الششترى أن يتركه إلى أصحاب أبى مدين فقال له: إن كنت تريد الجنة فسر إليهم، وإن كنت تريد ربّ الجنة فهلمّ إلىّ. وكأنه لم يبق فى القرنين السادس

стр. 4803

والسابع إمام من أئمة التصوف الأندلسيين المتفلسفين إلا نزل الجزائر والبلاد المغربية واستمعوا أشعاره. وهو ما جعل كثيرين من الجزائريين منذ القرن السابع الهجرى ينظمون أشعارا صوفية أو تنزع نحو التصوف كثيرا، وكانوا هم أنفسهم يشعرون بهذه الصلة إذ يترجم الغبرينى فى عنوان الدراية لكل من ذكرتهم من أئمة التصوف الأندلسيين ما عدا الشوذى نزيل تلمسان وقد كتب عنه يحيى بن خلدون فى تعداد من أنجبته تلمسان أو استقر بها من العلماء والصالحين. وطبيعى أن يكون أكثر المتأثرين بهؤلاء الأئمة من أهل بجاية التى نزل بها أبو مدين فى القرن السادس ونزلتها بعده كثرة من هؤلاء الأئمة. ونبدأ بعلى بن أحمد الحرالى المتوفى سنة ٦٣٨ هـ/١٢٤١ م وفيه يقول الغيرينى: «العالم المطلق الزاهد الورع، ممن جمع العلم والعمل، أما علمه فإنه قد جمع فنون العلم بجملتها، واستولى على كليتها: أما علم الأصول فأصول الدين وأصول الفقه وأما معقولات الحكماء فهو أعلم الناس بالمنطق، وله فيه تصنيف سماه بالمعقولات الأول، وأما علم الطبيعيات والإلهيات فكان أعلم الناس بها، وكنا نقرأ عليه كتاب النجاة لابن سينا فيقرّره، ثم يوهنه، وله تفسير على كتاب الله تعالى، تكلم عليه لفظة لفظة وحرفا حرفا. وله فى التحقيق أو التصوف (١): ما لنا منا سوى الحال العدم ... ولبارينا وجود وقدم (٢) نحن بنيان بنته حكمة ... وخليق بالبنا أن ينهدم أشرقت أنفسنا من نوره ... فوجود الكل عن فيض الكرم فترقّ النفس عن عالمها ... باختباء ليس تدنيه الهمم ليس يدرى من أنا إلا أنا ... ها هنا الفهم عن العقل انبهم كلما رمت بذاتى وصلة ... صار لى العقل مع العلم جلم (٣) يقطعانى بخيالات الفنا ... عن وجود لم يقيد بعدم وهو يقول ما لنا إلا العدم منه جئنا وإليه نمضى، ولبارينا وجود أزلى وقدم سرمدى، وهل نحن إلا بنيان، بنته حكمة عليا، وكل بنيان مصيره أن ينهدم، وها هى أنفسنا قد أشرقت من نور رب العزة، وهل وجودنا إلا بفيض كرمه، وإن النفس لترقى يوما عن عالمها الأرضى باختباء ما بعده اختباء، وليس أحد سواى يدرى حقيقتى حتى ليغمض الفهم وتحار العقول، وكلما رمت وصلة بذاتى تصلنى بربى وقف العقل مع العلم فى طريقى يمزقانى بخيالات الفناء دون وجودى المأمول مع ربى الذى لم يقيد بفناء ولا بعدم. وكان يعاصره أبو العيش الخزرجى محمد بن أبى زيد المتصوف التلمسانى وسنخصه بترجمة. ومن تلامذة الحرالى أبو زكريا

стр. 4804

يحيى بن زكريا المتوفى سنة ٦٧٧ هـ/١٢٧٨ م وما زال به الحرالى حتى ظهر له بعض التحقيق، واعتمد-كما يقول الغبرينى-جادة الطريق، وأنشده أبو زكريا-فى معنى ما ظهر له وبيّن له الحاق فيما لم يظهر له-هذه الأبيات (١): جلت لك ليلى من مثنىّ نقابها ... طريقا وأبدت لمعة من جمالها (٢) فطيت بها عيشا وتهت لذاذة ... وفيّأك الإلماع برد ظلالها (٣) فكيف ترى ليلى إذا هى أسفرت ... ضحاء وأبدت وارفا من دلالها وكيف بها إن لم يغب عنك شخصها ... ولم تخل وقتا من منال وصالها وكيف يكون الأمر إن أنت كنتها ... وكانتك تحقيقا فحلت لحالها وهو يكنى عن الذات الإلهية باسم ليلى، ويقول إنها كشفت قليلا من مثنى نقابها وأبدت لمعة من جمالها فطاب بها عيشا وتاه لذة وكأنما أظله الإلماع بجمالها برد ظلالها فكيف إذا أسفرت ضحى وأبدت ناضرا من دلالها ولم يغب عنا شخصها ومنال وصالها، واتحدت بها وأصبحت كأننى هى وتبدلت حالى. ويدون ريب تصوف أستاذه الحرالى أروع من تصوفه، إذ تغيب فيه المادة والحس، ولا تصبح الذات العلية ليلى ولا غير ليلى ممن يهيم بهن الشعراء ويتخذهن بعض المتصوفة رمزا للذات الربانية. وكان يعاصر يحيى بن زكريا فى بجاية عبد الحق بن ربيع العالم المحقق الصوفى المجتهد المتوفى سنة ٦٧٥ هـ/١٢٨٥ م وكان فقيها وعالما بأصول الدين وأصول الفقه والمنطق، وله قصيدة صوفية طويلة أعجب بها أستاذه الحرالى وانتقى منها طائفة من أبياتها من مثل قوله (٤): سفرت على وجه الجميل فأسفرا ... وبدا هلال الحسن منها مقمرا ودنت فكاشفت القلوب بسرّها ... وسقت شراب الأنس منها كوثرا ورأيتها فى كلّ شئ أبصرت ... عيناى حتى عدت كلىّ مبصرا وسمعت نطق الناطقين فكلّهم ... بالحمد والتّسبيح عنها أخبرا وبها فنيت عن الفناء وغصت فى ... ماء الحياة مسرمدا ومدهرا إفصاح قولى لا يفى بمواجدى ... وبيانه لا يستقلّ بما جرى لو كان سرّ الله يكشف لم يكن ... سرّا ولكن لم يكن ليذكرا وهو يقول إن الذات العلية سفرت وأشرقت فأشرقت الدنيا وبدا هلال الحسن منها كأنه البدر فى تمه واكتماله، ودنت فعرفت القلوب سرها وسقتها كوثرا من شراب الأنس. وأحسّ كأنه يراها فى كل شئ من حوله (فكرة الحلول التى يرددها بعض متفلسفة الصوفية) وكأن

стр. 4805

كل شئ فيه أصبح مبصرا، وسمع حمد كل ما فى الكون لربه وتسبيحه، ويقول إنه فنى عن الفناء، وهو بذلك يردد فكرة الفناء فى الذات الإلهية التى يرددها بعض متفلسفة المتصوفة. ويصرّح بأن إفصاحه لا يفى بمواجده وكذلك بيانه، ويقول إن سر الله فى الوجود لا يكشف، ولو كشف لم يكن سرا غير أنه لا يكشف ولا يذكر. وعبد الحق بن ربيع بذلك كله أقرب إلى روح أستاذه الحرالى وتصوفه من زميله يحيى بن زكريا. ويقرب من روح الحرالى أيضا تصوف إبراهيم بن أحمد بن الخطيب، ومن نظمه قوله (١): روض المعارف حضرة العرفاء ... وجنا التفكر جنّة العقلاء ونعيم أهل الحق درك حقائق ... لاحت بأفق القلب حال صفاء فاقرأ سطور الكون فى منشورها ... بعيان عين أو بفرط ذكاء وانظر إلى الأكوان كيف تمايلت ... طربا لسرّ لاح عند خفاء وأفاض عن بحر الجمال أهلّة ... بهرت محاسنهنّ بدر سماء وتذكّرت نجدا فهاج لذكره ... وجد ونادى الشوق بالبرحاء (٢) ورأت به كلّ العوالم أحكمت ... فتزيّنت وتوشّحت بضياء وهو يقول إن حضرة المعلمين روض المعارف وجنا الفكر جنة العقلاء، أما أهل الحق من المتصوفة فنعيمهم إدراك الحقائق التى تلوح بالقلب فى حال الصفاء. وتأمل فى الكون، بل تأمل فى الأكوان وما تحمل من سر بل أسرار لرب الكون وما أفاض عن بحر جماله من أهلة تترى بهرت بدر السماء، وتذكرت نفسه نجدا فهاج به وجد ملتاع وشوق مضطرم ورأت كل العوالم أحكمت وتزينت بلمعة من ضياء الله ونوره. وإذا تركنا بجاية ومتصوفتها إلى تلمسان وجدنا المتصوفة بها فى القرن السابع قليلين بالقياس إلى بجاية، ومن متصوفتها أبو عبد (٣) الله بن الحجام محمد بن أحمد بن محمد اللخمى واعظ أهل زمانه، حسن صوت وغزارة حفظ من سمعة واحدة لكل ما يطرق أذنه، استقدمه المنصور الموحدى يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن إلى مراكش فاستوطنها وحظى عند المنصور والناصر والمستنصر، وكان يتصدق براتبه، ويجهّز منه ضعيفات البنات، وله فى الوعظ كتاب أسماه حجة الحافظين ومحجة الواعظين، توفى سنة ٦١٤ هـ/١٢١٨ م، ومما يؤثر من نظمه فى التصوف قوله: غريب الوصف ذو علم غريب ... عليل القلب من حبّ الحبيب إذا ما الليل أظلم قام يبكى ... ويشكو ما يكنّ من الوجيب (٤) يقطّع ليله فكرا وذكرا ... وينطق فيه بالعجب العجيب

стр. 4806

به من حبّ سيده غرام ... يجلّ عن التطبّب والطبيب ومن يك هكذا عبدا محبّا ... تطيب ثيابه من غير طيب وهو يصف نفسه بغرابة الوصف والعلم واعتلال القلب من حب الحبيب، ويقول إنه يتهجد ليلا وهو يبكى ويشكو ما يكن من خفقان قلبه، وما يزال يقطع ليله فكرا وذكرا لربه مسبحا مستغفرا وبه من حبه غرام يعزّ على التطبب والطبيب، ومن يكن مثله عبدا محبا لائذا بربه تطيب ثيابه من غير أن يمسه طيب. ونلتقى بعد ابن الحجام فى تلمسان بالنصف الأول من القرن السابع الهجرى بابن أبى العيش وسنترجم له. وتضن علينا كتب التراجم بشعر صوفى فى القرن الثامن حتى إذا كنا فى القرن التاسع الهجرى التقينا بصوفى كبير هو إبراهيم التازى نزيل وهران وسنترجم له، وينظم عبد الرحمن الأخضرى قصيدة فى التصوف وآدابه يسميها القدسية. ونمضى إلى العهد العثمانى فتكثر المنظومات فى الطرق الصوفية المشهورة وأصحابها وتكثر معها الشروح ونمثل لذلك بسينية ابن باديس فى طريقة عبد القادر الجيلانى البغدادى المتوفى سنة ٥٦١ هـ/١١٦٦ م ومطلعها (١): ألا سر إلى بغداد فهى منى النّفس ... وحدّث بها عمن ثوى باطن الرّمس وشرحها أحمد بن محمد الحاج البجائى التلمسانى قاضى بجاية وسمى شرحه: «أنس الجليس فى جلو الحناديس عن سينية ابن باديس». وشرحت أيضا المنظومات فى التصوف وأحواله وفى مقدمتها منظومة «القدسية» لعبد الرحمن الأخضرى، شرحها الورتلانى وسمى شرحه: «الكواكب العرفانية والشوارق الإنسية فى شرح ألفاظ القدسية». ويتكاثر فى العصر التصوف الشعبى والدراويش وتدخل عليه شعوذات هو منها براء. ونقف للترجمة لابن أبى العيش وإبراهيم التازى. أبو العيش (٢) بن عبد الرحيم الخزرجى هو محمد بن أبى زيد عبد الرحيم (وفى بعض الروايات عبد الرحمن وفى بعضها عبد الحق) بن محمد بن أبى العيش التلمسانى إشبيلى الأصل وكان فقيها جليلا، روى ببلده تلمسان عن أبى بكر محمد بن يوسف بن مفرج بن سعادة المتوفى سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٤ م وعن أبى عبد الله بن عبد الرحمن التجيبى المتوفى سنة ٦١٠ هـ/١٢١٤ م وعن أبى محمد بن حوط الله

стр. 4807

المتوفى سنة ٦١٢ هـ/١٢١٦ م وعن أبى عبد الله بن عبد الحق المتوفى سنة ٦٢٥ هـ/١٢٢٨ م وكان عالما وأديبا بارع الكتابة وشاعرا جيد الشعر، صنّف كتبا فى أصول الفقه وعقائد أصولية فى الدين، وفسر القرآن الكريم وشرح الأسماء الحسنى، وله فى التصوف نظم كثير وكذلك فى الزهد وسبل الخير والوعظ وتنزيه البارى جلّ شأنه. ولم تنص كتب التراجم على تاريخ وفاته ولكن كثرة أساتذته الذين عاشوا بين سنتى ٦٠٠ و ٦١٢ يدلّون بحياتهم على أنه عاش فى القرنين السادس والسابع للهجرة. ومن قوله فى التصوف: الله قل ودع الوجود وما حوى ... إن كنت مرتادا بلوغ كمال فالكلّ دون الله إن حقّقته ... عدم على التفصيل والإجمال والعارفون فنوا ولمّا يشهدوا ... شيئا سوى المتكبّر المتعالى ورأوا سواه على الحقيقة هالكا ... فى الحال والماضى والاستقبال من لا وجود لذاته من ذاته ... فوجوده لولاه عين محال فالمح بطرفك أو بعقلك هل ترى ... شيئا سوى فعل من الأفعال وانظر إلى أعلى الوجود وسفله ... نظرا تؤيّده بالاستدلال تجد الجميع يشير نحو جلاله ... بلسان حال أو لسان مقال وجب الوجود لذاته وصفاته ... فردا عن الأكفاء والأمثال يبقى وكلّ يضمحلّ وجوده ... ما واجب كمقيّد بزوال والأبيات من أول بيت إلى آخر بيت تقول ليس فى الوجود سوى الله فتعلّق به ودع ما سواه، فالكل-كما يقول فى البيت الثانى-عدم، والعارفون من المتصوفة فنوا فى ربهم، ولم يشهدوا فى الوجود سواه، ويقول إن من لا وجود لذاته من ذاته كربّ العزة فوجوده لولاه ضرب من المحال، وانظر بعينك أو بعقلك هل ترى إلا فعلا من أفعاله: أعلى الوجود وسفله، والجميع يشير نحو جلاله بلسان مقال معترف أو بلسان حال شبه معترف بأنه واجب الوجود لذاته وصفاته الإلهية، متفردا بذلك عن الأشباه والأمثال، فليس كمثله شئ فى الوجود، إذ يبقى وحده ويفنى الكل، فهو وحده واجب الوجود وكل ما عليها فان. ويستمر منشدا: هو ممسك الأشياء من علو إلى ... سفل ومبدعها بغير مثال فاسكن إليه بهمّة علويّة ... متنزّها عما سوى الفعّال وهو الذى يرجى ويخشى لا تلذ ... بسواه فى حال من الأحوال فالشّرع جاء بذا وأنوار الهدى ... قد أيّدته فعش خلىّ البال

стр. 4808

وابن أبى العيش يقول إن الله هو الذى يمسك السموات وغير السموات أن تزول وهو الذى يبدعها على غير مثال مرسوم، فاطمئن إليه بهمة روحية فإنه الفعّال لما يريد، وهو موضع الخوف والرجاء فلا تلذ بسواه. جاء بذلك الشرع والحديث النبوى، وتمسّك بذلك تعش رضىّ النفس خلىّ البال. وله أبيات يصور فيها اعتزاله الخلق وانقطاعه إلى الحق رب الخلق يقول: قنعت بما رزقت فلست أسعى ... لدار أبى فلان أو فلان وآثرت المقام بكسر بيتى ... ولا أحد أراه أو يرانى ولا ألقى خليلا غير صبر ... معين فى المعارف أو معانى وقد أيقنت أن الرّزق آت ... وإن لم آته سعيا أتانى وقد حققته فهما وعلما ... وقد شاهدته رأى العيان فلازم ذا بإخلاص تمكّن ... هنا وهناك من أسنى مكان والقطعة مع ما تصور من الانقطاع إلى عبادة الله تصور مبدأ التوكل المعروف عند المتصوفة بحيث لا يفكرون فى رزق الغد وأن ما سيرزقون به آت لا ريب فيه، وهو يقول إننى قانع برزقى، ولست أحاول أن أتسول من فلان أو أبى فلان، إذ تكفينى كسرة بيتى ولا أحد يرانى متذللا لأحد، ولا أبحث عن خليل يعيننى، غير صبر أستعين به فى دراسة المعارف أو بعض المعانى، وقد أيقنت أن رزقى آت سعيت إليه أو لم أسع، عرفت ذلك وتحققت منه فهما وعلما وخبرة. واعمل بذلك تحظ بأرفع مكان. إبراهيم (١) التازى هو إبراهيم بن محمد بن على التازى حفظ القرآن وأكبّ على دراسة العلوم، وحج وحضر دروس الشيوخ فى مكة والمدينة وتونس وتلمسان، وبدت فيه ميول قوية للتصوف ولبس الخرقة من الشيخ صالح الزواوى بسنده إلى أبى مدين، واشتهر بالتازى لولادته فى بربر تازا بالمغرب الأقصى، وانتهى به المطاف إلى وهران ولقيه شيخها الصالح محمد بن عمر الهوارى لقاء حسنا، وعنه ورث زاويته وطلابها بعد وفاته، واشتهر ذكره، وممن تتلمذ له الإمام السنوسى، ويقال إنه هو الذى ألبسه الخرقة الصوفية. ويقول القلصادى إنه أقام معه فى زاويته، ووجده معتنيا بكلام شيخه الهوارى، وكان يقول: العالم لا تعاديه-والجاهل لا تصافيه-والأحمق لا تواخيه. وتوفى إبراهيم التازى سنة ٨٦٦ هـ/١٤٦١ م ذكر ذلك

стр. 4809

غير واحد ممن ترجموا له. وشعره الصوفى والنبوى كثير ويموج الأول بالدعوة إلى المحبة الربانية من مثل قوله: أبعد الأربعين تروم هزلا ... وهل بعد العشيّة من عرار فخلّ حظوظ نفسك واله عنها ... وعن ذكر المنازل والديار فما الدّنيا وزخرفها بشئ ... وما أيّامها إلا عوارى فتب واخلع عذارك فى هوى من ... له دار النعيم ودار نار (١) جمال الله أكمل كلّ حسن ... فلله الكمال ولا ممارى وذكر الله مرهم كلّ جرح ... وأنقع من زلال للأوار (٢) ولا موجود إلا الله حقّا ... فدع عنك التعلق بالشّنار (٣) وهو يقول لصاحبه أتروم هزلا بعد سن الأربعين، والشطر الثانى شطر بيت للصّمّة القشيرى، والعرار نرجس برى، يقول الصمة لصاحبه والإبل تسرع بهم إنه لن يتمتع بعد العشية بعرار فقد فات وقته، كما فات وقت الهزل بعد الأربعين كما يقول التازى، ويقول دع ما أنت فيه من غزل وتعلق بجمال المرأة، فالدنيا ليست باقية، وتعلق بمن لديه دار النعيم ودار الجحيم، فجماله أعظم وأكمل من كل جمال، وإن ذكره لشفاء لكل جرح، وزلال بارد لكل عطش متقد، إنه لا موجود سواه، فدع عنك التعلق بما تعاب به، ويعد قبيحا منك أى قبح. وله: حسامى ومنهاجى القويم وشرعتى ... ومنجاى فى الدّارين من كل فتنة محبّة ربّ العالمين وذكره ... على كلّ أحيانى بقلبى ومهجتى وأفضل أعمال الفتى ذكر ربّه ... فكن ذاكرا يذكرك بارى البريّة وما من حسام للمريدين غيره ... وكم حسموا ظهرا لزار وباهت (٤) وكم بدّدوا شملا لذى جرأة وكم ... أبادوا عدوّا مسّهم بمضرّة وكم دافع الله الكريم بذكرهم ... عن الخلق من مكروهة ومبيرة (٥) وأفضل ذكر دعوة الحىّ فلتكن ... بها لهجا فى كل وقت وحالة فكثرة ذكر الشئ آية حبّه ... وحسب الفتى تشريفه بالمحبّة هو يقول إن شجاعتى ومنهاجى القويم فى الحياة وشريعتى ومنجاى فى الدارين من كل

стр. 4810

فتنة كل ذلك فى محبة رب العالمين وإنّي لأذكره فى كل حين بقلبى ومهجتى، وهل فى الدنيا عمل أفضل من ذكر الإنسان لربه، فاذكره دائما، اذكر خالق الخلق ومنشئهم، وهل للمريدين تلامذة المتصوفة حسام سواه، وكم قضوا على زار هازئ وباهت متعجب وكم بدّدوا جمعا جريئا وكم أبادوا عدوا لهم حاول أن يؤذيهم، وكم دفع الله الكريم بذكرهم له عن الخلق من مهالك. وإن أفضل ذكر دعوة الله فكرّرها فى كل وقت وإن كثرة ذكر الشئ لأكبر دليل على حبه، وإن محبة الله لشرف للإنسان أى شرف. وله قصيدة صوفية ذاعت وشاعت فى الجزائر باسم المرادية، وتسمى أيضا باللامية، استهلها بقوله: مرادى من المولى وغاية آمالى ... دوام الرّضا والعفو عن سوء حالى وإسقاط تدبيرى وحولى وقوّتى ... وصدقى فى الأحوال والفعل والقال والتازى يقول إنه يطلب من ربه دوام الرضا والعفو، وإنه ليأمل منه أن يسقط عنه التدبير شأن الصوفية العظام فلا يفكر فى شأن من أمور معاشه وحياته، ولا حول ولا قوة حتى ولا صدق له فى حال ولا فى فعل أو قول. وقد شرحها محمد الصباغ القلعى فى القرن العاشر الهجرى بشرح سماه: «شفاء الغليل والفؤاد فى شرح النظم الشهير بالمراد» سماها المراد استكمالا للسجعة ولابن مريم عليها شرح كما ذكر فى ترجمته له. ومنها فى وصف المريد تلميذ الشيخ الصوفى وتابعه: وغنم مريد فى انقياد لكامل ... له خبرة بالوقت والعلم والحال هو السرّ والإكسير والكيميا لمن ... أراد وصولا أو بغى نيل آمال وقد عدم الناس الشيوخ بقطرنا ... وآخرهم شيخى وموضع اجلالى وقد قال لى: لم يبق شيخ بغربنا ... وذا منذ أعوام خلون وأحوال (١) يشير إلى أهل الكمال كمثله ... عليه من الله الرّضا ما تلا تالى وهو يجعل المريد كأنه آلة مسخرة فى يد شيخه الخبير بزمنه وبالعلم وبأحوال التصوف، إذ ينقاد له بكليته ولا يخرج بأى صورة عن إرادته. ويعظّم الشيخ الصوفى إذ يجعله السر الإلهى والإكسير والكيمياء اللذين يحولان المعدن ذهبا، وبيده الأصول ومفتاح كل الآمال. وكنا نؤثر أن يترفع الشيخ التازى عن مثل هذه الدعاوى فى شيوخ الصوفية، التى جعلت الناس يبالغون فيهم ويقولون بالقطب وما إلى القطب من الأبدال، بل لقد أعدّ ذلك لظهور دجاجلة المتصوفة ومن يرتزقون باسم صوفى سنى كبير. والتازى يستمر فيقول إن الناس عدموا

стр. 4811

فى الجزائر شيوخ المتصوفة الحقيقيين. وآخرهم كان شيخه محمد بن عمر الهوارى الذى كان يقول له ذلك قاصدا به أهل الكمال من الصوفية أو الصوفية الحقيقيين. ٥ - شعراء المدائح النبوية يأخذ شعراء المدائح النبوية فى الكثرة بالجزائر والبلاد المغربية منذ القرن السابع الهجرى، وخاصة منذ النصف الثانى منه، وفى مقدمتهم محمد بن الحسن بن ميمون القلعى البجائى الذى أنشدنا له مقطوعة طريفة فى التصوف وكان يكثر من النظم فيه وفى المديح النبوى مثل قوله (١): أمن أجل أن باتوا فؤادك مغرم ... وقلبك خفّاق ودمعك يسجم (٢) وما ذاك إلا أنّ جسمك منجد ... وقلبك مع من سار فى الركب متهم (٣) وما ضرّهم لو ودّعوا يوم أودعوا ... فؤادى بتذكار الصبّابة يضرم وإنّي لأدعو الله دعوة مذنب ... عسى انظر البيت العتيق وألثم فيا طول شوقى للنبىّ وصحبه ... ويا شدّ ما يلقى الفؤاد ويكتم إليك رسول الله أرفع حاجتى ... فأنت شفيع الخلق والخلق هيّم (٤) وقد أثقلت ظهرى ذنوب عظيمة ... ولكنّ عفو الله أعلى وأعظم وهو لا يخفى صبابته بأصحابه الذين فارقه موكبهم العظيم إلى الحج وزيارة الأراضى المقدسة وقلبه يخفق ودمعه يسجم، فقد أنجد جسمه وفارق قلبه متهما مع من يرودون تهامة إلى مكة والمدينة، ويقول ما ضر رفاقى الذين ستكتحل عيونهم بنور هذه البقاع الطاهرة لو ودعونى يوم رحيلهم حين أودعوا فى فؤادى نار الصبابة مضطرمة ملتهبة، وإنّي لأدعو الله دعوة خاشع بل دعوة مذنب أن يتاح لنظرى أن يكتحل بنور البيت العتيق وأقبّل الحجر الأسود كما قبله الرسول الكريم، وما أشد شوقى للرسول وصحبه، وما أشد ما يلقى فؤادى وأكظم. وإنّي يا رسول الله أتمنى عليك أن تشفع لى كما تشفع لجميع الخلق يوم القيامة، وهم جميعا عطاش عطشا شديدا والحر من الزحام آخذ بخناقهم، وقد أثقلت ظهرى ذنوبى، ولكن أملى فى عفو الله أكبر وأعظم. وكان عبد المنعم الغسانى فقيه مدينة الجزائر وأديبها وشاعرها فصاحة لسان وإحكام بيان وتولى القضاء فى بجاية مدة طويلة، وتوفى فى عشر الثمانين وستمائة، ومن نبوياته قوله (٥):

стр. 4812

لكل نبىّ دعوة مستجابة ... وسيّدهم طرّا خباها لأمّته إلى يوم لا يغنى عن المرء منطق ... فصيح ولا يدلى البليغ بحجته ويوم يفرّ المرء من ولد له ... حبيب ولا يجزى أب بأبوّته وكل نبىّ يسأل الله نفسه ... ويضرب صفحا عن سؤال لأمّته (١) خلا شافع فينا كريم مشفّع ... به يشمل الله العباد برحمته فيا ربّه بلّغ عبيدك قبره ... ليحظى بتقبيل لطاهر تربته وجازه عنا بالذى أنت أهله ... أعزّ الورى أنت الكفيل بمنّته وهو يقول إن لكل نبى دعوة مستجابة، وسيد الأنبياء جميعا محمد ﷺ خبأ دعوته إلى يوم القيامة الموصوف فى سورة عبس بقوله جل شأنه: إنه يوم الصاخة التى تصخ الآذان وتصمها، فلا يستطيع أحد نطقا ولا كلاما ﴿(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)﴾ وحتى الأنبياء يشغلون بأنفسهم عن أممهم إلا سيد الخلق جميعا رسول الأمة الإسلامية فيدعو الله متشفعا لأفرادها فى هذا اليوم يوم المحشر الرهيب، ويقبل الله شفاعته، ويشمل بها العباد برحمته. ويتوسل الشاعر إلى ربه أن يبلغه المدينة ليحظى بتقبيل قبره الطاهر، ويسأله أن يجزيه عن أمته بما هو أهله، إنه خير الورى وهو الكفيل بإعطائه ما يتكافأ مع حقه وجزائه. ونلتقى بإبراهيم (٢) بن أبى بكر التلمسانى المتوفى سنة ٦٩٧ هـ/١٢٩٨ م والذى افتتح به أبو القاسم الحفناوى كتابه: «تعريف الخلف» وله أمداح نبوية منها-كما ذكر من ترجموا له-المعشرات على أوزان العرب، وكانت كل قافية تشتمل على عشرة أدوار، وله مدحة فى المولد النبوى، ولم يذكر من ترجموا له شيئا من شعره فى مدح الرسول ﷺ . ويلقانا بأخرة من القرن السابع ومطالع القرن الثامن محمد بن عبد الله بن محمد العطار وسنخصه بترجمة. وكان المشرق قد استنّ الاحتفال بالمولد النبوى فى ليلة الثانى عشر من ربيع الأول فى القرن الحادى عشر الميلادى بمصر أيام الفاطميين بطريقة رسمية، وأول احتفال به بطريقة جماهيرية شعبية كان فى إربل لأوائل القرن الثانى عشر الميلادى إذ احتشد له الحاكم الأيوبى والعلماء والشعراء والمتصوفة من مختلف البلاد العراقية وذبحت فيه ذبائح كثيرة وطاف الناس ليلا فى مواكب بمشاعل متوهجة وشاع ذلك فى البلدان. ونقله أبو العباس (٣) العزفى الشريف إلى سبتة مدينته، وعنها شاع فى تلمسان وغيرها من البلاد المغربية. وكان الذى أشاعه فى

стр. 4813

تلمسان والجزائر وجعله تقليدا للدولة الزيانية أبا حمو موسى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ). يقول أبو عبد الله التنسى فى كتابيه (١): «راح الأرواح فيما قاله أبو حمو من الشعر وقيل فيه من الأمداح» ونظم الدر والعقيان فى بيان شرف بنى زيان: إن أبا حمو موسى كان يقيم ليلة مولد المصطفى ﷺ ويدعو لها فى احتفال كبير يحشد فيه الناس خاصة وعامة، وما شئت من نمارق (وسائد) مصفوفة ومجالس مبثوثة وبسط موشّاة، ووسائد بالذهب مغشّاة، وشمع كالأسطوانات وموائد كالهالات، وتفاض على الجميع أنواع الأطعمة، رتّب فيها الناس على مراتبهم، تطوف عليهم ولدان لبسوا أقبية الخزّ الملون، بأيديهم مباخر ومرشات، ينال كل منها بحظه. وبعقب ذلك يبدأ المنشدون بأمداح المصطفى ﷺ ، وبمكفّرات ترغّب فى الإقلاع عن الآثام، يخرجون فى كل ذلك من فن إلى فن ومن أسلوب إلى أسلوب، ويأتون من ذلك بما تطرب له النفوس وترتاح إلى سماعه القلوب. وبالقرب من السلطان خزانة المنجانة «الساعة الدقاقة» الموصوفة فى الحديث عن الرفه بفصل المجتمع، وقد زخرفت، ولها أبواب مغلقة على عدد ساعات الليل الزمانية، وكلما مضت ساعة وقع النقر بقدر حسابها، ويفتح عند ذلك باب من أبوابها، وتبرز منه جارية بديعة وبيدها اليمنى رقعة تشتمل على نظم فيه تلك الساعة، ونسوق ما تقوله بعد انقضاء ثلاث ساعات من الليل، وجميع ما تقوله مديح فى أبى حمو (٢): أمولاى يا بن الملوك الألى ... لهم فى المعالى سنىّ الرّتب تولّت ثلاث من الليل أبقت ... لك الفخر فى عجمها والعرب فدم حجّة الله فى أرضه ... تنال الذى شئته من أرب ولا يزالون فى هذا الحفل النبوى إلى انبلاج عمود الفجر ونداء المؤذن حىّ على الفلاح يبشّر بصلاة الصباح. وكانت كل ليلة فى المولد النبوى لكل عام تبدأ بمدحة نبوية، وتسمى المدحة فى مولده ﷺ مولدية نسبة إلى أنها نظمت فى مولده، ومن قول أبى حمو فى إحدى مولدياته (٣): حياتى وموتى فى هواكم وإننى ... أعلّل نفسى فيكم بالأمانىّ فيا أهل نجد أنجدونى على الهوى ... فإنّى فى بحر من الشّوق لجّىّ (٤) مقيم بأقصى الغرب أشكو به الجوى ... وحالى على حكم النّوى غير مخفىّ

стр. 4814

تناسيتم عهدى وحفظ مودّتى ... وحبّكم فى القلب ليس بمنسى وما أرتجى إلا شفاعة خير من ... أتى بالهدى يهدى بدين حنيفى (١) به يرتجى العاصون غفران ذنبهم ... وما عملوا فى الدّهر من عمل سىّ (٢) بمولده قد أشرق الكون كلّه ... وكلّ سنا شمس وبدر ودرّىّ فحياة «أبو حمو» وموته فى هوى الرسول ﷺ ، وإن نفسه لتمتلئ إزاءه بما لا يحصى من الآمال، ويستغيث بأهل نجد أن ينجدوه على الهوى فإنه غارق من الشوق فى بحر لجى كثير اللجج لا أول له ولا آخر، مقيم بأقصى الغرب فى تلمسان يشكو الوجد، وحاله من البعد غير خاف. وتنتابه لحظة شك، فيقول: تناسيتم عهدى ومودتى ونار حبكم فى قلبى لا تخمد ولا تنطفئ، وإن كلى رجاء أن يشفع لى خير مشفع أتى بالهدى وبدين حنيفى مستقيم لا عوج فيه، وإن العاصين ليقفون ببابه آملين فى شفاعته وأن يغفر لهم ربهم ما اقترفوا من آثام أو أعمال بالغة السوء، وإنه لنور الوجود فمنه أشرق الكون كله، ومنه ضوء كل شمس وبدر وكوكب درىّ. وللثغرى مولدية فى نفس السنة التى قال فيها أبو حمو مولديته السالفة وفيها يقول (٣): شمس الرسالة والنبوة والهدى ... بدر الجلالة نورها المتجسّم هو رحمة الله التى يهمى بها ... فى الخلق بالحق المبين ويحكم (٤) يا من له قبل الولاد وبعده ... آيات إرشاد لمن يتوسّم (٥) أسريت للسبع الطّباق فأقبلت ... أملاكها طرّا عليك تسلّم وتبرّكت بصلاتك الأرسال إذ ... صلّت وأنت إمامها المتقدم رفعت لك الحجب العظيمة فاعتلى ... بك للعلى ذاك المقام الأعظم حتى سمعت صرير أقلام بما ... فى اللوح محفوظا تخطّ وترسم تلك المراتب لم يكن لينالها ... إلا النبىّ الهاشمىّ الأكرم والثغرى يقول إن الرسول شمس الرسالة الساطعة وبدر الجلالة المنير ونورها الدرىّ المتجسّد، إنه رحمة الله التى لا تزال تنصبّ فى الخلق بالحق وتحكم، يا أيها الرسول العظيم الذى سبقته وجاءت معه آيات ومعجزات لمن يتوسم الخير ويأمله. وهل معجزة أعظم من معجزة المعراج واختراق السموات السبع والملائكة حافون به يسلمون عليه، وهبط إلى بيت المقدس فأمّ به الرسل، إنه إمامهم المقدم الأعظم، ورفعت له الحجب حتى سمع صرير الأقلام وهى تكتب فى اللوح المحفوظ ما خطّ للناس ورسم لهم. وتلك المراتب العليا لم يكن ليظفر

стр. 4815

بها أحد إلا النبى العربى الهاشمى العظيم. ويذكر لنا يحيى بن خلدون فى الجزء الثانى من كتابه بغية الرواد مولدية له ألقاها بين يدى أبى حمو موسى سنة ٧٧٨ وفيها يقول مادحا الرسول الكريم: سيّد العالمين دنيا وأخرى ... أشرف الخلق فى العلا والسماح صفوة الخلق أرفع الرّسل قدرا ... وسراج الهدى وشمس الفلاح من رقى فى السّماء سبعا طباقا ... ورأى آى ربّه فى اتضاح (١) ودنا منه قاب قوسين قربا ... ظافرا فى العلا بكل اقتراح من يجير الورى غدا يوم يجزى ... كلّ عاص وطائع باجتراح (٢) من إلى حوضه وظلّ لواه ... يلجأ الناس بين ظام وضاح (٣) ويحيى بن خلدون يقول إن الرسول سيد العالمين طرا دنيا وأخرى، وأشرف الخلق وصفوتهم وأرفع الرسل قدرا ومنزلة عند ربه، وسراج الهدى وشمس الفلاح، من منحه الله معجزة المعراج الكبرى، فصعد به سبع سماوات طبقة بعد طبقة و ﴿(لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)﴾ كما جاء فى سورة النجم ودنا منه أى من جبريل ﴿(قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى)﴾ أى قدر ذراعين تقريبا ظافرا من ربه بكل ما توسل به إليه، منزلة لم يحظ بها رسول قبله. وحسبه من محبة الله له أنه سيكون المجير لا للطائعين فحسب بل أيضا للعصاة يوم الفزع الأكبر: يوم الحشر الموعود، وسيقف على حوضه ويمتد عليه لواء معلم ويسقى منه أمته يوم القيامة. وعلى عادة أصحاب المولديات التى تلقى فى الاحتفالات الكبرى بليلة المولد النبوى يستطرد يحيى بن خلدون فى مولديته-كما استطرد الثغرى أيضا فى مولديته-لمديح أبى حمو موسى. وعادة يتقدم المديح النبوى فى المولدية نسيب يكتظ بالوجد والصبابة وأحيانا يمزج ببعض الوعظ. وكانت المدائح النبوية لا تزال تنظم بجوار هذه المولديات، واشتهر بالنظم فيها غير شاعر مثل عبد الله البسكرى الصوفى معاصر يحيى بن خلدون، فهو من شعراء النصف الثانى من القرن الثامن الهجرى، وله فى مديح المدينة قوله (٤): دار الحبيب أحقّ أن تهواها ... وتحنّ من طرب إلى ذكراها وعلى الجفون متى هممت بزورة ... يا بن الكرام عليك أن تغشاها فلأنت أنت إذا حللت بطيبة ... وظللت ترتع فى ظلال رباها (٥) معنى الجمال منى الخواطر والتى ... سلبت عقول العاشقين حلاها

стр. 4816

لا تحسب المسك الذّكىّ كتربها ... هيهات! أين المسك من ريّاها (١)؟ ! طابت فإن تبغ التطيّب يا فتى ... فأدم على الساعات لثم ثراها والبسكرى يقول إن دار الحبيب أحق دار بأن تهواها ويملؤك الحنين شوقا إلى ذكراها ومتى هممت بزيارة أصبح واجبا عليك أن تغشى تلك الدار وتكتحل جفونك بمرآها وما أعظمك إذا حللت بها وتنقلت فيها، إنها معنى الجمال وبها جميع منى الخواطر، وطالما سلبت حلاها عقول عاشقيها الهائمين بها وجدا وصبابة. وإن ترابها ليفوق المسك العاطر وهيهات؟ أين المسك من شذاها الطيب، لقد طابت فإن تبغ التطيب والتعطر فأدم تقبيل ثراها الذكى العطر. وتلقانا شروح كثيرة لبردة البوصيرى فى المديح النبوى، من ذلك شرح لسعيد (٢) العقبانى المتوفى سنة ٨١١ للهجرة وثلاثة (٣) شروح لابن مرزوق الحفيد أكبر وأوسط وأصغر، وسمى الأكبر إظهار صدق المودة فى شرح البردة، وسمى الأصغر الاستيعاب لما فى البردة من البيان والإعراب، وشرح قصيدة الشقراطسى التونسى النبوية بشرح سماه المفاتيح القرطاسية فى شرح الشقراطسية. ونلتقى بالشهاب بن الخلوف بأخرة من القرن التاسع الهجرى، وله ديوان جميعه مديح نبوى، ولم يتح لى أن أراه، غير أن ديوانه الكبير المنشور بتونس به مجموعة من المدائح النبوية، ونذكر منها توسلا بديعا بالرسول كى يغفر الله له ذنوبه، وفيه يقول (٤): يا أرحم الراحمين ارحم وجد كرما ... فأنت أنت أمان الخائف الوجل واغفر بطه ذنوبا ليس يغفرها ... إلاّك يا غافر الأوزار والخطل (٥) ونجّنى واعف عنى وأتنى منحا ... تنيلنى الفوز فى حلّ ومرتحل وصلّ ربّ على المختار من مضر ... خير النبيين والأملاك والرّسل روح العوالم سرّ الكون أجمعه ... إكسير كنز المعالى علّة العلل (٦) عليه صلّى إله العرش ما اتضحت ... آيات شمس الضحى فى دارة الحمل (٧) وآله الغرّ والأصحاب ما خطرت ... معاطف البان فى أثوابها الخضل (٨) وهو يدعو ربه أن يجود عليه بالرحمة، فإنه أمان الخائف الفزع، ويتوسل إليه بالرسول أن يغفر ذنوبه وآثامه، وهل يغفرها سواه؟ إنه الرحيم الغفار، ويسأل رب العزة النجاة والفوز مقيما وراحلا، كما يسأله أن يصلى على رسوله العربى خير النبيين والملائكة والرسل، ويقول إنه روح الوجود وسر الكون، وإكسير المعالى الذى يرفعها إلى الذرى وعلة العلل فى الوجود

стр. 4817

جميعه. وهذا البيت يجمع كل ما قاله البوصيرى وغيره عن الحقيقة المحمدية وأنها سر الكون وعلته، ومنها يستمد نوره وضياءه. ويقول صلّى عليه إله العرش طالما اتضحت شمس الضحى فى أزمنة الربيع أى طوال الدهر، وصلّى أيضا على آله الأشراف وأصحابه ما ظلت أغصان البان ريّانة ندية أى على مر الزمن. ونمضى إلى العهد العثمانى، وفيه يكثر المديح النبوى كثرة مفرطة حتى لينظم فيه كل شاعر مدحة أو أكثر، وقد ينظم فيه ديوانا مثل عبد الكريم الفكون المتوفى سنة ١٠٧٣ هـ/١٦٦٢ م إذ له ديوان فى المديح النبوى وقد رتبه على حروف المعجم، وجعل مبدأ كل مجموعة من أبيات كل قافية حرفا من حروف: «اللهم اشفنى بجاه محمد آمين» وجملة حروف هذه الصيغة خمسة وعشرون حرفا، فى كل حرف مثلها أبياتا ففى قافية الهمزة خمسة وعشرون بيتا، وهكذا إلى آخر الحروف، وانتهى الفكون من نظم الديوان سنة ١٠٣١ هـ/١٦٢١ م وكان قد أصيب بشلل فى هذه السنة ألزمه الفراش، فشفاه الله منه، وله قصائد مختلفة فى التوسل إلى ربه. وكان يعاصره سعيد المنداسى التلمسانى الذى ترجمنا له فى شعراء الهجاء وكان يجمع بين الشعر الشعبى والشعر الفصيح، ونظم كثيرا من الشعر الأول، واشتهر فيه بقصيدة نبوية فى نحو ثلاثمائة بيت سماها «العقيقة» وشاعت بين أهل الجزائر شيوعا كبيرا، ولأبى راس عليها شرح سماه الدرة الأنيقة، ويقال له عليها سبعة شروح، ولكل شرح عنوانه الخاص. وفى الديوان الذى نشره له الأستاذ رابح بونار أربع قصائد نبوية، وقد أنشدنا قطعة من غزل أولاها فى باب الغزل، ومن قوله فى مديحها النبوى (١) هل رأيتم أو سمعتم حسنا ... فى الورى من حسنه الحسن اكتمل أحمد المبعوث فينا رحمة ... خير من قام بحقّ وكفل آية الله أمين صادق ... وحبيب الله برّ منتضل (٢) قد تحلّى-إذ تجلّى-بدره ... بالبها من ربّه فامتطى متن جواد للعلا ... خافق كالبرق للوصل رفل (٣) أمّ رسل الله ليلا وارتقى ... للمنى يطوى من السّاح الكلل (٤) آدم المبرور صلّى خلفه ... وأولو العزم مصابيح الملل قد رأى من ربّه مالا رأى ... قبله طرف نبىّ مرتسل والمنداسى يقول: هل رأيتم أو سمعتم حسنا فى الورى، كل حسن يستمد من أشعته النورانية؟ إنه أحمد المبعوث رحمة هدية للعالمين، أعظم من رعى الحقوق وأداها، آية الله الأمين

стр. 4818

الصادق وحبيبه البر المجاهد فى سبيله، وقد حفّه الله بهالة من البهاء، فسخّر البراق له يعرج به إلى السموات السبع، وأمّ الرسل ليلا تكريما له. ويفيض سعيد المنداسى فى بيان معجزاته، ثم يعود إلى معجزة المعراج ويقول إن الله خص به رسولنا من دون الرسل جميعا تكريما لا يماثله تكريم. ويتحدث المنداسى عن مولد الرسول فى مدحة نبوية ثانية قائلا (١): طه الأمين الذى ترجى شفاعته ... يوم التلاقى وطىّ الخلق منشور (٢) من سبق الرّسل عند الله فى أزل ... فضلا وللخلق بعد الرسل تأخير وانقضّ إيوان كسرى عند مولده ... وغاب من نار وسط الفرس تسعير (٣) وجلّل الأفق منه النور فى سحر ... كأنّ فى الفجر هدى الصبح منحور (٤) وفى السماء خيول الشّهب راكضة ... كأنها فى وغى الجو الزنابير (٥) وفى المنازل تحت العرش إذ علمت ... بمولد المصطفى الولدان والحور تزينت وازدهت وساغ مشربها ... وطرّبتها من الطير الزمامير (٦) حول الخيام الغصون اللّدن ساجدة ... وللملائك تهليل وتكبير وهو يقول إن طه الرسول الأمين الذى ترجى شفاعته يوم الحشر الأكبر يوم كل إنسان يرى عمله المطوى منشورا تحت بصره. قد سبق الرسل فى الخلق والقدم الأزلى كما أن الرسل سابقون فيه بقية الخلق. ولقد حدثت معجزات شتى يوم مولده، فقد انقض إيوان كسرى وانطفأت نار الفرس المجوس بعد أن ظلت مشتعلة متوهجة قرونا، وعم الأفق منه نور فى السحر، حتى ظن أن هدى الإبل وغيرها إلى الكعبة ذبح فى فجر هذا النور استبشارا به. أما فى السماء فإن الشهب-ملأتها-زنابير. ويقول إن الولدان والحور العين فرحت بمولد الرسول وتزينت وامتلأت زهوا وسرورا وغنتها الطيور بمختلف الأغانى، وحتى الغصون اللينة الناعمة حول الخيام سجدت لربها شكرا. وهللت الملائكة وكبرت تكبيرا. وينقل أبو القاسم الحفناوى فى كتابه تعريف الخلف عن أحمد (٧) بن عمار بترجمته أن مجلّى حلبة المولديات ومقدّم الجماعة فيها وإمام الصناعة وركاب صعابها ومذللها عاشق الجناب المحمدى ومادحه بلا معارض، ومثلّث طريقتى البوصيرى وابن الفارض، الشيخ أبو العباس أحمد المانجلاتى، أتحفه الله بمنفهق رضوانه، وألحفه مطارف (حلل) التكريم فى

стр. 4819

أعالى جنانه، ويقول الحفناوى أثبتّ من مولدياته ما يطرب ويروق، ويبهر الشمس عند الشروق، فمن ذلك قوله من موشحه (١): بالله حادى القطار ... قف لى بتلك الديار واقر السّلام سلّم على عرب نجد ... واذكر صبابة وجدى كيف يلام من بادرته الدّموع ... شوقا لتلك الربوع مع المقام وهو ينادى بالله على حادى القطار أى القافلة أن يقف بديار الحبيب ويقرئه السلام، ويسلم على عرب نجد، أصحاب الصبابة والوجد، ويتساءل كيف يلام من ابتدرته الدموع شوقا لتلك الربوع وساكنها ومقامه العظيم. والمانجلاتى من شعراء القرن الحادى عشر الهجرى وذكر ابن عمار أنه كان له ديوان نبوى جميعه قصائد مولدية تزرى بالأزهار الندية، ويقول: وجاء مصليا خلفه (تالياله) سحبان البلاغة وقسّ البراعة شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد المشهور باسم ابن على. وأنشد له موشحا نبويّا على غرار موشح المانجلاتى وفيه يقول: بالله طاوى القفار ... عرّج بذاك المزار حيث الكرام عرّج بربع المعال ... وابرد بذاك الوصال حرّ الغرام حسب المشوق الكئيب ... أن شمله بالحبيب له التئام نأت علينا الديار ... وفى الفؤاد جمار لها انضرام وابن على يقول: بالله يا قاطع القفار عرّج نحو مزار الأحبة الكرام، عرج نحو منزل المعالى وبرّد بهذا الوصال النار المضطربة فى الفؤاد وحسبى أن اجتمع شملى بالحبيب. ولقد بعدت عنا الديار، وفى الفؤاد قطع من الوجد الملتهب تضطرم نارا حامية. ولأحمد بن عمار نفسه فى موشحة: يا نسيما بات من زهر الرّبى ... يقتفى الركبان احملن منى سلاما طيّبا ... لأهيل البان اقرأن منى سلاما عبقا ... إن بدت نجد إن لى قلبا إليها شيّقا ... شفّه وجد وموشحته يهبط أسلوبها درجة عن الموشحتين السابقتين، ومع ذلك كان يعد من كبار الشعراء فى القرن الثانى عشر الهجرى، وله شعر كثير فى الوصف وغيره من الموضوعات، ويقال كان له ديوان فى المديح النبوى، يشتمل على منظومات من القصائد والموشحات. ونتحدث الآن عن أبى عبد الله محمد بن عبد الله العطار أهم شعراء المديح النبوى الجزائريين.

стр. 4820

محمد (١) بن عبد الله العطار هو محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن العطار، هكذا نقلا عنه فى آخر ديوانه النبوى الذى سماه: «نظم الدرر فى مدح سيد البشر» وسماه أيضا: «الورد العذب المعين فى مولد سيد الخلق أجمعين» والاسم الأول هو الذى اشتهر به الديوان لأنه أخف وأطرف، وجاء فى ختامه: «كان الفراغ منه ضحوة يوم الجمعة الثانى من شعبان سنة ست وتسعين وستمائة ما عدا أربع قصائد، فإنها تقدمت على إنشائه أودعتها فيه، وذلك بمدينة الجزائر، جزائر بنى مزغنة من أقصى إفريقية من أرض متيجة». ومتيجة هى الإقليم الذى تقع فيه مدينة الجزائر. وبذلك يكون قد فرغ من نظم هذا الديوان النفيس بمدينة الجزائر سنة ٦٩٦ هـ/١٢٩٧ م ويقول المقرى: «ليس هو بابن العطار المشرقى الذى كان معاصرا لابن حجة الحموى [المتوفى سنة ٨٣٧ هـ/١٤٣٣ م] فإن ذلك متأخر عن هذا. . وهذا مغربى وذلك مشرقى فلم يتفقا لا فى زمان ولا فى مكان سوى فى اشتراكهما بابن العطار». ويذكر المقرى-وتبعه فى ذلك الحفناوى-أن محمد بن أحمد بن الأمين الآقشهرى روى الديوان عن ناظمه ابن العطار وأنه قرأه عليه قراءة ضبط وتصحيح ورواية مقابلة بأصله بموضع الحكم فى مدينة الجزائر فى ذى القعدة أواخر عام سبعة وسبعمائة. ويدل هذا النص على أن ابن العطار كان فى سنة ٧٠٧ هـ/١٣٠٨ م قاضيا بمدينة الجزائر. وقد اطلع المقرى على ديوانه، وجاءنا منه ببعض روائعه، بادئا بتسديس، وقوافيه تكون عادة بعدد الحروف الهجائية، ولكل حرف أربع شطور، يليهما شطران ينتهيان بحرف يلتزم فيهما بكل دور كقوله فى تسديس له (٢): صلّوا على البدر المنبر الأكمل ... صلّوا على الرّوض البهىّ الأجمل صلوا على الهادى النبىّ الأحفل ... المصطفى الأرقى لأنزه محفل فيه تقدّم وحده تقديما ... صلّوا عليه وسلّموا تسليما وهو يقول صلوا على البدر المنير الكامل والروض البهىّ العاطر الهادى لأمته الحانى عليها والمحتفى بهداها، المصطفى الذى صعد به ربه لأنزه وأروع مقام-تقدم فيه وحده دون الرسل جميعا يناجى ربه؟ ؟ ؟ ، صلّوا عليه وسلّموا تسليما. والشطر الأخير يكرر فى كل دور مع شطر منته بالميم محدثا رنينا صوتيّا بديعا للتسديس. ويذكر المقرى للعطار تسديسا ثانيا، نذكر منه هذا الدور:

стр. 4821

صلّوا على من قد تنامى فخره ... صلّوا على من قد تعاظم قدره صلّوا على من قد تأرّج نشره ... صلّوا على من قد تناسق درّه عقد السّناء لمجده إكليلا ... صلوا عليه بكرة وأصيلا وهو يقول صلوا على من فخره لا يقف عند حد بل كل يوم فى نمو وازدياد لمحبة الخلق له ومحبة ربه. صلوا على من يتعاظم قدره عند الناس وعند الذات العلية. صلوا على من عطره يفوح من كل جانب، ومن لآلئ تعاليمه تطرد لأتباعه فى أنساق محكمة، وقد عقد له الشرف والمجد تاجا عظيما، صلوا عليه بكرة وأصيلا. ويختم بهذا الشطر كل دور مع شطر لامى قبله. ويبثّ العطار فى قصيدة له حنينا ظامئا إلى زيارة يثرب والرسول الكريم منشدا: أهدت لنا طيب الروائح يثرب ... فهبوبها عند التنسّم يطرب رقّت فرقّ من الصبابة والأسى ... قلب بنيران البعاد يعذّب شوقا إلى أسنى نبىّ حبّه ... يحلو على مرّ الزمان ويعذب فزنا به بين الأنام بديمة ... أبدا علينا بالأمانى تسكب حاز السيادة والكمال محمّد ... فإليه أشتات المحامد تنسب محبوبنا ونبيّنا وشفيعنا ... يدنى إلى ورد الرضا ويقرّب إن طابت الأنفاس من زهر الرّبى ... ريّاه أذكى فى النفوس وأطيب والعطار يقول إن يثرب أهدت لنا مع الرياح طيبا، واختلاطها فى هبوبها بالأرج يملأ قلوبنا طربا، ويقول إنها رقّت ورق معها قلبى المعذب بالصبابة والوله شوقا إلى أعظم نبى حبه دائما عذب مستحب مهما كان الزمان مرّا كريها، ويقول إننا فزنا منه بسحابة لا تزال تسكب علينا بكل ما نريد من الأمانى. وقد حاز السيادة والكمال، إنه محبوبنا ونبينا وشفيعنا يوم الفزع الأكبر، وإن حبه ليدنى من رضا الله، وحسبك بذلك نعمة كبرى. ويقول إن أريج زهر الربى لا يقاس فى شئ إلى شذاه العطر، إنه أذكى فى النفوس وأطيب فى القلوب. ومن قوله متشوقا إلى طيبة وزيارة الرسول الكريم: أبدا تشوقك أو تروقك يثرب ... فإلى متى يقصيك عنها المغرب هى جنّة فى النّفس يعذب ذكرها ... والقرب منها والتدانى أعذب والشّوق يثنينا إليها كلما ... وقف الحمام على الأراكة يخطب يا حبّذا فى ربع طيبة وقفة ... بين الركائب والمدامع تسكب حتى يرقّ للوعتى وصبابتى ... ودموع عينى كلّ من يتغرّب شوقا لمن زان الوجود وحبّه ... يدنى إلى ربّ الرّضا ويقرّب خير الورى محبوبنا ونبيّنا ... حزنا به الجاه الذى لا يسلب

стр. 4822

فدائما تشوق العطار يثرب ودائما يقصيه عنها المغرب، إنها الجنة التى يحلو له ذكرها، والقرب منها والدنو أكثر حلاوة وعذوبة. وإنه ليحن إليها كلما سمع الحمام يشدو ويترنم على أغصان الأراك والأشجار. ويتمنى وقفة فى ربع الأحبة ودموعه تهطل صبّا ملتاعا حتى ليعطف عليه المحبون مثله، شوقا للرسول الكريم الذى زان الوجود بطلعته السنية، والذى يدنى حبه من رضا رب العباد، خير الورى، محبوب أمته، ونبيها الذى حازت به جاهها ومكانتها العالمية. ويشيد بالرسول ويحمّل السلام إليه من يزورونه من جيرانه وصحبه، منشدا: أسنى النبيّين قدرا نوره أبدا ... يزيد حسنا على الأقمار باهره وأفضل الخلق من عرب ومن عجم ... أربت على الرّمل أضعافا مآثره روض من الحلم غضّ راق منظره ... بحر من العلم عذب فاض زاخره إن جاد صاح بلقياه الزمان فمل ... إلى مقام حبيب أنت زائره وصف له حال صبّ مغرم دنف ... رام الدنوّ فأقصته جرائره (١) واذكر هناك بعيد الدار غرّبه ... غرب فما غائب من أنت ذاكره أهدى السلام بلا حدّ ولا أمد ... إلى محلّ رسول الله عامره وهو يصف الرسول بأنه أعظم النبيين قدرا، ونوره يزيد حسنا على نور الأقمار حين تكون بدورا كاملة، وهو أفضل الخلق عامة من عرب ومن عجم، ومآثره أضعاف الرمل إحصاء وعدّا، وإنه لروض زاه من الحلم يروق منظره، وبحر عذب من العلم يفيض زاخره. ويتجه إلى بعض من أسعدته الظروف بالرحلة إلى زيارته، فيطلب إليه أن يصف له صبابته بزيارته وغرامه، وكيف حاول الاقتراب منه وأبعدته ذنوبه، ويقول له اذكر حال بعيد الدار عاجز عن الوصول إليه. وإنه ليهدى السلام إلى يثرب بلا حد ولا غاية ولا نهاية. ويتخيل نفسه وقد اكتحلت عيناه بطيبة وترابها، فينشد مبتهجا: ولما بدت أعلام طيبة قصّرت ... من الشوق ما قد طوّلته السباسب (٢) وقفنا وسلّمنا وفاضت دموعنا ... وحنّت إلى ذاك الجناب الركائب نزلنا وقبّلنا من الشوق تربها ... وطابت بذاك التّرب منا التّرائب (٣) فللعين من تلك المعاهد نزهة ... وللقلب فى تلك الرسوم مآرب حوت سيّد الرّسل الذى جلّ قدره ... له فى مقام القرب تقضى المطالب ترقّى إلى السّبع الطباق وما بدا ... له فى ترقّيه من الحجب حاجب

стр. 4823

لقد أشرقت شمس النهار بنوره ... وبدر الدّجى لما بدا والكواكب أعلّل قلبى بالوصول لقبره ... وإن غبت ما قلبى-وحقّك-غائب وإنّي أناديه وإن كنت نازحا ... نداء غريب غرّبته المغارب والعطار يقول إنه حين بدت علامات طيبة أى المدينة قصّرت خطا الشوق التى كانت قد طوّلتها مفازات الطريق فى إفريقيا وجزيرة العرب، وما أعظم فرحته-كما يقول-فقد وقفوا وسلموا على ربوع طيبة أو ربوع الحبيب، وحنت معهم الركائب لهذه المنازل. ويقول إنهم نزلوا وقبّلوا تراب طيبة العطر وطابت به صدورهم وأفئدتهم، ونعمت العيون بمشاهد تلك المعاهد ونعمت القلوب، إذ حوت تلك المعاهد سيد الرسل الذى تجاب عنده المطالب، والذى صعد به جبريل إلى السموات السبع طبقة بعد طبقة ورفعت من دونه الحجب. وإنه لنور خالص، نور أزلى، ومن نوره تستمد الشمس والقمر والكواكب. وكأنما يفيق العطار من حلمه، فيرى نفسه لا يزال فى مدينة الجزائر لم يبرحها، ويقول إنه يمنّى نفسه بزيارة الرسول، وإن غبت عنه فإن قلبى ليس غائبا، وإنّي أناديه، وسأظل أناديه نداء غريب ظامئ أشد الظمأ لرؤية قبره العطر الشريف.

стр. 4824

الفصل السّادس النثر وكتّابه ١ - الخطب والوصايا طبيعى أن تكثر الخطب والوصايا مع الدولة الرستمية منذ تأسيسها سنة ١٦٠ هـ/٧٧٦ م إلى انتهاء مدة حكمها سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م إذ كانت دولة إباضية، وكان أئمتها لا يزالون يدعون رعيتهم فى محيطها بتاهرت وخارج محيطها إلى امتثال دعوتهم مع تقوى الله وخشيته والقيام بفروضه الدينية، وقد يطلبون إليهم فى بعض خطبهم طاعة من يولونهم عليهم من ولاتهم، كما يلقانا عند إمامهم عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (١٧١ - ٢١١ هـ) حين ولّى على تاهرت فى غيبته عنها السمح بن أبى الخطاب نائبا عنه، فقد جمع زعماء تاهرت وأهلها وخطبهم قائلا (١): «قد علمتم-معشر المسلمين-أن السمح وزيرى وأخص الناس بى وأحبهم إلىّ وأنصحهم لدولتى وأنى لا أصبر على فراقه، وقد آثرتكم على نفسى، تتميما لرغبتكم، وها أنا ذا قد وليته عليكم فأحسنوا الطاعة والانقياد لأمره ما سار فيكم سيرة المسلمين، ولم يحد عن جادّة العدل والإنصاف، ولم يرتكب ما يؤذن بسخط الرب أو بمخالفتنا». وهذا المأثور من الخطبة ليس فيه تكلف لضروب السجع ولا لألوان البديع، وهو بلغة جزلة مقبولة كلغة الخطب فى الصدر الإسلامى الأول. وعلى شاكلة هذه الخطبة كانت الوصايا فى أيام هذه الدولة كوصية عبد الله اللواتى وزير أفلح بن عبد الوهاب (٢١١ - ٢٤٠ هـ) وهى تطرد على هذه الصورة (٢): «إنّي موصيكم إخوانى ونفسى بتقوى الله العظيم فى السر والإعلان، وباتباع آثار أهل دعوة المسلمين، فإن الاتباع أولى من الابتداع وعليكم بالائتمار لما أمر الله به من طاعته، والانتهاء عما نهى عنه من معصيته، فاقتفوا آثار المسلمين فإن الله أوعد بالنار من خالفهم، كما أوعد بها من خالفه وخالف رسوله، إذ قال ﵎: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ﴾

стр. 4825

﴿ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾. فاتقوا الله إخوانى واحذروا مخالفة آثار أئمتكم فى القليل والجليل. . وعليكم بالحذر من الانهماك فى الشر والخلاف بعد الزجر عنه فإن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك وغضب منه وقال: أمنهمكون أنتم فيها (أى الدنيا) بعد ما جئتكم بها (أى الرسالة) بيضاء نقية حنيفية سمحة سهلة». وهو يوصى بالتقوى واتباع أهل الدعوة من أئمة الإباضية، فإن الاتباع كما يقول أولى من الابتداع، ولغته رصينة قوية، يحتج بالقرآن والحديث النبوى ملوحا بهما من بعيد على صحة معتقده. ويذكر صاحب الأزهار الرياضية عظة عامة للإمام أبى اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب (٢٤١ - ٢٨١ هـ) وجّهها إلى جميع رعاياه فى تاهرت وجبل نفوسة، وفيها يقول (١): «إن أفضل ما تتواصى به العباد ويتحاضّون عليه تقوى الله ولزوم طاعته، والزّجر عن معصيته، والترغيب فيما يورث الثواب من القول الطيب والعمل الصالح. وعليكم معاشر المسلمين بالتهيؤ للقدوم على الله والتأهب والاستعداد ليوم تشخص فيه الأبصار وتتغير فيه الألوان، ويشيب فيه الولدان، و ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾. واعلموا-رحمكم الله-أن أهل العلم القائمين بهذه الدعوة قد انقرضوا وقلّت الخلوف منهم، فرحم الله امرءا مسلما احتسب نفسه، وأرصدها لله فى طلب العلم والنقض على من ضادّ الله وعدل عن منهاج رسول الله ﷺ وضادّ المحققين من عباده، حتى تكون كلمة رسول الله ﷺ هى العليا والباطل زهوقا. وعليكم معاشر المسلمين اتباع الماضين من أسلافكم والمتقدمين من أئمتكم الصالحين من أهل دعوتكم، فاقتفوا آثارهم، واهتدوا بهداهم، واحذروا الزيغ عن طريقهم والميل عن مناهجم». وواضح أن الإمام أبا اليقظان محمد بن أفلح يدعو فى عظته صراحة أهل دعوته من الإباضية أن يرصدوا انفسهم ويحتسبوها للدفاع عنها، ضد خصومها الذين عدلوا فى رأيه عن منهاج رسول الله ومنهاج أهل الحق من أئمتهم، ويدعوهم إلى اتباع ما تواضع عليه هؤلاء الأئمة من مبادئ آمنوا بها مخالفين الجماعة. ولابنه أبى حاتم يوسف (٢٨١ - ٢٩٤ هـ) عظة بديعة كان يخطب بها الخوارج الإباضية فى عهده أيام الجمعة وفيها يقول (٢):

стр. 4826

«الحمد لله الذى ابتدأ الخلق بنعمائه، وتغمّدهم جميعا بحسن بلائه، لا يشتمل عليه زمان ولا يحيط به مكان، خلق الأماكن والأزمان ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ فقدّرها أحسن تقدير، واخترعها من غير نظير، لم يرفعها بأعمدة تدرك بالمعاينة، ولم يستعن عليها بأحد استكبارا عن الشركة والمعاونة، وزيّنها للناظرين، وجعل فيها رجوما للشياطين ﴿(فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)﴾ جعل القرآن إماما للمتقين، وهدى للمؤمنين، وملجأ للمتنازعين، وحكما بين المتخالفين، ودعا أولياءه المؤمنين إلى اتباع تنزيله، وأمرهم عند التنازع فى تأويله بالرجوع إلى قول رسوله، فقال الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وهذه الخطبة أو العظة تصور نهاية تطور كبير حدث فى كتابة النثر الأدبى، فقد بدأ بسيطا عند الإمام أبى اليقظان محمد بن أفلح، واتسع هذا الرقى عند ابنه الإمام أبى حاتم يوسف لا من حيث انتخاب الألفاظ فحسب، بل أيضا من حيث ما يشيع فيها من السجع ومن التوازن فى العبارات والمقابلات الدقيقة. وتمضى بجاية وشرقى الجزائر فى عصر الحماديين والموحدين ثم الحفصيين بالعناية فى الخطابة والعظات، وتتردد فى الكتب أسماء خطباء فى الجامع الأعظم ببجاية أو بقسنطينة ولكن الكتب لا تحتفظ حتى بشظايا من خطبهم، سوى أن يقال مثلا إن فلانا ولى خطابة الجامع الأعظم ببجاية أو جامع القصبة بها أو جامع الموحدين وكان فصيح القلم واللسان. ويكتفون بذلك دون أن يذكروا شيئا من خطبه الفصيحة أو البليغة، أو يقولون مثلا إن أبا تمام الواعظ الوهرانى سكن بجاية واشتغل فيها بالتذكير واستدعاء الخلق لباب الله تعالى، ولا تذكر لنا كلمة من مواعظه. ويمكن أن نجد صورا من العظات فى نثر الأذكار والأوراد التى كان يرددها المتصوفة عقب الصلوات، ونقتطف كلمات مما كان يردده على بن أحمد الحرالى عقب صلاة الصبح إذ كان يجلس فى مصلاّه متربعا ويردد بعض أقوال له منها (١): «سبحان من سبقت رحمته غضبه، سبحان من لا منجى ولا ملجأ إلا إليه، يا مثبّت القلوب ثبّت قلبى. العقل أصل دينى، الحب أساسى، ذكر الله أنسى، الثقة كنزى، العلم سراجى، الصبر ردائى، الرضا غنيمتى، الزهد حرفتى، اليقين قوتى، الطاعة حسبى، الجهاد خلقى، قرة عينى فى الصلاة». والمئات بل الآلاف من مواعظ الخطباء والأوراد والأذكار كانت تقرع أسماع الناس كل يوم فى بجاية وقسنطينة وغيرهما من بلاد الجزائر. وكان النساك وأهل الصلاح يكتبون أحيانا

стр. 4827

وصية لربهم أن يرعى ذريتهم وأهليهم وما استودعوه من أموالهم صيانة للورثة والمال، من ذلك وصية رواها صاحب عنوان الدراية لابن نعيم الحضرمىّ المتوفى بقسنطينة سنة ٦٣٦ وفيها يقول (١): «هذا ما أودع العبد الله الذى خلق الأشياء، ورزق الأحياء، وملك العالمين، وحفظ السموات والأرضين، أودعه جميع ولد أبيه وأهله وأهل أخيه وجميع ما خوّلهم من نعمه ظاهرا وباطنا، وصيّر ذلك إلى أمانته، وأسلمه إلى رعايته، واستحفظه فى ذلك كله، وتبرّأ إليه من حوله وقوته، ولم يرج سوى فضله وطوله (أفضاله) هو الحفيظ الذى لا يهمل، الوكيل الذى لا يغفل، الجواد الذى لا يبخل، الأول الذى ينعم ويتطول، والأخير الذى لا يزال ولا يتحول». وألفاظ الوصية مثل ألفاظ الحرالى ألفاظ منتخبة مصفّاة، وقد يجئ فيها السجع عفوا دون قصد، وهى تدل على أن النثر كان قد أخذ يتطور، وأخذ أصحابه يعنون بالملاءمة بين اللفظة واللفظة إرضاء للسمع وإمتاعا للسامع بما يسمع أو يقرأ من الكلم. وإذا تركنا بجاية والقسم الشرقى من الجزائر إلى قسمها الغربى وتلمسان خاصة رأينا صاحب بغية الرواد يسوق فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد بجزئها الأول طائفة من مشاهير خطبائها ووعاظها مثل أبى عبد الله محمد بن أحمد الحجام المار ذكره بين شعراء المتصوفة والمتوفى سنة ٦١٤ ويسميه يحيى بن خلدون فى البغية: واعظ أهل زمانه، ويذكر له-كما مر بنا- كتابا فى الوعظ اسمه «حجة الحافظين ومحجة الواعظين». ومن كبار الخطباء الوعاظ الذين يذكرهم صاحب بغية الرواد عبد الرحيم بن أبى العيش الخزرجى المترجم لأبيه بين شعراء الصوفية، وكان خطيب الجامع الأعظم بتلمسان وإمامه، وكان يعاصره أبو محمد عبد الله المجاصى المتوفى سنة ٦٤١ هـ/١٢٤٣ م وكان كثير البكاء فى وعظه حتى اشتهر بذلك، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حياء من الله تعالى وخشية منه، وكانت له مواعظ قيمة. ومن الوعاظ بعده سعيد العقبانى المتوفى سنة ٨١١ هـ/١٤٠٨ م خطيب الجامع الأعظم بتلسمان. ونقرأ أخبارا عن روعة مواعظ هؤلاء الخطباء وأن منهم من كانت تقشعر من وعظه الجلود لما يعرض له من عذاب الآخرة وكأنه يرى الجحيم تحت بصره، ومنهم من كان يبكى سامعيه بمواعظه وما يورد من زواجره. ومع ذلك لم تحتفظ العصور السالفة بشظايا-ولو قليلة- من خطبهم ومواعظهم. ولم تصلنا وصايا عن تلمسان لا من حكام الدولة الزيانية لأبنائهم ولا من شيوخ تلمسان

стр. 4828

لتلاميذهم فيما عدا وصية كبيرة استحالت إلى كتاب أوصى بها السلطان أبو حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) ابنه أبا تاشفين وسماها «واسطة السلوك فى سياسة الملوك» وقد جعلها فى أربعة أبواب بين يديها مقدمة عن السياسة العملية، والباب الأول نصائح فيما ينبغى على المالك أو الحاكم من العدل والتقوى وصيانة المال والعناية بالجيش، والباب الثانى خاص بقواعد الملك أو الحكم وأركانه، وهى العقل والعدل وحسن السياسة والعناية بالمال والجيش، والباب الثالث خاص بالصفات التى تزين الملك والحكم، وهى الشجاعة والكرم والحلم والعفو، ويصرّح فى خاتمة الكتاب بأنه وضعه لابنه أبى تاشفين ليتبع نصائحه فيه، ويستقيم حكمه وملكه، ونقتطف من هذه الوصية الكبرى بعض وصاياه لابنه عن الشجاعة (١) فى الحروب. «يا بنىّ إذا كان الملك شجاعا، كان منصورا مطاعا، ترهبه الأعداء، وتطمئن إليه الأولياء، يعتد به جيشه فى مواقع الحروب، ويخاف سطوته الطالب والمطلوب. وإذا اقتحمت القتال، واختلطت الأبطال بالأبطال، فغايتك أن تكون حاكما على نفسك، صابرا ثابتا فى جأشك (٢)، ناظرا إلى ساقتك التى هى قلب جيشك، فلتلزم بها الثبات، ولا تتزحزح إلى جهة من الجهات، ولتشدّ بثباتك الأنجاد (٣) والحماة، والمقاتلين الكماة (٤)، وإن انكسر أحد الجناحين من جيشك فلا تهتم به، ولا تنتقل بسببه، فإن انكسار الجناحين مع ثبات القلب لا يضر، والصبر فى مثل هذا عائد عليك بما يسر، لأنه إذا كانت رايات القلب تخفق وطبوله تزار كان ذلك حصنا للجناحين، وأمانا للعسكر من الحين (٥)، وأرجى للظفر بالعدو عند رجوع الجانبين». وهو ينصح ابنه حين تلتحم المعركة أن يثبت فى قلب جيشه، وإذا رأى فى أحد الجناحين انكسارا لا يميل إليه بمن معه من العساكر، حتى لا يتشوش الموقف ويظنّ أنه منهزم، وحتى لو انكسر الجناحان فإن ثبات القلب يردهما إلى المعركة ويكتب للجيش النصر. ويوصى ابنه ان تظل رايات الجيش فى قلبه تخفق وطبوله تزأر ليكون قدوة لقواد الجناحين ويعودوا إلى مواقعهم من المعركة. ويستمر أبو حمو موضحا لابنه أن الشجاعة لا تكون صحيحة إلا مع الرأى السديد، أما بدونه فتكون مذمومة بل قد تصبح تهورا يؤدى إلى الهلك وإلى زوال الملك. ولا يلفتنا فى هذه الوصية الطويلة ما تحمل من فكر دقيق ولفظ منتخب رشيق فحسب، بل يلفتنا فيها أيضا أنها مسجوعة سجعا محكما، وهى شهادة قوية بأن النثر الأدبى رقى بالجزائر فى القرن الثامن الهجرى، بحيث أصبح الكاتب يفكر فى جرس كلامه الذى يخلب به سامعه،

стр. 4829

وأيضا ليس ذلك فحسب، فإن الكاتب يلائم بين الكلمات فى السياق بحيث يأتى مع الكلمة بشقيقتها ورفيقتها التى يحسن أن تصاحبها والتى تؤلف معها لونا من التجانس أو الجناس، حتى يروق السامع أو القارئ ويجذبه إليه. وإذا مضينا إلى العهد العثمانى سمعنا-كما سمعنا فى الحقب السابقة له-عن خطباء كانوا بارعين فى الوعظ، وكان الناس يجتمعون لهم فى خطبة الجمعة وينبهرون بما يسمعون منهم من وعظ مؤثر، غير أننا لا نجد شواهد من هذا الوعظ، وقد أشاد الكاتب محمد بن ميمون فى القرن الحادى عشر الهجرى بخطابة الشيخ مصطفى بن عبد الله البونى قائلا: «له فى الخطب الساعد المشتد، والإلقاء الذى تميل إليه الهوادى (الأعناق) وتمتد، والسكينة (الوقار) التى تجذب إليها الأبصار فلا ترتد، ولم أر منذ عقلت بسنىّ، وعلقت خطابته بذهنى، أحق منه فى طريقة الوعظ والخطابة والإمامة، ولا رأيت من شيوخنا من تقدم أمامى لا جرم أنه استحوذ عليها، صناعة استوفى شرطها واستكمل أسبابها. . وكذلك هو فى وعظه آية من آيات فاطره، زعم من رآه أنه لم يسمع من حضرة الجزائر إلى أم القرى أخطب منه، ولا من يدانيه إلا واحد من الأفاضل لم يكن بمماثل» (١). وهذا الخطيب الممتاز الذى ليس له نظير فى وعظه من مدينة الجزائر إلى أم القرى: مكة لم يؤثر عنه شئ من خطابته، فما بالنا بمن لا يبلغون مبلغه من روعة الخطابة. ومن المحقق أن الأسلاف من الجزائريين أضاعوا تراثا مهما من مواعظ أدبية لو أنها وصلتنا لأمكننا أن نؤرخ للأدب الجزائرى تاريخا أكثر دقة. ٢ - الرسائل الديوانية طبيعى أن لا توجد الرسائل الديوانية فى أمة إلا إذا وجدت فيها دولة، واتخذت لها كتّابا يكتبون عنها الرسائل الديوانية، وكان قيام الدولة الرستمية فى تاهرت مبشرا بأن تصدر عن حكامها رسائل ديوانية مختلفة، وقد توجد الدولة وتوجد الرسائل الديوانية ولا يوجد من يهتم بتسجيلها، غير أننا نجد رسائل الدولة الرستمية تدوّن ويتناقلها كتاب متأخرون مثل الشماخى فى السير والبارونى فى الأزهار الرياضية، فمن ذلك رسالة للإمام عبد الوهاب (١٧١ - ٢١١ هـ) كتب بها إلى أهل طرابلس وكانوا يوالونه، وكان واليه السمح بن أبى الخطاب توفى، واستخلف بعضهم غيره وراجعوه، فكتب إليهم الرسالة التالية (٢): «أما بعد فإنى آمركم بتقوى الله، والاتباع لما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه، وقد

стр. 4830

بلغنى ما كتبتم إلى به من وفاة السمح واستخلاف بعض الناس «خلفا» له وردّ أهل الخير ذلك، فإن من ولّى «خلفا» من غير رضا إمامه فقد أخطأ سيرة المسلمين، ومن أبى توليته فقد أصاب، فإذا اتاكم كتابى هذا فليرجع كل عامل استعمله منكم السمح على عمالته التى ولى عليها إلا خلف بن السمح، فحتى يأتيه أمرى، وتوبوا إلى بارئكم، وراجعوا التوبة، لعلكم تفلحون». والرسالة مع إيجازها تؤدى الغاية المطلوبة منها، إذ تبين حق الإمام وما جرى عليه عرف الإباضيين ويسميهم المسلمين، وتصف فعل من ولى خلفا بعد السمح بالخطأ لا ضد الإمام وحده بل أيضا ضد المسلمين وعرفهم، وتحرمه من أن تكون له صفة الشرعية فلا تصح له ولاية الناس بحال، ويطلب إليهم التوبة مما وقعوا فيه من إثم. وكان عهد ابنه أفلح طويلا (٢١١ - ٢٤٠ هـ)، وخرج عليه بعض الثوار، منهم نفاث بن نصر من جبل نفوسة إذ كان يطعن فى إمامته ويكثر من نقده، فتبادل معه عددا من الرسائل كان آخرها الرسالة التالية، وهى طويلة، ولذلك سنختصرها شيئا من الاختصار، وفيها يقول (١): «أما بعد فالحمد لله المنعم علينا، المحسن إلينا، الذى بنعمته تتم الصالحات، ولا يهتدى مهتد إلا بعونه وتوفيقه، فله المنة علينا، وهو المحسن إلينا إذ هدانا لدينه، وجعلنا خلفا من بعد أسلافنا الصالحين، وأئمتنا المهتدين. . قد كتبت إليك غير كتاب، أنصح لك فيه، وأدعوك إلى رشدك، وفى كل ذلك لا يبلغنى من عمّالنا فيك إلا ما أكره، ولا أرضى لك فى دين ولا دنيا، حتى حررت كتابا منشورا إلى عمالنا، أمرتهم فيه بخلع كل من خالف سيرة المسلمين. وابتدع غير طريقتهم، وسار بغير سيرتهم. . فكتبت إلىّ كتابا كأنك تسخط ذلك. أترى أنى أؤازر من ابتدع فى ديننا؟ ما كنت بالذى يفعل ذلك، ولا أؤازر من يسعى فى خلافنا ما كنا على الهدى. ثم قلت إنا أمرنا فى كتابنا بالبراءة منك، فإن كنت كما كتب به إلينا عمّالنا فأنت محقوق بالبراءة (منك) ومقصىّ من جماعتنا، لأننا ما كتبنا كتابنا ذلك إلا على أن كل من ابتدع فى ديننا خلاف أسلافنا. . فهو محقوق بالبراءة (منه) ومقصىّ من جماعة المسلمين، فإن تكن أنت منهم فأنت الذى أبحت لنا البراءة منك، وأحللت بنفسك ما لا بد أن نفعله بك وبغيرك، وإن لم تكن كذلك فأظهر الانتفاء منه، وكذّب عن نفسك ما قيل عنك لتكون عندنا بالحالة التى تستحقها وتستوجبها. . . وإنّي غير كاتب إليك كتابا بعد هذا إلا إذا انتهى إلينا ما نحبّه، فننزلك من أنفسنا بحيث تحب، والله المستعان». وأفلح متمكن من لغته بأروع مما تمكن أبوه عبد الوهاب، إذ هى فى يده سلسة القيادة،

стр. 4831

وهو يصرّفها كما يشاء، ويجعل الله هو الذى اختاره خلفا لأسلافه الصالحين وإماما لأهل دعوته حتى يجعل خروج نفاث عليه خروجا على طاعة الله وعصيانا لمشيئته وإرادته. وقد بنى الرسالة على الملاينة والترغيب تارة والتهديد والترهيب تارة ثانية، مما يدل على حنكته السياسية وخاصة أن جعل باب الترغيب والتقريب مفتوحا على مصاريعه حتى يدخل إليه نفاث منه راضيا إذ ينزل منه بحيث الود والحب. ولأفلح رسالة عامة كتب بها إلى جميع رعاياه بهذه الصورة (١): «الحمد لله الذى هدانا إلى الإسلام، وأكرمنا بمحمد ﵇، وأبقانا بعد تناسخ الأمم، حتى أخرجنا فى الأمة المكرّمة التى جعلها الله أمة وسطا شاهدة لنبيّها بالتبليغ، ومصدّقة لجميع الأنبياء، وشاهدة على جميع الأمم بالبلاغ من الأنبياء ﵈ منّا من الله ورحمته، وأرسل إلينا نبيّه محمدا ﷺ بالهدى، ووعده بالنصر على الأعداء، وضمن له الفلاح والغلبة، ووعده بالعصمة، قال الله : ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ فأدّى-﵇-ما أمره الله به، ونصح لأمته، ودعا إلى سبيل ربّه، وجاهد عدوّه، وغلظ على الكفار، ولان للمؤمنين، فكان لهم-كما وصفه الله-رءوفا رحيما، حتى انقضت مدته، وفنيت أيامه، واختار له ربّه ما عنده، فقبضه محمود السّعى مشكور العمل ﷺ ، فلم تبق خصلة من خصال الشر الداعية إلى الهلكة إلا وزجر عنها، وأمر باجتنابها، رحمة من الله بعباده، فله الحمد على ذلك كثيرا. ثم أمر تعالى بالجهاد فى سبيله والقيام بحقه، والأخذ بأمره، والانتهاء عما نهى عنه، وفرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإغاثة الملهوف، والقيام مع المظلوم، والقمع للظالمين، لكى لا تقوم للشيطان دعوة، ولا تثبت لأهل حزبه قدم، ولا ينفذ لهم حكم، فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عماد الدين وإعزازه، وهو الجهاد وتأدية الحقوق الواجبة له تعالى. فعليكم معشر المسلمين بتقوى الله العظيم والقيام بحقه فيما وافق هواكم أو خالفه، وتقرّبوا إلى الله بالقيام بطاعته وطلب مرضاته، لتنالوا بذلك ما وعد من جزيل الثواب وكرم المآب». وأفلح يقول فى عظته إن الرسول ﷺ بلّغ الرسالة كما أمره ربه على خير وجه فبين لأمته الأوامر والنواهى الإلهية وجاهد الكفار، وزجر عن كل خصال الشر ودواعيه وكان رحمة لأمته وفرض الله عليها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقمع الظالمين. ويردد الدعوة إلى تقوى الله وطاعته وطلب مرضاته، مما ينال به التقى المطيع جزيل الثواب وحسن المآب. وقضى أبو عبيد الله الشيعى داعية المهدى على الدولة الرستمية سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م ولم

стр. 4832

تقم فى الجزائر دولة حتى إذا أصبحنا فى أواخر القرن الرابع الهجرى وتولى حماد بن بلكين شأن المغرب الأوسط عمل على الاستقلال وأسس دولة بنى حماد فى قلعة بجاية (٤٠٦ - ٥٤٧) وظلت يرثها الأبناء عن الآباء نحو قرن ونصف، وكان آخر حكامها يحيى بن العزيز (٥١٨ - ٥٤٧ هـ) ومنه استولى عبد المؤمن على دولته وبلاده وضمها مع الجزائر وتونس وطرابلس إلى دولته. وكانت هذه الدولة تتخذ دواوين للإشراف على شئون الدولة، وكان لها ديوان إنشاء نبغ فيه بعض الكتاب، نذكر منهم أبا عبد الله محمدا الكاتب المعروف بابن دفرير، ذكره صاحب الخريدة، وقال عنه: أحد كتاب الدولة الحمادية المتصرفين فى الكتابة السلطانية، وذكر له رسالة كتبها عن سلطانها يحيى بن العزيز الحمادى وقد فرّ من مدينة بجاية أمام عسكر عبد المؤمن يستنجد فيها ببعض أمراء العرب القريبين من دولته، وفيها يقول (١): «كتابنا ونحن نحمد الله على ما شاء وسرّ، رضا وتسليما للقدر، وتعويلا على جزائه الذى يجزى به من شكر، ونصلّى على النبى محمد خير البشر، وعلى آله وصحبه ما لاح نجم بسحر، وبعد فإنه لما أراد الله أن يقع ما وقع، لقبح آثار من خان فى دولتنا وضيّع، استفز أهل موالاتنا الشنآن (٢)، وأغرى من اصطنعناه وأنعمنا عليه الكفران (٣)، فأتوا من حيث لا يحذرون، ورموا من حيث لا يبصرون، فكنّا فى الاستعانة بهم والتعويل عليهم كمن يستشفى من داء بداء، ويفرّ من صلّ (٤) خبيث إلى حيّة صمّاء، حتى بغت مكرهم، وأعجل عن التلافى أمرهم، وردّ وبال أمرهم إليهم. فعند ذلك اعتزلنا محلة الفتنة، وملنا إلى مظنّة الأمنة، وبعثنا فى أحياء هلال نستنجد منهم أهل النجدة، ونستنفر من كنا نراه للمهم عدّة، وأنتم فى هذا الأمر أول من يلهم الخاطر، وتثنى عليه الخناصر». وابن دفرير فى رسالته لا يهمل الأسجاع لا قليلا ولا كثيرا، إذ يوفر لها ما يستطيع من السجع وجرس الكلام لا بين عبارة وتاليتها فحسب، بل بين عبارة وتواليها من العبارات، حتى يلذ الأسماع حين تصغى إليه والألسنة حين تنطق به، مع العناية باصطفاء الألفاظ والملاءمة بين الكلمات. وذكر العماد فى الخريدة من كتاب هذه الدولة الحمادية أبا القاسم عبد الرحمن الكاتب المعروف بالقالمى الذى اتخذه عبد المؤمن سنة ٥٤٧ كاتبا له، وظل يكتب له ولابنه يوسف من بعده إلى أن توفّى وسنخصه بترجمة، وكان يخدمه فى عمله الكتابى عند الموحدين به جايى مثله هو ابن محشرة جعفر بن أحمد فلما توفى كتب مكانه لسلطان الموحدين يوسف ثم لابنه يعقوب حتى وفاته، وسنفرد له ترجمة، وكان يعاصرهما ابن محرز الوهرانى، وسنفرد

стр. 4833

له أيضا ترجمة. وظل بعض الولاة فى بجاية يهتمون باتخاذ بعض الكتاب المجيدين، ويذكر من بينهم صاحب عنوان الدراية محمد الوغليسى فى القرن السابع، ويقول: عليه كان المعتمد فى وقته فى المخاطبات السلطانية إنشاء وجوابا (١). وإذا تركنا بجاية إلى تلمسان وجدنا بنى عبد الواد يؤسسون فيها الدولة الزيانية بزعامة يغمرّاسن منذ سنة ٦٣٣ هـ/١٢٣٥ م وتظل تلك الدولة نحو ثلاثة قرون ونصف، وبمجرد أن أسس يغمراسن ملك أسرته أسس فيها الدواوين واتخذ أديبا من أبرع الأدباء الأندلسيين كاتبا له هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن خطاب الغافقى من أهل مرسية، كتب قبله لأمراء غرناطة ونزل تلمسان فاتخذه كاتبا (٢) له، غير أنه توفى سريعا سنة ٦٣٦ هـ/١٢٣٨ م، ولم يعن المؤرخون بذكر كتّابه بعده إلا ما أشار إليه يحيى بن خلدون من أن الشاعر الكبير ابن خميس التلمسانى المترجم له بين شعراء المديح كان يكتب له، وظل-كما يبدو-يكتب لابنه عثمان الأول (٦٨١ - ٧٠٣ هـ) ونراه يترك تلمسان وعمله الكتابى بها فجأة سنة ٧٠٢ ويولى وجهه نحو سبتة ثم الأندلس ويتوفى فجأة. ومن أهم من خلفوه فى عمله الكتابى بتلمسان أبو عبد الله محمد بن منصور بن هدية المتوفى بأواسط (٣) سنة ٧٣٥. وينزل مصر أديب تلمسانى هو ابن أبى حجلة المتوفى بها سنة ٧٧٦ هـ/١٣٧٥ م وفى كتابنا عن مصر دراسة عنه وتحليل لكتابه «ديوان الصبابة». ويذكر صاحب بغية الرواد أن أبا حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) اختار لكتابة العلامة المميزة لرسائل دولته أبا عبد الله محمد بن (٤) محمد بن المشوش، وغالبا كانت تسند إلى صاحبها رياسة الدواوين. ونحن إنما نقف فى كتاب الدولة الزيانية على أسماء، ولا نقف على كتاباتهم بحيث نستطيع أن نصفها وصفا دقيقا. وإذا كنا لاحظنا على كتاب بجاية فى عصر الدولة الحمادية شيوع السجع فى كتاباتهم فإن ذلك سيستمر عند أبى القاسم القالمى والوهرانى وابن محشرة، وقد لاحظناه عند أبى حمو موسى فى وصيته الطويلة لابنه، وحتى المؤرخون من أمثال محمد بن عبد الله التنسى فى كتابه تاريخ بنى زيان ويحيى بن خلدون لا يخلون كتابتهم التاريخية من السجع أحيانا وخاصة فى تقديمهم للأمراء الزيانيين فإنهم يعنون فيه بجمال الجرس والملاءمة بين نهايات العبارات بحيث تزدان بالسجع حلية الأدب فى زمنهم. ونمضى إلى العهد العثمانى، وفيه ضعفت كتابة الرسائل الديوانية بالعربية لأن الدولة الحاكمة كانت تركية وكانت تعتمد على اللغة التركية فى رسائلها ومنشوراتها الديوانية إلا فى عهود باشوات أو ولاة معدودين هم: محمد بكداش ومحمد الكبير والحاج أحمد فى قسنطينة،

стр. 4834

فإنهم اتخذوا لهم كتابا يحذقون العربية. أما من عداهم فظل يتخذ التركية فى المعاملات الرسمية، وبدون ريب أضعف ذلك من شأن الكتابة الديوانية العربية التى كانت تلتفّ حولها طبقة من الكتاب الممتازين المتنافسين، وكل منهم يحاول الامتياز على زملائه فى براعته الأدبية، أما فى هذا العهد فلا تنافس، وحسب الكاتب أن يكتب بلغة مسجوعة لا تخلو من ضعف وركاكة أحيانا. ومن رسالة لكاتب يسمى محمدا القالى قدمها إلى محمد بكداش طالبا منه بعض العون، وفيها يقول (١): «جلّ الله تعالى مالك الملك ومقيم قسطاس العدل بما أراده من إعزاز السادات الترك، جمع بهم كلمة الدين الحنيف، وآثرهم بهذا الملك الكبير وهذا العز المنيف، وشرفهم بما وهبهم من الرتب العالية وهم أصل للرفعة والتشريف، وخصهم بمكارم الأخلاق ونزاهة الأقدار، وجعلهم بهذا القطر رحمة للعباد، وأخمد بشوكتهم نار الفتنة والعناد، فسلكت بهم السّبل وأمنت بهم البلاد، لطفا منه سبحانه بهذه الأقطار، نسأل الله أن يبقى جنابهم السعيد عاليا على كل جناب، وأن يخلّد الملك فيهم على مرور الدهور وانقضاء الأعمار. . وبعد فإن الله تعالى منّ على المسلمين بسيدنا مولانا سلطان الملوك والأكابر، المخصوص بأفضل الشمائل والمآثر، الإمام العادل، السلطان الفاضل، العالم العامل، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، الذى أطلعه الله فى سماء الجلالة بدرا، ورفع له فى درجات الأمراء قدرا، وأجرى له على ألسنة الخلق ثناء جميلا وذكرا، فأصبح الدين مبتهجا بكريم دولته، وجناب الكفر مهتضما بعظيم صولته». وواضح ما يجرى فى الرسالة من التكلف الشديد، فالترك أهل الرتب العالية ولكن الصيغة لا تتم من حيث السجع فيضيف إليها قوله: «وهم أصل للرفعة والتشريف. ويطيل العبارة بعدها حتى يقع على سجعة: «للعباد» واستعصت عليه سجعة الراء بعدها فأطال العبارة حتى تمكن من إيرادها بقوله: «الأقطار». وقد أكثر من ألقاب محمد بكداش وأوصافه وبالغ ما شاءت له المبالغة مع كثرة الأدعية. وكل ذلك تكلف وتمحل فى الرسالة، وكأنما أصبح من الصعب أن تعود إلى الرسالة الديوانية حيويتها ونضرتها القديمة. ٣ - الرسائل الشخصية يبدو أنه لم يكن بالجزائر اهتمام مبكر بتسجيل الرسائل الشخصية، ولولا أن الإباضية

стр. 4835

اهتموا بتدوين الرسائل الديوانية لحكام الدولة الرستمية لضاعت أو سقطت من يد الزمن وأول رسالة شخصية جزائرية مهمة وصلتنا عن الحقب الأولى رسالة أبى على ابن الربيب الحسن بن محمد التميمى التاهرتى الذى ترجم له ابن رشيق فى كتابه: «الأنموذج» وقال إنه تولى القضاء طويلا فى بلدته تاهرت وإنه توفى سنة ٤٢٠ هـ/١٠٣٠ م ولم يذكر الرسالة ولا أشار إليها، وإنما ذكرها ابن بسام فى كتابه الذخيرة، إذ قال فى ترجمة أبى المغيرة عبد الوهاب بن حزم: كتب إليه أبو على بن الربيب رقعة يقول فيها (١): «إنّي فكّرت فى بلدكم أهل الأندلس، إذ كان قرارة كل فضل، ومقصد كل طرفة، ومورد كلّ تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق (٢)، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، ومحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم فى رجال الحرب، يقدّمون من قدّمته شجاعته، وعظمت فى الحروب نكايته، فشجع عندكم بذلك الجبان، وأقدم الهيبان (٣)، ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيىّ، وشعر البكىّ. . وتنافس الناس فى العلوم، ثم هم مع ذلك فى غاية التقصير، ونهاية التفريط من أجل أن علماء الأمصار دونوا فضائل أعيانهم، وقلّدوا الكتب مآثر أقطارهم وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرا فى الغابرين، و (لسان (٤) صدق فى الآخرين). وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم فى ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح، يخاف إن صنّف، أن يعنّف، أو (تخطفه (٥) الطّير أو تهوى به الرّيح فى مكان سحيق) لم يتعب أحد منهم نفسا فى [جمع] مفاخر [أهل] بلده ولم يستعمل نقسا (مدادا) فى فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه. على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عليه المسالك هنالك. ولكن همّ كل أحد منهم أن يطلب شأو (٦) من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحوز قصب السّبق، ويفوز بقدح (٧) ابن مقبل، ويأخذ بكظم (٨) دغفل، ويصير شجّى فى حلق
следующие страницы →