← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وهو يصرّفها كما يشاء، ويجعل الله هو الذى اختاره خلفا لأسلافه الصالحين وإماما لأهل دعوته حتى يجعل خروج نفاث عليه خروجا على طاعة الله وعصيانا لمشيئته وإرادته. وقد بنى الرسالة على الملاينة والترغيب تارة والتهديد والترهيب تارة ثانية، مما يدل على حنكته السياسية وخاصة أن جعل باب الترغيب والتقريب مفتوحا على مصاريعه حتى يدخل إليه نفاث منه راضيا إذ ينزل منه بحيث الود والحب. ولأفلح رسالة عامة كتب بها إلى جميع رعاياه بهذه الصورة (١): «الحمد لله الذى هدانا إلى الإسلام، وأكرمنا بمحمد ﵇، وأبقانا بعد تناسخ الأمم، حتى أخرجنا فى الأمة المكرّمة التى جعلها الله أمة وسطا شاهدة لنبيّها بالتبليغ، ومصدّقة لجميع الأنبياء، وشاهدة على جميع الأمم بالبلاغ من الأنبياء ﵈ منّا من الله ورحمته، وأرسل إلينا نبيّه محمدا ﷺ بالهدى، ووعده بالنصر على الأعداء، وضمن له الفلاح والغلبة، ووعده بالعصمة، قال الله : ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ فأدّى-﵇-ما أمره الله به، ونصح لأمته، ودعا إلى سبيل ربّه، وجاهد عدوّه، وغلظ على الكفار، ولان للمؤمنين، فكان لهم-كما وصفه الله-رءوفا رحيما، حتى انقضت مدته، وفنيت أيامه، واختار له ربّه ما عنده، فقبضه محمود السّعى مشكور العمل ﷺ ، فلم تبق خصلة من خصال الشر الداعية إلى الهلكة إلا وزجر عنها، وأمر باجتنابها، رحمة من الله بعباده، فله الحمد على ذلك كثيرا. ثم أمر تعالى بالجهاد فى سبيله والقيام بحقه، والأخذ بأمره، والانتهاء عما نهى عنه، وفرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإغاثة الملهوف، والقيام مع المظلوم، والقمع للظالمين، لكى لا تقوم للشيطان دعوة، ولا تثبت لأهل حزبه قدم، ولا ينفذ لهم حكم، فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر عماد الدين وإعزازه، وهو الجهاد وتأدية الحقوق الواجبة له تعالى. فعليكم معشر المسلمين بتقوى الله العظيم والقيام بحقه فيما وافق هواكم أو خالفه، وتقرّبوا إلى الله بالقيام بطاعته وطلب مرضاته، لتنالوا بذلك ما وعد من جزيل الثواب وكرم المآب». وأفلح يقول فى عظته إن الرسول ﷺ بلّغ الرسالة كما أمره ربه على خير وجه فبين لأمته الأوامر والنواهى الإلهية وجاهد الكفار، وزجر عن كل خصال الشر ودواعيه وكان رحمة لأمته وفرض الله عليها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقمع الظالمين. ويردد الدعوة إلى تقوى الله وطاعته وطلب مرضاته، مما ينال به التقى المطيع جزيل الثواب وحسن المآب. وقضى أبو عبيد الله الشيعى داعية المهدى على الدولة الرستمية سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م ولم

стр. 4832

تقم فى الجزائر دولة حتى إذا أصبحنا فى أواخر القرن الرابع الهجرى وتولى حماد بن بلكين شأن المغرب الأوسط عمل على الاستقلال وأسس دولة بنى حماد فى قلعة بجاية (٤٠٦ - ٥٤٧) وظلت يرثها الأبناء عن الآباء نحو قرن ونصف، وكان آخر حكامها يحيى بن العزيز (٥١٨ - ٥٤٧ هـ) ومنه استولى عبد المؤمن على دولته وبلاده وضمها مع الجزائر وتونس وطرابلس إلى دولته. وكانت هذه الدولة تتخذ دواوين للإشراف على شئون الدولة، وكان لها ديوان إنشاء نبغ فيه بعض الكتاب، نذكر منهم أبا عبد الله محمدا الكاتب المعروف بابن دفرير، ذكره صاحب الخريدة، وقال عنه: أحد كتاب الدولة الحمادية المتصرفين فى الكتابة السلطانية، وذكر له رسالة كتبها عن سلطانها يحيى بن العزيز الحمادى وقد فرّ من مدينة بجاية أمام عسكر عبد المؤمن يستنجد فيها ببعض أمراء العرب القريبين من دولته، وفيها يقول (١): «كتابنا ونحن نحمد الله على ما شاء وسرّ، رضا وتسليما للقدر، وتعويلا على جزائه الذى يجزى به من شكر، ونصلّى على النبى محمد خير البشر، وعلى آله وصحبه ما لاح نجم بسحر، وبعد فإنه لما أراد الله أن يقع ما وقع، لقبح آثار من خان فى دولتنا وضيّع، استفز أهل موالاتنا الشنآن (٢)، وأغرى من اصطنعناه وأنعمنا عليه الكفران (٣)، فأتوا من حيث لا يحذرون، ورموا من حيث لا يبصرون، فكنّا فى الاستعانة بهم والتعويل عليهم كمن يستشفى من داء بداء، ويفرّ من صلّ (٤) خبيث إلى حيّة صمّاء، حتى بغت مكرهم، وأعجل عن التلافى أمرهم، وردّ وبال أمرهم إليهم. فعند ذلك اعتزلنا محلة الفتنة، وملنا إلى مظنّة الأمنة، وبعثنا فى أحياء هلال نستنجد منهم أهل النجدة، ونستنفر من كنا نراه للمهم عدّة، وأنتم فى هذا الأمر أول من يلهم الخاطر، وتثنى عليه الخناصر». وابن دفرير فى رسالته لا يهمل الأسجاع لا قليلا ولا كثيرا، إذ يوفر لها ما يستطيع من السجع وجرس الكلام لا بين عبارة وتاليتها فحسب، بل بين عبارة وتواليها من العبارات، حتى يلذ الأسماع حين تصغى إليه والألسنة حين تنطق به، مع العناية باصطفاء الألفاظ والملاءمة بين الكلمات. وذكر العماد فى الخريدة من كتاب هذه الدولة الحمادية أبا القاسم عبد الرحمن الكاتب المعروف بالقالمى الذى اتخذه عبد المؤمن سنة ٥٤٧ كاتبا له، وظل يكتب له ولابنه يوسف من بعده إلى أن توفّى وسنخصه بترجمة، وكان يخدمه فى عمله الكتابى عند الموحدين به جايى مثله هو ابن محشرة جعفر بن أحمد فلما توفى كتب مكانه لسلطان الموحدين يوسف ثم لابنه يعقوب حتى وفاته، وسنفرد له ترجمة، وكان يعاصرهما ابن محرز الوهرانى، وسنفرد

стр. 4833

له أيضا ترجمة. وظل بعض الولاة فى بجاية يهتمون باتخاذ بعض الكتاب المجيدين، ويذكر من بينهم صاحب عنوان الدراية محمد الوغليسى فى القرن السابع، ويقول: عليه كان المعتمد فى وقته فى المخاطبات السلطانية إنشاء وجوابا (١). وإذا تركنا بجاية إلى تلمسان وجدنا بنى عبد الواد يؤسسون فيها الدولة الزيانية بزعامة يغمرّاسن منذ سنة ٦٣٣ هـ/١٢٣٥ م وتظل تلك الدولة نحو ثلاثة قرون ونصف، وبمجرد أن أسس يغمراسن ملك أسرته أسس فيها الدواوين واتخذ أديبا من أبرع الأدباء الأندلسيين كاتبا له هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن خطاب الغافقى من أهل مرسية، كتب قبله لأمراء غرناطة ونزل تلمسان فاتخذه كاتبا (٢) له، غير أنه توفى سريعا سنة ٦٣٦ هـ/١٢٣٨ م، ولم يعن المؤرخون بذكر كتّابه بعده إلا ما أشار إليه يحيى بن خلدون من أن الشاعر الكبير ابن خميس التلمسانى المترجم له بين شعراء المديح كان يكتب له، وظل-كما يبدو-يكتب لابنه عثمان الأول (٦٨١ - ٧٠٣ هـ) ونراه يترك تلمسان وعمله الكتابى بها فجأة سنة ٧٠٢ ويولى وجهه نحو سبتة ثم الأندلس ويتوفى فجأة. ومن أهم من خلفوه فى عمله الكتابى بتلمسان أبو عبد الله محمد بن منصور بن هدية المتوفى بأواسط (٣) سنة ٧٣٥. وينزل مصر أديب تلمسانى هو ابن أبى حجلة المتوفى بها سنة ٧٧٦ هـ/١٣٧٥ م وفى كتابنا عن مصر دراسة عنه وتحليل لكتابه «ديوان الصبابة». ويذكر صاحب بغية الرواد أن أبا حمو موسى الثانى (٧٦٠ - ٧٩١ هـ) اختار لكتابة العلامة المميزة لرسائل دولته أبا عبد الله محمد بن (٤) محمد بن المشوش، وغالبا كانت تسند إلى صاحبها رياسة الدواوين. ونحن إنما نقف فى كتاب الدولة الزيانية على أسماء، ولا نقف على كتاباتهم بحيث نستطيع أن نصفها وصفا دقيقا. وإذا كنا لاحظنا على كتاب بجاية فى عصر الدولة الحمادية شيوع السجع فى كتاباتهم فإن ذلك سيستمر عند أبى القاسم القالمى والوهرانى وابن محشرة، وقد لاحظناه عند أبى حمو موسى فى وصيته الطويلة لابنه، وحتى المؤرخون من أمثال محمد بن عبد الله التنسى فى كتابه تاريخ بنى زيان ويحيى بن خلدون لا يخلون كتابتهم التاريخية من السجع أحيانا وخاصة فى تقديمهم للأمراء الزيانيين فإنهم يعنون فيه بجمال الجرس والملاءمة بين نهايات العبارات بحيث تزدان بالسجع حلية الأدب فى زمنهم. ونمضى إلى العهد العثمانى، وفيه ضعفت كتابة الرسائل الديوانية بالعربية لأن الدولة الحاكمة كانت تركية وكانت تعتمد على اللغة التركية فى رسائلها ومنشوراتها الديوانية إلا فى عهود باشوات أو ولاة معدودين هم: محمد بكداش ومحمد الكبير والحاج أحمد فى قسنطينة،

стр. 4834

فإنهم اتخذوا لهم كتابا يحذقون العربية. أما من عداهم فظل يتخذ التركية فى المعاملات الرسمية، وبدون ريب أضعف ذلك من شأن الكتابة الديوانية العربية التى كانت تلتفّ حولها طبقة من الكتاب الممتازين المتنافسين، وكل منهم يحاول الامتياز على زملائه فى براعته الأدبية، أما فى هذا العهد فلا تنافس، وحسب الكاتب أن يكتب بلغة مسجوعة لا تخلو من ضعف وركاكة أحيانا. ومن رسالة لكاتب يسمى محمدا القالى قدمها إلى محمد بكداش طالبا منه بعض العون، وفيها يقول (١): «جلّ الله تعالى مالك الملك ومقيم قسطاس العدل بما أراده من إعزاز السادات الترك، جمع بهم كلمة الدين الحنيف، وآثرهم بهذا الملك الكبير وهذا العز المنيف، وشرفهم بما وهبهم من الرتب العالية وهم أصل للرفعة والتشريف، وخصهم بمكارم الأخلاق ونزاهة الأقدار، وجعلهم بهذا القطر رحمة للعباد، وأخمد بشوكتهم نار الفتنة والعناد، فسلكت بهم السّبل وأمنت بهم البلاد، لطفا منه سبحانه بهذه الأقطار، نسأل الله أن يبقى جنابهم السعيد عاليا على كل جناب، وأن يخلّد الملك فيهم على مرور الدهور وانقضاء الأعمار. . وبعد فإن الله تعالى منّ على المسلمين بسيدنا مولانا سلطان الملوك والأكابر، المخصوص بأفضل الشمائل والمآثر، الإمام العادل، السلطان الفاضل، العالم العامل، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، الذى أطلعه الله فى سماء الجلالة بدرا، ورفع له فى درجات الأمراء قدرا، وأجرى له على ألسنة الخلق ثناء جميلا وذكرا، فأصبح الدين مبتهجا بكريم دولته، وجناب الكفر مهتضما بعظيم صولته». وواضح ما يجرى فى الرسالة من التكلف الشديد، فالترك أهل الرتب العالية ولكن الصيغة لا تتم من حيث السجع فيضيف إليها قوله: «وهم أصل للرفعة والتشريف. ويطيل العبارة بعدها حتى يقع على سجعة: «للعباد» واستعصت عليه سجعة الراء بعدها فأطال العبارة حتى تمكن من إيرادها بقوله: «الأقطار». وقد أكثر من ألقاب محمد بكداش وأوصافه وبالغ ما شاءت له المبالغة مع كثرة الأدعية. وكل ذلك تكلف وتمحل فى الرسالة، وكأنما أصبح من الصعب أن تعود إلى الرسالة الديوانية حيويتها ونضرتها القديمة. ٣ - الرسائل الشخصية يبدو أنه لم يكن بالجزائر اهتمام مبكر بتسجيل الرسائل الشخصية، ولولا أن الإباضية

стр. 4835

اهتموا بتدوين الرسائل الديوانية لحكام الدولة الرستمية لضاعت أو سقطت من يد الزمن وأول رسالة شخصية جزائرية مهمة وصلتنا عن الحقب الأولى رسالة أبى على ابن الربيب الحسن بن محمد التميمى التاهرتى الذى ترجم له ابن رشيق فى كتابه: «الأنموذج» وقال إنه تولى القضاء طويلا فى بلدته تاهرت وإنه توفى سنة ٤٢٠ هـ/١٠٣٠ م ولم يذكر الرسالة ولا أشار إليها، وإنما ذكرها ابن بسام فى كتابه الذخيرة، إذ قال فى ترجمة أبى المغيرة عبد الوهاب بن حزم: كتب إليه أبو على بن الربيب رقعة يقول فيها (١): «إنّي فكّرت فى بلدكم أهل الأندلس، إذ كان قرارة كل فضل، ومقصد كل طرفة، ومورد كلّ تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق (٢)، مع كثرة علمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، ومحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعه أدبه، وكذلك سيرتهم فى رجال الحرب، يقدّمون من قدّمته شجاعته، وعظمت فى الحروب نكايته، فشجع عندكم بذلك الجبان، وأقدم الهيبان (٣)، ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق العيىّ، وشعر البكىّ. . وتنافس الناس فى العلوم، ثم هم مع ذلك فى غاية التقصير، ونهاية التفريط من أجل أن علماء الأمصار دونوا فضائل أعيانهم، وقلّدوا الكتب مآثر أقطارهم وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرا فى الغابرين، و (لسان (٤) صدق فى الآخرين). وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم فى ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح، يخاف إن صنّف، أن يعنّف، أو (تخطفه (٥) الطّير أو تهوى به الرّيح فى مكان سحيق) لم يتعب أحد منهم نفسا فى [جمع] مفاخر [أهل] بلده ولم يستعمل نقسا (مدادا) فى فضائل ملوكه، ولا بلّ قلما بمناقب كتّابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسا بمحاسن قضاته وعلمائه. على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغا، ولم تضق عليه المسالك هنالك. ولكن همّ كل أحد منهم أن يطلب شأو (٦) من تقدّمه من رؤساء العلماء، ليحوز قصب السّبق، ويفوز بقدح (٧) ابن مقبل، ويأخذ بكظم (٨) دغفل، ويصير شجّى فى حلق

стр. 4836

أبى العميثل (١)، فإذا أدرك بغيته، واخترمته-بعد-منيته، دفن علمه معه، ومات ذكره، وانقطع خبره. ومن قدّمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألّفوا دواوين يبقى لهم بها ذكر يتجدّد طول الأبد. فإن قلت إنه كان مثل ذلك من علمائكم، وألفوا كتبا لكنها لم تضل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق، لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو رحلة قارب، لو نفث (٢) ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من فى القبور، فضلا عمّن فى الدور والقصور، وتلقّوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذى سمّاه بالعقد (٣). على أنه يلحقه فيه بعض اللّوم، إذ لم يجعل فضائل بلده واسطة (٤) عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطوّل، وأخطأ المفصل (٥)، وأطال الهزّ بسيف غير مقصل (٦)، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهمهم. فأرشد أخاك-أرشدك الله-إن كان عندك فى ذلك الجليّة، وبيدك فصل القضية، إن شاء الله». وقد ذكرت الرسالة بتمامها لأدل على ما أصابه نثر الرسائل الشخصية من إحكام فى الصياغة، حتى ليقترب أسلوب الرسالة من أسلوب الجاحظ وما اشتهر به من المزاوجة وكثرة الترادف، فالعبارات تتقابل دون أن تتحد نهاياتها بأسجاع متعاقبة، وإن حدثت سجعة عفوا سرعان ما يعدل ابن الربيب عن مثيلة لها إلى التعادل والترادف فى العبارات. ونشعر بجانب ذلك أن الصياغة محكمة، فالألفاظ جزلة مصقولة، أحكم ترتيبها كما أحكم وضع الاقتباسين القرآنيين فيها، مع الإطراف فى الكنايات والاستعارات، كتعبيره فى تكاسل الأندلسيين عن الكتابة عن أعلام بلدهم، إذ يقول: «كل امرئ منهم قائم فى ظله لا يبرح، وثابت على كعبه لا يتزحزح» ويقول عمن أهمل الكتابة عن الكتاب والوزراء: إنه «لم يبلّ قلما بمناقبهم» يقصد أنه لم يغمس قلمه فى مداد للكتابة عنهم. ويترك الكناية إلى الاستعارة قائلا: «على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه». ويستغل ثقافته فى التعبير عن الفوز والظفر، إذ يقول: وليستغل قصب السّبق، ويفوز بقدح ابن مقبل الذى تغنى فى شعره بفوزه، ويأخذ بكظم دغفل كأنما يساويه فى قدرته المشهورة بعلم الأنساب، ويصبح شجى وغصّة فى حلق أبى العميثل على نحو ما أصابه أبو تمام بغصة مريرة حين ردّ عليه ردّا مفحما. وتلطّف ابن الربيب لمخاطبه أبى المغيرة بن حزم الأندلسى حين قال له:

стр. 4837

«لو نفث ببلدكم مصدور (مريض بصدره) لأسمع ببلدنا من فى القبور فضلا عمن فى الدور والقصور». ثم أورد عليه إشكالا ربما كان هو السبب المهم فى الرسالة، ذلك أن ابن عبد ربه الأندلسى ألف كتابا أدبيا فى مجلدات سماه العقد الفريد، وهو مطبوع بمصر مرارا فى أربع مجلدات كبار، وفيه يعرض الثقافة الأدبية فى المشرق، ولم يعن فيه بالحديث عن أدباء بلده وشعرائه إلا ما كان من تمثله ببعض شعرهم وذكره للشاعر الأندلسى يحيى الغزال، أما بعد ذلك فالكتاب مشرقى خالص بما فيه من أخبار وشعر ونثر مما جعل الصاحب بن عباد حين اطلع عليه يقول: «هذه بضاعتنا ردّت إلينا». وابن الربيب محق فى اعتراضه على كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، لأنه لم بعرض فضائل بلده وما أنتج من نثر وكتّاب وشعر وشعراء، غير أن ابن عبد ربه قصد بكتابه العقد إلى ذلك وأن يعرض على مواطنيه الأدب المشرقى. على أن ابن الربيب بالغ، فإن وراء ابن عبد ربه كثيرين من الأندلسيين عنوا بعرض أخبار ولاتهم وحكامهم، نذكر منهم عبد الملك بن حبيب المتوفى سنة ٢٣٨ وفى كتابه تحدث عن تاريخ الأندلس حتى أيام معاصره: عبد الرحمن الأوسط، ولأحمد بن محمد الرازى المتوفى سنة ٣٤٤ للهجرة كتاب أخبار ملوك الأندلس، ولابن القوطية المتوفى سنة ٣٦٧ كتاب تاريخ افتتاح الأندلس يتحدث فيه من الفتح حتى نهاية أيام الأمير عبد الله سنة ٣٠٠ وفى أخبار الفقهاء والقضاة والعلماء من كل صنف تلقانا كتب مثل كتاب الفقهاء لابن عبد البر أحمد بن محمد وتاريخ قضاة قرطبة للخشنى المتوفى سنة ٣٦١ ومن كتب الأطباء والصيادلة طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل المتوفى سنة ٣٧٧ ومن كتب اللغويين كتاب طبقات النحويين واللغويين للزبيدى المتوفى سنة ٣٧٩ ومن كتب العلماء الأندلسيين عامة تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضى المتوفى سنة ٤٠٣. فالأندلسيون لم يقصروا فى حق ملوكهم وعلمائهم كما تبادر إلى ظن ابن الربيب، وسيكثرون بعد زمن ابن الربيب من كتابة المجلدات الضخام فيهم وفى الشعراء كما نعرف مثلا عن المقتبس لأبى حيان والذخيرة لابن بسام. ولا تسجّل كتب التراجم والأدب فى الحقب التالية رسائل شخصية جزائرية أدبية طريفة من طراز رسالة ابن الربيب، بل تظل مغفلة هذا النوع من الرسائل، ومن المؤكد أنها أخذت تزدان بالسجع منذ ازدانت به الرسائل الديوانية الحمادية، وكان مما عمل على ذلك أن الأندلس أخذت تلقى بطائفة من صفوة كتابها منذ القرن السابع الهجرى إلى بجاية وشقيقاتها من مدن الجزائر، وكان لبجاية منهم الحظ الأوفر، فقد نزلها واستوطنها-على الأقل فترة طويلة- غير كاتب منهم، وقد عرضنا فى غير هذا الموضع لمن نزلها من المتصوفة وكيف كان لهم تأثير كبير فى أهلها وفى شيوع الشعر الصوفى بينهم واستقرار كثير منه فى صدورهم وأفئدتهم. ونلاحظ نفس الملاحظة على من نزلها من كبار الكتاب الأندلسيين واستوطنها إلى آخر حياته أو أقام فيها شطرا كبيرا من حياته ثم رحل عنها إلى تونس، ومن يرجع إلى كتاب عنوان

стр. 4838

الدراية للغبرينى الذى ترجم فيه للعلماء والأدباء ببجاية فى القرن السابع وشطر من القرن السادس يحسّ أن تراجم الكتاب مقسومة بين تراجم بجائية وتراجم أندلسية. وكان البجائيون أخذوا يتأتقون فى كتابتهم الأدبية واندمج ذوقهم فى الذوق الأندلسى الأنيق وأصبحنا بإزاء كتابة أنيقة عامة فى الرسائل الشخصية والديوانية، وحتى فى كتب التراجم كما نجد فى صدر كثير من تراجم الغبرينى فى كتابه عنوان الدراية، وفى التعريف بملوك الدولة الزيانية عند يحيى بن خلدون ومحمد بن عبد الله التنسى. فإذا قلنا إن الرسائل الشخصية أخذت تطبع فى الجزائر-منذ القرن السادس الهجرى- بطوابع السجع، بل لقد كانت تضيف إلى ذلك حلى من المحسنات البديعية لم نكن مبالغين. ونمضى إلى العهد العثمانى وتظل للرسائل الشخصية هذه السمات مع ما يداخلها من التكلف، وكان أحمد المقّرى صاحب نفح الطيب راسل عبد الكريم الفكّون شيخ الإسلام بقسنطينة، وظل حكام الجزائر العثمانيون يعينونه أميرا للحج عن بلده والجزائر عامة، وكان المقرى أرسل إليه بمنظومة فى علم الكلام يتمنى أن يتلطف بصنع شرح لها، فردّ عليه برسالة أثبتها المقرى فى نفح الطيب قائلا فى ديباجتها إنها كتاب وافاه من عالم قسنطينة وصالحها وكبيرها وفقيهها، سلالة العلماء والأكابر، وارث المجد كابرا عن كابر، المؤلف العلامة الشيخ عبد الكريم الفكون حفظه الله. وبعد البسملة والصلاة على الرسول الكريم يقول الفكون (١): «إنّي أحمد الله إليك وأصلى على نبيه سيدنا محمد، ولا أريد إلا صالح الدعاء وطلبه منكم، فإنى أحوج الناس إليه، وأشدهم فى ظنى إلحاحا عليه، لما تحققت من أحوال نفسى الأمّارة، واستبطنت من دخيلاتها المثابرة على حب الدنيا الغرّارة، كأنما عميت عن الأهوال التى أشابت رءوس الأطفال، وقطعت أعناق كمّل الرجال، فتراها فى لجج هواها خائضة، وفى ميدان شهوائها راكضة، طغت فى غيّها وما لانت، وجمحت فما انقادت ولا استقامت. . . والله أسأل حسن الألطاف، والسّتر عما ارتكبناه من التعدى والإسراف، وأن يجعلنا من أهل الحمى العظيم، وممن يحشر تحت لواء خلاصته الكريم: سندنا سيدنا ومولانا وشفيعنا النبى الرءوف الرحيم. . وقد اتصل بيدى جوابكم، أطال الله فى العلم بقاءكم، فرأيت من عذوبة ألفاظكم وبلاغة خطابكم، ما يذهل من العلماء فحولها، وينيلها لدى الجثوّ (٢) لسماعه سؤلها ومأمولها. . وقد ذيّلتموه بأبيات أنا أقل من أن أوصف بمثلها، على أنى غير قائم بفرضها ونفلها، فالله تعالى يمدكم بمعونته، ويجعلكم من أهل مناجاته بحضرته. . وظنّنا لكم أن نجعل على منظومتكم الكلامية يعنى: «إضاءة الدجنّة» تقييدا

стр. 4839

أرجو من الله فيه توفيقا وتسديدا بحسب قدرى لا على قدركم، وعلى مثل فكرى القاصر لا على عظيم فكركم. .» ويختم الرسالة بالصلاة على سيد الخلق ويذكر أنها كتبت فى سابع أو ثامن رجب من عام ١٠٣٨ للهجرة. وواضح ما يجرى فى الرسالة من سجع متكلف وأنها تقوم على المبالغة المسرفة حتى لينسب الشيخ إلى نفسه الإسراف فى الشهوات والآثام، لا لأن ذلك حقيقة ولكن لأنه يريد صنع سجعات، ويقول إن نفسه عميت عن الأهوال التى أشابت رءوس الأطفال وقطعت أعناق كمّل الرجال، والمبالغات فى الرسالة أكثر من أن نحصيها أو نقف عندها، وقد اجتلبت من أجل السجعات ورصفها. ودائما نلتقى فى رسائل العهد العثمانى بمثل هذه المبالغات حتى فى رسائل التعزية، على نحو ما نجد فى تعزية للمفتى محمد بن حسين عزّى بها عبد الرزّاق بن حمادوش فى ابن له توفاه الله، فكتب إليه (١): «بلغنا ما أحار الأذهان وأشجاها (٢)، وأطار النوم من الأجفان وأبلاها، وأضرم لواعج الأشواق، وأذكى (٣) زواعج الاحتراق، بالذى صدع أعشار (٤) القلوب، وأفاض على صحن الخدّ الدموع من الغروب (٥). . حتى أدركتنى محنتك وموت ولدك فأخذتنى الصدمة، وهيجت لى المحنة، فلقد رمانا الدهر بسهام صروفه فأصمانا (٦)، وتعهدنا خطبه فهدّ عروشا وأركانا. والرسالة مبنية على المبالغة الشديدة فقد بلغه ما أشجاه وأغصّه، وأطار النوم من جفونه وجعلها بالية خلقة، وهى مبالغة شديدة أتبعها بلواعج الأشواق، ومكانها فى التعزية قلق وأشد منها قلقا السجعة التالية لها. وقد بلغه ما صدع وشقق قطع قلبه. والمجئ بصحن الخد شديد التكلف. ويبدو أنه كان فقد عزيزا قبل ذلك فتكسر النصل على النصل فى فؤاده، وأصابته سهام الدهر فى الصميم كما أصابت ابن حمادوش، وقد بالغ مبالغات شتى فى تصوير حزنه. ولعله حشدها من أجل السجع. ٤ - المقامات يبدو أن الجزائر-مثل بقية البلدان العربية-عرفت المقامات مبكرة، إذ كانت فنا جديدا أعجب به أدباء العرب فى كل مكان وأخذوا يتدارسونه، ونلتقى فى القرن السادس الهجرى

стр. 4840

بجزائرى يكتب فى هذا الفن هو الوهرانى المتوفى سنة ٥٧٥ هـ وسنفرد له ترجمة، ويذكر الغبرينى فى كتابه عنوان الدراية طائفة من الأساتذة كانوا يدرسون مقامات الحريرى للطلاب طوال القرن السابع الهجرى مثل عبد الله بن نعيم الحضرمى ويوسف بن يخلف ومحمد بن الحسن بن ميمون القلعى، غير أن أدباء الجزائر قبل العهد العثمانى لم يحاولوا محاكاة الوهرانى فى مقاماته ولا محاكاة كتابها الأصليين من أمثال بديع الزمان الهمذانى والحريرى. أما فى عهد العثمانيين فنجد غير أديب يحاول كتابتها على نحو ما نجد عند أحمد البونى، إذ كتب سنة ١١٠٦ هـ/١٦٩٤ م مقامة (١) فى أربع صفحات بعنوان: «إعلام الأخيار بغرائب الوقائع والأخبار» وهى فى بيان علاقة العلماء بالسلطة والشكوى من وشايات أهل العصر، ويستهلها بقوله: «الحمد لله الذى جعل المصائب وسائل لمغفرة الذنوب، والنوائب فضائل لذوى الأقدار والخطوب، وسلط- -على الأشراف أرباب الزور والفجور والإسراف. . . وبعد أيها العلماء والفضلاء النبلاء الكملاء فرّغوا أذهانكم وألقوا آذانكم، وتأملوا ما يلقى إليكم من الخبر الغريب، وما يرسله الله تعالى على كل عاقل أريب، فقد ارتفعت الأشرار، واتضعت أرباب المعارف والأسرار، وانقلبت الأعيان، وفشا فى الناس الزور والبهتان، وأهملت أحكام الشريعة، وتصدّى لها كل ذى نفس للشر سريعة. بينما نحن فى عيش ظله وريف، وفى أهنأ لذة بقراءة العلم الشريف، إذ سعى فى تشتيت أحوالنا وقلوبنا، وهتك أستارنا وعيوبنا، من لا يخاف الله ولا يتقيه، فرمى كل صالح وفقيه، بما هو لاقيه، واعتدّ فى ذلك بقوم يظنون أنهم أفاضل، وهم-والله-أوباش أراذل. وما كفاه بثّ ذلك فى كل ميدان. . حتى أوصله لمسامع السلطان، فلم نشعر إلا ومكاتبات واردة علينا من جانب الأمير، بعزل صديقنا الشهير. . من خطة الفتوى، مع أنه ذو علم وتقوى، وتحيرنا من ذلك أشد التحير، وتغيرنا بسببه أعظم التغير». ومن التجوز تسمية ذلك مقامة إذ لا تقوم على الكدية والشحاذة الأدبية وأقاصيص الأدباء السيارين الذين يجولون فى البلاد متفاصحين بأدبهم، محتالين على الناس حيلا شتى فى أخذ دراهمهم ودنانيرهم، على نحو ما نعرف عند بديع الزمان والحريرى، إنما ذلك أشبه برسالة تتناول موضوعا هو وشاية الناس النمامين لذوى السلطان للوقيعة بينهم وبين بعض العلماء، ولا مقامة، ولا ما يشبه المقامة. وبعد نحو عشر سنوات أو تزيد قليلا ألف محمد بن ميمون ترجمة لوالى الجزائر محمد بكداش سماها التحفة المرضية فى الدولة البكداشية فى بلاد الجزائر المحمية»، وجعلها فى ستة

стр. 4841

عشر فصلا، وسمىّ كل فصل مقامة تحكى جانبا من سيرة الوالى العثمانى محمد بكداش (١١١٧ - ١١٢١ هـ) والمقامة الأولى أو الفصل الأول فى نبذة من أخلاق محمد بكداش، ثم تتوالى المقامات أو الفصول عن أعماله. والصلة الوحيدة بين الفصول وبين المقامة هو تسمية فصولها مقامات، أما بعد ذلك فهى ترجمة متكاملة لسيرة وال عثمانى وكل ما يمكن أن يكون بينها وبين المقامة من شبه هو كتابتها سجعا، وقديما كتب العتبى المتوفى سنة ٤٢٧ هـ/١٠٣٥ م سيرة محمود الغزنوى سجعا فى كتابه عنه الذى سماه اليمينى نسبة إلى لقب محمود الذى لقبه به الخليفة العباسى: يمين الدولة، ونسج على منواله العماد الأصبهانى فى كتابه: «الفيح القسّى فى الفتح القدسى» وفيه يصف بإسهاب فتح صلاح الدين لبيت المقدس سجعا. ولم يقتبس محمد بن ميمون فى كتابه من أسلوب المقامات السجع وحده، فقد اقتبس أيضا ألفاظا لغوية وأنواعا بديعية كما قال فى مقدمته. ويقدم ابن حمادوش الجزائرى المتوفى بأخرة من القرن الثانى عشر الهجرى ثلاث مقامات فى رحلته المنشورة بالجزائر بتحقيق د. أبى القاسم سعد الله، وأولاها تصف الطريق من تطوان إلى مكناس وما رآه فيها من غرائب، يقول (١): «ومن غريب ما رأيت فى مرج طويل أنى رأيت غرّتين، كل واحدة فى أفحوصها (٢) فوق الماء، تحضن بيضها، وشهد أهل الحى كبيرهم وصغيرهم أن الغر وأبا غطاس وطيورا أخرى لا تلد إلا فوق الماء فى الموضع الذى يكون عليه كقطعة حصير من الكلأ (٣)، يبنون به أفحوصهم ويبيضون ويفرخون، ولا يمسّ بيضهم الماء، وإن مسّه الماء فسد، وهو يبنى بناء صحيحا جدا. وأتونا ببيض الغرّ، معظمه كبيض الدجاج، ولونه كلون بيض الحجل (٤)، إلا أنه أشد بياضا من بيض الحجل، وفيه نقط سود. والغر طائر قدر الدجاج أسود اللون وبين عينيه غرة بيضاء. . ومن غرائب ما رأيت أن فى هذا المرج قوارب يصطادون بها السمك والطير وبيضه، ويعدّون (يجتازون) عليها من ناحية إلى أخرى، ويحملون عليها أحمال الزرع وغيره، وهى من حزم البردى (٥)، يعقدون حزمة بحبال الدوم الرقاق ويجعلونها وسطى، ويعقدون حزمتين، يجعلون من كل ناحية واحدة عالية يمينا وشمالا، ووسطها منخفض، ويجمعون بينها بالربط من مقدمها، ويشدّون الكل بالربط بينها. ويركب فيها، ويمسك الراكب فى يده عودا طويلا يكتدّ (٦) به ولا يقذف».

стр. 4842

وابن حمادوش يقول إن أغرب ما رآه فى طريقه من تطوان إلى مكناسة طائرات من الغر فى بركة بأحد المروج، والغر معروف فى مصر بنفس الاسم ويرى كثيرا شتاء فى الإسكندرية ودمياط وبور سعيد أو بعبارة أدق فى البرك والبحيرات هناك. ويذكر للناس هناك قصة عنه: أنه بينى أفحوصه أو مرقده للبيض على قطعة من حصير الكلأ، وإنه ما يزال يتعهد بيضه حتى لا يمسه الماء فيفسد، وحتى يفرخ، ويصف بيضه وصفا دقيقا، ثم يذكر ما رآه فى نفس المرج وبركته من قوارب صيد السمك والطير وبيضه، وكيف أنها كانت تصنع من نبات البردى، وتضم حزمه بعضها إلى بعض بحبال الدوم الرقاق، وهى بذلك تشبه أدق الشبه قوارب الصيد أيام الفراعنة، وتطورت هذه القوارب عند المصريين حتى أصبحت سفنا كبيرة تجرى فى المياه بمجاديف متعددة، ولم تكن أعواد القوارب التى رآها ابن حمادوش تقذف بمياه أى أنها لم تكن مجاديف، إنما كانت ما يسمى فى مصر عند صياديها وملاحيها باسم مدرى، وهى عود طويل من خشب يدفع به النّوتىّ القارب، ممسكا به بيديه ودافعا له بصدره بمنتهى ما يملك من قوة، ليندفع القارب كما يريد. وليس فى المقامة كدية ولا شحاذة أدبية بل هى وصف لطريق ومشاهده وصفا أدبيا. ولا يلبث ابن حمادوش أن يورد فى رحلته مقامة ثانية باسم المقامة الهركلية، ويستهلها قائلا (١): «الحمد لله حدا بى حادى الرحلة إلى أن دخلت فى بعض أسفارى هركلة (٢)، فنزلت بها فى خان (٣) كأنه من أبيات النيران، أو كنائس الرهبان، بل لا شك أنه من أبيات العصيان، فلذلك لا يسرّ به الناظر، ولا ينشرح له الخاطر، فاختصصت منه بحجرة، أو نقرة فى حجرة، وكأنى وقعت من السماء فى حفرة، أو تبعت أفعوانا فدخلت جحره، فغلّقت بابى، لأحفظ حيائى وأومّن جنابى، من شدة أتعايى. . حتى مدّ الليل جناحه، وأوقد فى السماء مصباحه، وهدأت الأصوات، وصرنا كالأموات، وتوغلت فى حبائل النوم، ولم أدر ما هنالك من القوم، ولم توقظنى إلا جلبة الأصوات. . . وشددت الرحال، وتهيأت للترحال». والمقامة ليس فيها إلا هذا الوصف للخان، فهى أضعف من صاحبتها أدبيا أو من حيث المشاهد الأدبية، وسمى البلد هركلة ولعله يريد هرجلة لما سمع فى الفندق من هرج وصياح وجلبة هنا وهناك، مما جعله يشد الرحال ويعزم على الترحال. ويورد فى رحلته مقامة ثالثة لكن لا فى وصف بعض المشاهد أو المدن أو الفنادق، وإنما فى وصف زوجته التى كانت تمتلئ عليه سخطا كما يقول فى رحلته حين تجده يخسر أمواله فى التجارة، وكذلك حين

стр. 4843

تجد علمه لا يروج ولا يردّ عليه ما يخسره، مما كان يجعلها تعمد إلى مغاضبته، وفيها يقول فى مقامته الثالثة التى سماها المقامة الحالية واصفا لها (١): «قرنت بجارة غرّة (٢)، عيشتها مرة، آمالها ظنون ورغبتها فيما لا يكون، الدهر كله ساخطة، ومطالبها شائطة (٣)، تخزيك أو تحرجك أو تحزنك، لا تطلب إلا العنقاء (٤)، ولا ترغب إلا فى الرّخ (٥)، ولا تتغذى إلا بيض (٦) الأنوق، ولا تجنى إلا ثمرة الخلاف، ولا تركن إلا لعدم الإسعاف. . غذتها أمّها لبن القرود، فشبّت لا تألف المقصود. . بيد أنها تسرّ الناظرين، وتصبى السّامعين، يصبو إليها الحليم، ويرنو إليها الكريم. . أشبهت فى القدّ الغصن القويم، والسّمهرىّ (٧) المستقيم، وقد صدق عليها قول الشاعر: أسيلات أبدان رقاق خصورها ... وثيرات ما التاثت عليه المآزر (٨) كأنها درّة مصونة، أو جوهرة مكنونة. . فلذا اخترتها أما لأولادى، ومنفقة (٩) لطارفى وتلادى علما منى أن الدنيا دار كدر، وقليل فيها ما يسرّ، نظرا لقول الصادق الصدوق: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة». وهو قضاؤه وقضاء كثيرين مثل ابن حمادوش يسيئون اختيار زوجاتهم، لما قد يصبيهم فيهنّ من حسن وجمال كما أصبى ابن حمادوش، ومع ذلك فهناك زوجات كثيرات جميلات خلقة وخلقا لأنهن من أصل كريم. وقد صوّر ابن حمادوش زوجته غرة يسهل انخداعها، بل جمعت السوء كله إذ عيشتها مرة، ودائما غاضبة ساخطة تطلب ما لا يتأتّى ولا يكون، ولا تترك وسيلة لخزى زوجها وإحراجه إلا تقترفها، ودائما تطلب منه المستحيل من مثل طير العنقاء والرخ الأسطوريين وبيض النوق الذى لا يمكن أن يوجد. ودأبها دائما الخلاف بل لكأنما تجد فيه لذتها فهى تجنيه وتقطفه من كل واد ومن كل طريق، ولكأنما غذّتها أمها بلبن القرود فهى ما تنى تقفز من خلاف إلى خلاف ومن نكد وغمّ إلى نكد وغم. وقد يكون ابن حمادوش أراد أن أن يداعب زوجته، فجرته المداعبة إلى هذه المبالغات التى استخدم فيها محفوظاته من مثل العنقاء وطائر الرخ وبيض الأنوق وثمر الخلاف أو شجره. وقد يدل على ذلك أنه عاد يصفها بصفات جمال مختلفة، ويجعلها درة مصونة أو جوهرة مكنونة. وواضح

стр. 4844

أن هذه المقامة الثالثة تبعد بدورها عن فن المقامة كما رسمه بديع الزمان والحريرى، وكان حريا بابن حمادوش أن لا يسمى تلك الأعمال الثلاثة مقامات. وكأن الجزائر لم تعرف فن المقامة برسومه وتقاليده وخصائصه، ولذلك يكون من الصعب أن يقال إنها شاركت فيه، لأن أديبا سمى عملا له مقامة أو سمّاه له آخرون، بينما هو لا يمت إلى فن المقامة بصلة حقيقية. ٥ - كبار الكتاب [(أ)] أبو القاسم عبد (١) الرحمن القالمى أغفلت كتب التراجم الحديث المفصّل عن سيرة هذا الكاتب الفذ الذى تنبّه إليه عبد المؤمن سلطان دولة الموحدين حين استولى على بجاية سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م وقضى فيها على الدولة الحمادية، فألحقه بكتّابه كما يقول عبد الواحد المراكشى، ويذكر أنه من ضيعة من أعمالها تعرف بقالم، وكان من كتاب الدولة الحمادية وربما قرأ له عبد المؤمن رسالة عن يحيى بن العزيز آخر ولاة هذه الدولة إليه فأعجب بكتابته، وكان قد استسلم له يحيى وصحبه معه إلى مراكش، فربما هو الذى أشار عليه به. على كل حال صحبه معه عبد المؤمن-كما صحب يحيى-إلى مراكش، وألحقه بكتاب الإنشاء فى ديوانه، وكان يكتب معه فيه أبو جعفر أحمد بن عطية وأخوه أبو عقيل وعبد الملك بن عياش، ولما توفى عبد المؤمن سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٢ م وخلفه ابنه يوسف ظل يكتب له مع عبد الملك بن عياش، ويبدو أنه لم يعمر طويلا فى عهده، وأنه ظل فيه سنوات معدودة، إذ لم تؤثر له رسالة عنه دوّنت فى مجموع رسائل موحدية المنشور بالرباط، وكل ما له فيه رسالتان عن عبد المؤمن، يتحدث فى إحداهما عن تنكيله بالنصارى فى ضواحى قرطبة، حين حاولوا الإغارة على الجيش العربى وولوا على وجوههم مدحورين، وفى الثانية يتحدث عن هزيمة الأعراب الهلاليين واستسلام الكثرة من القبائل للموحدين ودخولهم فى طاعتهم، بحيث لم تدخل سنة خمس وخمسين وخمسمائة حتى اندمحوا فى دعوة الموحدين والشعب المغربى بعد أن ظلوا يعيثون فسادا فى ديار المغرب نحو قرن كامل، وهو يستهل الرسالة الثانية بقوله (٢): «من أمير المؤمنين-أيّده الله بنصره، وأمدّه بمعونته-إلى الطلبة والشيوخ والأعيان

стр. 4845

والكافّة من الموحدين من أهل فاس، أعزّهم الله بتقواه، وأدام كرامتهم بحسناه-سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فالحمد لله الذى تمّم مقاصد أوليائه فيما اعتمدوه من إقامة أمره الواجب، وأناف (١) بأغراضهم المقصورة على مرضاته على مطامح المطالب ومدارك الرغائب. وبلّغهم فى أعدائهم- الذين ولّوا أمر الله-وقد استقبلهم-جانب الإعراض والإدبار، و ﴿بَدَّلُوا (٢)﴾ نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَاارِ -أمانىّ الظافر الغالب. ووكّل بهم أيّة ولجوا، وعلى أى مدرج درجوا من النّصر المحالف المصاحب ما يكون لعامّة أكنافهم، وجنبات أوساطهم وأطرافهم، عين المحافظ المراقب. ومكن لهم إنقاذا لمقدوره، وإفاضة لأشعة نوره، أسباب التقلب فى أفياء (٣) الأمنة وظلال السكون من جانب إلى جانب، وأحظاهم (٤) نعمة منه وفضلا وقد فاءوا (٥) بشرف الفتح الجسيم (٦)، واحتقاب (٧) الحظ العميم، وابتغوا ﴿رِضْاانَ (٨)﴾ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ وجعل أمرهم الذى هو أمره ناظما إلى قيام الساعة بين أطراف المشارق والمغارب. والصلاة على محمد عبده ورسوله الحاشر (٩) العاقب (١٠)، الصادع (١١) بنوره الثاقب (١٢)، لبابة (١٣) الانتخاب وسلالة الانتجاب من لؤى بن غالب، المنبعث لتتميم مكارم الأخلاق بما خصّه من الضرائب (١٤) المقدسة والمناقب، وعلى آله وصحبه أولى العزم العاكف الدائب، والجدّ الثابت اللازب (١٥) والأثرة (المنزلة) المشتملة على شرف المناسب، وزلف المناصب. وأسأل الله الرضا عن الإمام المعصوم، المهدىّ المعلوم، القائم بأمر الله وقد التفّت حجب الغياهب، وتفرّقت سبل المذاهب، وخبط من ليل الحيرة فى حيث لا منقذ لجاء ولا مخلّص لذاهب، فهدى الله بهداه إلى الواضح اللاحب (١٦)، وأنقذ به من هوة العاثر وشفا العاطب». وهذه فاتحة الرسالة وهو يطيل فى تحميدها وشكر الله على ما أتاح للموحدين من نصر عظيم، وكأنه يجعل ذلك استهلالا وإرهاصا لموضوع الرسالة، وهو هزيمة العرب الهلالية هزيمة ساحقة. ولا نكاد نقرأ فى التحميد حتى نلاحظ طول السجعة البائية التى بناها عليها، بل لقد بنى عليها سجعات المقدمة جميعها فى التحميد والصلاة على الرسول الكريم والدعاء

стр. 4846

لابن تومرت مهدى الموحدين. وهذا الطول فى السجعات قصد إليه قصدا، لكى يضمّن كل سجعة فى داخلها سجعتين أو أكثر. وهو يبتدئ ذلك منذ السجعة الثالثة: «وبلّغهم فى أعدائهم الذين ولوا أمر الله وقد استقبلهم جانب الإعراض والإدبار، و (بدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار) أمانىّ الظافر الغالب. والسجعة بائية وفى داخلها سجعتان رائيتان حتى تتشابك الكلمات فى داخلها وتتعانق، فيتم بذلك تناسق صوتى بديع. وهو تناسق تضيئه آية قرآنية وتزينه وتضيف إليه روعة. وتليها هذه السجعة: وو كلّ بهم أيّة ولجوا وعلى أى مدرج درجوا، من النصر المحالف المصاحب، ما يكون لعامة أكنافهم، وجنبات أوساطهم وأطرافهم، عين المحافظ المراقب». وفى داخل السجعة البائية سجعة جيمية فى أولها ثم سجعة ميمية، وكأن الكلمات داخل السجعة تريد أن تتعانق عن طريق هذه الإرنانات المتلاحقة. وتكثر بجانب ذلك الصور والاستعارات، ويكثر تلاحم الألفاظ لدقة انتخابها واختيارها مما يدل على أن القالمى كان كاتبا بارعا حقا. والرسالة طويلة، غير أنها-بجانب بلاغتها-ذات أهمية تاريخية فإن القالمى يذكر أنه لم يعد للقبيل الرياحى من بنى هلال المستولى على أنحاء كثيرة فى الجزائر ذكر يسمع ولا حديث يرفع، ولا أثر يتقصّى ويتتبّع، إذ لحقوا بقبيل العدم وأصبحوا كهشيم ألهبته نفحة ضرم (شرر) ولم يجدوا إلى مستخلص سبيلا ويتمثل بالذكر الحكيم: (أينما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلا) إلا ما كان من قبيلة بنى محمد الرياحية، إذ ألقوا بمقاليد الانقياد، وانخرطوا فى سلك أهل التوحيد بجميع الأنفس والأموال والأولاد، وربطوا أنفسهم مدى أعمارهم على مضافرة (١) الغزو ومصابرة الجهاد. وأما قبيلة جشم فهم بمحلات أهل التوحيد معسكرون وعلى أعدل طريق المطاوعة والمتابعة مستمرون، وهم عدد لا يحمله إلا البساط الفيّاح (٢)، وكل من هذين الحيّين: الجشمى والفخذ المحمّدى الرّياحى عزم-وعزم به-على أن تختطّ إن شاء الله بالمغرب دارهم، ويبوّأ هنا لك قرارهم ويقصر على خدمة هذا الأمر العزيز (يقصد دعوة الموحدين) جوارهم. فالحيان الأعرابيان الكبيران: فخذ بنى محمد الرياحى الهلالى وفخذ جشم سيختط لهما منازل فى الديار المغربية يكون فيها مستقرهم. وأما قبائل الأثبج وزغية فيقول القالمى عنهم إن أعيانهم وصلوا مراكش عاصمة الموحدين يمدون يد الاستتابة، ويطلقون ألسنة الإنابة والعودة إلى الطاعة. يقول القالمى: «وعلى الجملة فقد أظهر الله تعالى من بركة هذه الحركة الميمونة السعيدة ما لم يكن ينشأ بسماء الوهم والإحساس، ولا يجرى على أساليب القياس». فإن من درس القرن السابق لتلك الحركة وتسلط الأعراب فيه على المغرب الأوسط وتونس يظن أنهم لن يغلبوا على ما فى أيديهم، حتى كانت هذه الحركة لعبد المؤمن بعد أن

стр. 4847

استولى على بجاية سنة ٥٤٧، فإذا هو لا يصل إلى سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م؟ ؟ ؟ ؟ ى حر؟ ؟ ؟ ؟ القالمى هذه الرسالة كما يقول فى نهايتها حتى يكون قد قلّم أظفار أعراب اهلالية فى المغرب الأوسط، وانسحبت منهم عشيرة المحمدية كما انسحبت قبيلة جشم وانضمتا إلى جيشه وختط لهما منازل فى الديار المغربية. وجاءته قبائل الأثبج وزغبة معلنة طاعتها. واندمج الأعراب الذين عاشوا قرنا كاملا فى المغرب الأوسط وتونس وبعض ديار المغرب يسلبون وينهبون، اندمجوا فى البربر وأصبحوا شعبا واحدا بفضل هذه الحركة المباركة لعبد المؤمن كما يقول القالمى. ورسالته لذلك بجانب أنها وثيقة أدبية تعدّ وثيقة تاريخية فى غاية الأهمية. [(ب)] الوهرانى (١) هو أبو عبد الله محمد بن محرز الوهرانى، منشؤه ومرياه فى وهران الواقعة على البحر المتوسط غربى مدينة الجزائر، وكانت فيها-مثل بقية بلدان الجزائر-حركة علمية وأدبية أنتجت غير فقيه وأديب. وتفتحت موهبة الوهرانى الأدبية مبكرة، ورأى-بعد نضجه وشهرته بالأدب-أن يرحل إلى مصر لعل أدبه يروج فيها، فرحل إليها فى عهد السلطان صلاح الدين، ولقى وزيره الكاتب المشهور القاضى الفاضل ومن حوله من نبهاء الكتاب، وأحسّ أن بضاعته لا تروج عنده، فانصرف عنه وعن الكتابة الأدبية الجادة إلى الكتابة الأدبية الهزلية. وعرف القاضى الفاضل فيه قدرته على الخطابة، وكان كثير النزول بالشام مع صلاح الدين فى حروبه للصليبيين ويبدو أنه استدعاه هناك-أو لعله هو الذى رحل إليها-فعمل على تعيينه خطيبا فى جامع داريا بضواحى دمشق، وظل فى تلك الوظيفة حتى توفى سنة ٥٧٥ هـ/١١٨٠ م. ويقول ابن خلكان أنه لما علم قصوره عن طبقة القاضى الفاضل عدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل وعمل المنامات والرسائل المشهورة به والمنسوبة إليه، وهى كثيرة الوجود بأيدى الناس، وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه، ولو لم يكن له فيها إلا المنام الكبير لكفاه، فإنه أتى فيه بكل حلاوة، ولولا طوله لذكرته». والمنام الذى يشيد به ابن خلكان فى نحو أربعين صفحة من القطع الكبير ضمنه رسالة يرد بها على بعض أصحابه متماجنا بما ساقه من ألقابه العلمية والأدبية ومن كلام هزلى غلبه النوم فى أثنائه، فرأى فى حلمه أن القيامة قامت وأن مناديا ينادى الناس هلموا إلى العرض على الله ويلبيه كثيرون بين قدماء ومعاصرين منهم الملوك والحكام والسلاطين والأدباء والشعراء والعلماء من العرب والعجم والفسّاق والصلحاء، وهو دائما يهذى ويهزل فى لقاء كل من يلم به أو يمر

стр. 4848

عليه. ويرى بعض عظماء أمة محمد ﷺ ، كما يرى مالك خازن النار ويحاوره، ويرى الرسول مقبلا فى موكب عظيم من المقام المحمود يؤم مورد الحوض الذى يسقى منه أمته. يقول (١): «لما انتهى إلى شاطئ المشرعة (٢) تقدمت إليه الصوفية من كل مكان وفى أيديهم الأمشاط وأخلّة الأسنان، وقدموها بين يديه، فقال: صلّى الله عليه، من هؤلاء؟ فقيل له: قوم من أمتك غلب العجز والكسل على طباعهم، فتركوا المعايش وانقطعوا إلى المساجد، يأكلون وينامون فقال: فبماذا كانوا ينفعون الناس ويعينون بنى آدم؟ فقيل له: والله ولا بشئ البتة، ولا كانوا إلا كمثل شجر (٣) الخروع فى البستان، يشرب الماء ويضيق المكان». وهو نقد مغربى مبكر للصوفية وما يحملون من أمشاط لشعرهم وخلال لأسنانهم ولا عمل لهم ينفعون به الأمة، إلا ما كان من البطالة والكسل والتمويه على العامة بما يؤدون لهم من أطعمة وأكسية متظاهرين بالعبادة والنسك فى المساجد. وعلى نحو هذا النقد للصوفية ينقد كثيرين من معاصريه علماء وغير علماء كما ينقد كثيرين من القدماء ومواقفهم من على بن أبى طالب فى حرب صفين ومن الحسين فى مقتله بكربلاء، بينما نراه ينوّه بالأيوبيين: أسد الدين شيركوه وأخيه أيوب وابنه صلاح الدين، ولعله كان يحاول بذلك أن يتقرب من دولتهم. وربما كانت مقامته البغدادية الجادة أروع من هذا المنام الهزلى، وهو يستهلها بقوله (٤): «لما تعذرت مآربى، واضطربت مغاربى، ألقيت حبلى على غاربى (٥)، وجعلت مذهّبات الشعر بضاعتى، ومن أخلاف الأدب وضاعتى، فما مررت بأمير إلا حللت ساحته، واستمطرت راحته، ولا وزير إلا قرعت بابه، وطلبت ثوابه، ولا بقاض إلا أخذت سيبه (٦)، وأفرغت جيبه، فتقلبت بى الأعصار، وتقاذفتنى الأمصار، حتى قربت من العراق وسئمت من الفراق، فقصدت مدينة السلام (٧)، لأقضى حجّة الإسلام، فدخلتها بعد مقاساة الضرّ، ومكابدة العيش المر. . وتاقت نفسى إلى محادثة العقلاء، واشتاقت إلى معاشرة الفضلاء، فدلّنى بعض السادة الموالى، إلى دكّان الشيخ أبى المعالى، فقال هو بستان الأدب، وديوان العرب، يرجع إلى رأى مصيب، ويضرب فى كل علم بنصيب، فقصدت قصده، حتى جلست عنده، فحين نظر إلى، ورأى أثر السفر علىّ، بدأنى بالسلام، وبسطنى بالكلام، وقال: من أى البلاد خرجت وعن أيها درجت! فقلت: من المغرب الأقصى. . وقال كيف معرفتك بدهرك؟

стр. 4849

ومن تركته وراء ظهرك». وسأله عن دولة الملثمين ثم عن دولة الموحدين قائلا: ما تقول فى عبد المؤمن (أول ملوك الموحدين) وأولاده، وسيرته فى بلاده؟ فقلت: مؤيد من السماء، مسلّط على من فوق الماء، خضع له ذوو التيجان، وخدمه الإنس والجان، ولو أن للقلم لسانا، وللورقة إنسانا (١)، لتألمت، وتظلمت، ولأنشدتك فى الملا (٢) قول الشيخ أبى العلا (٣): جلوا صارما وتلوا باطلا ... وقالوا صدقنا فقلنا نعم (٤) ولكن السكوت عن هذا أنجح، ومسالمة الأفاعى أصلح» وأول المقامة شبيه بمقامات الحريرى وبديع الزمان فى تصوير حيلهم على الناس واستخراجهم لدراهمهم ودنانيرهم. ولكنها لا تلبث أن تتحول إلى حديث عن الدول المعاصرة ورجالها، وصاحب الدكان يسأل وهو يجيب، وقد سأله بعد الملثمين والموحدين من ملوك المغرب الأقصى عن حاكم صقلية النورماندى، وعن الدولة الفاطمية وزوال الحكم منها فى مصر إلى الدولة الأيوبية. ويشيد بغير أمير منها وخاصة صلاح الدين واستقدامه لأبيه وأهله ونقله الخلافة بمصر من الفاطميين إلى بنى العباس ببغداد، ويمتدح المستضيء الخليفة حينئذ وبعض وزرائه وصاحب ديوانه. ولعل أسلوبه اتضح من خلال ما ذكرته من هذه المقامة، إذ يتميز سجعه بالقصر مما يشيع فيه عذوبة بديعة، وقد مزج مديحه لعبد المؤمن بنقد لاذع لحكمه وأنه يقوم على البطش والقهر الشديد. وتلك طريقته العامة فى رسائله الكثيرة، إذ يخلط السم بالعسل، وقد تصبح سما خالصا. وله أكثر من ثلاثين رسالة موجهة إلى القاضى الفاضل وغيره من رجال الدولة محملة بكثير من هذه السموم. ويدل منامه الكبير ومقاماته ورسائله على ثقافة واسعة، وحياته وتحليل أعماله خليقان بدراسة مفصّلة. (ج) أبو الفضل (٥) بن محشرة هو أبو الفضل جعفر بن محمد بن على القيسى المشهور باسم ابن محشرة، من أهل مدينة بجاية، كان أبوه قاضيا بها وعنى بتربيته علميا وأدبيا، مما جعل الغبرينى ينعته فى عنوان الدراية بأنه الفقيه الجليل العالم الصدر النبيل النبيه الذكى السنّىّ القدر الكاتب البارع. وينعته عبد الواحد المراكشى فى كتابه: «المعجب»: ببراعة الكتابة وسعة الرواية وغزارة الحفظ وذكاء النفس. ويقول الغبرينى: «استدعاه الخليفة يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) إلى حاضرتهم بمراكش وكان يجله لحسن سمته وروائه ووقاره، وفى المعجب أنه كان يخدم أبا القاسم القالمى

стр. 4850

إلى أن مات، فكتب للخليفة يوسف بن عبد المؤمن مكانه، وقد يدل ذلك على أن القالمى- لا الخليفة يوسف-هو الذى استدعاه-ربما لمعرفته المظنونة بأبيه القاضى مواطنه أو لمعرفته بفضله. ويقول الغبرينى إنه ولد سنة ٥٤٠ هـ/١١٤٥ م أو قبلها بقليل، وتوفى سنة ٥٩٨ هـ/١٢٠١ م غير أن المراكشى فى المعجب يقول إنه كتب للخليفة يعقوب الموحدى بعد كتابته لأبيه يوسف، ولم يزل كاتبا له إلى أن توفى. ويقول أيضا إنه كتب ليعقوب بعد وفاته أبو عبد الله بن عياش، وفى التكملة (١) أن يعقوب استكتب ابن عياش فى سنة ٥٨٦ هـ/١١٤٠ م وكأن هذه هى السنة التى توفى فيها ابن محشرة لا سنة ٥٩٨ كما توهم الغبرينى. ولابن محشرة فى مجموع رسائل موحدية تسع رسائل: رسالة على لسان الخليفة يوسف الموحدى سنة ٥٧٦ هـ/١١٨٠ م وثمان على لسان الخليفة يعقوب الموحدى تبدأ فى سنة ٥٨٠ وهى السنة التى توفى فيها أبوه واستولى على صولجان الحكم، والرسالة الأولى موجهة من الخليفة يوسف الموحدى إلى الطلبة والموحدين والشيوخ والأعيان والكافّة بقرطبة يخبرهم فيها بأنه قام بحركة مباركة فى سنة ٥٧٥ إلى إفريقية التونسية استولى فيها على قفصة جنوبى تونس وقضى على ثائر بها وأنه اجتمع إلى سادة قبائل رياح وشيوخها فى تلك الرحلة وأنه أغراهم بارتحال قبائلهم إلى الأندلس لجهاد نصارى الإسبان مذكرا لهم بجهاد آبائهم فى الفتوح الإسلامية، وأنهم لبّوا دعوته، يقول ابن محشرة على لسانه (٢): «جمع أشياخ العرب وأعيانهم والمشار إليهم من رؤسائهم ووجوههم وكبرائهم من جميع قبائل رياح (الهلالية) فذكّروا بحقوق هذا الأمر العظيم وآلائه الجزيلة ومننه الجسام، ونبّهوا إلى ما كان لسلفهم من العرب من كريم السوابق فى أول الإسلام، وعرّفوا أن الغرض منهم إنما هو غزو الروم الذين بجزيرة الأندلس، فقد طال استشراؤهم (٣)، وأملى الله لهم فزاد عليه اجتراؤهم. وندبوا إلى أن ينفروا إلى ذلك بقضّهم وقضيضهم (٤)، نفرة من انبتّ (٥) عن الوطن، ونبذ علق المسكن والسكن، وإن كانت هذه البلاد هى التربة التى مسّت أولا جلودهم، وقضوا فيها من الشباب عهودهم، فالذى ينتقلون إليه من الرّباط فى سبيل الله يجمع لهم الخير فى الدين والدنيا، والشرف بالكون فى عداد كلمة الله العليا. . وذاكرنا الجماعة المذكورة فى ذلك ذكرى أفضت إلى قلوبهم، وخلصت إلى نفوسهم، وتغلغلت (٦) فى بواطنهم، فتحركت إلى ذلك حفائظهم (٧)، ومارت (٨) لنصر دين الله عزائمهم. . وقد سالت بهم

стр. 4851

الأباطح (١)، وامتلأت بجموعهم الموامى (٢) الفسائح. . وإن جموعهم لتكاثر الحصى (٣)، وتعادّ (٤) الدّبى، وتملأ الغيطان (٥) والرّبى». ولغة الرسالة جزلة مختارة، اختارها كاتب حاذق يعرف كيف يسوّى من اللغة أساليب تروق القارئ بسجعها ورصانة ألفاظها عامدا فى أحيان كثيرة إلى تأكيد معنى العبارة التى يوردها بجملة أو جمل ترادفها، فتزيدها إيضاحا وبيانا كقوله فى أواخر ما اقتبس من رسالته: «وذاكرنا الجماعة المذكورة فى ذلك ذكرى أفضت إلى قلوبهم، وخلصت إلى نفوسهم، وتغلغلت فى بواطنهم، فتحركت إلى ذلك حفائظهم، ومارت لنصر دين الله عزائمهم». والرسالة وثيقة تاريخية مهمة لأنها ترينا سياسة الموحدين الحصيفة، إذ لم يكتفوا بأن يستشعر أعراب الجزائر وإفريقية التونسية الولاء لهم فحسب، فقد رأوا أن ينقلوا جماهير غفيرة منهم إلى الأندلس للاستعانة بهم فى الحرب الدائرة هناك بين دولة الموحدين ونصارى الأندلس وكان لهم أثر كبير فى رجحان كفة الموحدين على أولئك النصارى فى وقائعهم معهم، واستنّ تلك السنة الخليفة يعقوب الموحدى مثل أبيه يوسف، وبذلك انتصر فى موقعة الأرك المشهورة سنة ٥٩١ هـ/١١٩٤ م. ولم تفض هذه السياسة إلى انتصار الموحدين فى الأندلس لعهد يوسف ويعقوب فقط فقد أفضت أيضا إلى كفّ أيدى الأعراب عن العبث لمدة قرن فى بلاد المغرب وخاصة فى الجزائر. وآخر رسالة لابن محشرة احتفظ بها مجموع رسائل موحدية كتبها- كما مر بنا-سنة ٥٨٦ على لسان يعقوب الموحدى إلى الطلبة-الموحدين-الأعيان والأشياخ والكافة بسبتة يخبرهم فيها بغزوة جيشه لابن الريق النصرانى فى غربى الأندلس وتنكيله بمن معه واستيلائه على حصن عظيم من حصونهم يسمى طرّش. وهو يستهل الرسالة بقوله (٦): «الحمد لله الذى أرغم لهذا الأمر العزيز شمّ المعاطس (٧)، وألان بأيده قباح (٨) الجامح الشامس، وأخضع لعزّته وسطوته كل جيد متطاول، وأخشع كل لحظ مشاوس (٩)، وحكم بظهور أمره، واستيلاء غلبته وقهره على ما توقّل (١٠) فى الشّمّ الشوامخ وتوغّل فى البيد البسابس (١١) ويسّر له من الفتوح الخارقة للعادة، المقودة بزمامى البركة والسعادة، ما تجاوز (١٢)

стр. 4852

تقدير المقدّر وقياس القائس، والصلاة على محمد نبيّه المصطفى، ورسوله الأكرم المجتبى، المختار من أشرف المحاتد (١) وأطيب المغارس، المسكت بفرقانه المعجز، وبيانه الموجز، كلّ نافس، والماحى بنور نبوته الخاتمة للملل، وشريعته الناسخة للأديان والنحل، مظلمات الغياهب (٢) ومدلهمات الحنادس». وابن محشرة فى هذا التحميد وما تلاه من الصلاة على الرسول الكريم يختار حرف السين لسجعاته فيهما، وبدءا من السجعة الرابعة أخذ يطيل السجعة لتتوازن العبارات أو التعبيرات داخلها بحيث تتشابك ألفاظها وتتعانق فى سجعات داخلية، ليدل على مدى قدرته فى السجع وصياغته، وهو يضيف إلى ذلك عناية واضحة بالتصوير كما فى قوله «ألان بأيده قباح أو عضد الجامح الشامس» وتتوالى كتابات وتصاوير مختلفة كقوله عن الرسول إنه من أطيب المغارس ومحا بنور نبوته مظلمات الغياهب ومدلهمات الحنادس. ويقول-على لسان يعقوب-إن صاحب قشتالة المسيحى فى الشمال حين علم بهذا الجيش سارع إلى إعلان تمسكه بعهده مع الموحدين وأنه مستعد من أجلهم لمحاربة أهل ملته، فأمضى له يعقوب السلم. وبالمثل سارع صاحب ليون يطلب تجديد مهادنته، وهادنه يعقوب ليفرغ لابن الريق النصرانى فى الغرب. ويصف ابن محشرة انتساف الجيش لزروعه فى شنترين وإحراقه وتخريبه لمنازله وربوعه، ويصور استيلاء جنوده على قلعة طرّش المنيعة، بقوله (٣): «نهدوا (٤) إلى قلعة للأعداء تسمى «طرّش» على هضبة منيفة (٥) المراقب، مسامية للكواكب، قد انقطعت حافاتها، وبعدت قذفاتها (٦) من كل الأرجاء والجوانب، ولعظمها ومكانها من نفوسهم أشبّوها (٧) بالبناء الشامخ وحصّنوها، وألقوا بها جموعهم المؤتشبة (٨) ووثقوا بها على حفظ نفوسهم وأموالهم وائتمنوها، واعتدوها (٩) قفل بلادهم، فخانتهم- بحمد الله-آمالهم التى أمّلوها (١٠)، وكذبتهم ظنونهم التى ظنوها. ولقد كانت من المنعة بحيث لا ترام، ولا يهتضم (١١) المتوقل فيها ولا يستضام، ولا تثبت لمحاربها-لوعورة مراقيها (١٢) وجوانبها-الأقدام. لولا سعود هذا الأمر (١٣) الذى تؤيده الأقدار وتنجده الأيام، والحمد لله

стр. 4853

على ذلك حمدا تستنجز به المنن وتستدام، لا ربّ سواه. فنازلها الموحدون-أعزهم الله- أصدق نزال، وصالوا على كفرتهم أعظم صيال (١). . وعند ما عضّتهم الحرب الضروس (٢) بنابها (٣)، وجرّعتهم أكؤس مرّها (٤) وصابها. . رغموا (٥) فى أن يخرجوا بحشاشتهم، ومن معهم من نسائهم وذرياتهم، ويفرجوا للموحدين-أعزّهم الله-عن كل ما اشتمل عليه حصنهم من أموالهم وأقواتهم». والسجع مرصوف بإحكام والكلمات منتخبة بدقة والصور تتوالى بكثرة، فقد ائتمنوا هذا الحصن وعدوه قفل بلادهم، فخانتهم آمالهم وكذبتهم ظنونهم، بفضل دعوة الموحدين التى تؤبدها الأقدار وتنجدها الأيام، وعضّتهم الحروب الضروس بنابها وجرّعتهم أكؤس مرها وصابها، فولّوا على وجوههم خاسئين مدحورين إلى غير مآب.

стр. 4854

القسم الثانى المغرب الأقصى

стр. 4855

الفصل الأوّل الجغرافية والتاريخ ١ - الجغرافية (١) المغرب الأقصى أبعد أجزاء المغرب عن بلدان المشرق، فهو نهايته الواقعة على المحيط الأطلسى غربا والبحر المتوسط شمالا، وتحدّه الجزائر شرقا والصحراء الكبرى جنوبا، وسطحه فى الجملة جبلى إذ تمتد فيه سلسلتان من الجبال تتصلان جيولوجيا بجبال الألب الأوربية، وهما تمتدان فيه من الغرب إلى الشرق، وأولاهما شمالية، ويتفرغ منها فى الشمال الغربى فرع جبال الريف الذى يتخذ شكل قوس يحتضن الساحل الشمالى من مدينة سبتة جنوبى جبل طارق إلى مدينة مليلة غربى مصب نهر الملوية. ويمتد فرع محاذ له يسمى أطلس التل، بينه وبين سلسلة جبال الأطلس الصحراوى هضبة وتكثر فى هذا السطح الجبلى أنهار ونهيرات وسهول. وسلسلة الجبال فى الأطلس الصحراوى شديدة الارتفاع وتتميز بكثرة المنحدرات الوعرة، وتتفرع منها سلسلة جبال صغيرة يسميها ابن خلدون جبال درن، وكثير من جبال الأطلس الصحراوى تكسوه الغابات وتتوجه الثلوج. ولكى نتصور المغرب الأقصى جغرافيا ينبغى أن نعرض مناطقه، وأول ما يلقانا منها فى الشمال الغربى منطقة الهبط، وتنتهى شمالا على مضيق جبل طارق وشرقا على البحر المتوسط وغربا على المحيط الأطلسى، ومن أهم مدنها سبتة وطنجة شمالا وتطوان على البحر المتوسط شرقا وأصيلا على المحيط الأطلسى غربا ومنطقة أزغار جنوبا، ويبلغ طول الهبط نحو مائة ميل وعرضها نحو ثمانين ميلا، وتكثر فيها المجارى والنهيرات المائية وأرضها خصبة جدا ووافرة الإنتاج، وسهولها وجبالها مأهولة بالسكان. ولعب سكانها دورا مهما فى الدفاع عن غرناطة وإقليمها حين ظلت قرنين ونصفا تقاوم نصارى الإسبان الشماليين، وخاصة سكان جبل ودراس البواسل، وقد ظلوا يتداولون قصصا كثيرة فى عبارات نثرية وقصائد شعرية عن

стр. 4856

بطولات بطل شعبى من أبطالهم يسمى «هلولا» وبطولته فى المغرب الأقصى تماثل البطولات التى تحكى فى فرنسا عن بطلهم رولان فى ملحمته المشهورة، وحرى بنا أن تكون لنا ملحمة مماثلة عن «هلولا». وجنوبى هذه المنطقة على المحيط منطقة أزغار، وهى سهل خصب وتكثر بها المدن والقرى والسكان، وتمتد على المحيط نحو ثمانين ميلا ومن مدنها القصر الكبير وميناء العرائش، ولكثرة زروعها تموّن مدينة فاس، ويؤلف شبابها زهرة الجيش الفاسى. وإلى الجنوب منها منطقة فاس، وهى مدينة متحضرة من قديم أو بعبارة أدق منذ بناها إدريس مؤسس الدولة الإدريسية سنة ١٩٢ هـ/٨٠٧ م وخطت فى الحضارة خطوات واسعة منذ الدولة المرينية، وهى تتوسط سهلا خصبا أتاح لسكان منطقتها معيشة طيبة لكثرة حقولها وبساتينها ومن مدنها مكناس وتنتج أرضها مختلف الفواكه والثمار، ومن مدنها أيضا سلا وهى ميناء على المحيط ونشأت بجانبها مدينة الرباط، ومدن كل هذه المنطقة تتميز بحضارة رفيعة. وجنوبى هذه المنطقة منطقة تامسنة وهى منطقة غنية وبها كثير من المدن والقرى، تعدّ بالعشرات. وتنتهى فى الجنوب بجبال أطلس التل، ومن أهم مدنها أنفة وخلفتها حديثا الدار البيضاء، وكانت أنفة مزدانة بجوامع وفنادق جميلة، وهى ميناء على المحيط فى وسط سهل كثير الزروع والحبوب. وإلى الجنوب منها منطقة دكالة، وكان أهلها فى العصور الوسطى متأخرين لا يعرفون طرق الزراعة وغرس البساتين ومن أهم مدنها آسفى. وتليها على المحيط منطقة حاحة وتعد امتدادا لمنطقة مراكش الداخلية، وهى منطقة وعرة مليئة بالغابات والجبال والأودية المائية الصغيرة وتزدحم بالسكان، وأكثر مدنها القديمة أصبحت أطلالا، وتنتهى هذه المنطقة عند الأطلس الصحراوى. وتليها إلى الجنوب على المحيط منطقة السوس آخر المناطق الغربية للمغرب الأقصى، وتقع وراء الأطلس الصحراوى جنوبا، ويكثر فيها النخيل، ومن أهم مدنها أغادير عند نهاية جبال الأطلس وقرب مصب نهر السوس، ومنها أيضا ماسة على المحيط وتيوت فى الشمال، وأرض هذه المنطقة خصبة وتنتج كمية وافرة من الحبوب والفاكهة وخاصة من التين والعنب. ونعود إلى أقصى الشمال على البحر المتوسط، فنلتقى بمنطقة الريف متأخمة لمنطقة الهبط، وتمتد شرقا نحو مائة وأربعين ميلا حتى نهر النكور وجنوبا نحو أربعين ميلا حتى الجبال التى تحاذى نهر الورغة الواقع فى منطقة فاس، وهى منطقة مليئة بالجبال والغابات شديدة البرودة، وبها كثير من أشجار البرتقال والتين، ولكن القمح قليل. وليس فى الجبال سوى مدن قليلة، وأكثر السكان فى مدن الساحل صيادون وملاحون، وتنتج الجبال أو كثير منها الأعناب والزيتون والتين والكتان والسفرجل والليمون. وإلى الشرق على البحر المتوسط من هذه المنطقة منطقة غارت، وتبدأ من نهر النيكور وتنتهى عند مصب نهر الملوية، وتمتد جنوبا حتى محاذاة جبال منطقة الحوز شرقى فاس وطولها نحو خمسين ميلا فى أربعين ميلا عرضا، وهى منطقة

стр. 4857

شديدة الجفاف قليلة السكان وأهم مدنها مليلة على البحر المتوسط. وإلى الجنوب من إقليم غارت إقليم الحوز وهو يمتد شرقى منطقة فاس فى نحو مائة وتسعين ميلا طولا ومائة وأربعين ميلا عرضا ويشتمل على كثير من السهول والجبال الصحراوية أو جبال أطلس، ومن أهم مدنها تازه وهى تعد ثالثة المدن فى ولاية فاس من حيث الحضارة والثقافة، ولها أراض خصبة شديدة الاتساع، والحياة مزدهرة فى كثير من مدن وجبال هذه المنطقة. وجنوبى الحوز منطقة تادلة، وتشمل الإقليم من جنوبى نهر العبيد إلى نهر أم الربيع فى الشمال، ولأهلها مهارة فى دبغ الجلود ونسج الصوف، وأكثر السكان بالمدن والجبال فى رخاء ومن مدنها تفزة وأفزة. وغربى هذه المنطقة منطقة هسكورة وتبدأ من التلال الغربية فى دكّالة وتمتد شرقى منطقة مراكش وتتجه إلى الجنوب، ويعنى سكانها بصناعة الجلود لكثرة المعز بديارهم وأيضا محصول الزيت، ومن مدنها المدينة وتاغوداست وتغطى بعض جبالها الثلوج على مدار السنة. وإلى الجنوب منها منطقة جزولة شرقى السوس وغربى منطقة الدرعة، وتوجد بهاعدة مناجم للنحاس والحديد، أهلت السكان لصناعة كثير من الأوعية ويزرعون الشعير وعندهم الكثير من الماشية. وإلى الشرق من هذه المنطقة منطقة الدرعة وتمتد جنوبا إلى مسافة مائتين وخمسين ميلا. أما السكان فيقيمون فى حوض نهرها وتمتد فيه حدائق النخيل. وفى الجنوب الشرقى من منطقة هسكورة منطقة سجلماسة، وتمتد على طول نهر زيز، وتتغلغل جنوبا إلى مسافة مائة وعشرين ميلا حتى حدود الصحراء، وأهل مدينة سجلماسة أغنياء لتبادلهم التجارة مع بلاد السودان، وتكثر بمنطقتها التمور. ولعل فى كل ما قدمت ما يصور من بعض الوجوه أن جغرافية المغرب الأقصى معقدة لكثرة مناطقه واتساع أقاليمه التى تبلغ نحو خمسمائة ألف كيلومتر مربع، وجباله فى الشمال وفى أطلس التل والأطلس عالية علوا شاهقا، وهو علو هيأ من جهة لتكوّن الثلج على قممها وذراها الشامخة، كما هيأ من جهة ثانية لكثرة نزول الأمطار بها، وهى تنزل بها منذ شهر أكتوبر وتغزر فى الشتاء. وكثرة الجبال على سطحها هيأها لأن تكثر فيها الأنهار والنهيرات والمجارى المائية، ومعظمها تجرى طوال العام، ومن أهمها نهر الملوية، وينبع من منطقة فاس ويجرى إلى الشمال الشرقى ويصب فى البحر المتوسط شرقى مليلة، ونهر سبو ويجرى من الشرق إلى الغرب ويصب فى المحيط الأطلسى مخترقا منطقة فاس وحوضه يعد أغنى أحواض المغرب الأقصى وأكثرها سكانا، ويبلغ إنتاجه أربعين فى المائة من إنتاج المغرب الأقصى، ونهر أم الربيع وينبع من منطقة الحوز، ويتجه جنوبا ثم غربا حتى المحيط ويغذى مناطق تادلة وتامسنة ودكّالة، ونهر تنسيفت ويتجه من الشرق إلى الغرب ويخترق منطقتى مراكش وحاحة، ونهر السوس ويتجه إلى الغرب مخترقا شمالى جزولة والسوس ويصب فى المحيط بقرب أغادير. والمغرب الأقصى كما يعتمد على الأنهار يعتمد على الأمطار، وعلى الرغم من كثرة الجبال

стр. 4858

على سطحه الأجزاء المهيّأة للزراعة كثيرة، وهى أولا سهول ساحلية على البحر المتوسط والمحيط الأطلسى، والأولى محدودة المساحة وكأنها فى بعض الأنحاء أشرطة ضيقة، والثانية أكثر اتساعا، ويتراوح عرضها بين ثلاثين وتسعين كيلو مترا. وتبعد الموانى على المحيط عن مصبات الأنهار لكثرة ما تحمل من الرواسب. وثانيا سهول نهرية وهى سهول كونتها الأنهار بكثرة ما حملت من الرواسب، مثل سهول الأنهار المذكورة آنفا. وهى تصلح لإنتاج جميع الغلات الزراعية وغرس الأشجار وإقامة الحدائق والبساتين. وثالثا سفوح منحدرات الجبال. ورابعا تربة الأطلس التلى وبه سهول واسعة لزراعة الحبوب وغرس الأشجار. ولاختلاف الطقس بين الوديان والسهول والجبال ومنحدراتها تلقاك فى المغرب مختلف أشجار الفواكه والنّقل، ويكثر النخيل فى المناطق الجنوبية. والمناخ فى جملته معتدل على السواحل وأحواض الأنهار إلا ما قد يميز بعض الجبال من البرودة الشديدة حتى لتتوجها الثلوج طول العام. ٢ - التاريخ (١) القديم تاريخ المغرب الأقصى موغل فى العصور السحيقة، وأخذ يتراءى على صفحات التاريخ مع ارتياد الفينيقيين لسواحل إفريقيا الشمالية أو بعبارة أخرى لسواحل البلاد المغربية منذ القرن التاسع قبل الميلاد وقبله وبعده للبحث عن مواقع غنية بطيبات الخيرات والسلع يرسون بها سفنهم ليتبادلوا مع أهلها وجوه التبادل التجارى المختلفة. وكانوا شعبا ملاحيّا متحضرا يحترف التجارة، وظلوا طويلا يحاولون التعرف على المواقع الملائمة لهم فى الساحل الإفريقى الشمالى: وبمرور الزمن ومع كثرة البحث أعجبهم موقع بالقرب من مدينة تونس الحالية أقاموا فيه مدينة قرطاجة، وسكنتها منهم جالية فينيقية كبيرة، أقامت بها دولة ظلت قرونا طويلة، وأخذوا يبحثون لتجارتهم عن أماكن أخرى صالحة لتبادل السلع، واختاروا فى الجزائر بونة وجيجل وإسكيكدة وبجاية وشرشال، ونشروا فيها جميعا حضارتهم الفينيقية، وعلموهم غرس الأشجار وبعض شئون الزراعة والرى، ونقلوا إليهم من موطنهم القديم فى الشام حول صور فى لبنان بعض أشجار الفاكهة والنقل. واتسعوا فى اتخاذ المواقع على سواحل البحر المتوسط الغربية لتكون مراكز لتجارتهم الواسعة، فاتخذوا موقعا على الساحل الجنوبى الشرقى لإسبانيا سمّوه «قرطاجنة» واتخذوا موقعا مماثلا فى الجنوب الغربى لإسبانيا سموه «قادس» ونما الموقعان وأصبحا مدينتين فينيقيتين كبيرتين، وكان طبيعيا أن يبحثوا عن مواقع مماثلة فى سواحل

стр. 4859

المغرب الأقصى، وأعجبهم موقع غربى مصب نهر الملوية سموه «روسادير» وهو نفس موقع مليلة الحالية وهو فى صدر خليج يساعد على رسو السفن فيه، وكأنما اختاروه للاتصال عن طريقه بسلع منطقة فاس الغنية. واختاروا فى آخر ساحل المغرب الأقصى الشمالى موقعا مطلا على المحيط الأطلسى ويطل من الشمال الشرقى على مضيق جبل طارق، سموه «طنجة» والسهل من ورائها خصب ومتسع ووافر الغلات. وكما مدوا ذراعهم شمالا فى إسبانيا إلى «قادس» مدوه جنوبا فى المغرب الأقصى إلى أصيلا نحو سبعين ميلا من طنجة، وهى فى نفس إقليمها الخصب. وفى كل المواقع التى أقام الفينيقيون لهم فيها مدنا بالساحل المغربى جميعه استقرت حضارتهم الفينيقية قرونا وأجيالا متعاقبة منذ القرن الثامن قبل الميلاد على الأقل وفى القرون التالية. وكانوا شعبا عريقا فى الحضارة لا فى شئون الملاحة البحرية وبناء السفن فحسب، بل أيضا فى كثير من شئون الزراعة والصناعة: صناعة الزجاج الملون وغيره، وبثوا ذلك كله بين كثيرين من سكان المغرب، ولا بد أن بثوا بينهم أبجديتهم التى وضعوها على هدى الأبجدية الهير وغليفية المصرية، بعد أن أدخلوا فيها غير قليل من التعديل بحيث صارت أساس الأبجديات العالمية، وتعلم بعض المغاربة أبجديتهم ولغتهم، ومعروف أنها لغة سامية. والتقى دين الفينيقيين الوثنى بدين المغاربة الوثنى فى كل مكان، وكان سكان المغرب الأقصى-مثل بقية سكان المغرب والفينيقيين-يعبدون الشمس والقمر، ويعتقدون بوجود أرواح مقدسة فى بعض الأشجار والأحجار والطير والحيوان. ولا نبالغ إذا قلنا إن الفينيقيين فى عصرهم الممتد قرونا نقلوا المغرب الأقصى وغيره من البلدان المغربية من حياة البداوة إلى حياة جديدة من التحضر، فقد تعلم المغاربة على أيديهم كثيرا من شئون التجارة وزراعة الحبوب والبقول والخضر وغرس بساتين الفواكه وأشجار الزيتون وتربية المواشى وصناعة السفن واستخراج المعادن من الحديد والنحاس وغيرهما وصنع الأوانى وحلىّ الزينة وحياكة الملابس والدباغة، وعرفوا منهم-فيما يظن-صناعة العطور والعقاقير. ومن المراكز التى أسسها الفينيقيون لتجارتهم مراكز فى شمالى صقلية من أهمها بالرم، وتبعهم اليونان-فيما بعد-وأسسوا لهم مراكز فى شرقى صقلية بمسينا وسرقوسة وقطانية، وكان ذلك فى نشوب الحرب بالقرن السادس قبل الميلاد بين الشعبين أو الفئتين، وظلت طويلا بينهما دون أن ترجح كفة إحداهما رجحانا نهائيا ومنذ أواسط القرن الثالث قبل الميلاد تتدخل روما وتحاول إزالة القرطاجيين الفينيقيين من صقلية ومن الساحل الإفريقى ونشبت الحرب بين الفئتين لمدة نحو مائة وعشرين عاما (٢٦٤ - ١٤٦ ق. م) ويكتب النصر أخيرا لروما وجيشها، فيقضى على قرطاجة قضاء مبرما، ويهدم مبانها الشاهقة، ويبنى بجوارها قرطاجة جديدة، وتستولى روما على كل ما كان بيد القرطاجيين الفينيقيين من بلدان وأقاليم فى إفريقية

стр. 4860

التونسية والبلاد المغربية، وبذلك تبعتهم نوميديا بما تشمله من الصحارى فى غربى الجزائر وشرقى المغرب الأقصى حتى نهر الملوية وإلى الجنوب حتى سجلماسة ويقال إن قائدا رومانيا بناها وسماها سيجيللوم ماسة، وحرّف الاسم مع الزمن إلى سجلماسة، وبنى قواد آخرون مدنا فى نوميديا الجزائرية على نحو ما صورنا ذلك فى حديثنا عن تاريخها القديم. وكما مدت روما ولاءها على المدن الجزائرية الفينيقية مدّته أيضا على مدن الفينيقيين فى المغرب الأقصى: مليلة وطنجة وأصيلا، وكان حكامها من البربر سكانها يتخذون عاصمة لهم طنجة. وكان المغرب الأقصى شرقى نهر الملوية يسمى موريتانيا الغربية، أما موريتانيا الشرقية فكانت تتداخل مع نوميديا. وربما كان أهم حاكم قديم لموريتانيا الغربية هو بوكوس الأول، وإليه أصهر يوغورطة حاكم نوميديا، ودخل يوغورطة فى حروب مع الرومان فأعانهم فى القبض عليه سنة ١٠٦ قبل الميلاد فخلفه ابنه بوكوس الثانى حتى سنة ٣٣ قبل الميلاد. واستولى عليها الرومان بعده، وفى سنة ١٧ قبل الميلاد جعلوا عليها بويا الثانى صاحب نوميديا، وخلفه عليها ابنه بطليموس حتى سنة ٤٠ للميلاد، ثم جثم الرومان على المغرب جميعه. ونرى الرومان ينشئون فى المغرب الأقصى مدنا على ساحل البحر المتوسط مثل سبتة القريبة من جبل طارق وكانوا يسمونها «سيفيتاس» واتخذوها مقرا لحكومتهم الرومانية فى المغرب الأقصى، فهى متحضرة من قديم، وعمالها مهرة فى صناعة النحاس والشمعدانات، وخارجها بساتين وحدائق بديعة. ولم يكتف الرومان بما كان على المحيط للفينيقيين من مدن مثل طنجة وأصيلا، فقد توغلوا على ساحله إلى موقع سلا وبنوا فيه مدينتها قرب نهر أبى الرقراق على مسافة ميلين من المحيط، بل توغلوا أكثر من ذلك إلى إقليم تامسنة، وبنوا على ساحل المحيط مدينة أنفة مدينة الدار البيضاء الآن، وهى فى سهل خصب صالح لزراعة كل أنواع الحبوب. وجاس الرومان خلال ديار المغرب الأقصى، بدليل أننا نجدهم يتفرجون على منطقة فاس وما بها من زروع مزدهرة، وأعجبهم بجوارها جبل زرهون الذى يمتد نحو الغرب ثلاثين ميلا ويمتد عرضه إلى عشرة أميال، وهو مغطى بأشجار الزيتون، وقد بنوا فوق قمته مدينة وليلى، والأرض حولها مزدانة بمزارع وبساتين بديعة، وكان الوالى الرومانى يقيم إما فى هذه المدينة وإما فى مدينة سبتة. وأرهق الرومان سكان المغرب الأقصى بكثير من العسف والضرائب الباهظة، وكانوا ينهبون خيرات الأرض من الحبوب والزيتون وعصيره. ولما اعتنقت روما الديانة المسيحية واتخذتها دينها الرسمى حاولت نشرها فى أرجاء إمبراطوريتها والبلاد المغربية، غير أن من اعتنقوها من المغرب الأقصى كانوا قلة شديدة فى المدن الساحلية، وأكثرهم كان من الجاليات الرومانية والأجنبية. وظل البربر يقومون بفتن وثورات كثيرة فى أيام الرومان لكثرة مظالمهم وفداحة ما كانوا يفرضونه من الضرائب على الشعب البربرى وأبنائه، وأخذت دولتهم تضعف منذ القرن الثالث

стр. 4861

الميلادى وأخذت تسود الفوضى وتعم الثورات فى الإمبراطورية الرومانية والبلاد المغربية، وتفاقم ذلك فى القرن الرابع الميلادى. وطمعت شعوب أوربا الشمالية فى اقتسام أراضى الإمبراطورية الرومانية الغربية، وأخذت تكتسح أجزاء أوربية منها حتى إذا كانت سنة ٤٣٤ للميلاد اكتسح الوندال كل ما تملكه روما فى إفريقية التونسية والجزائر ونوميديا ورحب بهم المغاربة وأعانوهم ضد الرومان ومكنوهم من الانتصار عليهم، لما ظنوا فيهم من وقف الظلم الرومانى ورفعه عن كواهلهم غير أنهم لم يلبثوا أن ذاقوا الأمرّين فى عهدهم الذى امتد نحو مائة عام إلى أن قضى على جموعهم القائد البيزنطى: «بليزير» سنة ٥٣٩ للميلاد. وكانوا شعبا حربيا فلم يخلفوا فى المغرب علما ولا فنا ولا صناعة ولا أخلاقا ولا نظما. وخلفتهم فيه بيزنطة لنحو مائة عام أخرى، واتسم عهدهم بالعسف والظلم كعهد الوندال والرومان. على أن الرومان حاولوا نشر المسيحية فى البلاد المغربية ونجحوا فى بعض المدن الساحلية كما مر بنا فى الجزائر وتونس، كما نجحوا فى نشر لغتهم اللاتينية وخاصة فى المدن الساحلية، أما بيزنطة فلم تحاول نشر لغتها ولا شئ من ثقافتها فى البلاد المغربية. وكانت تمد ذراعها على بعض المدن مثل سبتة على ساحل البحر المتوسط وربما مدته أيضا على بعض المدن على ساحل الأطلسى. وأكبر الظن أن الوندال لم يستطيعوا وضع أيديهم على المغرب الأقصى لبعده الشديد عن مراكز انتشارهم فى تونس والجزائر، ونظن ظنا أن قوط إسبانيا انتهزوا الفرصة فى أيامهم وأيام بيزنطة فاستولوا على أجزاء من ساحل البحر المتوسط، وبنوا عليها مدينتى باديس وترغة بجانب مليلة الفينيقية التى كانت خاضعة لهم قبل الفتح العربى، وبجانب سبتة وطنجة فى الشمال ومدن الساحل الغربى الفينيقية والرومانية مثل أصيلا-سلا-أنفة بنوا مدينة كونتى جنوبى مدينة آسفى فى منطقة دكّاله كما بنوا مدينة مرامر فى الداخل على مسافة نحو عشرين ميلا من كونتى. والقوط مثل الواندال لم يكونوا أصحاب حضارة ينشرونها فى البلاد التى نزلوها أو بنوا لهم فيها بعض المدن. ٣ - الفتح والولاة-ثورة الصفرية-بنو مدرار-الأدارسة-بعد الأدارسة والمدراريين (أ) فتح (١) المغرب الأقصى وعصر الولاة بدأت أولى محاولات فتح البلاد المغربية فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، إذ رأى عمرو بن العاص واليه على مصر فى أواخر سنة ٢١ للهجرة تأمينا لحدود مصر الغربية أن يتعقب الروم

стр. 4862

فى برقة وديار المغرب، واستولى سريعا على برقة وزويلة عاصمة فزان سنة ٢٢ هـ/٦٤٢ م ودار العام ففتحت له طرابلس أبوابها سنة ٢٣ هـ/٦٤٣ م. وتوفى الخليفة عمر بن الخطاب وخلفه عثمان بن عفان فعزل عن مصر عمرو بن العاص، وولى مكانه عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فاستأذنه فى معاودة فتح ديار المغرب، وأمدّه بجيش كبير كان به عدد من الصحابة، فاقتحم به ديار المغرب سنة ٢٧ هـ/٦٤٧ م ونازل والى بيزنطة جريجوريوس فى حصن داخل الإقليم التونسى يسمى «سبطلة» وسحق جيشه سحقا، وقتل جريجوريوس فى ساحة المعركة، وفتحت جميع البلاد التونسية أبوابها لابن أبى سرح ما عدا قرطاجة إذ ظلت بها حامية رومية. وتتبع إفريقية التونسية الخلافة الأموية ويتعاقب عليها الولاة، حتى إذا وليها عقبة بن نافع سنة ٥٠ هـ/٦٧١ م أنشأ مدينة القيروان أى المعسكر وأتمها سنة ٥٥ هـ/٦٧٤ م واتخذها قاعدة للجيوش العربية الفاتحة للمغرب ودارا لحكومته وتدبير شئونها، وبعبارة أخرى اتخذها عاصمة للمغرب وبنى فيها جامعا كبيرا ودارا للحكومة وسرعان ما أصبحت مدينة كبرى، وعزل، وخلفه أبو المهاجر سنة ٥٥ هـ/٦٧٤ م فصمم على فتح نوميديا فى المغرب الأوسط وما وراءها من الصحارى وظل يفتح البلدان حتى انتهى إلى موريتانيا الشرقية وتلمسان، ولقيته قبيلة أوربة ورئيسها كسيلة، فهزمها وأسر كسيلة واعتنق الإسلام واعتنقه معه كثيرون من قبيلته. وعزل أبو المهاجرين سنة ٦٢ هـ/٦٨١ م وولى مكانه عقبة بن نافع ثانية، وهو يعد الفاتح الحقيقى لديار المغرب الأقصى ونشر الإسلام فيه، إذ قام بعمليات عسكرية واسعة النطاق، وبدأ بالمغرب الأوسط فانتزع ما كان لا يزال بأيدى البيزنطيين من الحصون فى إقليم الزاب، وأوغل غربا، وأعلنت له قبيلة غمارة فى شمالى المغرب الأقصى بالريف والهبط ولاءها وهادنته وسالمته، وأخضع وليلى فى منطقة فاس، وسار إلى قبيلة مصمودة فى مناطق مراكش وحاحة وجزولة ونازلها واستسلمت. ثم سار إلى السوس آخر معاقل البربر فى المغرب الأقصى، والنصر يواكبه حتى بلغ ماسة على المحيط، وأدخل فرسه فيه حتى بلغ الماء تلابيب (طوق) الفرس وهتف قائلا: «اللهم إنّي أشهدك أنى وصلت براية الإسلام إلى آخر المعمورة حتى لا يعبد رب سواك». وكان قد أوغر صدر كسيلة فرصده فى طريق عودته، حتى إذا سبقه الجيش فى الزاب بالجزائر وكان فى فئة قليلة حاصره، واستشهد البطل العظيم هو ومن كانوا معه سنة ٦٤ هـ/٦٨٣ م واستولى كسيلة بجموعه على القيروان، وتراجع زهير بن قيس خليفة عقبة عليها إلى برقة انتظارا لمدد يأتيه، وأتاه المدد مع توليته على المغرب سنة ٦٩ هـ/٦٨٨ م وينازل كسيلة ويهزمه ويقتل فى المعركة. ويتولى القيروان والبلاد المغربية بعده حسان بن النعمان سنة ٧١ هـ/٦٩٠ م وكان سياسيا قديرا يحسن تدبير الحكم فدوّن دواوين للجند وللخراج وللرسائل، وافتتح قرطاجة وطرد منها جالية الروم التى كانت تتجسس لحساب بيزنطة وبذلك أصبحت إفريقية التونسية خالصة للعرب، وأنشأ مدينة تونس لتكون قاعدة لأسطوله، وبنى بها دار صناعة تمد الأسطول

стр. 4863

بما يلزمه من السفن، ونشبت فى أيامه ثورة عنيفة لقبيلة جراوة الزناتية بجبال أوراس، وكانت تقودها كاهنة، فنازلها ولم يكتب له النصر، واضطر إلى الانسحاب إلى «سرت» انتظارا لمدد، وجاءه جيش جرار فهزمها وقتلت فى أثناء فرارها، وصالحهم على أن يكون ابنها الأكبر الوالى عليهم وأن يجنّدوا منهم اثنى عشر ألفا ليكونوا جزءا لا يتجزأ من جيشه، وكانت سياسة حكيمة فقد أصبح أهل المغرب رفقاء سلاح وأصبح منهم ولاة لا فرق بينهم وبين العرب فى شئ. وبذلك ملك قلوب المغاربة، وأخذ انتشار الإسلام يتسع فى المغرب الأقصى وفى كل مكان بالديار المغربية. وخلفه على القيروان وبلاد المغرب موسى بن نصير سنة ٨٦ هـ/٧٠٥ م فوضع نصب عينيه استكمال نشر الإسلام فى ربوع المغرب الأوسط والأقصى وأرسل حملات إلى أنحاء كثيرة ومعها فقهاء يعلمون الناس قواعد الإسلام وشريعته ثم نهض على رأس حملة كبرى اكتسحت البلاد المغربية حتى أقصى الغرب شمالا فى طنجة وجنوبا فى إقليم السوس، وخلّف فى النواحى التى لم يتم إسلامها فقهاء يعلمونهم شئون دينهم وفروضه ويحفظونهم القرآن الكريم، وأسلم فى أيامه كثيرون من البربر وأتم التنظيم الإدارى للديار المغربية، فولاية لبرقة هى عاصمتها، وولاية ثانية لإفريقية التونسية وشرقى المغرب الأوسط عاصمتها القيروان، وولاية لغربى المغرب الأوسط عاصمتها تلمسان، وولاية لبلاد السوس فى المغرب الأقصى عاصمتها سجلماسة، وولاية لبقية المغرب الأقصى حتى شماليّه عاصمتها طنجة، ولكل ولاية حاكمها من العرب أو البربر، وجعل حاكم طنجة بربريا هو طارق بن زياد، وأكثر من ذلك جعله قائدا لفتح الأندلس، وكان أكثر جيشه من البربر، ومعنى ذلك أنه ألغيت كل تفرقة بين العرب والبربر بحيث أصبحوا سواسية فى حكم المدن وفى قيادة الجيوش وفى الجهاد نصرة لدين الله وابتغاء نشره فى أطباق الأرض طلبا لما عند الله من الثواب. وبذلك لم يعد هناك أى فارق بين العربى والبربرى، فهما أخوان مسلمان يعملان على إعلاء كلمة الله. ونستطيع أن نقول إن فتح العرب للمغرب الأقصى والديار المغربية تم فى القرن الأول الهجرى وكان تمامه على يد موسى بن نصير والفاتحين العظيمين اللذين سبقاه حسان بن النعمان وعقبة بن نافع ولم يجعلوه فتحا حربيا بل جعلوه فتحا عقائديا أخويا لأمة وثنية أصبحت تدين بوحدانية الله، وأصبحت تستشعر اخوة للعرب أصحاب هذا الدين، فهى تشاركهم فى العمل تحت لوائه جهادا فى سبيله ونصرة لعقيدته وتعاليمه. وتوفى الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة ٩٦ هـ/٧١٤ م وخلفه أخوه سليمان بن عبد الملك وكان قصير النظر فعزل البطلين العظيمين: موسى بن نصير وطارق بن زياد عن عملهما فى الأندلس وغير الأندلس، وتوقف الفتح العربى فى شمال إسبانيا وجنوبى فرنسا، وخلفه عمر بن عبد العزيز الخليفة الصالح، فحاول أن يصلح أداة الحكم فى الدولة، وولّى على القيروان وديار المغرب فقيها هو إسماعيل بن عبيد الله حفيد أبى المهاجر الوالى فى فترتى عقبة

стр. 4864

وأرسل معه تسعة من الفقهاء، وكلفهم بالعمل جميعا على نشر الدين الحنيف، ودخله مغاربة كثيرون من كل أنحاء المغرب. وتوفى الخليفة عمر بن عبد العزيز سريعا، وتولى الخلافة يزيد بن عبد الملك، فأرسل إلى القيروان يزيد بن أبى مسلم صاحب شرطة الحجاج سنة ١٠٢ هـ/٧٢٠ م. ويبدأ عهد جديد فى المغرب لولاة بنى أمية، عهد يقوم على الخسف والظلم للبربر فى جمع الضرائب والأموال، ولم يطق البربر الصبر على سياسة هذا الوالى الجائرة فقتلوه فى السنة التالية، وكان ذلك عبرة وعظة ليزيد بن عبد الملك فولّى عليهم بشر بن صفوان وخلفه سنة ١١٠ هـ/٧٢٨ م عبيدة بن عبد الرحمن السلمى، ولا تؤثر لأحدهما أعمال جليلة يؤلف بها قلوب الرعية المغربية. ويتولى عبيد الله بن الحبحاب سنة ١١٤ هـ/٧٣٢ م ويذكر له إعادة بناء جامع الزيتونة الذى بناه قبله حسان بن النعمان، وقد ساس الرعية هو وعماله سياسة متعسفة ظالمة أشد الظلم، إذ أرهقوا البربر بضرائب فادحة، وأبوا أن يسووا بينهم وبين العرب فى الخراج وجميع الشئون المالية، كما تقضى بذلك شريعة الإسلام، متعامين عن أنهم أصبحوا للعرب رفقاء سلاح وجهاد فى الأندلس وفى المغرب نفسها، وبلغ من سفه عامل طنجة القائم على شئونها المالية أن أعلن للمغاربة هناك أنه عازم على تخميس أراضى البربر زاعما زعما كله إثم وكذب وبهتان أنهم فيء للعرب وغنائم حرب لهم. (ب) ثورة الصفرية لم يتنبه حكام بنى أمية وعمالهم فى القرن الثانى الهجرى إلى أن من الخطأ بل من أكبر الخطأ هذه المعاملة الظالمة للمغاربة بعدم التسوية بينهم وبين العرب فى الشئون المالية، مع أنهم أصبحوا رفقاء سلاح وجهاد وأسهموا معهم فى فتح الأندلس ونشر دين الله، بل كان لهم فى ذلك النصيب الأوفر، وكان الإسلام قد استقر فى ديارهم وأصبح لهم فيه شيوخ كثيرون يفقهون تعاليمه وما يفرضه من العدل والتسوية بين أتباعه، لذلك انطوت نفوس كثيرين منهم على سخط شديد لحكام بنى أمية وعمالهم. وانضاف إلى ذلك أن كثيرين من أتباع فرقتى الصفرية والإباضية نزلوا المغرب فرارا من اضطهاد الأمويين، واختار الأولون المغرب الأقصى واختار الثانون جبل نفوسة بجوار طرابلس، ووجدت كل فئة منهما الجو مهيئا لترويج دعوتها القائلة برفع الظلم عن أبناء الأمة الإسلامية والتسوية بينهم جميعا فى الشئون المالية، وكأنما وجد مغاربة جبل نفوسة فى الدعوة الإباضية مخلصا لهم من ظلم حكام بنى أمية وبغى عمالهم، وأحسّ مغاربة المغرب الأقصى فى دعوة الصفرية نفس الإحساس. وملأ نفوسهما جميعا إيمانا بدعوتيهما ما تقرران من التسوية حتى فى تولى الخلافة فلا يصح أن تقصر على قريش، بل هى حق للمسلمين جميعا عربا وغير عرب يتولاها أكفؤهم. ولم يعد فى المغرب الأقصى شخص يسمع بدعوة الصفرية إلا ويستجيب إليها ضد من يسومونهم العذاب فى سلب أموالهم

стр. 4865

باسم الخراج سوى ما يكلفونهم من المغارم والجبايات مما كثر معه-كما يقول ابن خلدون- عيثهم فى أموال البربر وجورهم عليهم، بحيث أصبح لا مفر من ثورتهم على هؤلاء الحكام الباغين الظالمين المعطلين لتعاليم الإسلام. لذلك كان طبيعيا أن ينتشر فى المغرب الأقصى مذهب الصفرية وأن تعتنقه القبائل هناك، تعتنقه قبيلة مضغرة وشيخها ميسرة وقبيلة مكناسة وشيخها سمكو بن واسول وقبيلة برغواطة وبعض قبائل زنانة وتغلغل فى بعض المدن فى جماعات السودان القاطنين جنوبى الصحراء وجميع أرجاء المغرب الأقصى. وأجمع دعاة الصفرية فيه على زعامة ميسرة شيخ قبيلة مضغرة، وبويع بالإمامة، وزحف بجموع الصفرية إلى طنجة، فاستولى عليها وقتل عاملها عمر بن عبيد الله المرادى، وعين عليها واليا من قبله، واتجه بجموعه إلى السوس فقتل واليها إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب ودانت له، وتمت له بذلك السيطرة على جميع المغرب الأقصى. وعرف ذلك عبيد الله بن الحبحاب، فبادر بإرسال جيش بقيادة خالد بن حبيب الفهرى فالتقى بميسرة وجيشه قرب طنجة، ودارت بينهما معركة حامية الوطيس، رجحت فيها كفة خالد، فانسحب ميسرة إلى طنجة، ولم يعجب ذلك أتباعه من الصفرية، فنحّوه عن قيادتهم وولوها خالد بن حميد الزناتى كما ولوه الإمامة سنة ١٢٣ هـ/٧٤٠ م وأخذ يعد جيشا للقاء خالد الفهرى، ونصب له ولجيشه كمينا على نهر شلف شمالى تاهرت، ودارت معركة حامية انتهت بالقضاء على جيش خالد الفهرى قضاء مبرما وكان فيه كثير من أشراف العرب فسميت معركة الأشراف لكثرة من مات فيها من حماة العرب وفرسانهم وكماتهم وأبطالهم. وغضب هشام بن عبد الملك لهذه الهزيمة الساحقة ونحّى عبيد الله بن الحبحاب عن ولاية المغرب، وولّى عليه كلثوم بن عياض القشيرى، وأعانه بابن أخيه بلج بن بشر، وبعث معه جيشا ضخما عداده ثلاثون ألفا، وزحف بابن أخيه وهذا الجيش إلى خالد بن حميد الصفرى بطنجة، والتقيا جنوبيها، ودارت معركة ضارية انهزم فيها كلثوم وتوفى، فلجأ بلج إلى سبتة بعشرة آلاف من جنده، وحاصره خالد بن حميد والصفرية، واضطر إلى العبور بجيشه إلى الأندلس. ونشبت ثورات للبربر فى جميع الديار المغربية، وولّى هشام بن عبد الملك عليه حنظلة بن صفوان سنة ١٢٤ هـ/٧٤١ م، وتطاير شرر كثير من دعوة الصفرية إلى المغربين الأوسط والأدنى، وأخذ يعتنقها كثيرون فى المغرب الأوسط بين قبائل نفزة وزنانة، ويفاجأ حنظلة بقائدين صفريين كبيرين هما عكاشة بن محصن الفزارى وعبد الواحد بن يزيد الهوارى يحشدان جموع الصفرية فى الزاب بالجزائر لحربه، واتفقا على أن يتخذا طريقين لمهاجمة القيروان: عكاشة من الجنوب، وعبد الواحد من الشمال، وعلم حنظلة بخطتهما فأسرع بلقاء عكاشة وسحق جيشه، وعاد إلى القيروان وأخذ يستعد للقاء عبد الواحد، ونجح فى استمالة أهل القيروان وفى مقدمتهم الفقهاء، ووزّع عليهم جميعا السلاح، وبثّ القصاص والقراء يحرضون

стр. 4866

على الجهاد، وبرز نساء القيروان فعقدن الألوية وأخذن معهن السلاح، وعزمن على القتال واستبسلن للموت مع الرجال، وحلفن لأزواجهن لئن انهزم أحد منكم إلينا موليا عن العدو لنقتلنه، فامتلأ الجيش حماسة وحمية، ودارت المعركة وهزمت الصفرية هزيمة ساحقة قتل منهم فيها مائة وثمانون ألفا. وكان المغرب الأقصى حينئذ هادئا بإمامة خالد بن حميد الزناتى، وخلفه على إمامة الصفرية وزعامتهم أبو قرة المغيلى، ويقال إنه حضر مع عبد الواحد الهوارى معركة القيروان وفر حين تراءت له الهزيمة. ونفاجأ سنة ١٣٩ هـ/٧٥٦ م بقبيلة ورفجومة الصفرية أشد قبائل نفزة بأسا بأوراس تستولى على القيروان وتستحل المحارم وترتكب العظائم كما يقول الرقيق القيروانى إذ ربطوا دوابهم فى المسجد وهتكوا عرض بعض النساء. وكل ذلك غريب على دعوة الصفرية فهى فقط تكفر مرتكب الكبيرة وتستحل قتال المسلمين ولكنها لا تستحل ارتكاب العظائم، ولعل ذلك ما جعل أهل المغرب الأقصى فيما بعد ينصرفون عنها وعن دعاتها بينهم كما جعل أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى زعيم الإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة حين علم بما يرتكبون من المآثم فى القيروان ينازلهم ويقاتلهم حتى يقضى عليهم سنة ١٤١ هـ/٧٥٨ م وولّى عليها عبد الرحمن بن رستم أحد قواده. وسرعان ما يهزم والى القيروان العباسى الجديد محمد بن الأشعث أبا الخطاب المعافرى فى موقعة فاصلة، وينسحب عبد الرحمن بن رستم من القيروان إلى الزاب ويؤسس به دولته الرستمية الإباضية فى تاهرت. وعلى أثر ما حدث من هزيمة الصفرية فى القيروان نجد أبا قرة الصفرى يكوّن له إمارة مستقلة بنواحى تلمسان. وفى الوقت نفسه نجد أحد زعماء الصفرية منذ التفافهم حول ميسرة، وهو أبو القاسم سمكو بن واسول ينشئ للصفرية دولة فى سجلماسة، ولم ينشئها فى طنجة ولا فى المناطق الساحلية والداخلية للمغرب الأقصى مما يدل على انصراف الناس فيهما عن تلك الدعوة، وخاصة بعد ما شاع عنهم فى احتلالهم للقيروان من استحلال المحارم وارتكاب العظائم وربط دوابهم فى المساجد. وعلم ابن الأشعث أن أبا قرة يعدّ العدة فى تلمسان لمهاجمة الزاب والقيروان، فأرسل فى سنة ١٤٨ هـ/٧٦٥ م الأغلب بن سالم التميمى على رأس جيش لمواجهة قواته، والتقى به وجموعه فى الزاب، واضطر أبو قرة إلى الانسحاب. وتولى المغرب عمرو بن حفص المهلبى سنة ١٥٠ هـ/٧٦٧ م ونازل الصفرية فى الزاب ونكّل بهم، وخلفه ابن عمه يزيد بن حاتم المهلبى سنة ١٥٤ هـ/٧٧٠ م وكان بطلا مغوارا فقضى على الصفرية فى المغرب الأوسط (الجزائر) قضاء نهائيا، وحاولت ورفجومة الثورة فقمع حركتها سنة ١٥٧ هـ/٧٧٤ م ويقال إنهم تفرقوا فى القبائل بعد هذه الحركة ولم يعد لهم كيان قبلىّ مستقل. ونشعر بوضوح أنه لم يعد للصفرية شأن يذكر فى المغربين الأوسط والأقصى بعد عهد يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ) فإن من بقى منهم انسحب إلى سجلماسة وحكامها الصفرية من بنى مدرار.

стр. 4867

(ج) بنو (١) مدرار استقر فى أذهان كثيرين من الصفرية-وخاصة صفرية مكناسة-بعد إخفاق حملتى عكاشة وعبد الواحد على القيروان وكثرة من قتل فيهما من الصفرية حتى لقد بلغوا أكثر من مائة ألف صفرى أنه ينبغى أن يبحثوا لهم عن مدينة نائية يصعب وصول الجيوش القيروانية العباسية إليها يتخذونها مأوى لهم ويعيشون فيها شبه منعزلين عن مسالك تلك الجيوش، واختاروا سجلماسة لذلك سنة ١٤٠ هـ/٧٥٧ م لأنها تقع فى أقصى مكان بالجنوب الشرقى من المغرب الأقصى على نهر زيز والطرق المؤدية إليها شديدة الوعورة، وتكتنفها متاهات من القفار. وكان الذى اختارها زعيم من زعماء الصفرية ممن أسهموا فى حروب ميسرة وخالد بن يزيد إمامى الصفرية، وهو أبو القاسم سمكو بن واسول الملقب بمدرار زعيم صفرية مكناسة، وكان من حملة العلم وارتحل فى سبيله إلى المدينة وإلى تونس، وفيها تتلمذ على عكرمة المفسر مولى ابن عباس وتلميذه، وكان يعتنق دعوة الصفرية فحملها عنه تلميذه سمكو، ورجع إلى قومه فى مكناسة يبشر بها ويدعوهم إليها، فاستجاب له كثيرون وشاركوا فى حروب ميسرة وخالد بن يزيد كما أسلفنا. وكان حصيفا، وكان قد درس مذهب الصفرية أو عقيدتهم، ورأى من أسسها الأخذ بالتقية وأن من حق الصفرى أن يعلن أنه مع الجماعة فى الظاهر ويبطن الدعوة الصفرية، وكان لا يعد دار المسلمين أو دار الجماعة دار حرب، بل يتعايش معهم، والصفرى لذلك من حقه القعود عن الحرب وأن لا يحمل السلاح فى وجه المسلمين، وهو ما آمن به، وكأنه كره الحروب التى خاضها ميسرة وخالد بن يزيد ضد جيوش القيروان وأن يسلّ المسلم السيف فى وجه أخيه المسلم، لذلك رأى أن ينحاز عن معاركهما الطاحنة إلى سجلماسة وتبعته كثرة من صفرية قومه أهل مكناسة، وجاءته عناصر صفرية مختلفة من صنهاجة وزناتة وزنوج السودان من سكان الفيافى والصحراء بين سجلماسة وغانة، وسرعان ما أصبحت مدينة كبيرة. وكان سمكو الملقب بمدرار صالحا تقيا متواضعا، فرأى أن يكون أول إمام فى هذه الدولة سودانيا من رءوس الخوارج، وهو عيسى بن يزيد، وارتضته الصفرية وبايعته، فقام بأمر سجلماسة وشق القنوات واستكثر من غرس النخيل والزروع. واتسع ثراء أهل سجلماسة لكثرة ما كانوا يتبادلونه-ويتجرون فيه-من السلع مع السودان. وظلت الصفرية-مع السنين-تنقم على عيسى بن يزيد-بعض تصرفاته، حتى إذا كانت سنة ١٥٥ هـ/٧٧١ م

стр. 4868

نحته عن الإمامة، ونصبّت مكانه أبا القاسم سمكو الملقب بمدرار حتى سنة ١٦٧ هـ/٧٨٣ م وظلت الدولة فى أسرته، ولذلك قيل لها دولة بنى مدرار، وقد عمل على إرساء قواعد الدولة على أساس المبدأين اللذين أشرنا إليهما: مبدأ التقية ومبدأ القعود عن الثورة على حكام الجماعة الإسلامية وعمالهم عباسيين وغير عباسيين، وبذلك ضمن لسكان سجلماسة الصفريين أن يعيشوا معيشة هادئة آمنة لا يعكر صفوها حرب مع ولاة العباسيين ودولة بنى الأغلب التى قامت باسمهم فى القيروان. وبهذا الموقف الذى وضع فيه سمكو الملقب بمدرار سجلماسة وسكانها من الصفريين نفهم ما يقوله ابن خلدون من أن سمكو مدرارا كان يخطب فى عمله لأبى جعفر المنصور الخليفة العباسى (١٣٦ - ١٥٨ هـ) وابنه المهدى (١٥٨ - ١٦٩ هـ). وتوالى أبناؤه وأحفاده من بنى مدرار يدعون فى خطبهم لخلفاء بنى العباس، وبذلك كفوا شر حروبهم وجيوشهم. واتخذت الصفرية فى سجلماسة ابنه إلياس إماما بعده، وتظل تنقم عليه وجوها من سياسته وتصرفاته، وتجمع أمرها فى سنة ١٩٤ هـ/٨٠٩ م على خلعه وتولية أخيه اليسع مكانه، ويذكر البكرىّ أنه هو الذى دبّر أمر خلع أخيه، وكان حازما يحسن تدبير الملك، فأعدّ جيشا قويا وسّع به أطناب إمارته، واستطاع احتلال درعة وضمّها إلى إمارته وأخذ الخمس من مناجم الفضة فيها ومعدن الذهب، وبنى بجانب سجلماسة مدينة شيّد قصورها واختط مصانع بها وأقام حول سجلماسة سورا لتحصينها جعل فيه اثنى عشر بابا، وأصهر بابنه مدرار للحاكم الرستمى عبد الوهاب (١٧١ - ٢١١ هـ) فى ابنته أروى توثيقا للعلاقة بين دولته الخارجية الصفرية والدولة الخارجية الرستمية الإباضية فى الجزائر، وتوفى سنة ٢٠٨ هـ/٨٢٣ م فولى إمامة الصفرية بعده ابنه مدرار، وطالت ولايته ورزق بابنين من الرستمية وقرينة لها صفرية، وسمى كلا منهما ميمونا، وكان يؤثر ابن الرستمية على أخيه، وحاول أن يوليه مكانه سنة ٢٢٤ هـ/٨٣٨ م فأرغمته الصفرية على التنازل عن الإمامة لأخيه ميمون بن الصفرية، فنفى أباه إلى بعض قرى سجلماسة حتى وفاته سنة ٢٥٣ هـ/٨٦٧ م وظل هو يلى الإمامة حتى وفاته سنة ٢٦٣ هـ/٨٧٧ م وخلفه عليها ابنه محمد حتى سنة ٢٧٠ هـ/٨٨٤ م وخلفه ابنه اليسع، وفى عهده نزل أبو عبد الله الشيعى داعية المهدى الإمام العبيدى كتامة فى الجزائر وظل فيها سنوات يبث دعوته، ونجح فى بثّها واستطاع تكوين جيش منها لمنازلة الدولة الأغلبية فى القيروان، وشعر بأنه يوشك أن ينجز مهمته لصالح المهدى، فأرسل إليه يستقدمه ليشارك فى الأحداث الأخيرة، ولبّاه المهدى واصطحب معه رفقة من رجاله سنة ٢٩٣ هـ/٩٠٥ م والتزم التخفى من عمال الدولة العباسية فى طريقه وسلك طرقا غير معهودة أدته إلى سجلماسة، فأكرمه اليسع، وبعد فترة ارتاب فيه، فسجنه هو ورفقاءه. وعلم بذلك أبو عبد الله الداعية العبيدى الشيعى، فانتظر حتى انتصر على الأغالبة سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م وزحف إلى سجلماسة لإخراج عبيد الله المهدى من السجن وردّ حريته إليه، وعلم اليسع بقدومه إلى سجلماسة،

стр. 4869

فخرج إليه بجيشه من مكناسة ودارت معركة كتب فيها النصر لأبى عبد الله الشيعى وجيشه، وقتل اليسع فى المعركة واستولت كتامة على سجلماسة، وخرج المهدى ورفاقه من محبسهم، وبايعه أبو عبد الله الشيعى، وبايعه الناس وولى على سجلماسة واليا من كتامة، وانصرف مع داعيته إلى إفريقية التونسية. ولم تلبث صفرية سجلماسة أن انتقضت على والى المهدى الكتامى وقتلته هو ومن معه من كتامة سنة ٢٩٨ هـ/٩١٠ م وبايعت الفتح بن ميمون بن الرستمية، وتوفى سريعا فخلفه أخوه أحمد، واستقام أمره وحكمه إلى أن زحفت إليه كتامة بقيادة مصالة بن حبوس سنة ٣٠٩ هـ/٩٢١ م فافتتح سجلماسة وقبض على أحمد وولاها ابن عمه المعتز، وتوفى سنة ٣٢١ هـ/٩٣٣ م وبايعت الصفرية ابنه سمكو، وكان لا يزال فى المهد، فثار عليه ابن عمه محمد بن الفتح بن ميمون، وتلقّب بالشاكر لله، ورفض الدعوة الصفرية، وأعلن الأخذ بمذاهب أهل السنة، وكان عادلا منتهى العدل كما يقول ابن خلدون، ويقال إنه دعا لنفسه بالخلافة، ويقول ابن خلدون إنه دعا لبنى العباس، وإنه ضرب العملة باسمه. وظل يحكم سجلماسة حكما عادلا رشيدا إلى أن اكتسح جوهر الصقلى بجموعه الشيعية من كتامة وصنهاجة المغرب الأقصى، واستولى-فيما استولى-على سجلماسة، وأخذ حاكمها السنى محمد بن الفتح أسيرا إلى رقّادة بإفريقية التونسية، وتوفى بها سنة ٣٥٤ هـ/٩٦٥ م. وثارت الصفرية على والى جوهر الصقلّى سريعا، وبايعت أحد أبناء الشاكر لله، وارتضى ذلك المعز العبيدى، غير أن أخاله ثار عليه وقتله سنة ٣٥٢ هـ/٩٦٣ م. وأخذ نجم قبيلة مكناسة فى الأفول بينما أخذ نجم قبيلة زناتة فى التألق والسطوع. وكان أمويو الأندلس قد استطاعوا جذب مغراوة الزناتية إليهم، وبمساعدتهم زحف حزرون بن فلفول من أمرائها إلى سجلماسة سنة ٣٦٦ هـ/٩٧٦ م وبرز له المعتز مع قومه الصفريين من مكناسة، وقتل وهزم قومه هزيمة ساحقة لم تقم لهم بعدها فى سجلماسة قائمة، وأقام حزرون بها دعوة الأمويين الأندلسيين، وكانت أول دعوة أقيمت لهم فى المغرب الأقصى. (د) الأدارسة (١) معروف أن الحسين بن على سليل الحسن بن على بن أبى طالب ثار على العباسيين بمكة أيام الخليفة العباسى المهدى فى ذى القعدة سنة ١٦٩ هـ/٧٨٥ م وثار معه أهله وفى مقدمتهم

стр. 4870

عماه: يحيى وإدريس، وسرعان ما نازله جيش عباسى فى مكان على بعد ثلاثة أميال من مكة يقال له: «فخ» ودارت الدوائر على الحسين ومن معه فقتل فى المعركة مع جماعة من أهل بيته، وفر عمه يحيى إلى الدّيلم، أما عمه إدريس ففر إلى مصر، وكان على بريدها يومئذ شخص اسمه واضح، وكان يتشيع، فأتاه إلى مخبئه، ووجد معه مولاه راشدا فنصحهما أن يحملهما على البريد إلى المغرب الأقصى بعيدا عن المهدى وعيونه، وأخذا بنصيحته، ونزلا فى ربيع الأول سنة ١٧٢ هـ/٧٨٨ م فى مدينة وليلى بجبل نزهون على إسحاق بن محمد بن عبد الحميد المعتزلى شيخ قبيلة أوربة، وعرّفه أمره، فأجاره، فبايعه وبايعته معه قبيلته، وجمع على الدعوة إليه أيضا قبائل زواغة ولواتة وغمارة ونفزة ومكناسة وكافة البرابر بالمغرب فبايعوه. ولما تمت دعوته زحف إلى جموع البربر الذين كانوا لا يزالون على دين المجوسية وإخوانهم المتهوّدين والمتنصّرين فدانوا له وأسلموا على يديه. وفى سنة ١٧٣ هـ/٧٨٩ م زحف إلى تلمسان ومن بها من قبائل مغراوة الزناتية وأميرها محمد بن خزر فأعلن إليه الطاعة وبايعه هو وقبيلته مغراوة فأمّنه وأمّن سائر زناتة وبنى مسجدا بتلمسان ونظم شئونها ورجع إلى عاصمته «وليلى» ولم يلبث أن توفى سنة ١٧٥ هـ/٧٩١ م ويقال إن الرشيد أرسل إليه شخصا أظهر له الولاء، فقربه منه، وانتهز فرصة فدسّ إليه السم وكان فيه حتفه. وكانت زوج إدريس حاملا فاتفق أنصاره على انتظار وضعها، وأنجبت ولدا سمته باسم أبيه إدريس فقام على تربيته خير قيام مولاه راشد، وتوفى راشد سنة ١٨٦ هـ/٨٠٢ م فجعلوا مكانه فى الوصاية عليه ولإشرافه على تربيته يزيد بن إلياس، حتى إذا بلغ الصبى الحادية عشرة بايعوه فى جامع وليلى، وشبّ ودان له المغرب الأقصى واستوزر مصعب بن عيسى الأزدى وأخذ يستكثر فى بطانته من العرب حتى بلغوا نحو خمسمائة وبهم عظم سلطانه. وقتل إسحاق بن محمد بن عبد الحميد كبير أوربة لما علم من اتصاله بخصومه الأغالبة حكام تونس وشرقى الجزائر. ورأى أن مدينة وليلى تضيق بحاشيته وأنصاره، فصمم على بناء مدينة تسعهم، وكلف باختيار موضعها بضعة من المهندسين، وأشاروا عليه بموضع على مقربة من عاصمته، فأخذ توّا فى بناء مدينته: فاس سنة ١٩٢ هـ/٨٠٧ م وتصادف أن كان فقهاء قرطبة حينئذ ثائرين على الحكم الربضى لانهماكه فى ملذاته وفى اللهو والملاهى فاجتمع أهل العلم والورع من الفقهاء وحصروه سنة ١٩٠ هـ/٨٠٥ م وقاتلهم فتغلب عليهم وهدم دورهم ومساجدهم ولحقوا بفاس والإسكندرية. ولا ندرى هل لحقوا بفاس فى أول بناء إدريس الثانى لها أو فى أثناء بنائها، إذ نراه يتمم شطرا منها سنة ١٩٢ ويسمّى العدوة الأندلسية، إما لأن الأندلسيين ساعدوا فى بنائه وسكنوه أو لأنهم سكنوه فحسب. وفى العام التالى بنى شطرا ثانيا مقابلا للشطر الأول وسمّى عدوة القرويين أى المغاربة، وجعل فيه مسكنه وإدارة حكومته، وسمّى الشطران جميعا باسم فاس وظل يفصل بينهما طريق طويلا. وغزا إدريس الثانى قبيلة مصمودة
следующие страницы →