← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

على الجهاد، وبرز نساء القيروان فعقدن الألوية وأخذن معهن السلاح، وعزمن على القتال واستبسلن للموت مع الرجال، وحلفن لأزواجهن لئن انهزم أحد منكم إلينا موليا عن العدو لنقتلنه، فامتلأ الجيش حماسة وحمية، ودارت المعركة وهزمت الصفرية هزيمة ساحقة قتل منهم فيها مائة وثمانون ألفا. وكان المغرب الأقصى حينئذ هادئا بإمامة خالد بن حميد الزناتى، وخلفه على إمامة الصفرية وزعامتهم أبو قرة المغيلى، ويقال إنه حضر مع عبد الواحد الهوارى معركة القيروان وفر حين تراءت له الهزيمة. ونفاجأ سنة ١٣٩ هـ/٧٥٦ م بقبيلة ورفجومة الصفرية أشد قبائل نفزة بأسا بأوراس تستولى على القيروان وتستحل المحارم وترتكب العظائم كما يقول الرقيق القيروانى إذ ربطوا دوابهم فى المسجد وهتكوا عرض بعض النساء. وكل ذلك غريب على دعوة الصفرية فهى فقط تكفر مرتكب الكبيرة وتستحل قتال المسلمين ولكنها لا تستحل ارتكاب العظائم، ولعل ذلك ما جعل أهل المغرب الأقصى فيما بعد ينصرفون عنها وعن دعاتها بينهم كما جعل أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى زعيم الإباضية فى طرابلس وجبل نفوسة حين علم بما يرتكبون من المآثم فى القيروان ينازلهم ويقاتلهم حتى يقضى عليهم سنة ١٤١ هـ/٧٥٨ م وولّى عليها عبد الرحمن بن رستم أحد قواده. وسرعان ما يهزم والى القيروان العباسى الجديد محمد بن الأشعث أبا الخطاب المعافرى فى موقعة فاصلة، وينسحب عبد الرحمن بن رستم من القيروان إلى الزاب ويؤسس به دولته الرستمية الإباضية فى تاهرت. وعلى أثر ما حدث من هزيمة الصفرية فى القيروان نجد أبا قرة الصفرى يكوّن له إمارة مستقلة بنواحى تلمسان. وفى الوقت نفسه نجد أحد زعماء الصفرية منذ التفافهم حول ميسرة، وهو أبو القاسم سمكو بن واسول ينشئ للصفرية دولة فى سجلماسة، ولم ينشئها فى طنجة ولا فى المناطق الساحلية والداخلية للمغرب الأقصى مما يدل على انصراف الناس فيهما عن تلك الدعوة، وخاصة بعد ما شاع عنهم فى احتلالهم للقيروان من استحلال المحارم وارتكاب العظائم وربط دوابهم فى المساجد. وعلم ابن الأشعث أن أبا قرة يعدّ العدة فى تلمسان لمهاجمة الزاب والقيروان، فأرسل فى سنة ١٤٨ هـ/٧٦٥ م الأغلب بن سالم التميمى على رأس جيش لمواجهة قواته، والتقى به وجموعه فى الزاب، واضطر أبو قرة إلى الانسحاب. وتولى المغرب عمرو بن حفص المهلبى سنة ١٥٠ هـ/٧٦٧ م ونازل الصفرية فى الزاب ونكّل بهم، وخلفه ابن عمه يزيد بن حاتم المهلبى سنة ١٥٤ هـ/٧٧٠ م وكان بطلا مغوارا فقضى على الصفرية فى المغرب الأوسط (الجزائر) قضاء نهائيا، وحاولت ورفجومة الثورة فقمع حركتها سنة ١٥٧ هـ/٧٧٤ م ويقال إنهم تفرقوا فى القبائل بعد هذه الحركة ولم يعد لهم كيان قبلىّ مستقل. ونشعر بوضوح أنه لم يعد للصفرية شأن يذكر فى المغربين الأوسط والأقصى بعد عهد يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ) فإن من بقى منهم انسحب إلى سجلماسة وحكامها الصفرية من بنى مدرار.

стр. 4867

(ج) بنو (١) مدرار استقر فى أذهان كثيرين من الصفرية-وخاصة صفرية مكناسة-بعد إخفاق حملتى عكاشة وعبد الواحد على القيروان وكثرة من قتل فيهما من الصفرية حتى لقد بلغوا أكثر من مائة ألف صفرى أنه ينبغى أن يبحثوا لهم عن مدينة نائية يصعب وصول الجيوش القيروانية العباسية إليها يتخذونها مأوى لهم ويعيشون فيها شبه منعزلين عن مسالك تلك الجيوش، واختاروا سجلماسة لذلك سنة ١٤٠ هـ/٧٥٧ م لأنها تقع فى أقصى مكان بالجنوب الشرقى من المغرب الأقصى على نهر زيز والطرق المؤدية إليها شديدة الوعورة، وتكتنفها متاهات من القفار. وكان الذى اختارها زعيم من زعماء الصفرية ممن أسهموا فى حروب ميسرة وخالد بن يزيد إمامى الصفرية، وهو أبو القاسم سمكو بن واسول الملقب بمدرار زعيم صفرية مكناسة، وكان من حملة العلم وارتحل فى سبيله إلى المدينة وإلى تونس، وفيها تتلمذ على عكرمة المفسر مولى ابن عباس وتلميذه، وكان يعتنق دعوة الصفرية فحملها عنه تلميذه سمكو، ورجع إلى قومه فى مكناسة يبشر بها ويدعوهم إليها، فاستجاب له كثيرون وشاركوا فى حروب ميسرة وخالد بن يزيد كما أسلفنا. وكان حصيفا، وكان قد درس مذهب الصفرية أو عقيدتهم، ورأى من أسسها الأخذ بالتقية وأن من حق الصفرى أن يعلن أنه مع الجماعة فى الظاهر ويبطن الدعوة الصفرية، وكان لا يعد دار المسلمين أو دار الجماعة دار حرب، بل يتعايش معهم، والصفرى لذلك من حقه القعود عن الحرب وأن لا يحمل السلاح فى وجه المسلمين، وهو ما آمن به، وكأنه كره الحروب التى خاضها ميسرة وخالد بن يزيد ضد جيوش القيروان وأن يسلّ المسلم السيف فى وجه أخيه المسلم، لذلك رأى أن ينحاز عن معاركهما الطاحنة إلى سجلماسة وتبعته كثرة من صفرية قومه أهل مكناسة، وجاءته عناصر صفرية مختلفة من صنهاجة وزناتة وزنوج السودان من سكان الفيافى والصحراء بين سجلماسة وغانة، وسرعان ما أصبحت مدينة كبيرة. وكان سمكو الملقب بمدرار صالحا تقيا متواضعا، فرأى أن يكون أول إمام فى هذه الدولة سودانيا من رءوس الخوارج، وهو عيسى بن يزيد، وارتضته الصفرية وبايعته، فقام بأمر سجلماسة وشق القنوات واستكثر من غرس النخيل والزروع. واتسع ثراء أهل سجلماسة لكثرة ما كانوا يتبادلونه-ويتجرون فيه-من السلع مع السودان. وظلت الصفرية-مع السنين-تنقم على عيسى بن يزيد-بعض تصرفاته، حتى إذا كانت سنة ١٥٥ هـ/٧٧١ م

стр. 4868

نحته عن الإمامة، ونصبّت مكانه أبا القاسم سمكو الملقب بمدرار حتى سنة ١٦٧ هـ/٧٨٣ م وظلت الدولة فى أسرته، ولذلك قيل لها دولة بنى مدرار، وقد عمل على إرساء قواعد الدولة على أساس المبدأين اللذين أشرنا إليهما: مبدأ التقية ومبدأ القعود عن الثورة على حكام الجماعة الإسلامية وعمالهم عباسيين وغير عباسيين، وبذلك ضمن لسكان سجلماسة الصفريين أن يعيشوا معيشة هادئة آمنة لا يعكر صفوها حرب مع ولاة العباسيين ودولة بنى الأغلب التى قامت باسمهم فى القيروان. وبهذا الموقف الذى وضع فيه سمكو الملقب بمدرار سجلماسة وسكانها من الصفريين نفهم ما يقوله ابن خلدون من أن سمكو مدرارا كان يخطب فى عمله لأبى جعفر المنصور الخليفة العباسى (١٣٦ - ١٥٨ هـ) وابنه المهدى (١٥٨ - ١٦٩ هـ). وتوالى أبناؤه وأحفاده من بنى مدرار يدعون فى خطبهم لخلفاء بنى العباس، وبذلك كفوا شر حروبهم وجيوشهم. واتخذت الصفرية فى سجلماسة ابنه إلياس إماما بعده، وتظل تنقم عليه وجوها من سياسته وتصرفاته، وتجمع أمرها فى سنة ١٩٤ هـ/٨٠٩ م على خلعه وتولية أخيه اليسع مكانه، ويذكر البكرىّ أنه هو الذى دبّر أمر خلع أخيه، وكان حازما يحسن تدبير الملك، فأعدّ جيشا قويا وسّع به أطناب إمارته، واستطاع احتلال درعة وضمّها إلى إمارته وأخذ الخمس من مناجم الفضة فيها ومعدن الذهب، وبنى بجانب سجلماسة مدينة شيّد قصورها واختط مصانع بها وأقام حول سجلماسة سورا لتحصينها جعل فيه اثنى عشر بابا، وأصهر بابنه مدرار للحاكم الرستمى عبد الوهاب (١٧١ - ٢١١ هـ) فى ابنته أروى توثيقا للعلاقة بين دولته الخارجية الصفرية والدولة الخارجية الرستمية الإباضية فى الجزائر، وتوفى سنة ٢٠٨ هـ/٨٢٣ م فولى إمامة الصفرية بعده ابنه مدرار، وطالت ولايته ورزق بابنين من الرستمية وقرينة لها صفرية، وسمى كلا منهما ميمونا، وكان يؤثر ابن الرستمية على أخيه، وحاول أن يوليه مكانه سنة ٢٢٤ هـ/٨٣٨ م فأرغمته الصفرية على التنازل عن الإمامة لأخيه ميمون بن الصفرية، فنفى أباه إلى بعض قرى سجلماسة حتى وفاته سنة ٢٥٣ هـ/٨٦٧ م وظل هو يلى الإمامة حتى وفاته سنة ٢٦٣ هـ/٨٧٧ م وخلفه عليها ابنه محمد حتى سنة ٢٧٠ هـ/٨٨٤ م وخلفه ابنه اليسع، وفى عهده نزل أبو عبد الله الشيعى داعية المهدى الإمام العبيدى كتامة فى الجزائر وظل فيها سنوات يبث دعوته، ونجح فى بثّها واستطاع تكوين جيش منها لمنازلة الدولة الأغلبية فى القيروان، وشعر بأنه يوشك أن ينجز مهمته لصالح المهدى، فأرسل إليه يستقدمه ليشارك فى الأحداث الأخيرة، ولبّاه المهدى واصطحب معه رفقة من رجاله سنة ٢٩٣ هـ/٩٠٥ م والتزم التخفى من عمال الدولة العباسية فى طريقه وسلك طرقا غير معهودة أدته إلى سجلماسة، فأكرمه اليسع، وبعد فترة ارتاب فيه، فسجنه هو ورفقاءه. وعلم بذلك أبو عبد الله الداعية العبيدى الشيعى، فانتظر حتى انتصر على الأغالبة سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م وزحف إلى سجلماسة لإخراج عبيد الله المهدى من السجن وردّ حريته إليه، وعلم اليسع بقدومه إلى سجلماسة،

стр. 4869

فخرج إليه بجيشه من مكناسة ودارت معركة كتب فيها النصر لأبى عبد الله الشيعى وجيشه، وقتل اليسع فى المعركة واستولت كتامة على سجلماسة، وخرج المهدى ورفاقه من محبسهم، وبايعه أبو عبد الله الشيعى، وبايعه الناس وولى على سجلماسة واليا من كتامة، وانصرف مع داعيته إلى إفريقية التونسية. ولم تلبث صفرية سجلماسة أن انتقضت على والى المهدى الكتامى وقتلته هو ومن معه من كتامة سنة ٢٩٨ هـ/٩١٠ م وبايعت الفتح بن ميمون بن الرستمية، وتوفى سريعا فخلفه أخوه أحمد، واستقام أمره وحكمه إلى أن زحفت إليه كتامة بقيادة مصالة بن حبوس سنة ٣٠٩ هـ/٩٢١ م فافتتح سجلماسة وقبض على أحمد وولاها ابن عمه المعتز، وتوفى سنة ٣٢١ هـ/٩٣٣ م وبايعت الصفرية ابنه سمكو، وكان لا يزال فى المهد، فثار عليه ابن عمه محمد بن الفتح بن ميمون، وتلقّب بالشاكر لله، ورفض الدعوة الصفرية، وأعلن الأخذ بمذاهب أهل السنة، وكان عادلا منتهى العدل كما يقول ابن خلدون، ويقال إنه دعا لنفسه بالخلافة، ويقول ابن خلدون إنه دعا لبنى العباس، وإنه ضرب العملة باسمه. وظل يحكم سجلماسة حكما عادلا رشيدا إلى أن اكتسح جوهر الصقلى بجموعه الشيعية من كتامة وصنهاجة المغرب الأقصى، واستولى-فيما استولى-على سجلماسة، وأخذ حاكمها السنى محمد بن الفتح أسيرا إلى رقّادة بإفريقية التونسية، وتوفى بها سنة ٣٥٤ هـ/٩٦٥ م. وثارت الصفرية على والى جوهر الصقلّى سريعا، وبايعت أحد أبناء الشاكر لله، وارتضى ذلك المعز العبيدى، غير أن أخاله ثار عليه وقتله سنة ٣٥٢ هـ/٩٦٣ م. وأخذ نجم قبيلة مكناسة فى الأفول بينما أخذ نجم قبيلة زناتة فى التألق والسطوع. وكان أمويو الأندلس قد استطاعوا جذب مغراوة الزناتية إليهم، وبمساعدتهم زحف حزرون بن فلفول من أمرائها إلى سجلماسة سنة ٣٦٦ هـ/٩٧٦ م وبرز له المعتز مع قومه الصفريين من مكناسة، وقتل وهزم قومه هزيمة ساحقة لم تقم لهم بعدها فى سجلماسة قائمة، وأقام حزرون بها دعوة الأمويين الأندلسيين، وكانت أول دعوة أقيمت لهم فى المغرب الأقصى. (د) الأدارسة (١) معروف أن الحسين بن على سليل الحسن بن على بن أبى طالب ثار على العباسيين بمكة أيام الخليفة العباسى المهدى فى ذى القعدة سنة ١٦٩ هـ/٧٨٥ م وثار معه أهله وفى مقدمتهم

стр. 4870

عماه: يحيى وإدريس، وسرعان ما نازله جيش عباسى فى مكان على بعد ثلاثة أميال من مكة يقال له: «فخ» ودارت الدوائر على الحسين ومن معه فقتل فى المعركة مع جماعة من أهل بيته، وفر عمه يحيى إلى الدّيلم، أما عمه إدريس ففر إلى مصر، وكان على بريدها يومئذ شخص اسمه واضح، وكان يتشيع، فأتاه إلى مخبئه، ووجد معه مولاه راشدا فنصحهما أن يحملهما على البريد إلى المغرب الأقصى بعيدا عن المهدى وعيونه، وأخذا بنصيحته، ونزلا فى ربيع الأول سنة ١٧٢ هـ/٧٨٨ م فى مدينة وليلى بجبل نزهون على إسحاق بن محمد بن عبد الحميد المعتزلى شيخ قبيلة أوربة، وعرّفه أمره، فأجاره، فبايعه وبايعته معه قبيلته، وجمع على الدعوة إليه أيضا قبائل زواغة ولواتة وغمارة ونفزة ومكناسة وكافة البرابر بالمغرب فبايعوه. ولما تمت دعوته زحف إلى جموع البربر الذين كانوا لا يزالون على دين المجوسية وإخوانهم المتهوّدين والمتنصّرين فدانوا له وأسلموا على يديه. وفى سنة ١٧٣ هـ/٧٨٩ م زحف إلى تلمسان ومن بها من قبائل مغراوة الزناتية وأميرها محمد بن خزر فأعلن إليه الطاعة وبايعه هو وقبيلته مغراوة فأمّنه وأمّن سائر زناتة وبنى مسجدا بتلمسان ونظم شئونها ورجع إلى عاصمته «وليلى» ولم يلبث أن توفى سنة ١٧٥ هـ/٧٩١ م ويقال إن الرشيد أرسل إليه شخصا أظهر له الولاء، فقربه منه، وانتهز فرصة فدسّ إليه السم وكان فيه حتفه. وكانت زوج إدريس حاملا فاتفق أنصاره على انتظار وضعها، وأنجبت ولدا سمته باسم أبيه إدريس فقام على تربيته خير قيام مولاه راشد، وتوفى راشد سنة ١٨٦ هـ/٨٠٢ م فجعلوا مكانه فى الوصاية عليه ولإشرافه على تربيته يزيد بن إلياس، حتى إذا بلغ الصبى الحادية عشرة بايعوه فى جامع وليلى، وشبّ ودان له المغرب الأقصى واستوزر مصعب بن عيسى الأزدى وأخذ يستكثر فى بطانته من العرب حتى بلغوا نحو خمسمائة وبهم عظم سلطانه. وقتل إسحاق بن محمد بن عبد الحميد كبير أوربة لما علم من اتصاله بخصومه الأغالبة حكام تونس وشرقى الجزائر. ورأى أن مدينة وليلى تضيق بحاشيته وأنصاره، فصمم على بناء مدينة تسعهم، وكلف باختيار موضعها بضعة من المهندسين، وأشاروا عليه بموضع على مقربة من عاصمته، فأخذ توّا فى بناء مدينته: فاس سنة ١٩٢ هـ/٨٠٧ م وتصادف أن كان فقهاء قرطبة حينئذ ثائرين على الحكم الربضى لانهماكه فى ملذاته وفى اللهو والملاهى فاجتمع أهل العلم والورع من الفقهاء وحصروه سنة ١٩٠ هـ/٨٠٥ م وقاتلهم فتغلب عليهم وهدم دورهم ومساجدهم ولحقوا بفاس والإسكندرية. ولا ندرى هل لحقوا بفاس فى أول بناء إدريس الثانى لها أو فى أثناء بنائها، إذ نراه يتمم شطرا منها سنة ١٩٢ ويسمّى العدوة الأندلسية، إما لأن الأندلسيين ساعدوا فى بنائه وسكنوه أو لأنهم سكنوه فحسب. وفى العام التالى بنى شطرا ثانيا مقابلا للشطر الأول وسمّى عدوة القرويين أى المغاربة، وجعل فيه مسكنه وإدارة حكومته، وسمّى الشطران جميعا باسم فاس وظل يفصل بينهما طريق طويلا. وغزا إدريس الثانى قبيلة مصمودة

стр. 4871

ودانت لطاعته واستولى على أغمات سنة ١٩٧ هـ/٨١٢ م ثم غزا تلمسان وجدد مسجدها ومنبره وأقام بها ثلاث سنوات يدبر شئونها، ومحا منها دعوة الصفرية، واقتطع غرب الجزائر حتى نهر شلف عن دعوة الأغالبة والعباسيين، ولم يستطع الأغالبة منازلة الأدارسة بعد هذا التاريخ وتوفى سنة ٢١٣ هـ/٨٢٨ م. وخلف إدريس الثانى ابنه محمد بعهد منه، فرأى تقسيم مملكة أبيه بينه وبين إخوته واختص نفسه بفاس وأعمالها، وأعطى القاسم إقليم الريف والهبط بما فيه من سبتة وتطوان وطنجة، وأعطى عمر بلاد صنهاجة وغمارة، وداود هوارة وتازة ومكناس، وعبد الله أغمات وبلاد المصامدة والسوس، ويحيى أصيلا والعرائش وبلاد ورغة، وحمزة وليلى وأعمالها، وعيسى أزمور وتامسنة، وأبقى تلمسان لأولاد سليمان بن عبد الله أخى جده إدريس. وخرج عيسى على أخيه محمد وطلب من القاسم حربه فامتنع وطلب ذلك من عمر فهزمه وأخذ ما فى يده وطلب إليه محمد حرب أخيهما القاسم لامتناعه عن حرب عيسى فحاربه وأخذ ما فى يده، وبذلك اتسعت ولايته فشملت إقليم الريف والهبط وتامسنة وهو جد المحموديين الإدريسيين المتملكين لقرطبة فى أوائل القرن الخامس بالأندلس، وتوفى سنة ٢٢٠ هـ/٨٣٤ م ولم يلبث الأمير محمد أن توفى سنة ٢٢١ هـ/٨٣٥ م وخلفه ابنه على فى التاسعة من عمره، فقامت على تربيته الحاشية وظل حتى سنة ٢٣٤ هـ/٨٤٨ م وكانت أيامه أيام رخاء. وعهد لأخيه يحيى فاتسع سلطانه وعظمت فاس فى العمران وبنى بها كثير من الفنادق والحمامات ورحل إليها الناس من البلاد، وهاجرت إليها سيدة ثرية فاضلة من القيروان من قبيلة هوارة-هى أم البنين الفهرية-ومعها أموال كثيرة أفادتها من ذويها، واعتزمت إنفاقها فى وجوه الخير، فاختطت سنة ٢٤٥ هـ/٨٥٩ م المسجد الجامع المشهور بعدوة القروبين وهو المسمى باسم جامع القروبين، وتحول فيما بعد إلى اليوم جامعة كبرى فى فاس كجامعة الأزهر فى القاهرة، ويذكر لأحمد بن سعيد اليفرنى أنه بنى مئذنته على رأس قرن من اختطاطه. وولى بعد يحيى ابنه يحيى المسمى باسمه فأساء السيرة وكثر عبثه، فثارت عليه العامة، واضطر إلى الانسحاب إلى العدوة الأندلسية، وبعد ليلتين من نزوله بها وافاه أجله، وبذلك انقطع الملك فى الدولة من ذرية محمد بن إدريس الثانى. وثارت الصفرية بجبال مديونة ودخلت عدوة الأندلس بفاس وقاومتها عدوة القرويين بقيادة يحيى بن القاسم بن إدريس وهزمتها وأخرجتها منها، وتطورت الظروف فقام بالأمر فى فاس يحيى بن إدريس ابن عمر، فملك جميع أعمال الأدارسة فى المغرب، وخطب له فى سائرها، وفيه يقول ابن خلدون: «كان أعلى بنى إدريس ملكا وأعظمهم سلطانا ولم يبلغ أحد من الأدارسة مبلغه فى السلطان والدولة». وكانت الدعوة العبيدية قد نجحت واستطاعت

стр. 4872

تقويض الدولة الأغلبية، واستولى على صولجان الحكم فى طرابلس وتونس والجزائر عبيد الله المهدى وطمح إلى ملك المغرب الأقصى، فعقد لمصالة بن حبوس كبير مكناسة على رأس جيش ضخم لمنازلة حكامه سنة ٣٠٥ هـ/٩١٧ م ونازل مصالة يحيى بن إدريس، وارتضى إعلانه الطاعة للمهدى وخلع نفسه وإنفاذ البيعة فأبقى له مصالحه فى فاس وعقد له عمله عليها وحدها دون بقية بلاد المغرب، وعقد مصالة لابن عمه موسى بن أبى العافية أمير مكناسة يومئذ على بقية المغرب الأقصى، وعاد مصالة إلى المغرب سنة ٣٠٩ هـ/٩٢١ م فأغراه ابن أبى العافية بيحيى فاستصفى أمواله، وأجلى الأدارسة إلى الريف فنزلوا مدينة البصرة واختطوا بها حصن النسر سنة ٣١٧ هـ/٩٢٩ م. وبذلك انتهت دولة الأدارسة فى فاس وانتهى معهم سلطان أوربة. وتجدد لهم ملك فى سبتة وأصيلا وإقليم أو منطقة الهبط، وكانوا يختارون شخصا يقدمونه عليهم مثل قنون بن محمد بن القاسم بن إدريس، وتوفى سنة ٣٣٧ هـ/٩٤٨ م فاتفقوا على تقديم أبى العيش أحمد بن قنون وكان يخطب لعبد الرحمن الناصر الأموى، وارتأى أن يخرج إلى الأندلس مجاهدا سنة ٣٤٦ هـ/٩٥٧ م واستخلف أخاه الحسن بن قنون واتصلت مشايعته للأمويين الأندلسيين إلى أن غزا المغرب بلقين، فدخل فى دعوة العبيديين مما جعل المستنصر الأموى يعدّ جيشا لحربه، ونازله فى عهد هشام المؤيد الأموى جيش كثيف من الأندلس اضطره إلى طلب الأمان سنة ٣٧٥ هـ/٩٨٥ م. وبذلك انتهت دولة الأدارسة فى إقليم الهبط كما انتهت فى فاس. وأما سليمان أخو إدريس بن عبد الله مؤسس دولة الأدارسة فى المغرب الأقصى فإنه نزل تلمسان وتملكها من زنانة ودانت له وتركها له إدريس الثانى-، وتملك أنحاء من المغرب الأوسط، وورث ملكه ابنه محمد واقتسمه أبناؤه، وظلوا يتوارثون تلمسان وأرشكول وجراوة وتنس واستشعر بعضهم الولاء لبنى أمية، وأخيرا ضاع ما بيدهم، جزء أخذه ابن أبى العافية وجزء استولى عليه أولياء الدعوة العبيدية. وقبل أن نترك الدولة الإدريسية لا بد أن نشير إلى أنها أول دولة أسست فى المغرب الأقصى، وكانت دولة إسلامية عربية، وقد أسهمت بقوة فى نشر الإسلام السنى فى المغرب الأقصى وتلمسان وتطهيرهما من الصفرية والرافضة وعنيت بتحفيظ القرآن الكريم وتفسيره ورواية الحديث النبوى وتفقيه الناس أمور دينهم، وأخذت تتكون فى مساجد المدن حلقات القراء والمفسرين والمحدثين والفقهاء وعنى علماؤها بتعليم المغاربة العربية وأصبح فى المغرب مؤدبون ومعلمون مختلفون. وكانت الدولة عربية وفتحت أبوابها لشخصيات عربية كثيرة جاءتها من القيروان ومن المشرق، حتى قالوا إنه كان فى بطانة إدريس الثانى-كما أسلفنا-خمسمائة عربى. وأخذوا يتكاثرون مع الزمن، ولما ثار كثيرون من الفقهاء وأهل العلم والورع بقرطبة

стр. 4873

على الحكم الربضى-كما أسلفنا-سنة ١٩٠ للهجرة وقاتلهم وانتصر عليهم، هدم دورهم ومساجدهم، فلحق كثيرون منهم بفاس، وكل ذلك أسرع بعروبة المغرب الأقصى. (هـ) فاس (١) وسجلماسة (٢) بعد الأدارسة والمدراريين انتهى حكم الأدارسة فى فاس سنة ٣٠٩ هـ/٩٢١ م وتطورت بها ظروف مختلفة وجعلها العبيديون لموسى بن أبى العافية كبير مكناسة، فظل مواليا لهم حتى سنة ٣٢٢ هـ/٩٣٤ م إذ رأى أن يعلن ولاءه للخليفة الأموى بقرطبة عبد الرحمن الناصر. ودانت فاس بالطاعة للعبيديين سنة ٣٣٣ هـ/٩٤٥ م وعادت إلى الناصر سنة ٣٤١ هـ/٩٥٣ م فولّى عليها محمد بن الخير المغراوى، واستدار العام فرأى أن يرحل إلى الأندلس للجهاد واستخلف عليها ابن عمه أحمد بن سعيد، وهو الذى شاد مئذنة جامع القرويين بفاس سنة ٣٤٤ هـ/٩٥٥ م وافتتحها جوهر الصقلى باسم المعز العبيدى سنة ٣٤٩ هـ/٩٦٠ م وظلت الدعوة العبيدية قائمة له فيها حتى سنة ٣٦٢ هـ/٩٧٣ م إذ أرسل الحكم المستنصر الخليفة الأموى فى قرطبة قائده غالبا إلى المغرب فدخل مدينة فاس وأعاد فيها الخطبة للأمويين. وفى سنة ٣٦٩ هـ/٩٧٩ م عادت للعبيديين، ولم تلبث أن عادت للأمويين سنة ٣٧٥ هـ/٩٨٥ م وولى عليها المنصور بن أبى عامر زيرى بن عطية الخزرى المغراوى الزناتى وجعلها سنة ٣٧٧ هـ/٩٨٨ م دار ملكه، فعلا قدره وارتفع شأنه، وملك مدينة تلمسان وبسط سلطانه على المغرب من السوس الأقصى إلى الزاب فى الجزائر، وأسكن قبيلته أنحاء فاس وبالقرب منها ورفع عن أحوازها بنى يفرن سنة ٣٨٢ هـ/٩٩٢ م فثاروا عليه وهزمهم وأسكنهم مدينة سلا على المحيط، وابتنى سنة ٣٨٤ هـ/٩٩٤ م مدينة وجدة. وفسدت العلاقات بينه وبين المنصور بن أبى عامر، ونازله ودارت الدوائر على جيشه، فأرسل إليه جيشا ثانيا بقيادة المظفر، وتغلب المظفر عليه. وفى سنة ٣٩٣ هـ/١٠٠٢ م أصبح المظفر حاجبا للمؤيد هشام بعد أبيه المنصور بن أبى عامر فكتب للمعز بن زيرى بالولاية على فاس وسائر أعمال المغرب، وظل المعز واليا للأمويين على فاس والمغرب حتى سنة ٤٢٢ هـ/١٠٣٠ م. وكانت الخلافة الأموية قد سقطت فى قرطبة فاستقل المعز بن زيرى بالمغرب وفاس حتى وفاته سنة ٤٤٠ هـ/١٠٤٨ م وعاشت فاس أيامه فى رخاء، وكان ممدّحا يقدر الشعر والشعراء فقصدوه من مملكته ومن الأندلس. وخلفه ابنه دوناس إلى وفاته سنة ٤٥٢ هـ/١٠٦٠ م وفى عهده ازدهرت الحياة فى فاس ونما بها العمران وأصبحت مدينة واحدة بعد أن كانت عدوتين متقابلتين وكثر فيها بناء المساجد والحمامات والفنادق.

стр. 4874

وخلفه ابنه فتوح، وفى أيامه ظهرت لمتونة فى أطراف البلاد بقيادة عبد الله بن ياسين، وخافها فترك مدينة فاس عاصمته لمعنصر بن حماد المغراوى سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م وافتتحها يوسف بن تاشفين سلما، وعاد معنصر فتغلب عليها وخلفه ابنه تميم، وزحف إليها يوسف بن تاشفين وافتتحها نهائيا سنة ٤٦٢ هـ/١٠٦٩ م. وأما سجلماسة فإن جوهرا الصقلى حين افتتحها ولّى عليها مبادر بن زيرى إلى أن توفى فى سنة ٣٥٧ هـ/٩٦٧ م فتولاها ابنه يصليتن الزناتى، واستطاع الأمويون فى قرطبة أن يجذبوا إليهم قبيلة مغراوة وكبيرها حزرون بن فلفول، فزحف إليها باسمهم سنة ٣٦٦ هـ/٩٧٦ م واستولى عليها وأقام بها الدعوة لهم، وعقد له المنصور بن أبى عامر حاجب الخليفة الأموى المؤيد ومدبّر دولته عليها وعلى جميع أعمالها هى ومدينة درعة، وظلت فى أسرته المغراوية، وتملكها ابنه مسعود سنة ٤٠٠ هـ/١٠٠٩ م وغلب على جميع أعمالها هى ودرعة حتى توفى سنة ٤١٣ هـ/١٠٢٢ م وخلفه ابنه محمد لمدة قصيرة إذ توفى سنة ٤١٧ هـ/١٠٢٦ م ووليها بعده ابنه مسعود. وكان أمر لمتونة وشيخها الكبير عبد الله بن ياسين قد شاع فى البلاد ودانت له جميع الصحراء وبلاد السودان فكتب إليه فقهاء سجلماسة أن يغزوها ليرفع عنها العسف والجور ويطهرها مما بها من المنكرات، ولبّاهم والتقى بمسعود وجموعه وهزم وقتل فى المعركة سنة ٤٤٧ هـ/١٠٥٥ م ودانت سجلماسة ودرعة للشيخ ابن ياسين بالولاء والطاعة، فجعل عليها عاملا من لمتونة وانصرف إلى الصحراء. ٤ - المرابطون-الموحدون-بنومرين (أ) المرابطون (١) المرابطون صنهاجيون بدو كانوا يتنقلون وراء أنعامهم فى الرمال الصحراوية المترامية بين جنوبى المغرب الأقصى وقبائل إفريقية المدارية السوداء حتى السنغال وغيرها من بلاد السودان ونفس كلمة السنغال خير شاهد على ذلك إذ هى تحريف لكلمة صنهاجة على لسان البرتغاليين، حين وصلوا إلى سواحلها فسموها Senhagal ثم أصبحت Senagal وظلوا دهورا منتبذين العمران يعيشون على الأنعام وألبانها ولحومها، واتخذوا اللثام على وجوههم شعارا لهم بين

стр. 4875

الأمم، وكثروا فى منطقتهم وتعددت قبائلهم ومنها كدالة ومسوفة ولمطة وجزولة ولمتونة وهى أهمها جميعا. وكان دينهم فى جاهليتهم المجوسية مثل سائر البربر، وأخذوا يدخلون فى دين الله متأخرين فى القرنين الثانى والثالث للهجرة، وتحمسوا له، وجاهدوا فى سبيله أمم السودان ودوّخوهم وحملوهم على اعتناقه فدانت به كثرتهم، وأدّى الجزية منهم من لم يعتنقه. وكان لهم-بسبب اتساع منطقتهم-ملك ضخم توارثه ملوكهم، وكان ملكهم فى النصف الأول من القرن الخامس الهجرى يحيى بن إبراهيم الكدالى، وكان على شئ من التقوى فتجهز لأداء فريضة الحج سنة ٤٢٧ هـ/١٠٣٥ م وفى عودته منه لقى بالقيروان أبا عمران الفاسى شيخ المذهب المالكى، فاستمع إلى دروسه، ولزمه فترة فأعجب به الشيخ وسأله عن موطنه، فقال له إن الجهل فاش فى الناس هناك وحبذا لو أرسلت معنا تلميذا لك يفقههم فى الدين، فعرض الشيخ رغبته على تلاميذه فلم يقبل أحد منهم الذهاب معه لتلك الغاية، فكتب له رسالة إلى تلميذ له فى سجلماسة هو وجاج بن زولو اللمطى لعله يقبل تلك المهمة، فانتدب له وجاج تلميذا تقيا نابها من تلاميذه هو عبد الله بن ياسين الجزولى، وما إن نزل فى قبائل صنهاجة المتبدية حتى أعجبوا به، والتفوا حوله أول الأمر، وعادوا فأنكروا عليه ما نهاهم عنه من بعض المحرمات، وشعر باليأس فصمم على أن يتركهم وشأنهم ويقصر نفسه على النسك وعبادة ربه. وأشار عليه يحيى بن عمر أحد رؤساء لمتونة أن يتنسّك معه فى جزيرة قرب مصب نهر السنغال، ونزلها معه وأقام فيها رباطا، وتسامع بنسكه الناس فأخذ يفد عليه كثيرون ممن فى قلوبهم مثقال حبة من إيمان لينسكوا معه فى رباطه بتلك الجزيرة، فلما بلغت عدّتهم ألفا قال لهم: «اخرجوا فأنتم المرابطون» أى المجاهدون فى سبيل الحق وحمل كافة الناس عليه، ولذلك سموا بهذا الاسم: المرابطون، وغلب على تسميتهم بالملثمين، وبحق ظلت هذه الدولة-طوال عهدها-دولة رباط وجهاد فى سبيل الله. وخرج عبد الله بن ياسين معهم ومع يحيى بن عمر اللمتونى، وأخذ يعدّ العدة للجهاد فى سبيل الله، وجاءته من صنهاجة البدوية قبائل كثيرة انضمت إلى دعوته، وظل زعيمها الدينى بينما كان يحيى بن عمر زعيمها الحربى واتجه شمالا فاستولى-كما مر بنا-على درعة وسجلماسة وإقليمها سنة ٤٤٧ هـ/١٠٥٥ م وأصلح من أحوال هذه المنطقة وغيّر ما بها من المنكرات وأسقط عن الناس المغارم والمكوس. وكان استيلاؤه على هذه المنطقة حطما للحصار الشمالى الذى كان مضروبا على قبائل صنهاجة البدوية أو الصحراوية، وعاد إلى الصحراء وتوغل فى الجنوب فهاجم أهل السودان الغربى فى حوض السنغال وانتصر عليهم، وكان ذلك حطما للحصار الجنوبى الذى كان مضروبا على صنهاجة الصحراوية، فوصلوا إلى شعوب إفريقيا السوداء وأخذوا ينشرون فيها الدين الحنيف. ولم يلبث يحيى بن عمر أن توفى فى نفس السنة، فخلفه أخوه أبو بكر أحد كبار رجال العالم الإسلام المجاهدين فى سبيل الله، وبدأ

стр. 4876

فندب المرابطين للجهاد فى بلاد المغرب الأقصى فغزا بلاد منطقة السوس سنة ٤٤٨ هـ/١٠٥٦ م واستدار العام ففتح من بلدانها ماسة على المحيط وتارودنت على نهر السوس ومحا أبو بكر منها دعوة الروافض وصعد إلى الشمال فاستولى على أغمات، وحمّس أنصاره من المرابطين لجهاد برغواطة الفاسقة، وكانت مواطنها فى ساحل المحيط فى سلا بإقليم فاس وآنفة وآزمور فى تامسنه وآسفى فى إقليم دكالة، وكانوا صفرية، وكان كبيرهم طريف بن صبيح من قواد ميسرة الصفرى، ويقال إنه تنبأ، وتوالى أبناؤه يتنبّئون ويشرّعون لقومهم الشرائع، وقاومهم الأدارسة والعبيديون والأمويون، ولكن أحدا منهم لم يقض عليهم قضاء مبرما حتى نازلهم أبو بكر بن عمر بجموعه من المرابطين فى وقائع سحقهم فيها سحقا، واستشهد عبد الله بن ياسين فى بعض تلك الوقائع سنة ٤٥١ هـ/١٠٥٩ م وما زال أبو بكر يواقعهم حتى استأصل شأفتهم كما يقول ابن خلدون ومحاهم من الأرض محوا. وبلغه خلاف عنيف بين قبيلته ومسوفة فى موطنهم بالصحراء، فخشى مغبة ذلك وارتحل إليهم سنة ٤٥٣ هـ/١٠٦١ م ليصلح ذات بينهم، واستعمل على المغرب الأقصى ابن عمه يوسف بن تاشفين. ومن ذلك الحين انقسمت حركة المرابطين العظيمة قسمين: قسم جنوبى يجاهد فى إفريقية المدارية بقيادة أبى بكر بن عمر وخلفائه من بعده، واستطاع هذا المجاهد العظيم الاستيلاء من بلاد السودان على ٩٠ مرحلة فى رواية وعلى مسيرة ثلاثة أشهر فى بلدانها وأراضيها برواية أخرى. وما زال يجاهدهم هذا البطل المقدام حتى استشهد فى إحدى غزواته سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م بعد أن ضرب أروع الأمثلة فى نشر الإسلام والجهاد فى سبيله. وأما القسم الشمالى من حركة المرابطين فكان بقيادة يوسف بن تاشفين وقد شمل ما استولى عليه المرابطون-قبل يوسف-وما سيستولون عليه بقيادته من المغرب الأقصى وغير المغرب الأقصى من مثل تلمسان والأندلس. وكان يوسف بن تاشفين بطلا شجاعا حازما مدبرا لملكه على خير وجه، مجاهدا فى سبيل الله طوال حكمه ابتغاء الثواب من ربه، وكان بحق من كبار الشخصيات الإسلامية المؤسسة للدول والمدن، ولم يكد يستدير العام بعد توليه الحكم حتى رأى أن يبتنى فى السهل الواسع شمالى أغمات وجنوبى تهرتنسيفت مدينة لتكون حاضرة لحكمه. وسرعان ما أخذ فى بنائها سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م وهى مدينة مراكش، وقد شيّدت وفق مخططات رسمتها طائفة من مهرة المهندسين وقامت على بنائها طائفة من العمال الحاذقين كما بنى بها المسجد الجامع وإدارة الحكم، وسرعان ما تكاثرت بها الجوامع والمدارس والفنادق والحمامات، وأصبحت إحدى مدن العالم الإسلامى الكبرى. وفى نفس السنة جنّد يوسف الأجناد حتى اكتمل له ما يزيد عن مائة ألف فارس من صنهاجة وغيرها من قبائل المغرب الأقصى، وقصد مدينة فاس فحارب القبائل حولها وانتصر عليها وافتتحها الفتح الأول، ومضى يهزم القبائل ويفتح البلاد، وفى سنة ٤٦٠ هـ/١٠٦٧ م استولى على بلاد غمارة فى منطقة الريف إلى

стр. 4877

طنجة، وفتح مدينة فاس الفتح الثانى سنة ٤٦٢ هـ/١٠٦٩ م وعاد إليها فى السنة التالية فافتتحها عنوة وافتتح حصون نهر ملوية، وأخذ كثير من البلدان يفتح له أبوابه دون حرب، وفى سنة ٤٦٧ هـ/١٠٧٤ م فرّق عماله على بلاد المغرب وفى سنة ٤٧٠ هـ/١٠٧٧ م استولى على طنجة، وفى سنة ٤٧٢ أرسل قائده مزدلى إلى تلمسان فاستولى عليها، وفى سنة ٤٧٣ هـ/١٠٨٠ م ضرب السكة أو العملة باسمه، وفى السنة التالية فتح مدينة وجدة وتنس ووهران ومدينة الجزائر وجميع أعمال نهر شلف، وبذلك ضم إلى المغرب الأقصى الشطر الغربى من الجزائر، وفى سنة ٤٧٧ هـ/١٠٨٤ م فتح مدينة سبتة. وبذلك وحدّ المغرب الأقصى جميعه جنوبا حتى الصحراء الكبرى وغربا حتى المحيط وشمالا حتى البحر المتوسط، ولم يكفه الاستيلاء على حدوده الشرقية غربى نهر الملوية حتى مدينة وجدة، فقد مدّه شرقا واستولى على شطر كبير من الجزائر كما أسلفنا. وكان واسع الأفق مؤمنا بأن العالم الإسلامى ينبغى أن يتوحّد تحت راية واحدة هى راية الخليفة العباسى ببغداد ولذلك كتب إليه معلنا دخوله فى طاعته، وكتب إليه الخليفة مرحبا ومباركا له فى مملكته، واكتفى يوسف بأن لقب نفسه بلقب أمير المسلمين. ومما يدل على حسن إدارته وسياسته أنه كان يختار الولاة على ولايات مملكته الواسعة من خيرة رجال قبيلته الصنهاجية المعروفين بالأمانة والعدالة والنزاهة، وضمّ إلى كل وال فقيها أو أكثر ليكون مستشاره فى أحكامه بحيث تتمشى مع الشريعة الإسلامية، ورفع عن كاهل الرعية المكوس والمغارم التى كان يتقاضاها منهم حكامهم السابقون. وكانت الأندلس-فى القرن الخامس الهجرى-قد أصبحت أندلسات وإمارات متعددة وأخذت تتنافس وتتحارب فى هذا العهد الذى سمى عهد أمراء الطوائف، ونشط أعداؤهم النصارى الإسبان فى الشمال للانقضاض عليهم، وأخذوا يؤدون إليهم-قهرا-إتاوات ومغارم شتى، وخاصة لألفونس السادس ملك ليون وقشتالة، واستطاع سنة ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م أن يلتقم طليطلة أكبر إماراتهم دون حرب، مع مساعدة أميرها القادر بن ذى النون على أخذ بلنسية. وشعر المعتمد أمير إشبيلية والمتوكل أمير بطليوس بهذا الخطر الداهم وكذلك غيرهما من الأمراء، فاستصرخوا البطل المغوار يوسف بن تاشفين أن ينجدهم ضد ألفونس السادس قبل أن يبتلعهم كما ابتلع طليطلة، وأرسلوا إليه-مستغيثين-نفرا من قضاة المدن الكبرى، فأطلعوه على جلية الأمر، فثارت حميته للإسلام والمسلمين فى الأندلس، كما ثارت حمية قومه المرابطين المجاهدين الذين نذروا أنفسهم للجهاد فى سبيل الله ودينه الحنيف، وأعد سريعا جيشا جرارا لمنازلة نصارى إسبانيا وأعد له أسطولا ضخما عبر الزقاق سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م وأخلى له المعتمد صاحب إشبيلية مدينة الجزيرة الخضراء لتكون رباطا لجيشه، واتجه لحرب عدو الله فى طليطلة وانضم إليه المعتمد والمتوكل أمير بطليوس وعبد الله بن بلقين أمير غرناطة بجيوشهم، وعلم ألفونس بمقدمه وأنه منازله فاستغاث بملوك النصارى فى إسبانيا وفرنسا

стр. 4878

وإيطاليا وبالبابا فى روما وجاءته حشود من الفرسان، والتقت الفئتان فى موضع يدعى الزلاّقة شمالى بطليوس، ودارت معركة حامية الوطيس مزّق فيها جيش ألفونس شر ممزّق، ويقال إنه كان مائة وثمانين ألف فارس ومائتى ألف راجل، فنكّل جيش يوسف بن تاشفين بهذا الجيش وقتل منهم مقتلة عظيمة، وفرّ ألفونس على وجهه إلى طليطلة فى شرذمة قليلة من الفرسان مثخنا بالجراح. وبلغت يوسف وفاة ابن له، فاضطر إلى العودة إلى مراكش بعد هذا النصر المبين، ولو أنه تابع بعده زحفه إلى طليطلة لاستولى عليها. وفى سنة ٤٨١ هـ/١٠٨٨ م أخذ ألفونس يغير على إمارة المعتمد بن عباد عن طريق حصن لبيط، واستغاث بابن تاشفين، فاجتاز الزقاق إليه وكتب إلى من سواه من أمراء الطوائف ليلتقوا للجهاد ضد ألفونس، ولم يلبّه سوى أمير مرسية وأسرّها فى نفسه، وانتصر أمير المسلمين وعاد إلى عاصمته مراكش. ودبّ الخلاف والشقاق بين أمراء الطوائف ومدّوا أيديهم إلى ألفونس يدفعون له المغارم ويطلبون منه العون وخاصة عبد الله بن زيرى أمير غرناطة فعبر يوسف الزقاق إلى الأندلس للمرة الثالثة، وفيها خلع عبد الله بن زيرى وأسرته عن غرناطة وأرسل بهم إلى مراكش. وترك وراءه صهره سير بن أبى بكر ليخلع أمراء الطوائف جميعا ومن أبى قاتله أو أخذه أسيرا، وقاتله المتوكل أمير بطليوس وقتله، ونازله المعتمد أمير إشبيلية وأسره ونفاه مع أسرته إلى أغمات. واستولى المرابطون على المرية وفر ابن صمادح إلى إفريقية كما استولوا على دانية وشاطبة وبلنسية سنة ٤٨٥ هـ/١٠٩٢ م وبذلك دانت لهم الأندلس ما عدا سرقسطة فإن ابن تاشفين-بنظره الثاقب- رأى أن تظل مع أمرائها من بنى هود، لتكون ثغرا حربيا حاجزا بين نصارى الشمال والأندلس. وفى سنة ٤٩٠ هـ/١٠٩٦ م وقيل بل فى سنة ٤٩٦ هـ/١١٠٢ م عبر ابن تاشفين إلى الأندلس مرة رابعة لأخذ البيعة لابنه على. وفى سنة ٥٠٠ هـ/١١٠٦ م توفى البطل العظيم يوسف بن تاشفين وبويع لابنه على بمراكش. وكان على مجاهدا كبيرا مثل أبيه وفى سنة ٥٠١ هـ/١١٠٧ م وجّه أخاه تميما الوالى على غرناطة بجيش إلى إقليش شرقى طليطلة، ولقيه ألفونس وهزمه تميم هزيمة منكرة، قتل فيها ابنه الوحيد ولى عهده، ومات بعد الموقعة بعشرين يوما متحسرا على هزيمته وفقد ابنه، واستولى تميم على حصن إقليش وشنتبريّة. وفى سنة ٥٠٣ هـ/١١٠٩ م عبر على بن يوسف إلى الأندلس بجيش كثيف هاجم به طليطلة وفتح من أحوازها سبعة وعشرين حصنا وفتح مجريط. ووادى الحجارة. وفى السنة التالية فتح سير بن أبى بكر مدن شريش وبطليوس وبرتغال ويابرة وأشبونه وجميع بلاد الغرب. وفى سنة ٥٠٧ هـ/١١١٣ م توفى سير بن أبى بكر بإشبيلية وخلفه عليها محمد بن فاطمة حتى سنة ٥١٠ هـ. وفى السنة التالية ٥٠٨ هـ/١١١٤ م توفى القائد مزدلى غازيا ببلاد النصارى. وفى سنة ٥٠٩ هـ/١١١٥ م تملك المرابطون جزائر البليار: ميورقة وأختيها. وأخطأ على بن يوسف فأخذ سرقسطة من حماتها بنى هود، وسرعان

стр. 4879

ما وقعت فريسة للنصارى سنة ٥١٢ هـ/١١١٨ م. وفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة عبر على بن يوسف إلى الأندلس، ودوّخ بلاد الغرب وفتح شنتمريّة. وفى سنة ٥١٩ هـ/١١٢٥ م استدعى المعاهدون من نصارى غرناطة ألفونس الأول ملك أراجون للاستيلاء على مدينتهم، فزحف إلى الجنوب، وعلم المرابطون فردوه على أعقابه. وأجلوا عن غرناطة كل من كانوا سببا فى استدعائه من النصارى إلى مدينة سلا على المحيط فى المغرب وبالمثل إلى مكناسة. وفى سنة ٥٢٠ هـ/١١٢٧ م هاجم تاشفين بن على النصارى وفتح ثلاثين حصنا فى الغرب. وفى سنة ٥٢٨ هـ/١١٣٤ م وجّه على بن يوسف جيشا كثيفا بقيادة على بن غانية والى بلنسية ومرسية شرقى الأندلس إلى مدينة إفراغة شرقى سرقسطة، فلقى جيشا لألفونس الأول ملك أراجون فنازله وهزمه هزيمة منكرة. وفى سنة ٥٣٣ هـ/١١٣٨ م أخذ البيعة بمراكش لابنه تاشفين، وتوفى على سنة ٥٣٧ هـ/١١٤٢ م. وخلف تاشفين أباه عليا، ولم يلبث الموحدون أن نازلوه سنة ٥٣٩ هـ/١١٤٤ م ودارت عليه الدوائر وتوفى برمضان من نفس السنة. وكانت دولة المرابطين دولة عظيمة عملت على نشر الإسلام فى السودان الغربى بالسنغال وغير السنغال، وقضت على الصفرية والنحل الضالة نحلة البجلية من السوس ونحلة برغواطة المارقة فى إقليم تامسنا وجعلت الإسلام فى المغرب الأقصى كله سنيا، ووحدته بحدوده المعروف بها إلى اليوم، وصانت الأندلس من الضياع، فقد كانت سفينة توشك على الغرق، فأنقذتها وردتها إلى مواصلة الحياة الأدبية والفلسفية والعلمية لأربعة قرون تالية. وقد شملت دولتهم-على اتساع أرجائها-عدالة وأمن لم يحظ بهما قطر فى أزمنتهم، إذ كانت تمتد من ممالك النصارى فى شمال إسبانيا إلى السنغال فى الجنوب، ولا مكس ولا مغرم ولا معونة فى بادية أو حاضرة إلا ما كان من الزكاة والعشر مما فرضه الإسلام، والأسعار فى غاية الرخص، والناس فى دعة ورخاء ورفاهية إلى أن ثار على الدولة مهدى الموحدين واستولى خليفته عبد المؤمن على صولجان الحكم من المرابطين. (ب) الموحدون (١) أنشأ هذه الدولة بالمغرب الأقصى محمد بن تومرت فقيه من هرغة إحدى بطون مصمودة، وهى إحدى القبائل الأربع الكبرى التى كانت تعيش فى مناطق هذا المغرب، وهى غمارة

стр. 4880

وكانت تنتشر فى منطقة، الهبط والريف، وزناتة وكانت تنتشر فى كثير من المناطق وخاصة حول حوض نهر ملوية من منبعه إلى مصبه، ومن فروعها مغراوة التى قضت على الأدارسة وبنى مدرار، وصنهاجة فى مناطق مختلفة، ومعها صنهاجة الملثمون أصحاب دولة المرابطين، ثم مصمودة وكانت تنزل فى السفح الجنوبى لجبال الأطلس وسهوله، وهى الجبال المسماة جبل درن، وكانت تنتشر من آسفى فى منطقة دكالة إلى حاحه على ساحل المحيط ومراكش والسوس وجزولة. وكانت تطمح إلى الملك كما ملكت قبلها صنهاجة وبعض فروع زناتة مثل بنى مدرار فى سجلماسة. ومن فروع مصمودة هرغة وهنتانة وتينملل ودكالة وهيلانة وغيرهم حتى ليصبحون معظم سكان المغرب الأقصى. وولد لهذه القبيلة الكبرى محمد بن تومرت الهرغى حول سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م ونشأ كما ينشأ لداته فحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ يختلف إلى حلقات العلماء فى بلدته ثم فى مراكش حتى إذا بلغ نحو العشرين من عمره رحل إلى المشرق على رأس المائة الخامسة، كما يقول ابن خلدون، ومرّ بالأندلس ودخل قرطبة وهى دار علم، ورحل إلى الإسكندرية وحجّ ودخل العراق ولقى جملة من العلماء. وكانت عقيدة الإمامية الاثنى عشرية شائعة فى بغداد، فدرسها وعرف أنها تقوم على الإمامية أو فكرة إمامة أحد أحفاد على عن طريق الوصية المتسلسلة إليه، وأن المسلم لا يكون مسلما حقا إلا إذا فوّض أمره للإمام وبذل نفسه فى سبيله، فرأى أن يكون ذلك ركنا أساسيا فى دعوته، فهو إمام، وهو يتصف بالصفات القدسية التى يتصف بها الإمام عند فرقة الإمامية الشيعية. ولكن كيف تكون إمامته والإمامة خاصة بالبيت النبوى؟ فأكد أنه علوى فاطمى وذكر له سلسلة نسب تصله بسليمان بن عبد الله أخى إدريس الأول مؤسس دولة الأدارسة، وكان قد ترك لأخيه سليمان وذريته تلمسان. ولم يأخذ محمد بن تومرت عن الإمامية عقيدة الإمام الفاطمى أو العلوى وحدها، بل أخذ معها فرعيها من المهدية والعصمة، أما المهدية فيريدون بها الإمام الذى ينقذ العالم من الشرور والآثام، فلقب نفسه بالمهدى أى الإمام الذى اختاره الله لتخليص العالم مما فيه من الموبقات والمعاصى، وأما العصمة فيراد بها أن الأئمة معصومون عن الخطأ وعن ارتكاب أى إثم أو اقتراف أى ذنب؛ مع الإيمان بأن الله أضفى عليهم صفات روحية قدسية، وهى صفات تجعل طاعتهم فريضة على كل مسلم وأن عقيدته لا تتكامل إلا إذا فوّض أمره إلى الإمام وبذل نفسه فى سبيله. ولكل ذلك سمى نفسه-وسماه أتباعه-الإمام المهدى المعصوم. كلمات ثلاث ولكنها كلمات فى غاية الخطورة، فهو الشخص الذى اختاره الله لعباده ليكون حاكمهم دينا ودنيا: حاكم مهدى ينقذ الناس من الظلم والمآثم، وكلمته لا ترد فهو معصوم ولا يجرى على لسانه إلا الحق، والحق وحده. وألف ابن تومرت فى هذه الصفات التى خلعها على نفسه مستمدا لها من الإمامية الشيعية كتابا فى الإمامية افتتحه بقوله: «أعز ما يطلب».

стр. 4881

وبجانب هذه الأسس الثلاثة وهى أنه إمام مهدى معصوم يأخذ عن الفاطميين لعقيدته أساسا رابعا هو تنظيم دولته بحيث يكون على رئاستها إمام وتتبعه طبقتان: طبقة الصحابة وهم عشرة مستشارون وطبقة الأنصار وهم خمسون وبجانب هاتين الطبقتين الطلبة وهم دعاتهم وكانوا يتعلمون أسس العقيدة ونشرها فى القبائل. ودرس وهو فى بغداد-مذهبى المعتزلة والأشعرية، وعرف الأصول الخمسة التى يدين بها المعتزلة، وهى التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، وأن منزلة مرتكب الكبيرة بين منزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأعجبه المبدأ الأول وهو التوحيد، وهو يعنى عند المعتزلة تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، فهو ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا يحصره المكان ولا الزمان، وكل آية فى القرآن الكريم يفهم منها مشابهة الله للمخلوقات مثل: (يد الله فوق أيديهم) تؤوّل، فاليد فى الآية معناها القدرة، وبالمثل الآيات الأخرى المماثلة. والأشعرية يلتقون مع المعتزلة فى هذا المبدأ وهو تنزيه الله عن التشبيه وكل ما يتعلق بالجسمية والتجسيد، ومع أن ابن خلدون يقول إنه أخذ بمذاهب الأشعرية فى كافة العقائد، وألف فى العقائد على رأيهم رسالته المرشدة فى التوحيد، مع ذلك نرى أنه ربما صرح باسم الأشعرية لأنه كان لهم شعبية بالمغرب كله لعصره وقبل عصره. وإنما دعانا إلى الزعم بأن ابن تومرت أخذ فكرة أو مبدأ التوحيد وما يتصل به من تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات عن المعتزلة أنه استخدمها بنفس المعنى للدلالة على أتباعه، فهم موحدون أى يؤمنون بأن الله لا يشبه المخلوقات بوجه من الوجوه وينفون عنه التجسيد بكل صوره. وكان يتهم المرابطين وشيوخهم بالقول على الذات العلية بالتجسيم وأنهم لذلك كافرون مارقون عن الدين ويجب نقض طاعتهم وقتالهم، ومعاذ الله أن يكون المرابطون كفارا أو مجسمة وقد أدوا للإسلام خدمات كبرى إذ قضوا فى منتصف القرن الخامس الهجرى على مجوس برغواطة فى إقليم تامسنا بالمغرب الأقصى واستنجد بهم أمراء الطوائف فى الأندلس ضد غارات الإسبان عليهم فعبروا إليهم وهزموا الإسبان هزيمة ساحقة فى موقعة الزلاّقه وكان لهم جيش فى موريتانيا نشر الإسلام بقوة فى غرب إفريقيا ووسطها، وبفضلهم تحولت غانة بلدا إسلاميا إلى اليوم، وظلم ما قاله ابن تومرت عنهم من أنهم كفار مجسمة وكل ما هناك أن فقهاءهم كانوا سلفيين يتركون التأويل للآيات التى قد يفيد ظاهرها التشبيه على الله مع تنزيهه ونفى التجسيد عنه، وبذلك يتبين أن ابن تومرت لم يسم أتباعه باسم الموحدين عفوا بلا قصد مما جعل مؤرخا يقول: «كان لقب الموحدين الذى أطلقه ابن تومرت على أتباعه غير ذى معنى لأن كل المسلمين موحدون، ولم يكن المرابطون أقل توحيدا من الموحدين». فهى كلمة-كما رأينا-تؤدى معنى واضحا عنده وعند أتباعه. وفى رأيى أن الذى وصل ابن تومرت بمذهب المعتزلة هم الإمامية لأنهم كانوا موصولين بهم من قديم، وأحكم هذا الاتصال فى القرن الخامس الهجرى الطبرسى المتوفى سنة ٤٦٠ هـ/١٠٦٧ م وقد فسح فيه-كما ذكرت فى الحديث عن التفسير

стр. 4882

فى القسم الخاص بالعراق فى هذه السلسلة-للتأثر بالمعتزلة فى نفى التشبيه عن الذات العلية. ومبدأ ثان من مبادئ المعتزلة الخمسة أخذ به ابن تومرت وجعله جزءا لا يتجزا من دعوته، وهو مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو ما ينبغى على كل مسلم أن يصدر عنه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإلا فبقلبه، وهو أضعف الإيمان، وجعل ابن تومرت ذلك شعارا للدعوة. ويقول صاحب المعجب إنه أخذ عن المعتزلة القول بأن صفات الذات العلية من مثل قدير سميع عليم هى عين الذات الإلهية، وقال الأشعرية إنها زائدة على الذات. ويعود ابن تومرت إلى المغرب وينزل طرابلس ويحاول أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويلقى مقاومة، ويتركها إلى بجاية، ويلقى نفس المقاومة، ويزداد أتباعه ويلتقى بعبد المؤمن بن على الكومى من قبيلة كومية، ويقال إنها زناتية ويقال بل مصمودية، وصحبه إلى تلمسان، والتف حوله كثيرون. وسار موكبه إلى فاس والمغرب الأقصى، ونراه يظن أن أدوات الموسيقى منكر، فيأمر أتباعه بتحطيمها. وينزل مكناسة ويلقى بها مقاومة فيتركها إلى مراكش ويلتقى فى المسجد بأمير المسلمين على بن يوسف ويعظه. وأخذ ينكر على الفقهاء أخذهم بالظاهر فى تفسير الآيات التى قد يفهم منها التجسيد قائلين إن علم ذلك عند الله مع تنزيهه ونفى التشبيه عنه، وهو قول أهل السنة ورماهم بالكفر كما رماهم بالجمود لتمسكهم بمذهب مالك وفروعه، وكأن ذلك كان تمهيدا لتأخذ هذه الدعوة بمذهب داود الظاهرى الذى يأخذ بالكتاب والسنة فحسب، وناظره الفقهاء وانتصر عليهم، ولحق بأغمات ثم بقبيلة هنتانة المصمودية وشيخها أبى حفص، ونزل على قبيلته هرغة سنة ٥١٥ هـ/١١٢١ م وبنى بها رباطا للعبادة، وانثالت عليه القبائل وخاصة من مصمودة، وانتقل إلى جبل تينملل جنوبى منطقة مراكش، وأخذ ينظم أتباعه فى طبقات، فأول طبقة إيت عشرة أو أهل عشرة وهم صحابته كصحابة الرسول، وتليهم طبقة الأنصار إيت خمسين أو أهل خمسين. وكان يسمى حفطة المذهب وفقهاءه الطلبة أى الدعاة ويسمى أهل دعوته الموحدين بالمعنى الذى أوضحناه. وأعدّ جيشا عداده ٠٠٠,٤٠ مقاتل من الموحدين وجعل عليه عبد المؤمن بن على، ولقيتهم جيوش المرابطين فهزموهم، وتبعوهم إلى بحيرة بمراكش، ودفعوهم إليها وأثخنوا فيهم قتلا وسبيا وسميت هذه المعركة معركة البحيرة. ولم يلبث المهدى أن توفى بعدها بأربعة أشهر سنة ٥٢٢ هـ/١١٢٨ م، وكتم عبد المؤمن وأصحابه موته ثلاث سنوات يموّهون بمرضه حتى استحكم أمرهم، فأظهروا للناس موته وعهده لعبد المؤمن بن على بخلافته. وأجمع أصحاب ابن تومرت العشرة وأنصاره الخمسين والدعاة أو الطلبة وكافة الموحدين على البيعة لعبد المؤمن بن على بمدينة تينملل سنة ٥٢٤ هـ/١١٢٩ م باسم خليفة ابن تومرت، ولم يلبث أن أبعد فى الغزوات فى منطقة تادلة، واستولى سنة ٥٢٦ هـ/١١٣١ م على درعة،

стр. 4883

وتسابق الناس فى المغرب الأقصى إلى دعوته وانتقض البربر فى سائر أنحاء المغرب على المرابطين. ويتحاشى عبد المؤمن مقابلتهم فى مراكش بعد هزيمة البحيرة المشهورة المارة، ويقوم منذ سنة ٥٣٤ هـ/١١٣٩ م إلى سنة ٥٤١ هـ/١١٤٦ م بحملة كبرى يخترق فيها ممر تازا إلى تلمسان ويستولى على شطر كبير من المغرب الأوسط. وكان تاشفين بن على بن يوسف يحاذيه ولا ينازله، وفى هذه الأثناء توفى أبوه على بن يوسف وولى الخلافة تاشفين، وهاجم عبد المؤمن سبتة وامتنعت عليه، وكان القاضى عياض هو الذى دافع عنها بقوة، ولذلك سخط عليه الموحدون، وظل عبد المؤمن يتابع تاشفين حتى حصره فى مدينة وهران بالجزائر وبها توفى سنة ٥٣٩ هـ/١١٤٥ م وبموته سقطت وهران، وأخذت مدن المرابطين تسقط فى حجر الموحدين مع ما أبدى المرابطون فيها من بسالة عظيمة، وخاصة مدينتى فاس ومراكش. وقد ظل عبد المؤمن محاصرا لمراكش تسعة أشهر وهى تقاوم بزعامة أميرها إسحاق بن على بن يوسف وطال عليها الحصار وأجهد أهلها الجوع فاستسلموا فى شوال سنة ٥٤١ هـ/١١٤٦ م ولم يبق الموحدون على أحد من المرابطين وقتلوا إسحاق بن على بن يوسف، وانمحى-كما يقول ابن خلدون-أثر المرابطين من البلاد واستولى عليها الموحدون كما استولوا على تلمسان وعلى شطر كبير من المغرب الأوسط. ولن يقف ملك عبد المؤمن فى بلاد المغرب عند هذا الحد، إذ كان قد حدث منذ أواسط القرن الخامس أن اكتسحت أمواج الهلالية وبنى سليم طرابلس وإفريقية التونسية وشطرا كبيرا من المغرب، وأعدت لظهور ما يشبه أمراء الطوائف فى إفريقية التونسية مثل بنى خراسان فى تونس وبنى جبارة فى سوسة وبنى جامع فى قابس وبنى الرند فى قفصة. وكان بنو حماد فى بجاية، وكان المعز بن باديس وابنه تميم انحازا إلى المهدية على البحر المتوسط بين سوسة وصفاقس، وحمل ملوك صقلية النورمانديون بأساطيلهم على سواحل طرابلس واستولوا عليها كما استولوا على جزيرة جربة المقابلة لقابس، وسرعان ما استولوا فى سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م على المهدية وكثير من مدن إفريقية التونسية الشرقية مثل قابس وصفاقس والمنستير وسوسة، وعلم عبد المؤمن ذلك كله فصمم على أن يجمع ديار المغرب كلها فى قبضة واحدة، حتى لا تسول لملوك صقلية نفوسهم الاستيلاء عليها، فخرج من مراكش سنة ٥٥٣ هـ/١١٥٨ م فى جيش جرار استولى به على بجاية عاصمة بنى حماد وخلعهم عن إمارتها واستسلمت له إمارات الطوائف الصغرى فى إفريقية التونسية، واستولى من النورمان على كل ما كان بأيديهم من مدن الساحل فى طرابلس وإفريقية التونسية، وبذلك تحققت على يده وحدة المغرب السياسية من طرابلس إلى المحيط. وبمجرد أن توفى تاشفين بن على بن يوسف وانتقل صولجان الحكم فى المغرب الأقصى إلى الموحدين اختلّت أحوال الأندلس، بل لعلها اختلت من قبل ذلك فى عهد على بن يوسف منذ شغل المرابطون عن الأندلس بحرب الموحدين، فاستولى النصارى على كثير من الثغور

стр. 4884

المجاورة لبلدانهم. ورأى بعض أعيان البلاد فى الأندلس إخراج بلدانهم من ولاة المرابطين وإعلان استقلالهم بها، وبذلك بدا فى الأندلس ما يمكن أن نسميه عصر الطوائف الثانى، وفى سنة ٥٤٣ هـ/١١٤٨ م استولى صاحب برشلونة: ريموند على طرطوشة وجميع قلاعها وعلى لاردة وإفراغة، واتفق أهل بلنسية ومرسية وشرقى الأندلس على تولية عبد الله بن عياض وخلفه محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش، ودانت له جيان وولى عليها صهره إبراهيم بن همشك، وظل ابن مردنيش يقاوم الموحدين إلى أن توفى سنة ٥٦٨ هـ/١١٧٢ م ودخلت بلاده فى طاعة الموحدين وبالمثل جيان وابن همشك. وكان الموحدون يرسلون جنودهم منذ سنة ٥٤١ هـ/١١٤٦ م إلى الأندلس واهتموا بالغرب فيها، فدانت لهم إشبيلية وغرناطة. وكان ألفونس السابع قد استولى على المرية سنة ٥٥٢ هـ/١١٥٧ م فنازله عثمان بن عبد المؤمن والى إشبيلية، وحاول ألفونس الدفاع بكل ما يستطيع، ولم يغنه دفاعه ولا جنوده فقد هزم هزيمة ساحقة توفى على أثرها، وهو ثانى ملك نصرانى يقضى عليه المسلمون بعد قضائهم على جده ألفونس السادس بعد هزيمته فى أقليش وقتل ابنه فى معركتها الطاحنة. وعبر عبد المؤمن إلى الأندلس، ونزل بجبل طارق وسماه جبل الفتح وبنى به مدينة، ووفد عليه وجوه الأندلس من مالقة وغرناطة وقرطبة وإشبيلية للبيعة سنة ٥٥٦ هـ/١١٦١ م وقدم له الشعراء مدائح رائعة وتوفى سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م. وبحق استطاع إنشاء أكبر دولة عربية فى عصره إذ امتدت من المحيط الأطلسى إلى أنحاء طرابلس فى إفريقيا ومن ديار النصارى فى الأندلس إلى درعة والسوس فى المغرب الأقصى. وخلفه ابنه يوسف وكان مثقفا ثقافة واسعة، ثقفها فى أثناء ولايته لأبيه على الأندلس واتخاذه إشبيلية عاصمة له هناك، وكان مثل أبيه وإمامه ابن تومرت ثائرا على كتب المذاهب الفقهية وما بها من كثرة الفروع والعلل مؤمنا بمذهب أهل الظاهر الذين يرجعون فى فقههم إلى الكتاب والسنة فحسب كما هو معروف عن داود الظاهرى فى المشرق وابن حزم فى الأندلس. ومرّ بنا أن من مبادئهم التوحيد وسموا به أنفسهم الموحدين أى الجماعة التى تنفى مشابهة الذات العلية للمخلوقين نفيا باتا، ومبدأ ثالث هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما مر بنا، مع الإيمان بأن ابن تومرت كان إماما مهديا معصوما. ومع ذلك كله يزعم بعض المؤرخين المعاصرين أن دعوة الموحدين لم تقم على أساس مذهب دينى أو سياسى واضح لأنه غابت عنهم معرفة المبادئ التى قامت عليها هذه الدعوة. وانتهت فى عهد يوسف فتنة ابن مردنيش وكذلك فتنة ابن همشك ودانت له الأندلس شرقا وغربا. وكان ألفونس إنريك Alfonso Enrique ويسميه مؤرخو العرب ابن الريق وهو صاحب قلمرية شمالى نهر تاجه بالقرب من المحيط، استولى على أشبونة وشنترين وقصر

стр. 4885

أبى دانس منذ سنة ٥٤١ هـ/١١٤٦ م وعبر يوسف إلى الأندلس فى سنتى ٥٦٦ هـ/١١٧٠ م و ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م لمجاهدته ومجاهدة النصارى واستولى على بعض الحصون. وتوفى يوسف سنة ٥٨٠ وخلفه ابنه يعقوب، وفى عهده بلغت ثورة الموحدين على أصحاب المذاهب الأربعة فى المشرق وكتبهم ذروتها إذ كان قصده محو مذهب مالك من المغرب وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وكان الأيوبيون قد أرسلوا قراقوش لإحداث قلاقل فى طرابلس وتونس علهما يتبعان مصر ويعينانها فى حروبها مع الصليبيين، وفى الوقت نفسه نزل إفريقية التونسية بعض بنى غانيّة (أمهم من غانة) ولاة المرابطين على جزائر البليار لمحاولة تأليب أهلها وثورتهم على الموحدين، واستطاع يعقوب القضاء على هذه القلاقل والفتن بحملة كبيرة اتجه بها إلى تلك الديار سنة ٥٨٣ وأتمّ القضاء عليها نهائيا الولاة بعده. ووضع نصب عينيه الاستعانة بالهلاليين وغيرهم من الأعراب فى إعداد جيش ضخم لمنازلة نصارى الإسبان من جهة، وليفيد فى جيشه من بسالتهم المشهورة وليبعد عيثهم وغاراتهم عن المغرب من جهة ثانية. وتوفى ابن الرنق ملك البرتغال سنة ٥٨١ هـ/١١٨٥ م وخلفه ابنه: سانشو فتمكن سنة ٥٨٥ هـ/١١٨٩ م بمساعدة صليبيين هولنديين وإنجليز من الاستيلاء على مدينة شلب، فاستردها يعقوب سنة ٥٨٧ هـ/١١٩١ م واستولى على عدد من الحصون، وأخذ يعدّ لمعركة كبرى، واستنفر العرب الهلالية والمغاربة وأهل الأندلس، وسمع بذلك ألفونس الثامن صاحب قشتالة، فاستعان بالبابا وملوك أوربا وحشد جموعه النصرانية فى سهل حول حصن يسمى الأرك بين قرطبة وطليطلة ومزّقهم جيش المسلمين كل ممزق، ولاذ ألفونس الثامن بالفرار نحو طليطلة مع عدد من فرسانه، ولو أن يعقوب تبعه إلى طليطلة لاستولى عليها، ولكنه صنع ما صنعه يوسف بن تاشفين بغد موقعة الزلاقة، إذ اكتفى بعقد معاهدة بينه وبين ألفونس بعدم الاعتداء لمدة عشر سنوات. ومما يؤثر له أنه أصلح مسجد إشبيلية وبنى مئذنته المعروفة باسم الخير الدا. وتوفى سنة ٥٩٥ هـ/١١٩٨ م. وتولى بعده ابنه عبد الله الناصر وشغله أمر بنى غانية، واستولي على جزائر البليار سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٣ م وتتابعت هزائمهم فى طرابلس والمهدية وتونس. وعند تبسة فى إقليم الزاب، وانسحب من بقى منهم إلى الصحراء. وبينما كان الناصر مشغولا بالقضاء على بنى غانية كان ألفونس الثامن يعد لمعركة فاصلة بينه وبين الموحدين وأعانه البابا وملوك النصارى وجاءه عبّاد الصليب سيولا وراء سيول، والتقى النصارى بجيش الموحدين عند حصن العقاب إلى الجنوب الشرقى من حصن الأرك سنة ٦٠٩ هـ/١٢١٢ م، ودارت الدوائر على الموحدين. وتوفى الناصر بعد الموقعة بشهور قليلة، وكان ذلك إيذانا بانهيار الجبهة الإسلامية فى الأندلس. وخلف الناصر ابنه يوسف الذى تلقب بالمستنصر، وثار عليه أهله وذوو رحمه فى الأندلس والمغرب

стр. 4886

واضطرمت فى الأسرة منافسات وحروب أهلية إلى أن قضى المرينيون على دولة الموحدين سنة ٦٦٨ هـ/١٢٧٠ م وفقدت فى أثناء ذلك مدن الأندلس حراسها وحماتها، فبين سنة ٦٣٣ هـ/ ١٢٣٦ م وسنة ٦٤٦ هـ/١٢٤٩ م سقطت فى حجور نصارى الإسبان مدن الأندلس الكبرى: قرطبة وبلنسية ودانية وشاطبة وإشبيلية عروس الأندلس، وسقطت مرسية سنة ٦٦٤ هـ/١٢٦٦ م. (ج) بنو (١) مرين بنو مرين قبيلة بربرية زناتية كانت تستوطن المغرب الأوسط ودفعها العرب الهلاليون غربا فاستقرت فى حوض ملوية حتى منابعه وحوض نهر زيز شمالى سجلماسة، وكانوا موالين للموحدين وأسهمت منهم طائفة كبيرة بقيادة أميرها «محيو» فى موقعة الأرك المشهورة، وقدّمه المنصور الموحدى على جميع المتطوعين من زناتة للاشتراك فى المعركة، وأصابته فى الموقعة جراحة مات منها شهيدا. وخلفه على الإمارة فى قومه المرينيين ابنه عبد الحق، وكان يطمح أن تصبح لقبيلته دولة مثل دولة لمتونة الصنهاجية أو دولة المرابطين ودولة هرغة المصمودية: دولة الموحدين. ودخل بجموعه لعهد المستنصر فى وادى تازا وشرقى وادى سبو، وواقعه الموحدون سنة ٦١٣ هـ/١٢١٦ م وهزمهم، وتوفى فخلفه ابنه عثمان وأخضع بنى رياح الهلالية وتوفى فخلفه أخوه محمد ونازله الموحدون فى مكناسة فهزمهم، وتوفى سنة ٦٤٣ هـ/١٢٤٩ م وتلاه أبو يحيى بن عبد الحق أخوه، وهو المحقق لأمانى بنى مرين فى تأسيس دولة لهم بالمغرب الأقصى، إذ ناصب الموحدين العداء، واستولى منهم على مكناسة، وهى أول قاعدة ملكها بنو مرين، وقصد إلى مدينة فاس فبايعه أهلها طواعية راضين، وعادوا فنقضوا بيعتهم، وتحداه يغمراسن أمير بنى عبد الواد، والتقيا، وانتصر بنو مرين، وعاد ابن عبد الحق سريعا إلى فاس، فطلب أهلها منه الأمان وأعطوه العهود فقبل منهم وصفح عنهم، ورحل إلى سلا ونازل جيشا للموحدين وهزمه واستولى عليها، ونازل جيشا لبنى عبد الواد فى طريقه إلى درعة وهزمه، ودخل أهل درعة فى طاعته، وعاد إلى عاصمته فاس، وتوفى سنة ٦٥٨ هـ/١٢٦٠ م ويعد-بحق-المؤسس لدولة المرينيين فى المغرب الأقصى. وولى إمارة المرينيين بعده أخوه يعقوب بن عبد الحق وكان مجاهدا كبيرا يرى فرضا عليه أن يجاهد نصارى الإسبان ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وبدأ جهاده لهم على رأس قوة مرينية

стр. 4887

سنة ٦٦٤ هـ/١٢٦٦ م وفى سنة ٦٦٨ هـ/١٢٦٩ م افتتح مدينة مراكش عاصمة الموحدين، وبذلك قضى نهائيا على دولتهم، وبسطت الدولة المرينية سلطانها على المغرب الأقصى جميعه جنوبيه وشماليه حتى سبتة وطنجة. وابتهج الفقهاء بالدولة الجديدة، لأنها خلصتهم من إجبارهم على مدارسة المذهب الظاهرى ورفضهم لمذهب مالك فقيه المدينة والحجاز الذى كان يعتنقه الفقهاء فى المغرب منذ حياة صاحبه فى القرن الثانى. وقد عادوا إليه وإلى مدارسة كتابه الموطأ ومدوّنة سحنون التى أملاها عليه عبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك وكتاب التهذيب للبراذعى الصقلى والنوادر والزيادات لابن أبى زيد القيروانى وغير ذلك من كتب الفقه المالكى ومطولاته التى كان يجمع منها يعقوب الموحدى الأحمال ويحرقها يريد محو مذهب مالك وإزالته من المغرب. وسرعان ما عاد إليه المغرب جميعه بعد انتهاء عصر الموحدين وابتداء عصر المرينيين، وتنادى الفقهاء بأن عقيدة ابن تومرت إنما هى انشقاق على الجماعة، وبذلك كان فقهاء المذهب المالكى من العوامل فى تثبيت حكم المرينيين وعلى رأسهم يعقوب بن عبد الحق. ومنذ عهده بل قبله تلتحم الحروب بين بنى مرين وبنى عبد الواد وستظل تلتحم على مر السنين، وكانت بين يعقوب ويغمراسن سلطان بنى عبد الواد واقعة بأسلى قرب وجدة فى الشمال سنة ٦٧٠ هـ/١٢٧٢ م انتصر فيها يعقوب وحاصر تلمسان ثلاثة أشهر ثم رفع الحصار وعاد إلى فاس، وفى سنة ٦٧٢ هاجم سجلماسة واستخدم فى حصارها البارود لأول مرة فى المغرب الأقصى وأذعنت له، وفى سنة ٦٧٤ هـ/١٢٧٦ م بنى مدينة فاس الجديدة على مسافة ميل غربى المدينة القديمة إلى الجنوب قليلا، ويمر بين سوريهما ذراع من النهر يتجه نحو الشمال وعليه تقع الطواحين، والذراع الثانى للنهر يتفرّع فرعين يمر أحدهما بين فاس القديمة وفاس الجديدة ويتابع الفرع الثانى سيره وسط المزارع، وجعلها مقر الحكومة الجديدة، وسماها يعقوب المدينة البيضاء ولكن الشعب سمّاها باسم فاس الجديدة، وجعلها ثلاثة أقسام، قسم فيه قصوره وقصور أسرته ومعه حدائقه وبنى فيه جامعا بديعا، وقسم ثان به قصور قواده وشخصيات دولته، وقسم ثالث خاص بسكنى الحرس مع جوامع وحمامات، وبنى فى عدوة القرويين بفاس مدرسة كبيرة، وبنى مارستانا وزوايا، وبنى بجوار القصر الملكى دارسكّ العملة واختط سوقا للمدينة ونظمه تنظيما حسنا وجعل لدكاكين الصاغة أمينا يدمغ كل ما يصنع من فضة أو ذهب فى فاس بمنقاش، وكأن أهل فاس عرفوا-منذ هذا التاريخ على الأقل- نظام الدمغة. وتجهز يعقوب فى سنة ٦٧٧ هـ/١٢٧٩ م لعبوره الثانى للزقاق على رأس جيش مرينى لجهاد النصارى فى إسبانيا وأبلى بلاء حسنا وعاد إلى عاصمته فاس. وفى سنة ٦٨٠ هـ/١٢٨٢ م نازل يغمراسن فى ملعب الخيل بأحواز تلمسان وهزمه وعاد إلى فاس. ولم يلبث أن أخذ يستعد لجوازه الثالث إلى الأندلس سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٣ م ليجاهد نصارى الإسبان واستولى على بعض حصونهم. وفى سنة ٦٨٥ عبر الزقاق للجهاد مع صفوة مستبسلة

стр. 4888

من بنى مرين وأحرز نصرا مجيدا على نونيو جونذالث دى لارا nuno gonzsalez de lara جنوبى قرطبة فى ربيع الثانى سنة ٦٨٥ هـ/سبتمبر سنة ١٢٨٦ م. وتوفى بأوبته فى الجزيرة الخضراء. وكل ما استولى عليه من الحصون والبلاد كان يتركه لبنى الأحمر أصحاب غرناطة، فهو لم يجاهد لغنيمة إنما كان يجاهد لنصرة المسلمين ضد أعداء الإسلام نصارى الإسبان، وظل ذلك مبدأ ثابتا لحكام بنى مرين فى جهادهم لأولئك النصارى، فهم لا يبغون بجهادهم غنما. إنما يبغون الدفاع عن الإسلام ضد خصومه إرضاء لله ورسوله. وتلك منة ليعقوب وخلفائه المرينيين. وخلف يعقوب-بعهد منه-ابنه يوسف، وسار سيرته فى الجهاد فعبر الزقاق إلى الأندلس مرارا، كما سار سيرته فى العدل الذى لا تصلح حياة الشعوب بدونه، ونازل عثمان سلطان تلمسان مرارا، وفى سنة ٦٩٨ هـ/١٢٩٩ م حاصرها وظل محاصرا لها ثمانى سنوات، وفى سنة ٧٠٠ هـ/١٣٠١ م أسس أمامها مدينة المنصورة لمعسكره، وشاد بها قصره وبنى بجواره جامعا عظيما ومنارة على رأسها تفاحات من ذهب، وبنى الناس حول قصره المنازل والقصور، وغرسوا البساتين وأجروا المياه وأداروا على المدينة سورا، وبنيت بها حمامات وفنادق ومارستان، حتى إذا عادت لبنى عبد الواد هدموها وخربوها وطمسوا معالمها، وتوفى عثمان بن يغمراسن سنة ٧٠٣ هـ/١٣٠٤ م حزنا وكمدا، وتوفى ابنه أبو زيان مثله كمدا سنة ٧٠٧ هـ/١٣٠٨ م. ولم يلبث أن توفى يوسف بن يعقوب، ففك المرينيون الحصار عن تلمسان، ولا بد أن نذكر أن المرينيين حين حاصروا تلمسان استولوا على كل ما كان بيدها من مدن فى المغرب الأوسط بل ربما أضافوا إليها مدنا جديدة، فقد استولوا على وجدة ووهران ومستغانم وتنس ومليانة وشرشال والمدية وبجاية. وبعد يوسف رغب فى الاستيلاء على صولجان الحكم أخوه أبو يحيى وابنه أبو سالم وحفيده أبو ثابت عامر، وأرسل عامر إلى بنى عبد الواد أن يؤيدوه نظير رد ممالكهم عليهم فى المغرب الأوسط فأيدوه، وتم له الأمر، ووفى لهم بالعهد، وخلفه عثمان بن يعقوب فأغار على تلمسان سنة ٧١٤ هـ/١٣١٥ م. وتوفى عثمان سنة ٧٣١ هـ/١٣٣١ م وخلفه ابنه أبو الحسن على، ويفكر فى الاستيلاء على تلمسان ويستولى على ندرومة ويحاصر وجدة سنة ٧٣٥ هـ/١٣٣٥ م ويستولى على وهران وتنس ومدينة الجزائر ومليانة سنة ٧٣٦ هـ/١٣٣٦ م ويحاصر تلمسان، ويعيد بناء المنصورة لسكناه وسكنى جيوشه. ويفتح تلمسان سنة ٧٣٧ ويأخذ بنى عبد الواد وأهلها بالرفق ويأخذ فى الاستيلاء على مدن الجزائر، ويدخل بجاية ويضع عن أهلها ربع المغرم وتذعن قسنطينة لطاعته، ويقدم إلى تونس ومعه حشد من العلماء الأجلاء اجتمعوا له من المغرب الأقصى والمدن التى نزلها، وظل بها من سنة ٧٤٨ هـ/١٣٤٨ م إلى سنة ٧٥٠ هـ/١٣٥٠ م. وفى شهر محرم سنة ٧٤٩ للهجرة هزم العرب أبا الحسن على القيروان هزيمة شديدة وربما كان من أسبابها

стр. 4889

أنه كان فى جيشه بنو عبد الواد ومغراوة وتوجين، وجميعهم سلب منهم ديارهم، فعملوا على هزيمته وانتصار العرب. وشاع فى المغرب الأقصى خبر بموته. فدعا ابنه أبو عنان لنفسه وبايعه الناس. وفى شهر شوال من سنة ٧٥٠ أبحر فى أسطول ضخم إلى الجزائر، وتحطم أسطوله بساحل زواوة فى الجزائر ولم ينج إلا نفر قليل منهم، وغرق من كان معه من العلماء مفخرة المغرب الأقصى والجزائر. ولم يتنازل ابنه أبو عنان له عن الملك بعد أن تحقق من حياته خشية أن يحرمه من ولاية عهده، وشغل الابن بأبيه حتى توفى سنة ٧٥٢ هـ/١٣٥٢ م وتم له الأمر. وزحف إلى تلمسان سنة ٧٥٣ هـ/١٣٥٣ م وكان يليها عثمان الثانى وأبو ثابت فاستولى عليها وقتل عثمان وفرّ أخوه أبو ثابت إلى شلف فأرسل إليه أحد قواده فاستولى على معسكره بكل ما كان فيه، وفرّ أبو ثابت ثانيا وقتل فى فراره، واستولى أبو عنان على كثير من مدن الجزائر بما فيها بجاية وقسنطينة. وتوفى أبو عنان سنة ٧٥٨ هـ/١٣٥٧ م وهو آخر حكام بنى مرين العظام، وبويع لابنه أبى بكر السعيد وكان طفلا فظل فى الحكم سنة، وخلفه عمه إبراهيم لمدة سنتين. وطبيعى وقد اضطربت الأمور أن تعود تلمسان لأهلها بنى عبد الواد، ويتولى أخوه لمدة سنة، ويتولى بعده سلاطين ضعاف، واختلت الأحوال وظلت الدولة تزداد اختلالا بتولى أناس غير أكفاء، وازدادت الفتن الداخلية وظلت الحروب مشتعلة بين بنى مرين وبنى عبد الواد وكثيرا ما تغلب الوزراء على الحكم فقدموا له الصبية والضعاف من ذرية عبد الحق ليخلو لهم الجو. وأخذ بعض الحكام فى سجلماسة ومراكش وأطراف الدولة يحاولون الاستقلال عنها. وتفقد الدولة المرينية المغرب الأوسط وتعود إلى حدودها الأولى، ففيم كان كل هذا الصراع بين المرينيين والتلمسانيين وحكامهم من بنى عبد الواد. ولو فكر هؤلاء الحكام المسلمون فى الأمر ومصلحة الأمة لأغمدوا السيف ولم يسلّوه على إخوانهم، وإنما يسلونه على عدوهم من نصارى الإسبان الذين ينازلون المسلمين فى الأندلس نزالا ضاريا. ومن الحق أن بنى مرين أدوا دورا عظيما فى الدفاع عن غرناطة. فقد ظلوا حتى أيامها الأخيرة يخوضون معها أو منفردين معارك طاحنة بذلوا فيها كل ما يستطيعون غير طامعين فى غنم أو أى كسب مادى. ولا نمضى طويلا فى القرن التاسع الهجرى حتى نشعر بضعف المرينيين فقد استولى البرتغاليون منهم على سبتة سنة ٨١٨ هـ/١٤١٥ م إذ تحولت الحرب المقدسة إلى أرض المغرب. واستولى البرتغاليون على الدار البيضاء أو آنفه سنة ٨٧٤ وعلى طنجة ومدينتى أصيلا والعرائش سنة ٨٧٦ هـ/١٤٧١ م. وخرجت عن طاعة الدولة مراكش ومنطقة الريف فى الشمال وسجلماسة ودرعة والسوس فى الجنوب، ولا بد أن نذكر أنه إذا كانت الدولة المرينية ضعفت وتخاذلت إزاء هذا الاحتلال البرتغالي الواسع لموانى المغرب على الزقاق والمحيط فإنه كان هناك من الشباب العربى دائما من يستبسلون فى مقاومتهم وينزلون بهم خسائر فادحة فى الأرواح، من مثل

стр. 4890

أبى الحسن (١) على المنذرى، وكان قد قام بأعمال بطولية فى حروب غرناطة مع النصارى، وعزّ عليه أن لا تجد مدن سبتة والقصر الصغير وطنجة من يدافع عنها ضد أعدائهم، فانسحب إلى تطوان جنوبى سبتة على البحر المتوسط. وأخذ فى تحصينها واجتمع له ثلاثمائة فارس، وأخذ بهذه الكتيبة الصغيرة يغزو منطقة المدن الثلاث السابقة ويأسر كثيرين من نصارى البرتغاليين وينهك قواهم فى أشغال التحصينات. ويقول الحسن الوزان فى حديثه عن تطوان إنه زارها ورأى بها ثلاثة آلاف من عبيد النصارى ويقول إنهم كانوا يلبسون جميعا سترة من الصوف وينامون ليلا مقيدين بالأصفاد فى سراديب تحت الأرض. ومثله شاب (٢) إدريسى ذهب إلى غرناطة وانخرط لفترة من الزمن فى خدمة الغرناطيين حتى أصبح محاربا مجربا، وعاد ليستقر فى جبل بنى حسن بالقرب من مدينة تطوان، واجتمع إليه عدد من الفرسان، وأخذ ينازل البرتغاليين فى المنطقة ويفتك بهم، ويقول الحسن الوزان فى حديثه عن جبل بنى حسن إن البرتغاليين يعرفونه جيدا ويعرفون بطولته ويسمونه باسمه على بن راش (راشد) وهو الشريف الإدريسى على بن موسى بن الرشيد. ولا بد أنه كان لشبان مغاربة أعمال كثيرة كأعمال الإدريسى والمنذرى غير أن المؤرخين قلما يثبتونها. ومرّ بنا الحديث عن بهلول وبطولاته العظيمة فى عصر الموحدين. وتبلغ الدولة المرينية غاية الضعف فيتولى الأمر الوطاسيون وهم فرع من بنى مرين ولم يكن بيدهم شئ من السلطان الحقيقى. وكان أولهم محمدا الشيخ منذ سنة ٨٧٦ هـ/١٤٧٢ م حتى سنة ٩١٠ هـ/١٥٠٤ م وخلفه ابنه محمد البرتغالي حتى سنة ٩٣١ هـ/١٥٢٤ م فأخوه بو حسون لمدة سنة فأحمد بن محمد البرتغالي حتى سنة ٩٥٦ هـ/١٥٤٩ م. وكان الكابوس البرتغالي يزداد فى عهدهم جثوما على ساحل المحيط، وقد استولوا على ماسة فى منطقة السوس سنة ٨٩٤ هـ/١٤٨٩ م وأختها أغادير فى منطقة السوس أيضا سنة ٩١١ هـ/١٥٠٥ م وعلى آسفى فى منطقة دكالة سنة ٩١٤ هـ/١٥٠٨ م وعلى آزمور سنة ٩١٩ وكانوا ينشئون فى كل مدينة حصونا للدفاع عنها ويقيمون فى كل مدينة حاكما عسكريا، وكانوا كثيرا ما يغيرون على البلاد وراء الساحل فى الداخل وينهبون خيراتها. ولا بد أن نذكر أن الوطاسيين لم يقفوا مكتوفى الأيدى إزاء هذا السيل البرتغالي فقد أبلو فى جهادهم بقدر ما استطاعو ولكن قدرتهم كانت محدودة، إذ خرجت مراكش وأكثر أجزاء المغرب الأقصى عن نفوذهم، وشغلتهم واستنفدت كثيرا من طاقتهم الفتن الداخلية الكثيرة، حتى لم يعد لهم حول ولا قوة، ولذلك كان طبيعيا أن تسقط فاس فى أيدى الأشراف السعديين سنة ٩٥٦ هـ/١٥٥٠ م وسلطانها-فى الواقع-انتهى قبل ذلك بسنوات طويلة.

стр. 4891

٥ - السعديون-الطرق الصوفية-العلويون (أ) السعديون (١) السعديون ثانى دولة عربية علوية تقوم فى المغرب الأقصى بعد دولة الأدارسة، وكانوا ينتسبون إلى محمد النفس الزكية سليل الحسن بن على بن أبى طالب. وكان السبب فى قيام هذه الدولة أن البرتغاليين أخذوا منذ أوائل القرن التاسع الهجرى المقابل للخامس عشر الميلادى يكثرون من حملاتهم على سواحل المغرب الأقصى فى الشمال على الزقاق وفى الغرب على المحيط الأطلسى واستولوا على كثير من الموانى المغربية خلال هذا القرن، وتمادوا يستولون على مدن فى القرن العاشر الهجرى كما أسلفنا، وكانوا كلما استولوا على ميناء ازداد غضب الشعب وازدادت حميته اضطراما لمقاومة البرتغاليين وإخراجهم من أرض الوطن الغالى. وآلم الشعب دائما أن لا يجد عند الوطاسيين قوة يستطيعون بها إنقاذ البلاد، وظل يبحث عمن يقوده لحرب البرتغاليين وإخراجهم من أرض الوطن، وأخيرا عثروا على بغيتهم فى شخص من أصل حسنى شريف كان يقيم مع أسرته بالقرب من تارودنت على نهر السوس يسمى أبا عبد الله محمدا فأخذ الناس يبايعونه مستبشرين بنسبه الشريف. وحين تمت له البيعة تلقب بلقب القائم بأمر الله، ونهض توّا لجهاد البرتغاليين ونودى به سلطانا فى منطقة السوس سنة ٩١٥ هـ/١٥٠٩ م وأخذ فى محاربة البرتغاليين ورافقه النصر عليهم مرارا وتوفى سنة ٩٢٣ هـ/١٥١٧ م وخلفه ابنه أحمد الأعرج، وتابع سياسة أبيه فى جهاد البرتغاليين واسترد منهم أغادير وماسة وسواحل السوس جميعها، ودخل مراكش سنة ٩٣٠ هـ/١٥٢٤ م وبايعه المسيطرون عليها من قبيلة هنتانة المصمودية واتخذها عاصمة ولم تكد طلائع جيشه ترى فى آسفى وآزمّور بمنطقة دكالة حتى أخلاهما له البرتغاليون خوفا من القتل والسبى وفروا على وجوههم لا يلوون كما أخلوا مدينة أصيلا لضغط أهل منطقة الهبط عليهم، وتوفى سنة ٩٤٦ هـ/١٥٣٩ م وخلفه أخوه محمد المهدى وطرد البرتغاليين من آسفى وآزمور بعد عودتهم إليهما واستولى على مكناس ثم على فاس سنة ٩٥٢ إذ حاصرها ودخلها واعتقل الوطاسيين وأرسل بهم إلى ترودنت فى السوس، غير أن

стр. 4892

واحدا منهم هو بو حسون كان قد لجأ إلى الترك فى الجزائر واستعان بهم فى الاستيلاء على مدينة فاس فأعانوه واستولى عليها ونودى به سلطانا، فحاصره محمد المهدى واستولى منه على فاس وقتله. وأدّى صنيع بو حسون بمحمد المهدى إلى تخلصه من الوطاسيين جميعا فى ترودنت وبذلك أصبح المغرب الأقصى جميعه خالصا له. وكان فقيها وعلى معرفة بالأدب، وكان واسع الأفق فأحسن تدبير الدولة ونظم شئونها، وجعل لها موارد من الضرائب على الزراعة والصناعات تعين حكامها السعديين على مقاومة البرتغاليين، وهو بذلك يعد المؤسس الحقيقى لدولة السعديين. ويقول خصومهم إن هذا اللقب دليل على أنهم ليسوا شرفاء من البيت النبوى، إنما هم من بنى سعد بن بكر القبيلة القيسية التى شرفت بحليمة السعدية مرضعة الرسول ﷺ ، والصحيح أنهم علويون من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب، أما تلقيبهم بلقب السعديين فتعبير من المغاربة معاصريهم بأنهم سعدوا بهم، كما يقول مؤرخهم الفشتالى فى كتابه مناهل الصفا، وأى سعد كان ينتظره المغرب فى القرن العاشر الهجرى أكبر من سعده بهم فى تطهيرهم لسواحله من البرتغاليين ما عداه طنجة فى الشمال. وخلف محمدا المهدى ابنه عبد الله الملقب بالغالب بالله، وظل يدافع البرتغاليين من جهة والترك فى الجزائر من جهة ثانية، وكانت أيامه أيام أمن ورخاء كثر فيها البنيان والعمران وتوفى سنة ٩٨٢ هـ/١٥٧٤ م. وتولى بعده ابنه محمد الملقب بالمتوكل، وكان لأبيه أخوان تغرّبا فى الجزائر لدى الترك العثمانيين مدة، وهما عبد الملك وأحمد، وصمّما أن لا يتنازلا عن صولجان الحكم والملك لابن أخيهما، وكان عبد الملك شخصية نابهة، وكان يحسن الإيطالية والإسبانية، وسافر إلى الآستانة، وأخذ يلح فى أن يرسل الترك معه جيشا للاستيلاء على فاس من يد ابن أخيه وعاد إلى الجزائر، فأمده واليها بكتيبة من الجيش التركى استعان بها على استرجاع فاس، وبمجرد دخوله فيها فرّ ابن أخيه المتوكل وبايعه الناس وتلقب بالمعتصم سنة ٩٨٤ هـ/١٥٧٧ م. وكان عبد الملك المعتصم يحسن تدبير الملك، فنظم أمور الدولة ولم يلبث أن نظّم الجيش على طريقة الجيش التركى وما يتّبع فيه من أساليب، أما ابن أخيه محمد الذى لقّب بالمتوكل فإنه حاول عبثا أن يشاغب عمه فى منطقة السوس، ولما أعياه ذلك لجأ إلى طنجة، ولقى بها ملك البرتغال سباستيان، فوضع يده فى يده معاهدا له على حرب عمه عبد الملك، وانتهز الفرصة ملك البرتغال وجهز جيشا قاده بنفسه، يقال إن عدده بلغ ثمانين ألفا، وانضمّ إليه محمد المتوكل مع من أغواهم، ونزل البرتغاليون فى ميناء أصيلا، ورأى عبد الملك أن يطاولهم حتى يتوغلوا فى داخل البلاد، وتغلغلوا إلى الجنوب حتى وصلوا إلى وادى المخازن بقرب مدينة القصر الكبير، وتركهم حتى إذا عبروا جسر الوادى أمر بهدمه، ثم لقيهم فى جمادى الأولى سنة ٩٨٦ هـ/١٥٧٨ م ودارت معركة حاسمة سحق فيها الجيش البرتغالي سحقا ذريعا وقتل ملكه سباستيان ونصيره محمد المتوكل. وأثناء المعركة توفى عبد الملك المعتصم وفاة طبيعية

стр. 4893

لأنه كان مريضا وصمم على أن يحضر المعركة، وكان أخوه أحمد هو الذى يدبّرها، وكتم خبر وفاة أخيه عن الناس حتى لا يعكر عليهم فرحتهم بهذه المعركة الفاصلة: معركة وادى المخازن التى أعطت البرتغاليين درسا أن لا يفكروا مرة ثانية فى إنزال جيش لهم بالمغرب الأقصى، وأخذوا ينسحبون من المواقع التى استولوا عليها بشواطئ المحيط وأحيانا كانوا يتركونها لجارتهم إسبانيا. وتولى بعده أخوه أحمد الذى اكتسب لنفسه فخر النصر المجيد فى معركة وادى المخازن، إذ كان هو الذى أدارها، وبايعه الناس مبتهجين به وتلقب بالمنصور، وكان حاكما عظيما كبير الهمة بصيرا بشئون السياسة، ومن أعماله إنشاء ما أسماه الديوان وهو مجلس شورى ينعقد كل يوم أربعاء من الأسبوع-ويضم بعض رجال الدولة وبعض الشخصيات-للنظر فى الشئون السياسية والمصالح العامة، وأعاد تنظيم الجيش تنظيما جديدا جامعا فيه بين النظام المغربى والنظام التركى، وكانت بعض أقاليم الصحراء فى الجنوب قد خرجت عن طاعته، وخاصة إقليمى توات وتيكورارين فأرسل إليهما جيشا قويا أعادهما إلى طاعته. وكانت مملكته تتاخم فى الجنوب أقطار السودان فانتشر فيها الحديث عنه، ودخل ملك برنو فى طاعته مما جعله يطمح للاستيلاء على السودان الغربى جميعه فأرسل إليه جيشا ضخما فى نهاية القرن العاشر الهجرى واستطاع الاستيلاء عليه، وبذلك امتد نفوذه جنوبا إلى أقاليم سودانية لم يصل إليها نفوذ المغرب فى أى عصر قبله. ووضع يده على منابع الثروة الضخمة فى هذه البلاد، حتى كان الذهب يجبى إليه منها بالأحمال ولذلك لقب بالمنصور الذهبى، ويقال إن عدد من كانوا يضربون السكة أو العملة الذهبية فى عهده بلغ ألفا وأربعمائة. وهذا الغنى الطائل للدولة وتجارها وأهلها هيّأ لها ازدهارا فى الحضارة وما يتصل بها من الصناعات وضروب الحياة، وكثر حينئذ إنشاء القصور ومن أهمها قصر المنصور الذى سماه باسم البديع، وقد استغرق بناؤه ثمانى سنوات، وأنفق عليه أموالا طائلة. وتوفى سنة ١٠١٢ هـ/١٦٠٣ م. وبعد وفاة المنصور تنازع أولاده الثلاثة: زيدان وأبو فارس ومحمد الملقب بالمأمون، ونودى بزيدان سلطانا فى فاس وبأبى فارس سلطانا فى مراكش، وتحاربا وانتصر أبو فارس، غير أن أهل فاس فضلوا الخضوع للمأمون، فنودى به سلطانا سنة ١٠١٣ هـ/١٦٠٤ م واغتيل أبو فارس، وحدثت طامة كبرى بتنازل المأمون للإسبان عن مدينة العرائش على ساحل المحيط جنوبى منطقة الهبط سنة ١٠١٨ هـ/١٦١٠ م وبذلك عادت الاستعانة بالعدو الأجنبى، ونشبت فتن واضطرابات، ونودى بالابن الثالث للمنصور: زيدان سلطانا، وظلت الاضطرابات وتوفى سنة ١٠٣٨ هـ/١٦٢٨ م وتنازع الملك أولاده الثلاثة عبد الملك والوليد ومحمد شيخ وتوفى الأخير سنة ١٠٦٥ هـ/١٦٥٤ م. وبوفاته ينتهى حكم هذه الأسرة، وهو فى الواقع قد انتهى منذ تسليم المأمون ميناء العرائش للإسبان، إذ اتسع نفوذ الطرق الصوفية وأصبحت هى التى

стр. 4894

تدير الحكم فى أكثر أجزاء المغرب الأقصى. (ب) الطرق (١) الصوفية أخذت الطرق الصوفية تكثر فى المغرب الأقصى منذ القرن الثامن الهجرى، مثله فى ذلك مثل بقية البلاد المغربية، وأخذت تكثر معها الزوايا، وعادة يكون بها ضريح لمؤسسها الصوفى أو لصوفى كبير ومصلّى ومساكن لبعض العلماء والطلاب الغرباء، وكان أهل اليسار يقفون على هذه الزوايا أوقافا كثيرة، وتتلى فيها الأوراد وتقام الأذكار، وقد تنعقد فيها بعض الدروس، فتكون دارا للتعليم والوعظ والنسك. ولما فسدت الحياة السياسية فى أواخر عهد الدولة المرينية وضعف الحكام عن مواجهة أعداء الوطن البرتغاليين فى القرن التاسع الهجرى أخذ أهل المغرب الأقصى يلوذون ببعض أصحاب هذه الطرق آملين أن يجدوا عندهم الحمية للذود عن دار الإسلام وإنقاذ الوطن من هذا البلاء المستطير، والتفّ كثيرون منهم حول صوفى شاذلى صالح هو الشيخ محمد بن سليمان الجزولى صاحب كتاب دلائل الخيرات المتوفى سنة ٨٧٠ هـ/١٤٦٥ م متوسمين فيه أن يستجيب لهم، واستجاب، وتقدم مع جموع كثيرة من مريديه الصوفية وغيرهم يتصدى للبرتغاليين وينازلهم منازلة ضارية. وبذلك حوّل الصوفية من جماعة تعيش للنسك وحده إلى جماعة مجاهدة فى سبيل الله تجاهد أعداء الدين والوطن من البرتغاليين النصارى، وانتصر عليهم بمن آزروه من الصوفية وغيرهم مرارا، غير أن خائنا اغتاله، ليقف جهاده. ولم تلبث الدولة السعدية أن قامت واستطاع حكامها البواسل أن يستردوا كل ما أخذه البرتغاليون واستولوا عليه من موانى المحيط الأطلسى ومدنه كما أسلفنا وقد نازلوهم فى معركة وادى المخازن كما مر بنا ولم تلبث المعركة أن استحالت إلى ما يشبه مذبحة كبرى للبرتغاليين، فردّوا إلى صوابهم ولم يعد يمر بخاطرهم أن يستولوا على أى ميناء مغربى على المحيط، بعد أن كادوا يستولون على الساحل جميعه بمدنه وموانيه. وخاب الأمل فى أبناء المنصور الثلاثة كما مر بنا فقد تنازعوا على العرش، وتنازل أحدهم-وهو المأمون-لإسبانيا عن مدينة العرائش جنوبى منطقة الهبط ولم يلبث الإسبان أن أسسوا لهم فى العام التالى بالقرب من مصب نهر سبو فى المحيط مدينة سميت المعمورة واسمها الآن المهدية وتنازل لهم البرتغاليون عن سبتة وطنجة فى الشمال وكذلك عن الجديدة فى منطقة دكالة وأزمّور. وشقّ ذلك على المغاربة. ولاذوا-من جديد-بالمتصوفة يأملون أن يرفع أحدهم لواء الجهاد للعدو الإسبانى فينضووا تحت لوائه، واتسعت الفتن واتسع اضطراب الأمور، وطمح كثيرون-حتى بين المتصوفة أصحاب الزوايا-أن يأخذوا بلادا أو أجزاء واسعة من الدولة التى توشك على

стр. 4895

الاحتضار. ونكتفى بالحديث عن أحدهم وهو الشيخ محمد بن أبى بكر الدلائى مؤسس الزاوية الدلائية بتادلة سنة ٩٧٤ هـ/١٥٦٧ م وقد اتسعت حتى شملت مبانى كثيرة، وتكاثر بها العلماء المدرسون والطلاب، وقد ثار الشيخ محمد الحاج على الدولة السعدية فى جبال الأطلس الوسطى سنة ١٠٤٢ هـ/١٦٣٣ م وتبعه كثيرون من البربر واستولى على سلا سنة ١٠٤٥ هـ/١٦٣٦ م وزحف إلى مكناس وفاس سنة ١٠٥٠ هـ/١٦٤١ م وتملكهما وأقام الدولة الدلائية، وقاومه محمد بن الشريف رأس الدولة التالية، وسنتم فيها الحديث عنه، وعلى شاكلته صوفية من زوايا أخرى ثاروا على السعديين. وخير منهم جميعا وأعظم الشيخ الصوفى المجاهد البطل أبو عبد الله محمد العياشى الذى لجأ إليه أهل منطقة الهبط، فتصدّى للإسبان حتى خلّص منهم مدينة العرائش، كما خلّص منهم مدينة آزمّور فى جنوبى تامسنة وخلّص منهم الجديدة سنة ١٠٤٩ هـ/١٦٣٩ م، ومع هذه الأعمال المجيدة امتدت إليه يد آثمة سنة ١٠٥١ هـ/١٦٤٢ م فقتلت البطل المنعدم النظير. ومن أهم رجاله وأعوانه الخضر غيلان الذى أرسله إلى منطقة الهبط لجهاد أعداء الله، واستطاع الاستيلاء على مدينة القصر الكبير سنة ١٠٦٣ هـ/١٦٥٢ م. (ج) العلويون (١) هذه ثالث دولة علوية فى المغرب الأقصى بعد دولتى الأدارسة والسعديين، ومؤسسوها مثل مؤسسى هاتين الدولتين من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب، وكانت أسرتهم تعيش من قديم فى منطقة سجلماسة، وكان أهل المنطقة يرحبون بهم ويوسعون لهم فى العيش معهم لنسبهم الشريف. وعند ما ثار أبو الحسن (بو حسون) السملالى فى مناطق الصحراء الجنوبية بالمغرب الأقصى واستولى على سجلماسة ودرعة والسوس أذعن له بالطاعة أبرز أفراد الأسرة حينئذ الشريف ابن على ولم يلبث ابنه محمد أن رفض هذه الطاعة، وحاربه السملالى فأسره وظل فى أسره حتى افتكّه ابنه محمد المسمى باسمه. وعاد الأب فى سنة ١٠٥٠ هـ/١٦٤٠ م إلى حرب السملالى واستطاع هزيمته فى سجلماسة وتعقبه فى درعة وإقليم السوس حتى قضى على شره وشغبه. ولم يلبث الأب محمد بن الشريف أن هاجم محمدا الحاج رئيس زاوية الدلاء ورجاله، وكان مستوليا على فاس ومكناس وحوض نهر سبو، واستطاع محمد الحاج هزيمته سنة ١٠٥٦ هـ/١٦٤٦ م وعقد بينهما صلح على أن تكون منطقة الصحراء (سجلماسة ودرعة) إلى جبل بنى عياش لمحمد بن الشريف، وما يقع إلى الشمال من ذلك إلى حوض نهر أم الربيع إلى الغرب يكون لزاوية الدلاء ورئيسها محمد الحاج الدلائى. وحاول محمد بن الشريف

стр. 4896

الاستيلاء على تلمسان، وسرعان مارده الأتراك العثمانيون حكام الجزائر. وتوفى سنة ١٠٦٩ هـ/١٦٥٩ م وخلفه ابنه محمد، وحدث شقاق بينه وبين أخيه الرشيد، وتحاربا وتوفى محمد فى أثناء الحرب، فخلص الأمر للرشيد وتمت بيعته سنة ١٠٧٥ هـ/١٦٦٥ م وكان قد تولى لابيه وأخيه على مكناس فاتخذها عاصمته واستولى على سجلماسة، ولم يلبث أن استولى على فاس ومنطقتها فى سنة ١٠٧٦ هـ/١٦٦٦ م من يد محمد الحاج رئيس الزاوية الدلائية وحلفائه من أعراب الأثبج، وفتح منطقى الهبط ونودى به سلطانا على المغرب جميعه فى السنة التالية. وصمم على هدم الزاوية الدلائية فى منطقة فازاز شرقى ممر تازا ودخلتها جنوده سنة ١٠٧٨ هـ/١٦٦٧ م وهدموها ولم يبقوا منها باقية، واستسلم له محمد بن الحاج الدلائى فأرسل به مع أسرته إلى فاس حيث عاشوا فى رعايته، وتلطف مع شيوخ الزاوية فأرسل بهم إلى معاهد فاس وغيرها ليزاولوا نشاطهم العلمى. واستولى سنة ١٠٧٩ هـ/١٦٦٨ م على مراكش من يد أعراب الشبانات، ولم يلبث أن فتح مدينة ترودنت وبقية مدن السوس، وأذعن بالطاعة له أعراب المغرب الأقصى جميعهم من الهلالية فى الشرق وقبائل حسان والمعقل فى منطقة درعة، وأعلنت منطقة الريف فى الشمال طاعتها له، ما عدا مليلة وسبتة اللتين كانتا قد استولى عليهما الإسبان، وما عدا طنجة التى انتقلت إلى الإنجليز وبذلك أعاد الرشيد إلى المغرب الأقصى وحدته، وهو يعد المؤسس الحقيقى لتلك الدولة العلوية. وتوفى الرشيد سنة ١٠٨٢ هـ/١٦٧٢ م وخلفه أخوه إسماعيل وهو من أعظم سلاطين العلويين وطال حكمه نحو سبعة وخمسين عاما حتى سنة ١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م وكانت سنوات رخاء وخير وبركة للمغرب الأقصى، وقد مدّ حدوده شرقى نهر الملوية حتى مدينة وجدة، وثبتت تلك الحدود إلى اليوم، كما مدّ حدوده جنوبا متوغلا فى بلاد السودان الغربى. وكوّن للمغرب الأقصى جيشا ضخما من البربر والأعراب والسود وكان يأتى بهم من فتوحه فى السودان الغربى وحوض النّيجر، واتخذ لهم معسكرا يدربون فيه تدريبا عسكريا متقنا وبلغوا فى حياته مائة وخمسين ألفا، ووزعهم على القلاع بجميع أنحاء المغرب الأقصى للحراسة وأمن الطرق. وعاشت البلاد لعهده فى رخاء وطمأنينة وأمان وسخت الأرض بالخيرات. وأخذ إسماعيل يستكمل عدته لمنازلة الأجانب المحتلين لشواطئ المغرب الأقصى فى الشمال والغرب، وكانت كاترينا وارثة عرش البرتغال قدمت مدينة طنجة صداقا إلى زوجها شارل الثانى ملك إنجلترا سنة ١٠٧٢ هـ/١٦٦١ م فانتقلت طنجة من أيدى الإسبان إلى أيدى الإنجليز، واستطاع طرد الإنجليز منها سنة ١٠٩٥ هـ/١٦٨٤ م كما استطاع طرد الإسبان من المعمورة (المهدية) شمالى مدينة سلا، حتى إذا كانت سنة ١١٠١ هـ/١٦٨٩ م طردهم من مدينة العرائش، وكان قد خلصها منهم العياشى، وعادوا فاستولوا عليها، ودق الشعب فى المغرب الأقصى الطبول ابتهاجا بعودتها، إذ كان قد أعلن من أجلها الحداد، واتخذ لذلك شعارا أن يلبس

стр. 4897

أحذية سوداء فلما استردّها إسماعيل نزعوا تلك الأحذية من أقدامهم وعادوا إلى لبس نعالهم الصفراء المغربية. وفى سنة ١١٠٤ هـ/١٦٩٢ م طرد إسماعيل الإسبان من مدينتى أصيلا والعرائش، وبذلك استرد للمغرب الأقصى ساحل المحيط جميعه وصدقت فراسة المغاربة للالتفاف حول أسرة علوية شريفة لإنقاذ المغرب الأقصى مما دهاه من كوارث مفجعة. وحاول السلطان إسماعيل فتح سبتة ومليلة وحاصر سبتة طويلا يريد أخذها من يد الإسبان ولكنهم ثبتوا فيها يعاونهم أسطولهم فى البحر وقربها من ديارهم. وتوفى-كما أسلفنا-سنة ١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م وتلاه عهد اضطرابات وفتن لتنازع أبنائه على الحكم وتدخل الجيش وأخذ يختل الأمن وينتشر الفساد وتشيع الفوضى وتسوء حالة البلاد الاقتصادية واستمر ذلك نحو ثلاثين عاما إلى أن أنقذ البلاد حفيد للسلطان إسماعيل، هو محمد بن عبد الله الذى خلف أباه سنة ١١٧١ هـ/١٧٥٧ م وكان قد أظهر فى عهد أبيه قدرة سياسية حين عينه حاكما لمنطقتى مراكش وآسفى فى دكالة، ثم عينه قائدا فنظم الجيش وأقرّ الأمن فى السوس، وتابع بعد استيلائه على صولجان الحكم نشر الأمن فى ربوع البلاد، وتجوّل فيها متفقدا لشئونها وحصّن المدن الكبرى والثغور وشيّد بهما الأبراج والحصون وزوّدهما بالمدافع والقوات العسكرية لحفظ الأمن والنظام فى أنحاء البلاد، وعنى بالأسطول فأمدّه بكل ما يلزمه من عتاد حربى، وأضاف إليه طائفة من السفن، وأمر أن يواصل البحارة والجنود فيه تدريبات ومناورات منتظمة على المتوسط والزقاق والمحيط. وكان البرتغاليون قد نزلوا فى ميناء الجديدة (المعمورة) شمالى سلا سنة ١١٨٢ هـ/١٧٦٩ م فطردهم منها وابتنى ميناء الصويرة فى منطقة حاحة غربى مراكش. ووثق علاقات دولته بالدولة العثمانية وتبادل معها الهدايا تأكيدا للمودة. وتوفى سنة ١٢٠٤ هـ/١٧٨٩ م وعادت البلاد إلى الاضطراب والفوضى فى عهد ابنه اليزيد ولم يلبث أن توفى سنة ١٢٠٦ هـ/١٧٩٢ م وتولاها أخوه سليمان لنحو ثلاثين عاما، ومنى فى أوائل عهده بحروب متصلة بينه وبين أخويه هشام ومسلمة، وخرج منها بعد طول عناء، ليظل بقية أيامه ينازل بربر الأطلس التلى أو الأطلس المتوسط، وولى بعده ابن أخيه عبد الرحمن بن هشام حتى سنة ١٢٧٦ هـ/١٨٥٩ م وشغل بثورات داخلية واحتل تلمسان حين احتلت فرنسا الجزائر، وهزم فى موقعة إيسلى. وخلفه ابنه محمد حتى سنة ١٢٩٠ هـ/١٨٧٤ م وقضى على ثورة الجيلالى الزرهونى واحتلت إسبانيا تطوان ثم انسحبت منها بمقتضى معاهدة. وتلاه ابنه الحسن وهو من أهم سلاطين الدولة العلوية وقد نشر الأمن فى ربوع البلاد، وأخذ يفتحها على الغرب فأرسل البعوث إلى أوربا وأخذ يرقى بالبلاد حضاريا وفكريا، وعهده الزاهر يعد-فى رأينا-افتتاح العصر الحديث فى المغرب الأقصى.

стр. 4898

الفصل الثّانى المجتمع المغربى ١ - عناصر السكان البربر هم العنصر الأصيل الذى عاشت قبائله وبطونه وعشائره-منذ آماد سحيقه-فى المغرب وسواحله وسهوله وجباله وهضابه ووديانه من برقة إلى المحيط الأطلسى واختلف مؤرخو العرب ونسابة البربر فى الأصل الذى انحدروا منه اختلافات شتى استقصاها ابن خلدون فى الجزء السادس (١) من تاريخه، فقيل إنهم ساميون من ولد عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام، وقيل بل من ولد إبراهيم ﵇، وقيل هم ساميون حقا ولكنهم عرب يمنيون من ولد النعمان بن حمير بن سبأ، وقيل من لخم وجذام وقيل بل هم مضربون من ولد بر بن قيس بن عيلان، وقيل إنهم حاميون من مصراييم بن حام، وقيل: بل من مازيغ بن كنعان بن حام. وكما اختلف المؤرخون والنسابة فى أصلهم اختلفوا فى موطنهم الأصلى وهجرتهم منه، هل هو الجزيرة العربية أو اليمن أو الشام أو فلسطين، واختلفوا فيمن أخرجهم منه، قيل أخرجهم داود-بوحى نزل عليه-إلى ديار المغرب، وقيل خرجوا بعد قتل داود لجالوت فارّين إلى إفريقيا، وحاولوا النزول بمصر فمنعهم القبط فاتجهوا إلى برقة وما وراءها وانساحوا فى المغرب إلى المحيط، وقيل بل الذى أخرجهم من الشام إلى إفريقيا يوشع بن نون، وقبل: بل إفريقش أحد ملوك التبابعة اليمنيين، وقيل إنه ارتحل معهم فى هجرتهم إلى المغرب حيان يمنيان: كتامة وصنهاجة. ويعلق ابن خلدون على كل هذه الأقوال وما يماثلها بقوله (١): «إنها تكاد تكون من أحاديث الخرافة، إذ مثل هذه الأمة (الضخمة) المشتملة على أمم وعوالم ملأت جانبا من الأرض لا تكون منتقلة من جانب آخر وقطر محصور (مثل الشام). والبربر معروفون فى بلادهم وأقاليمهم متميزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام فما الذى يحوجنا إلى التعلق بهذه الترهات فى شأن أوليتهم». وابن خلدون محق فى عدّ كل تلك الأقاويل من باب الخرافة سواء فى ارتحال البربر من الشام أو غيرها إلى ديار المغرب أو فى محاولة التعرف على الأصل الذى نشأت منه وتناسلت ذريتهم. والذى يؤكده المنطق والواقع أن البربر نشئوا بالمغرب وليسوا منقولين إليه من آسيا، وليسوا ساميين إنما هم إفريقيون حاميون مما جعل

стр. 4899

ابن خلدون يقول: «والحق الذى لا ينبغى التعويل على غيره فى شأن البربر أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح. . وأن اسم أبيهم مازيغ بن كنعان». ويقول ابن خلدون إن إفريقش -فيما يقال-هو الذى سماهم بالبربر لما سمع رطانتهم واختلاط أصواتهم. وأولى من ذلك ما يقال من أن الكلمة ترجع إلى أصل لاتينى هو Barbarus وهو عند الرومان من لا يفهم كلامه، وربما وجدوا الكلمة على لسان المغاربة أنفسهم فأخذوها عنهم، إذ سموا بها أنفسهم وشعوبهم، أما القول بأن العرب هم الذين سموا بها الشعوب المغربية لعدم فهمهم لغتهم وأن من ذلك قولهم بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة فبعيد الاحتمال. ويقول ابن خلدون إن شعوب البربر ترجع إلى مجموعتين ضخمتين هما شعوب البرانس وشعوب مادغيس الأبتر أو البتر، وتجمع شعوب البرانس عند النسابين عشرة شعوب أو قبائل كبرى هى مصمودة، وصنهاجة، وأوربة، وعجيسة، وكتامة، وإزداجة، وأوريغة، ولمطة، وهسكورة، وجزولة. والقبائل التى اشتهرت منها بسكنى المغرب الأقصى هى مصمودة وكانت تسكن أربع مناطق هى: حاحة-السوس-مراكش-جزولة، ومن بطونها غمارة وكانت تسكن منطقتى الريف والهبط وبرغواطة وكانت تسكن منطقتى تامسنة ودكالة. وصنهاجة، ويقال إنها ثلث البربر وموطنها المغرب الأقصى والصحراء وراءه إلى السودان الغربى، ومن بطونها لمتونة ومنها عشيرة يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، ومن بطونها أيضا بنو مزغنة منشئو مدينة الجزائر. وشعوب لمطة وهسكورة وجزولة كانت مواطنها جميعا المغرب الأقصى، وكان للشعوب الأخرى بعض بطون فى المغرب مثل هوارة من أوريغة. أما شعوب البتر فأربعة: نفوسة فى طرابلس، وإداسة وتختلط بطونها بهوارة، وضريسة، ولوا. ومن البطون الكبرى لهذه الشعوب من سكان المغرب الأقصى ورفجومة بأوراس ومضغرة ويسكنون ما بين فاس وتلمسان، ومكناسة على نهر ملوية من سجلماسة إلى مصبّه، ومغراوة فى فاس وسجلماسة وهى فرع من زناتة وكانت تسكن المغرب الأوسط وشطرا من المغرب الأقصى ومن بطونها يفرن وواسين ومنها بنو مرين حكام المغرب الأقصى. وظل البربر بعيدين عن الأمم القديمة لا يتصلون بهم أى اتصال حتى نزل بديارهم الفينيقيون فى القرن التاسع قبل الميلاد-وربما قبله أو بعده-وكانوا شعبا ملاحيّا يحترف التجارة، وأخذوا يبحثون فى سواحل البلاد المغربية عن مواضع صالحة لرسوّ سفنهم كى يتبادلوا السلع مع أهلها ونزلوا قرطاجة فى تونس، وأخذوا يبحثون عن مواطن أخرى على طول الساحل فى الجزائر ثم فى المغرب الأقصى على البحر المتوسط والمحيط وأنشئوا عليهما مدنا فينيقية هى مليلة على المتوسط وطنجة وأصيلا على المحيط، ولا بد أن أثّروا بحضارتهم الفينيقية فى تلك المدن وأنحائها المختلفة فى أثناء القرون المتصلة التى خالطوا فيها السكان المغاربة، ولا بد أن عرف المغاربة كثيرا من طرقهم فى الزراعة والصناعة وخاصة فى التعدين، كما عرفوا أبجديتهم ولغتهم

стр. 4900

وربما أتقنها منهم كثيرون. وتنشب منذ أواسط القرن الثالث قبل الميلاد حتى أواسط القرن الثانى حروب بين قرطاجة عاصمة الفينيقيين وروما ويكتب النصر لروما، وتؤول إليها ديار المغرب بما فيها من المدن الفينيقية، وتصبح مليلة وطنجة وأصيلا تابعة لهم، وينشئون على ساحل البحر المتوسط بقرب الزقاق مدينة سبتة وتوغلوا على المحيط، وأنشئوا لهم موقعا أو مدينة هى سلا، ومدينة ثانية أو موقعا هو أنفه (الدار البيضاء) ويتوغلون فى الداخل وينشئون مدينة وليلى. وظلوا فى المغرب نحو ستة قرون إلا قليلا، وطبيعى أن يؤثروا فيه بحضارتهم الرومانية وخاصة فى المدن التى كان لهم فيها جاليات ولما اعتنقوا الدين المسيحى حاولوا نشره فى البلاد المغربية وخاصة الساحلية. غير أن من دخلوا فيه من البربر-وخاصة فى المغرب الأقصى-كانوا قلة، فقد ظلت جماهير المغرب وثنية. واكتسح الوندال ما ملكته روما من البلدان المغربية، وكانوا شعبا حربيا غير متحضر فلم يتركوا فيها أثرا، وخلفهم البيزنطيون، ولم يحاولوا نشر شئ من ثقافتهم ولا حضارتهم فى البلاد المغربية. والعرب هم العنصر الثانى فى المغرب الأقصى بعد البربر، وقد جاءوا إلى المغرب فى خلافتى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان لا طلبا للاستيلاء على ما فيه من طيبات الأرض وثمارها وإنما طلبا لنشر دين الله حتى لا يعبد فى الأرض إله سواه وحتى تعم تعاليمه الداعية إلى العدل والمساواة بين الناس، وأخذ ولاة القرن الأول الهجرى أنفسهم بتطبيق هذه التعاليم، مما جعل المغاربة يدخلون فى الدين الحنيف أفواجا. حتى إذا تكاثر المسلمون منهم فى عهد واليهم حسان بن النعمان كوّن منهم كتيبة عدادها اثنا عشر ألفا وولّى على قبيلة جراوة فى الجزائر واليا منها. وهو رمز لما كان يأخذ به ولاة القرن الأول الهجرى فى المغرب من المساواة بين العرب والبربر فى الجهاد والحكم. ويتسع ذلك فى عهد خلفه موسى بن نصير، إذ يولّى على طنجة واليا بربريا هو طارق بن زياد، ويعهد إليه بفتح الأندلس، فيغزوها على رأس حملة أكثر جنودها من البربر، ويلحق به على رأس حملة ثانية فيكمل الفتح معه. ويتقاسم شرف هذا الفتح عربى هو موسى بن نصير وبربرى هو طارق بن زياد، وجيش مؤلف من العرب والبربر. وبذلك لم يعد فى ديار المغرب أى فارق بين عربى وبربرى، غير أننا لا نكاد نمضى فى القرن الثانى الهجرى حتى تنكب البلاد العربية بخلفاء أمويين لا يحسنون تدبير الملك فيولون على ديار المغرب ولاة جبارين يظلمون أهلها فى الخراج وغير الخراج غير واعين لتعاليم الإسلام فى المساواة والعدالة بين المسلمين، ويبلغ السفه والعته بوالى طنجة أن يصرّح بأنه عازم على تخميس أراضى البربر زاعما زعما مخطئا أنها غنائم حرب. وتنادى كثيرون من المغاربة كيف الخلاص من هذا الظلم الفادح، وسرعان ما أخذ دعاة الخوارج من الصفرية والإباضية يوضحون لهم أن الخلاص الحقيقى إنما هو فى اعتناق دعوتهما التى تسوّى بين المسلمين فى جميع الحقوق. واعتنق مذهب الصفرية فى المغرب الأقصى كثيرون وكوّنوا جيشا استولى على

стр. 4901

طنجة وقتل واليها، ونازلته جيوش الدولة الأموية مرارا، وكان النصر حليفه، ومرّ بنا-فى الفصل الماضى-أن قائدين صفريين هاجما القيروان سنة ١٢٤ هـ/٧٤١ م وباء بهزيمة ساحقة. وفى سنة ١٣٨ هـ/٧٥٥ م هاجمت ورفجومة القيروان واستباحتها وخلّصها منها أبو الخطاب عبد الأعلى إمام الإباضية فى طرابلس. وتدور الأعوام وتنشأ الدولة الإدريسية، وتأخذ فى القضاء على الصفرية فى شمالى المغرب الأقصى وينسحبون إلى سجلماسة ودولة بنى مدرار. وأخذ إدريس الثانى (١٧٥ - ٢١٣ هـ) يستكثر من العرب فى حاشيته حتى بلغوا خمسمائة. وهى أول دولة عربية إسلامية تنشأ فى المغرب الأقصى وقد عملت على تحفيظ القرآن الكريم ونشر حلقات القراء والمحدثين والمفسرين والفقهاء فى جميع مدنها والعناية بتعليم المغاربة العربية. وجاءها كثيرون من فقهاء تونس والمشرق ولاذ بها أربعمائة أسرة من أسر الأندلس الفقهية، وجعلت عاصمتها عدوتين: عدوة للمغاربة سمتها عدوة القرويين وعدوة للأندلسيين. ونمضى إلى منتصف القرن الخامس الهجرى وتحدث الهجرة الأعرابية الكبرى لبنى هلال وبنى سليم إلى ديار المغرب، ويقال إنهم كانوا نحو نصف مليون من الأعراب، ويقال بل كانوا مليونا أو يزيدون، ولم يكونوا طلاب حكم وملك، ولذلك لم يقيموا لهم دولة فى المغرب، إنما كانوا طلاب مواطن يقيمون فيها، وانساحوا كسيل عرم فى برقة وطرابلس وإفريقية التونسية والجزائر، وكأنما وجدوا فى كل ذلك ما يغنيهم عن الانسياح فى المغرب الأقصى واكتساحه ولا يمضى على هذا الطوفان للهلاليين وبنى سليم نحو قرن حتى يستنجد أهل طرابلس وإفريقية التونسية بعبد المؤمن بن على سلطان الموحدين لاستيلاء النور مانديّين بأساطيلهم على سواحل طرابلس وجزيرة جربة وميناء المهدية وغيرها من موانى إفريقية التونسية ورأى واجبا عليه أن ينقذ تلك البلدان وخرج بجيش ضخم إليهم وأخذ يستولى به على مدن الجزائر. وعلم وهو بيجاية أن القبائل الهلالية، وهى الأثبج وزغبة ورياح وقرة تتجمع مع صنهاجة لحربه، وأرسل إليها جيشا نازلها ثلاثة أيام وانتصر عليها فى اليوم الرابع وفر الأعراب تاركين وراءهم الأهل والمال، فأمر بنقل النساء والأولاد إلى مراكش والعناية بهم. ولما أتم رحلته واسترد طرابلس والمهدية وغيرها من موانى إفريقية التونسية وعاد إلى عاصمته مراكش أمر أن يكتب إلى سادة بنى هلال أن نساءهم وأولادهم فى الحفظ والصيانة، فوفدوا عليه وأكرمهم وردّ عليهم نساءهم وأولادهم وأسبغ عليهم أموالا وافرة، ونقل منهم إلى المغرب الأقصى ألفا من كل قبيلة بأسرهم، ولما عزم على زيارة الأندلس سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م دعا عرب بجاية إلى العبور معه للأندلس للجهاد برسالة تلتهب حماسة ختمها بأبيات من نظمه استهلها بقوله: أقيموا إلى العلياء هوج الرّواحل ... وقودوا إلى الهيجاء جرد الصّواهل

стр. 4902

واستجاب له جمع ضخم كما يقول صاحب المعجب (١) فأنزل طائفة بنواحى قرطبة وطائفة بنواحى إشبيلية، وأقاموا هنالك. وفى سنة ٥٧٧ هـ/١١٨٢ م وفد على الخليفة بعده ابنه يوسف حشد كبير من قبيلة رياح وضعوا أنفسهم تحت تصرّفه وعبر كثيرون منهم معه إلى الأندلس. ولما خرج ابنه يعقوب المنصور لاسترجاع قفصة وقابس واستعادهما خرجت عليه فى هذه الأثناء بقايا من قبائل رياح الهلاليه وأخواتها من قبائل جشم والأثبج، فردهم إلى طاعته، ولاذوا بدعوته، فأمر بنقلهم إلى المغرب الأقصى لكفّ عدوانهم عن المغرب الأوسط، وصدعوا لأمره، فأنزل بنى رياح فى مناطق الهبط وأزغار وفاس مما يلى سواحل طنجة إلى سلا، وأنزل بنى جشم فى تامسنة وما وراءها من الأراضى، وأنزل الأثبج فى منطقتى دكالة وتادلة. ويبدو أن بطون بعض هذه القبائل تحركت من منازلها بعد عصر الموحدين إلى منازل جديدة استقرت فيها إذ يذكر الحسن (٢) الوزان فى القرن العاشر الهجرى أن بعض فروع رياح سكنوا منطقة دكالة وضواحى مينائها آسفى على المحيط وأن فروعا أخرى سكنت منطقة حاحة وسهولها، كما يذكر أن فرع المنتفق من أثبج تحول شمالا وسكن أزغار، وأن فرع صبيح منها تحرك جنوبا وسكن السهول الواقعة بين سلا ومكناس. ويقول إن يعقوب فتح لعامة العرب نوميديا أى الصحراء فى جنوبى الجزائر متداخلة مع شطر من الصحراء فى المغرب الأقصى، ولعل ذلك ما جعل بعض بطون القبائل العربية أو الأعرابية فى نوميديا ينزح إلى موريتانيا الشرقية ويتغلغل إلى وادى ملوية شمالا ووادى أو نهر درعة جنوبا. ومن أهم هذه القبائل المعقل، يقول ابن خلدون: «هذا القبيل لهذا العهد (فى القرن الثامن الهجرى) من أوفر قبائل العرب، ومواطنهم بقفار المغرب الأقصى وينتهون إلى البحر المحيط من الغرب» وبطونهم كثيرة، وتستولى على ملوية كلها إلى سجلماسة، وتصعد إلى ممر تازا وأنحاء تادله وتلال مكناسة، واستولت على السوس الأقصى وانتجعت فى الرمال إلى مواطن الملثمين (٣)، ونلتقى بسليم قرب وادى درعة، وتشتغل بالتجارة (٤) وتذهب مع سلعها فى قوافل إلى تمبكتو، وأهلها أثرياء ولهم أملاك وأراض زراعية كثيرة فى درعة. وكل القبائل التى ذكرناها أخذت بطونها تمتزج بأهل المغرب الأقصى بحيث أصبح عربيا دينا ولغة. والعنصر الثالث فى المغرب الأقصى هو الأندلسيون الذين أخذوا فى الهجرة إليه منذ عهد الحكم الربضى فى أواخر القرن الثانى الهجرى وأوائل الثالث إذ أوقع بفقهاء قرطبة وقعة الربض المشهورة وأمر بطردهم من الأندلس، وكانوا مع من اشتركوا معهم فى الوقعة ألوفا، وذهب

стр. 4903

كثيرون منهم إلى الإسكندرية ثم تركوها إلى جزيرة كريت وانتزعوها من أيدى البيزنطيين وأنشئوا فيها دولة إسلامية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م ظلت بها أكثر من قرن إلى أن استعادها البيزنطيون سنة ٣٥٠ هـ/٩٦١ م وحشد كبير اتجه إلى فاس فى المغرب الأقصى وكان إدريس الثانى يبنيها فجعلها عدوتين: عدوة للمغاربة وعدوة للأندلسيين، ويقال إنه نزلها منهم أربعمائة أسرة سوى من نزلوا فى بلاد المغرب الأقصى الأخرى. ونمضى إلى القرن السابع الهجرى فتسقط-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-قرطبة وبلنسية ودانية وإشبيلية فى حجر الإسبان، ثم تسقط مرسية، وتهاجر منها جميعا إلى المغرب الأقصى أفواج من الأندلسيين باحثة لها عن موطن جديد فى فاس وفى غير فاس، ويرحب بهم المغاربة ويفسحون لهم فى أسباب العيش. وأخذت هذه الهجرة الأندلسية تتسع بعد سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م وخروج العرب من الجزيرة الأندلسية فإن كثيرين منهم نزلوا المغرب الأقصى واتخذوه وطنا ثانيا لهم، حتى إذا اتخذ فيليب الثالث ملك إسبانيا سنة ١٠١٨ هـ/١٦٠٩ م قرارا بطرد كل المسلمين من إسبانيا التجأت منهم أفواج كثيرة إلى المغرب الأقصى متخذة منه شاطئ نجاة، ورحب بهم المغاربة كما رحبوا-من قديم-بمن نزل بينهم لعهد الحكم الربضى ثم لعهد سقوط المدن الكبرى فى القرن السابع الهجرى، ثم لعهد سقوط غرناطة. ودائما كان الحضريون من الأندلسيين فقهاء وعلماء وأصحاب صناعات ينزلون المدن ويستقرون فيها وكان الفلاحون والزراع منهم ينزلون سهول المغرب الأقصى ووديانه وتلاله، وارتقوا فيه بطرق الرى والزراعة والغرس التى ألفوها فى الأندلس سواء فى السهول والوديان أو فى التلال أو فى مرتفعات الجبال، واختار كثيرون منهم-منذ سقوط غرناطة-منطقتى الريف والهبط فى الشمال. وتحول غير قليلين منهم إلى قراصنة يغيرون على سفن إسبانيا وشواطئها والسفن الأوربية انتقاما من إخراجهم كرها من وطنهم الأندلسى. وكانت هذه الأفواج الأندلسية أكثر حضارة وثقافة من المغاربة، فأفادوا منهم حضاريا وثقافيا فوائد كثيرة بجانب الفوائد المادية والاقتصادية من الحرف والصناعات وأساليب الزراعة، وبمرور الزمن اندمجوا فى الشعب المغربى اندماجا تاما. والعنصر الرابع اليهود وكان أول نزول لهم فى المغرب بالقرن الثالث ق. م على عهد الفينيقيين وكثر نزولهم فيه بعد تحطيم القيصر تيتوس لمعبد بيت المقدس سنة ٧٠ للميلاد ويبدو أنهم اختلطوا بالبربر إذ حاولوا نشر دينهم فيهم واعتنقه بعض البربر، ولا بد أن دخل منهم كثيرون المغرب الأقصى فى أثناء المدّ الفينيقى والرومانى، وظلوا بالمغرب بعد الفتح الإسلامى ناعمين بما يعطيه الإسلام لأهل الذمة: اليهود والنصارى من الحرية فى إقامة شعائرهم مع المعاملة الحسنة، وربما نزح إليهم فى العهود الإسلامية يهود من فلسطين، حتى إذا سقطت غرناطة أخذ ينزح إلى المغرب عامة والمغرب الأقصى خاصة يهود كثيرون ممن كان يضطهدهم نصارى الإسبان كما اضطهدوا المسلمين، وشملهم قرار فيليب الثالث المار ذكره بطردهم من إسبانيا مثل

стр. 4904

المسلمين، ولاحقوهم بأنواع من التعذيب الشديد، فالتجأ كثيرون منهم إلى المغرب الأقصى وانتشروا فى مدنه وقراه من تخوم البحر المتوسط والمحيط إلى تخوم الصحراء. وفى كتاب وصف إفريقيا وحديث الحسن الوزان فيه عن المدن ما يصور مدى انتشارهم بعد سقوط غرناطة إذ يذكر أن فى مدينة بادس على البحر المتوسط شارع طويل يسكنه اليهود يباع فيه الخمر، ويقول الوزان إن لهم فى منطقة حاحة بمدينة تدنست مائة بيت يهودى وبمدينة آيت دوّاد كثير من الصناع اليهود يمارسون الحدادة وصنع الأحذية والصباغة والصياغة، وفى درعة وسجلماسة كثير من صناعهم وتجارهم. ويقول الوزان لهم فى تازه خمسمائة بيت ويعنون بصناعة الخمور من كروم البساتين فيها والمزارع. ويبدو أنهم كانوا كثيرين فى فاس منذ القرن الثامن الهجرى، إذ يذكر الحسن الوزان فى حديثه عن فاس أنهم كانوا يسكنون فى فاس القديمة ونقلهم السلطان المرينى أبو سعيد عثمان الذى تولى الدولة بين سنتى ٨٠١ هـ/١٣٩٨ م و ٨٢٥ هـ/١٤٢١ م إلى مدينة فاس الجديدة التى بناها مؤسس دولة بنى مرين سنة ٦٧٤ هـ/١٢٧٦ م وهم يشغلون فيها-كما يقول-شارعا طويلا جدا وعريضا للغاية حيث تقع دكاكينهم وكنائسهم أو معابدهم، ويذكر أن عددهم تزايد زيادة كبيرة حتى لم يعد من الممكن معرفة عددهم، كما يذكر أن معظم الصاغة منهم. وإذا كان الوزان يلاحظ ازديادهم المفرط فى زمنه لأوائل القرن العاشر الهجرى بعد سقوط غرناطة فلا بد أن أعدادهم فى فاس والمغرب الأقصى تضاعفت بعد طرد فيليب الثالث لهم من إسبانيا فى القرن الحادى عشر الهجرى ونراهم-منذ الدولة المرينية- يحاولون أن يكون لهم شئ من النفوذ عند بعض حكامها، وبلغوا من ذلك أن اتخذ آخر سلاطينها عبد الحق وزيرا منهم يسمى هارون فثارت عليه العامة ومعهم الفقهاء والخطباء، وعادوا فى الدولة السعدية يتصلون بحكامها، ونجحوا فى أن تتخذ منهم سفراء إلى أوربا وبعض من يمثلونها فى الصفقات التجارية الكبرى. ولا بد أن نذكر أن المغاربة لم يلتحموا بهذا العنصر أى التحام، فقد كان عنصرا دخيلا عليهم لغة ودينا ويقول الوزان فى حديثه عنهم بفاس إنهم كانوا محتقرين من كل الناس. أما النصارى فلم يكونوا يوما عنصرا من عناصر السكان فى المغرب الأقصى إذ كانوا دائما وافدين عليه، وفدوا أيام الدولتين الرومانية والبيزنطية، ويبدو أنه كانت لهم جاليات فى مدينة سبتة وغيرها، يدل على ذلك من بعض الوجوه قول الوزان فى حديثه عن فاس: «نجد بعض أسماء الأعياد التى اعتاد النصارى الاحتفال بها والتى لا يزال الناس يعملون بها اليوم (فى زمنه) ولا يدرى أحد شيئا عن سبب التمسك بهذه الأعياد، ففى كل مدينة مغربية يحتفل ببعض الأعياد والعادات التى خلفها النصارى منذ الزمن الذى كانوا يحكمون فيه إفريقيا، يريد زمن الدولتين الرومانية والبيزنطية. ويدخل المغرب الأقصى فى الإسلام ويجلو عنه نصارى الدولتين إلا قليلا. ونمضى إلى عصر الموحدين فيذكر الحسن الوزان فى حديثه عن مراكش أن

стр. 4905

المنصور الموحدى بنى فى القصبة قصرا للحرس من الرماة النصارى، وكان عددهم عادة خمسمائة، وكانوا يسيرون أمام موكب الخليفة حين ينتقل من مكان إلى مكان. وبعد خروج العرب من الأندلس نقل الإسبان والبرتغاليون الحرب الصليبية إلى سواحل البحر المتوسط والمحيط، وكانوا يظلون فيها-كما أسفلنا-سنوات تطول أو تقصر، ثم يغادرونها قسرا أو جبرا، وقد يستولون منهم على مئات يستخدمونهم عبيدا أو رقيقا ويكلفونهم بمختلف الأعمال من أبنية وتحصينات وغير تحصينات على نحو ما مرّ بنا من صنيع بطل تطوان فى ثلاثة آلاف أسير منهم كان ينهكهم فى أعمل التحصينات. وأخذ كثيرون من المسلمين المنفيين عن الأندلس بعد سقوط غرناطة وقرار فيليب الثالث المار يشتغلون بالقرصنة فى عرض البحر المتوسط وعلى سواحل إسبانيا انتقاما من ملوكها وكانوا يجلبون كثيرا من رقيق النصارى فى قرصنتهم ويستحيلون عبيدا، وكان كثير منهم يسلم، فينتهى رقه ويستحيل مسلما مواطنا. ٢ - المعيشة مر بنا فى الحديث عن جغرافية المغرب الأقصى أن أراضيه خصبة، ومن قديم كان أهله يعيشون على الزراعة ورعى الأنعام، وإذا أخذنا نسير فيه من الشمال إلى الغرب على المحيط وبدأنا بمنطقة الهبط وجدناها وافرة الإنتاج من الحبوب ومختلف الثمار من الفواكه وخاصة البرتقال والكرز. وتليها منطقة أزغار، وبها كثير من الحبوب والأقوات، ويزرع بها القطن، وبها كثير من الماشية والخيل والغزلان وأنواع ممتازة من الفواكه. وتجاورها منطقة فاس، ويقول الحسن الوزان بحديثه عنها: فى القسم الجنوبى من المدينة كثير من الحدائق المليئة بأشجار مثمرة متنوعة وممتازة مثل أشجار البرتقال والليمون والأترج والزهور الجميلة من بينها الياسمين والورود والرتم الذى استورده الأندلسيون من أوربا. وتحفل البساتين بقصور جميلة وبرك ماء وحنفيات، وتحاط البرك بالياسمين وبالورود وبأشجار البرتقال، وعند ما يمر الإنسان فى فصل الربيع بجوار هذه الرياض يشم أعطر شذى ينبعث من كل جانب، ولا يكاد يشبع نظر الإنسان من متعة جمالها وملاحتها، وتشبه كل روضة من هذه الرياض جنة أرضية. وكان من عادة الوجهاء الإقامة فيها ابتداء من مطلع شهر نيسان (أبريل) حتى آخر أيلول (سبتمبر). ويقول الوزان عن زروعها فى الشمال والشرق والجنوب: بها مزارع جميلة مليئة بالأشجار المثمرة من كل صنف، وتخترق هذه المزارع بعض تفرعات النهر، ولكثرة الأشجار يخيّل للناظر إليها من بعد أنها غابة حقيقية، وتنتج منها الثمار بوفرة، وثمارها من نوع جيد، ويقدر ما يباع فى اليوم بكل موسم خمسمائة حمل من الثمار فيما عدا العنب الذى لا يدخل فى هذا
следующие страницы →