طنجة وقتل واليها، ونازلته جيوش الدولة الأموية مرارا، وكان النصر حليفه، ومرّ بنا-فى الفصل الماضى-أن قائدين صفريين هاجما القيروان سنة ١٢٤ هـ/٧٤١ م وباء بهزيمة ساحقة. وفى سنة ١٣٨ هـ/٧٥٥ م هاجمت ورفجومة القيروان واستباحتها وخلّصها منها أبو الخطاب عبد الأعلى إمام الإباضية فى طرابلس. وتدور الأعوام وتنشأ الدولة الإدريسية، وتأخذ فى القضاء على الصفرية فى شمالى المغرب الأقصى وينسحبون إلى سجلماسة ودولة بنى مدرار. وأخذ إدريس الثانى (١٧٥ - ٢١٣ هـ) يستكثر من العرب فى حاشيته حتى بلغوا خمسمائة. وهى أول دولة عربية إسلامية تنشأ فى المغرب الأقصى وقد عملت على تحفيظ القرآن الكريم ونشر حلقات القراء والمحدثين والمفسرين والفقهاء فى جميع مدنها والعناية بتعليم المغاربة العربية. وجاءها كثيرون من فقهاء تونس والمشرق ولاذ بها أربعمائة أسرة من أسر الأندلس الفقهية، وجعلت عاصمتها عدوتين: عدوة للمغاربة سمتها عدوة القرويين وعدوة للأندلسيين. ونمضى إلى منتصف القرن الخامس الهجرى وتحدث الهجرة الأعرابية الكبرى لبنى هلال وبنى سليم إلى ديار المغرب، ويقال إنهم كانوا نحو نصف مليون من الأعراب، ويقال بل كانوا مليونا أو يزيدون، ولم يكونوا طلاب حكم وملك، ولذلك لم يقيموا لهم دولة فى المغرب، إنما كانوا طلاب مواطن يقيمون فيها، وانساحوا كسيل عرم فى برقة وطرابلس وإفريقية التونسية والجزائر، وكأنما وجدوا فى كل ذلك ما يغنيهم عن الانسياح فى المغرب الأقصى واكتساحه ولا يمضى على هذا الطوفان للهلاليين وبنى سليم نحو قرن حتى يستنجد أهل طرابلس وإفريقية التونسية بعبد المؤمن بن على سلطان الموحدين لاستيلاء النور مانديّين بأساطيلهم على سواحل طرابلس وجزيرة جربة وميناء المهدية وغيرها من موانى إفريقية التونسية ورأى واجبا عليه أن ينقذ تلك البلدان وخرج بجيش ضخم إليهم وأخذ يستولى به على مدن الجزائر. وعلم وهو بيجاية أن القبائل الهلالية، وهى الأثبج وزغبة ورياح وقرة تتجمع مع صنهاجة لحربه، وأرسل إليها جيشا نازلها ثلاثة أيام وانتصر عليها فى اليوم الرابع وفر الأعراب تاركين وراءهم الأهل والمال، فأمر بنقل النساء والأولاد إلى مراكش والعناية بهم. ولما أتم رحلته واسترد طرابلس والمهدية وغيرها من موانى إفريقية التونسية وعاد إلى عاصمته مراكش أمر أن يكتب إلى سادة بنى هلال أن نساءهم وأولادهم فى الحفظ والصيانة، فوفدوا عليه وأكرمهم وردّ عليهم نساءهم وأولادهم وأسبغ عليهم أموالا وافرة، ونقل منهم إلى المغرب الأقصى ألفا من كل قبيلة بأسرهم، ولما عزم على زيارة الأندلس سنة ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م دعا عرب بجاية إلى العبور معه للأندلس للجهاد برسالة تلتهب حماسة ختمها بأبيات من نظمه استهلها بقوله:
أقيموا إلى العلياء هوج الرّواحل ... وقودوا إلى الهيجاء جرد الصّواهل
стр. 4902
واستجاب له جمع ضخم كما يقول صاحب المعجب (١) فأنزل طائفة بنواحى قرطبة وطائفة بنواحى إشبيلية، وأقاموا هنالك. وفى سنة ٥٧٧ هـ/١١٨٢ م وفد على الخليفة بعده ابنه يوسف حشد كبير من قبيلة رياح وضعوا أنفسهم تحت تصرّفه وعبر كثيرون منهم معه إلى الأندلس. ولما خرج ابنه يعقوب المنصور لاسترجاع قفصة وقابس واستعادهما خرجت عليه فى هذه الأثناء بقايا من قبائل رياح الهلاليه وأخواتها من قبائل جشم والأثبج، فردهم إلى طاعته، ولاذوا بدعوته، فأمر بنقلهم إلى المغرب الأقصى لكفّ عدوانهم عن المغرب الأوسط، وصدعوا لأمره، فأنزل بنى رياح فى مناطق الهبط وأزغار وفاس مما يلى سواحل طنجة إلى سلا، وأنزل بنى جشم فى تامسنة وما وراءها من الأراضى، وأنزل الأثبج فى منطقتى دكالة وتادلة. ويبدو أن بطون بعض هذه القبائل تحركت من منازلها بعد عصر الموحدين إلى منازل جديدة استقرت فيها إذ يذكر الحسن (٢) الوزان فى القرن العاشر الهجرى أن بعض فروع رياح سكنوا منطقة دكالة وضواحى مينائها آسفى على المحيط وأن فروعا أخرى سكنت منطقة حاحة وسهولها، كما يذكر أن فرع المنتفق من أثبج تحول شمالا وسكن أزغار، وأن فرع صبيح منها تحرك جنوبا وسكن السهول الواقعة بين سلا ومكناس. ويقول إن يعقوب فتح لعامة العرب نوميديا أى الصحراء فى جنوبى الجزائر متداخلة مع شطر من الصحراء فى المغرب الأقصى، ولعل ذلك ما جعل بعض بطون القبائل العربية أو الأعرابية فى نوميديا ينزح إلى موريتانيا الشرقية ويتغلغل إلى وادى ملوية شمالا ووادى أو نهر درعة جنوبا. ومن أهم هذه القبائل المعقل، يقول ابن خلدون: «هذا القبيل لهذا العهد (فى القرن الثامن الهجرى) من أوفر قبائل العرب، ومواطنهم بقفار المغرب الأقصى وينتهون إلى البحر المحيط من الغرب» وبطونهم كثيرة، وتستولى على ملوية كلها إلى سجلماسة، وتصعد إلى ممر تازا وأنحاء تادله وتلال مكناسة، واستولت على السوس الأقصى وانتجعت فى الرمال إلى مواطن الملثمين (٣)، ونلتقى بسليم قرب وادى درعة، وتشتغل بالتجارة (٤) وتذهب مع سلعها فى قوافل إلى تمبكتو، وأهلها أثرياء ولهم أملاك وأراض زراعية كثيرة فى درعة. وكل القبائل التى ذكرناها أخذت بطونها تمتزج بأهل المغرب الأقصى بحيث أصبح عربيا دينا ولغة.
والعنصر الثالث فى المغرب الأقصى هو الأندلسيون الذين أخذوا فى الهجرة إليه منذ عهد الحكم الربضى فى أواخر القرن الثانى الهجرى وأوائل الثالث إذ أوقع بفقهاء قرطبة وقعة الربض المشهورة وأمر بطردهم من الأندلس، وكانوا مع من اشتركوا معهم فى الوقعة ألوفا، وذهب
стр. 4903
كثيرون منهم إلى الإسكندرية ثم تركوها إلى جزيرة كريت وانتزعوها من أيدى البيزنطيين وأنشئوا فيها دولة إسلامية سنة ٢١٢ هـ/٨٢٧ م ظلت بها أكثر من قرن إلى أن استعادها البيزنطيون سنة ٣٥٠ هـ/٩٦١ م وحشد كبير اتجه إلى فاس فى المغرب الأقصى وكان إدريس الثانى يبنيها فجعلها عدوتين: عدوة للمغاربة وعدوة للأندلسيين، ويقال إنه نزلها منهم أربعمائة أسرة سوى من نزلوا فى بلاد المغرب الأقصى الأخرى. ونمضى إلى القرن السابع الهجرى فتسقط-كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-قرطبة وبلنسية ودانية وإشبيلية فى حجر الإسبان، ثم تسقط مرسية، وتهاجر منها جميعا إلى المغرب الأقصى أفواج من الأندلسيين باحثة لها عن موطن جديد فى فاس وفى غير فاس، ويرحب بهم المغاربة ويفسحون لهم فى أسباب العيش. وأخذت هذه الهجرة الأندلسية تتسع بعد سقوط غرناطة سنة ٨٩٧ هـ/١٤٩٢ م وخروج العرب من الجزيرة الأندلسية فإن كثيرين منهم نزلوا المغرب الأقصى واتخذوه وطنا ثانيا لهم، حتى إذا اتخذ فيليب الثالث ملك إسبانيا سنة ١٠١٨ هـ/١٦٠٩ م قرارا بطرد كل المسلمين من إسبانيا التجأت منهم أفواج كثيرة إلى المغرب الأقصى متخذة منه شاطئ نجاة، ورحب بهم المغاربة كما رحبوا-من قديم-بمن نزل بينهم لعهد الحكم الربضى ثم لعهد سقوط المدن الكبرى فى القرن السابع الهجرى، ثم لعهد سقوط غرناطة. ودائما كان الحضريون من الأندلسيين فقهاء وعلماء وأصحاب صناعات ينزلون المدن ويستقرون فيها وكان الفلاحون والزراع منهم ينزلون سهول المغرب الأقصى ووديانه وتلاله، وارتقوا فيه بطرق الرى والزراعة والغرس التى ألفوها فى الأندلس سواء فى السهول والوديان أو فى التلال أو فى مرتفعات الجبال، واختار كثيرون منهم-منذ سقوط غرناطة-منطقتى الريف والهبط فى الشمال. وتحول غير قليلين منهم إلى قراصنة يغيرون على سفن إسبانيا وشواطئها والسفن الأوربية انتقاما من إخراجهم كرها من وطنهم الأندلسى. وكانت هذه الأفواج الأندلسية أكثر حضارة وثقافة من المغاربة، فأفادوا منهم حضاريا وثقافيا فوائد كثيرة بجانب الفوائد المادية والاقتصادية من الحرف والصناعات وأساليب الزراعة، وبمرور الزمن اندمجوا فى الشعب المغربى اندماجا تاما.
والعنصر الرابع اليهود وكان أول نزول لهم فى المغرب بالقرن الثالث ق. م على عهد الفينيقيين وكثر نزولهم فيه بعد تحطيم القيصر تيتوس لمعبد بيت المقدس سنة ٧٠ للميلاد ويبدو أنهم اختلطوا بالبربر إذ حاولوا نشر دينهم فيهم واعتنقه بعض البربر، ولا بد أن دخل منهم كثيرون المغرب الأقصى فى أثناء المدّ الفينيقى والرومانى، وظلوا بالمغرب بعد الفتح الإسلامى ناعمين بما يعطيه الإسلام لأهل الذمة: اليهود والنصارى من الحرية فى إقامة شعائرهم مع المعاملة الحسنة، وربما نزح إليهم فى العهود الإسلامية يهود من فلسطين، حتى إذا سقطت غرناطة أخذ ينزح إلى المغرب عامة والمغرب الأقصى خاصة يهود كثيرون ممن كان يضطهدهم نصارى الإسبان كما اضطهدوا المسلمين، وشملهم قرار فيليب الثالث المار ذكره بطردهم من إسبانيا مثل
стр. 4904
المسلمين، ولاحقوهم بأنواع من التعذيب الشديد، فالتجأ كثيرون منهم إلى المغرب الأقصى وانتشروا فى مدنه وقراه من تخوم البحر المتوسط والمحيط إلى تخوم الصحراء. وفى كتاب وصف إفريقيا وحديث الحسن الوزان فيه عن المدن ما يصور مدى انتشارهم بعد سقوط غرناطة إذ يذكر أن فى مدينة بادس على البحر المتوسط شارع طويل يسكنه اليهود يباع فيه الخمر، ويقول الوزان إن لهم فى منطقة حاحة بمدينة تدنست مائة بيت يهودى وبمدينة آيت دوّاد كثير من الصناع اليهود يمارسون الحدادة وصنع الأحذية والصباغة والصياغة، وفى درعة وسجلماسة كثير من صناعهم وتجارهم. ويقول الوزان لهم فى تازه خمسمائة بيت ويعنون بصناعة الخمور من كروم البساتين فيها والمزارع. ويبدو أنهم كانوا كثيرين فى فاس منذ القرن الثامن الهجرى، إذ يذكر الحسن الوزان فى حديثه عن فاس أنهم كانوا يسكنون فى فاس القديمة ونقلهم السلطان المرينى أبو سعيد عثمان الذى تولى الدولة بين سنتى ٨٠١ هـ/١٣٩٨ م و ٨٢٥ هـ/١٤٢١ م إلى مدينة فاس الجديدة التى بناها مؤسس دولة بنى مرين سنة ٦٧٤ هـ/١٢٧٦ م وهم يشغلون فيها-كما يقول-شارعا طويلا جدا وعريضا للغاية حيث تقع دكاكينهم وكنائسهم أو معابدهم، ويذكر أن عددهم تزايد زيادة كبيرة حتى لم يعد من الممكن معرفة عددهم، كما يذكر أن معظم الصاغة منهم. وإذا كان الوزان يلاحظ ازديادهم المفرط فى زمنه لأوائل القرن العاشر الهجرى بعد سقوط غرناطة فلا بد أن أعدادهم فى فاس والمغرب الأقصى تضاعفت بعد طرد فيليب الثالث لهم من إسبانيا فى القرن الحادى عشر الهجرى ونراهم-منذ الدولة المرينية- يحاولون أن يكون لهم شئ من النفوذ عند بعض حكامها، وبلغوا من ذلك أن اتخذ آخر سلاطينها عبد الحق وزيرا منهم يسمى هارون فثارت عليه العامة ومعهم الفقهاء والخطباء، وعادوا فى الدولة السعدية يتصلون بحكامها، ونجحوا فى أن تتخذ منهم سفراء إلى أوربا وبعض من يمثلونها فى الصفقات التجارية الكبرى. ولا بد أن نذكر أن المغاربة لم يلتحموا بهذا العنصر أى التحام، فقد كان عنصرا دخيلا عليهم لغة ودينا ويقول الوزان فى حديثه عنهم بفاس إنهم كانوا محتقرين من كل الناس.
أما النصارى فلم يكونوا يوما عنصرا من عناصر السكان فى المغرب الأقصى إذ كانوا دائما وافدين عليه، وفدوا أيام الدولتين الرومانية والبيزنطية، ويبدو أنه كانت لهم جاليات فى مدينة سبتة وغيرها، يدل على ذلك من بعض الوجوه قول الوزان فى حديثه عن فاس: «نجد بعض أسماء الأعياد التى اعتاد النصارى الاحتفال بها والتى لا يزال الناس يعملون بها اليوم (فى زمنه) ولا يدرى أحد شيئا عن سبب التمسك بهذه الأعياد، ففى كل مدينة مغربية يحتفل ببعض الأعياد والعادات التى خلفها النصارى منذ الزمن الذى كانوا يحكمون فيه إفريقيا، يريد زمن الدولتين الرومانية والبيزنطية. ويدخل المغرب الأقصى فى الإسلام ويجلو عنه نصارى الدولتين إلا قليلا. ونمضى إلى عصر الموحدين فيذكر الحسن الوزان فى حديثه عن مراكش أن
стр. 4905
المنصور الموحدى بنى فى القصبة قصرا للحرس من الرماة النصارى، وكان عددهم عادة خمسمائة، وكانوا يسيرون أمام موكب الخليفة حين ينتقل من مكان إلى مكان. وبعد خروج العرب من الأندلس نقل الإسبان والبرتغاليون الحرب الصليبية إلى سواحل البحر المتوسط والمحيط، وكانوا يظلون فيها-كما أسفلنا-سنوات تطول أو تقصر، ثم يغادرونها قسرا أو جبرا، وقد يستولون منهم على مئات يستخدمونهم عبيدا أو رقيقا ويكلفونهم بمختلف الأعمال من أبنية وتحصينات وغير تحصينات على نحو ما مرّ بنا من صنيع بطل تطوان فى ثلاثة آلاف أسير منهم كان ينهكهم فى أعمل التحصينات. وأخذ كثيرون من المسلمين المنفيين عن الأندلس بعد سقوط غرناطة وقرار فيليب الثالث المار يشتغلون بالقرصنة فى عرض البحر المتوسط وعلى سواحل إسبانيا انتقاما من ملوكها وكانوا يجلبون كثيرا من رقيق النصارى فى قرصنتهم ويستحيلون عبيدا، وكان كثير منهم يسلم، فينتهى رقه ويستحيل مسلما مواطنا.
٢ -
المعيشة
مر بنا فى الحديث عن جغرافية المغرب الأقصى أن أراضيه خصبة، ومن قديم كان أهله يعيشون على الزراعة ورعى الأنعام، وإذا أخذنا نسير فيه من الشمال إلى الغرب على المحيط وبدأنا بمنطقة الهبط وجدناها وافرة الإنتاج من الحبوب ومختلف الثمار من الفواكه وخاصة البرتقال والكرز. وتليها منطقة أزغار، وبها كثير من الحبوب والأقوات، ويزرع بها القطن، وبها كثير من الماشية والخيل والغزلان وأنواع ممتازة من الفواكه. وتجاورها منطقة فاس، ويقول الحسن الوزان بحديثه عنها: فى القسم الجنوبى من المدينة كثير من الحدائق المليئة بأشجار مثمرة متنوعة وممتازة مثل أشجار البرتقال والليمون والأترج والزهور الجميلة من بينها الياسمين والورود والرتم الذى استورده الأندلسيون من أوربا. وتحفل البساتين بقصور جميلة وبرك ماء وحنفيات، وتحاط البرك بالياسمين وبالورود وبأشجار البرتقال، وعند ما يمر الإنسان فى فصل الربيع بجوار هذه الرياض يشم أعطر شذى ينبعث من كل جانب، ولا يكاد يشبع نظر الإنسان من متعة جمالها وملاحتها، وتشبه كل روضة من هذه الرياض جنة أرضية. وكان من عادة الوجهاء الإقامة فيها ابتداء من مطلع شهر نيسان (أبريل) حتى آخر أيلول (سبتمبر). ويقول الوزان عن زروعها فى الشمال والشرق والجنوب: بها مزارع جميلة مليئة بالأشجار المثمرة من كل صنف، وتخترق هذه المزارع بعض تفرعات النهر، ولكثرة الأشجار يخيّل للناظر إليها من بعد أنها غابة حقيقية، وتنتج منها الثمار بوفرة، وثمارها من نوع جيد، ويقدر ما يباع فى اليوم بكل موسم خمسمائة حمل من الثمار فيما عدا العنب الذى لا يدخل فى هذا
стр. 4906
الرقم. وإلى الغرب من فاس أرض واسعة عرضها خمسة عشر ميلا وطولها ثلاثون تكثر فيها العيون والجداول وهى خاصة بالجامع الكبير (جامع القرويين) ويزرع فيها الكتان والبطيخ والقرع والخيار والجزر واللفت والقنبيط وسوى ذلك من الخضر، وتنتج هذه الأرض مقادير كبيرة، وحتى لتقدر كمية إنتاجها بخمسة عشر ألف حمل فى الصيف ومثلها فى الشتاء. وتوجد فى حضيض الجبال أشجار الزيتون والفواكه والأعناب وهى شديدة الحلاوة. ومن مدن منطقة فاس مكناس، ويقول عنها الوزان إنها تقع فى سهل بديع وعلى مسافة ثلاثة أميال منها مزارع أشجار عديدة ثمارها ممتازة ولا سيما السفرجل وثماره فخمة جدا وزكية الرائحة، وكذلك ثمار الرمان التى تبدو عجيبة فى حجمها ونوعها لأنها تخلو تماما من البذور، والخوخ الأبيض والأخضر إنتاجهما غزير جدا، ويجنى العنّاب بمقادير وفيرة، ويوجد الكثير من التين وعنب التكعيبات، وتجنى مقادير كبيرة من المشمش والخوخ ومقادير لا تحصى من الزيتون، والأراضى المحيطة بالمدينة خصبة جدا، وتنتج كمية كبيرة من الكتان. وتنمو ببعض الأنحاء أشجار التوت وينتفع بها لتغذية دود القز. وأراضى منطقة تامسنة صالحة لزراعة كل أنواع الحبوب والبقول، وبها كثير من البساتين. وتنتج الكثير من العنب والكرز والشمام ويزرع بها القطن بمقادير وفيرة، وينمو بها نوع من البلوط ثماره حلوة. ومنطقة دكالة كمنطقة تامسنة خصبة، وتنتج كميات وافرة من القمح والعسل والزيتون وبعض الفواكه مثل التين وبها كثير من الأبقار. وبجوارها منطقة حاحة، وتنتج القمح والذرة البيضاء والشعير، ويكثر فيها التين والدراق، وإنتاج العسل بها وافر جدا، وبها الكثير من المعز وقليل من الضأن والبقر والخيل. وتليها إلى الداخل منطقة مراكش وسط سهل خصب، وكان فى المدينة (عاصمة المرابطين والموحدين) بستان جميل واسع جدا ملئ بكل أنواع الأشجار والزهور، كما يقول الوزان، وكان به حوض ماء مربع من المرمر فى وسطه عمود يحمل أسدا من رخام منحوتا نحتا دقيقا يتدفق من فمه ماء صاف غزير، وفى كل زاوية من زوايا الحوض الأربع فهد من رخام أبيض منقوش ببقع خضراء مستديرة. وبالقرب من البستان كانت توجد حديقة للحيوان تضم العديد من الحيوانات الوحشية كالزرافات والفيلة والأسود والتيوس الجبلية. وكان للأسود خاصة حديقة حيوان منفصلة عن بقية الحيوانات الأخرى. ومنطقة هذه المدينة تكتظ بالكثير من المياه والأنهار والعيون، ولذلك تنتج القمح والحبوب بمقادير وافرة وتكتظ بالبساتين وثمارها كالعنب والتين والتفاح والكمثرى، وبها كثرة من المعز والأنعام، ويزرع بها الكتان والقنب، وينمو فى سفوح الجبال السفرجل وأشجار الزيتون والجوز، وجنوبى حاحة على المحيط منطقة السوس، ويكثر فى أنحائها إنتاج القمح والشعير وقصب السكر كما يكثر النخيل والتمر والتين والعنب، كما تكثر النيلة. والماشية-وخاصة فى بعض الأنحاء-وافرة جدا وبالتالى يكثر فيها الصوف. ونصعد إلى الشمال على البحر المتوسط فى أقصى الشرق إقليم غارت وتكثر فيه
стр. 4907
الكروم والعسل والمعز والأغنام، ولذلك يكثر فيه الصوف، كما تكثر فى بعض الأنحاء-مثل أزغار على المحيط-أشجار التوت وما يتغذى عليها من دود القز. وبجواز منطقة غارت إلى الغرب منطقة الريف على البحر المتوسط وتكثر فيها الفواكه وخاصة البرتقال والعنب والسفرجل والليمون، كما يكثر العسل وأشجار الزيتون. وجنوبى غارت منطقة الحوز وتنتج القمح والشعير والذرة وكميات وافرة من الكروم والدراق والتين والسفرجل المعطر والليمون وأيضا من الكتان والقنب، وتكثر أشجار التوت فى بعض المناطق ويتغذى عليها دود القز، وبها كثير من الماشية وخاصة المعز والخيول والبغال. وجنوبى الحوز منطقة تادلة وتكثر بها بساتين الكروم والتين وأشجار الجوز والزيتون الباسقة، وتتكاثر فيها الأنعام والماشية والأغنام ولذلك إنتاج الصوف فيها وافر جدا وسفوح الجبال جيدة لرعى الماشية وإنتاج الشعير. وشرقى منطقة مراكش منطقة هسكورة وتكثر بها أشجار النخيل والزيتون والجوز والنيلة وبساتين الفاكهة الجيدة: مشمش وغير مشمش وخاصة الكروم وتنتج عنبا أحمر كبير الحجم كبيض الدجاج، ويكثر فيها العسل، ومن عسلها نوع أبيض كاللبن وهو ممتاز ونوع أصفر كالذهب، كما يكثر فيها الزيت وطعمه طيب. ويكثر الغنم والمعز، ويقول الوزان: لبعض أغنيائهم مائة ألف رأس من الغنم والمعز، ويبيعون صوفها ويتركون للرعاة الحليب والجبن. وشرقى السوس منطقة جزولة وتنتج كميات وافرة من الشعير وبها مراع واسعة هيأت لوفرة من الماشية والأنعام والأغنام. وإلى الجنوب الشرقى منها منطقة درعة، وشماليها على نهر زيز سجلماسة، والمنطقتان تهتمان بتربية المعز والأغنام وتنتجان كميات وافرة من التمر لكثرة ما بهما من النخيل، وللتمر فيهما أنواع كثيرة فاخرة، وكانت تنمو بهما الكروم والدراق.
ومن وجوه العيش والكسب فى المغرب الصيد على سواحل البحر المتوسط والمحيط والأنهار، ولا يكاد الوزان يترك مدينة كبرى أو صغرى على البحر المتوسط إلا يذكر أن بها صيادين أو أن أهلها جميعا صيادون، من ذلك ما يذكره عن أهل ميناء بادس من أن صياديها يحرصون على أن يحصلوا على كميات كبيرة من السردين وأسماك أخرى، وعادة يحتاجون لمساعدة بعض الأشخاص لهم فى سحب الشباك، ويتركون لهم وللأشخاص الذين يوجدون هناك قسما طيبا من السمك الذى يصيدونه. ويقول عن أهل مدينة صغيرة تسمى تاغسّة إنهم صيادون وملاّحون. ولا بد أن كان كثير من سكان الريف والهبط يحترفون القرصنة زمن ازدهارها فى المغرب الأقصى بالقرون التاسع والعاشر والحادى عشر، وكانت كثرة القراصنة من الأندلسيين الذين اضطهدهم ملوك الإسبان واضطروهم إلى الخروج من موطنهم فى الأندلس. وضعفت القرصنة بعد ذلك وظل صيد السمك غالبا على منطقة الريف، وكان يزاوله بعض السكان على المحيط، كما كانوا يزاولونه فى بعض الأنهار والبحيرات، وأهم نهر كانوا ينزلون للصيد فيه نهر أم الربيع عند مصبه قرب مدينة آزمور بمنطقة دكالة، وكان يكثر فى مياهه نوع من السمك
стр. 4908
يسمى-كما يقول الوزان-الألوز وكان موسم صيده يبدأ فى تشرين الأول (أكتوبر) وينتهى فى أواخر نيسان (أبريل) ويقول الوزان إنه كان يحوى من الدهن أكثر مما يحوى من اللحم. أما البحيرات فنمثل لها ببحيرة كانت بمنطقة دكّالة أيضا فى حضن الجبل الأخضر، وكانت تحوى كمية كبيرة من الأسماك مثل سمك الحنكليس، وسمك الشبوط وأسماكا أخرى، وكلها ممتازة للغاية، ويقول الوزان إن أحدا لم يكن يصيد بها وإن السلطان محمد بن محمد البرتغالي توقف بجوارها ثمانية أيام وأمر بالصيد فيها. وكما كانوا يجليون صيد البحر كانوا يجلبون صيد البر بواسطة الأشراك، وخاصة فى منطقة درعة حيث كانوا يصيدون الحيوانات الوحشية مثل النعام والوعول ويسمونها اللمت والبقر الوحشى ويسمونه ودّان.
ومنذ القدم يعنى المغرب الأقصى بالصناعات اليدوية كالحدادة والنجارة واستخراج المعادن وتصنيعها وبخاصة الحديد، وتنتشر مناجمه فى مناطق كثيرة، وبخاصة فى منطقة غارت بالشمال، فالوزان يقول إن مليلة كانت تنتج كمية كبيرة من الحديد، وإن فى جميع الجبال المجاورة لجبل مدينة آمجّاو مناجم حديد، ويسكن المشتغلون بشئون هذه المناجم كثيرا من الدساكر والقرى فى المنطقة، ويقول عن جبل بنى سعيد: تستخرج من الأرض كمية كبيرة من الحديد، ولكل رئيس من رؤساء المشتغلين بالمنجم وشئونه بيته بجوار المنجم ومصنعه الذى يصفّى فيه الحديد، وينقل الحديد إلى فاس على شكل سبائك، وما لا يمكن بيعه يستخدم لصناعة أدوات من نوع الفئوس والمناجل والبلطات التى يقطع بها الخشب. وفى منطقة الحوز بجبل بنى يستيتن عدة مناجم حديد على سفحه، ويصنّع الحديد، وتعمل منه سبائك تحذى بها الخيل، ونفس السبائك تستعمل نقودا، ويجنى هؤلاء الجبليون من هذا الحديد دخلا كبيرا لأنهم يبيعون منه كمية كبيرة. ولكثرة الحديد فى المنطقة استطاع سكان جبل بنى يازغة صنع ما يشبه «تلفريك» للعبور من ضفة نهر إلى أخرى، وسنصفه فى موضع آخر. وفى منطقة جزولة عدة مناجم للحديد والنحاس ويصنعون من النحاس أوعية عديدة يحملونها إلى مختلف الأنحاء. ويكثر صناع آنية النحاس بأفران فى منطقة درعة لأنها من السلع التى يحملونها إلى السودان، وفيها عمال مهرة جدا فى الصناعات كصنع الشمعدانات والصحاف والمحابر والأشياء الأخرى، وجميعها تباع كما لو كانت من فضة. ونعود إلى منطقة الحوز ففى بلدة مزدغة تربة صلصالية يصنعون منها عددا لا يحصى من الأوانى الخزفية ويبيعونها فى فاس. وبسهل سهب المرجة الذى يبلغ حوالى ثلاثين ميلا عرضا وأربعين ميلا طولا بين جبال الأطلس المحاطة بغابات ضخمة ينتج الفحامون هناك مائة حمل من الفحم، ونلتقى بمثل هذا الفحم فى مدينة العرائش. وفى قصر المزاليق بسجلماسة منجم للرصاص وآخر للإثمد (الكحل) وتلقانا فى مدن كثيرة صناعة الشمع لكثرة إنتاج العسل فى غير بلدة، ومعاصر الزيت لكثرة أشجار الزيتون فى معظم أنحاء البلاد، وبالمثل دباغة الجلود، وتوجد أشجار النيلة فى أماكن مختلفة
стр. 4909
وخاصة السوس وهسكورة، وكان يصنع الصابون فى بلدان متعددة وخاصة فى منطقة الريف، وفى أماكن مختلفة وخاصة فى منطقة الهبط خشب البقص فى جبل بنى واغرافت وتصنع منه الأمشاط فى فاس وسلا. وفى بعض المناطق تكثر أشجار التوت لتغذية دود القز، كما فى مكناس وأزغار بمنطقة الحوز، ويجمع منه الحرير. وفى منطقة الريف يشيع تمليح السردين إعدادا لبيعه، كما يشيع فيها وفى المغرب قطع الأشجار الضخمة وإعدادها للتصدير أعمدة وألواحا، وبجانب ذلك يشيع صنع القوارب والطّرادات فى هذه المنطقة ومنطقتى الهبط وأزغار وكان لهما فى ميناء بادس دار صناعة. وفى كل مدينة نجد الإسكافيين أو الحذائين والدباغين والسراجين.
وفى مدن كثيرة تنسج الملابس، ينسجها عادة النساء، وحيث تكثر زراعة القطن تكثر الأقمشة القطنية كما فى أزغار وتامسنة وسلا، وحيث تكثر الأغنام والمعز يكثر الصوف كما فى منطقة السوس، وتشتهر بنسيج نوع ناعم من الصوف كالجوخ وبالأقمشة الصوفية. وأيضا حيث تكثر زراعة الكتان تكثر الأقمشة الكتانية كما فى السوس أيضا، وبالمثل تجنى منطقة الحوز من الكتان كمية كبيرة، ولذلك يحيك السكان-وخاصة فى جبل مغسّة الأقمشة الكتانية، ويحصلون من أغنامهم فى جبل بنى يازغة على صوف شديد النعومة تصنع منه نساؤهم أقمشة كالحرير، وبمدينتى تفزة وأفزة من منطقة تادلة أغنام مماثلة، ونساؤهما ماهرات- كما يقول الوزان-فى شغل الصوف، ويصنعن منه برانس وخمارات جميلة جدا، وبذلك يربحن من المال أكثر من رجالهن إلى حد ما. وبالمثل بمنطقة هسكورة كمية كبيرة من الأغنام وتصنع من صوفها أقمشة جميلة جدا. ولكى نتصور مدى نشاط صناعة النسيج فى المغرب الأقصى أسوق ما ذكره الحسن الوزان عنها فى فاس، فقد ذكر أن بها مائة وعشرين مؤسسة للنساجين وهذه المؤسسات أو المصانع أبنية كبيرة كل منها مؤلف من عدة أدوار مع قاعات فسيحة كقاعات القصور، وتحوى كل قاعة عددا كبيرا من عمال نسج الكتان والقنّب. وتلك هى الصناعة الرئيسية فى فاس ويقال إنها تكفل العمل لعشرين ألف عامل. . ومن جهة أخرى كان يوجد مائة وخمسون مصنعا لقصّارى (مبيّضى) الخيوط، ويقوم معظمها قرب النهر لبلّ الخيوط ودقّها. وتتجهز هذه المصانع بالكثير من المراجل والخوابى المبنية لغلى الخيوط ولحاجات مهنية أخرى. والقنب هو الذى يتخذ منه الجبال. ولا بد أن كانت هناك مصانع أخرى لنسج الأقمشة القطنية والصوفية والحريرية إلا إذا كانت تضمنتها المصانع السابقة.
ومنذ القرن الثانى الهجرى تبنى فى المغرب الأقصى المنشآت العمرانية التى لا تقتصر على بناء مفرد، أو أبنية محدودة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء مدن بمساجدها وقصورها وحماماتها وفنادقها ومارستاناتها وأسواقها، فقد بنى إدريس الثانى مدينة فاس أو بعبارة أدق ابتدأ بناءها
стр. 4910
سنة ١٩٢ وجعلها عدوتين أو شطرين: شطرا على الحافة الشرقية للنهر وشطرا إلى الغرب منه، ويفيض الحسن الوزان فى وصف جمال بيوتها وزينة حجارتها بالفسيفساء وطلاء سقوفها بطلاء لازوردى وذهبى وما فى الطوابق من شرفات كثيرة الزخرف، ويسترسل فى الحديث عن دهاليزها وما بها من أعمدة رخام ودعائم مقوسة وسقوف مزينة بنقوش متنوعة الألوان، ويتحدث عن مساجدها التى تبلغ ٦٠٠ مسجد وجامعها الكبير المسمى جامع القرويين وكان يوقد فيه كل ليلة ستمائة مصباح، وكانت تلقى فيه الدروس على الطلاب، وبذلك تحول- مثل الأزهر-إلى جامعة ضخمة. ويبسط القول فى المدارس والمعاهد والمارستانات والحمامات والفنادق بفاس وسوقها الضخم وصناعه ودكاكينه، ويطوف بنا فى أرجاء فاس القديمة وأختها الجديدة التى بناها بجوارها أول السلاطين المرينيين يعقوب بن عبد الحق، وكيف استدار من حول المدينتين سور جعلهما مدينة واحدة. وقد بنى ابن هذا السلطان مدينة البصرة على مسافة ٨٠ ميلا من فاس إلى الشمال الغربى وعلى مسافة ١٥ ميلا جنوبى مدينة القصر الكبير فى منطقة أزغار وكان الأدارسة-فى أثناء حكمهم-يتخذونها مقرهم الصيفى. ونمضى إلى زمن المرابطين فيؤسس يوسف بن تاشفين أمير المسلمين مدينة مراكش الكبرى وهى مثل فاس تعد من المدن الرئيسية فى العالم، شيّدها يوسف وفق مخططات وضعها مهندسون مهرة، وكان لها أربعة وعشرون بابا وجدار سور غاية فى الجمال والمناعة كما يقول الوزان. ويصف جامعها الكبير وتزيين يعقوب المنصور الموحدى له بأعمدة جلبها من إسبانيا، ويطيل فى وصف منارته التى شيدها له يعقوب، وقد باعت زوجته حليّها الذهبية الخاصة والفضية وما تملك من أحجار كريمة وما قدمه لها يعقوب عند زواجه منها لصنع ثلاث تفاحات ذهبية توضع فوق قمة المنارة زينة لها، ويطيل الوزان فى وصف قصبة مراكش. ويذكر أن الخليفة يعقوب المنصور بنى فيها اثنا عشر قصرا متقنة البنيان والزخرفة لحرسه وحاشيته ولحفظ السلاح ولأبنائه ولتعليمهم، وكان بجانب هذه القصور-كما مر بنا-بستان وحديقة حيوان. وبنى يعقوب المنصور أيضا ثلاثة مدن، هى القصر الكبير والقصر الصغير فى منطقة أزغار ومدينة الرباط العاصمة الحالية للمغرب الأقصى. وبناء هذه المدن وما دخل عليها من إضافات كان يستلزم آلافا من العمال والمهندسين والبناءين والحدادين والنجارين والزواقين المزينين للمبانى بالفسيفساء وبأعمدة الرخام والدعائم المقوسة والخشب المزخرف بالنقوش والأصباغ والألوان البديعة.
وهذه الأعمال المعمارية الضخمة وما استلزمت من صناعات وصناع وما سبقها مما اقتبسته عن الحسن الوزان من الصناعات اليدوية التى كانت منبثة فى أرجاء المغرب الأقصى والصيد والإنتاج الزراعى المتنوع الوافر، كل ذلك أعدّ لتجارة نشيطة واسعة منذ القدم، فقد كان الفينيقيون يتبادلون سلعهم مع المغرب الأقصى فى المدن التى أنشئوها على سواحله الشمالية والغربية، وخلفهم الرومان يصنعون نفس الصنيع، وربما عبرت قوافل تجارهما إلى السودان.
стр. 4911
واستمر المغرب الأقصى يتبادل سلعه مع شعوب البحر المتوسط فى العصور الإسلامية، وكانت سفن البنادقة والجنويين ماتنى ذاهبة إلى موانى البحر المتوسط آئبة منه محملة بحبوب المغرب الأقصى وبالجلود وبالشمع وبخيوط الصوف، كما كانت تحمل كثيرا من الأخشاب المعدة للتصدير بين أعمدة وألواح. وكثيرا ما كانت سفن البنادقة والجنويين تعبر الزقاق إلى موانى المغرب الأقصى على المحيط لتتبادل مع أهلها السلع، وكان الجنويون والبنادقة جميعا يأتون بأقمشة ومنتوجات أوربية مختلفة ويأخذون بدلها عن طريق المقايضة سلع المغرب الأقصى من القمح والشمع والجلود والصوف وغير ذلك. ويقول الحسن الوزان عن مدينة سلا على المحيط «إن الكثير من التجار الجنويين يقصدونها ويعقدون فيها. صفقات مهمة ولهؤلاء التجار مستودعاتهم فى كل من فاس وسلا، وكانوا يبقون مع هذه المستودعات بعض أصحابها أو بعض مندوبى شركاتها لجمع ما يريدون من المحاصيل، ويذكر الوزان أن جنويا ثريا من تجار جنوة مكث مع أسرته فى فاس ثلاثين سنة حتى توفى. ولا بد أن كان للجنويين والبنادقة مستودعات مماثلة فى موانى المحيط والبحر المتوسط، وقد انضم إليهم بعد خروج العرب من الأندلس البرتغاليون والإنجليز والفلمنك وخاصة فى الموانى التى احتلها الأولون. وثلاث مناطق كانت تتجر مع السودان، هى السوس وكانت تحمل إلى أهله الأقمشة الصوفية والكتانية والسكر الذى كانت تنتجه، ودرعة وكانت تحمل إليهم أوانى النحاس من أفران والتمور وبعض الأقمشة، وسجلماسة وكانت تحمل إليهم التمور والأقمشة المختلفة والزيت والمفاتيح والأقفال وتعود قوافلها محملة بالتبر والعاج وريش النعام والرقيق. وكان تلك التجارة مع السودان تعود على تجار هذه المناطق الثلاث، بثراء طائل. وكان إنتاج المناطق يختلف من منطقة إلى أخرى، فتمور سجلماسة مثلا تقايض بالقمح وأوانى النحاس وفى منطقة جزولة تقايض أوعية النحاس بالأقمشة والتوابل والخيول، وبالمثل جلود التيران والشمع بجبل بنى زكار، وكان لكل بلد سوق، ونسوق أسماء الدكاكين فى سوق فاس. . لنتعرف من خلالها على ألوان التجارات، وهى تتوالى عند الوزان على هذا النمط: ثلاثون دكانا للمكتبات، مائة وخمسون لباعة الأحذية ثم باعة الأوانى النحاسية، خمسون دكانا لباعة الفواكه، وبعدهم باعة الشمع وباعة الخيطان، وعشرون دكانا لباعة الزهور، وباعة الحليب، وثلاثون دكانا لباعة القطن، فدكاكين الأشياء المصنوعة من القنّب: الحبال والخيوط وأرسان الخيل فصناع النطاقات الجلدية المطرزة بالحرير، فصناع أغمدة السيوف والسكاكين فباعة الأوانى الخزفية ذات الألوان الجميلة ولها مائة دكان فباعة الملح فباعة اللجامات والأعنّة والسروج ولهم ثمانون دكانا فحظيرة يباع فيها الجزر واللفت فباعة الفول الأخضر، فدكاكين لبيع اللحم المفروم، فسوق العشابين للقنّبيط وأنواع الخضر الأخرى وبه أربعون دكانا، فباعة الزلابية، فباعة اللحم المقلى والسمك المقلى، فباعة الزيت والسمن والعسل والجبن والزيتون، فالأطعمة المحفوظة، فأربعون دكانا للجزارين وتذبح
стр. 4912
الحيوانات فى مسلخ خاص ويفحصها المحتسب ويصنع لسعرها نشرة يباع اللحم بموجبها. وبعد الجزارين سوق الأقمشة الصوفية الغليظة ولها مائة دكان، فشاحذو الأسلحة من سيوف وخناجر. فصياد والأسماك من نهر فاس ونهر سبو القريب منها، وهى ممتازة، فصناع أقفاص الدجاج ولا تترك طليقة بل تحبس فى أقفاص حرصا على النظافة، فباعة الصابون فباعة الدقيق فباعة القش فباعة خيوط الكتان، ولصناعة الدلاء الجلدية أربعة عشر دكانا، فصناع التروس والمجنّات، فصناع سروج الخيل واللجامات، فالحدادون الذين يعدون كسوة الخيل فصناع السروج. وبجانب هذه السوق سوق أخرى للتجار فى مدينة صغيرة بها اثنا عشر بابا وهى خمسة عشر حيّا، حيّان للإسكافيين أو الحذائين، وحيان لتجار الأقمشة الحريرية وحىّ لباعة النطاقات النسائية، وحيان لباعة الأقمشة الصوفية، وثلاثة أحياء للخياطين وحيان لباعة الأقمشة الكتانية والأقمشة النسائية، وحى لما يوضع على حواشى البرانس وأزرارها المضفورة من زخرفة وزينة. وإلى الشمال سوق العطارين والصيادلة وبه نحو مائة وخمسين دكانا، ودكاكين العطارين غاية فى الزينة، ويقول الحسن الوزان: لا أعتقد أن فى العالم كله سوق عطارين تماثل هذه السوق. وإلى جانبها دكاكين باعة الإبر ولهم خمسون دكانا ثم دكاكين الطحّانين والصبّانين فباعة الأقمشة القطنية، فباعة الطيور الصالحة للأكل والعصافير المغرّدة فباعة القباقيب التى تلبس حين تكون الطرق موحلة، فصناع السهام، فخمسون دكانا لباعة المكانس، فباعة صوف الخراف، فصناع القفاف وقيود الخيل، فصناع النحاس ودكاكينهم، فباعة المكاييل وآلات الحلج والبرادة، وباعة المحاريث والدواليب وعرائش العربات، فسوق الصباغين. وهذا كله لخصته من وصف الحسن الوزان لسوق فاس بكتابه وصف إفريقيا لأدل على ما كان بالمغرب الأقصى من سلع لا تكاد تحصى وفرّتها له أرضه الطيبة، مما أتاح له فى التجارة من قديم نشاطا تجاريا واسعا داخليا وخارجيّا.
٣ -
الثراء-الرّفة-الموسيقى-المرأة
(أ) الثراء
كان المغرب الأقصى كثير الخيرات والطيبات من الرزق، فكثر فيه الأثرياء من الأفراد والأقاليم، وأما الأفراد فنستطيع أن نمثل لهم بمثالين ذكرهما الحسن الوزان، أولهما وجيه رآه فى مدينة تاكوليت بإقليم حاحة كانت منزلته كمنزلة رئيس وزارة، وكان يملك موارد ضخمة، وكان ينفقها على الناس ليكسب ودهم ويظل أثيرا لديهم، وكان كريما ينفق الكثير-كما يقول الوزان-من الصدقات، ويساعد أهل بلدته بماله لقضاء حاجاتهم، ولم يكن فى بلدته إنسان
стр. 4913
واحد لا يحبه ولا ينزله منزلة والده. والثانى فى مدينة تاغوداست بمنطقة هسكورة وكان بها عدد من الشخصيات النبيلة، ربما كان أنبلهم أميرها، وهو-كما يقول الوزان-وجيه أعمى سخى سخاء كبيرا، وكان لديه أكثر من مائة ألف رأس من الغنم والمعز، يستمد منها دخلا كبيرا من شعرها وصوفها، ويترك للرعاة الحليب والجبن، ويقدمون له قدرا من السمن.
وبجوار ثراء الأفراد كانت هناك مدن وأقاليم أو مناطق ثرية ثراء طائلا، أما المدن فنستطيع أن نميز بينها مدن الموانى، إذ كان تجارها يثرون من تجاراتهم وحتى المدن التى كانت تقترب منها أو تجاورها كان ينالها نصيب من هذا الثراء مثل مدينة تاكوليت المذكورة آنفا فقد كانت تجاور ميناء آفور بمصب نهر التانسفت بقرب المحيط فعاد ذلك على أهلها بثراء كبير. وقد لا تكون للبلدة ميناء ولكن أهلها يزاولون التجارة مثل هادكيس جنوبى تاكوليت بنحو ثمانية أميال، فإن أهلها كانوا تجارا ولذلك كانوا على غير قليل من الثراء، ويقول الوزان كان لديهم خيول حسان وكانوا يتأتقون كل التأنق فى ملابسهم. وما بالك بكبار التجار وأصحاب المصانع الضخمة فى فاس عروس المغرب الأقصى وعاصمة الأدارسة والمرينيين، وبدون ريب كان الأغنياء الموسرون فيها يعدون بالعشرات، وذكر الوزان أنه كان بها مارستان جميل فى الداخل والخارج، وكان بها بعض غرف مخصصة للمجانين المخبولين، وكان بها مائة حمام جيدة البنيان، وللنساء حماماتهن الخاصة، أما الحمامات المشتركة فتخصص فيها ساعات للرجال وساعات للنساء، وحينما يغسل خدم الحمام شخصا يستلقى على ظهره أو بطنه ويقومون بتدليكه بنوع من المراهم منشطة وأحيانا بأدوات مثل كيس صوفى ينزع الأدران. وكان بفاس مائتا فندق يقول الوزان إنها كانت فخمة للغاية ويتألف الفندق من ثلاثة طوابق، وبعضها فسيح جدا إذ يحوى مائة وعشرين غرفة أو أكثر، وتتجهز جميعا ببرك ماء وكل ما يلزمها، ويقول الوزان إنه لم ير فى إيطاليا أبنية تماثلها إلا فى قصر الكردينال فى دير الحضر بروما، ويقول إن أبواب الغرف كلها تطلّ على ممشى، ويشيد بالقصور التى بناها يعقوب بن عبد الحق مؤسس الدولة المرينية، وليست قصورا بل مدينة أضافها إلى فاس كما مرّ بنا فى حديثنا عن المرينيين فى الفصل الماضى، وقد أنفق سلطانها المرينى أبو عنان على إنشاء معهد-كما يذكر الوزان-أربعمائة وثمانين ألف دينار، مما يدل على ثراء واسع كانت تتمتع به الدولة المرينية. ومثل فاس مدينة مراكش عاصمة المرابطين والموحدين والدولة السعدية، ويتحدث الوزان عن جامعها، ومازينه به المنصور الموحدى صاحب موقعة الأرك من أعمدة جلبها من إسبانيا ومن منارة كانت إحدى عجائب الدنيا وبنى بالقصبة اثنى عشر قصرا، ويقول إن إمبراطوريته من ماسة فى السوس إلى طرابلس يحتاج اختراقها طولا إلى تسعين يوما وعرضا إلى خمسة عشر يوما، ولم تكن الدولة فى عهد المنصور السعدى تقل إثراء عنها فى عهد المنصور الموحدى فقد توسع فى فتح بلاد السودان الغربى وكان الذهب يجبى إليه منها بالأحمال، مما جعل العمال
стр. 4914
فى دار سكنه يتزايدون، حتى قيل إنه كان فيها ١٤٠٠ عامل بيد كل عامل مطرقة لضرب الدنانير الذهبية، ولذلك لقّب بالمنصور الذهبى.
ويتوقف الوزان مرارا ليحدثنا عن ثراء المناطق فى المغرب الأقصى، من ذلك ما يقوله عن منطقة بولوان فى منطقة دكّالة من أنه كان يسكنها عديد من النبلاء الكرام. وقد بنوا عمارة فيها غرف عديدة على نفقتهم لتكون دار ضيافة فاخرة، وأرضهم خصبة وتنتج مقادير وافرة من القمح وعندهم ماشية لا عداد لها، إذ لدى كل فرد منهم نحو مائة زوج من الأبقار ويحصد الفرد العادى مائة حمل من القمح ومنهم من يحصد منه ثلاثة آلاف حمل. ومثل منطقة دكالة فى ثرائها منطقة هسكورة بأغنامها وما يصنع منها من الأقمشة الصوفية الجميلة ومن الجلود المغربية وبها كثرة من محصول الزيت وتعنى بصناعة سروج الخيل. ويشمل الثراء كثيرا من نواحى منطقة تادلة، وتشتهر مدينتا تفزة وأفزة بصنع البرانس وهى نوع من العباءات أو الثياب تنسج قطعة واحدة مع قلنسوتها ويسلك فى العنق ويترك من أمام مفتوحا، ولا يخاط منه إلا ما يقابل الصدر. ومنطقة فاس غنية جدا لوفرة حبوبها وثمارها وماشيتها. وبالمثل منطقة مكناس لثمارها العجيبة من سفرجل زكىّ الرائحة ورمان يخلو من البذور وعنّاب بديع مع وجود مختلف الثمار من الخوخ والمشمش والعنب والتين، ومنطقة الهبط غنية لكثرة موانيها التجارية، ولكثرة ما تنتجه كورها من الحبوب والثمار. وتتميز ثلاث مناطق هى: السوس وسجلماسة ودرعة بتجاراتها الواسعة مع السودان الغربى، وتجار السوس يحملون إليه ما ينتجون من السكر والتمور وما يصنعون من الجوخ وأقمشة الكتان، ويحمل تجار سجلماسة تمورهم والأقمشة القطنية والصوفية والمنتجات المغربية، ويحمل إليهم تجار درعة تمورهم الفاخرة والمنتجات المغربية وما يصنعون من أوانى النحاس، ويعودون جميعا محملين بالعاج والذهب وريش النعام والرقيق، ويدرّ ذلك على تجار هذه المناطق ثراء واسعا.
(ب) الرّفة
هذا الثراء الطائل لبعض مدن المغرب الأقصى ومناطقها ودولها وبعض أفرادها من التجار وغير التجار يجرّ بطبيعته إلى غير قليل من الرفه. ومن يرجع إلى الحسن الوزان فى حديثه عن ملابس سكان فاس ويريد أعيانها ونبلاءها يجده يقول إنهم أناس محترمون يلبسون فى الشتاء ثيابا من جوخ أوربية المنشأ، ويتألف ما يلبسون من سترة (جاكيت) ضيقة ملتصقة بالجسم لها نصف أكمام، تمرّر من فوق القميص، ويلبسون فوق تلك السترة ثوبا عريضا مخاطا من الأمام (لعله المعروف عند المغاربة بالقشابية، وهى ثوب له أكمام يسلك فى العنق ويخاط من أمام ولا يترك منه إلا فتحة العنق) ويصنعون فوق هذا الثوب البرنس الذى وصفناه منذ قليل، وقلنا إنه ينسج قطعة واحدة مع قلنسوته ولا تغطى الأذنين، ويلفون فوق تلك القلنسوة عمامة
стр. 4915
من قماش تطوى مرتين حول الرأس وتمر من تحت اللحية، ويلبسون سروالا من كتان، ويضعون فى أقدامهم خفّا عند ما يمتطون جيادهم شتاء. ويقول الوزان إن عامة الشعب يلبسون سترة وبرنسا بدون الثوب (القشابية) الذى تكلمنا عنه. وربما كان أدق من ذلك ما ذكره فى بلدان مغربية أخرى من أن أهلها يلبسون كساء من صوف غير مخيط يشتمل به الرجال والنساء على نحو ما نرى عند قدماء المصريين. يقول الوزان: «وللنساء هندام حسن جدا، ويلبسن فى الشتاء ثيابا عريضة الأكمام مخيطة من الأمام كأثواب الرجال، ويلبسن فى الصيف قميصا يطوّقنه بزنار، وعند ما يخرجن من بيوتهن يلبسن سراويل طويلة تغطى كل أرجلهن وخمارا يغطى الرأس وسائر الجسم، ويتغطّى الوجه بقطعة قماش كتانى، ويضعن فى آذانهن حلقات ذهبية كبيرة مرصّعة بحجارة كريمة بديعة جدا، ويضعن أساور ذهبية فى معاصمهن. أما النساء من غير الشريفات فيلبسن أساور من فضة ويضعن مثلها فى أرجلهن. ودائما يشير الوزان فى البلدان المختلفة بأن المرأة كانت تتزين بحلى فضية، وكأنها كانت هى الحلى الشعبية الشائعة، ومرّ بنا فى الحديث عن سوق فاس ما كان به من دكاكين كثيرة لبيع الأقمشة الصوفية والكتانية والحريرية النسائية وما كان هناك من دكاكين لبيع النطاقات النسائية وكل فنون الزخرف من الزينة لملابسهن وكل أنواع العطارة والروائح الفائحة.
ويتحدث الحسن الوزان عن الغذاء فيقول إن عامة الشعب تتناول اللحم مرتين فى الأسبوع أما الأعيان والأغنياء فيتناولونه مرتين فى اليوم حسب شهيتهم. ولهم ثلاث وجبات يومية: وجبة الصباح وتتكون من خبز وحساء من دقيق القمح وبعض الفواكه، ووجبة الظهيرة وتتألف من خبز وجبن وزيتون وسلطة، ووجبة المساء وتتألف من بعض الأطعمة ومن اللحم المسلوق، والكسكسى وهم يواظبون عليه فى العشاء، وقد يأكلونه فى الغداء، وهو عجينة تحول إلى حبيبات، وتطبخ بالبخار وعند نضجها تسقى بالسمن وبمواد مغلية مع اللحم.
وكان لا بد للمرفهين فى المغرب الأقصى من لعب يقطعون بها أوقاتهم، وقد اختاروا لعبتى الشطرنج والنرد يتسلّون بهما، ومعروف أن لعبة الشطرنج تمثل صورة الحرب، فهى حرب بين جبهتين وفى كل جبهة ملك ووزير وبعض القواد وبياذق أو عسكر وطبية للدفاع عنها، وتحاول كل جبهة التغلب على مقابلتها، ويكتب النصر لإحداهما كما فى الحرب تماما. أما النرد فتدل خطوطه الأربعة والعشرون على عدد ساعات اليوم ونصف الخطوط تدل على عدد شهور السنة، وحجارته السود والبيض هى الليالى والأيام، وتدل قطعتا الزهر على حظوظ الناس فى دنياهم. وأنشأ ملوك فاس وسلاطينها لأهلها مسرحا لصراع الأسود، وكان يصيدهم للسلطان قنّاصو جبل زرهون. وكان المسرح ساحة واسعة يصطف حولها أهل فاس للفرجة، وكانت تصفّ فى الساحة عدة صناديق كبيرة يتسع داخل كل منها لرجل يقف فيه ويتحرك بسهولة، ولكل صندوق باب صغير ويجلس فيه رجل مسلح، وعندئذ يطلق الأسد-كما يقول الوزان-
стр. 4916
حرّا فى الساحة، ويقوم أحد الرجال بفتح صندوقه وينطلق إليه الأسد حين يراه، حتى إذا دنا منه أغلق الباب، وكل رجل يصنع نفس الصنيع مثله، حتى يغضب الأسد بل حتى يمتلئ غضبا ويشتد به غضبه وثورته، وحينئذ يدخل ثور إلى الساحة، وتنشب بينه وبين الأسد معركة دامية شديدة العنف، والجمهور يهرّج ويصفق، وإذا قتل الثور الأسد انتهى المشهد المسرحى عند ذلك، وإذا قتل الأسد الثور يخرج إليه الرجال المسلحون من صناديقهم لمبارزته، وهم عادة اثنا عشر رجلا، ومع كل رجل حربة تنتهى بنصل من حديد طوله ذراع ونصف، وإذا بدا تفوّقهم على الأسد واضحا نقص السلطان عددهم، وإذا بدا أن الأسد يتفوق على الرجال عمد السلطان ومن معه إلى تسديد سهام إليه من أعلى شرفاتهم خشية أن يفتك بأحد المصارعين، فيموت. وبذلك تنتهى اللعبة بين تصفيق الجماهير وما يتصل به من هرج ومرج، ويمنح السلطان جائزة لكل مصارع: عشرة دنانير وكسوة جديدة.
(ج) الموسيقى (١)
أول زمن للنهضة الموسيقية فى المغرب الأقصى كان زمن الدولة السعدية، إذ لا نلتقى بأخبار عن الموسيقى وأصحابها قبل هذا الزمن فى القرن العاشر الهجرى المقابل للسادس عشر الميلادى، ومن المعروف أنه كان بالأندلس نهضة موسيقية مبكرة، غير أنها ظلت بعيدة عن المغرب الأقصى وظل لا يعرف عنها شيئا إلا حين نزل بعض أهله هناك واستمعوا إليها، وكأنما انتظر المغرب الأقصى حتى اكتسحه الأندلسيون وهاجروا إليه هجرتهم الكبرى بعد سقوط غرناطة بأخرة من القرن التاسع الهجرى واتسعت هذه الهجرة-كما مر بنا-فى عهد فيليب الثالث لأوائل القرن الحادى عشر الهجرى، على أن النهضة الموسيقية أخذت تزدهر منذ عهد السلطان عبد الله الوطاسى المرينى الملقب بالغالب (٩٦٤ - ٩٨١ هـ/١٥٥٧ - ١٥٧٤ م) إذ نجد الموسيقيين المغاربة يحافظون على إيقاعات الموسيقى الأندلسية بكل نوبها أو قطعها الموسيقية الكبيرة العشر، وهى رمل الماية-الماية-رصد الذيل-الأصبهان-الرصد-غريبة الحسين-الحجاز الكبير-الحجاز الشرقى-عراق العجم-العشاق. ويتألق حينئذ اسم موسيقار كبير هو الحاج على البطلة من أهل فاس وحاشية السلطان عبد الله الوطاسى، ويقال إنه أضاف إلى النوبات الكبيرة النوبة الحادية عشرة المسماة بالاستهلال، وبذلك أصبحت إحدى عشرة، وتبدأ النوبة بمقدمة موسيقية للجوقة يليها افتتاح على إحدى الآلات لرئيس الجوقة ثم توشية موسيقية للجوقة، ثم تبدأ أنغام ميازين النوبة، ولكل نوبة خمسة ميازين أو أقسام، وهى
стр. 4917
البسيط والقائم والبطائحى والقدام والدرج. وتتخلل هذه الميازين بعض الإنشادات ينشدها موسيقار منفرد، وخاصة فى الموسيقى المصاحبة لقصائد المولد النبوى وهى فيها تكون من رقيق أشعار المتصوفة مثل الششترى، وفى غيرها تشيد بإيقاعات الميزان المسماة بالطبوع وأحيانا تكون غزلا. والغرض من هذه الإنشادات الترويح عن المستمعين. والطبوع مفردها طبع وتقابل فى الموسيقى الأندلسية المغربية كلمة مقام المعروفة فى موسيقى المشرق العربى، ومنها مفرد وهو العشاق واحسين واحصار والزوركند والأصبهان والمزموم والرمل والرصد والعجم والمجنب، ومنها ممزوج، وهو عراق العرب وعراق العجم والحجاز المشرقى والصيكة أو سلم الرست.
وحاول الموسيقيون المغاربة منذ عهد الوطاسيين المرينيين تكملة النوب كما رأينا عند الموسيقار الحاج على البطلة بإضافته نوبة؟ ؟ ؟ الاستهلال المغربية الجديدة. ومنذ زمنه أضاف المغاربة إلى الميازين-وكانت أربعة-ميرانا جديدا هو الدرج نشأ عن الغناء الشعبى المردد فى حلقات الذكر بالزوايا. وأضافوا إلى ذلك بعض الآلات الموسيقية، من ذلك الآلات النحاسية فى بعض الجوق العسكرية بالموكب السلطانى. واستمرت الآلات الوترية وفى مقدمتها العود والقانون، والآلات النقرية وفى مقدمتها الدف والرق وأضيفت إليهما الدربوكة المغربية، وآلات النفح وفى مقدمتها الناى والمزامير. والفضل الأول فى تسجيل هذه الموسيقى الأندلسية المغربية يرجع إلى محمد بن الحسين الحائك الذى أثارته الحمية لما يخشى على تلك الموسيقى من الضياع لألحانها وأنغامها فانبرى سنة ١٢١٤ هـ/١٨٠٠ م لتأليفه فيها «كناش الحائك» مسجلا فيه نوبات تلك الموسيقى البالغة بنوبة الحاج على البطلة إحدى عشرة نوبة والميازين الخمسة التى تتألف منها أجزاء النوبة، وطبوع هذه الميازين أو مقاماتها النغمية، ويذكر مع كل طبع أو مقام شواهد من عدة موشحات أندلسية ومغربية، وبذلك حافظت هذه الموسيقى على تلك الموشحات أو بعبارة أدق حافظ عليها الحائك، وبذلك كان عمله فى كناشه مزدوجا فقد رسم فيه النظام الدقيق للموسيقى الأندلسية المغربية وحماه من الضياع كما أثبت فيه طائفة كبيرة من نصوص غنائية للموشحات الأندلسية والمغربية.
(د) المرأة (١)
كانت المرأة المغربية تحظى بشعور كريم بكرامتها، كما كانت تحظى بغير قليل من الحرية، وهى حرية قلما حظيت بها أختها فى المشرق، وكان لذلك أثره فى الحياة السياسية والثقافية، ومن أوائل ما يلقانا من ذلك ما ذكرناه عن أم البنين الفهرية التونسية وتبرعها العظيم لبناء جامع
стр. 4918
القرويين بفاس الذى سرعان ما تحول إلى جامعة كبرى بفاس إلى اليوم. وكانت زوجة يوسف بن تاشفين سيدة حصيفة وكانت تدبر معه دفّة السياسة والحكم، وكان رأيها دائما صائبا وانتفع بها فى حياتها فى تثبيت حكمه وملكه. وكانت لا تقل عنها حصافة وشعورا بالعزة زينب بنت إبراهيم بن تافلويت زوجة تميم بن يوسف بن تاشفين حاكم غرناطة والأندلس، وكانت تجيز الشعراء، ولابن خفاجة الشاعر الأندلسى فيها قصيدة طنانة، ولها أعمال برّ كثيرة. وعلى شاكلتهما تميمة بنت سيد المرابطين يوسف بن تاشفين كانت من أهل الخير والصدقات. ومن فضلياتهن حواء بنت أخى يوسف بن تاشفين، زوجة سير بن أبى بكر الذى ظل واليا على إشبيلية سبعا وعشرين سنة حتى سنة ٥٠٧ وكانت تقيم فى قصرها ندوة أسبوعية تحاضر فيها شعراء إشبيلية وتنقد بعض أشعارهم، وتسبغ عليهم جوائز وعطايا كثيرة، وللأعمى التطيلى فى مدحها قصيدة بديعة مذكورة بترجمته فى كتابنا عن الأندلس. ومن السيدات الفضليات فى عهد الموحدين زينب بنت يوسف بن عبد المؤمن سلطان الموحدين زوجة ابن عمها أبى زيد بن أبى حفص تتلمذت فى علم الكلام لأبى عبد الله بن إبراهيم الأصولى وكانت عالمة نابهة الشأن. ومنهن من سيدات الشعب خيرونة الأشعرية ولها فضل فى نشر المذهب الأشعرى بين نساء مراكش، ومنهن فى علم الحديث مريم بنت أبى الحسن صاحب المدرسة بسبتة، ومن المتصوفات-وهن كثيرات-منية بنت ميمون الدكالية، ومن الأدبيات من بيت الحكام الموحدين رميلة، ومن سيدات الشعب أمة العزيز بنت أبى محمد بن الحسن السبنية وحفصة بنت القاضى أبى حفص بن عمر وأم النساء بنت التاجر الفاسى وكانت أديبة شاعرة. ومن السيدات الفضليات النابغات زمن المرينيين فى العلوم الدينية الفقيهة أم هاني بنت محمد العبدوسى والفقيهة أم البنين جدة الشيخ زروق ورحمة بنت الجنّان والدة الشيخ ابن غازى وغيرهن كثيرات فى الفقه والحديث النبوى، ومن الأدبيات أم الحسن بنت أحمد الطنجالى وصفية العزفية من بيت العزفيين وصبح زوجة أحمد بن شعيب الجزنائى، واشتهرت فى الطب عائشة بنت الجيار السبتية. وبذلك لم يعد الطب خاصا بنساء بنى زهر كما كان الشأن فى عصر الموحدين، فقد انتقلت معرفته والحذق فيه إلى النساء المغربيات فى العصر المرينى. ويذكر الوزان الذى زار منطقة درعة فى عصر الوطاسيين المرينيين نحو سنة ٩٢٠ هـ/١٥١٤ م أن نساءها يتعلمن ويقمن بدور معلمات المدارس للفتيات والفتيان. وحرى بنا أن نذكر فى عهد الوطاسيين السيدة عائشة بنت على ابن راشد مختطّ مدينة شفشاون لتحصين ناحيتها من نصارى سبتة، وقد تزوجت حاكم مدينة تطوان وتوفّى فحكمت تطوان بعده وضبطتها خير ضبط وتصدّت لنصارى سبتة بذكاء ودهاء وحسن سياسة وأعجب بشجاعتها السلطان أحمد الوطاسى فاقترن بها سنة ٩٤٨ هـ/١٥٤١ م.
ونلتقى فى عصر السعديين بسيدات فضليات كثيرات، منهن سحابة الرحمانية السفيرة
стр. 4919
إلى الآستانة ببشرى فتح تونس للدولة العثمانية طالبة جزاء حمل تلك البشارة مساعدة ابنها عبد الملك بكتيبة عثمانية من الجزائر فى استعادة ملك والده وأجابتها الدولة العثمانية، واستولى على صولجان الملك. وأبدت أخته مريم بسالة عظيمة فى قيادتها بقصبة مراكش لثلاثة آلاف جندى من الرماة تحقق بهم النصر لأخيها عبد الملك. واشتهرت مسعودة الوزكيتية والدة المنصور الذهبى بأعمال خيرية كثيرة، ومن منشآتها الخالدة بمراكش المسجد الجامع بباب دكالة، واشتهرت بالعلم والتقوى عائشة بنت أحمد بن عمران والدة ابن عسكر المؤرخ المعروف. ومن السيدات الفضليات فى عهد السعديين العريفة بنت خجوّ ولها فضل فى تعليم الأسرة السعدية الصورة الحضارية للملابس والطعام والتعامل مع النساء إذ كانوا قد جاءوا إلى فاس من البدو. ومن السيدات الفضليات فى عصر العلويين السيدة خناثة بنت بكار زوجة السلطان إسماعيل، وكانت فقيهة عالمة وأديبة بارعة، وكانت حصيفة تحسن إبداء الرأى وعرضه، وكانت نعم الوزير لزوجها تشير عليه دائما بالرأى الصائب، وحجت وأكثرت فى حجها من الصدقات وأعمال البر والخير، توفيت سنة ١١٥٩ هـ/١٧٤٦ م. ومن السيدات الفقيهات العالمات زوجة المختار الكنتى المتوفاة سنة ١٢٢٤ هـ/١٨١٠ م وكانت تدرس للنساء مختصر خليل بن إسحاق المصرى فى الفقه المالكى بينما كان زوجها المختار بن أبى بكر الكنتى يدرسه للرجال، وترجم لهما فى كتاب واحد ابنهما محمد، وسمى كتابه: الطارفة والتالدة فى مناقب الشيخ الوالد والشيخة الوالدة. ويذكر الأستاذ عبد الله كنون أنه كان هناك دائما معلمات فى مجال التعليم الأولى يعلمن البنات والأولاد الصغار الكتابة والقراءة والقرآن الكريم ومبادئ العلوم الضرورية، ولم يكن يخلوحى فى المدن من دار فقيهة تنهض بهذا التعليم مما يدل على الدور العظيم الذى كانت تقوم به المرأة المغربية فى تعليم النّشء ونشر المعرفة.
٤ -
المالكية-الصفرية-المعتزلة-الظاهرية
(أ) المالكية
كان المغرب الأقصى يقتدى بإفريقية التونسية طوال القرون الإسلامية الثلاثة الأولى، إذ كانت تعتبر الرائد للمغرب جميعه، وكان علماؤها فى القرن الهجرى الثانى يرحلون فى كل عام لأداء فريضة الحج، وكانت المدينة حتى زمن مالك تعد دار الفقه، وكان مالك نفسه إماما كبيرا من أئمته، يلقى فيه دروسه ويؤلف فيه كتابه الموطأ، فكان علماء إفريقية يقصدونه لأخذ الفقه عنه وأخذ كتابه الموطأ، وخلفه تلاميذه المصريون-وفى مقدمتهم عبد الرحمن
стр. 4920
ابن القاسم-فكان الطلاب يرحلون إليه ويتلمذون عليه كما رحلوا وتتلمذوا على أئمة الفقه المالكى بعده فى مصر. فكان ذلك سبب ازدهار المذهب المالكى فى إفريقية التونسية، وكان كتاب الموطأ قد حمل إليها فكان يدرس فيها ويدرس معه كتاب فى المذهب لتلميذه عبد الرحمن بن القاسم الذى فرّع فيه فروعا كثيرة. سماه المدونة وحملها عنه سحنون إلى تلاميذه فى موطنه ونسبت إليه باسم مدوّنة سحنون. وأخذ التلامذة من تونس إلى المحيط الأطلسى يقدمون إلى القيروان للتلمذة على سحنون وأضرابه من حملة الفقه المالكى بعد وفاته سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م. وكانوا يعودون إلى مواطنهم فى المغرب الأقصى فيدرسون للطلاب المذهب المالكى ويشيعونه بين الناس فى بلدانهم، وأظن ظنا أن إدريس منشئ الدولة الإدريسية ومن خلفه من أبنائه وأحفاده كانوا يدفعون رعاياهم فى المغرب الأقصى بفاس وغير فاس إلى التفقه بمذهب مالك دون غيره من المذاهب لموقفه المعروف مع محمد النفس الزكية حين أعلن بمكة الثورة على المنصور، إذ أفتى الناس بالتحلل من بيعة الخليفة المنصور ومبايعة النفس الزكية محمد بن عبد الله سليل الحسن بن على بن أبى طالب سنة ١٤٥ هـ/٧٦٢ م وفى السنة التالية بعد القضاء على ثورة النفس الزكية استدعى جعفر بن سليمان والى المدينة مالكا وجرّده من ثيابه، وضربه بالسياط عقابا على فتواه. وفرّ عقب إخفاق ثورة النفس الزكية عمه إدريس إلى المغرب الأقصى واستطاع تأسيس الدولة الإدريسية، فكان طبيعيا أن يرعى لمالك الفقيه الكبير فتواه لابن أخيه، وأن يدفع الناس والعلماء والطلاب إلى التفقه بمذهبه، مما جعل المذهب المالكى يشيع هناك بقوة منذ القرن الثالث الهجرى.
ونحن لا نصل إلى القرن الرابع الهجرى حتى يصبح للمغرب الأقصى أعلامه فى الفقه المالكى الذى يدرسونه فى المدن وفى القبائل المختلفة، ومنهم أبو هارون البصرى الذى أدخل كتاب ابن المواز الفقيه المالكى المصرى إلى المغرب الأقصى لأول مرة وأيوب بن محمد فقيه المصامدة وأبى القاسم بن محرز فقيه الملثمين وعثمان بن مالك فقيه فاس، وله تعليق على مدونة سحنون، ودراس بن إسماعيل الفاسى تلميذ أبى بكر بن اللباد شيخ فقهاء المالكية بالقيروان فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى، وله رحلة إلى المشرق حمل فيها من الإسكندرية كتاب ابن المواز، وعبد الرحيم الكتامى تلميذ فقيه القيروان فى النصف الثانى من القرن الرابع: ابن أبى زيد وأخذ عنه كتابيه: النوادر والمختصر. وينشط المغرب الأقصى فى دارسة الفقه المالكى لعهد المرابطين، وكانوا يعينون فقيها مالكيا مع كل وال لملاءمة الأحكام فى عهده للشرع. وسنعود للحديث عن نشاط الفقه المالكى لهذا العهد فى الفصل المقبل، ويضعف هذا النشاط فى عصر الموحدين لعنايتهم بنشر المذهب الظاهرى، وسنخص هذه العناية بحديث فى غير هذا الموضع، ويعود إلى المذهب المالكى نشاطه وازدهاره فى العصور التالية حتى العصر الحديث.
стр. 4921
(ب) الصفرية (١)
معروف أنه تولى المغرب من طرابلس إلى المحيط فى القرن الأول الهجرى ولاة عظام طبقوا فيه تعاليم الإسلام القاضية بالمساواة بين العرب وغيرهم من الشعوب التى دخلت فى الإسلام، وقد رأينا حسان بن النعمان (٧١ هـ/٦٩٠ م-٨٦ هـ/٧٠٥ م) بعد انتصاره الحاسم على الكاهنة يدخل من قومها فى جيشه كتيبة من اثنى عشر ألف رجل تجاهد مع العرب فى سبيل الله، وليس ذلك فحسب، فإنه ولّى أكبر أبناء الكاهنة على قومه فى جبل أوراس وبذلك ملك قلوب المغاربة ودانوا له بالطاعة حتى المحيط، وخلفه موسى بن نصير (٨٦ هـ/٧٠٥ م- ٩٦ هـ/٧١٤ م) فوضع التنظيم الإدارى للمغرب وجعله خمس ولايات وخامستها هى المغرب الأقصى ما عدا السوس وجعل عليها واليا بربريا هو طارق بن زياد وعاصمتها طنجة، فلم يعد هناك فارق بين أن يكون الوالى لأى ولاية عربيا أو بربريا مغربيا، وكلفه بأن يفتح إيبريا، فأعدّ جيشا أكثره من البربر نحو اثنى عشر ألف جندى، وفتح الله له الجزء الجنوبى من إيبيريا ولحقه موسى بن نصير وأتما الفتوح معا. ومعنى ذلك أنه تم فى عهد موسى بن نصير رفع جميع الفوارق بين العرب والبربر، فقد أصبحوا جميعا متساوين فى حكم الولايات وقيادة الجيوش والجهاد فى سبيل الله، وبذلك لم يصبح فتح الديار المغربية من برقة إلى المحيط فتحا حربيا ابتغاء المكاسب الدنيوية، بل أصبح فتحا عقائديا لنشر الدين الحنيف وما ينبغى أن يستشعره أتباعه عربا وغير عرب من الأخوة فى إعلاء كلمة الله.
ومنيت الأمة الإسلامية بعد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بخلفاء أمويين منذ السنة الأولى فى القرن الثانى الهجرى ليسوا فى مستوى أمانة الحكم التى ينبغى أن يتحملوها، فقد ولى الخلافة يزيد بن عبد الملك، وسرعان ما ولّى على المغرب يزيد بن أبى مسلم صاحب شرطة الحجاج فتعسف مع البربر فى جمع الضرائب ناسيا أن البربر أصبحوا رفقاء سلاح مع العرب، فقتلوه. وتوالى فى عهد أخيه هشام بن عبد الملك (١٠٥ هـ/٧٢٣ م-١٢٥ هـ/٧٤٢ م) ولاة ليسوا فى مستوى المهمة، كان آخر المتعسفين منهم عبيد الله بن الحبحاب فأرهق المغاربة هو وعماله بالضرائب وبلغ من سفه عامله على طنجة أن أعلن أنه عازم على تخميس أراضى المغرب الأقصى أى أخذ خمسها للدولة. وبينما صبر المغاربة يكاد ينفد إذا بدعاة مذهبى الصفرية والإباضية ينتشرون بينهم يدعونهم إلى الدخول فى عقيدتهم التى تناقض عقيدة حكام بنى أمية وترى فى استيلائهم على الخلافة عدوانا على الأمة، إذ ينبغى أن يكون اختيار الخليفة متحررا من كل قيد فلا يقصر على قريش، بل يتولاها أشد الناس خوفا من الله وأكثرهم طاعة له وأحرصهم على الاستمساك بالدين وطاعة الله واتباع أحكام الإسلام، ولو كان
стр. 4922
بربريا بل لو كان عبدا حبشيا. وأخذوا يحضونهم على كفاح بنى أمية وعمالهم ووصفوهم بالفسق والمعصية، واستجاب جبل نفوسة فى طرابلس للإباضية، بينما استجاب المغرب الأقصى للصفرية وكانوا أكثر تطرفا من الإباضية إذ كانوا يكفرون مرتكب الكبيرة ويوجبون قتله، وعدّوا دار المسلمين دار حرب واستحلوا دماءهم وأموالهم وقتل نسائهم وذراريهم. ومرّ بنا حديث عن ثورتهم فى شمالى المغرب الأقصى بقيادة ميسرة رئيس مضغرة ثم خالد بن حميد الزناتى وانتصارهم على جيوش عبيد الله بن الحبحاب والوالى الأموى بعده كلثوم بن عياض القشيرى، ثم ما كان من انتصار الوالى الأموى حنظلة بن صفوان على جيشين صفريين، وأخيرا انتصار أبى الخطاب عبد الأعلى إمام الإباضية على قبيلة ورفجومة الصفرية حين استولت على القيروان ونكلت بأهلها، وفى أثناء ذلك ينسحب سمكو بن واسول إلى سجلماسة وينشئ بها دولة صفرية كما مر بنا. ويبدو أن بقية المغرب الأقصى أخذت تنفر من عقيدة الصفرية، وساعدت دولة الأدارسة الناس هناك فى القضاء عليها بتلك الأنحاء.
(ج) المعتزلة (١)
كان واصل بن عطاء مؤسس مذهب الاعتزال فى البصرة من أكبر الوعاظ فى عصره إن لم يكن أكبرهم، وقد جعل للاعتزال أسسا خمسة ظلت قائمة فيه بعده، وهى الوحدانية صفة ثابتة لله، بحيث لا يشبه المخلوقات بأى صورة فليس كمثله شئ، وما جاء فى القرآن الكريم والحديث النبوى مما قد يفيد تشبيها يجب تأويله، مثل (يد الله فوق أيديهم) فمعناها قدرة الله فوق قدرتهم، ثم هو واحد فصفاته مثل السميع، البصير هى نفس ذاته. وأساس ثان أو مبدأ ثان هو العدل على الله، ولذلك ينبغى أن يكفل لعباده ما هو أصلح لهم تحقيقا لسعادتهم. وأساس ثالث هو إنفاذ وعده للمؤمنين بأن لهم الثواب والنعيم المقيم والوعيد للكفار الآثمين بالعقاب وعذاب النار، وأساس رابع هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، إذ لا يحل لمسلم أن يسكت على جرم أو إثم، وواجب عليه أن يأمر بكل ما هو خير. وأساس خامس هو أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين منزلتى الإيمان والكفر، واختلفت فى ذلك الجماعة الإسلامية اختلافا كبيرا، فكانت المرجئة تعده مؤمنا وأهل السنة يعدونه مؤمنا فاسقا والخوارج: الصفرية والأزارقة يعدونه كافرا إذ يرون العمل جزءا لا يتجزأ من الإيمان، أما واصل فكان يجعله فى منزلة وسطى بين الإيمان والكفر. وكان ماينى يخطب فى شباب البصرة واعظا ومؤيدا آراءه بالحجج والأدلة العقلية، وفتن به الشباب وأصبح له بينهم أتباع وأنصار كثيرون امتلئوا حماسة لدعوته الاعتزالية، فرأى أن يتخذ منهم نفرا يتميز باللسن والفصاحة والخطابة والوعظ كما يتميز بالقدرة الجدلية على الدعوة للمبادئ الاعتزالية، وفرّقهم
стр. 4923
على بلدان مختلفة من العالم الإسلامى، وإلى ذلك يشير تلميذه صفوان الأنصارى فى مدحه له قائلا:
له خلف شعب الصّين فى كل ثغرة ... إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم ... تهكّم جبار ولا كيد ماكر
وأوتاد أرض الله فى كل بلدة ... وموضع فتياها وعلم التشاجر
فهو قد أرسل دعاته الذين يفحمون خصومهم بالبراهين السديدة ويعلون عليهم كلما ناظروهم أو جادلوهم ويقول إن منهم دعاة تغلغلوا فى بلاد البربر إلى منطقة السوس. وفى كتاب فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة أن واصلا أنفذ إلى المغرب تلميذه عبد الله بن الحارث فتبعه الخلق، وفيه أن المعتزلة حاربت مع إبراهيم بن عبد الله أخى النفس الزكية حين ثار على أبى جعفر المنصور وأن بشيرا الرحال المعتزلى قتل معه فى موقعة باخمرا سنة ١٤٥ هـ وأن أبناءه لحقوا بالمغرب وغلبوا على مدن فيه أظهروا فيها دعوة الاعتزال. وفى الكتاب نفسه أن للمعتزلة فى بلد تدعى البيضاء مائة ألف يحملون السلاح يعرفون بالواصلية، وفيه أيضا أنهم كثيرون فى طنجة، وأن رئيسهم هناك إسحاق بن محمود بن عبد الحميد هو الذى أيد إدريس بن عبد الله مؤسس الدولة الإدريسية حين ورد عليه وأنه أدخله فى الاعتزال وكأن الدولة كانت دولة معتزلة، وأظن فى ذلك ضربا من المبالغة وكانوا كثيرين فى بلاد إدريس الثانى، ولعله كان يعطف عليهم لنصرة أسلافهم لإبراهيم بن عبد الله أخى النفس الزكية، ونجد ابنه محمدا يبنى جنوبى مدينة القصر الكبير مدينة يسميها البصرة، ولعله بناها لهم ذكرى لمدينة أستاذهم واصل بن عطاء ومرّ بنا فى الجزائر حديث مماثل عن المعتزلة، ولم يفكروا هنا ولا هناك فى دولة أو ما يشبه الدولة.
(د) الظاهرية (١)
الظاهرية أو أصحاب المذهب الظاهرى ينسبون إلى أبى سليمان داود بن على بن خلف الأصبهانى الظاهرى المتوفى سنة ٢٧٠ للهجرة وكان فى أول أمره فقيها شافعيا يتعصب لمذهب الإمام الشافعى تعصبا شديدا، ثم استقل عنه وأسس له مذهبا سمى مذهب أهل الظاهر، وهو مذهب أساسه إنكار القياس فى الفقه ومسائل التشريع، لأن القياس عقلى والدين إلهى ولا يحتكم فى الإلهى أو ما هو إلهى إلى العقل أو ما هو عقلى، ويكفى لبيان الأحكام التشريعية ما فى القرآن الكريم والحديث النبوى من عموم، وتأسيسا على ذلك ينبغى الوقوف عند ظاهر الكتاب
стр. 4924
والسنة وإغلاق الأبواب أمام القياس وجميع الآراء التى تبنى عليه. وكتب لهذا المذهب أن يتحمس له عقل أندلسى هو عقل على بن أحمد بن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ/١٠٦٣ م وكان قد بدأ حياته الفقهية بدراسة مذهب مالك ثم تركه إلى مذهب الإمام الشافعى ثم آثر على مذهبيهما مذهب داود الظاهرى، ولابن حزم فى الاحتجاج له ضد الأحناف والشافعية كتاب الإبطال للأصول الخمسة التى يأخذون بها، وهى القياس والرأى والاستحسان والتقليد والتعليل، فكل ذلك يجب إبطاله والاكتفاء بالكتاب والسنة.
وقد ازدهر هذا المذهب الظاهرى فى عصر دولة الموحدين، إذ كانت تتخذه مذهبا فقهيا لها من دون المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة لمالك وأبى حنيفة والشافعى وابن حنبل، وحاول الأستاذ عبد الله كنون فى الجزء الأول من كتابه: «النبوغ المغربى فى الأدب العربى» الاستدلال بأن خلفاءهم أو حكامهم كانوا يدعون إلى الاجتهاد كأنه بذلك يريد نفى اعتناقهم لعقيدة الظاهرية، ولا نستطيع أن نبطل شهادات القدماء الكثيرة بأن الموحدين كانوا ظاهرية، من ذلك أن الونشريسى فى كتابه المعيار نعت ابن تومرت بأنه ظاهرى وأن ابن أبى زرع فى روض القرطاس فى سنة خمسين وخمسمائة يقول إن عبد المؤمن أمر بتحريق كتب الفروع ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث أى أنه أمر بتحريق كتب المذاهب الفقهية الأربعة والاكتفاء بكتب الحديث ومعها القرآن طبعا وهى نفس نظرية المذهب الظاهرى، وفى المعجب يقول الحافظ أبو بكر بن الجد: «لما دخلت على أمير المؤمنين أبى يعقوب (يوسف) أول دخلة دخلت عليه وجدت بين يديه كتاب ابن يونس (فى الفقه المالكى) فقال لى: يا أبا بكر أنا انظر فى هذه الآراء المتشعبة التى أحدثت فى دين الله، أرأيت يا أبا بكر المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا فأى هذه الأقوال هو الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أيين له ما أشكل عليه من ذلك، فقال لى-وقطع كلامى: يا أبا بكر: ليس إلا هذا وأشار إلى المصحف أو هذا وأشار إلى كتاب سنن أبى داود وكان عن يمينه، أو السيف». ويذكر صاحب المعجب أن ابنه يعقوب المنصور أمر بحرق كتب المذاهب الأربعة لمالك وأبى حنيفة والشافعى وابن حنبل بعد أن يجرّد ما فيها من حديث رسول الله ﷺ والقرآن ففعل ذلك، فأحرق منها جملة فى سائر البلاد كمدوّنة سحنون وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبى زيد ومختصره وكتاب التهذيب للبراذعى وواضحة ابن حبيب وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها. ولقد شاهدت-أنا يومئذ بمدينة فاس-يؤتى منها الأحمال فتوضع وتطلق فيها النار» ويعلق صاحب المعجب على ذلك بقوله: «كان قصده فى الجملة محو مذهب مالك من المغرب مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث» ويقول ابن خلكان: «إنه أمر
стр. 4925
برفض فروع الفقه كما أمر الفقهاء بأن لا يفتوا إلا بالكتاب والسنة النبوية ولا يقلدوا أحدا من الأئمة المجتهدين القدماء بل تكون أحكامهم بما يؤدى إليه اجتهادهم». ولعل فى ذلك كله ما يثبت ثبوتا قاطعا أن دولة الموحدين كانت تعمل على نشر المذهب الظاهرى وتأمر العلماء برفض ما عداه من المذاهب، وبحق يقول عبد الرحمن الفاسى فى كتابه بيوتات فاس: «إن ملوك الموحدين قد تحلوا بالمذهب المعروف لهم من إنكار الرأى فى الفروع الفقهية والعمل شرعا على محض الظاهرية، وجروا على ذلك سنين بطول إيالتهم (حكمهم) إلى أن انقرضوا، أولهم فى ذلك مهديهم (ابن تومرت) أول ملوكهم». وبمجرد أن انتهت دولة الموحدين عاد المذهب المالكى فى المغرب الأقصى إلى النشاط والازدهار حتى اليوم.
٥ -
الزهاد-المتصوفة
(أ) الزهاد
المسلمون من قديم-يستشعرون الزهد فى حطام الدنيا ومتاعها الفانى أملا فى السعادة بالدار الآخرة يوم القيامة، يوم يحاسب كل امرئ على ما قدمت يداه، فإن كان عمله صالحا وازدرى الدنيا وأقبل فيها على الزهد والتقشف كان جزاؤه من ثواب الله موفورا وسعد فى آخرته السعادة الكبرى. وكان ذلك شعار الصحابة فى الفتوح، فهم لا يفتحون البلاد طلبا للمغانم وإنما لإعلاء دين الله، ودائما نسمع بينهم عن كثير من الأتقياء، فالآخرة هى التى تهمهم، ولم يكونوا زاهدين زهدا متطرفا ينسيهم الدنيا والعمل فيها، بل كان غالبا زهدا معتدلا يعتد بالمصالح الدنيوية مع الاتجاه إلى الله، مما جعلهم ينفقون أموالهم فى أعمال البر وعون الفقراء. ونجد هذا الزهد شائعا فى العالم الإسلامى. وقليلا قليلا أخذ أناس يستشعرون الزهد الخالص، ويعيشون له منقطعين لعبادة ربهم، ويمكن أن نجد أمثلة منهم فى جبال المغرب الأقصى الكثيرة حيث يعيشون على ما بها من ماء وثمار. وكان بين فقهاء المدن وأهلها أيضا كثيرون من هؤلاء الصلحاء الزهاد، ونضرب مثلا لهم القاضى ابن محسود (١) الهوارى وكان من قضاة العدل وأئمة الفضل زاهدا فى الدنيا مقبلا على الله تعالى على قدم التجريد، ولما مات لم يترك غير سجادة مصلاه وقعب يتوضأ فيه ومصحفه الذى كان يتلو فيه كتاب الله. ونضرب مثلا ثانيا بالتاجر محمد بن إبراهيم المهدوى الفاسى الزاهد صاحب كتاب الهداية الذى أقام بجامع القرويين أربعين سنة لم تفته فيها صلاة جماعة، وكان يملك أربعين ألف
стр. 4926
دينار أنفقها كلها فى سبيل الخير، وأصابت أهل مدينته: فاس مجاعة وكان عنده ألف وسق (حمل بعير) من تمر فباعه كله للمحتاجين الضعاف بوثائق وأخرهم بالثمن إلى أجل، فلمّا حل الأجل استدعاهم إلى منزله، فرمى بالوثائق جميعا فى الماء، وقال لهم: أنتم منها الآن فى حلّ، فإنى ما بعت لكم ولا أعطيتكم إلا مال الله تعالى. وينتعش الزهد فى عصر المرابطين، ونشعر إزاء كثيرين من زهاد هذا العصر أنهم كانوا مقدمات لانتشار نزعة التصوف فى المغرب الأقصى مثل أبى جبل المتوفى سنة ٥٠٣ هـ/١١١٠ م وكان كثير السياحة فى الأرض. ويتكاثر الزهاد فى عصر الموحدين مثل ابن حرزهم المتوفى سنة ٥٥٩ هـ وأبى عبد الله السلالجى الأصولى المتوفى سنة ٥٦٤ هـ/١١٦٨ م ومثل يسكر الغفجومى المتوفى سنة ٥٩٨ وكان ورعا فاضلا ومثل أبى عبد الله المعروف بابن تخميست المتوفى سنة ٦٠٨ هـ/١٢١١ م وكان كثير الورع شديد الانقباض عن الناس. ويكتظ كتاب التشوف إلى معرفة رجال التصوف لابن الزيات يوسف بن يحيى المتوفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م بكثيرين من الزهاد، ألفه سنة ٦١٧ هـ/١٢٢٠ م وهو يشتمل على مائتين وسبع وسبعين ترجمة أكثرهم من أهل مراكش، غير أنه لم يترك بلدا فى المغرب الأقصى إلا ذكر منها رجالا، ويسميهم فى مقدمته صلحاء، وهم فى جمهورهم زهاد ونساك المغرب الأقصى حتى زمنه. وحرى بنا أن نذكر أن الشعراء أخذوا يفردون للزهد بابا فى دواوينهم على نحو ما نجد عند أبى الربيع الموحدى. وكما يقفنا كتاب التشوف على الزهاد فى عصر الموحدين نجد عبد الحق بن إسماعيل يؤلف فى العهد المرينى بأخرة من القرن السابع كتابا عن صلحاء أو زهاد الريف، وفى الجزء الثانى من كتاب الوافى بالأدب العربى فى المغرب الأقصى للأستاذ محمد بن تاويت تحليل له، وهو يرمز إلى اطراد الزهد فى عصر المرينيين، وظل مطردا فى عصر السعديين ويذكر الأستاذ كنون منهم الهبطى الطنجى عبد الله بن محمد المتوفى سنة ٩٦٣ هـ/١٥٥٦ م وينقل عن الدوحة أنه كان آية من آيات الله تعالى فى الزهد واتباع السنة والانزواء عن الدنيا وتعليم العلم، ومثله ابن خجو المتوفى سنة ٩٥٦ هـ/١٥٤٩ م ويظل للزهد رجاله المشهورون فى عصر العلويين.
(ب) المتصوفة
من قديم أخذ كثيرون من زهاد الأمة وأتقيائها يبالغون فى نسكهم فارضين على أنفسهم تلاوة القرآن وذكر الله وتسبيحه، كما فرضوا على أنفسهم المبالغة فى التوكل على الله والثقة به، ثقة تملأ النفس طمأنينة. ومع مرور الزمن أخذ كثيرون من هؤلاء الواثقين المتوكلين يهملون أمور الدنيا ومعاشهم، فهم لا يهتمون بكسب القوت، لأن السعى له يفضى إلى فقدان التوكل والثقة فى الله، ومع الزمن أخذوا ينبذون طيبات الدنيا ومباهجها مرددين قول الرسول ﷺ : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا (جائعة) وتروح بطانا (ممتلئة)». وأخذ هذا التعمق فى التوكل والثقة بالله يتحول تدريجا إلى نزعة التصوف،
стр. 4927
ويقال إن مؤسسها هو الحارث بن أسد المحاسبى البغدادى المتوفى سنة ٢٤٣ هـ/٨٥٧ م ويقال بل مؤسسها الذى أودع فيها فكرة الحب الإلهى ذو النون المصرى المتوفى سنة ٢٤٥ هـ/٨٥٩ م. ولم يلبث أن ظهر الحلاج فى مطلع القرن الرابع الهجرى وظهر معه التصوف الفلسفى وكل ما يتصل به من أفكار الحلول والاتحاد مع الله، وتظل أفكاره تشيع بين المتصوفة وتكون سببا فى القطيعة بين الفقهاء والمتصوفة إذ يرمونهم بالكفر إلى أن ظهر القشيرى والغزالى فى القرن الخامس الهجرى، وأصلحا ما بين الفئتين، وانقسم التصوف منذ هذا التاريخ إلى تصوف فلسفى به إشعاعات من أفكار الحلاج، وتصوف سنى أخذت تتكون فيه وتشيع طرق صوفية سنية مثل طريقة عبد القادر الجيلانى وأحمد الرفاعى. وأخذت الأندلس تتأثر بالتصوف على نحو ما هو معروف عن ابن مسرة، وبعده عند ابن برجان وابن العريف، ثم عند الشوذى وابن عربى وابن سبعين والششترى على ما نحو ما أوضحنا ذلك فى كتابنا عن الأندلس. أما المغرب الأقصى فإنما شاع فيه التصوف السنى وما يمثله من مثل طريقة أبى الحسن الشاذلى.
وأول ذكر لمتصوفة المغرب نجده عند بعض من ترجموا لنساكه، وكان جمهورهم-فى رأيى-نساكا يقصرون حياتهم على النسك والعبادة، ومنهم كما جاء فى كتاب النبوغ المغربى ابن حرزهم على بن إسماعيل المذكور بين الزهاد. وقد تعلم على يديه أبو مدين الصوفى المشهور وقرأ عليه كتاب الرعاية للمحاسبى. ونظن أنه كان عابدا ناسكا فحسب، إذ يقول مترجمو أبى مدين أنه أخذ التصوف عن أبى عبد الله الدقاق الصوفى لا عنه. ومنهم أبو العباس السبتى المتوفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٤ م، وكان لا يترك لنفسه شيئا إلا قدر ما يقوته هو وأسرته فى يومه والباقى يتصدق به، وكان ناسكا ورده القرآن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وكان بارّا باليتامى والمساكين. وهى حياة زاهد فى رأيى لا صوفى. ومثله عبد السلام بن مشيش الحسنى وكان تقيا صالحا عالما، وسأله سائل عن أوراد يعمل بها ظانا أن له وردا مثل الصوفية، فقال مستنكرا أرسول أنا؟ الفرائض مشهورة، والمحرمات معلومة، فكن للفرائض حافظا وللمعاصى رافضا واحفظ نفسك من ابتغاء الدنيا وحب النساء وحب الجاه وإيثار الشهوات واقنع بما قسم الله لك، وهى إجابة زاهد لا صوفى، وإن كان قد درس على يديه الشاذلى صاحب الطريقة الصوفية المشهورة. ومثله أبو الحسن المسفّر معاصره وإن كان قد ذكر ابن عربى أنه لقيه فى كتابه «محاضرات الأبرار» لأن مجرد لقاء ابن عربى له لا يدل حتما على أنه صوفى، إنما هو ناسك. وربما كان الصوفى الحقيقى فى عصر الموحدين يلنور بن ميمون أبو يعزى (١) المتوفى سنة ٥٧٢ هـ/١١٧٦ م عن مائة وثلاثين سنة، أمضى منها عشرين سنة سائحا فى الجبال بمنطقة مراكش، ثم رحل إلى ساحل المحيط فأقام به ثمانى عشرة سنة لا يأكل إلا من نبات
стр. 4928
الأرض. وإنما نرجح أنه كان صوفيا لأن مترجمى أبى مدين الصوفى المشهور يقولون إنه سلك الطريقة الصوفية على شيخ المشايخ أبى يعزى إلى أن وصل وحقق وأدرك، ومن الصوفيين المشهورين فى عصر المرينيين الشيخ زرّوق (١) المتوفى سنة ٨٦٩ هـ/١٤٦٤ م وله نحو عشرين مؤلفا فى التصوف منها قواعد التصوف وعدة المريد وعلى شاكلته أحمد الصومعى فى عصر السعديين وله فى أبى يعزى كتاب بعنوان: المعزا فى مناقب الشيخ أبى يعزى وعدة مؤلفات أخرى فى التصوف.
ونحن لا نصل إلى القرن التاسع الهجرى فى التصوف حتى يصيبه فى المغرب الأقصى ما أصابه فى البلاد الإسلامية الأخرى من كثرة المدّعين الجهلاء له، وزعمهم أنه لا يحتاج إلى دراسة إذ تكفى فيه المعرفة الروحية الربانية، وتخلى كثيرون منهم عن فروض الإسلام ونوافله، فحسبهم العبارات والشعائر التى يأخذونها عن شيوخهم، وأباحوا لأنفسهم كل المتع مقيمين لأنفسهم حفلات ذكر يتواجدون فيها وقد يشقّون ثيابهم ويمزقونها بتأثير ما يسمعون من أغان على الذكر تصور الوجد الملتاع. وكان الناس يكبرونهم إذ يزعمون لهم أن بينهم القطب الذى اختاره الله، كما يزعمون أن بينهم أربعين واصلين مثله يسمونهم الأوتاد، وإذا مات القطب حل أحد الأوتاد محله. ومما زاد فى خروج الصوفية عن الجادّة وتجاوزهم لحدود الشرع انتشار مذهب الملامتيّة (٢) الإيرانى بينهم وهو مذهب كان معتنقوه يصنعون كل ما يوجب اللوم لهم مما يعد محرما ومخجلا لأقصى درجة، إذ يرون أن يشتهروا بين الناس أنهم لا يؤدون شعائر الدين وفروضه، وإن أدوها فعلا، كما يريدون أن يقنعوهم بأنهم لا يتمسكون بنواهيه، حتى يذمهم الناس أشنع ذم، وحتى يحتقروهم إلى أقصى حد، وهم بذلك ملامتية أى أهل الملامة، تأخذ بهم من كل وجه، ولذلك حاربت الدولة العثمانية هذه الجماعة بالجزائر فى عهد الدولة السعدية أشد حرب حتى كادوا يقضون عليها. وللمنصور الذهبى رسالة إلى السلطان مراد خان العثمانى يهنئه بالقضاء على تلك الفئة، وحاربها هو فى المغرب الأقصى ومن خلفوه من السعديين ولكن يظهر أنهم لم يستطيعوا القضاء عليها قضاء مبرما.
على كل حال كان انتشار مذهب الملامتية فى المغرب الأقصى من أسباب انحراف التصوف والصوفية، مما جعل كثيرين من العلماء يذمون ما آل إليه من تخطى الشريعة والخلق الحميد، ويدعون إلى محاربة البدع التى شاعت فيه، ويدعو إلى ذلك بعض الصوفية والنساك المتمسكين بأوامر الدين ونواهيه مثل الهبطى الطنجى المار ذكره فإن له ألفية بناها على النصح والإرشاد وحمل فيها حملة شديدة على متصوفة عصره وما يرتكبون من المنكرات.
стр. 4929
الفصل الثالث
الثقافة
١ -
الحركة العلمية
(أ) فاتحون ناشرون للإسلام ومعلمون
مرّ بنا-فى الحديث عن الثقافة بالجزائر-أن فتوح العرب للمغرب حوّلته بعد قرن واحد إلى شعب عربى، وقد نزل الفيننقيون دياره وظلوا به نحو ستة قرون أو تزيد، ولم يستطيعوا تحويله إلى لغتهم وحضارتهم، وبالمثل ظل به الرومان ستة قرون أخرى-وخلفهم البيزنطيون نحو قرن-ولم يستطيعوا أن يحولوه إلى لغتهم ودينهم المسيحى وحضارتهم. وكأنما كانت هناك معجزة هيأت للمغرب-مهما اختلفت أقطاره وتباينت-هذا التحول إلى العرب والعروبة، وليست المعجزة إلا أن العرب الفاتحين لم يكونوا يبتغون النهب والسلب لخيرات الأرض المفتوحة، إنما كانوا يبتغون نشر الدين الحنيف، مما جعل جماهيرهم تستحيل إلى معلمين يحفّظون المغاربة بعض آيات القرآن الكريم وسوره وبعض مبادئ العربية وبعض تعاليم الإسلام. ومن تمام هذه المعجزة أن المغاربة وجدوا هذا الدين السمح يسوّى بين حملته الفاتحين وبين الشعوب المفتوحة، فلا سيد ولا مسود ولا استنزاف لخيرات البلاد، والجميع عربا وبربرا متساوون فى الحقوق والواجبات فأخذوا يدخلون فيه أفواجا: فوجا وراء فوج.
وكان هذا الدين الحنيف يدعو بقوة إلى العلم والتعليم، ومعروف أن أول ما أنزل منه على الرسول ﷺ : ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فالدعوة إلى العلم والتعليم تقترن بأول ما نزل من الذكر الحكيم. ويشيد القرآن بالعلم والعلماء مرارا فى مثل: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ومثل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾. ولذلك لا نعجب إذا رأينا الفاتحين فى الأقطار المغربية يتحولون إلى معلمين للشعوب البربرية، يعلمونها مبادئ الإسلام والعربية، ويتجرد منهم كثيرون للجلوس فى غرف ملحقة بالمساجد أو فى المساجد نفسها لتعليم القرآن وسموها الكتاتيب، وكانوا يلقون عليهم فيها بعض الأحاديث النبوية وبعض الأشعار.
وأخذ كثيرون يتجردون لإلقاء المواعظ فى المساجد وتفسير بعض السور والآيات الكريمة وذكر بعض الأحاديث النبوية مع شئ من التعليق عليها وبعض الأحكام الفقهية. وبذلك نشأ
стр. 4930
التعليم فى الأقطار المغربية-مثل بقية الأقطار العربية-معتمدا على الكتاتيب لتعليم الناشئة وعلى المساجد ليتلقى فيه من يكبرونهم دروسا فى التفسير والحديث والفقه والعربية، وتمضى هاتان الصورتان من التعليم، حتى إذا كنا فى القرن الخامس أخذت تنضم إلى الكتاتيب والمساجد مؤسسة جديدة هى المدارس والمعاهد، ويتنافس معلموها أو شيوخها وشيوخ المساجد، مما أثرى الحركة العلمية، حتى إذا كنا فى القرن الثامن الهجرى أخذت تظهر مؤسسة ينافس شيوخها شيوخ المدارس والمساجد، وهى مؤسسة الزوايا، وحرى أن نخص كل دار من هذه الدور العلمية بكلمة.
(ب) دور العلم: الكتاتيب-المساجد-المدارس-الزوايا-المكتبات
الكتاتيب
انتشرت الكتاتيب-منذ القرن الأول الهجرى-فى كل بلد وقرية كبيرة أو صغيرة فى الوديان وعلى سفوح الجبال، ويقول ابن خلدون بمقدمته فى الفصل الخاص بتعليم الناشئة فى الكتاتيب «إن هذا التعليم شعار من شعائر الدين أخذ به المسلمون ودرجوا عليه فى جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده عن طريق آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذى ينبنى عليه ما يحصل بعد من الملكات». ثم يقول: «إن مذهب أهل المغرب (الأقصى) الاقتصار على تعليم القرآن فقط وأخذ الناشئة فى أثناء دراسته برسم ألفاظه، ويقول إنهم لا يخلطون ذلك بتعليم شئ من حديث أو فقه أو شعر حتى تجاوز الناشئة حد البلوغ إلى الشبيبة (الشباب)، بخلاف أهل إفريقية التونسية فإنهم يخلطون فى تعليمهم للناشئة القرآن بالحديث فى الغالب ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها.
فالكتاتيب فى المغرب الأقصى إذن لم تكن تعنى بشئ سوى تحفيظ القرآن وتعليم رسم الآيات وما يتصل بذلك من الخط، ويقول الحسن الوزان فى حديثه عن الكتاتيب بفاس إن بها مائتى كتّاب، ويشتمل كل كتاب على قاعة كبيرة مع درجات تستخدم كمقاعد للأطفال، والمعلم يعلمهم القراءة والكتابة لا فى كتاب معين، وإنما يستعين بألواح خشب كبيرة تكتب عليها الناشئة ما تحفظه من الآيات. ويختم الناشئ القرآن فى نحو سبع سنوات، ويعلمه المعلم الخط، وحينما يصل إلى إجادة جزء لا بأس به من القرآن يقدّم أبوه هدية لمعلمه، وحينما يختمه يصنع أبوه وليمة فاخرة لكل زملائه فى الكتّاب، ويقدم لمعلمه كسوة جديدة. ويقول الوزان إن للناشئة-مثل طلاب المعاهد-يومين فى الأسبوع للراحة لا يختلفون فيهما إلى الكتاتيب.
стр. 4931
ويذكر الأستاذ كنون-كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع-أن المرأة المغربية هى التى كانت تقوم فى ميدان التعليم الأولى بتعليم الناشئة ذكورا وإناثا، وأنه لم يكن يخلو حىّ من دار معلمة وتسمى فقيهة، ويذكر الحسن الوزان عن مدينة فى إقليم نوميديا أن النساء فيها هن اللائى يعلمن الأولاد ذكورا وإناثا حتى سن الثالثة عشرة، ويبدو أن ذلك كان سنة متبعة فى المغرب الأقصى جميعه من قديم.
المساجد
كانت الناشئة حين تنجز حفظها للقرآن الكريم تتجه إلى حلقات الشيوخ فى المساجد لتتلقّى ما يلقى بها من تفسير للذكر الحكيم ورواية للحديث النبوى وتعاليم للشريعة ودراسات للعربية وتاريخ للرسول والأمة العربية. وكان القائمون على الدروس فى هذه الموضوعات يختلفون، فمنهم من يعطى مبادئ فى هذه الدراسات، ومنهم من يعطى دروسا متعمقة لمن ثقفوا المبادئ واستوعبوها وخاصة فى الجوامع الكبيرة بكل بلدة. وكانت هذه الجوامع تعد مراكز الإشعاع الفكرى فى كل مكان، ونلتقى بها فى كل بلدان المغرب الأقصى الكبرى مثل سبتة وطنجة وأصيلا وتازه وسجلماسة. ويذكر الحسن الوزان أن فى فاس ستمائة مسجد منها خمسون كبيرة جميلة البنيان مزدانه بالأعمدة والفسيفساء والخشب المنقوش مع تبليطها بالرخام أو ما يشبهه من الميورقى.
ويفصّل الحسن الوزان الحديث عن جامع القرويين بفاس الذى بنى فى عهد الدولة الإدريسية سنة ٢٤٥ هـ/٨٦٠ م ويعدّ أقدم جامعة علمية فى العالم العربى. وعلى نحو ما أحدث الأزهر فى القاهرة من نهضة علمية فى مختلف العصور كذلك أحدث جامع القرويين نهضة مماثلة لا فى فاس وحدها بل فى المغرب الأقصى جميعه. ويذكر الوزان أن محيط هذا الجامع يبلغ ميلا ونصفا وأن له واحدا وثلاثين بابا كبيرا عاليا ومنارته عالية جدا ويوقد فيه كل ليلة ستمائة سراج، وعلى طول الجدران كراسى من مختلف الأنواع، يلقى منها طائفة من الأساتذة على الشعب محاضرات روحية فى أمور دينه وشريعته. وكانت تبدأ هذه المحاضرات بعد صلاة الصبح وتنتهى بعد شروق الشمس بساعة. وقد ألف الدكتور عبد الهادى التازى عن هذا الجامع موسوعة كبيرة تحدث فيها بالتفصيل عن جوانبه المعمارية والثقافية ومكانته فى العلم والفكر المغربيين فى مختلف الأزمنة. وعلى نحو ما ذكر الحسن الوزان من تفصيلات عن جامع القرويين دوّن تفصيلات مماثلة عن جامع على بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين بمراكش وقد هدمه عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين وشيّد مكانه جامعا آملا أن يشيع عليه اسمه محل اسم على بن يوسف ولكن الناس ظلوا يسمونه باسمه القديم، وبنى عبد المؤمن جامعا بجوار قصبة مراكش، وقد اعتنى به حفيده يعقوب وزينه بأعمدة جلبها من الأندلس، وشيّد له منارة فى منتهى
стр. 4932
الروعة كمنارة الخير الدا التى شيدها فى جامع إشبيلية، وترى زوجته بعد أن شيّدها أن تبيع حليها الذهبية الخاصة وما تملك من أحجار كريمة وكل ما قدمه لها زوجها عند اقترانه بها، وتأمر-كما ذكرنا فى غير هذا الموضع-أن يصنع بثمنها جميعا ثلاث تفاحات ذهبية تعلو قمة المنارة ليكتمل رونقها. وطبيعى أن تزدهر الدراسات الدينية واللغوية بهذين الجامعين فى عصر الموحدين وبعدهم وأن ينافسا جامع القرويين فى الحركة العلمية، وتنافسه معهما الجوامع الكبرى فى سجلماسة وتارودنت ومكناس وتازة وسبتة وطنجة وأصيلا وسلا. وكانت لهذه الجوامع أوقاف تدرّ عليها ما يفى بالنفقة على شيوخها وتلاميذها.
المدارس
معروف أن أول من أشاع نظام المدارس فى المشرق نظام الملك وزير السلطان السلجوقى ألب أرسلان (٤٥٥ - ٤٦٥ هـ) إذ شيّد طائفة منها فى بلدان مختلفة بالعراق وإيران، ووقف على كل مدرسة أوقافا كثيرة تفى بنفقات أساتذتها وطلابها ومكتباتها وعيّن فى كل مدرسة أساتذة فى مختلف العلوم الدينية واللغوية والرياضية وكانت كل مدرسة من هذه المدارس تسمى بالنظامية، وأشهرها نظامية بغداد، وقد زارها ابن بطوطة سنة ٧٢٧ ووصف ما بها من الحياة العلمية. وطارت شهرة هذه المدارس النظامية فى العالم الإسلامى منذ تأسيسها، ونرى يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين الحصيف (٤٥٣ - ٥٠٠ هـ) يؤسس بمدينة فاس مدرسة عرفت-كما يقول الأستاذ كنون فى النبوغ المغربى-باسم مدرسة الصابرين.
ونظن ظنا أنه لا بد أن شيّد مدرسة ثانية فى عاصمته مراكش. فإذا تحولنا إلى عصر الموحدين وجدنا الأستاذ المنونى يذكر فى كتابه: «حضارة الموحدين»: أن عبد المؤمن مؤسس الدولة أسس فى مراكش مدارس، منها مدرسة لإعداد الموظفين فى الدولة، ومدرسة خاصة بتعليم أمراء الموحدين، وأسّس مدرسة بالرباط لتعليم فن الملاحة، وعنى حفيده يعقوب الموحدى بتأسيس المدارس لا فى المغرب الأقصى فحسب، بل أيضا فى إفريقية التونسية والأندلس. ويتحدث الحسن الوزان عن مدرسة شيّدت فى عهد الموحدين-ولعلها شيدت فى عهد يعقوب -بقصبة مراكش ويقول إنها أشبه بمؤسسة، إذ يلحق بها مساكن للطلاب، وفى رأيى أنه كان بها مساكن أيضا للأساتذة. ويقول إنها تشتمل على ثلاثين غرفة وفى الطابق الأرضى قاعة كانت تلقى فيها الدروس فى الماضى، وكان التلميذ فى هذه المدرسة يعفى من المصاريف، ويعطى كسوة، وكان الأساتذة يتقاضون راتبا شهريا فيها بين مائة ومائتى دينار حسب طبيعة الدروس التى يقومون بها. ويذكر أن مبنى المدرسة كان مزينا بالفسيفساء البديعة وزخارف متنوعة. ويقول الوزان إنه كان بها فى الماضى عدد كبير من الطلاب، وقلوّا الآن أى فى القرن العاشر الهجرى قلة شديدة، ويقول فى القصبة قصر مزخرف كان مدرسة لأبناء الخليفة
стр. 4933
وأبناء أسرته. وبأخرة من عهد هذه الدولة نجد المحدث الكبير أبا الحسن الشارى السبتى المتوفى فى سنة ٦٤٩ يشيد مدرسة بسبتة ويقف عليها من خيار أملاكه وعقاراته ما يفى بالإنفاق عليها، ويلحق بها مكتبة نفيسة.
واتسع تشييد المدارس وتأسيسها فى عهد الدولة المرينية، ويقول ابن مرزوق فى كتابه عن السلطان أبى الحسن المرينى المسمى بالمسند الصحيح أن السلطان عثمان أبا سعيد والد أبى الحسن أنشأ بفاس مدرستى العطارين والمدينة البيضاء الملحقة بفاس وأن أبا الحسن ابنه أنشأ مدرسة الصهريج فى الشطر الأندلسى ومدرسة داخل جامع القرويين فى الشطر المقابل وتعرف باسم مدرسة مصباح أول أساتذتها، وأنشأ مدرسة ثالثة فى الوادى كما أنشأ فى كل بلد من بلدان المغرب الأقصى وما تبعه من بلدان المغرب الأوسط (الجزائر) مدرسة: فى مكناس وتازة وسبتة وأنفة وأزمّور وأسفى وأغمات ومراكش ووقف عليها أوقافا كثيرة وألحق بها مكتبات نفيسة. ويقول الحسن الوزان بأخرة من عهد المرينيين إن فى فاس وحدها إحدى عشرة مدرسة، وقد تحوى المدرسة مائة غرفة أو أكثر، ولجميع الأساتذة رواتب ممتازة، ويذكر أن بمكناس ثلاث مدارس وكذلك بتازة، ويذكر طريقة التعليم فى تلك المدارس لعهده، فيقول إن الأستاذ يكلف تلميذا فى بدء الدرس بقراءة النص، ثم يأخذ فى تفسيره وبيان دلالات كلمه مضيفا إليه بعض آرائه مع بيان ما يوجّه إلى النص من اعتراضات، ويتحاور الطلاب ويتناقشون فى معانى النص ودلالاته، ويشترك الأستاذ معهم فى المناقشة والحوار.
وواضح أنه لم ينته العصر المرينى إلا وكان المغرب الأقصى فى أواخر هذا العصر قد اكتظ بالمدارس وبما تخرّج من شباب العلماء فى كل فن وعلم، ولعل هذا ما جعل المؤرخين لا يعنون بالحديث عما أنشأ السعديون والعلويون فيما بعد من مدارس إذ كانت سنّة أو فريضة متبعة.
الزوايا
لم يكن المغرب الأقصى يعرف الزوايا المتعلقة بالمتصوفة والنساك قبل القرن السابع الهجرى إذ كان يطلق عليها اسم أربطة جمع رباط مثل رباط عبد الله بن ياسين الذى تنسك فيه مع بعض رفاقه كما مرّ فى حديثنا عن قيام دولة المرابطين. وربما كانت أول زاوية عرفها المغرب الأقصى زاوية أبى محمد صالح التى أقيمت فى منتصف القرن السابع الهجرى بمدينة آسفى على المحيط: ويقال بل كانت تسمى رباطا وأن الزوايا إنما أخذت تعرف بالمغرب الأقصى فى القرن الثامن الهجرى على نحو ما يذكر ذلك ابن مرزوق فى كتابه عن السلطان المرينى أبى الحسن وإنشائه الزوايا، ومع ذلك لم يذكر له زاوية أنشأها، وذكر زاوية أبى زكريا يحيى بن عمر بسلا.
وفى كتاب الشعر الدلائى للسيد عبد الجواد السقاط زاوية أسست بدرعة فى القرن الثامن
стр. 4934
الهجرى باسم زاوية سيد الناس محمد ﷺ . وأخذت الزوايا تتكاثر فى المغرب الأقصى منذ القرن العاشر الهجرى حينما ضعفت الدولة المرينية وأخذ البرتغاليون والإسبان يستولون على أطراف المغرب الأقصى على المحيط والبحر المتوسط وكأنما المغارية يئسوا من الدولة وحكامها، فأخذوا يلتفون حول شيوخ المتصوفة آملين أن يجدوا بينهم من يصلح أحوال البلاد ومن يحسن قيادتهم ضد أعدائها الخاسئين، وأسهموا بقوة فى بناء الزوايا بكل بلدة، وكانت الزاوية تضم الشيخ ومريديه، وأخذت سريعا لا تقتصر على مكان للعبادة بل أصبحت أشبه بمسجد وتضم إليها مبانى لسكنى شيخها أو شيوخها ومريديهم. وأيضا فإنها لم تعد مكانا للنسك فحسب بل أصبحت مكانا للتعليم ومدرسة يتخرج فيها كثيرون، وكانت تلقى بها خطب حماسية لإلهاب حمية الشباب فى مقاومة الأعداء المحتلين للديار والانقضاض عليهم والعصف بهم حتى لا تبقى منهم باقية، ومرّ بنا مدى جهاد هذه الزوايا وأصحابها فى طرد المحتلين والتنكيل بهم، وطبيعى أن يعدّ فى كل زاوية طعام لمن بها ولقصّادها. وعدّ الأستاذ عبد الجواد السقاط فى مقدماته للزاوية الدلائية أربعين زاوية منتشرة فى بلدان المغرب الأقصى وصحاريه، وفى رأينا أنها تزيد عن ذلك كثيرا. وتحول بعضها إلى ما يشبه مؤسسة كبيرة، بل مدينة تامة على نحو ما يلقانا فى الزاوية الدلائية وقد أفرد الأستاذ السقاط مجلدا كبيرا للحديث عن الحركة الشعرية بها وقدم لها بمقدمة عن تاريخها والجوانب الثقافية إذ كانت تدرس فيها العلوم الدينية واللغوية وعلوم الأوائل وكأنها جامعة صغرى مما يدل بوضوح على إسهام الزوايا بالمغرب الأقصى فى الحركة العلمية بجانب العناية بالأدب والشعر.
المكتبات
لا ريب فى أن المكتبات تعد أعظم المؤسسات العلمية، إذ تحمل التراث العلمى والأدبى جميعه للأمة وتفتح أبوابها يوميّا وتقدم كنوزها لطلاب والأدب وشيوخهما، ولن أستطيع تصوير أهميتها فى سطور معدودة ومعروف أنه كان بكل جامع فى كل بلد مكتبة، وقد أحصى الدكتور محمد حجى فى كتابه: الحركة الفكرية فى المغرب لعهد السعديين اثنتى عشرة مكتبة عامة بفاس منها اثنتان إحداهما مكتبة القرويين المليئة بالنفائس والكنوز من مثل تاريخ ابن خلدون بخطه، وعدّ بمراكش أربع مكتبات وبزاوية الدلاء مكتبة وبالمثل فى بعض المدن الكبرى. وعدّ من المكتبات الخاصة خمس عشرة مكتبة، منها مكتبة آل الغرديس بفاس استعان بها فقيه الجزائر الكبير أحمد بن يحيى الونشريسى المتوفى سنة ٩١٤ فى تأليف موسوعته الفقهية الكبرى: «المعيار» المنشورة فى ستة مجلدات. وكان قد أورثهم جدهم فى القرن الرابع الهجرى بكار بن عيسى الغرديسى شرفا عظيما إذ كان أول من حمل صحيح البخارى إلى المغرب الأقصى وعنه حمله كثيرون.
стр. 4935
(ج) نمو الحركة العلمية
تأخذ الحركة العلمية بالنمو فى المغرب الأقصى منذ قامت الدولة الإدريسية، فإنه نزل بفاس فى عهد إدريس الثانى كثيرون من أهل الأندلس الذين قادوا الثورة ضد الحكم الربضى ويقال إنهم كانوا نحو أربعمائة أسرة وكان بينهم كثيرون من الفقهاء، إذ كانوا هم أصل تلك الثورة، وشغلوا شطرا من فاس سمى بالعدوة الأندلسية، وسرعان ما أخذ فقهاء الجامع يلقون فيه دروسهم منذ أواخر القرن الثانى وأوائل الثالث للهجرة، حتى إذا كنا فى منتصف هذا القرن وبنت السيدة الجليلة فاطمة أم البنين الفهريّة جامع القرويين فى عدوة فاس المغربية المقابلة أخذ شيوخ الجامعين يتنافسون فى تعليم الشباب الفاسى، ويظل لهذا النشاط العلمى آثاره فى المغرب الأقصى بعد القضاء على الدولة الإدريسية بفاس فى أواخر القرن الثالث الهجرى، ويعود هذا النشاط بقوة فى عهد المرابطين الذين قاموا لإنقاذ المغرب الأقصى مما كان فيه من فئات ضالة كبقايا الصفرية فى سجلماسة وبعض الأنحاء وكالمعتزلة فى البصرة والشمال الغربى وكالبرغواطية فى تامسنة وكالبجلية الشيعية الروافض فى ترودنت بالسوس وبذلك وحّدوا المغرب الأقصى وأخذوا يردونه إلى أحضان السنة باعثين فيه حركة علمية ناشطة، وما إن توافى سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م وحتى ينزل أمير المرابطين يوسف بن تاشفين على رأس جيش ديار الأندلس ويهزم ألفونس أمير قشتالة ونصارى الإسبان وأوربا معه هزيمة ساحقة فى الزلاقة، ويضم الأندلس إلى دولته المغربية. ومن حينئذ تنمو الحركة العلمية فى المغرب الأقصى نموا واسعا، إذ أخذت تلتحم تدريجا بالحركة العلمية الأندلسية، فقد أخذ علماء الأندلس يفدون عليه، كما أخذ طلابه وعلماؤه يفدون على الأندلس، وكان يوسف بن تاشفين بعيد النظر، فعمل على جلب علماء الأندلس إلى عاصمته مراكش حتى ليقول صاحب المعجب: «انقطع إليه من جزيرة الأندلس من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بنى العباس فى صدر دولتهم، واجتمع له ولابنه على (٥٠١ هـ/١١٠٨ م-٥٣٧ هـ/١١٤٣ م) من أعيان الكتّاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه فى عصر من الأعصار» وفى موضع آخر يقول: «لم يزل أمير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين من أول إمارته يستدعى أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وصرف عنايته إلى ذلك، حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك».
ومنذ هذا التاريخ يصبح المغرب الأقصى والأندلس دار علم وأدب واحدة، وكثير من العلماء والأدباء فى القطرين قضوا شطرا من حياتهم فى وطنهم والشطر الآخر فى الوطن الثانى. وتنبه إلى ذلك مؤلفو كتب التراجم كما سنرى عما قليل. ويتحول الحكم إلى الموحدين، ويقول صاحب المعجب عن عبد المؤمن المؤسس الحقيقى لدولتهم: «كان مؤثرا لأهل العلم محبا لهم محسنا إليهم يستدعيهم من البلاد إلى الكون عنده والجوار بحضرته، ويجرى عليهم
стр. 4936
الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام لهم». واتخذ-حسب تعليمات أستاذه ابن تومرت-عشرة مع خمسين من الأشياخ بينهم رؤساء القبائل وطائفة كبيرة من الدعاة كانوا يسمون باسم الطلبة، وكانوا يعدّون للدعوة إعدادا علميا. ويقول صاحب المعجب عن ابنه يوسف سلطان الموحدين إنه كان يحفظ أحد الصحيحين-الشك منه كما يقول-إما البخارى وإما مسلم. . مع ذكر جمل من الفقه، وكان له مشاركة فى علم الأدب واتساع فى حفظ اللغة وتبحر فى علم النحو، وتعلم الفلسفة وجمع كثيرا من أجزائها وكتبها واجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر الأموى، ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب ويبحث عن العلماء، وخاصة أهل علم النظر إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب، وكان ممن صحبه من العلماء المتقنين أبو بكر محمد بن طفيل أحد فلاسفة المسلمين، ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبّهه عليهم ويحضه على إكرامهم، وهو الذى نبهه على أبى الوليد بن رشد». وفى أيام ابنه يعقوب بلغت دعوة الموحدين ضد أصحاب المذاهب الأربعة الذروة إذ أمر بإحراق كتب الفروع عامة سواء للمالكية أو الحنفية أو الشافعية أو الحنبلية، وكان قصده محو مذهب مالك وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، وأمر المحدثين بجمع أحاديث من كتب الصحاح الستة وسنن البزار وأبى شيبة والدار قطنى والبيهقى فى الصلاة وما يتعلق بها، وكان يمليه بنفسه على الطلبة ويأخذهم بحفظه. ولا بد أن نذكر ما أسلفناه من أنه تم فى عهد الموحدين الامتزاج العلمى والأدبى بين القطرين المغربى والأندلسى حتى لنرى كتّاب التراجم الأندلسيين حين يؤلفون كتابا يمزجون فيه بين علماء القطرين إذ يجعلونه لهما جميعا على نحو ما يلاحظ فى كتاب الصلة لابن بشكوال المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/١١٨٢ م وكانت عناية المرينيين بالعلم وأهل الأدب لا تقل عن عناية الموحدين ومر بنا ما حكاه ابن مرزوق والوزان عن عنايتهم بتشييد المدارس وفرض الرواتب فيها للأساتذة والإنفاق على الطلاب وكسوتهم، ويطيل الوزان الوصف لمعهد بناه السلطان المرينى أبو عنان (٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م- ٧٥٨ هـ/١٣٥٨ م) ويذكر أن فيه ثلاثة أروقة مسقوفة تتحلى بجمال لا يتصوره عقل، والأعمدة منمقة بألوان متباينة والقناطر بين الأعمدة مكسوة بالفسيفساء وبالذهب الصافى وباللازورد، والسقف من خشب مجزع، ويختم وصفه الطويل للمدرسة بأن نفقاتها ارتفعت إلى أربعمائة وثمانين ألف دينار.
ومنذ أوائل هذه الدولة يشعر المغاربة بتعمق أنهم والأندلسيين الذين هاجروا إليهم بعد سقوط مدنهم الكبرى فى حجر الإسبان إخوة تجمعهم أواصر كثيرة، بل لقد كان هذا الشعور يتعمقهم منذ عصر دولة المرابطين غير أنه ازداد عمقا بكثرة من هاجر إليهم من إخوانهم الأندلسيين فى القرن السابع الهجرى، وهو ما جعل المغربى من أمثال محمد بن عبد الملك
стр. 4937
المراكشى حين يؤلف كتابه الذيل والتكملة لكتابى الموصول والصلة يجعله قسمة بين الأندلسيين والمغاربة، وللأندلسيين الشطر الأكبر. وأخذت تتسع الهجرة من الأندلس، حتى إذا كانت سنة ٨٩٧ هـ وسقطت غرناطة بدأت هجرة أندلسية كبرى إلى مدن المغرب الأقصى. وتلتها الهجرة أيام فيليب الثالث حين أمر سنة ١٠١٨ هـ/١٦٠٩ م بطرد الموريسكيين من جزيرة الأندلس. وكان لهذه الهجرات الأندلسية الجماعية فى أواخر أيام المرينيين وزمن السعديين أثر بعيد فى نمو الحركة العلمية بالمغرب الأقصى، ولذلك نرى خطأ كبيرا فى قياس المغرب الأقصى على بلدان الدولة العثمانية فى المشرق العربى وخمود الحركة العلمية بتلك البلدان لأن فوارق كانت تفرق بين المغرب الأقصى وبينها، أهمها ما ظل ينزله من جموع الأندلسيين بعد سقوط غرناطة على مدى سنوات طويلة متعاقبة. وينوه ابن القاضى فى كتابه عن المنصور الذهبى السعدى (٩٨٦ هـ/١٥٧٨ م-١٠١٢ هـ/١٦٠٣ م) بشغفه الشديد بالعلوم على اختلافها ورعايته للعلماء والأدباء. وينوّه الأستاذ عبد الله كنون فى الجزء الأول من كتابه النبوغ المغربى بالخلفاء العلويين: الرشيد (١٠٧٥ هـ/١٦٦٤ م-١٠٨٤ هـ/١٦٧٢ م) وإسماعيل (١٠٨٢ هـ/١٦٧٢ م-١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م) ومحمد بن عبد الله (١١٧١ هـ/١٧٥٧ م-١٢٠٤ هـ/١٧٨٩ م) ونهضتهم العلمية بالمغرب الأقصى. وفى كل ما قدمناه ما يدل-بوضوح-على أن الحركة العلمية المغربية كانت دائما بأعين الحكام المغاربة، فهم يتعهدونها ويقدمون لها كل ما يستطيعون من عون مادى ومعنوى.
٢ -
علوم الأوائل
ليس بين أيدينا معلومات واضحة عن علوم الأوائل ونشاط علماء المغرب الأقصى فيها زمن المرابطين إلا ما ذكر من أن بعض الأطباء الأندلسيين نزلوا مراكش لرعاية يوسف بن تاشفين وابنه على رعاية طبية، ومنهم أبو العلاء (١) بن عبد الملك بن زهر، وله فى الطب تصانيف متعددة وقد أمر السلطان على بن يوسف حين توفى سنة ٥٢٥ هـ/١١٣٠ م بجمع كتبه الطبية ونسخها فى السنة التالية لوفاته، ومن أهمها كتاب التذكرة ونشره جبرييل كولان بالعربية والفرنسية فى باريس سنة ١٩١١ للميلاد، ونظن ظنا أن بعض المغاربة تتلمذ عليه حين نزوله فى مراكش وربما تبعه إلى بلدته إشبيلية ليكمل تعلمه عليه.
ولا يلبث الموحدون أن يستولوا من المرابطين على صولجان الحكم وتزدهر علوم الأوائل
стр. 4938
فى عهدهم، مما يدل على أن المغاربة كانوا قد أخذوا يدرسونها منذ عهد المرابطين، وقاد حركة ازدهار هذه العلوم فى المغرب الأقصى يوسف (١) بن عبد المؤمن الموحدى (٥٥٨ هـ/١١٦٢ م -٥٨٠ هـ/١١٨٥ م)، إذ تعلم الفلسفة منذ أن كان حاكما لإشبيلية فى عهد أبيه عبد المؤمن، واصطفى لنفسه حينذاك طبيبه الفيلسوف أبا بكر بن طفيل واصطحبه معه إلى مراكش حين استولى على صولجان الحكم، وكان لا يكاد يفارقه، ورغبه فى جمع كتب الفلسفة فاجتمع له منها-كما يقول صاحب المعجب-ما يقرب مما جمعه الخليفة الأموى المستنصر (٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م-٣٦٥ هـ/٩٧٥ م) فى الأندلس، وكانت مكتبته تعد أغنى مكتبة فى زمنه تحوى كتب الفلسفة. وكما كان ابن طفيل يجلب إليه الكتب الفلسفية وما يتصل بها من علوم الأوائل كان يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبّه عليهم-كما يقول صاحب المعجب-ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم، وله فى الفلسفة والطب والفلك كتب مختلفة. وشكا إليه يوسف قلق عبارات أرسطو فى كتبه وحاجتها إلى الشرح والتلخيص وسأله أن يقوم بذلك فاعتذر بعلو سنه، وأشار عليه أن يطلب ذلك من ابن رشد-وكان قاضى إشبيلية حينذاك-فاستدعاه وطلب إليه أن ينهض بهذا العمل، فنهض به على خير صورة ممكنة، إذ وضع شروحا مطولة ومتوسطة ومختصرة لكثير من مؤلفات أرسطو.
وكل هذه الشروح ترجمت إلى اللاتينية وترجمت معها مؤلفاته الفلسفية مثل تهافت التهافت الذى ردّ فيه على تهافت الفلاسفة للغزالى، والكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة، وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. وأخذت كتبه تدرس فى الجامعات الأوربية منذ القرن الثالث عشر الميلادى، ولولاها لما فهم الغرب فلسفة أرسطو بالإضافة إلى ما كان لمؤلفيه الأخيرين من أثر عميق فى حركة التحرر الدينى الأوربى. وهى يد لابن رشد لا على الفكر الأوربى وحده بل على الفكر العالمى جميعه.
وكل آثار ابن رشد وابن طفيل وغيرهما من فلاسفة الأندلس مثل ابن باجة أستاذ ابن طفيل أحدثت فى المغرب الأقصى نهضة علمية فى مختلف علوم الأوائل وخاصة فى الرياضيات التى شغف بها المغاربة، وفى مقدمتهم عبد الله بن محمد بن حجاج المشهور باسم ابن الياسمين (٢) المتوفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٥ م وله منظومة فى الجبر والمقابلة وأخرى فى أعمال الجذور، وكان يعاصره على بن محمد بن فرجون القيسى القرطبى نزيل فاس المتوفى مثله سنة ٦٠١ وله كتاب (٣) لباب اللباب فى بيان مسائل الحساب. وتدل القصور المختلفة التى بناها المنصور
стр. 4939
يعقوب الموحدى فى قصبة مراكش والمسجد الذى بدأه جده عبد المؤمن وأضاف إليه زينات وإضافات وعمد وغير عمد ومأذنته البديعة على أنه كان بمدينة مراكش حينئذ كثير من المهندسين المواطنين والمجلويين من الأندلس المستوطنين فيها، ومما أحدثوه فى المسجد الكبير مقصورة يجلس فيها الخليفة وحواشيه يوم الجمعة وكانت ميكانيكية مثبتة بعجلات فى أسفلها ولها ست أذرع وتمتد بفواصل متحركة (١).
ومن كبار الرياضيين الفلكيين حينئذ أبو على الحسن المراكشى مؤلف كتاب المبادئ والغايات فى علم الميقات ويذكر صاحب كشف الظنون أنه أعظم ما ألف فى هذا الفن، وينقل عنه الأستاذ عبد الله كنون أن أبا على المراكشى رتب هذا الكتاب على أربعة فنون هى الحسابيات فى نحو ثمانين فصلا، ووضع آلات الأسطرلاب ولها سبعة أقسام، وللعمل بها خمسة عشر فصلا، والدربة عليها فى أربعة أبواب أو فصول (٢).
ونمضى إلى عصر المرينيين ونلتقى فى علم الفرائض أو المواريث-وكانوا يلحقونه بالرياضيات-بإبراهيم بن أبى بكر التلمسانى نزيل سبتة الذى مر بنا فى الجزائر وله فى الفرائض أرجوزة سميت التلمسانية شرحت فى سبتة وغير سبتة مرارا، ولابن الشاط المتوفى سنة ٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م «غنية الرائض فى علم الفرائض». ونلتقى بمفخرة المغرب فى الرياضيات ابن البناء (٣) أبى العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدى المراكشى المولود بمراكش سنة ٦٥٣ هـ/١٢٥٦ م والمتوفى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م وقد بلغ الغاية فى مختلف العلوم الدينية واللغوية والبلاغية وبرع إلى الغاية فى العلوم الفلسفية ولا سيما فى الرياضيات والفلك، وله فى الحساب والجبر التلخيص فى أعمال الحساب وعليه يعتمد الطلاب فى جامع أو جامعة القرويين بفاس إلى اليوم، وشرحه بكتاب سماه رفع الحجاب. وطارت شهرته فى حياته وقصده الطلاب من كل فج، وتخرج رياضيون ماهرون على يديه مغاربة وجزائريون مثل الآبلى محمد بن إبراهيم التلمسانى، المتوفى سنة ٧٥٧ هـ/١٣٥٦ م. ولابن البناء فى الفلك كتاب اشتهر فى عصره وبعد عصره سماه اليسارة فى تعديل السيارة وله المدخل إلى علم النجوم. ويلمع اسم اللجائى الفاسى عبد (٤) الرحمن بن أبى الربيع المتوفى سنة ٧٧٣ هـ/١٣٧٢ م فى الرياضيات والهيئة أو الفلك وقد ابتكر أسطرلابا يلصق فى جدار، والماء يدير شبكته على الصفيحة بحيث يعرف منه مدى ارتفاع الشمس وما مضى من النهار كما يعرف مدى ارتفاع أى كوكب ليلا.
стр. 4940
ويلقانا بعده عبد (١) الرحمن الجادرى المتوفى سنة ٨٣٩ هـ/١٤٣٥ م مؤقت جامع القرويين بفاس، وله روضة الأزهار فى علم الليل والنهار، وكتاب ثان جمع فيه بين العمل بآلة الأسطرلاب وبالصفيحة الشكازية وبربع الدائرة وطريقة العمل بالحساب والجداول. ومن علماء الهندسة فى العصر المرينى ابن لبون التجيبى المتوفى سنة ٧٥٠ هـ/١٣٥٠ م وله كتاب الإكسير فى الأشكال الهندسية.
وكان الخليفة المنصور الذهبى السعدى مكبّا على كتاب اقليدس يحل أشكاله، ولأحمد بن القاضى المتوفى سنة ١٠٢٥ هـ/١٦١٦ م شرح باسم فتح الخبير بحسن التدبير لفك رموز الإكسير لابن لبون السالف (٢). وللبعقيلى (٣) أبى زيد عبد الرحمن الجزولى المتوفى سنة ١٠٠٦ هـ/١٥٩٧ م شروح فلكية على اليسارة فى تعديل السيارة لابن البناء وروضة الأزهار للجاردى وهو الذى أحدث الساعة الرخامية بجامع تارودنت. ولمحمد (٤) بن قاسم بن القاضى المتوفى سنة ١٠٤٠ هـ/١٦٣٠ م كتاب البرق الوامض فى الحساب والفرائض. وأهم الرياضيين فى عصر العلويين الرودانى محمد بن سليمان المتوفى سنة ١٠٩٤ هـ/١٦٨٣ م وله أسطرلاب مبتكر مكون من كرتين، وفى كتاب النبوغ المغربى وصف (٥) مفصل له. ولعل فى كل ما قدمت ما يدل على أن المغرب الأقصى ظل ناشطا فى الدراسات الرياضية والفلكية والهندسية طوال الحقب الماضية.
وطبيعى أن ينشط المغرب الأقصى فى الطب والصيدلة لضرورتهما فى العناية بحياة الناس، ومرّ بنا أن أبا العلاء (٦) بن زهر الطبيب كان طبيبا ليوسف بن تاشفين وخليفته من بعده ابنه على، مما يؤكد نزوله فى مراكش لرعايتهما الصحية، ونزلها بعده ابنه عبد الملك الذى كان طبيبا للمرابطين ثم للموحدين إذ توفى سنة ٥٥٧ هـ/١١٦٢ م وهو أهم طبيب عربى كلينيكى أو عملى بعد الرازى.
واتخذ الخليفة يوسف بن عبد المؤمن الموحدى الفيلسوف ابن طفيل طبيبا بينما اتخذ ابنه يعقوب أبا بكر بن زهر طبيبه الخاص، وكانت أخته أم عمرو طبيبة ماهرة وكانت تعنى صحيا بزوجة يعقوب ونساء الأسرة الموحدية، وكان ابنه عبد الله طبيب الناصر بن يعقوب الموحدى. وأحصى الأستاذ المنونى فى كتابه «حضارة الموحدين» نحو عشرين (٧) طبيبا وصيدليا أندلسيا