الأرزاق الواسعة، ويظهر التنويه بهم والإعظام لهم». واتخذ-حسب تعليمات أستاذه ابن تومرت-عشرة مع خمسين من الأشياخ بينهم رؤساء القبائل وطائفة كبيرة من الدعاة كانوا يسمون باسم الطلبة، وكانوا يعدّون للدعوة إعدادا علميا. ويقول صاحب المعجب عن ابنه يوسف سلطان الموحدين إنه كان يحفظ أحد الصحيحين-الشك منه كما يقول-إما البخارى وإما مسلم. . مع ذكر جمل من الفقه، وكان له مشاركة فى علم الأدب واتساع فى حفظ اللغة وتبحر فى علم النحو، وتعلم الفلسفة وجمع كثيرا من أجزائها وكتبها واجتمع له منها قريب مما اجتمع للحكم المستنصر الأموى، ولم يزل يجمع الكتب من أقطار الأندلس والمغرب ويبحث عن العلماء، وخاصة أهل علم النظر إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب، وكان ممن صحبه من العلماء المتقنين أبو بكر محمد بن طفيل أحد فلاسفة المسلمين، ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبّهه عليهم ويحضه على إكرامهم، وهو الذى نبهه على أبى الوليد بن رشد». وفى أيام ابنه يعقوب بلغت دعوة الموحدين ضد أصحاب المذاهب الأربعة الذروة إذ أمر بإحراق كتب الفروع عامة سواء للمالكية أو الحنفية أو الشافعية أو الحنبلية، وكان قصده محو مذهب مالك وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، وأمر المحدثين بجمع أحاديث من كتب الصحاح الستة وسنن البزار وأبى شيبة والدار قطنى والبيهقى فى الصلاة وما يتعلق بها، وكان يمليه بنفسه على الطلبة ويأخذهم بحفظه. ولا بد أن نذكر ما أسلفناه من أنه تم فى عهد الموحدين الامتزاج العلمى والأدبى بين القطرين المغربى والأندلسى حتى لنرى كتّاب التراجم الأندلسيين حين يؤلفون كتابا يمزجون فيه بين علماء القطرين إذ يجعلونه لهما جميعا على نحو ما يلاحظ فى كتاب الصلة لابن بشكوال المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/١١٨٢ م وكانت عناية المرينيين بالعلم وأهل الأدب لا تقل عن عناية الموحدين ومر بنا ما حكاه ابن مرزوق والوزان عن عنايتهم بتشييد المدارس وفرض الرواتب فيها للأساتذة والإنفاق على الطلاب وكسوتهم، ويطيل الوزان الوصف لمعهد بناه السلطان المرينى أبو عنان (٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م- ٧٥٨ هـ/١٣٥٨ م) ويذكر أن فيه ثلاثة أروقة مسقوفة تتحلى بجمال لا يتصوره عقل، والأعمدة منمقة بألوان متباينة والقناطر بين الأعمدة مكسوة بالفسيفساء وبالذهب الصافى وباللازورد، والسقف من خشب مجزع، ويختم وصفه الطويل للمدرسة بأن نفقاتها ارتفعت إلى أربعمائة وثمانين ألف دينار.
ومنذ أوائل هذه الدولة يشعر المغاربة بتعمق أنهم والأندلسيين الذين هاجروا إليهم بعد سقوط مدنهم الكبرى فى حجر الإسبان إخوة تجمعهم أواصر كثيرة، بل لقد كان هذا الشعور يتعمقهم منذ عصر دولة المرابطين غير أنه ازداد عمقا بكثرة من هاجر إليهم من إخوانهم الأندلسيين فى القرن السابع الهجرى، وهو ما جعل المغربى من أمثال محمد بن عبد الملك
стр. 4937
المراكشى حين يؤلف كتابه الذيل والتكملة لكتابى الموصول والصلة يجعله قسمة بين الأندلسيين والمغاربة، وللأندلسيين الشطر الأكبر. وأخذت تتسع الهجرة من الأندلس، حتى إذا كانت سنة ٨٩٧ هـ وسقطت غرناطة بدأت هجرة أندلسية كبرى إلى مدن المغرب الأقصى. وتلتها الهجرة أيام فيليب الثالث حين أمر سنة ١٠١٨ هـ/١٦٠٩ م بطرد الموريسكيين من جزيرة الأندلس. وكان لهذه الهجرات الأندلسية الجماعية فى أواخر أيام المرينيين وزمن السعديين أثر بعيد فى نمو الحركة العلمية بالمغرب الأقصى، ولذلك نرى خطأ كبيرا فى قياس المغرب الأقصى على بلدان الدولة العثمانية فى المشرق العربى وخمود الحركة العلمية بتلك البلدان لأن فوارق كانت تفرق بين المغرب الأقصى وبينها، أهمها ما ظل ينزله من جموع الأندلسيين بعد سقوط غرناطة على مدى سنوات طويلة متعاقبة. وينوه ابن القاضى فى كتابه عن المنصور الذهبى السعدى (٩٨٦ هـ/١٥٧٨ م-١٠١٢ هـ/١٦٠٣ م) بشغفه الشديد بالعلوم على اختلافها ورعايته للعلماء والأدباء. وينوّه الأستاذ عبد الله كنون فى الجزء الأول من كتابه النبوغ المغربى بالخلفاء العلويين: الرشيد (١٠٧٥ هـ/١٦٦٤ م-١٠٨٤ هـ/١٦٧٢ م) وإسماعيل (١٠٨٢ هـ/١٦٧٢ م-١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م) ومحمد بن عبد الله (١١٧١ هـ/١٧٥٧ م-١٢٠٤ هـ/١٧٨٩ م) ونهضتهم العلمية بالمغرب الأقصى. وفى كل ما قدمناه ما يدل-بوضوح-على أن الحركة العلمية المغربية كانت دائما بأعين الحكام المغاربة، فهم يتعهدونها ويقدمون لها كل ما يستطيعون من عون مادى ومعنوى.
٢ -
علوم الأوائل
ليس بين أيدينا معلومات واضحة عن علوم الأوائل ونشاط علماء المغرب الأقصى فيها زمن المرابطين إلا ما ذكر من أن بعض الأطباء الأندلسيين نزلوا مراكش لرعاية يوسف بن تاشفين وابنه على رعاية طبية، ومنهم أبو العلاء (١) بن عبد الملك بن زهر، وله فى الطب تصانيف متعددة وقد أمر السلطان على بن يوسف حين توفى سنة ٥٢٥ هـ/١١٣٠ م بجمع كتبه الطبية ونسخها فى السنة التالية لوفاته، ومن أهمها كتاب التذكرة ونشره جبرييل كولان بالعربية والفرنسية فى باريس سنة ١٩١١ للميلاد، ونظن ظنا أن بعض المغاربة تتلمذ عليه حين نزوله فى مراكش وربما تبعه إلى بلدته إشبيلية ليكمل تعلمه عليه.
ولا يلبث الموحدون أن يستولوا من المرابطين على صولجان الحكم وتزدهر علوم الأوائل
стр. 4938
فى عهدهم، مما يدل على أن المغاربة كانوا قد أخذوا يدرسونها منذ عهد المرابطين، وقاد حركة ازدهار هذه العلوم فى المغرب الأقصى يوسف (١) بن عبد المؤمن الموحدى (٥٥٨ هـ/١١٦٢ م -٥٨٠ هـ/١١٨٥ م)، إذ تعلم الفلسفة منذ أن كان حاكما لإشبيلية فى عهد أبيه عبد المؤمن، واصطفى لنفسه حينذاك طبيبه الفيلسوف أبا بكر بن طفيل واصطحبه معه إلى مراكش حين استولى على صولجان الحكم، وكان لا يكاد يفارقه، ورغبه فى جمع كتب الفلسفة فاجتمع له منها-كما يقول صاحب المعجب-ما يقرب مما جمعه الخليفة الأموى المستنصر (٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م-٣٦٥ هـ/٩٧٥ م) فى الأندلس، وكانت مكتبته تعد أغنى مكتبة فى زمنه تحوى كتب الفلسفة. وكما كان ابن طفيل يجلب إليه الكتب الفلسفية وما يتصل بها من علوم الأوائل كان يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبّه عليهم-كما يقول صاحب المعجب-ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم، وله فى الفلسفة والطب والفلك كتب مختلفة. وشكا إليه يوسف قلق عبارات أرسطو فى كتبه وحاجتها إلى الشرح والتلخيص وسأله أن يقوم بذلك فاعتذر بعلو سنه، وأشار عليه أن يطلب ذلك من ابن رشد-وكان قاضى إشبيلية حينذاك-فاستدعاه وطلب إليه أن ينهض بهذا العمل، فنهض به على خير صورة ممكنة، إذ وضع شروحا مطولة ومتوسطة ومختصرة لكثير من مؤلفات أرسطو.
وكل هذه الشروح ترجمت إلى اللاتينية وترجمت معها مؤلفاته الفلسفية مثل تهافت التهافت الذى ردّ فيه على تهافت الفلاسفة للغزالى، والكشف عن مناهج الأدلة فى عقائد الملة، وفصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. وأخذت كتبه تدرس فى الجامعات الأوربية منذ القرن الثالث عشر الميلادى، ولولاها لما فهم الغرب فلسفة أرسطو بالإضافة إلى ما كان لمؤلفيه الأخيرين من أثر عميق فى حركة التحرر الدينى الأوربى. وهى يد لابن رشد لا على الفكر الأوربى وحده بل على الفكر العالمى جميعه.
وكل آثار ابن رشد وابن طفيل وغيرهما من فلاسفة الأندلس مثل ابن باجة أستاذ ابن طفيل أحدثت فى المغرب الأقصى نهضة علمية فى مختلف علوم الأوائل وخاصة فى الرياضيات التى شغف بها المغاربة، وفى مقدمتهم عبد الله بن محمد بن حجاج المشهور باسم ابن الياسمين (٢) المتوفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٥ م وله منظومة فى الجبر والمقابلة وأخرى فى أعمال الجذور، وكان يعاصره على بن محمد بن فرجون القيسى القرطبى نزيل فاس المتوفى مثله سنة ٦٠١ وله كتاب (٣) لباب اللباب فى بيان مسائل الحساب. وتدل القصور المختلفة التى بناها المنصور
стр. 4939
يعقوب الموحدى فى قصبة مراكش والمسجد الذى بدأه جده عبد المؤمن وأضاف إليه زينات وإضافات وعمد وغير عمد ومأذنته البديعة على أنه كان بمدينة مراكش حينئذ كثير من المهندسين المواطنين والمجلويين من الأندلس المستوطنين فيها، ومما أحدثوه فى المسجد الكبير مقصورة يجلس فيها الخليفة وحواشيه يوم الجمعة وكانت ميكانيكية مثبتة بعجلات فى أسفلها ولها ست أذرع وتمتد بفواصل متحركة (١).
ومن كبار الرياضيين الفلكيين حينئذ أبو على الحسن المراكشى مؤلف كتاب المبادئ والغايات فى علم الميقات ويذكر صاحب كشف الظنون أنه أعظم ما ألف فى هذا الفن، وينقل عنه الأستاذ عبد الله كنون أن أبا على المراكشى رتب هذا الكتاب على أربعة فنون هى الحسابيات فى نحو ثمانين فصلا، ووضع آلات الأسطرلاب ولها سبعة أقسام، وللعمل بها خمسة عشر فصلا، والدربة عليها فى أربعة أبواب أو فصول (٢).
ونمضى إلى عصر المرينيين ونلتقى فى علم الفرائض أو المواريث-وكانوا يلحقونه بالرياضيات-بإبراهيم بن أبى بكر التلمسانى نزيل سبتة الذى مر بنا فى الجزائر وله فى الفرائض أرجوزة سميت التلمسانية شرحت فى سبتة وغير سبتة مرارا، ولابن الشاط المتوفى سنة ٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م «غنية الرائض فى علم الفرائض». ونلتقى بمفخرة المغرب فى الرياضيات ابن البناء (٣) أبى العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدى المراكشى المولود بمراكش سنة ٦٥٣ هـ/١٢٥٦ م والمتوفى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م وقد بلغ الغاية فى مختلف العلوم الدينية واللغوية والبلاغية وبرع إلى الغاية فى العلوم الفلسفية ولا سيما فى الرياضيات والفلك، وله فى الحساب والجبر التلخيص فى أعمال الحساب وعليه يعتمد الطلاب فى جامع أو جامعة القرويين بفاس إلى اليوم، وشرحه بكتاب سماه رفع الحجاب. وطارت شهرته فى حياته وقصده الطلاب من كل فج، وتخرج رياضيون ماهرون على يديه مغاربة وجزائريون مثل الآبلى محمد بن إبراهيم التلمسانى، المتوفى سنة ٧٥٧ هـ/١٣٥٦ م. ولابن البناء فى الفلك كتاب اشتهر فى عصره وبعد عصره سماه اليسارة فى تعديل السيارة وله المدخل إلى علم النجوم. ويلمع اسم اللجائى الفاسى عبد (٤) الرحمن بن أبى الربيع المتوفى سنة ٧٧٣ هـ/١٣٧٢ م فى الرياضيات والهيئة أو الفلك وقد ابتكر أسطرلابا يلصق فى جدار، والماء يدير شبكته على الصفيحة بحيث يعرف منه مدى ارتفاع الشمس وما مضى من النهار كما يعرف مدى ارتفاع أى كوكب ليلا.
стр. 4940
ويلقانا بعده عبد (١) الرحمن الجادرى المتوفى سنة ٨٣٩ هـ/١٤٣٥ م مؤقت جامع القرويين بفاس، وله روضة الأزهار فى علم الليل والنهار، وكتاب ثان جمع فيه بين العمل بآلة الأسطرلاب وبالصفيحة الشكازية وبربع الدائرة وطريقة العمل بالحساب والجداول. ومن علماء الهندسة فى العصر المرينى ابن لبون التجيبى المتوفى سنة ٧٥٠ هـ/١٣٥٠ م وله كتاب الإكسير فى الأشكال الهندسية.
وكان الخليفة المنصور الذهبى السعدى مكبّا على كتاب اقليدس يحل أشكاله، ولأحمد بن القاضى المتوفى سنة ١٠٢٥ هـ/١٦١٦ م شرح باسم فتح الخبير بحسن التدبير لفك رموز الإكسير لابن لبون السالف (٢). وللبعقيلى (٣) أبى زيد عبد الرحمن الجزولى المتوفى سنة ١٠٠٦ هـ/١٥٩٧ م شروح فلكية على اليسارة فى تعديل السيارة لابن البناء وروضة الأزهار للجاردى وهو الذى أحدث الساعة الرخامية بجامع تارودنت. ولمحمد (٤) بن قاسم بن القاضى المتوفى سنة ١٠٤٠ هـ/١٦٣٠ م كتاب البرق الوامض فى الحساب والفرائض. وأهم الرياضيين فى عصر العلويين الرودانى محمد بن سليمان المتوفى سنة ١٠٩٤ هـ/١٦٨٣ م وله أسطرلاب مبتكر مكون من كرتين، وفى كتاب النبوغ المغربى وصف (٥) مفصل له. ولعل فى كل ما قدمت ما يدل على أن المغرب الأقصى ظل ناشطا فى الدراسات الرياضية والفلكية والهندسية طوال الحقب الماضية.
وطبيعى أن ينشط المغرب الأقصى فى الطب والصيدلة لضرورتهما فى العناية بحياة الناس، ومرّ بنا أن أبا العلاء (٦) بن زهر الطبيب كان طبيبا ليوسف بن تاشفين وخليفته من بعده ابنه على، مما يؤكد نزوله فى مراكش لرعايتهما الصحية، ونزلها بعده ابنه عبد الملك الذى كان طبيبا للمرابطين ثم للموحدين إذ توفى سنة ٥٥٧ هـ/١١٦٢ م وهو أهم طبيب عربى كلينيكى أو عملى بعد الرازى.
واتخذ الخليفة يوسف بن عبد المؤمن الموحدى الفيلسوف ابن طفيل طبيبا بينما اتخذ ابنه يعقوب أبا بكر بن زهر طبيبه الخاص، وكانت أخته أم عمرو طبيبة ماهرة وكانت تعنى صحيا بزوجة يعقوب ونساء الأسرة الموحدية، وكان ابنه عبد الله طبيب الناصر بن يعقوب الموحدى. وأحصى الأستاذ المنونى فى كتابه «حضارة الموحدين» نحو عشرين (٧) طبيبا وصيدليا أندلسيا
стр. 4941
نزلوا مراكش لخدمة الخلفاء الموحدين. ويذكر بالمثل الأطباء المغاربة الذين أتقنوا الطب والصيدلة فى عصر الموحدين، ومنهم يحيى بن محمد السلوى المتوفى سنة ٥٦٣ هـ/١١٦٧ م، والشريف الإدريسى المتوفى حوالى سنة ٥٧٠ هـ/١١٧٤ م وله كتاب فى الصيدلة أو مفردات الأدوية، وأحمد بن عبد الملك الجذامى الناشئ بسبتة والمتوفى بمراكش سنة ٦٥٠ هـ/١٢٥٣ م. وقد أفاض المراكشى فى كتابه المعجب فى وصف البيمارستان الذى شيّده المنصور، ويقول إنه أجرى عليه ثلاثين دينارا كل يوم للإنفاق، وإنه كان به قسم للصيدلة وعمل الأشربة والأدهان والأكحال، ويذكر أن يعقوب كان يعود مرضى المارستان كل أسبوع بعد صلاة الجمعة. ويبدو أن أبا إسحاق إبراهيم الدانى البجائى كان أول رئيس للبيمارستان كما يفهم من ترجمة ابن أبى أصيبعة له فى كتابه طبقات الأطباء وأن رياسته ظلت فى بيته فترة.
ويذكر الدكتور شقرون فى كتابه مظاهر الثقافة المغربية ستة (١) من الأطباء المشهورين فى العصر المرينى ربما كان أهمهم أبو العباس أحمد بن شعيب الفاسى الذى اشتهر بتعمقه فى الفلسفة والرياضيات وعلوم الأوائل، وكان طبيبا فى البلاط المرينى زمن السلطان أبى سعيد عثمان وابنه أبى الحسن وقد اصطحبه معه حين غزا تونس، وبها توفى بالطاعون سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م وكان طبيبا بارعا كما كان شاعرا بارعا. ومن أكبر الدلالة على كثرة الأطباء فى العصر المرينى أن نجد مؤلفا مجهولا لكتاب «بلغة الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة فى الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب» الذى نشره الأستاذ محمد بن تاويت فى العدد التاسع من مجلة تطوان يذكر سبعة من الأطباء بمدينة سبتة، بينهم طبيبة بارعة هى عائشة (٢) بنت الجيار، ويقول:
«قد كان بسبتة فى هذه الطبقة جماعة من الأطباء والشجّارين-يريد الصيادلة العشّايين- سوى من ذكرناه لم يبلغوا فى العلم والمكانة مبلغ هؤلاء (السبعة) تركت ذكرهم»، وإذا كان هذا العدد من الأطباء بإحدى مدن المغرب الأقصى فما بالنا بمن كان بفاس من الأطباء والصيادلة، ولا بد أن كانوا كثيرين، إذ يذكر الحسن الوزان أنه كان بفاس فى الداخل أو فى داخلها مارستانات بديعة وعدة مارستانات أخرى خارج أبوابها، وعلى الأقل كان يحتاج كل مارستان إلى صيدلى وطبيب إن لم يكن يحتاج إلى عدد من الأطباء والصيادلة.
ويعرض الدكتور محمد حجى مؤلفات (٣) الأطباء والصيادلة، ويبدأ بالوزير الغسانى المتوفى سنة ١٠١٩ هـ/١٦١٠ م ومما يذكر له حديقة الأزهار فى شرح ماهية العشب والعقار وهو
стр. 4942
معجم صيدلى نباتى، ويذكر للطبيب عبد الغنى بن مسعود الزمورى كتابا فى الطب بعنوان: القول المفيد فى علاج الحصى بقول سديد، وكتابا فى الصيدلة بعنوان خواصّ النباتات، شرح فيه الأدوية باللسان اليونانى والسريانى والفارسى والعجمى، كما يذكر للطبيب أبى الغول الفشتالى أرجوزة طبية فى ألف بيت وأربعمائة وعشرة، ويذكر أيضا للطبيب على بن إبراهيم أرجوزة فى علاج العيون وأدوائها وأخرى فى الأعشاب وخواصها فى شفاء الأمراض.
ونبغ فى عصر العلويين غير صيدلى وطبيب، منهم عبد (١) القادر بن شقرون المتوفى بعد سنة ١١٤٠ هـ/١٧٢٨ م وله فى الصيدلة مؤلفات متعددة سوى منظومة سميت بالشقرونية فى ٧٠٠ بيت فى الأغذية والأدوية، ومنهم عبد (٢) الوهاب أدرّاق المتوفى سنة ١١٥٩ هـ/١٧٤٦ م وهو من أسرة فاسية اشتغلت بالطب، وإليه انتهت رياسة الطب فى زمنه، وله مؤلفات ومنظومات طبية مختلفة، ومنهم عبد (٣) الله بن عزوز المراكشى المتوفى سنة ١٢٠٤ هـ/١٧٨٩ م وله فى الصيدلة كتاب باسم كشف الرموز فى الأعشاب الطبية وكتاب فى الطب باسم ذهاب الكسوف. ولعل فى كل ما ذكرت ما يصور-بوضوح-عناية المغاربة ببحوث الطب والصيدلة طوال العصور السالفة.
ويلحق بعلوم الأوائل علم المنطق الذى يعرف به الصحيح من الفاسد فى التعاريف والبراهين والأقيسة، وهو يشترك فى العلوم كلها، فليس هناك علم لا يأخذ منه بحظ. والمنطق علم يونانى الأصل وضعه أرسطو ورتب فصوله وقضاياه ترتيبا محكما، ونقله العرب منذ القرن الثانى الهجرى وتداوله علماؤهم وأقطارهم، وأصبح يدرس فى جوامعها الكبيرة أو جامعاتها، حتى إذا نشأت المدارس فى القرن الخامس الهجرى أخذت تتدارسه ويضع فيه أفضل الدين الخونجى المتوفى سنة ٦٤٨ هـ/١٢٥١ م كتابا موجزا باسم الجمل وتطير شهرته فى العالم العربى بجميع أقطاره شرقا وغربا ويأخذ علماء المغرب-كعلماء المشرق-فى مدارسته وشرحه لطلابهم. وممن عرفوا بدراسة المنطق بأخرة من عصر الموحدين، وربما لحق عصر المرينيين، عبد (٤) الله بن محمد الأغماتى من أهل أغمات من المغرب الأقصى من علماء القرن السابع الهجرى، وينعته الغبرينى بأنه المنطقى النحوى ويقول عنه: كان أعلم الناس بكتاب سيبويه ومقاصده، وله تحصيل لعلم المنطق.
ونلتقى فى أوائل عهد المرينيين بمحمد (٥) بن على بن يحيى المدعو بالشريف قاضى الجماعة
стр. 4943
بها المتوفى بمراكش سنة ٦٨٢ واشتهر بأنه كانت له مشاركة فى علوم الأصول والكلام والمنطق والحساب، وتتردد هذه الشهرة فى ترجمة كثيرين بالعصر المرينى. ويذكر الدكتور محمد (١) حجى فى العصر السعدى لعبد العزيز المكناسى المتوفى حوالى سنة ٩٨٠ هـ/١٥٧٢ م أرجوزة فى المنطق فى مائة وستة عشر بيتا وأرجوزة أخرى لعبد الرحمن البعقلي المار ذكره، ولعلهما أرادا مضاهاة عبد الرحمن الأخضرى الجزائرى المتوفى سنة ٩٥٣ هـ/١٥٤٦ م فى أرجوزته المنطقية المسماة باسم السلم وقد نالت شهرة واسعة فى العالم العربى ووضعت لها شروح كثيرة، ويذكر الدكتور حجى لمحمد بن عبد الله الهبطى مباحث الكلية والجزئية.
ويعرض الأستاذ عبد الله كنون طائفة (٢) كبيرة من المنظومات والشروح والحواشى والدراسات المنطقية فى عصر العلويين، نذكر منها أرجوزتى القادرية لعبد السلام القادرى المتوفى سنة ١١١٠ هـ/١٦٩٩ م والخريدة لحمدون بن الحاج المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ/١٨١٧ م. وشرح سلم الأخضرى الجزائرى اليوسى المتوفى سنة ١١٠٢ هـ/١٦٩١ م وشرح السلم أيضا بنانى. ومن الحواشى حاشية على شرح سعيد قدورة الجزائرى لسلم الأخضرى لابن منصور الشفشاوى المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ/١٨١٧ م وحاشية أخرى له على شرح البنانى للسلم. وكل ما تقدم دليل على أن المغرب الأقصى ظل يعنى بعلوم الأوائل من طب وغير طب على مر السنين.
٣ -
علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة
أخذ المغرب الأقصى يعنى بعلوم اللغة والنحو منذ القرن الخامس الهجرى، بل ربما بدأت العناية بهما منذ قيام الدولة الإدريسية وبعثها بفاس والمغرب الأقصى عامة حركة علمية قوامها العلوم الدينية وما يتبعها من علوم اللغة والنحو ومدارسة ما ألف فيهما مما هيّأ لنشوء طائفة مبكرة من الكتاب والشعراء. ولا شك أن لمعلمى الكتاتيب ومقرئى القرآن فضلا كبيرا فى هذا الجانب إذ كانوا يأخذون الناشئة بتعلم العربية ومعرفة بعض الألفاظ القرآنية ودلالاتها اللغوية وكذلك ألفاظ بعض ما يلقون عليهم من الأشعار. ولا نغلو إذا قلنا إن قراء الذكر الحكيم كانوا دائما لغويين ونحاة ونرمز إلى ذلك فى عصر المرابطين بمروان بن عبد الملك بن سمجون المتوفى بطنجة سنة ٤٩١ هـ/١٠٩٧ م فقد ذكر عنه ابن عبد الملك المراكشى أنه تصدّر قديما لإقراء القرآن، وكان مقرئا مجودا ذا حظ من الشعر يذهب فيه إلى التقعير (٣) وكان لغويا يستظهر الغريب فى أشعاره إلى حد التعمق اللغوى البعيد.
стр. 4944
ونمضى فى عصر الموحدين ونلتقى بمحمد (١) بن أحمد بن هشام المشهور باسم ابن هشام اللخمى مستوطن سبتة المتوفى سنة ٥٧٧ هـ/١١٨١ م وكتابه فى لحن العوام الذى سماه «المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان» كتاب نفيس، حققه الدكتور خورسيه بيريث لآثار تحقيقا علميا قيما وطبعه معهد التعاون مع العالم العربى بالمجلس الأعلى للأبحاث العلمية فى مدريد. ومن قوله فى مقدمته: «أول ما يجب على طالب اللغة تصحيح الألفاظ العربية المستعملة التى حرّفتها العامة عن موضعها وتكلمت بها على غير ما تكلمت بها العرب فى ناديها ومجتمعها» وبدأ الكتاب بمراجعة الزبيدى الأندلسى فى كتابه لحن عامة زمانه وتخطئته لها فى ألفاظ للعرب فيها لغتان وبين ما وقع فيه من السهو والغلط، وذكر بعده أوهام ابن مكى الصقلى فى كتاب تثقيف اللسان. ثم عقد بابا لما جاء فيه عند العرب لغتان أو أكثر، واستعملت منهما العامة لغة ضعيفة، وربما عدلت إلى اللحن. وأتبعه بباب لما تلحن فيه العامة ولا دليل عليه من لسان العرب وبباب لما جاء لشيئين أو لأشياء فقصروه على واحد وبباب لما تمثلت به العامة محرفا فى صيغته عن صيغته الأصلية عند الشعراء. والكتاب فى نحو ٤٣٠ صفحة رجع فيها مؤلفه إلى أبيات شعرية وأراجيز شغلت قوافيها فى فهارسه خمس عشرة صفحة من امرئ القيس إلى الشريف الرضى فى آخر القرن الرابع الهجرى. ولا يشك قارؤه فى أن المؤلف رجع فى هذه الدراسة إلى أمهات الكتب اللغوية، وقد وضع لها المحقق فهرسا تضمن نحو خمسين كتابا كما وضع فهرسا لمن ذكر فى الكتاب من اللغويين حتى ليبلغون فيه نحو تسعين. ولابن هشام اللخمى بجانب هذا العمل اللغوى القيم كتاب ما وقع فى أبيات كتاب سيبويه وشرحها للأعلم من الوهم والخلل، وله شرح فصيح ثعلب وهو كتاب لغوى ملئ بالألفاظ الغربية، وله أيضا شرح مقصورة ابن دريد، وهما من مراجعه فى كتابه عن لحن العامة. ويلقانا بعده من اللغويين فى عصر الموحدين أبو ذر مصعب (٢) بن محمد بن مسعود الخشنى الجيّانى الأصل المستوطن لفاس وكان عالما لا يبارى فى اللغة ونحويا أديبا وكفاه شرفا شرحه لغريب السيرة النبوية العطرة، وعليه اعتمد كل من نشرها فى العصر الحديث. ومن لغويى هذا العصر محمد (٣) بن عيسى بن أصبغ المشهور باسم أبى عبد الله بن المناصف المتوفى بمراكش خطيبا بجامع بنى عبد المؤمن لسنة ٦٢٠ هـ/١٢٢٣ م وكان فقيها نظارا جانحا إلى الاجتهاد مائلا إلى القول بمذهب الشافعى مناظرا عليه، وكان حافظا للغات مليئا من الآداب شاعرا مجيدا مرجزا مطبوعا، وله أرجوزتان لغويتان: «المذهبة فى نظم الصفات من الحلى والشيات» وهى أرجوزة ألفية نظمها بمراكش، وتلاها بأجوزة ثانية سماها المعقبة لكتاب المذهبة فى الأنعام والظباء وحمر الوحش والنعام وما يتعلق
стр. 4945
بها». ومن لغويى عصر الموحدين يوسف (١) بن موسى الهوارى المتوفى بمراكش سنة ٦٤٩ هـ/١٢٥٢ م وفيه يقول ابن عبد الملك إنه كان ماهرا فى علوم اللسان أدبا ولغة ونحوا ويذكر له أبياتا فى ترتيب حروف معجم العين للخليل وأبياتا أخرى فى ترتيب حروف الصحاح للجوهرى.
ونمضى إلى العصر المرينى ونلتقى بالشاعر مالك (٢) بن المرحل المتوفى سنة ٦٩٩ هـ/١٣٠٠ م ونظمه لغريب القرآن الكريم ولفصيح ثعلب، ولا نلبث أن نلتقى بأبى القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسنى المتوفى سنة ٧٦٠ هـ/١٣٥٩ م وله شرح على مقصورة حازم القرطاجنى سماه: «رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة» وهو منشور، ونلتقى بأبى زيد المكودى الفاسى المتوفى سنة ٨٠٧ هـ/١٤٠٤ م وله البسط والتعريف فى علم التصريف ونظم المعرّب من الألفاظ وشرح كتاب المقصور والممدود لابن مالك. وأخذت منذ العصر المرينى تؤلف كتب مختلفة فى غريب الحديث مثل «تحفة الناظر فى غريب الحديث» للرعينى الفاسى، ومثل شرح غريب الموطأ لمالك وصحيح البخارى وكتاب الشهاب لابن منصور المغراوى السجلماسى. وتتكاثر الشروح والحواشى فى العصر السعدى للقصائد النبوية مثل البردة والهمزية للبوصيرى ومقصورة المكودى فى المديح النبوى ولبعض كتب اللغة مثل الصحاح للجوهرى ولبعض القصائد المشهورة مثل لامية العرب ولامية العجم وبعض الدواوين وخاصة ديوان المتنبى، وشرحت لامية الأفعال لابن مالك والشافية لابن الحاجب. وتظل هذه الاتجاهات فى التأليف اللغوى طوال عصر العلويين، ويؤلف ابن زاكور (٣) المتوفى سنة ١١٢٠ هـ/١٧٠٨ م شرحا على حماسة أبى تمام باسم عنوان النفاسة فى شرح الحماسة وشرحا على قلائد العقيان للفتح بن خاقان باسم مقياس الفوائد فى شرح ما خفى من القلائد، وشرحا على لامية العرب باسم تفريج الكرب بشرح لامية العرب، ويؤلف محمد بن الطيب الشرقى المتوفى سنة ١١٧٠ هـ/١٧٥٦ م شرحا على كتاب المزهر للسيوطى باسم المسفر عن خبايا المزهر، وحاشية على القاموس المحيط للفيروزآبادى باسم إضاءة الراموس حاشية على القاموس وشرح على لامية الأفعال وضوء القابوس فى زوائد الصحاح على القاموس وحاشية على درة الغواص للحريرى ويعدّد الأستاذ عبد الله كنون شروحا وحواشى أخرى فى اللغة لكثيرين (٤).
وكان النشاط فى النحو لا يقل عن النشاط فى اللغة إن لم يزد عليه زيادة كبيرة، وأول نحوى كبير نلتقى به فى عصر المرابطين الحسن (٥) بن على بن طريف المتوفّى سنة ٥٠١ هـ/١١٠٧ م
стр. 4946
ظلّ يدرس النحو طوال عمره بسبتة، وهو أستاذ القاضى عياض وغيره من علمائها فى عصر المرابطين، ونلتقى بعده بعلى (١) بن محمد الجذامى المالقى الذى سكن سبتة واستوطنها إلى وفاته سنة ٥٣٠ هـ/١١٣٥ م وكان يقرئ بها الذكر الحكيم لطلابه ويدرس لهم قواعد العربية، ومثله أحمد (٢) بن الحطيئة الفاسى المتوفى زمن الموحدين سنة ٥٦٠ هـ/١١٦٥ م إذ كان مقرئا للذكر الحكيم كما كان نحويا. ولا نبالغ إذا قلنا إن جميع المقرئين يعدون نحاة، إذ كانوا يحفّظون الصبيان ويقفونهم على حدود العربية كى ينطقوا بآى الذكر الحكيم نطقا سليما.
ولا يلبث أن يظهر فى المغرب الأقصى نحوى مهم هو عيسى (٣) الجزولى المتوفى سنة ٦٠٧ هـ/١٢١٠ م وهو خريج ابن برى العالم النحوى اللغوى المصرى المتوفى سنة ٥٨٢ هـ/١١٨٦ م فقد حج ومرّ بالقاهرة وأعجب فيها بمحاضرات ابن برى فى النحو وكان يدرس للطلاب كتاب الجمل للزجاجى ويناقش مسائل النحو فيه وقضاياه وانتظم الجزولى بين طلابه، وسأله عن مسائل نحوية فأجابه عليها، وأثبت كل ما دار فى محاضراته وكل ما أدلى به ابن برى من أفكار أو بعبارة أدق أثبت ما أدلى به فى «مقدمة» عاد بها إلى بلده وأخذ يدرسها للطلاب فى المغرب والأندلس، ويعرّف به ابن عبد الملك فى الذيل والتكملة بقوله: جالب الكراسة المشهورة فى العربية عن أبى محمد بن برى نحوىّ الديار المصرية قدم عليه ولازمه، ومن كلام ابن برى المذكور على الجمل «للزجاجى» كتب ذلك التأليف المنسوب عند كثير من الناس إلى جالبه أبى موسى الجزولى باسم «الجزولية»، ويقول القطفى إنه كان إذا سئل هل هى من تأليفك أجاب: لا، لأنها فى واقع الأمر من تأليف ابن برى الذى كان يلقيه على طلابه فى محاضراته ودروسه، ويقول القفطى أيضا: فيها كلام غامض وعقود لطيفة وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة. وفى هذا كله ما يدل على أن المقدمة إنما هى محاضرات لابن برى، وعلى عادة التلامذة حين يكتبون ما يسمعونه من أساتذتهم فى المحاضرة ويتركون بعض قطع منها وبعض عبارات حدث ذلك نفسه فى المقدمة التى حملها الجزولى عن أستاذه ابن برى، ولو كان مؤلفا لها لخلت مما فى بعض عباراتها من غموض وما فيها من رموز وإشارات. على أن فى ذلك ما يدل بوضوح على أن عيسى الجزولى كان تلميذا بارا لأستاذه ابن برى، فرأى أن يحتفظ فى المقدمة بنصوص كلامه ولا يضيف إليها شيئا، فبدت فيها بوضوح هذه العيوب التى ذكرها القفطى. ومهما يكن فإنها هدية من مصر عن طريق ابن برى للمغرب الأقصى وقد عنى بها وشرحها كثيرون فى المغرب والأندلس وفى مقدمتهم الشلوبينى الأندلسى. وينزل المغرب الأقصى ابن خروف إمام النحو الأندلسى المشهور، ويترك
стр. 4947
فيه تلامذة حملوا عنه كتاب سيبويه وشرحه له، منهم ابن رحمون عبد الرحمن بن محمد المصمودى، وكان من علية شيوخ سبتة، توفى سنة ٦٤٨ هـ/١٢٥١ م ومنهم محمد بن يحيى العبدرى الفاسى المتوفى شهيدا بجبل الفتح سنة ٦٥١ هـ/١٢٥٤ م.
ونلتقى فى أوائل عصر المرينيين بمحمد (١) بن الحسن الفهرى المعروف بابن المحلى وكلمة المحلى فى المغرب الأقصى تعنى-كما يقول ابن عبد الملك المراكشى-أنّ أباه كان قوالا يغنى فى المحافل والأسواق. وكان محمد من تلاميذ ابن خروف وله تقييدات على كتاب سيبويه توفى سنة ٦٦١ هـ/١٢٦١ م. وما تلبث فاس أن تخرج إماما نحويا مهما هو ابن آجروم (٢) محمد بن محمد بن داود الصنهاجى المتوفى بفاس سنة ٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م وآجروم كلمة بربرية معناها الفقير الصوفى. وليس بين أيدينا شئ واضح عن نشأته وشيوخه، ويقال إنه لقى أبا حيان النحوى الأندلسى بمصر وأخذ عنه فى طريقه إلى الحج. وقد طارت شهرته فى العالم العربى بمتن أو مختصر فى تعليم النحو للناشئة، ويقال إنه وضعه لابنه أبى عبد الله، وظلت طويلا الجوامع الكبرى والمدارس تفتتح تعليم النحو بهذا المختصر الذى يجمع المعالم الأساسية للنحو فيما لا يزيد عن خمس وعشرين صفحة بقطع الكف وكان الأزهر-إلى عهد قريب-يجعله أول ما يدرس لطلابه فى علم النحو لإلمامه بقواعد النحو فى ترتيب بديع، ويقول السيوطى فى ترجمته له بكتابه بغية الوعاة: إنه كان على مذهب الكوفيين فى النحو لأنه عبّر عن الجر قسيم الرفع والنصب بالخفض، كما عبّر الكوفيون وقال مثلهم فعل الأمر مجزوم لا مبنىّ كما يقول البصريون، وذكر بين الأسماء الجازمة «كيفما» وهى لا تجزم فى رأى البصريين. وأولى من رأى السيوطى أن يقال إنه بغدادى مثل الزجاجى وأبى على الفارسى يختار من آراء المدرستين البصرية والكوفية ما يراه الأدق والأوفق، فقد قال مع البصريين إن المنصوب بعد كان خبر لا حال كما يقول الكوفيون، وقال فى التوابع البدل لا الترجمة ولا التبيين كما يقول الكوفيون، وقال المنادى فى مثل يا زيد مبنى على الضم لا معرب بغير تنوين كما يقول الكوفيون. ومن طريف تيسيرانه للنحو أنه قال إن المضارع بعد كى ولامها ولام الجحود وحتى والفاء والواو منصوب بهذه الأدوات لا بأن مضمرة بعدها، وبذلك أخذت فى وجوه تيسير النحو التى قدمتها إلى مجمع اللغة العربية وأقرّها. ولم يهتم بمتن الأجرومية العالم العربى وحده فقد اهتم بها العالم الغربى أيضا، فطبعها المستشرقون مرارا وترجموها إلى لغاتهم: اللاتينية والإنجليزية والفرنسية وكانت أولى طبعاتها عندهم فى روما سنة ١٥٩٢ للميلاد. ولابن العددى معاصر ابن آجروم فى قواعد العربية كتاب الكليات النحوية، وكان ابن (٢) هاني اللخمى السبتى معاصرهما المتوفى سنة ٧٣٣ هـ/١٣٣٣ م من أئمة العربية، وكان يدرس النحو للطلاب، ومن
стр. 4948
مؤلفاته النحوية شرح كتاب التسهيل لابن مالك. ولأبى القاسم الشريف الحسنى السبتى المار ذكره بين اللغويين شرح أيضا على التسهيل، وكان يدرس لطلابه ألفية ابن مالك.
ومن كبار النحاة فى عصر السعديين أحمد (١) بن قاسم القدومى المتوفى سنة ٩٩٢ هـ/١٥٨٤ م أستاذ الخليفة المنصور الذهبى السعدى ووصف بأنه نحوى زمانه غير مدافع وقال ابن القاضى إليه انتهت رياسة النحو فى عصره، وله حاشية على شرح الألفية للمرادى فى أربعة أجزاء. ومن أهم النحاة بعده قاسم (٢) بن محمد بن القاضى المكناسى المتوفى سنة ١٠٢٢ هـ/١٦١٣ م وله شرح على ألفية ابن مالك انتفع به طلبته وشرح آخر على الأجرومية انتفعوا أيضا به، وله أبيات فى الأفعال التى على حرف واحد يعلمها طلابه، منها قوله فى الفعلين: قى وعى (٣):
إنّي أقول لمن ترجى وقايته ... ق المستجير قياه قوه قى قينا
وإن هم لم يعوا قولى أقول لهم ... ع القول ويك عياه عوه عى عينا
ويكثر النحاة فى العصر العلوى، ومنهم ابن الطيب الشرقى المار ذكره فى اللغويين، وله شرح (٤) الكافية لابن الحاجب، وشرح لامية الأفعال لابن مالك وحاشية على التسهيل لابن مالك، وحاشية على شرح المرادى لألفية ابن مالك، وحاشية على المغنى لابن هشام، وشرح الاقتراح فى أصول النحو للسيوطى، وعنى بشرح كثير من الشواهد مثل شواهد الكشاف للزمخشرى وشواهد البيضاوى المفسر وشواهد التوضيح لابن هشام وشواهد التلخيص للقزوينى، ويفيض الأستاذ عبد الله كنون فى ذكر كتب النحو المؤلفة والشروح والحواشى ومؤلفيها فى العصر بجانب ما ذكره من أعمال ابن الطيب الشرقى، مما يدل على اتصال النشاط فى الدراسات النحوية بالمغرب الأقصى طوال الأزمنة الماضية.
وكان الدارسون للنحو فى كل تلك الأزمنة يعرضون-أو يعرض كثير منهم-على طلابهم عروض الشعر العربى كى يحسنوا النطق به إذا أنشدوه، ولكى يعرفوا بدقة موازينه وقواعدها إذا أرادوا صنع شئ منه أو نظمه، وأول ما نلتقى به من كتب هذا العلم كتاب فى عصر الموحدين لأبى ذر مصعب الخشنى الذى مر ذكره فى أول الحديث عن اللغويين. ونلتقى فى أوائل العصر المرينى بمالك بن المرحل الذى مرّ ذكره فى الحديث عن اللغويين، وله أرجوزة
стр. 4949
فى علم العروض ورسالتان (١) فى وزن الرباعيات وهما تعرضان وزنين للرباعيات أو الدوبيت كما سماها الإيرانيون ومعنى دو عندهم اثنان، والوزن الأول فعلن متفاعلن فعولن فعلن والوزن الثانى فعلن فعلن مستفعلن مستفعلن. وكان ضياء الدين الخزرجى قد ألف متنا أو منظومة فى هذا العلم فشرحها أبو القاسم الشريف المار بين اللغويين وسمى شرحه باسم رياضة الأبىّ فى شرح قصيدة الخزرجى، وهو أول من شرحها شرحا وافيا. ولابن رشيد محمد بن عمر الفهرى السبتى الرحالة المتوفى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م كتاب فى القوافى سماه: وصل القوادم بالخوافى فى ذكر أسماء القوافى، وكتاب ثان سماه باسم كتاب فى العروض. ويذكر الدكتور حجى للعصر السعدى كتابين (٢) فى علم العروض: كتابا لابن غازى باسم «إمداد بحر القصيد ببحرى أهل التوليد» ويقصد بأهل التوليد المولدين من الشعراء، وببحريهما أو بوزنيهما بحر أو وزن المتدارك، وهو وزن محدث فى العصر العباسى، وبحر أو وزن الدوبيت أو بعبارة أخرى الرباعية ووزنها أيضا محدث. وقد ذكرت فى العصر العباسى الأول أنها بدأت مع بشار وأنها كثرت عند أبى نواس وأبى العتاهية وضربت لها بعض الأمثلة ومنذ القرن الخامس الهجرى يتّخذ لها وزنان كما أسلفنا وبيّن ذلك غاية التبيين مالك بن المرحل فى الرسالتين اللتين ذكرناهما آنفا. والكتاب الثانى الذى ذكره الدكتور حجى كتاب كافية النهوض فى صناعة العروض لعبد العزيز الرّسموكى. ونلتقى فى العصر العلوى بمحمد بن زاكور المذكور بين اللغويين، وله شرح على منظومة الخزرجية باسم: «النفحات الأرجية والنسمات البنفسجية بنشر ما راق من مقاصد الخزرجية» كما نلتقى بحمدون بن الحاج المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ/١٨١٧ م وله مقصورة فى العروض والقوافى.
وظل المغرب الأقصى يتدارس ما أنتجه المشرق فى علوم البلاغة والبديع من أعمال قيمة عند أمثال ابن المعتز وقدامة وابن وهب والحاتمى والآمدى والعسكرى والباقلانى وابن سنان الخفاجى وعبد القاهر الجرجانى والزمخشرى والسكاكى وابن أبى الإصبع، مضيفين إلى ذلك مدارسة بعض أعمال مغربية وخاصة كتاب العمدة لابن رشيق، وقد يتناولون أعمالا سابقة بالشرح على نحو ما صنع ابن رشيد بشرحه لكتاب فى التجنيس أو الجناس. ولم يلبث المغرب الأقصى أن أهدى إلى علوم البلاغة والبديع علمين فذين، هما ابن البناء أحمد بن محمد بن عثمان الأزدى المولود بمراكش سنة ٦٥٣ هـ/١٢٥٦ م العالم الرياضى البارع الذى لا تزال كتبه أو بعضها تدرس إلى اليوم فى المغرب الأقصى المتوفى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م، وأبو محمد القاسم بن محمد الأنصارى السجلماسى، ولا نعرف شيئا
стр. 4950
عن تاريخ مولده ووفاته سوى أنه أملى كتابه فى البديع أو أنهى تأليفه سنة ٧٠٤ هـ/١٣٠٥ م مما يؤكد أنه كان معاصرا لابن البناء.
ومر ذكر ابن البناء فى حديثنا عن علوم الأوائل، وقلنا هناك إنه بلغ الغاية فى مختلف العلوم الدينية واللغوية والبلاغية وفى العلوم الفلسفية ولا سيما فى الرياضيات والفلك. وعلى نحو ضبطه لقوانين الرياضة ضبط قواعد النحو فى كتاب سماه الكليات النحوية، وأكبر الظن أنه وزع قواعد النحو فيه على كليات عامة تستقصى كل كلية مجموعة من قواعده. وبالمثل صنع بالبديع فى كتابه: «الروض (١) المريع فى صناعة البديع» والمريع أى الخصب وكلمة البديع عنده تعنى بالضبط ما عناه بها ابن المعتز فى كتابه «البديع» إذ ساق فيه الصور البيانية من تشبيه وغير تشبيه والألوان البديعية من طباق وغير طباق والأصباغ البلاغية فى علم المعانى، إذ ذكر بين محسنات الكلام الالتفات ورد الأعجاز على الصدور وتجاهل العارف وتأكيد المدح بما يشبه الذم والعكس والخروج من معنى إلى معنى ويشمل الاستطراد. وبذلك تضمن كتاب ابن المعتز علوم البلاغة جميعا وكان الزمخشرى أول من ميّز بين علمى البيان والمعانى كما جاء فى مقدمة تفسيره: «الكشاف» وجعل علم البديع ذيلا لهما كما يقول السيد الجرجانى فى شرحه لكتاب المفتاح للسكاكى. وبهذا التصور كتب السكاكى وتوالت بعده الكتب البلاغية تجمع بين هذه العلوم لثلاثة: البيان والمعانى والبديع، غير أن بعض علماء البلاغة رأى أن يعود إلى التعبير بكلمة البديع عن كل هذه العلوم على نحو ما يلاحظ عند ابن أبى الإصبع المصرى المتوفى سنة ٦٥٤ هـ/١٢٥٧ م فى كتابه «بديع القرآن». فكلمة البديع عنده- كما عند ابن البناء-تعنى علوم البلاغة من بيان ومعان وبديع، وقد بلغ تعداد محاسنها وقواعدها عند ابن أبى الإصبع فى كتابه: «بديع القرآن» مائة قاعدة ونيّفا، وبلغت فى كتاب ثان له باسم: «تحرير التجبير فى صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن» مائة وخمسا وعشرين قاعدة. وكأنما رأى ابن البناء بعقله المنطقى أن ييسر تصورها على الدارسين بوضع كل مجموعة من القواعد الجزئية الكثيرة عند البلاغيين فى قاعدة كلية تجمعها أو قل تجمع ما رآه حريا ببيانه وتوضيحه، وهو يقدم لكتابه بتوطئة-أو كما نقول الآن بتمهيد-يتحدث فيها عن تأليفه للكتاب وغرضه منه قائلا: «غرضى أن أقرر فى هذا الكتاب من أصول صناعة البديع ومن أساليبها البلاغية ووجوه التفريع [فيها] تعريفا غير مخلّ، وتأليفا غير ممل، يصغر جرمه ويكثر علمه. . ومنفعته فى زيادة المنّة، وفهم الكتاب والسنّة» ويريد بزيادة المنة زيادة القدرة على فهم البلاغة القرآنية والنبوية وتلى ذلك ثلاثة أبواب: والباب الأول مقدمات فى الدلالة والكلام والبديع وهو فى ثلاثة فصول أولها يتناول الدلالة وارتباطها باللفظ والمعنى فى أقسامها،
стр. 4951
والفصل الثانى فى أقسام الكلام من حيث الصياغة إلى منظوم ومنثور ومن حيث المخاطبات إلى برهان وجدل وخطابة وشعر ومغالطة، ومن حيث الواقع إلى حقيقة ومجاز، ومن حيث مواجهة المعنى للغرض إلى القواعد الكلية الأربع التى سيعرض لها فى الباب الثانى، ومن حيث دلالته على المعنى إلى القواعد الكلية الثلاث التى يذكرها فى الباب الثانى. والفصل الثالث فى صناعة البديع، وفيه يذكر أن البلاغة قد تكون فى الإيجاز أو فى المساواة أو فى التطويل، أما الفصاحة فصفة للفظ وسهولة مخارجه وعذوبته فى السمع، والصناعة المتكفّلة بذلك هى صناعة البديع التى تعرض القوانين الكلية وما يندرج تحتها من الجزئيات. ويحاول أن يصل بين البديع وبين البلاغة والبيان. وفى الباب الثانى يتحدث عن أقسام اللفظ من جهة مواجهة المعنى، ويجعله فى أربعة فصول أو أربع كليات عامة الفصل الأول أو الكلية الأولى فى الخروج من شئ إلى شئ وتشمل ما يسمى بالتخلص من موضوع إلى موضوع كما تشمل الإدماج وهو أن يدمج المتكلم غرضا فى غرض والتفريع والاستطراد والخروج من إثبات شئ إلى نفيه أو العكس والاعتراض والالتفات. والفصل الثانى أو الكلية الثانية تشبيه شئ بشئ، ونشمل صور التشبيه التشابه فى النّسب ويدخل فيها مراعاة النظير والمقابلة والطباق. والفصل الثالث أو الكلية الثالثة تبديل شئ بشئ وتشمل الاستعارة والتمثيل وتبادل الكلى مع الجزئى والعكس وتبادل الحقيقة مع المجاز والواجب مع الممكن وإبدال المدح بصورة الذم والعكس والخبر مع الطلب والعكس وما كان مع ما يكون والعكس. ويفسح لمسألة لغوية هى وصف المؤنث بصيغة المذكر والعكس مثل امرأة صبور ورجل علامة. والفصل الرابع أو الكلية الرابعة تفصيل شئ بشئ ويدخل فيه التقسيم والتشكيك والتضمين أو الإيحاء ثم الاتساع بدلالة البيت دلالات مختلفة، والتوضيح، وهو مصطلح غير واضح فى التعبير عن مراده، وهو عند الرمانى حسن البيان. والباب الثالث أقسام اللفظ من جهة الدلالة على المعنى وهو فى ثلاثة فصول، الفصل الأول أو الكلية الأولى عن الإيجاز وأدخل فيه الحذف اللغوى كحذف العائد والمضاف والصفة والموصوف. والفصل الثانى أو الكلية الثانية عن الإكثار ومنه الاستظهار وهو استغناء القول عن تكملته ومجئ الصفات أو النعوت للتخصيص بعد النكرات وللتعيين بعد المعارف، ومنه التذييل والتتميم أو التكميل والتسوير وهو التعميم بعد التخصيص أو العكس، ومنه الترادف. والفصل الثالث أو الكلية الثالثة التكرير ومنه قبيح ومفيد، ويكون للتقرير أو للتأكيد أو للمقايضة أو للتصدير أو للترديد، ومنه المشترك اللغوى والبيانى، ومنه التجنيس وفرّعه نحو اثنى عشر فرعا. وإنما أطلت فى عرض هذا الكتاب لأدل بوضوح على أن ابن البناء استطاع أن يخضع البديع أو البلاغة للمنطق، وان يجعل لها سبع كليات تضمنت أبواب علم البديع أو علوم البلاغة كما كان يتصورها عصره منذ ابن أبى الإصبع مع إضافة بعض مسائل لغوية وأظهر فى ذلك ذكاء وبراعة فائقين وقد حقق الكتاب تحقيقا سديدا وقدم له بدراسة
стр. 4952
قيمة الأستاذ رضوان بنشقرون رادّا كثيرا من مسائله إلى كتب المشارقة البلاغية والعمدة لابن رشق.
وعلى ضوء هذا الكتاب وإخضاع علم البديع فيه للمنطق مع إدخال بعض المسائل اللغوية على المصطلحات البديعية ألف معاصر لابن البناء هو أبو محمد القاسم السجلماسى كتابه: «المنزع البديع فى تجنيس أساليب البديع (١) وكلمة البديع عنده-كما عند ابن البناء وابن أبى الإصبع وابن المعتز-تشمل كل صور البيان وألوان البديع ومحسنات المعانى ووجوهها البلاغية المختلفة، وواضح من اسم الكتاب أنه أراد أن يجارى ابن البناء فى وضع جنس كلى لكل مجموعة من قواعد البديع الجزئية الكثيرة، ورأى أن يخالفه فى الأجناس التى جعلها كليات وعنوانا للفصول السبعة فى البايين الثانى والثالث فى كتابه، وهى عنده عشرة هى: الإيجاز- التخييل-الإشارة-المبالغة-الرصف-المظاهرة-التوضيح-الاتساع-الانثناء-التكرير. وهو يلتقى مع ابن البناء فى الإيجاز ويدخل فيه الحذف اللغوى مثله، غير أن ابن البناء يستنبط منه أربع صيغ بلاغية بينما يستنبط السجلماسى أكثر من عشر صيغ بلاغية، وتقسّم فى أثناء ذلك الصيغ تقسيمات كثيرة، إذ ينقسم الجنس إلى فروع والفرع ينقسم إلى فريعات أو غصون، والغصون تنقسم إلى غصينات دون أن تميّز هذه الأقسام المتولدة والمتنوعة بأسماء تعيّنها، فمثلا عنده المفاضلة ويعنى بها النقص عن المضمون فى الكلم: نوع من الإيجاز، وهى نوعان وكأنها جنس متوسط، والنوع الأول من نوعيها الاختزال، والاختزال بدوره نوعان: اصطلام أى قطع وبتر، وحذف وهو بدوره نوعان: إطلاق وانتهاك، والانتهاك أنواع. وهى صعوبة واضحة فى الكتاب، غير أن فيه ذكاء بارعا وقدرة منطقية إلى أقصى حد ممكن. ونترك جنس الإيجاز إلى جنس التخييل وما يتصل به من التشبيه والاستعارة والمجاز وهو يقابل عنده الفصل الأول من الباب الثانى عند ابن البناء الخاص بكلية التشبيه، والتعبير بالتخييل أدق غير أنه لم يضع فيه الكناية، إذ عقد لها الجنس الثالث فى كتابه، ولكن لا باسمها وإنما باسم الإشارة، والبلاغيون قبله يدخلون فى أنواعها كل ما سماه من أنواعها وفروعها ما عدا حذف الحروف من الكلمة المذكور فى آخر جنسها أو حذف بعض الجمل ويسمونه باسم الاكتفاء. والجنس الرابع عنده المبالغة، وأحسن حين جعل لها جنسا خاصا وقد بدأها بالصيغ اللغوية المستعملة فى المبالغة مثل حسّان-طوال-رحمن-شرّير غير أنه استكثر من أنواعها حتى بلغت نحو المائة واستغرقت اللغة-فيما بعد صفحات كثيرة كما فى ٣٠٦ إلى ٣٠٨ وأيضا فإنه أدخل فيها كثيرا من صيغ المجاز المرسل كتسمية السبب باسم المسبب وعكسه وتسمية الشئ بأولاه وبعقباه. والجنس الخامس الرصف ويعنى به نسق الكلام وترتيبه، ويدخل فيه التسهيم،
стр. 4953
وهو أن يشهد أول الكلام بآخره كما يدخل فيه التقسيم والمقابلة والالتفات أو مراجعة المعنى الماضى. والجنس السادس المظاهرة ويدخل فيها المطابقة وهى الجناس باللفظ المماثل، والمكافأة وهى الطباق وتشمل المقابلة، كما تدخل المقايضة فى مثل قوله : ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ ويسميه ابن أبى الإصبع فى كتابه بديع القرآن: «العكس والتبديل» وتدخل المزاوجة وهى بنفس الاسم عند ابن أبى الإصبع (ص ٢٨ من بديع القرآن) كما يدخل التصدير وهو رد الأعجاز على الصدور عند ابن أبى الإصبع فى كتابه تحرير التحبير ص ١١٦، ويقول إن المتأخرين سموه التصدير، ويدخل الترديد وهو بنفس الاسم عند ابن أبى الإصبع (ص ٩٦ من بديع القرآن). والجنس السابع التوضيح، وكان ينبغى أن يسميه حسن التوضيح لأن التوضيح من حيث هو لا يعد بديعا، ولذلك سماه الرمانى حسن البيان وفى رأيى أن السجلماسى تابع فى ذلك ابن البناء غير أنه تحدث عنه كنوع فى الفصل الرابع أو الكلية الرابعة الخاصة بتفصيل شئ بشئ وجعل منه التفسير كما صنع السجلماسى، وكان حريا به أن يجعله فرعا لأحد الأجناس كجنس الرصف. والجنس الثامن الاتساع وهو أن يحتمل القول أو البيت معنيين أو أكثر، وذكره ابن أبى الإصبع (ص ١٧٣ من بديع القرآن) كما ذكره ابن البناء فى الفصل الرابع أو الكلية الرابعة من الباب الثانى فى كتابه، ولم يتسع السجلماسى بالحديث فيه، وكان حريا أن لا يعقد له جنسا مستقلا. والجنس التاسع الانثناء، وهو بأنواعه الأصلية والفرعية يقابل الفصل الأول أو الكلية الأولى من الباب الثانى عند ابن البناء وهى الخروج من شئ إلى شئ. وربما كانت تسمية الكلية على هذا النحو أدق من تسمية الجنس عند السجلماسى.
والجنس العاشر التكرير وهو نفس الكلية الأخيرة عند ابن البناء، والتجنيس مفرّع عنده إلى نفس فروعه عند ابن البناء، وهما يلتقيان فيها مع ابن أبى الإصبع (ص ٢٧ من بديع القرآن وص ١٠٢ من تحرير التحبير). ومواضع الالتقاء بين ابن أبى الإصبع والسجلماسى كثيرة، وبيانها يحتاج إلى مقابلات وتفصيلات لا تسعها هذه الدراسة. وإنما ذهبت إلى أن ابن البناء هو الذى ألف كتابه أولا ثم ألف السجلماسى كتابه لأنه أخذ منه فكرة الجنس الكلى للقواعد البديعية، وفكرة إدخال مسائل لغوية كثيرة فى دراسة البديع، مع الاشتراك فى أسماء بعض الأجناس والكليات والمصطلحات وفى كثير من التعريفات والأمثلة والشواهد، وكأن ابن البناء هو الذى بدأ فكرة الكليات التى صدر عنها فى كتابه الكليات النحوية وفى هذا الكتاب الخاص بالبديع. والسجلماسى هو الذى انتهى بها إلى الغاية-على هدى علم المنطق-إذ استحالت فكرة الكلية عنده إلى فكرة الجنس وأنواعه، ومضى فى الكتاب يطبق المنطق بقضاياه ومقولاته وأقيسته ولا يخفى ذلك بل يصرح به مرارا، حتى لينقل كلامه بنصه مرارا (انظر الفهرس) ومما لا ريب فيه أن السجلماسى حاول جاهدا أن يمنطق البديع، وتم له ذلك، غير أنه توسع
стр. 4954
فى التفريعات على نحو ما يتضح فى تفريعاته على الإيجاز والمبالغة والمظاهرة والتكرير، ولعل ذلك كان أهم سبب فى أن الكتاب لم يكتب له ولا لمنهجه الذيوع والانتشار فى حلقات دراسة البلاغة والبديع فى البيئات العربية حتى فى بيئة المغرب الأقصى نفسها مع أن فيه أمثلة وشواهد بديعية رائعة تشهد للسجلماسى بحسن ذوقه ورهافة حسّه البديعى أو البلاغى. وقد بذل الأستاذ علال الغازى جهدا واضحا فى تحقيقه لهذا الكتاب ودراسته وما صنع له من فهارس مختلفة.
ونعجب أن ينصرف المغرب الأقصى-بعد السجلماسى-عن الإكباب على كتابه بالدرس والشرح وأن يعنى-مثل مصر والشام-بدراسة كتاب التلخيص للقزوينى المتوفى سنة ٧٣٩ هـ/١٣٨٩ م ولعلى الياصلاتى فى العصر السعدى حاشية على شرح السعد لتلخيص القزوينى وهو تلخيص لعلوم البلاغة الثلاثة: البيان والمعانى والبديع، ولحمدون بن الحاج فى العصر العلوى المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ/١٨١٧ م حاشية على الشرح المختصر لسعد الدين التفتازانى لتخليص القزوينى. ومن يرجع إلى الفصل الذى عقده حاجى خليفة فى كتابه: «كشف الظنون» لتلخيص القزوينى يشعر أنه أصبح المسيطر على كل الأبحاث البلاغية فى العالم العربى، وقد أقبل عليه الشراح يشرحونه يشرحه المغربى والمصرى والعراقى وغيرهم وقد يضعون على الشروح شروحا، ويسمونها حواشى، بحيث أصبح هو وتلك الشروح والحواشى المادة الأساسية لتعليم البلاغة بفروعها المختلفة من بيان ومعان وبديع فى جميع الأقطار والبلدان العربية.
٤ -
علوم (١) القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام
يعنى المغرب الأقصى-من قديم-بقراءات القرآن الكريم، ومن أهم قرائه-قبل عصر المرابطين-أبو عمران موسى بن عيسى الفاسى، أخذ القراءات عن أئمتها فى القيروان ومصر ومكة وبغداد، وأقرأ الناس بالقيروان مدة. وكان يعاصره سليمان بن أحمد الطنجى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ/١٠٤٨ م رحل إلى مصر وبرع فى القراءات كما يقول ابن الجزرى. ونزل سبتة
стр. 4955
قبل عصر المرابطين على بن عبد الغنى الحصرى المتوفى بطنجة سنة ٤٦٨ هـ/١٠٧٥ م وله قصيدة رائية مشهورة فى قراءة نافع. ونلتقى فى عصر المرابطين بالمقرئين: مروان بن سمجون المتوفى سنة ٤٩١ هـ/١٠٩٧ م ولى الصلاة والخطبة بسبتة وتصدّر قديما لإقراء القرآن وكان- كما يقول ابن الجزرى-مقرئا مجودا لغويا، وعلى بن محمد الجذامى نزيل سبتة المتوفى سنة ٥٣٠ أقرأ بها القرآن ودرّس العربية زمانا، وأبو بكر محمد الفلنقى نزيل فاس المتوفى بها سنة ٥٥٣ هـ/١١٥٨ م وكان إماما فى صناعة الإقراء، وله كتاب فى القراءات سماه: الإيماء. ومن القراء فى عصر الموحدين على بن محمد بن هذيل المتوفى سنة ٥٦٤ هـ/١١٦٨ م وإليه انتهت رياسة الإقراء فى شرقى الأندلس، وعلى بن أحمد الكنانى المستوطن لفاس المتوفى بها سنة ٥٦٩ هـ/١١٧٣ م التزم الإمامة بمسجده فى فاس والإقراء فيه ستا وستين سنة، وابن خير محمد المتوفى سنة ٥٧٥ هـ/١١٧٩ م وهو من أئمة المقرئين والمحدثين، ولد ونشأ بفاس واستوطن إشبيلية، وله فهرسة مشهورة ومنشورة بشيوخه وما اطلع عليه من كتب، وكانت له أسانيد فى القراءات متواترها وشاذها فى مجلد خاص. ومن القراء فى هذا العصر عبد الرحمن الجذامى المتوفى سنة ٥٨١ هـ/١١٨٥ م تصدّر للإقراء بسبتة فى مسجد زقاق الخشايين نحوا من ستين سنة، وابن الصقر محمد بن أحمد الأنصارى المراكشى المتوفى سنة ٥٩٠ هـ/١١٩٣ م وكان مقرئا مجوّدا محدثا متسع السماع، ويحيى بن محمد الهوزنى المتوفى سنة ٦٠٢ هـ/١٢٠٥ م تصدر للإقراء بسبتة وله أرجوزة فى غريب القرآن، وعلى بن محمد بن يوسف الفهمى المتوفى سنة ٦١٧ هـ/١٢٢٠ م سكن سلا ثم مراكش وكان قائما على القراءات آية من آيات الله- كما يقول المراكشى-فى حسن الصوت ضريرا وسمعه المنصور يعقوب صاحب موقعة الأرك فأخذ بلبّه طيب نغمته، فقربه واستخلصه لتعليم أبنائه وبناته، وأبو عبد الله محمد بن الحسن الفاسى المتوفى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م ويقول ابن الجزرى إن له شرحا على الشاطبية.
ومن القراء فى عصر المرينيين ابن رشيد صاحب الرحلة المشهورة المتوفى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م بمراكش وكان يروى قصيدة حرز الأمانى المعروفة باسم الشاطبية. وابن آجروم معاصره المار ذكره بين النحاة وله شرح على الشاطبية، وابن برى التازى على بن محمد المتوفى بفاس سنة ٧٣٠ هـ/١٣٣٠ م وله منظومة فى قراءة نافع أحد القراء السبعة سماها الدرر اللوامع. وابن هاني محمد بن على اللخمى السبتى المتوفى شهيدا بجبل الفتح سنة ٧٣٤ هـ/١٣٣٤ م وكان أستاذا فى القراءات والنحو، وأبو القاسم بن عمران الحضرمى السبتى المتوفى سنة ٧٥٠ هـ/١٣٥٠ م وله كتاب الكافى فى القراءات، ومحمد بن محمد بن إبراهيم الخراز المتوفى سنة ٨١٨ هـ/١٤١٦ م صاحب كتاب مورد الظمآن فى حكم رسم أحرف القرآن أتى فيه بزوائد على سابقيه، وله شرح على قصيدة الحصرى فى القراءات. ومن القراء فى عصر السعديين محمد بن أبى جمعة الهبطى الصماتى المتوفى سنة ٩٣٠ هـ/١٥٢٤ م مؤلف
стр. 4956
كتاب وقف القرآن ذكر فيه الكلمات القرآنية التى يوقف عليها من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، ولا يزال العمل جاريا فى المغرب الأقصى إلى الآن فى كتابة المصاحف على ما وضعه ودوّنه فى هذا الكتاب. ولأحمد بن شعيب المتوفى سنة ١٠١٥ هـ/١٦٠٧ م إتقان الصنعة فى قراءة السبعة، ولعبد الواحد بن عاشر أستاذ القراءات المتوفى سنة ١٠٤٠ هـ/١٦٣١ م شرح على مورد الظمآن فى حكم رسم أحرف القرآن للخراز. ومن القراء فى عصر العلويين عبد الرحمن بن القاضى المتوفى سنة ١٠٨٢ هـ/١٦٧٢ م وله منظومة فى القراءات السبع، ومنظومة ثانية فى رسم المكى فى القرآن، وكتاب فى قراءة ابن كثير عالم أم القرى (مكة) وكتاب بيان الخلاف والشهير والاستحسان وما أغفله مورد الظمآن لابن الخراز. وعبد الرحمن المنجرة الصغير المتوفى سنة ١١٧٩ هـ/١٧٦٦ م وله حاشية على شرح التونسى المسمى الطراز فى شرح ضبط الخراز فى رسم أحرف القرآن، وله أيضا حاشية على شرح عبد الواحد بن عاشر المسمى فتح المنان على مورد الظمآن للخراز، ولمحمد بن عبد السلام الفاسى حاشية على شرح الجعبرى على الشاطبية المسماة حرز الأمانى، وله كتاب فى تجويد القرآن، وكتاب ثان فى طبقات المقرئين وكتاب ثالث فى مخارج الحروف.
وظل المغرب الأقصى يعتمد فى تفسير القرآن الكريم على ما ألفه المشرق فيه من كتب حتى إذا كنا فى عصر المرابطين أخذ يظهر فيه بعض المفسرين مثل أبى بكر السبتى محمد بن يعلى المعافرى خال القاضى عياض، وله تفسير لم يتم. وينشط غير عالم مغربى لتفسير الذكر الحكيم فى عصر الموحدين مثل عبد الجليل القصرى من أهل مدينة القصر الكبير المتوفى بسبتة سنة ٦٠٨ هـ/١٢١١ م وله تفسير للقرآن كان يقع-فيما يقال-فى ستين مجلدا، وابن مصالة الفازازى المكناسى المستوطن بأخرة «فاس» المتوفى بعد سنة ٦١١ هـ/١٢١٤ م وكان طوال حياته معتنيا بتفسير القرآن، وأبى الحسن بن الحصار على بن محمد الأنصارى الفاسى المتوفى سنة ٦٢٠ هـ/١٢٢٣ م سكن سبتة ومراكش وغيرهما وله الناسخ والمنسوخ فى القرآن ثلاث نسخ: الأكبر والأوسط والأصغر ومقالة فى إعجاز القرآن وأنشد له ابن عبد الملك المراكشى قصيدة رائية فى اثنين وعشرين بيتا نظمها فى المدنى والمكى من سور القرآن، ومحمد بن يوسف المزدغى المتوفى سنة ٦٥٥ هـ/١٢٥٨ م أقرأ بسبتة وفاس وولى الخطبة والصلاة بجامع القرويين فيها إلى وفاته، وله تفسير حفيل مفيد انتهى فيه إلى سورة الفتح. ومن المفسرين فى عصر الدولة المرينية أحمد بن فرتون السلمى الفاسى المتوفى سنة ٦٦٠ هـ/١٢٦٢ م وهو تلميذ ابن مصالة المار ذكره وله كتاب الاستدراك والإتمام بما فى كتاب السهيلى: التعريف والإعلام بما أبهم فى القرآن العزيز من الأسماء والأعلام، ومحمد بن على بن العابد الأنصارى الفاسى نزيل غرناطة وبها كتب لابن الأحمر، وله اختصار الكشاف للزمخشرى مع تجريده من آرائه الاعتزالية توفى سنة ٦٦٢ هـ/١٢٦٤ م ولابن البناء المار ذكره
стр. 4957
فى الرياضيين والبلاغيين الباء فى البسملة، وتفسير الاسم فيها، وتفسير سورة الكوثر، وتفسير سورة العصر ومتشابه اللفظ فى القرآن، وتسمية الحروف وخاصية وجودها فى أوائل السور، وحاشية على الكشاف للزمخشرى. ونلتقى فى القرن التاسع الهجرى بأبى القاسم السلوى وله تفسير للقرآن الكريم.
ومن المفسرين فى العصر السعدى ابن الحاج الشطيبى المتوفى سنة ٩٦٠ هـ/١٥٥٣ م وله اللباب فى مشكلات الكتاب، وللمنصور الذهبى المتوفى سنة ١٠١٤ هـ/١٦٠٦ م حاشية على الكشاف للزمخشرى وبالمثل لمحمد بن عبد الله الرجراجى قاضى تادلة تلميذ أبى العباس المنجور، ومن مفسرى العصر عبد الله بن طاهر الشريف المتوفى سنة ١٠٤٥ هـ/١٦٣٦ م وله الدر الأزهر فى مناسبات الآيات والسور، وعبد الرحمن العارف المتوفى سنة ١٠٤٦ هـ/١٦٣٧ م وله حاشية على تفسير الجلالين، وعلى بن عبد الواحد الأنصارى السجلماسى، وله تفسير للقرآن الكريم، وتوفى سنة ١٠٥٤ هـ/١٦٤٥ م.
ومن المفسرين فى عصر العلويين إدريس العراقى المتوفى سنة ١١٨٣ هـ/١٧٦٩ م وله حاشية على تفسير الثعلبى، وابن عجيبة المتوفى سنة ١٢٢٤ هـ/١٨٠٩ م وله البحر المديد فى تفسير القرآن المجيد، وكان يعاصره الطيب ابن كيران المتوفى سنة ١٢٢٧ هـ/١٨١٢ م وله تفسير سورة الفاتحة، وتفسير جزء من سورة البقرة، وتفسير من سورة النساء إلى سورة غافر. وكان يعاصرهما حمدون بن الحاج المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ/١٨١٧ م وله تفسير بعض سور القرآن الكريم وحاشية على تفسير أبى السعود وحاشية أخرى على تفسير البيضاوى، ولعبد الرحمن الحائك المتوفى سنة ١٢٣٧ هـ/١٨٢١ م حاشية على تفسير الجلالين.
وينشط المغرب الأقصى فى رواية الحديث النبوى ويشتهر فيها بالقرن الرابع الهجرى أبو محمد الأصيلى عبد الله بن إبراهيم المتوفى سنة ٣٩٢ هـ/١٠٠١ م وهو منسوب إلى مدينة أصيلا على المحيط الأطلسى وبها نشأ وارتحل فى طلب الحديث إلى الأندلس. ثم رحل إلى المشرق فلقى شيوخ القيروان ومصر وحجّ فلقى بمكة سنة ٣٥٣ أبا زيد المروزى وحمل عنه البخارى، وكان يعد من كبار رواته، ولقى بها الأبهرى رئيس المالكية، وروى كل منهما عن صاحبه كما لقى الدار قطنى المحدث الكبير، وروى كل منهما أيضا عن صاحبه، وسمع منه البخارى، ثم سمعه من أبى أحمد الجرجانى، وعاد يحمل نسخة وثيقة صحيحة من البخارى أدق صحة، ونزل الأندلس وأمّه العلماء والطلاب من كل بلد، يحملون عنه صحيح البخارى، ويدل بوضوح على مدى صحتها أن اليونينى الدمشقى فى القرن السابع الهجرى حين أخرج نسخة من صحيح البخارى صحيحة كل الصحة جلب أصل الأصيلى، وكان أحد أربعة أصول
стр. 4958
اعتمد عليها فى المقابلة واتخذ حرف (ص) رمزا له طوال مقابلاته على نحو ما يتضح فى طبعة مصر لصحيح البخارى منذ القرن الماضى.
ونلتقى بعده ببكار بن برهون بن عيسى الغرديس السجلماسى، وكان قد حجّ ولقى بمكة أبا ذر الهروى وسمع منه صحيح البخارى، وعاد إلى المغرب يملى رواية البخارى عنه. ورواية أبى ذر كانت أحد الأصول الأربعة التى اعتمدها اليونينى فى مقابلاته لإخراج نسخته من صحيح البخارى على أدق صورة علمية ممكنة، وتسامع العلماء والطلاب فى المغرب الأقصى بروايته، فرحل إليه كثيرون من المغاربة والأندلسيين يأخذونها عنه وبذلك حظيت المغرب من قديم بروايتين أصيلتين من روايات صحيح البخارى، وكان ابن الغرديس لا يزال على قيد الحياة سنة ٤٨٦ مما يجعله أول محدث كبير يلقانا فى عصر المرابطين. ومن تلامذته يوسف بن عيسى بن الملجوم المتوفى سنة ٤٩٢ هـ/١٠٩٨ م وقد أجاز له سنة ٤٨٦ هـ/١٠٩٣ م وحضر ابن الملجوم مع يوسف بن تاشفين موقعة الزلاقة سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م. وكان ابنه عيسى محدثا على مثاله، وسمع منه ومن شيوخ عصره ورحل إلى سجلماسة. وسمع ابن الغرديس وأخذ عنه. وتهدى سبتة فى عصر المرابطين القاضى عياض إلى علوم الحديث ورواياته وقد توفى سنة ٥٤٤ هـ/١١٤٩ م وبذلك يكون قد لحق عصر الموحدين إذ عاش فى عصرهم بقية قليلة نحو خمس سنوات، ومولده بسبتة سنة ٤٩٦ هـ/١١٠٢ م وله فى الحديث النبوى كتب مختلفة، منها كتاب الشفا فى التعريف بحقوق المصطفى ﷺ ، وشرّق هذا الكتاب وغرّب، وكتبت له شروح كثيرة، ومنها إكمال المعلم بصحيح مسلم، والمعلم لشيخه المازرى الصقلى المتوفى بالمهدية سنة ٥٣٦ هـ/١١٤١ م وقد أضاف إلى شرحه لمسلم زيادات وإضافات، ومنها مشارق الأنوار فى تفسير غريب الحديث بكتبه الصحاح الثلاثة: الموطأ وصحيح البخارى وصحيح مسلم، ويشمل ضبط ألفاظها وتفسيرها مع التنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات.
ومضت رواية الحديث النبوى والتأليف فيه يزدهران فى عصر الموحدين، إذ كان خلفاؤهم يعنون به بل كان منهم من يكثر من مدارسته، حتى نسب إلى الخليفة يوسف بن عبد المؤمن أنه كان يحفظ أحد الصحيحين: صحيح البخارى أو صحيح مسلم كما يقول صاحب المعجب، وكان ابنه يعقوب على غراره، ونال عنده طلبة الحديث ما لم ينالوه فى أيام أبيه وجده كما يقول صاحب المعجب. ويقول ابن أبى زرع فى كتابه روض القرطاس عن ابنه المأمون إدريس (٦٢٤ هـ/١٢٢٧ م-٦٣٠ هـ/١٢٣٣ م) إنه كان إماما فى الحديث ولم يزل أيام خلافته يقرأ كتاب الموطأ وكتاب صحيح البخارى وسنن أبى داود. ومن كبار المحدثين فى عصرهم أبو عبد الله بن الغازى السبتى محمد بن الحسن، وكان راوية للحديث واستقضى ببلده سبتة، توفى سنة ٥٩١ هـ/١١٠٤ م ومنهم على بن عتيق المتوفى سنة ٥٩٨ هـ/١٢٠١ م وكان محدثا
стр. 4959
راوية مكثرا عنى بالحديث طويلا، ومنهم محمد بن قاسم بن عبد الكريم التميمى الفاسى المتوفى سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٧ م رحل فى طلب الحديث النبوى إلى بلاد إفريقية التونسية والبلاد المصرية ودمشق وكان محدثا حافظا ذاكرا للحديث ورجاله وطبقاتهم وتواريخهم، ومن مصنفاته «اللمعة فى ذكر أزواج النبى ﷺ وأولاده السبعة» ومنها الأغذية مما جاء فى الحديث، ومنها تحفة الطالب ومنية الراغب فى الأحاديث النبوية العلية السنية، ومنهم أبو عبد الله بن الصيقل محمد بن عبد الله الحسينى القاضى المتوفى سنة ٦٠٨ هـ/١٢١١ م كان راوية للحديث حافظا لمتونه بصيرا بعلله عارفا برجاله وطبقاتهم وتواريخهم، عنى بذلك أتم عناية ودرس الحديث ببلده فاس واستدرك على عبد الحق فى كتابه الأحكام الكبرى أحاديث كثيرة، ومنهم أبو الحسن ابن القطان على بن محمد بن عبد الملك المتوفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م كان مستبحرا فى علوم الحديث بصيرا بطرقه عارفا برجاله مميزا صحيحه من سقيمه، وله فى الحديث مصنفات نافعة، منها نقع الغلل فى الكلام على أحاديث السنن لأبى داود فى ثلاثة أسفار ضخمة، ومنها كتاب فى الرد على ابن حزم فى كتابه المحلى مما يتعلق به من علم الحديث، ومنها كتاب حافل جمع فيه الحديث الصحيح محذوف السند، كمل منه كتاب الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة فى نحو عشرة مجلدات، وله أحاديث فى فضل التلاوة والذكر، ومقالة فى نعت المحدّثين الحديث بأنه حسن. ومن محدثى عصر الموحدين عمرو بن دحية الكلبى السبتى المتوفى بالقاهرة سنة ٦٣٣ هـ/١٢٣٥ م تجوّل كثيرا فى بلاد الأندلس والشمال الإفريقى والمشرق واستقر أخيرا فى القاهرة وأسند إليه السلطان الكامل رياسة دار الحديث وكانت له عنده حظوة عظيمة، ومن مصنفاته الآيات البينات فى ذكر ما فى أعضاء رسول الله ﷺ من المعجزات، والمستوفى فى أسماء المصطفى، ومنهم أبو عبد الله بن المواق المراكشى قديما الفاسى حديثا المتوفى سنة ٦٤٢ هـ/١٢٤٤ م وله شرح الموطأ وشرح مقدمة صحيح مسلم وتعقيب على كتاب شيخه أبى الحسن بن القطان فى نقده لكتاب الأحكام الكبرى لعبد الحق أظهر فيه دقة معرفته بصناعة الحديث وعلله مع براعة تعقيباته. ومنهم أبو الحسن الشارى على بن محمد المتوفى سنة ٦٤٩ هـ/١٢٥٢ م وكان محدثا راوية مكثرا ثقة عاكفا على العلم جماعة لنفائس الكتب انتقى منها جملة وافرة وقفها على مدرسة شيدها بسبتة، ووقف عليها من أملاكه ما يفى بنفقاتها ونفقات المدرسين فيها والطلاب، وهى منقبة عظيمة له. ومنهم أبو الحسن بن قطرال قاضى الموحدين فى بلدان أندلسية ومغربية كثيرة المتوفى سنة ٦٥١ هـ/١٢٥٤ م وكان محدثا راوية ثقة فيما يحدّث به صحيح السماع.
ومن أهم المحدثين فى عصر المرينيين أبو عبد الله الأزدى محمد بن عبد الله السبتى المتوفى سنة ٦٦٠ هـ/١٢٦٢ م روى عن علماء بلدته، ورحل إلى الأندلس وأخذ عن شيوخها ثم رحل إلى المشرق فأخذ عن جماعة وافرة من شيوخ مصر والإسكندرية ودمشق وحرّان والموصل
стр. 4960
وبغداد وواسط، وعاد إلى بلدته سبتة فروى عنه كثيرون من أهلها ونزلائها، وكان راوية مكثرا ثقة، وكثير من مروياته عن أستاذه ابن الغازى السبتى المار ذكره. ومنهم ابن رشيد المار ذكره بين القراء، وله السّنن الأبين فى السند المعنعن والمحاكمة بين مسلم والبخارى، ومنهم ابن الشاط قاسم بن عبد الله السبتى المتوفى سنة ٧٢٣ هـ/١٣٢٣ م أقرأ-عمره- بمدينة سبتة، وله حاشية على صحيح مسلم. وشرح كتاب الشفا للقاضى عياض غير محدّث، ومنهم فى القرن التاسع الهجرى الزمورى وابن السكاك المتوفى سنة ٨١٨ هـ/١٤١٥ م. ولابن هلال المتوفى سنة ٩٠٣ هـ/١٤٩٧ م اختصار فتح البارى على صحيح البخارى لابن حجر.
ومن المحدثين الكبار فى العصر السعدى سقّين العاصمى السفيانى عبد الرحمن بن على القصرى المتوفى سنة ٩٥٦ هـ/١٥٤٩ م رحل إلى المشرق فى طلب الحديث سنة ٩٠٩ هـ/١٥٠٣ م وأخذ عن تلامذة ابن حجر: زكريا الأنصارى وغيره من الشيوخ المصريين، وتجول فى السودان الغربى ورجع إلى فاس سنة ٩٢٤ هـ/١٥١٨ م وأخذ فى إقراء الحديث على الطلاب حتى وفاته. ومن أهم تلاميذه أحمد المنجور المتوفى سنة ٩٩٥ هـ/١٥٨٧ م ويذكر فى فهرست شيوخه أنه قرأ عليه أو سمع منه كتب الصحاح الستة سوى مصنفات فى الحديث أخرى مما حمله عن المشارقة والمغاربة، مما يدل على اتساعه فى الرواية. ومن محدثى العصر محمد بن قاسم القصار المتوفى سنة ١٠١٢ هـ/١٦٠٤ م، وكان إماما فى رواية الحديث وكان يقرئ تلاميذه صحيحى البخارى ومسلم والشفا لعياض، ومنهم عبد الرحمن العارف المار ذكره بين المفسرين وله حاشية على صحيح البخارى.
ومن المحدثين المهمين فى عصر العلويين محمد بن سليمان الرودانى المتوفى سنة ١٠٩٤ هـ/١٦٨٣ م وله الجمع بين الكتب الخمسة والموطأ، ويقصد بالكتب الخمسة صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن أبى داود وجامع الترمذى وسنن النسائى، وله كتاب ثان جمع فيه بين أربعة عشر كتابا من كتب الحديث سماه جمع الفوائد لجامع الأصول ومجمع الزوائد ضم فيه إلى الأصول الستة السابقة مسند الدارمى ومسند ابن حنبل ومسند أبى يعلى الموصلى ومسند البزار ومعاجم الطبرانى الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير. ومن محدثى العصر إدريس بن محمد الحسينى الفاسى المتوفى سنة ١١٨٣ هـ/١٧٦٩ م وله شرح شمائل الترمذى، وشرح الأحاديث المائة الأولى من الجامع الصغير للسيوطى وتخريج أحاديث الشهاب القضاعى والدرر اللوامع فى الكلام على أحاديث جمع الجوامع. ومنهم التاودى بن سودة المتوفى سنة ١٢٠٩ هـ/١٧٩٥ م وله زاد المجد السارى لمطالع البخارى، وشرح الأربعين النووية.
ونشط المغرب الأقصى-منذ القرن الرابع الهجرى-فى الفقه نشاطا عظيما، ودائما إذا أطلقنا الفقه فى أى بلد مغربى ولم نخصّصه فإنه يراد به الفقه المالكى، إذ عملت أسباب
стр. 4961
مختلفة فى أن يصبح مذهب مالك هو المذهب الفقهى المنتشر بالمغرب فى كل البيئات وكل الأوساط وكل البلدان، وقد يلقانا من حين إلى آخر فقيه شافعى، إذ كان شباب العلماء يرحلون إلى مصر، وكان المذهبان المالكى والشافعى يتنافسان فيها، فربما اختلف بعض هؤلاء الشباب إلى حلقات الشافعية وأعجبهم مذهب الشافعى، وقليل جدا من كانوا يعتنقون هذا المذهب على مر الحقب. وأهم فقيه مالكى نلتقى به فى المغرب الأقصى بالقرن الرابع الهجرى دراس بن إسماعيل الفاسى المتوفى سنة ٣٦٢ هـ/٩٧٢ م، ويقال إن الفقيهين القيروانيين المشهورين أبا الحسن القابسى وابن أبى زيد تتلمذا له، كما يقال إنه هو الذى أدخل مذهب مالك إلى المغرب الأقصى وأنهم كانوا قبل ذلك على مذهب أبى حنيفة الذى كان يدعو إلى اعتناقه الأغالبة فى القيروان. وبعد دراس يلقانا تلميذه عبد الرحيم بن أحمد الكتامى المعروف باسم ابن العجوز السبتى المتوفى سنة ٤١٣ هـ/١٠٢٢ م لازم ابن أبى زيد القيروانى مدة وسمع منه كتابيه: النوادر والمختصر، ونلتقى بأبى عمران الفاسى المار ذكره بين القراء، وإليه انتهت رياسة الفقهاء فى القيروان، وكان يعاصره عبد الله بن غالب المتوفى سنة ٤٣٤ هـ/١٠٤٢ م صحب ابن أبى زيد بالقيروان وتفقه عليه، وكان يعاصرهما عثمان بن مالك الفاسى المتوفى سنة ٤٤٤ هـ/١٠٥٢ م زعيم فقهاء المغرب الأقصى فى وقته، وله تعاليق على مدونة سحنون.
ويدخل عصر المرابطين ومن فقهائه مروان بن سمجون المار ذكره بين القراء، وكان فقيها محدثا مفتيا. ويلقانا بعده على بن القاسم رأس أسرة بنى القاسم بن عشرة بسلا المتوفى سنة ٥٠٢ هـ/١١٠٨ م وكان فقيها حافظا ومحدثا ووجيه أهل بلدته استقضى بها وأورث عقبه سؤددا وشرفا. وكان يعاصره أبو عبد الله التميمى الفاسى المتوفى سنة ٥٠٥ هـ/١١١١ م وهو شيخ القاضى عياض الذى افتتح به فهرسته. ومن فقهاء عصر المرابطين عبد الرحمن بن محمد بن العجوز المتوفى سنة ٥١٠ هـ/١١١٦ م كان يدرس لطلابه المدونة واستقضى للمرابطين فى عدة بلدان بالأندلس والمغرب. ومنهم عبد الله بن على بن سمجون المتوفى سنة ٥٢٤ هـ/١١٢٩ م وكان فقيها حافظا للفروع عارفا بإقرائها وتدريسها والفقه فيها، ولاه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين قضاء الجزيرة ونقل منها إلى غرناطة سنة ٥٠٨ وظل بها إلى وفاته. ومنهم موسى بن عبد الرحمن الصنهاجى المتوفى بمراكش وهو قاضيها سنة ٥٣٥ هـ/١١٤٠ م وكان عالما بالأحكام مقدما فى معرفتها حافظا للرأى ورعا.
ومع أن دولة الموحدين كانت تعتنق فى الفقه المذهب الظاهرى وتدعو إليه، كما مرّ بنا فى الفصل الماضى. فقد ظل المذهب المالكى حيّا طوال العصر، غير أن كتب التراجم لا توضح مدى حياته ولا مدى حياة المذهب الظاهرى، إذ تترجم لفقهاء العصر ترجمات عامة، ولا نعرف أيهم كان ظاهريا وأيهم كان مالكيا. وأومن بأن الكثرة من القضاة كانت ظاهرية
стр. 4962
فضلا عمن كان منهم يتولى منصب قاضى القضاة، إذ الناس على دين ملوكهم، ولعل خير مثال لقاضى القضاة الظاهرى يوضح ما نزعم أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء قاضى القضاة أو رئيسهم فى عهد المنصور يعقوب، فإنه فجّر-على هدى المذهب الظاهرى فى الفقه-أكبر ثورة على سيبويه ونحاة المشرق بكتابه: «الرد على النحاة» إذ صوّب فيها سهامه على نظرية العامل التى تعد الأساس الذى أقام عليه النحاة بناء النحو مقدّرين أن العامل هو الذى يصنع الظواهر النحوية من رفع ونصب وجر وهو الذى يترتب عليه ما لا يكاد يحصى من تقديرات وتعليلات وأقيسة مع ما يضاف إلى ذلك من تمرينات افتراضية. وابن مضاء فى هذه الثورة على النحو وقواعده متأثر فى ذلك كله-كما قلت فى تحقيق الكتاب-بالفقه الظاهرى وما ينكره على المذاهب الفقهية المشهورة من الاعتماد على الأقيسة والتعليلات مما أدى فى التشريع- كما أدى فى النحو-إلى ركام هائل من الافتراضات.
وإنما سقت ذلك لأدل على أن دولة الموحدين كانت جادة فى اعتناق المذهب الظاهرى وكان قضاة القضاة جادين معها فى هذا الاعتناق حتى أن قاضيا منهم يريد أن يطبقه على علم النحو وقواعده. وبالمثل كان كثير من القضاة أنفسهم يعتنقون هذا المذهب، غير أن كتب التراجم-كما قلت-لا توضح ذلك، وأنا أعرض طائفة من فقهاء العصر، محاولا أن أتبين الظاهريين بينهم، وأول من نقف عنده ابن الرمامة المتوفى سنة ٥٦٧ هـ/١١٧١ م وهو من قلعة بنى حماد استوطن مدينة فاس، واشتهر فضله فاستخلصه على بن يوسف بن تاشفين لنفسه، واستخدمه قاضيا لنفسه وطالت حياته حتى لحق عصر الموحدين، وكان شافعى المذهب فلم يكن ظاهريا ولا مالكيا. ونلتقى بعبد الرحيم بن عمر الحضرمى الفاسى المتوفى سنة ٥٨٠ هـ/١١٨٤ م وكان فقيها مالكيا كما ينص على ذلك ابن عبد الملك المراكشى، وكان من أهل التقوى وألف كتابا فى المذهب المالكى.
ويلقانا بعده عمر بن عبد الله بن صمع القرشى المتوفى سنة ٥٩٨ هـ/١٢٠١ م، روى عن كثيرين من بينهم ابن مضاء قاضى القضاة الظاهرى، ويقول ابن عبد الملك إنه صنف فى شواذ المذهب المالكى مصنفا، ولا ندرى هل كان مالكيا أو كان ظاهريا ينتقد مذهب مالك. وكان يعاصره على بن خيار الفاسى المتوفى سنة ٦٠٥ هـ/١٢٠٨ م وكان فقيها محدثا مشاورا (أى مما يرجع إليه القضاة فى الفتوى) ويقول ابن عبد الملك إنه كان رافضا التقليد ميالا إلى النظر والاجتهاد متفننا أى أنه كان متصفا بنفس الصفات التى يدعو إليها المذهب الظاهرى وأنصاره مما يؤكد أنه كان ظاهريا.
ونلتقى بعده بأبى عبد الله بن الصيقل المار ذكره بين المحدثين وقد تقلد منصب قاضى القضاة بعد ابن مضاء إلى أن توفى سنة ٦٠٨ هـ/١٢١١ م وخلفه فى منصبه الفقيه ابن دافال موسى بن
стр. 4963
عيسى بن عمران حتى وفاته سنة ٦٢١ هـ/١٢٢٤ م وتقلد المنصب بعده الفقيه على بن محمد بن أبى عشرة، ونفس منصبهم يؤذن بأنهم كانوا جميعا ظاهرية. ويختم فقهاء الظاهرية فى عهد الموحدين بأبى الحسن بن القطان المار ذكره بين المحدثين، ولا نستدل على ذلك فقط بما ذكره ابن عبد الملك المراكشى فى ترجمته من أنه كان معظما عند الخاصة والعامة من آل دولة بنى عبد المؤمن وأنه حظى كثيرا عند المنصور فابنه الناصر فالمستنصر بن الناصر فعبد الواحد أخى المنصور فالمعتصم بن الناصر، بل نستدل بما هو أهم. فإن من ترجموا له ذكروا أنه رأس طلبة العلم بمراكش ونال بخدمة السلطان دنيا عريضة وما ذلك، إلا لأنه سخّر نفسه للدعوة بل ليصبح شيخ طلبتها، وكانوا يطلقون اسم الطلبة على دعاتهم. وكان لا يزال يقرأ لهم كتب ابن تومرت ويفسر لهم ما فيها من مبادئ الدعوة. وأيضا مما يؤكد ظاهريته وانتصاره للمذهب الظاهرى ما ذكر من أن أبا على بن الطوير المراكشى عمر بن محمد الصنهاجى معاصره الفقيه المالكى ألف كتابا فى إثبات القياس الذى ينكره الظاهرية على المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة: مذهب مالك وأبى حنيفة والشافعى وابن حنبل، فردّ عليه باسم الظاهرية منكرا القياس بكتاب سماه المنزع فى القياس لمناضلة من سلك غير المهيع (الطريق الواضح السديد) فى إثبات القياس.
وانتهى عصر الموحدين وبدأ عصر المرينيين وفيه توقّف فى القضاء العمل بالمذهب الظاهرى وعاد للمذهب المالكى سلطانه كاملا فى القضاء والفقه، ومن فقهائه حينئذ محمد بن إبراهيم الغسانى التاجر بمدينة آسفى المتوفى سنة ٦٦٣ هـ/١٢٦٥ م كان بعد الفراغ من مجلس تدريسه الموطأ والسّير والنحو يقعد فى حانوته لإدارته وكسب عيشه. ومنهم أبو الحسن الصّغيّر الزرويلى على بن عبد الحق المتوفى سنة ٧١٩ هـ/١٣٢٠ م القاضى بتازه ثم بفاس وله تقييد على المدونة. ومنهم تلميذه الشطى محمد بن على بن سليمان المتوفى غريقا فى أسطول أبى الحسن المرينى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م وكانت له حظوة عنده وكان يقرأ عليه. ومنهم تلميذه القباب أحمد بن قاسم المتوفى سنة ٧٧٩ هـ/١٣٧٨ م قال فيه ابن الخطيب فى الإحاطة: «صدر من صدور عدول الحضرة الفاسية، فقيه نبيل مدرك جيد النظر شديد الفهم، وله شرح مسائل الفقيه ابن جماعة المصرى فى البيوع ويقول ابن فرحون فى الديباج إنه شرح مفيد، وله أيضا شرح قواعد الإسلام للقاضى عياض، وفتاوى مجموعة نقل عنها الونشريسى فى كتابه المعيار. ومنهم محمد بن الفتوح المتوفى سنة ٨١٨ هـ/١٤١٥ م وهو الذى أدخل مختصر خليل بن إسحاق إلى المغرب الأقصى. ومنهم محمد بن أحمد بن غازى المتوفى سنة ٩١٧ هـ/١٥١١ م وله شفاء الغليل فى حل مقفل خليل، بيّن فيه-كما يقول الأستاذ كنون-هفوات بهرام، والمواضع المشكلة فى مختصر خليل، وله أيضا تكميل التقييد أكمل به تقييد أبى الحسن الصغير على المدونة.
стр. 4964
ومن أهم الفقهاء فى عصر السعديين اليسيثنى الفاسى محمد بن أحمد المتوفى سنة ٩٥٩ هـ/١٥٥١ م وهو منسوب إلى قبيلة بربرية تسمى يسيثن بالثاء أو بالتاء وكان فقيه فاس ومفتيها، ومنهم مبارك بن على الجزولى المتوفى سنة ٩٨٢ هـ/١٥٧٤ م ويقول أحمد بن القاضى إن قراءته لمختصر خليل فى الفقه المالكى بصورة تحرير المسائل فقط كعادة أهل مصر والمشرق. ومنهم المنجور أحمد بن على المار ذكره بين المحدثين وهو أستاذ المنصور الذهبى وأجازه إجازة عامة فى فهرسه، وله فى الفقه شرح المنهج المنتخب للزقاق. ومنهم عبد الواحد الحميدى المتوفى سنة ١٠٠٣ هـ/١٥٩٤ م وكان عالما بالفقه مستحضرا لمسائل خليل دءوبا على الإقراء والتدريس، ومنهم يحيى بن محمد السراج الفاسى المتوفى سنة ١٠٠٨ هـ/١٥٩٩ م وكان يدرس لطلابه مختصر خليل بن إسحاق المالكى المصرى وشيئا من ألفية ابن مالك والمغنى.
ومن الفقهاء المهمين فى عصر العلويين عبد القادر الفاسى المتوفى سنة ١٠٩١ هـ/١٦٨٠ م وله كتاب باسم المسائل الفقهية عرض فيه العبادات الدينية، وأجوبة فقهية عن طائفة من النوازل. ومنهم المسناوى الدلائى محمد بن أحمد المتوفى سنة ١١٣٦ هـ/١٧٢٤ م وله رسالة نصرة القبض فى الرد على من أنكر مشروعيته فى صلاتى النفل والفرض، وصرف الهمة إلى تحقيق معنى الذمة. ومنهم أبو على الحسن بن رحال المتوفى سنة ١١٤٠ هـ/١٧٢٨ م وله حاشية كبيرة على مختصر خليل وحاشية أخرى على شرح الخرشى عليه، وله أيضا حاشية على شرح ميّارة لتحفة ابن عاصم، ومنهم التاودى بن سودة المذكور بين المحدثين وله حاشية على شرح الزرقانى المصرى لموطأ مالك، وإتحاف الناظر والسامع بشرح مسائل الجامع لخليل وشرح تحفة ابن عاصم وشرح الأربعين النووية، وشرح الزقاقية لأبى الحسن على بن قاسم الزقاق الفاسى المتوفى سنة ٩١٢ هـ/١٥٠٦ م.
ولا بد أن نشير-وقد أنهينا الكلام عن الحركة الفقهة-إلى ظاهرة مهمة كان لها تأثير فى ازدهار الفقه وفتاويه، ونقصد ظاهرة المحاماة والمحامين بجانب القضاة، وهى التى استتبعت فى المغرب كما فى الأندلس ظاهرة التوثيق فكان هناك موثقون وكانت هناك كتب للتوثيق يؤلفها الفقهاء الخبراء بالقضاء والفتوى وهى توضح كيفية كتابة العقود فى المعاملات وغيرها كالمزارعات واستئجارات العقار. ويكرر الحسن الوزان فى كتابه وصف إفريقيا الحديث عنهم فى عهده لأوائل القرن العاشر الهجرى (١).
وآن أن نتحدث عن أصحاب علم الكلام أو علم العقيدة كما يسميه المغاربة، وقد مر بنا فى الفصل الماضى حديث عن المعتزلة: الفرقة الكلامية المشهورة فى القرن الثانى الهجرى وأن
стр. 4965
داعيا لواصل بن عطاء رأس الاعتزال أو دعاة هاجروا إلى المغرب الأقصى واستطاعوا أن يدخلوا فى عقيدة الاعتزال جموعا كبيرة منه ببلدة عرفت بهم تسمى البيضاء وأنهم أيضا استطاعوا- فيما يقال-إدخال إدريس مؤسس الدولة الإدريسية فى عقيدتهم، وأن محمد ابن إدريس الثانى بنى لهم بلدة بالقرب من مدينة أصيلا سماها البصرة إحياء لذكرى واصل البصرى مؤسس الاعتزال فى البصرة بالعراق.
ويبدو أن الاعتزال فى المغرب الأقصى أخذ-فيما بعد-يتلاشى وتلاشت مدينتهم «البصرة» معهم فلم يعدلها أثر. والمهم أن المغرب الأقصى عرف عقيدة الاعتزال الكلامية مبكرا، ومعروف أنها تقوم على خمسة مبادئ هى-كما مر بنا فى الفصل الماضى-وحدانية الله بحيث لا يشبه المخلوقات، وأيضا وحدانيته فى صفاته بحيث تعدّ نفس ذاته، والعدل على الله فهو لا يظلم بحال، وإنفاذه وعده فى النعيم ووعيده فى الجحيم، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين الإيمان والكفر.
ودارت معارك عنيفة بين أهل السنة والمعتزلة القائلين بأن الإنسان حر مختار فى إرادته وأعماله وأن ما جاء فى القرآن الكريم من آيات تفيد التجسيد على الذات العلية تؤوّل فمثل ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ تعنى أن قدرته فوق ما لهم من قدرة، وأهل السنة القائلين بأن إرادة الإنسان وأعماله بقضاء الله وقدره يقولون إن مثل قوله تعالى: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ نؤمن بها حسب الظاهر ولا نعرف كيفية هذه اليد، حتى إذا ظهر أبو الحسن الأشعرى المتوفى سنة ٣٢٤ هـ/٩٣٥ م نفذ إلى تأسيس مذهب كلامى جديد متوسطا فيه بين المعتزلة وأهل السنة إذ ذهب فى مسألة أفعال الإنسان إلى أنها لله خلقا وصنعا وللإنسان كسبا وإرادة، ووافق المعتزلة فى تأويل الآيات التى تفيد التجسيد على الذات العلية. ومر بنا أن المعتزلة كانوا يرون أن صفات الله مثل السميع البصير هى عين ذاته بينما كان أهل السنة يرون أنها زائدة على الذات قائمة بها وأخذ الأشعرى فيها برأى أهل السنة. وحاول التوفيق بين الطرفين المتعارضين فى مسائل أخرى (انظرها فى كتاب العصر العباسى الثانى ص ١٧٧). وعمّ مذهبه فى العراق والشام ومصر، وحمله إلى إفريقية التونسية أبو الحسن القابسى وأبو عمران الفاسى، وأصبح هذا المذهب: مذهب الأشاعرة المذهب الكلامى السائد فى البلدان المغربية.
ونجد فى عصر المرابطين علماء يعرضون هذا العلم: علم الكلام أو العقيدة على طلابهم مثل أبى القاسم المعافرى السبتى المتوفى سنة ٥٠٢ هـ/١١٠٨ م ومثل أبى بكر السبتى المار ذكره بين المفسرين. وندخل فى عصر الموحدين ومر بنا أن ابن تومرت مؤسس دعوتهم زار العراق وجلب منه إلى عقيدته مبادئ من الشيعة والمعتزلة، فمن الشيعة أخذ ثلاثة مبادئ: مبدأ الإمام ومبدأ ظهور المهدى الذى يصلح العالم فى آخر الزمان ويسمّى الإمام المهدى ومبدأ
стр. 4966
العصمة من الوقوع فى الآثام وقد أطلقها جميعا على نفسه، فتلقب بلقب الإمام المهدى المعصوم، وكان يرفع لذلك نسبه إلى الرسول ﷺ كما فى المعجب للمراكشى. وأخذ من المعتزلة مبدأ توحيد الله أو وحدانيته بحيث لا يشبه المخلوقات ولا يجوز عليه التجسيد بأى صورة من الصور وما جاء فى القرآن من آيات يفهم من ظاهرها التجسيد تؤوّل على نحو ما صنع ذلك المعتزلة. وشركت الأشعرية المعتزلة فى اعتناق مبدأ عدم التشبيه على الله، وكانت المعتزلة تمد هذه الوحدانية إلى الصفات-كما مر بنا-فهى عين ذاته لا قائمة بها كما يقول أهل السنة والأشعرى فمثلا الله عليم سميع بصير أى أن ذلك عين ذاته. وأخذ ابن تومرت بذلك كله، أى أنه أخذ مبدأ الوحدانية عن المعتزلة بحذافيره، كما أخذ عنهم فكرة أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين الإيمان والكفر، وأيضا فإنه أقام دعوته-كما يقول صاحب المعجب-على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهو أحد مبادئ المعتزلة المذكورة آنفا. وله فى الدعوة إلى نحلته مصنفات هى: أعز ما يطلب، الإمامة، العقيدة المرشدة. ومن أكبر الدعاة لعقيدة ابن تومرت البيذق وله مصنف فيه ومصنف ثان فى دولة الموحدين حتى نهاية عصر عبد المؤمن بناهما على الدعوة للموحدين، ومن كبار دعاتهم عبد الله بن حماد بن زغبوش المكناسى وله مصنف فى إثبات الهداية الموحدية بالاستقراء من الكتاب العزيز. ومن أهم دعاتهم أبو الحسن بن الإشبيلى على بن محمد بن خليد اللخمى نزيل مراكش، وكان متحققا بعلم الكلام كما يقول ابن عبد الملك المراكشى، ويقول إنه صنف كتابا سماه «المعراج» قدم به على الخليفة عبد المؤمن الموحدى سنة ٥٤١ للهجرة، فحظى عنده ورقاه إلى رتب عليّة نال بسببها دنيا عريضة (١)، ولعل الكتاب كان فى الدعاية لعقيدة الموحدين، إذ نراهم يسندون إليه القيام على إرشاد دعاتهم المسمّين بالطلبة، وكان يقرأ لهم كتب ابن تومرت صاحب الدعوة، ويقول ابن صاحب الصلاة فى كتابه المن بالإمامة أنه سمع عليه مع هؤلاء الطلبة كتب ابن تومرت: عقيدة التوحيد، وهى المسماة العقيدة المرشدة، وكتاب العقيدة المباركة المسماة بالطهارة، وكتاب أعز ما يطلب بقراءة أبى عبد الله بن عميرة. ويقول ابن صاحب الصلاة إن القارئ كان إذا قرأ فصلا مما ذكرته هذه الكتب من عقيدة الموحدين شرح أبو الحسن بن الإشبيلى غامضها وفتح أقفالها على الطلبة حتى يذللها ويبينها أتم بيان (٢).
وممن خلفوا أبا الحسن بن الإشبيلى وقاموا على بث تعاليم دعوة الموحدين فى طلبتهم أو بعبارة أدق فى دعاتهم أبو الحسن (٣) بن القطان المار ذكره بين المحدثين وقد ذكرنا هناك أن من ترجموا له قالوا إنه: «رأس طلبة العلم بمراكش» ويعنى هذا أنه كان يقوم على إرشادهم-فكان
стр. 4967
يشرح لهم كتب ابن تومرت ويفسرها لهم، كما كان يشرح لهم مذهب الظاهرية، ويحتج كما أسلفنا لما يذهبون إليه من إبطال القياس فى الأحكام الفقهية والاقتصار على الكتاب والسنة. ومن علماء الكلام فى عصر الموحدين عثمان السلالجى المتوفى سنة ٥٦٤ هـ/١١٦٨ م وله فى عقيدة الأشعرية منظومة سماها البرهانية فى العقيدة الأشعرية، ومنهم محمد بن عبد الكريم الفندلاوى الفاسى المتوفى سنة ٥٩٦ هـ/١١٩٩ م وكان ماهرا فى علم الكلام، ومثله معاصره على بن عتيق الأنصارى المتوفى سنة ٥٩٨ هـ/١٢٠١ م ومنهم أبو الحجاج نموى الفاسى المتوفى سنة ٦١٤ هـ/١٢١٧ م روى عن السلالجى البرهانية. وكان مبرزا فى علم الكلام، ومنهم أبو الحسن بن الحصار المار ذكره بين المفسرين وله فى علم الكلام مصنف مفيد ومقالة فى الإيمان والإسلام وعقيدة سماها تلقين الوليد وخاتمة السعيد، ومنهم يوسف بن محمد المكلاتى الفاسى المتوفى سنة ٦٢٦ هـ/١٢٢٨ م وكان مبرزا فى علم الكلام.
ومن أصحاب علم الكلام فى عصر المرينيين أبو الحسن الطنجى اليفرنى المتوفى سنة ٧٣٤ هـ/١٣٣٤ م وله شرح على البرهانية للسلالجى سماه: «المباحث العقلية فى شرح معانى العقيدة البرهانية». ومنهم أحمد زروق المتوفى سنة ٨٩٩ هـ/١٤٩٤ م وله شرح العقيدة القدسية. ومن المتكلمين فى العصر السعدى اليسيثنى محمد بن عبد الرحمن الفاسى المار ذكره بين الفقهاء وله رسالة فى خلف الوعيد. ولأحمد المنجور المار ذكره بين المحدثين شرحان على العقيدة الصغرى والكبرى للسنوسى وله شرح مقاصد ابن زكرى فى التوحيد. وللحفصى المتوفى سنة ١٠٣٧ هـ/١٦٢٧ م شرح العقيدتين الكبرى والصغرى فى التوحيد للسنوسى، وتتكاثر شروحهما فى العصر كثرة مفرطة. ومن أصحاب علم الكلام فى عصر العلويين عبد القادر الفاسى المار ذكره بين الفقهاء وله كتاب العقيدة. ومنهم أبو على الحسن اليوسى المار ذكره بين علماء المنطق، وله شرح على السنوسية الصغرى وحاشية على شرح السنوسى للعقيدة الكبرى ولمحمد المهدى الفاسى المتوفى سنة ١١٠٩ هـ/١٦٩٨ م النبذة اليسيرة واللمعة الخطيرة فى مسألة خلق أفعال العباد الشهيرة ومرّ بنا توفيق الأشعرى فيها بين المعتزلة وأهل السنة. ولعمر الفاسى المتوفى سنة ١١٨٨ هـ/١٧٧٤ م حاشية على شرح السنوسى لعقيدته الكبرى.
٥ -
التاريخ
نشط المغرب الأقصى فى كتابة التاريخ منذ عصر المرابطين، ومن أهم من كتب عن دولتهم يحيى بن الصيرفى المؤرخ الغرناطى، فقد ألف عنهم كتابا باسم دولة لمتونة، وهو-
стр. 4968
وإن كان غرناطيا-نزل مراكش طويلا، إذ يذكر فى ترجمته أنه كان من موظفى أمرائها، وتوفى سنة ٥٥٧ عن تسعين سنة. ومنذ عصر الدولة اللمتونية أو دولة المرابطين يصبح تاريخ الأندلس جزءا متمما لتاريخ المغرب الأقصى. وكان يعاصر ابن الصيرفى القاضى عياض السبتى المار ذكره بين المحدثين وله ترجمة للرسول ﷺ باسم كتاب الشفا كما مر بنا، وكتاب فى أعلام مذهب مالك باسم المدارك وكتاب فى شيوخه باسم الغنية.
وتتكاثر فى عصر الموحدين كتب السيرة النبوية العطرة وكتب تاريخ دولة الموحدين وكتب التراجم والفهرسة، أما السيرة فيكتب فيها محمد بن قاسم بن عبد الكريم المتوفى سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٧ م كتاب اللمعة فى ذكر أزواج النبى ﷺ وأبنائه السبعة. ولأبى العباس العزفى المتوفى سنة ٦٣٣ هـ/١٢٣٥ م الدر المنظم فى مولد النبى المعظم، ولابن دحية المار ذكره بين المحدثين كتاب التنوير فى مولد السراج المنير، وكتاب سلسلة الذهب فى نسب سيد العجم والعرب وكتاب المستوفى من أسماء المصطفى، والابتهاج فى المعراج، وله التحقيق فى مناقب أبى بكر الصديق، وله فى التاريخ العام النبراس فى تاريخ خلفاء بنى العباس، وتاريخ الأمم فى أنساب العرب والعجم، وأعلام النصر المبين فى المفاضلة بين أهل صفين.
ونلتقى فى تاريخ دولة الموحدين بثلاثة من مؤرخى الدولة الرسميين بجانب اثنين من المؤرخين غير الرسميين، وأول المؤرخين الرسميين البيذق وله كتاب عن ابن تومرت ودعوته وكتاب ثان عن دولة الموحدين حتى نهاية عصر عبد المؤمن المؤسس الحقيقى للدولة. ويكتب مؤرخ رسمى ثان من حواشى الدولة ورجالها المقربين هو عبد الملك بن صاحب الصلاة المتوفى أواخر القرن السادس الهجرى كتابا عن دولة الموحدين حتى عصره باسم: «المن بالإمامة على المستضعفين بأن جعلهم الله أئمة وجعلهم الوارثين» مشيرا بذلك إلى الآية القرآنية: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْاارِثِينَ﴾ ويدل عنوان الكتاب أنه شديد التعصب لتلك الدولة كما هو واضح فى قسمه الثانى الذى بقى لعصرنا من تاريخه والذى تحتفظ به مكتبة البودليانا فى أوكسفورد، ويشمل تاريخ دولة الموحدين من سنة ٥٥٤ هـ/١١٦٠ م إلى سنة ٥٦٨ هـ/١١٧٢ م وحقق هذا القسم الدكتور عبد الهادى التازى مع مقدمة قيمة ونشره فى دار الغرب الإسلامى. وهو تفصيل لأحداث السنوات الأربع الأخيرة من حياة عبد المؤمن المؤسس الحقيقى للدولة وعشر سنوات لأحداث السنوات العشر الأولى من حياة ابنه يوسف. ونلتقى بمؤرخ غير رسمى هو عبد الواحد المراكشى الذى كان حيا فى العقد الثالث من القرن السابع الهجرى، وله كتاب «المعجب فى تلخيص أخبار المغرب» من لدن فتح الأندلس حتى
стр. 4969
سنة ٦٢١ هـ/١٢٢٤ م وهو يعرض فيه تاريخ الأندلس ودولة المرابطين، ويفصّل القول فى دولة الموحدين بقلم مؤرخ حصيف محايد دون المبالغة التى نلمسها عند البيذق وابن صاحب الصلاة.
وما نلبث أن نلتقى بالمؤرخ الرسمى الثالث لدولة الموحدين وهو أبو محمد حسن بن أبى الحسن على بن القطان المتوفى حوالى منتصف القرن السابع الهجرى وكان من رجال الدولة، ومر بنا ذكر أبيه أبى الحسن بين المحدثين وبين دعاة الموحدين إذ كان من كبار دعاتهم. وأكبر الظن أن ابنه كان مثله من دعاتهم كما سيتضح عما قليل فقد صنف كتابا باسم نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان، وسقط الكتاب من يد الزمن إلا قطعة من سنة ٥٠٠ هـ/١١٠٦ م إلى سنة ٥٣٣ هـ/١١٣٨ م وحققها تحقيقا سديدا مع مقدمة قيمة الدكتور محمود مكى وقد كان متحاملا على دولة المرابطين تحاملا شديدا حتى جعل حكامها مجسمين للذات العلية وكفارا مع ما لهم من خدمات عظيمة للإسلام وانتصارات كبرى على النصارى فى الأندلس، ولكنه التعصب البغيض. وعرض فى كتابه ترجمة ضافية لابن تومرت أشاد فيها به وبدعوته، حتى ليرفع نسبه إلى رسول الله ﷺ ويطيل الحديث عن أنه معصوم وعن كرامات عبد المؤمن، ويذكر أن ابن تومرت فرض على أصحابه أن يقرءوا بعد صلاة الصبح كل يوم حزبا من القرآن الكريم، وحزبا له ضمنه حديثا عن القدر والإيمان وأنه الإمام المهدى الواجب اتباعه وكفّر من لم يطعه ولم يصلّ عليه هكذا يقول أبو محمد بن القطان.
والترجمة دعاية سافرة لابن تومرت ودعوته، ولا بد أن بقية الكتاب المفقودة كانت على هذه الشاكلة من المبالغة المفرطة فى الدعاية للموحدين. ونضم إلى هذه الكتب التاريخية كتاب البيان المغرب لابن عذارى المراكشى، وهو تاريخ للمغرب والأندلس منذ الفتح إلى آخر أيام الموحدين. وهو أهم مصدر تاريخى لهما، ونشرت منه أولا أجزاء متفرقة، وأمكن أخيرا نشر أربعة أجزاء منه فى بيروت. ونشر القسم الخاص منه بالمرابطين والموحدين فى طبعة جديدة بدار الغرب الإسلامى فى بيروت وهو أوسع وأدق مصدر للدولتين. ونضم أيضا إلى الكتب السالفة كتاب الحلل الموشية فى ذكر الأخبار المراكشية لمؤلف مجهول طبع الدار البيضاء وهو عن دولتى المرابطين والموحدين. ومن كتب التراجم فى هذا العصر كتاب المستفاد فى مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد لمحمد بن قاسم بن عبد الكريم وله أيضا بستان العابدين وريحان العارفين فى ذكر أهل الصفوة والانقطاع إلى الله بالخلوة. ومنها التشوف إلى رجال التصوف لابن الزيات يوسف بن يحيى التادلى المتوفى سنة ٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م ولابن المواق المار ذكره بين المحدثين شيوخ الدار قطنى، ولأحمد بن يوسف ابن فرتون الفاسى المتوفى سنة ٦٦٠ هـ/١٢٦٢ م ذيل كتاب الصلة لابن بشكوال وهو مصدر أساسى لابن الزبير فى كتابه
стр. 4970
صلة الصلة، وتكثر الكتب المسماة بالفهارس والبرامج عن الشيوخ لمؤلفيها وما حملوا عنهم من الكتب.
ونمضى إلى عصر المرينيين ونلتقى بأبى عبد الله محمد بن عبد الملك الأوسى الأنصارى المراكشى المتوفى سنة ٧٠٣ هـ/١٣٠٤ م وموسوعته: الذيل والتكملة لكتابى الموصول والصلة، وهى موسوعة كبرى طبع منها بعض أجزائها بتحقيق د. إحسان عباس والجزء الثامن فى مجلدين بتحقيق د. محمد بنشريفة، وهو من أهم مراجعى فى الحركة الثقافية حتى نهاية القرن السابع الهجرى. وما نلبث أن نلتقى بابن أبى زرع الفاسى المتوفى سنة ٧٢٧ هـ/١٣٢٧ م وقيل بل توفى سنة ٧٤١ وهو صاحب كتاب «روض القرطاس فى أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس» وهو أجمع تاريخ للمغرب من قيام الدولة الإدريسية إلى سنة ٧٢٦ من سنوات عهد السلطان المرينى أبى سعيد عثمان بن يعقوب، وكان يعاصره ابن هاني اللخمى السبتى المار ذكره بين النحاة صاحب كتاب الغرة الطالعة فى شعراء المائة السابعة، وكان فى عصرهما أبو الحسن الجزنائى صاحب زهرة الآس فى بناء مدينة فاس. ونلتقى فى القرن التاسع الهجرى بالحضرمى وكتاب الكوكب الوقاد فيمن حل بسبتة من العلماء والصلحاء والعباد، وله بلوغ الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة من مدرس وأستاذ وطبيب فرغ منه سنة ٨٢٤ هـ/١٤٢١ م ويلقانا محمد بن غازى المكناسى المار ذكره بين الفقهاء وله الروض الهتون فى أخبار مكناسة الزيتون، ولمجهول كتاب الذخيرة السنية فى أخبار الدولة المرينية والموجود منه ينتهى عند سنة ٦٧٩ للهجرة.
ونلتقى فى عصر السعديين بابن عسكر المتوفى سنة ٩٨٦ هـ/١٥٧٩ م وله كتاب دوحة الناشر فى علماء القرن العاشر وهو منشور بتحقيق الدكتور محمد حجى. ويلقانا أحمد بن القاضى المتوفى سنة ١٠٢٥ هـ/١٦١٧ م وله ترجمة للخليفة المنصور الذهبى باسم المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور، وله درة الحجال فى أسماء الرجال، وجذوة الاقتباس فيمن حلّ من الأعلام بمدينة فاس، وغنية الرائض فى طبقات أهل الحساب والفرائض. كما يلقانا عبد العزيز الفشتالى المتوفى سنة ١٠٣١ هـ/١٦٢٢ م وله كتابه مناهل الصفا فى أخبار الملوك الشرفا بتحقيق الأستاذ عبد الله كنون. وينبغى أن نضم إليهم أحمد بابا التنبوكتى السودانى نزيل مراكش المتوفى سنة ١٠٣٢ هـ/١٦٢٣ م وفيها ألف نيل الابتهاج وهو تذييل لكتاب الديباج لابن فرحون وألف أيضا كتاب كفاية المحتاج اختصارا لكتابه السابق. ويختم مؤرخو العصر بأحمد المقرى التوفى سنة ١٠٤١ هـ/١٦٣٢ م وله أزهار الرياض فى أخبار عياض، والموسوعة الأندلسية: «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها
стр. 4971
لسان الدين بن الخطيب» ألفه بالقاهرة، وله أيضا روضة الآس العاطرة الأنفاس فى ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس. ودائما تؤلف فى المغرب الأقصى كتب برامج وفهارس كثيرة.
ومن أهم المؤرخين فى عصر العلويين أبو عبد الله محمد الأفرانى المراكشى المتوفى بعد سنة ١١٥٣ هـ/١٧٤٠ م وله «نزهة الحادى بأخبار ملوك القرن الحادى» فى تاريخ الدولة السعدية وصدر الدولة العلوية، وأيضا «صفوة ما انتشر من أخبار أهل القرن الحادى عشر» ومثله فى الأهمية ابن الطيب القادرى المتوفى سنة ١١٨٧ هـ/١٧٧٣ م وله نشر المثانى فى أخبار أهل القرن الحادى عشر والثانى، وتذييل على كفاية المحتاج لأحمد بابا.
стр. 4972
الفصل الرّابع
نشاط الشعر والشعراء
١ -
تعرب المغرب الأقصى-كثرة الشعراء
(أ) تعرب المغرب الأقصى
مرّ بنا. فى الفصل الثانى-أنه كانت تعيش فى بلاد المغرب-من قديم-سكان من قبائل البربر الكثيرة، وأنه نزلتها قبل الفتح العربى الإسلامى عناصر جنسية مختلفة، منها الآسيوى مثل الفينيقيين والقرطاجيين واليهود، ومنها الأوربى مثل الإغريق والرومان والفندال. وفى الفتح نزلها عرب من آسيا قحطانيون يمانيون وعدنانيون مضريون، ونزلها معهم من كان فى جيوشهم من إيران والعراق والشام ومصر، ممن تم تعربهم وحسن إسلامهم. ولم يفتحوا جميعا المغرب ابتغاء الاستيلاء على طيّباته وخيراته، وإنما فتحوه ابتغاء نشر الدين الحنيف، فهم فاتحون ومجاهدون فى سبيل الله وسبيل دينه القويم يريدون أن ينشروه فى أطباق الأرض. وسرعان ما أخذ المغاربة يدخلون فيه أفواجا، لما رأوا فى تعاليمه من تسوية مطلقة بين أتباعه، بحيث يصبح لمن يعتنقه من البربر وغيرهم جميع ما للعربى الفاتح من الحقوق فى شئون المال وغير شئون المال، وبحيث يعم العدل المطلق الذى لا تصلح حياة الشعوب بدونه. وقد حكموا قبل العرب بالفينيقيين والرومان والإغريق، وجميعهم كانوا يرهقونهم بضرائب فادحة، وكانوا يسومونهم صورا مقيتة من الظلم التعس والقهر البشع، وما إن فتح العرب البلاد المغربية حتى ارتفع عنها القهر والظلم والضرائب الباهظة وحلّ مكان ذلك كله العدل التام الذى يكفل للناس حقوقهم دون أى ظلم أو حيف ويسوّى بينهم فى مواجهة الحياة بقسطاس سليم. وليس ذلك كل ما راعهم فى الدين الحنيف فقد راعتهم فيه أيضا بساطته الروحية بالقياس إلى المسيحية التى ظل الرومان والإغريق يحاولون نشرها فى ديارهم، إذ ليس فيه فكرة التثليث المعقدة فى المسيحية، إنما هو إله واحد يدبر الكون، ولا معبود سواه من أوثان وأحجار وكواكب مما كانت تعبده جماهير البربر قبل الفتح العربى. لذلك لا نعجب إذا رأينا البربر فى القرن الهجرى الأول يقبلون جماعات ووحدانا على اعتناق الإسلام، بفضل حملته من الفاتحين الذين تحولت كثرتهم إلى ما يشبه معلمين يعلمون إخوانهم من البربر تعاليم دينهم الحنيف.
стр. 4973
وصدر ولاة القرن الأول الهجرى عن تلك التعاليم فى معاملتهم لهم معاملة تقوم على الإخاء والعدل والمساواة، فقد مر بنا أن حسان بن النعمان (٧١ - ٨٦ هـ) اتخذ من قبيلة جراوة الزنانية كتيبة عدادها اثنا عشر ألفا ألحقها بجيشه، وبذلك أصبح البربر المسلمون رفقاء سلاح للعرب، يقتسمون معهم بالسوية غنائم الحرب، وليس ذلك فحسب فإنه ولّى على تلك القبيلة ابنا للكاهنة التى هزمها فى معركة ضارية، وبذلك أصبح البربر يقودون الكتائب فى الجيش العربى ويتولون بعض الولايات مثل إخوانهم من العرب تماما، وكان من تدبيره السياسى الحكيم أن وزّع على صغار الفلاحين من البربر مساحات كبيرة من الأراضى الزراعية التى كانت تمتلكها الحكومة البيزنطية، مما جذب إليه وإلى الإسلام قلوب البربر، ووضع الخراج على الأرض بعدالة تامة وبدون أدنى ظلم أو عسف. ودعم العربية إذ دوّن الدواوين وجعلها اللغة الرسمية، فأضاف حاجة البربر إليها فى تخاطبهم مع الحكومة العربية وولاتها الكثيرين إلى حاجتهم إليها فى أداء شعائر الإسلام وتلاوة كتابه التى تعد جزءا لا يتجزأ من اعتناق البربرى للدين الحنيف. وخلف حسانا موسى بن نصير على ولاية المغرب (٨٦ - ٩٦ هـ) فأحكم مثله المساواة التامة بين العرب والبربر فى جميع الحقوق وجميع الشئون الخاصة بالحكومة، وقد فتح منطقة زغوان وصار على رأس جيش عربى بربرى حتى المغرب الأقصى يرتب شئون الولايات التى قسم إليها المغرب، وقد جعل منها للمغرب الأقصى ولايتين: ولاية السوس أو سجلماسة فى الجنوب وولاية طنجة فى الشمال، وجعل على طنجة واليا بربريا هو طارق بن زياد الورفجومى، وأبقى معه-فى قول بعض المؤرخين-تسعة وعشرين ألف جندى: سبعة عشر ألفا من العرب واثنى عشر ألفا من البربر، وأمر العرب أن يعلموا إخوانهم البربر ما يتيسر من القرآن الكريم وتعاليم الإسلام. وفى سنة ٩٢ هـ/٧١١ م كتب موسى إلى طارق أن يغزو الأندلس-أو بعبارة أدق-إيبيريا، فجهّز جيشا عداده اثنا عشر ألفا اجتاز الزقاق إلى إيبيريا، ونزل فى مكان سمّى باسمه جبل طارق، وفتح طارق فى برهة قصيرة شطرا كبيرا من إيبيريا، واستمدّ موسى، فتبعه موسى بجيش، وأتما معا فتح إيبيريا.
وإنما سقنا ذلك كله لندل على أن البربر أصبحوا سريعا منذ القرن الهجرى الأول أمة عربية تدين بالإسلام وتنطق جماهير كبيرة منها العربية، وما نكاد نتقدم فى العقد الثانى للهجرة حتى يتولى على المغرب يزيد بن أبى مسلم صاحب شرطة الحجاج سنة ١٠٢ هـ/٧٢٠ م فينقض سياسة ولاة المغرب قبله ويأخذ فى فرض الضرائب الباهظة على البربر، فما يستدير عام ولايته الأول حتى يقتلوه، وما هى إلا سنوات حتى تولى على المغرب فى سنة ١١٤ هـ/٧٣٢ م عبيد الله بن الحبحاب، فأوحى إلى عماله فى جميع أنحاء المغرب أن يفرّقوا بين البربر والعرب فى الخراج وجميع الشئون المالية، واستشعر البربر فى ذلك عسفا لا يطاق، وكان قد نزل بديارهم كثيرون من الخوارج وخاصة من فرقتى الصفرية والإباضية، وكثر الأولون فى المغرب
стр. 4974
الأقصى والثانون فى جبل نفوسة بليبيا وأعجب البربر بمادئهما وما تقرّر من التسوية المطلقة بين العرب والموالى بربرا وغير بربر فى شئون المال والضرائب وشئون الحكم حتى فى تولى الخلافة، فينبغى أن يتولاها أكفأ المسلمين عربيا أو بربريا أو عبدا حبشيّا. واعتنق المذهب الصفرى كثيرون من أهل المغرب الأقصى، وتولّى زعامتهم ميسرة ثم خالد بن حميد الزناتى، وواقعوا جيوش الدولة وانتصروا عليها مرارا، وانسحب منهم سمكو بن واسول فكون دولة صفرية فى سجلماسة ظلت حتى أواخر القرن الثالث الهجرى، أما صفرية الشمال فى طنجة وإقليمها فقد ظلت تنازل الولاة فى عهد بنى العباس حتى قضى عليهم يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ). ويطيب لبعض المستشرقين أن يجعلوا من اعتناق البربر لمبادئ الخوارج فى النصف الأول من القرن الثانى الهجرى دليلا على أن المغاربة أو البربر حاولوا أن يرفضوا الإسلام حينئذ والعروبة معه، وهو رأى مخطئ أشد الخطأ، لأن البربر لم يفكروا يوما فى رفض دينهم الحنيف الذى اعتنقوه ولا فى رفض العربية التى تغلغلت فى أعماقهم وعبروا بها عن مشاعرهم وعواطفهم وأهوائهم، إنما كل ما هناك أنهم ثاروا على الظلم والعسف فى جمع الضرائب المجحفة التى ينكرها الإسلام كما ينكر التفرقة بين العربى المسلم والبربرى المسلم فى الحقوق المالية وغير المالية، فثورتهم إنما كانت مطالبة شرعية بتطبيق مبادئ دينهم وما ابتغاه من العدل المطلق بين أتباعه عربا وبربرا وغير بربر. ومن أكبر الدلالة على مدى ما حدث بين البربر من شعور عميق بالتعرب أن نجد قبائلهم جميعا تحاول كل منهم-منذ القرن الثانى الهجرى-أن تلفق لها نسبا يصلها بالعرب، ومر بنا فى الفصل الثانى أن قبائلهم كانت ترجع إلى جذمين أو أصلين كبيرين هما البرانس والبتر، وكانت البرانس تحاول الانتماء إلى العرب القحطانيين، بينما كانت القبائل البتر تحاول الانتماء إلى القبائل العدنانية.
وما نتقدم فى المغرب الأقصى إلى سنة ١٧٢ هـ/٧٨٨ م حتى نجد إدريس بن عبد الله الحسنى يصل بفراره من وجه العباسيين إلى مدينة وليلى وينزل على إسحاق بن محمد زعيم قبيلة أوربة ويعرفه بنفسه فيكرمه إكراما لا مزيد عليه ويطلعه على سره وأنه يريد أن يؤسس للعلويين بالمغرب الأقصى دولة، فجمع له عشائر قبيلته وبايعته، وسمعت به قبائل زواغة ومكناسة وغمارة وعشائر من زنانة فوفدت عليه وبايعته ولم يلبث أن جهز جيشا نازل به تادلة جنوبى وليلى وتامسنة على المحيط، وكان بعض أهلهما لا يزال وثنيا أو يؤمن باليهودية أو المسيحية، ففتح حصونهم وأسلموا جميعا. وبذلك تأسست دولة الأدارسة فى وليلى وسرعان ما أسس إدريس الثانى خليفة أبيه إدريس مدينة فاس فى سنة ١٩٢ هـ/٨٠٧ م.
وكانت تلك الدولة الإدريسية أول دولة إسلامية عربية تأسست فى المغرب الأقصى، ومضى إدريس الثانى وأبناؤه وأحفاده إلى نهاية دولتهم سنة ٣٠٤ هـ/٩١٦ م ينشرون الإسلام السنى فى تلك الديار ويطهرونها من الصفرية والرافضة، وفتح إدريس الثانى أبواب دولته لوفود شخصيات
стр. 4975
عربية من القيروان والمشرق، ووفد عليه مئات أسكنهم فى أحد شطرى مدينة فاس وسمى لذلك باسم العدوة القروية، ولما أخفقت ثورة الفقهاء فى قرطبة على الحكم الربضى وطردهم منها ولّى مئات منهم وجوههم نحو مدينة فاس فأسكنهم إدريس الثانى الشطر المقابل لعدوة القرويين، وسمى لذلك العدوة الأندلسية. وأخذ الأدارسة منذ أيامهم الأولى يعنون بفتح الكتاتيب فى المدن وتحفيظ الناشئة القرآن الكريم، وأخذت تنشأ فى المساجد سريعا حلقات المفسرين والمحدثين والفقهاء ومن يعلمون الناس العربية والنطق السديد بها، وبذلك كله رسخ الإسلام ورسخت العروبة فى المغرب الأقصى إلى الأبد. وأخذت الدراسات الدينية واللغوية تنشط فيه لعهد الأدارسة وبعد عهدهم، ولا يلبث كثيرون من طلاب العلم فيه يريدون أن يتزودوا بأكبر حظ فيفدوا على القيروان ومصر وبلاد المشرق للاستماع إلى كبار العلماء فيها مالكية وغير مالكية ويعودوا بما حملوه من العلم إلى بلدانهم يعلمونه فيها، وما يكاد ينتصف القرن الرابع حتى يصبح للمغرب الأقصى علماؤه وفقهاؤه ومحدثوه الذين تعنى كتب التراجم بإعطاء معلومات عن حياتهم مثل دراس بن إسماعيل الفاسى ومعاصره أبى جيدة وغيرهما كثيرون.
وتحدث الهجرة الأعرابية الكبرى حول منتصف القرن الخامس الهجرى وتنزل قبائلها وعشائرها فى برقة وتونس والجزائر شرقا وغربا وقلما تسقط عشائر منها إلى المغرب الأقصى، وكان مستمرا فى نشاطه العلمى والأدبى بفضل جامع القرويين أو جامعته الكبرى التى أنشئت سنة ٢٤٥ هـ/٨٥٩ م وكانت سيدة فاضلة من مهاجرة القيروان تسمى أم البنين الفهرية بنت هذا الجامع فاستحال-من حينئذ-سريعا إلى جامعة، وهى تعد أقدم جامعة إسلامية عربية فى العالم العربى، ومضى العلماء فيها يعنون بالعلوم الدينية واللغوية ونشرها تلاميذهم فى أرجاء المغرب الأقصى. ونمضى مع التاريخ حتى القرن الخامس الهجرى، فيدخل الفقيه الجليل عبد الله بن ياسين بلاد صنهاجة فى جنوبى المغرب الأقصى ليحفظهم القرآن الكريم وكان حصيفا سيوسا بعيد النظر فعمل على تثبيت دعائم الإسلام فى السوس ودرعة وسجلماسة وما وراء تلك البلدان فى الصحراء المترامية، وكوّن من صنهاجة جيشا لردع ما انتشر فى بعض بلدان المغرب الأقصى من الزيغ والفساد، وبدأ بمدينة تارودنت ومن بها من روافض سمّوا باسم البجلية نسبة إلى عبد الله البجلى الرافضى الذى نزلها فى القرن الرابع الهجرى وأشاع فيها نحلته المارقة، فحاربهم عبد الله بن ياسين وانتصر عليهم وردهم إلى الإسلام السنى، ومضى إلى تامسنة ونازل فيها برغواطة التى كانت قد اعتنقت نحلة زائغة ضالة، وأنزل الله عليه النصر المبين، غير أنه استشهد فى المعركة لسنة ٤٥١ هـ/١٠٥٩ م وله فضل تطهير البلاد من الفرق والنحل الضالة وفضل تأسيس دولة المرابطين. وكان يلى أمرها-حين وفاته- أبو بكر بن عمر اللمتونى، فأسلمها إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، فاستولى على مدينة فاس وبنى مراكش سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م وجعلها عاصمة للدولة، أما أبو بكر بن عمر فمضى