لسان الدين بن الخطيب» ألفه بالقاهرة، وله أيضا روضة الآس العاطرة الأنفاس فى ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس. ودائما تؤلف فى المغرب الأقصى كتب برامج وفهارس كثيرة.
ومن أهم المؤرخين فى عصر العلويين أبو عبد الله محمد الأفرانى المراكشى المتوفى بعد سنة ١١٥٣ هـ/١٧٤٠ م وله «نزهة الحادى بأخبار ملوك القرن الحادى» فى تاريخ الدولة السعدية وصدر الدولة العلوية، وأيضا «صفوة ما انتشر من أخبار أهل القرن الحادى عشر» ومثله فى الأهمية ابن الطيب القادرى المتوفى سنة ١١٨٧ هـ/١٧٧٣ م وله نشر المثانى فى أخبار أهل القرن الحادى عشر والثانى، وتذييل على كفاية المحتاج لأحمد بابا.
стр. 4972
الفصل الرّابع
نشاط الشعر والشعراء
١ -
تعرب المغرب الأقصى-كثرة الشعراء
(أ) تعرب المغرب الأقصى
مرّ بنا. فى الفصل الثانى-أنه كانت تعيش فى بلاد المغرب-من قديم-سكان من قبائل البربر الكثيرة، وأنه نزلتها قبل الفتح العربى الإسلامى عناصر جنسية مختلفة، منها الآسيوى مثل الفينيقيين والقرطاجيين واليهود، ومنها الأوربى مثل الإغريق والرومان والفندال. وفى الفتح نزلها عرب من آسيا قحطانيون يمانيون وعدنانيون مضريون، ونزلها معهم من كان فى جيوشهم من إيران والعراق والشام ومصر، ممن تم تعربهم وحسن إسلامهم. ولم يفتحوا جميعا المغرب ابتغاء الاستيلاء على طيّباته وخيراته، وإنما فتحوه ابتغاء نشر الدين الحنيف، فهم فاتحون ومجاهدون فى سبيل الله وسبيل دينه القويم يريدون أن ينشروه فى أطباق الأرض. وسرعان ما أخذ المغاربة يدخلون فيه أفواجا، لما رأوا فى تعاليمه من تسوية مطلقة بين أتباعه، بحيث يصبح لمن يعتنقه من البربر وغيرهم جميع ما للعربى الفاتح من الحقوق فى شئون المال وغير شئون المال، وبحيث يعم العدل المطلق الذى لا تصلح حياة الشعوب بدونه. وقد حكموا قبل العرب بالفينيقيين والرومان والإغريق، وجميعهم كانوا يرهقونهم بضرائب فادحة، وكانوا يسومونهم صورا مقيتة من الظلم التعس والقهر البشع، وما إن فتح العرب البلاد المغربية حتى ارتفع عنها القهر والظلم والضرائب الباهظة وحلّ مكان ذلك كله العدل التام الذى يكفل للناس حقوقهم دون أى ظلم أو حيف ويسوّى بينهم فى مواجهة الحياة بقسطاس سليم. وليس ذلك كل ما راعهم فى الدين الحنيف فقد راعتهم فيه أيضا بساطته الروحية بالقياس إلى المسيحية التى ظل الرومان والإغريق يحاولون نشرها فى ديارهم، إذ ليس فيه فكرة التثليث المعقدة فى المسيحية، إنما هو إله واحد يدبر الكون، ولا معبود سواه من أوثان وأحجار وكواكب مما كانت تعبده جماهير البربر قبل الفتح العربى. لذلك لا نعجب إذا رأينا البربر فى القرن الهجرى الأول يقبلون جماعات ووحدانا على اعتناق الإسلام، بفضل حملته من الفاتحين الذين تحولت كثرتهم إلى ما يشبه معلمين يعلمون إخوانهم من البربر تعاليم دينهم الحنيف.
стр. 4973
وصدر ولاة القرن الأول الهجرى عن تلك التعاليم فى معاملتهم لهم معاملة تقوم على الإخاء والعدل والمساواة، فقد مر بنا أن حسان بن النعمان (٧١ - ٨٦ هـ) اتخذ من قبيلة جراوة الزنانية كتيبة عدادها اثنا عشر ألفا ألحقها بجيشه، وبذلك أصبح البربر المسلمون رفقاء سلاح للعرب، يقتسمون معهم بالسوية غنائم الحرب، وليس ذلك فحسب فإنه ولّى على تلك القبيلة ابنا للكاهنة التى هزمها فى معركة ضارية، وبذلك أصبح البربر يقودون الكتائب فى الجيش العربى ويتولون بعض الولايات مثل إخوانهم من العرب تماما، وكان من تدبيره السياسى الحكيم أن وزّع على صغار الفلاحين من البربر مساحات كبيرة من الأراضى الزراعية التى كانت تمتلكها الحكومة البيزنطية، مما جذب إليه وإلى الإسلام قلوب البربر، ووضع الخراج على الأرض بعدالة تامة وبدون أدنى ظلم أو عسف. ودعم العربية إذ دوّن الدواوين وجعلها اللغة الرسمية، فأضاف حاجة البربر إليها فى تخاطبهم مع الحكومة العربية وولاتها الكثيرين إلى حاجتهم إليها فى أداء شعائر الإسلام وتلاوة كتابه التى تعد جزءا لا يتجزأ من اعتناق البربرى للدين الحنيف. وخلف حسانا موسى بن نصير على ولاية المغرب (٨٦ - ٩٦ هـ) فأحكم مثله المساواة التامة بين العرب والبربر فى جميع الحقوق وجميع الشئون الخاصة بالحكومة، وقد فتح منطقة زغوان وصار على رأس جيش عربى بربرى حتى المغرب الأقصى يرتب شئون الولايات التى قسم إليها المغرب، وقد جعل منها للمغرب الأقصى ولايتين: ولاية السوس أو سجلماسة فى الجنوب وولاية طنجة فى الشمال، وجعل على طنجة واليا بربريا هو طارق بن زياد الورفجومى، وأبقى معه-فى قول بعض المؤرخين-تسعة وعشرين ألف جندى: سبعة عشر ألفا من العرب واثنى عشر ألفا من البربر، وأمر العرب أن يعلموا إخوانهم البربر ما يتيسر من القرآن الكريم وتعاليم الإسلام. وفى سنة ٩٢ هـ/٧١١ م كتب موسى إلى طارق أن يغزو الأندلس-أو بعبارة أدق-إيبيريا، فجهّز جيشا عداده اثنا عشر ألفا اجتاز الزقاق إلى إيبيريا، ونزل فى مكان سمّى باسمه جبل طارق، وفتح طارق فى برهة قصيرة شطرا كبيرا من إيبيريا، واستمدّ موسى، فتبعه موسى بجيش، وأتما معا فتح إيبيريا.
وإنما سقنا ذلك كله لندل على أن البربر أصبحوا سريعا منذ القرن الهجرى الأول أمة عربية تدين بالإسلام وتنطق جماهير كبيرة منها العربية، وما نكاد نتقدم فى العقد الثانى للهجرة حتى يتولى على المغرب يزيد بن أبى مسلم صاحب شرطة الحجاج سنة ١٠٢ هـ/٧٢٠ م فينقض سياسة ولاة المغرب قبله ويأخذ فى فرض الضرائب الباهظة على البربر، فما يستدير عام ولايته الأول حتى يقتلوه، وما هى إلا سنوات حتى تولى على المغرب فى سنة ١١٤ هـ/٧٣٢ م عبيد الله بن الحبحاب، فأوحى إلى عماله فى جميع أنحاء المغرب أن يفرّقوا بين البربر والعرب فى الخراج وجميع الشئون المالية، واستشعر البربر فى ذلك عسفا لا يطاق، وكان قد نزل بديارهم كثيرون من الخوارج وخاصة من فرقتى الصفرية والإباضية، وكثر الأولون فى المغرب
стр. 4974
الأقصى والثانون فى جبل نفوسة بليبيا وأعجب البربر بمادئهما وما تقرّر من التسوية المطلقة بين العرب والموالى بربرا وغير بربر فى شئون المال والضرائب وشئون الحكم حتى فى تولى الخلافة، فينبغى أن يتولاها أكفأ المسلمين عربيا أو بربريا أو عبدا حبشيّا. واعتنق المذهب الصفرى كثيرون من أهل المغرب الأقصى، وتولّى زعامتهم ميسرة ثم خالد بن حميد الزناتى، وواقعوا جيوش الدولة وانتصروا عليها مرارا، وانسحب منهم سمكو بن واسول فكون دولة صفرية فى سجلماسة ظلت حتى أواخر القرن الثالث الهجرى، أما صفرية الشمال فى طنجة وإقليمها فقد ظلت تنازل الولاة فى عهد بنى العباس حتى قضى عليهم يزيد بن حاتم المهلبى (١٥٤ - ١٧٠ هـ). ويطيب لبعض المستشرقين أن يجعلوا من اعتناق البربر لمبادئ الخوارج فى النصف الأول من القرن الثانى الهجرى دليلا على أن المغاربة أو البربر حاولوا أن يرفضوا الإسلام حينئذ والعروبة معه، وهو رأى مخطئ أشد الخطأ، لأن البربر لم يفكروا يوما فى رفض دينهم الحنيف الذى اعتنقوه ولا فى رفض العربية التى تغلغلت فى أعماقهم وعبروا بها عن مشاعرهم وعواطفهم وأهوائهم، إنما كل ما هناك أنهم ثاروا على الظلم والعسف فى جمع الضرائب المجحفة التى ينكرها الإسلام كما ينكر التفرقة بين العربى المسلم والبربرى المسلم فى الحقوق المالية وغير المالية، فثورتهم إنما كانت مطالبة شرعية بتطبيق مبادئ دينهم وما ابتغاه من العدل المطلق بين أتباعه عربا وبربرا وغير بربر. ومن أكبر الدلالة على مدى ما حدث بين البربر من شعور عميق بالتعرب أن نجد قبائلهم جميعا تحاول كل منهم-منذ القرن الثانى الهجرى-أن تلفق لها نسبا يصلها بالعرب، ومر بنا فى الفصل الثانى أن قبائلهم كانت ترجع إلى جذمين أو أصلين كبيرين هما البرانس والبتر، وكانت البرانس تحاول الانتماء إلى العرب القحطانيين، بينما كانت القبائل البتر تحاول الانتماء إلى القبائل العدنانية.
وما نتقدم فى المغرب الأقصى إلى سنة ١٧٢ هـ/٧٨٨ م حتى نجد إدريس بن عبد الله الحسنى يصل بفراره من وجه العباسيين إلى مدينة وليلى وينزل على إسحاق بن محمد زعيم قبيلة أوربة ويعرفه بنفسه فيكرمه إكراما لا مزيد عليه ويطلعه على سره وأنه يريد أن يؤسس للعلويين بالمغرب الأقصى دولة، فجمع له عشائر قبيلته وبايعته، وسمعت به قبائل زواغة ومكناسة وغمارة وعشائر من زنانة فوفدت عليه وبايعته ولم يلبث أن جهز جيشا نازل به تادلة جنوبى وليلى وتامسنة على المحيط، وكان بعض أهلهما لا يزال وثنيا أو يؤمن باليهودية أو المسيحية، ففتح حصونهم وأسلموا جميعا. وبذلك تأسست دولة الأدارسة فى وليلى وسرعان ما أسس إدريس الثانى خليفة أبيه إدريس مدينة فاس فى سنة ١٩٢ هـ/٨٠٧ م.
وكانت تلك الدولة الإدريسية أول دولة إسلامية عربية تأسست فى المغرب الأقصى، ومضى إدريس الثانى وأبناؤه وأحفاده إلى نهاية دولتهم سنة ٣٠٤ هـ/٩١٦ م ينشرون الإسلام السنى فى تلك الديار ويطهرونها من الصفرية والرافضة، وفتح إدريس الثانى أبواب دولته لوفود شخصيات
стр. 4975
عربية من القيروان والمشرق، ووفد عليه مئات أسكنهم فى أحد شطرى مدينة فاس وسمى لذلك باسم العدوة القروية، ولما أخفقت ثورة الفقهاء فى قرطبة على الحكم الربضى وطردهم منها ولّى مئات منهم وجوههم نحو مدينة فاس فأسكنهم إدريس الثانى الشطر المقابل لعدوة القرويين، وسمى لذلك العدوة الأندلسية. وأخذ الأدارسة منذ أيامهم الأولى يعنون بفتح الكتاتيب فى المدن وتحفيظ الناشئة القرآن الكريم، وأخذت تنشأ فى المساجد سريعا حلقات المفسرين والمحدثين والفقهاء ومن يعلمون الناس العربية والنطق السديد بها، وبذلك كله رسخ الإسلام ورسخت العروبة فى المغرب الأقصى إلى الأبد. وأخذت الدراسات الدينية واللغوية تنشط فيه لعهد الأدارسة وبعد عهدهم، ولا يلبث كثيرون من طلاب العلم فيه يريدون أن يتزودوا بأكبر حظ فيفدوا على القيروان ومصر وبلاد المشرق للاستماع إلى كبار العلماء فيها مالكية وغير مالكية ويعودوا بما حملوه من العلم إلى بلدانهم يعلمونه فيها، وما يكاد ينتصف القرن الرابع حتى يصبح للمغرب الأقصى علماؤه وفقهاؤه ومحدثوه الذين تعنى كتب التراجم بإعطاء معلومات عن حياتهم مثل دراس بن إسماعيل الفاسى ومعاصره أبى جيدة وغيرهما كثيرون.
وتحدث الهجرة الأعرابية الكبرى حول منتصف القرن الخامس الهجرى وتنزل قبائلها وعشائرها فى برقة وتونس والجزائر شرقا وغربا وقلما تسقط عشائر منها إلى المغرب الأقصى، وكان مستمرا فى نشاطه العلمى والأدبى بفضل جامع القرويين أو جامعته الكبرى التى أنشئت سنة ٢٤٥ هـ/٨٥٩ م وكانت سيدة فاضلة من مهاجرة القيروان تسمى أم البنين الفهرية بنت هذا الجامع فاستحال-من حينئذ-سريعا إلى جامعة، وهى تعد أقدم جامعة إسلامية عربية فى العالم العربى، ومضى العلماء فيها يعنون بالعلوم الدينية واللغوية ونشرها تلاميذهم فى أرجاء المغرب الأقصى. ونمضى مع التاريخ حتى القرن الخامس الهجرى، فيدخل الفقيه الجليل عبد الله بن ياسين بلاد صنهاجة فى جنوبى المغرب الأقصى ليحفظهم القرآن الكريم وكان حصيفا سيوسا بعيد النظر فعمل على تثبيت دعائم الإسلام فى السوس ودرعة وسجلماسة وما وراء تلك البلدان فى الصحراء المترامية، وكوّن من صنهاجة جيشا لردع ما انتشر فى بعض بلدان المغرب الأقصى من الزيغ والفساد، وبدأ بمدينة تارودنت ومن بها من روافض سمّوا باسم البجلية نسبة إلى عبد الله البجلى الرافضى الذى نزلها فى القرن الرابع الهجرى وأشاع فيها نحلته المارقة، فحاربهم عبد الله بن ياسين وانتصر عليهم وردهم إلى الإسلام السنى، ومضى إلى تامسنة ونازل فيها برغواطة التى كانت قد اعتنقت نحلة زائغة ضالة، وأنزل الله عليه النصر المبين، غير أنه استشهد فى المعركة لسنة ٤٥١ هـ/١٠٥٩ م وله فضل تطهير البلاد من الفرق والنحل الضالة وفضل تأسيس دولة المرابطين. وكان يلى أمرها-حين وفاته- أبو بكر بن عمر اللمتونى، فأسلمها إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين، فاستولى على مدينة فاس وبنى مراكش سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م وجعلها عاصمة للدولة، أما أبو بكر بن عمر فمضى
стр. 4976
إلى الجنوب فى الصحراء يجاهد فى سبيل الله ونشر دينه حتى بلغ السودان ونهر النيجر، وتوفى سنة ٤٨٠، وصار كل ما فتحه يدين بالولاء ليوسف فعظم أمره وشأنه. ومن سياسته الرشيدة أنه كتب إلى الخليفة العباسى ببغداد يبايعه ويطلب منه تقليدا بولايته على ما بيده من البلدان وخاطبه الخليفة بلقب أمير المسلمين، وثبت له هذا اللقب من حينئذ، وبذلك أدخل المغرب الأقصى فى إطار الجامعة الإسلامية العربية، واستصرخه أمراء الأندلس ضد نصارى الإسبان الشماليين، فعبر الزقاق بجنوده، وسحق أعداء الإسلام فى وقعة الزلاقة المشهورة فى سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٦ م. وأخذ الأندلسيون من حينئذ يندمجون فى سكان المغرب الأقصى بالزيارة والمصاهرة وخدمة دولة المرابطين والعمل فيها كتابا وقضاة وموظفين وعلماء يفدون على جامعة القرويين ومساجد مراكش وسبتة وطنجة وأصيلا وغيرهما من بلدان المغرب مما كان له أثر بعيد فى استكمال تعربها.
وتتحول مقاليد الحكم فى المغرب الأقصى إلى دولة الموحدين، ومر بنا فى الفصل الثانى- أن القبائل الهلالية بالجزائر: الأثبج وزغبة ورياحا وقرة وضعت يدها فى يد صنهاجة لحرب عبد المؤمن فأرسل إليها جيشا هزمها وولت على وجوهها لا تلوى على شئ تاركة وراءها نساءها وأولادها، فأمر بحملهم إلى مراكش وأجرى عليهم نفقات واسعة، وكتب إلى أمراء تلك القبائل المنهزمة بأن أبناءهم فى الحفظ والصون. وبذل لهم الأمان والكرامة ووفدوا عليه، فرد عليهم نساءهم وأولادهم وأجزل لهم فى العطاء، واحتفى بهم، فملك قلوبهم، ويقال إنه أحلفهم على السمع والطاعة له وعونه على الجهاد فى الأندلس مع القبائل المغربية، وفى عودته من فتح المهدية سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م نقل من تلك القبائل الهلالية ألفا من كل قبيلة وأسكنهم البلاد المغربية منتويا بنظره الصائب أن يبعدهم عن الجزائر حتى تتخلص من عيثهم فيها وأن يشغلهم بالجهاد فى الأندلس. وأتاح ذلك للمغرب الأقصى جمهورا كبيرا منهم امتزج بسكانه وأنسى كثيرين منهم الرطانة البربرية وأبدلهم منها الفصاحة العربية. وفى سنة ٥٥٨ عزم عبد المؤمن على الجواز إلى الأندلس فأرسل إلى الأعراب فى بجاية وإقليمها يستصرخهم إلى الجهاد فى سبيل الله بالأندلس فاستجاب له منهم-كما يقول صاحب المعجب-جمع ضخم، فأنزل بعضهم نواحى قرطبة وبعضهم نواحى إشبيلية، وأقاموا هنالك. ودعا ابنه يوسف الخليفة بعده قبيلة رياح بالجزائر لنفس الغاية، فوفد عليه منهم حشد ضخم وضعوا أنفسهم-كما مر بنا-تحت تصرفه، وعبر كثير منهم معه الزقاق للجهاد فى الأندلس. وخرجت بقايا رياح وجشم والأثبج فى الجزائر على ابنه يعقوب وردها إلى طاعته، ونقلها إلى المغرب الأقصى فأنزل قبيلة رياح منطقتى الهبط وأزغار، وأنزل قبيلة جشم منطقة تامسنة وقبيلة الأثبج منطقتى دكالة وتادلة. وأخذ كثير من عشائر هذه القبائل ينساح داخل البلاد وعلى المحيط وفى السهول الواقعة بين سلا ومكناس. ومنح يعقوب نوميديا أى الصحراء جنوبى
стр. 4977
الجزائر والمغرب الأقصى لعامة العرب، وتغلغلوا إلى وادى ملوية ودرعة، وتغلغلت قبيلة المعقل فى زمن ابن خلدون بقفار المغرب حتى المحيط. ومعنى ذلك كله أن بربر المغرب الأقصى اختلطوا اختلاطا واسعا بأعراب الجزائر عن طريق التعايش والمصاهرة والسكنى واتصل ذلك قرونا بحيث استحال سكان المغرب الأقصى شعبا عربيا لغة ودينا وتناولا للحياة إلا فى بعض الجهات النائية فى شواهق الجبال بأوراس والصحراء. وبكل ما قدمت يتضح أن لدولة الموحدين فضلا عظيما فى تعرب المغرب الأقصى بما نقلت إلى أقاليمه من جموع العرب النازلين فى الجزائر وأكبر الظن أنها لم تكن غايتها نقلهم إعدادا لجهاد الإسبان النصارى فحسب، بل كانت غايتها أيضا تعريب المغرب الأقصى نهائيا بما أنزلت فيه من جموعهم الهائلة. أما ما يقال من أن ابن تومرت كان يؤلف كتبه بالعربية والبربرية وأنه كان يحاضر الجماهير باللغتين وأن الدولة-فى بدء عهدها-بدلت الخطباء والأئمة فى جميع البلاد، وأنها اشترطت أن لا يؤم الناس ولا يخطبهم إلا من يحفظ عقيدة التوحيد لابن تومرت باللسان البربرى. فلم يكن ذلك منها سياسة رجعية كما يقول بعض المعاصرين إنما كان ذلك منها حرصا-والبربرية لا تزال منتشرة فى المغرب الأقصى-على إيصال عقيدة الدولة إلى العامية المغربية، وكان لا يزال فيها جماهير بربرية لا تحسن العربية.
(ب) كثرة الشعراء
تبدأ الحركة الأدبية فى المغرب الأقصى مع نشأة الدولة الإدريسية أواخر القرن الثانى الهجرى إذ كان بين أمرائها شعراء متعددون يتقدمهم إدريس الثانى (١٨٦ - ٢١٣ هـ) وتلاه من أبنائه وأحفاده وأسرته غير شاعر، وأخذ الشعر يجرى على ألسنة بعض الشعراء المغاربة يمدحون به الأدارسة على نحو ما نجد عند إبراهيم بن أيوب النكورى، وكانوا يهجون به خصومهم من البرغواطيين وغيرهم. ويظل الشعر يسيل على ألسنة بعض الشعراء فى القرنين الثالث والرابع الهجريين، حتى إذا كان القرن الخامس الهجرى طارت شهرة بعض الشعراء إلى البلدان العربية وخاصة الأندلس، إذ نجد ابن بسام يترجم فى الذخيرة لابن القابلة السبتى ويحيى بن الزيتونى الفاسى وللفقيه أبى بكر المرادى ويذكر أنهم وفدوا على الأندلس مادحين لأمراء الطوائف، وأن آخرهم انتجع أمراء المرابطين بالمغرب الأقصى فى أوائل دولتهم، وولاه محمد بن يحيى بن عمر اللمتونى قضاء معسكره المجاهد فى بلاد السودان، ويقول: «أخرجت مما وجدت من شعره ونثره ما يستخفّ رواسى الجبال، ويستوفى ضروب السحر الحلال». وينزل طنجة فى الربع الأخير من القرن الخامس الهجرى الشاعر القيروانى على بن عبد الغنى الحصرى المبدع فى شعره، وتكوّنت حوله سريعا ندوة أدبية. ونمضى إلى عصر المرابطين، فيشتهر لعهدهم ابن زنباع والقاضى عياض المتوفى سنة ٥٤٤ هـ/١١٤٩ م ويترجم عماد الدين الأصفهانى
стр. 4978
فى كتابه الخريدة لنفر من شعراء المغرب الأقصى لعهد المرابطين، هم اليمان بن فاطمة وعبد الله بن حماد المراكشى وعبد المؤمن بن يحيى السجلماسى ومحمد المكناسى المعروف بلقب ينطلق وحماد بن الرفا الفاسى وعلى بن يقظان السبتى القائل:
أحنّ إلى مصر حنين متيّم ... بها مستهام القلب محترق الكبد
وهو حب قديم بين مصر وشعراء المغرب الأقصى.
ويأخذ الشعراء هناك فى التكاثر منذ عصر الموحدين وكانت الدولة حفية بهم وبالحركتين العلمية والأدبية، وكان عبد المؤمن المؤسس للدولة وحفيده يعقوب شاعرين، وكان ينظم الشعر غير أمير موحدى، ومن شعراء تلك الدولة عثمان بن عبد الله السلالجى المتوفى سنة ٥٦٤ هـ/١١٦٨ م ومحمد بن حبوس المتوفى سنة ٥٧٠ هـ/١١٧٤ م وأبو الربيع الموحدى المتوفى سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٣ م وابن الياسمين المتوفى سنة ٦٠١ هـ/١٢٠٤ م وأبو حفص عمر السلمى المتوفى سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٧ م وابن تولو القرشى التينملي المتوفى بمصر سنة ٦٠٥ هـ/١٢٠٨ م وفى نفس السنة محمد بن على السلالقى، وأبو العباس الجراوى المتوفى سنة ٦٠٩ هـ/١٢١٢ م وعبد الواحد المراكشى المتوفى سنة ٦٢٢ هـ/١٢٢٥ م وابن دحية المتوفى بالقاهرة سنة ٦٣٣ هـ/١٢٣٦ م وابن الخبازة ميمون الخطابى المتوفى سنة ٦٣٧ هـ/١٢٤٠ م وابن العابد الفاسى المتوفى حوالى سنة ٦٥٠ هـ/١٢٥٣ م وابن عبدون المكناسى المتوفى سنة ٦٥٨ هـ/١٢٦٠ م وابن المحلى المتوفى سنة ٦٦١ هـ/١٢٦٣ م والخليفة المرتضى الموحدى المتوفى سنة ٦٦٥ هـ/١٢٦٧ م.
ورعت الدولة المرينية الحركتين الأدبية والعلمية وكثر الشعراء فى عهدها وفى مقدمتهم شعراء البيت المرينى من أمثال عبد الواحد بن يعقوب وعمر بن عثمان والسلطانين أبى الحسن وأبى عنان وأخيه عبد العزيز، ونلتقى بعشرات من الشعراء من أمثال محمد بن عمر الدراج المتوفى سنة ٦٩٣ هـ/١٢٩٤ م وعبد العزيز الملزوزى المتوفى سنة ٦٩٧ هـ/١٢٩٨ م ومالك بن المرحّل المتوفى سنة ٦٩٩ هـ/١٣٠٠ م وابن عبد الملك المراكشى صاحب كتاب الذيل والتكملة المتوفى سنة ٧٠٣ هـ/١٣٠٤ م وأبى العباس العزفى المتوفى سنة ٧٠٧ هـ/ ١٣٠٨ م ومحمد بن عمر بن رشيد المتوفى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م والرحالة القاسم بن يوسف السبتى المتوفى سنة ٧٣٠ هـ/١٣٣٠ م وابن شبرين المتوفى سنة ٧٤٧ هـ/١٣٤٧ م وابن شعيب الطبيب الأديب المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م مثل عبد المهيمن الحضرمى، ومحمد بن عبد الرحمن المكودى المتوفى سنة ٧٥٣ هـ/١٣٥٣ م ومعاصره منديل بن آجرّوم وأبو القاسم الشريف المتوفى سنة ٧٦٠ هـ/١٣٥٩ م وأبو عبد الله الزناتى المتوفى سنة ٧٧٣ هـ/١٣٧٢ م ومحمد بن مصادف المتوفى سنة ٧٩٢ وفى نفس السنة أحمد بن عبد المنان، وعبد الرحمن
стр. 4979
المكودى المتوفى سنة ٨٠٧ هـ/١٤٠٤ م ومحمد بن جابر المكناسى المتوفى سنة ٨٢٧ هـ/١٤٢٣ م وأحمد الحباك المتصوف المتوفى سنة ٨٦٨ هـ/١٤٦٣ م والبهلول الوطاسى وإبراهيم بن هلال المتوفى سنة ٩٠٣ هـ/١٤٩٧ م ومحمد بن أحمد بن غازى المتوفى سنة ٩١٩ هـ/١٥١٣ م وابن يجبش المتوفى سنة ٩٢٠ هـ/١٥١٤ م وفى نفس السنة الغزانى الفاسى وأحمد الدقون المتوفى سنة ٩٢١ هـ/١٥١٥ م وعلى بن موسى بن هارون المتوفى سنة ٩٥١ هـ/١٥٤٤ م وعبد الواحد الوانشريسى المتوفى سنة ٩٥٥ هـ/١٥٤٨ م ومحمد بن عبد الرحمن الكراسى المتوفى سنة ٩٦٤ هـ/١٥٥٧ م وغير هؤلاء كثير.
وخلفت الدولة السعدية الدولة المرينية ومضت ترعى العلماء والأدباء، وبلغ السلطان المنصور الذهبى الغاية فى ذلك، إذ فتح السودان وجاءته منه كنوز الذهب فألقى بكثير منها فى حجور الفقهاء والشعراء الذين كان يجمعهم إلى مجالسه، وكانت مجالس علمية أدبية يتناظر فيها العلماء فى الفقه وفى الحديث والتفسير ومختلف فروع العلم إذ كان-كما يقول ابن القاضى فى كتابه درة الحجال-له قدم راسخة فى كل فن من معرفة الشعر والخبر والمنطق والمعانى والبيان والأصلين والفقه واللغة والتفسير والحديث وعلومه والحساب والهيئة والهندسة والنحو وغير ذلك وكان شاعرا كما كان عالما وعمّ بنواله الشعراء والعلماء، فازدهرت لعهده الحياتان العلمية والأدبية ازدهارا لعل المغرب الأقصى لم يعرفه من قبله. ونلتقى فى عصره وعصر الدولة السعدية عامة بكثير من الشعراء مثل القصرى الفاسى المتوفى سنة ٩٥٥ هـ/١٥٤٩ م ومعاصره سعيد الحامدى المتوفى بعده بقليل وأحمد المنجور المتوفى سنة ٩٩٥ هـ/١٥٨٦ م ومحمد بن عيسى المتوفى سنة ٩٩٩ هـ/١٥٩٠ م ومعاصره داود الدغوغى، والزمورى المتوفى سنة ١٠٠١ هـ/١٥٩٢ م ومحمد بن عبد الواحد الحسنى وأخيه أحمد المتوفيين سنة ١٠٠٩ هـ/ ١٦٠٠ م وعلى بن منصور الشيظمى المتوفى سنة ١٠١٢ هـ/١٦٠٣ م والزرهونى المتوفى سنة ١٠١٨ هـ/١٦٠٩ م ومحمد بن على الفشتالى المتوفى سنة ١٠٢١ هـ/١٦١٢ م وأحمد بن القاضى صاحب درة الحجال المتوفى سنة ١٠٢٥ هـ/١٦١٦ م وعبد العزيز الفشتالى وعلى بن أحمد الشامى المتوفيين سنة ١٠٣٢ هـ/١٦٢٢ م ومحمد الوجدى الغماد المتوفى سنة ١٠٣٣ هـ/ ١٦٢٣ م وابن عاشر المتوفى سنة ١٠٤٠ هـ/١٦٣٠ م وأبى عبد الله المكلاتى المتوفى بعد سنة ١٠٤٩ هـ/١٦٣٩ م ومحمد المسناوى الدلائى المتوفى سنة ١٠٥٩ هـ/١٦٤٩ م والطيب بن المسناوى المتوفى سنة ١٠٧٧ هـ/١٦٦٦ م. وممن ذكر أيضا فى عصر الدولة السعدية عبد الواحد الحميدى سنة ٩٣٠ هـ/١٥٢٤ م وعبد الواحد السجلماسى مفتى الحضرة أيام المنصور سنة ٩٣٣ هـ/١٥٢٧ م ومحمد بن عمر الشاوى سنة ٩٤٣ هـ/١٥٣٧ م وإدريس بن راشد الحسنى سنة ٩٦٠ هـ/١٥٥٢ م ومحمد بن يعقوب الآيسى سنة ٩٦٦ هـ/١٥٥٩ م
стр. 4980
وأبى على المسفيوى سنة ٩٦٨ هـ/١٥٦٠ م ويسوق المقرى أسماء طائفة كبيرة من الشعراء فى كتابه: روضة الآس العاطرة الأنفاس فى ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس، ومنهم من تقدم ذكره آنفا مثل عبد العزيز الفشتالى والهوزالى وابن القاضى، وممن لم يتقدم ذكره أحمد بن الغرديس التغلبى وأحمد بن محمد الآيسى ومحمد بن عبد العزيز الفشتالى وأحمد المريد المراكشى وأبو القاسم الوزير الغسانى وعلى بن عمران السلاسى ومحمد بن رضوان النجارى وعبد العزيز الجيار والحسن بن يوسف الزيانى.
وترعى الدولة العلوية بدورها الحركتين العلمية والأدبية، ومن الشعراء لعهدها محمد بن محمد بن أبى بكر الدلائى المتوفى سنة ١٠٨٩ هـ/١٦٧٨ م وأحمد الدغوغى معاصره، وعبد الرحمن بن القاضى المتوفى سنة ١٠٨٢ هـ/١٦٧٢ م وأبو سالم العياشى المتوفى سنة ١٠٩٠ هـ/١٠٧٩ م والرودانى المتوفى سنة ١٠٩٤ هـ/١٦٨٣ م وعبد الرحمن الفاسى المتوفى سنة ١٠٩٦ هـ/١٦٨٥ م والحسن اليوسى الصوفى المتوفى سنة ١١٠٢ هـ/١٦٩٢ م ومحمد البوعنانى المتوفى بعد سنة ١١٠١ هـ/١٦٨٩ م وأحمد بن الحاج المتوفى سنة ١١٠٩ هـ/١٦٩٧ م وعبد السلام القادرى النسّابة المتوفى سنة ١١١٠ هـ/١٦٩٨ م ومحمد بن زاكور المتوفى سنة ١١٢٠ هـ/١٧٠٨ م وأحمد بن عبد القادر التاستاوى المتوفى سنة ١١٢٧ هـ/١٧١٥ م ومحمد بن الطيب العلمى المتوفى سنة ١١٣٤ هـ/١٧٢١ م والحسن بن رحال المعدانى المتوفى سنة ١١٤٠ هـ/١٧٢٨ م وعبد القادر بن شقرون المتوفى بعد سنة ١١٤٠ هـ ومحمد الحاج الدلائى المتوفى سنة ١١٤١ هـ/١٧٢٩ م ومحمد بن زكرى المتوفى سنة ١١٤٤ هـ/١٧٣١ م وعلى مصباح الزرويلى المتوفى سنة ١١٥٠ هـ/١٧٣٧ م وعبد الوهاب أدرّاق المتوفى سنة ١١٥٩ هـ/١٧٤٦ م وعبد المجيد الزبادى المتوفى سنة ١١٦٣ هـ/١٧٥٠ م ومحمد بن الطيب الشرقى المتوفى سنة ١١٧٠ هـ/١٧٥٦ م وأحمد الهلالى السجلماسى المتوفى سنة ١١٧٥ هـ/١٧٦١ م وأبو مدين الفاسى المتوفى سنة ١١٨١ هـ/ ١٧٦٧ م وابن الونان المتوفى سنة ١١٨٧ هـ/١٧٧٣ م ومحمد بن الطيب القادرى المتوفى بنفس السنة وأبو حفص عمر الفاسى المتوفى سنة ١١٨٨ هـ/١٧٧٤ م والتهامى بن الطيب أمغار وأحمد بن المهدى الغزال المتوفيان سنة ١١٩١ هـ/١٧٧٧ م والتاودى بن سودة المتوفى سنة ١٢٠٩ هـ/١٧٩٥ م ومحمد بن عثمان المكناسى المتوفى سنة ١٢١٣ هـ/١٧٩٩ م ومحمد الطيب بن كيران المتوفى سنة ١٢٢٧ هـ/١٨١٢ م ومحمد الرهونى المتوفى سنة ١٢٣٠ هـ/١٨١٥ م وحمدون بن الحاج المتوفى سنة ١٢٣٢ هـ/١٨١٧ م ومحمد بن عبد السلام ابن ناصر المتوفى سنة ١٢٣٩ هـ/١٨٢٤ م والعربى المسارى المتوفى سنة ١٢٤٠ هـ/١٨٢٥ م وابن عمرو الرباطى المتوفى سنة ١٢٤٣ هـ/١٨٢٧ م.
стр. 4981
٢ -
شعراء الموشحات والأزجال
(أ) شعراء الموشحات
أخذت تنشأ-منذ عصر دولة المرابطين-علاقات أدبية بين الأندلس وبين المغرب الأقصى وقدم من الأندلس إلى دياره بعض شعراء الأندلس بحثا عن رعاة لشعرهم، وكان بينهم غير وشاح، وأول وشاح أمّ تلك الديار على بن عبد الغنى الحصرى القيروانى الكفيف المهاجر إلى الأندلس منذ سنة ٤٥٠ للهجرة فقد عبر الزقاق ثانية إلى طنجة سنة ٤٨٣ وأمضى بها الشطر الأخير من حياته وكان وشّاحا وشاعرا بارعا فالتف حوله كثيرون من شباب طنجة ينشدهم أشعاره وموشحاته وقد أنشد الصفدى إحداها فى كتابه: «توشيع التوشيح». وأوغل بعده ابن اللبانة الوشاح المشهور المتوفى سنة ٥٠٧ للهجرة فى ديار المغرب حتى بجاية فى الجزائر ونزل على أميرها باديس الحمادى (٤٩٨ هـ.) ومدحه بموشحة بديعة أنشدها صاحب فوات الوفيات فى ترجمته. وأهم منه ابن بقى الوشاح الأندلسى نزيل سلا-بجوار الرباط على المحيط-على بنى عشرة قضاتها، وكانوا بحورا فياضة فى الجود فغمروه بعطاياهم وخاصة يحيى بن على بن القاسم وأخويه أحمد ويوسف، وله فيهم موشحات كثيرة، إذ أقام لديهم مددا متطاولة. وظل وراء هؤلاء الوشاحين الراحلين أو المهاجرين وشاحون كثيرون فى الأندلس يهدون موشحاتهم إلى حكامها من الأمراء المرابطين مثل ابن باجة المتفلسف وموشحاته البديعة فى أبى بكر بن تيفلويت المرابطى والى سرقسطة.
وعلى هذا النحو أخذت تتوثق الصلة بين الوشاحين الأندلسيين والشباب المغربى، فإذا من هؤلاء الشباب من يعكف على موشحات الحصرى وابن بقى وابن باجة وأضرابهم حتى تمثل عذوبة النغم فيها وحسن اختيار الألفاظ وأخذ ينشئ على غرارها موشحات مغربية تفيض نعومة وسلاسة وحلاوة جرس، ولم يتحقق ذلك توّا فى عصر المرابطين القصير، إنما حدث منذ أول عصر الموحدين التالى لعصرهم على لسان ابن غرلة، وسنفرد له ترجمة، وتلاه غير وشاح مثل أبى حفص عمر السلمى المتوفى سنة ٦٠٢ غير أنه لم تؤثر له موشحة. وجاء بعده فى العصر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الصباغ الجذامى وجميع موشحاته نبوية فى مديح الرسول ﷺ ، وسنخصه بترجمة-ونلتقى أواخر عصر المرينيين زمن الوطاسيين بوشاح بارع هو ابن سعيد عثمان المكناسى، وله موشحة نبوية بديعة أنشدها ابن القاضى فى كتابه عن الخليفة المنصور والمقرى فى الجزء الثانى من أزهار الرياض، يستهلها بقوله (١):
стр. 4982
يا عريب الحىّ من حىّ الحمى ... أنتم عيدى وأنتم عرسى
وهو استهلال رائع لما سيتلوه من المديح النبوى وقد عارض بها موشحتين قفلهما سينى لابن سهل وابن الخطيب، وهما بالترتيب: هل درى ظبى الحمى-وجادك الغيث. وفى نهاية الموشحة يقول:
همت فى أطلال ليلى وأنا ... ليس فى الأطلال لى من أرب
ما مرادى رامة والمنحنى ... لا ولا ليلى وسعدى مطلبى
إنما سؤلى وقصدى والمنى ... سيّد العجم وتاج العرب
أحمد المختار طه من سما ... الشريف بن الشريف الكيّس
خاتم الرّسل الكريم المنتمى ... طاهر الأصل زكىّ النّفس
فهو إن هام صبابة بأطلال ليلى ليس له من مأرب فيها ولا فى تغنيه برامة والمنحنى حيث اللقاء المأمول ولا مطلبه ليلى ولا سعدى ولا غيرهما ممن يذكرهن إنما سؤله وقصده وكل مناه رسول الله سيد العجم وتاج العرب. والموشح بالغ الروعة، ويذكر له الأستاذ ابن تاويت موشحا على غراره ختمه بهذا الابتهال لربه:
طامع فى رحمة الله وما ... خاب عبد طامع لم ييأس
يا إلهى جد علينا كرما ... يا كريما قبل أخذ الأنفس
وما من مسلم إلا ويطمع فى رحمة الله الغفور الرحيم.
ويكثر الوشّاحون فى عصر السعديين، وفى مقدمتهم الخليفة المنصور الذهبى، وكان واسع الثقافة عالما مؤلفا، كما كان أديبا شاعرا، وازدهر العلم والأدب فى المغرب الأقصى بأيامه، واستحالت مجالسه إلى مناظرات علمية متعمقة ومساجلات شعرية مع وفرة جوائزه وعطاياه، وينوه المؤرخون غربا وشرقا به، وعليه قصر ابن القاضى كتابه: المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور تحدث فيه عن نسبه وحسبه وشيوخه وخلافته وسياسته وشمائله الحميدة وتعظيمه الميلاد النبوى وغزواته وعلو همته، ويلم من حين إلى حين ببعض أشعاره، ويذكر أن له موشحات كثيرة، وينشد له موشحة، يقول المنصور الذهبى فى غصنها الأخير (١):
قلت له وقد نهد ... وجدّ فى حربى (٢)
وغلب الظّبى الأسد ... ففاز بالغلب
الشمس برجها الأسد ... فاسع إلى قلبى
وهو يستغلّ ما يقوله الفلكيون من أن برج الشمس الأسد، فيقول لصاحبته وقد اكتمل
стр. 4983
لها شبابها وجدت فى حربه غلب الظبى الأسد، إذ الظبى شمس سنا جمالا، ولا بد أن تحل الشمس فى برجها برج الأسد، وواضح أنه يكنى عنها بالظبى وعنه بالأسد تظرفا. وكان أحمد بن القاضى وشّاحا، أنشد له المقرى فى ترجمته بكتابه: «روضة الآس العاطرة الأنفاس» موشحا نبويا، استهلّه بقوله (١):
لاهتزاز البان وقت السّحر ... هامت الأرواح
وقيان الطير فوق الشّجر ... تجلب الأفراح
يا شقيق الروح هات القدحا ... من دنان الحان
قهوة تكسب قلبى الفرحا ... تطرب النّشوان
كلّ من دارت عليه شطحا ... من يدى وسنان (٢)
وواضح أنه استهلّ المدحة النبوية بالحديث عن الطبيعة الفاتنة وقت السحر وقد هامت بها الأرواح، والطير فوق الشجر تصدح بأغان تجلب الأفراح. ويلتفت إلى ساقى الخمر الصوفية فى السحر يطلب إليه أن يناوله قدحا دهاقا منها يشيع فى قلبه الفرح والبهجة، وكل من دارت عليه كأنما يغيب عن نفسه فيشطح شطحات متوالية. ويتجه فى الغصن الأخير من الموشح للرسول منشدا:
يا رسول الله غوث ومدد ... يا منيع الجار
أنت-والله-الكريم المعتمد ... لنزيح الدار
كن شفيعى يا نبيّا لا يردّ ... إنّك المختار
وهو يسأل الرسول استغاثة ومددا لا ينقطع، إذ هو الغيث المدرار، ويضرع أن يكون شفيعه، ويشير إلى أن شفاعته فى أمته يوم الحشر لا ترد. ونمضى إلى عصر العلويين فنلتقى بوشاح بارع هو ابن زاكور وسنفرد له ترجمة، ويلقانا بعده محمد بن الطيب العلمى تلميذه، وموشحاته تموج بالعذوبة، غير أنه اتجه بها نحو الخمر والمجون. وحرى بنا أن نتوقف قليلا للحديث عن ابن غرلة وابن الصباغ وابن زاكور.
ابن (٣) غرلة
لسنا نعرف شيئا عن نشأته، إنما نفاجأ به فى عصر عبد المؤمن (٥٢٤ هـ/١١٣٠ م- ٥٥٨ هـ/١١٦٣ م)، وأغلب الظن أنه عاش شطرا من حياته فى عصر المرابطين، وهو أول مغربى تمثل الموشحات والأزجال، ويقول صفى الدين الحلى فى كتابه: «العاطل الحالى» إنه
стр. 4984
كان ينظم الموشح والزجل والمزنم فى الفنّين أى أنه كان يلحن أحيانا فى الموشح ويعرب فى الزجل، والمزنم من الزنمة وهو المستلحق بالقوم، فالموشح والزجل المزنمان كل منهما مستلحق بأصله. ويقول صفى الدين إنه كان يلحن أحيانا فى الموشح ويعرب فى الزجل قصدا منه واستهتارا، ويقول: إذ القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك. وكان ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئا من موشحاته فى كتابه: «دار الطراز». ويقول صفى الدين مسترسلا: ومن موشحاته المزنمة الموشّحة الطنانة الموسومة باسم «العروس» وفيها يصور عشقه لرميلة أخت عبد المؤمن الموحدى خليفة الموحدين، وقد قتله بسببها لما وقع فى نفسه من مطلعها وما يليه من اجتماعه بها. ويقال إنه كان حسن الصورة جليل القدر ذا عشيرة، وكانت هى أيضا جليلة القدر جميلة الخلق فصيحة تنظم الأزجال الرائقة الفائقة، وينشد صفى الدين مطلع الموشحة وما يليه على هذه الشاكلة:
من يصيد صيدا ... فليكن كما صيدى
صيدى الغزاله ... من مراتع الأسد
كيف لا أصول ... واقتنصت وحشيّه
ظبية تجول ... فى ردا سوسيّه
صاغها الجليل ... فهى شبه حوريّه
تنثنى رويدا ... إذ تميس فى البرد
تعجن الغلاله ... والرّدا مع النّهد
ربّ ذات ليله ... زرتها وقد نامت
والرّقيب فى غفله ... والنجوم قد مالت
رمت منها قبله ... عند ضمّها قالت
قرّ قرّ وإهدا ... لا تكن متعدّى
تكسر النّبالا (١) ... وتفرط العقد
وواضح فى الموشح العذوبة والسلاسة وصفاء الألفاظ وحسن انتخابها.
وواضح أيضا ما فى القفل الأخير من لحن فى شطريه الثانى والرابع: «لا تكن متعدى- وتفرط العقد» والأصل: «لا تكن متعديا-وتفرط العقد» بفتح الدال، وهو لذلك موشح مزنّم ملحق بالموشحات المعربة. ويقال إن ابن غرله حين قدم ليقتل نظر فى الناس من حوله وارتجل فقرة أنشدها من نفس وزن هذا الموشح يستنجد بعشيرته لتأخذ بثأره قائلا:
стр. 4985
خدّها الأسيل ... بدت منه أنوار
طرفها الكحيل ... سلّ منه بتّار
ها أنا القتيل ... فهل يؤخذ الثار
قد أسرت عبدا ... ولم أكن بالعبد
متّ لا محاله ... فاطلبوا دمى بعدى
وفى كتاب العذارى المائسات فى الأزجال والموشحات لفيليب الخازن موشح لابن نباتة ص ٧ وقيل إنه لابن غرلة وموشح ثان لابن غرلة ص ٢٣ وقيل إنه لصدر الدين بن الوكيل وموشح ثالث لأحمد بن حسن الموصلى ص ٦١ وقيل إنه لابن غرلة. والإجماع منعقد على أن له موشح العروس السالف، وهو يصور مهارته فى اصطفاء اللفظ العذب والملاءمة بينه وبين غيره فى حسن الجرس وحلاوة النغم.
ابن (١) الصباغ
يقول المقرى فى الجزء الثانى من أزهار الرياض: «هو الشيخ الإمام الصالح الزكى الصوفى أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الصبّاغ الجذامى» ويذكر المقرى أنه قرأ له موشحات فى كتاب ألفه بعض الأئمة ورفعه للسلطان المرتضى الموحدى (٦٤٦ هـ/١٢٤٩ م-٦٦٥ هـ/١٢٦٧ م) وأكثر المؤلف فيه من موشحاته وأشعاره فانتخب المقرى منها غررا من الموشحات وهى اثنتا عشرة موشحة وقصيدتين ومخمسا وجميعها فى المديح النبوى وآخر ما أورد له قوله:
تركت امتداح العالمين ولذت من ... مدائح خير الخلق بالعروة الوثقى
سأجعلها كهفى وحصنى وملجئى ... لعلى بالأمداح أستوجب العتقا
وموشحاته وقصائده فى الذروة من المديح النبوى، وهو يبث فيها هياما ملتاعا لأنه لا يستطيع المثول فى حضرة الرسول ﷺ وزيارة قبره الشريف واكتحال عينيه بنوره. ويشكو شكوى مرة من البعد عن محبوبه ويأمل دائما أملا حارا فى القرب منه ولقائه كما يأمل فى شفاعته من عذاب النار التى لا تطاق. ودائما يتمنى وقفة فى ذلك الحمى وتلك الربوع، ودائما يتجدد شوقه وتتجدد صبابته ويتجدد هيامه، ويرسل أناته وزفراته ولوعاته ودموعه المنهمرة، يقول فى مطلع أولى موشحاته:
ألف المضنى الشّجونا ... وارتضى الأحزان دينا
فوق صفح الوجنتين ... أرسل الدّمع الهتونا
стр. 4986
يقطع الأيام حزنا ... وبكاء وعويلا
فارحموا صبّا معنّى ... قلبه يذكى غليلا
ملهب الأحشاء مضنى ... بالنّوى أضحى عليلا
ذاب شوقا وحنينا ... وسقاما وأنينا
وشئون المقلتين ... تسكب الدّمع المعينا (١)
ومنذ ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد اعتاد بعض الشعراء الذين نظموا فى الخمر والمجون أن ينظموا بعض زهديات مكفرة عن أشعارهم الماجنة، وصنع ذلك بعض الوشاحين، ونرى ابن الصباغ ومعاصره ابن عربى يختمان بعض موشحاتهما الدينية بخرجات لموشحات ماجنة نظمها بعض الوشاحين، ونفس هذه الموشحة الأولى لابن الصباغ ختمها بقوله:
وبلينا وابتلينا ... واش يقول الناس فينا
قم بنا يا نور عينى ... نجعل الشكّ يقينا
وهذه الخرجة لموشح ابن الصباغ هى نفس خرجة ابن بقى للموشحة الثامنة فى جيش التوشيح وهى موشحة ماجنة وفيها يقول ابن بقى فى أول أغصانها:
قم بنا نجلو الكؤوسا ... تحت أظلال السحاب
نتعاطاها عروسا ... حليها درّ الحباب
قهوة تعطى النفوسا ... عزّ أيام الشباب
وكأن ابن الصباغ يريد أن يكفر لابن بقى عن موشحته باستعارته لخرجتها، ولعله يريد أيضا أن يلفت عنها الشباب وقد دارت فى أفواههم إلى موشحة نبوية لعلها تدور مثلها على شفاههم. وموشحته الثانية فى التشوق إلى مكة وطيبة على ساكنها الصلاة والسلام. ختمها بخرجة استعارها من موشحة لابن خزر البجائى منشدا كما يقول عند المقام النبوى:
ثغر الزّمان الموافق ... حيّاك منه بابتسام
وكأن نزول ابن اللبانة الوشاح الأندلسى ببجاية لم يذهب هدرا، فقد نشأ بها-فيما بعد- ابن خزر على غراره. وكما أن ابن خزر نشأ على غرار ابن اللبانة فإن ابن الصباغ نشأ-فى رأينا-على غرار ابن بقى الذى أقام طويلا فى سلا والمغرب الأقصى، وسنراه ينظم موشحات مكفرة عن بعض موشحات أخرى. ولم يوضح المقرى هل ابن الصباغ مغربى أو أندلسى ويؤكد أنه مغربى أن كتب التراجم والموشحات الأندلسية لم تذكره، ونفس تكفيره عن موشحة لابن خزر البجائى يدل أو يؤكد أنه مغربى، وموشحاته إنما عرفت فى مراكش بتقديمها للمرتضى الموحدى. وتدل خاتمة موشحته الثالثة أنها مكفرة عن موشحة لابن بقى فى التغنى
стр. 4987
بمديح بنى عشرة قضاتها وخاصة يوسف بن القاسم بن عشرة. والموشحة الخامسة مكفرة أيضا لموشحة لابن بقى جعل خرجتها خاتمة لموشحة له على هذا النمط:
ليتنى رمله على شطّ البحر ... يا ابنى أو أطوم (١)
وترى عينىّ مذ تقلع سحر ... لبلاد الروم
والخرجة ذكر أولها فى نهاية موشحة ابن الصباغ، وكأن كاتب النسخة لم يعن باستكمالها وهى كاملة فى موشحة دينية مكفرة عند ابن عربى (٢) -وبالمثل الموشحة السادسة خاتمتها مشتركة عند ابن الصباغ وابن عربى (٣) وتجرى على هذه الصورة:
جنّان يا جنّان ... اجن من البستان الياسمين
وخلّ الرّيحان ... بحرمة الرحمن للعاشقين
وقال الدكتور سيد غازى إنها خرجة لابن بقى فى إحدى موشحاته (٤). واجتماع ابن الصباغ وابن عربى فى اقتباس هاتين الخرجتين من ابن بقى قد يدل على أن أحدهما حاكى صاحبه. وخاتمة الموشح التاسع عند ابن الصباغ فاتحة لموشحة ابن باجة فى مديح أبى بكر بن تيفلويت حاكم سرقسطة المرابطى:
جرّر الذّيل أيّما جرّ ... وصل الشّكر منك بالشكر
والشطر الثانى فى الأصل: «وصل السكر منك بالسكر» وعدّله ابن الصباغ ليتلاءم مع موشحه النبوى. واستعار ابن الصباغ خاتمة الموشحة الثانية عشرة الأخيرة من مطلع زجل للزجال المشهور البعبع مع شئ من التعديل على هذه الشاكلة:
يا فلان إن زرت حبّى ... افتل إذ نووا بالرّسيلا
ليش أخذ عنق الخشيف ... وسرق فمّ الحجيلا
وأصل المطلع عند البعبع:
يا ليتنى إن ريت حبيبى ... افتل إذ نووا بالرّسيلا
ليش أخذ عنق الغزيّل ... وسرق فمّ الحجيلا
والرّسيلا هى الرّسيلة تصغير رسلة أى تؤدة وتمهل، يريد أن يعر؟ ؟ ؟ حبيبه فى ترفق معاتبا له، والخشف ولد الظبية والحجلة طائر فى حجم الحمام: والموشحات حب وهيام
стр. 4988
بالرسول ﷺ وصبابة استحالت عند ابن الصباغ تراتيل بديعة، إذ استقر حب الرسول فى قلبه واستأثر بكل ما فيه من شعور وعاطفة وهوى.
ابن (١) زاكور
هو أبو عبد الله محمد بن زاكور الفاسى، ولد حوالى منتصف القرن الحادى عشر الهجرى وتوفى سنة ١١٢٠ هـ/١٧٠٨ م وأكبّ على الأدب والعلوم العربية منذ نعومة أظفاره، وتفتحت شاعريته ومواهبه الأدبية مبكرة، ولم يلبث أن أصبح إمام الشعراء والكتاب فى عصره، ولم يقف بشعره عند القصيد فقد نظم كثيرا من الموشحات، ولذلك سمى ديوانه: «الروض الأريض فى بديع التوشيح ومنتقى القريض»، وله أعمال أدبية متعددة منها شرح على ديوان الحماسة سماه عنوان النفاسة، وشرح على قلائد العقيان للفتح بن خاقان باسم شرح ما خفى من القلائد وشرح على لامية العرب. ومن موشحاته موشح غزلى مطلعه:
من علّم الغزلان ... الفتك باللّيث الجرى
وسلّط العينان ... على قلوب البشر
يا ضرّة الشمس ... الله فى الصّبّ الكئيب
يا منية النّفس ... هجرك للنّفس مذيب
حدّثنى حدسى ... أنك للّبّ سليب (٢)
عارض بهذا الموشح الغزلى موشحا لابن سهل، وقد جعل مطلعه: «ليل الهوى يقظان» خرجة لموشحة، وهو فى الموشح جميعه كما فى هذا المطلع يختار اللفظ السهل الذى يعجب ويروق دون تكلف أو تصنع. ويقول متغزلا فى مطلع موشحة أخرى:
أدر الكاسات من خمر اللّعس ... يا لها من راح تحكى الجلّنار (٣)
واسقنيها خمرة تجلو النفس ... علّنى أرتاح من حرّ الأوار (٤)
بأبى ظبى رمانى بسهام ... ريشها الأهداب تبرى الأفئده (٥)
مزّق القلب الكليم المستهام ... إذ رنا وانساب سيف جرّده (٦)
عنبرىّ الخال مسكىّ الخيام ... يذهل الألباب درّ نضّده
стр. 4989
همت وجدا من سناه المقتبس ... من سنا الإصباح أو بدر أنار
لاح حين افترّ ثغر كالقبس ... أزهر وضاح أذكى زند نار (١)
والكلمات سلسة حلوة تلذ الألسنة حين تنطق بها والآذان حين تصيخ إليها لرشاقتها من جهة ولما تشتمل عليه من تصاوير ممتعة من جهة ثانية. وله فى مطلع موشحة يصف فيها الربيع:
قد اكتسى العريان ... من مائس الأغصان بالسّندس
وطرّز البستان ... بالورد والرّيحان والنّرجس
هبّت به الأزهار ... بنسمة الأسحار من الوسن
وهاجت الأطيار ... برائق الأشعار أم الحسن
تسبّح الجبّار ... الواحد القهار مولى المنن
والشطور قصيرة وقصرها يزيد سلاسة ألفاظها ونعومتها جمالا وحسنا، ودائما تلقانا فى موشحاته هذه اللغة العذبة المصفاة المنتقاة، إذ كان يعرف كيف ينتخب ألفاظه وكيف يلائم بينها فى الجرس الموسيقى ملاءمات ممتعة.
(ب) شعراء الأزجال
الأزجال جمع زجل وهو فى اللغة التطريب وسمى به الأندلسيون الفن الشعرى العامى المقابل للموشحة، وقد نشأ بعدها فى الأندلس بنحو قرنين، حتى إذا كان عصر المرابطين كان الزجل قد استوى على سوقه وأصبح له زجالوه المشهورون كما للموشحات وشاحوها المشهورون، ويبدو أنه دخل المغرب الأقصى مع الموشحات، إذ يذكر صفى الدين الحلى عن أول وشاح مغربى مشهور، وهو ابن غرله، أنه كان ينظم الموشح والزجل كما مر بنا، ويقول عن رميلة محبوبته أخت عبد المؤمن إنها كانت تنظم الزجل، ويذكر لها مطلعا فى زجل نظمته فى ابن غرلة قائلة:
مشى السّهر حيران ... حتى رأى إنسان عينى وقف
ويتحدث ابن خلدون (٢) فى مقدمته عن الزجل فى الأندلس وأعلامه، ويستطرد إلى الحديث عنه فى المغرب الأقصى فيقول إن أهله استحدثوا فنا منه كالموشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية (يريد العامية) وسموه عروض البلد ويذكر أن أول من أشاعه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير، وسنفرد له ترجمة، ويقول ابن خلدون إن المغاربة ولعوا به وجعلوه أنواعا، منها المزدوج والملعبة والغزل، ويذكر من كبار زجاليهم ابن شجاع التازى
стр. 4990
وستترجم له، ويذكر منهم أيضا الكفيف الزرهونى المكناسى ويقول إنه أبدع فى مذاهب هذا الفن، ويذكر له زجلا فى رحلة السلطان أبى الحسن المرينى بجيشه إلى فتح إفريقية يريد أن يضم المغرب بعضه إلى بعض فى وحدة مغربية، وفتحها ونزل تونس ولم يلبث أعراب بنى سليم وإخوتهم من بنى هلال أن نصبوا لجيشه شركا فى القيروان ودارت عليه الدوائر وعمّى أمره على شعبه، وانبرى الكفيف الزرهونى يعيب عليه فى زجله غزوته إلى إفريقية التونسية وما كان من هزيمة الجيش فى القيروان، ويعزّى الشعب عنها بما وقع لغيرهم من الشعوب، وفيه يقول (١):
عسكر فاس المنيرة الغرّا ... وين سارت بو عزائم السلطان
أحجّاجا تخلّلوا الصحرا ... ودّوا سرح البلاد مع السّكان (٢)
عن جيش الغرب جيت نسألكم ... المتلوف فى افريقيا السودا
لو كان ما بين تونس الغربا ... وبلاد الغرب سدّ الاسكندر
لا بد للطير كان يجى بنبا ... أو يأتى الرّيح عنهم بفرد خبر
ما اعوصها من أمور وما شرّا ... لو تقرأ كل يوم على الويدان (٣)
لجرت بالدّم وانصدع حجرا ... وهوت الاجراف وجفّت الغدران
وهو يبكى عسكر فاس الغراء وتغرير السلطان ويسأل الحجاج الذين جابوا الصحارى عن الجيش التالف فى إفريقية التونسية السوداء ويقول لو كان بين تونس وبلاد المغرب الأقصى سدّ الإسكندر أو سد يأجوج ومأجوج لحمل الطير الخبر عن هذا الجيش المرينى الذى انبهم أمره، وما أصعبها وشرّها من أمور لو تقرأ على الآذان لجرت العيون بالدم وتشققت الأحجار وهوت أجراف الهضاب والجبال وجفت الغدران في الهول المصاب ويا لفداحة الفاجعة المؤلمة. ولم يرزق المغرب الأقصى فى هذا العصر الوسيط الذى نعنى بدرسه بزجال كبير بعد الكفيف الزرهونى، وحرى بنا أن نترجم ل ابن عمير وابن شجاع التازى.
ابن (٤) عمير
ليس بين أيدينا عن حياة ابن عمير إلا ما ذكره ابن خلدون فى مقدمته إذ قال: إنه رجل من أهل الأندلس نزل بفاس واستحدث لهم فنا من الشعر فى أعاريض مزدوجة كالموشح نظموا فيه بلغتهم الحضرية واستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذى ليس من شأنهم وكثر شيوعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم، ونظموا بجانب المزدوج أنواعا
стр. 4991
أخرى، وكلها صور من الأزجال وأشكال. ونجد المصادر التاريخية والأدبية لا تعنى بابن عمير إلا ما كان من صفى الدين الحلى فقد ذكره مرارا فى كتابه العاطل الحالى، وذكر مطالع خمسة أزجال له وجزءا من زجل ليس مطلعا ونعتقد أنه كان أمامه ديوان ابن عمير الزجلى وأخذ منه الأمثلة التى ضمنها كتابه، ومن مطالعه التى ذكرها فى ص ٣٢:
أنكرت شيبى من بليت بيها ... كل من عاش يشيب
إنما هى ملاحة البستان ... بالنّوار العجيب
ولا حظ صفى الدين أنه خفف الواو فى كلمة «النّوار» فلم ينطقها مشددة كما فى أصلها، بل نطقها مفتوحة مخففة. ومن مطالع أزجاله التى أنشدها له فى ص ٥٦ قوله:
يا حبيب قلبى تعطّف ... بعض هذا الهجر يكفا
دموع عينى ما ترقا ... ولهيب قلبى ما يطفا
ولا حظ صفىّ الدين أن كلمة يكفا محرّفة عن «يكفى» بقلب الياء ألفا لتماثل الألف فى كلمة «يطفا». وأنشد ابن خلدون له زجلا طويلا لعله مما سماه عروض البلد يقول فى مطلعه:
أبكانى بشاطى النّهر نوح الحمام ... على الغصن فى البستان قريب الصباح
وكفّ السّحر تمحو مداد الظلام ... وماء النّدى يجرى بثغر الأقاح
باكرت الرّياض والطّل فيه افتراق ... سرّ الجواهر فى نحور الجوار
ودمع النّواعر ينهرق انهراق ... يحاكى ثعابين حلّقت بالثّمار
لووا بالغصون خلخال على كل ساق ... ودار الجميع بالروض دور السّوار
وأيدى النّدى تخرق جيوب الكمام ... وتحمل نسيم المسك عنها رياح
وعاج الضّيا يطلى بمسك الغمام ... وجرّ النسيم ذيلو عليها وفاح
والزجل مكتظ بصور فريدة من ابتكار ابن عمير، فمداد الظلام الأسود يمحوه كف السحر الأبيض، ويشبه الشعراء الأقحوان بالثغر فيضيف ابن عمير أن ماء الندى يجرى فيه، ويقول باكرت الرياض والطل يتساقط والجواهر كأنها مسرورة بمكانها من نحور الجوارى الفاتنات، والسواقى تذرف الدمع مدرارا وكأنما يحاكى الماء فى قنواته أفاعى تريد أن تحلق بالثمار وقد استوت الغصون خلاخيل على سيقان الأشجار، ودار كل ذلك فى الروض دور السوار، وينفذ إلى تصوير مبتكر فأيدى النّدى فى الصباح الباكر كأنما تخرق كمام الزهر بل جيوبه، وتحمل عنها الرياح نسيم المسك العاطر، وأخذ الضياء يعمه الغمام، أو كما يقول، يطلى بمسك الغمام، وجرّ النسيم ذيل ردائه عليه وفاح وسطعت رائحته سطوعا شديدا. وتمتلئ بقية الزجل بمثل هذه الصور البديعة فى حوار رائع بين ابن عمير والحمام. وبحق
стр. 4992
كما يقول ابن خلدون استحسن أهل فاس أزجال ابن عمير وشغفوا بها وفتنوا فتنة شديدة ومضوا ينظمون على نهجه وطريقته.
ابن (١) شجاع التازى
لم يذكر عنه ابن خلدون شيئا إلا أنه من فحول الزجالين بالمغرب الأقصى وقال إنه من أهل تازا ثم أنشد له زجلين، والزجل الأول أشبه بنقد اجتماعى، وفيه يقول:
المال زينة الدّنيا وعزّ النفوس ... يبهى وجوها ليست هى باهيا
فها كلّ من هو كتير الفلوس ... ولّوه الكلام والرّتبة العاليا
يكبّروا من كثر ما لو ولو كان صغير ... ويصغّروا عزيز القوم إذا يفتقر
حتى يلتقى من هو فى قومه كبير ... بمن لا أصل عند ولا لو خطر
أدى صارت الأذناب أمام الرءوس ... وصار يستمدّ الواد من الساقيا
ضعف الناس عمل ذا أو فساد الزمان ... ما ندريو على من نكثروا ذا العتاب
أدى صار فلان اليوم يصبح بوفلان ... ولو ريت وكيف حتى يردّ الجواب
وواضح أنه يقول إن الموازين الاجتماعية اختلت، فأصبح المال هو كل شئ: زينة الدنيا وعز النفوس حتى ليضفى البهاء على الوجوه غير البهية، وها أنت ترى الناس يقدمون الثرىّ فى الكلام ويولونه الرتبة العليا ويكبرونه ولو كان صغيرا ويصغرون عزيز القوم إذا افتقر، حتى اختلطت المقاييس وأصبح كبير القوم يقرن بمن لا أصل له ولا خطر من الأثرياء، وبذلك تقدمت الأذناب الرءوس وترى هل هذا من ضعف الناس أمام الثراء أم من فساد الزمان، لقد أصبح من لم يكن له لقبا يمنح الألقاب ويقال له أبو فلان إجلالا وتوقيرا، وقد امتلأ غرورا حتى إنه لا يرد الجواب. والزجل الثانى الذى ذكره ابن خلدون موضوعه الغزل، ويستهله على هذه الصورة:
تعب من تبّع قلبو ملاح ذا الزمان ... اهمل يا فلان لا يلعب الحسن بيك
ما منهم مليح عاهد إلا وخان ... قليل من عليه تحبس ويحبس عليك
يتيهوا على العشّاق ويتمنّعوا ... يتعمّدوا تقطيع قلوب الرجال
وان واصلوا من حينهم يقطعوا ... وان عاهدوا خانوا على كلّ حال
ومهّدت لو من وسط قلبى مكان ... وقلت لقلبى اكرم لمن حلّ فيك
وهوّن عليك ما يعتريك من هوان ... فلا بد من هول الهوى يعتريك
стр. 4993
وهو يدعو فى أول زجله إلى البعد عن الحسان الملاح لأنهن يخنّ من يعاهدنه ولا يحبسن أنفسهن على من يصفيهنّ الودّ، ودائما بتهن على عشاقهن ويتمنعن ويجدن متاعا فى تقطيع قلوبهم، وإن واصلوا لم يلبثن أن يهجرن، ولا عهد لهن ولا أمان. ومع كل هذه النصائح يقول إن واحدة منهن صبته وملأت قلبه حبا وهياما وأوصى بها قلبه حتى لو أذاقته هوانا بعد هوان!
٣ -
شعراء المديح
المديح من أقدم موضوعات الشعر العربى، وهو يحمل أمجاد الأمة على مر التاريخ، ونراه دائما على ألسنة الشعراء فى كل قطر وعصر يتغنون بالأمجاد التى يحققها الخلفاء والحكام، ونراه فى المغرب الأقصى منذ نشأت دولة الأدارسة، وفيهم يقول-كما عند أبى عبيد البكرى- إبراهيم بن أيوب من نكور فى الشمال الشرقى للمغرب الأقصى على المتوسط، ولعلها فى إدريس الثانى:
أيا أملى الذى أبغى وسولى ... ودنياى التى أرجو ودينى
أأحرم من يمينك رىّ نفسى ... ورزق الخلق من تلك اليمين
ويحجب عن جبينك طرف لحظى ... ونور الأرض من ذاك الجبين
وقد جبت المهامة من نكور ... إليك بكل ناجية أمون (١)
وابن أيوب لا يمدح فحسب، بل يبالغ فى مديحه، إذ يجعل نور الأرض-فى المشارق والمغارب-يستمد من جبين ممدوحه الإدريسى. ونمضى بعد الأدارسة فى عصر أمراء الطوائف ولا نجد إلا شظايا متناثرة من بعض المدائح، ونجد ابن القابلة السبتى يمتدح قائدا ولعله من قواد المرابطين فى أول دولتهم، ولم يبق من مدحته إلا ما أنشده ابن بسام فى الذخيرة من قوله فى بعض انتصاراته ووصفه لقتلاه (٢):
تركتهم نهب الفلاة ووحشها ... شعورهم شعت وأوجههم غبر
تظلّ سباع الطير عاكفة بهم ... على جثث قد سلّ أنفسها الذّعر
وقد عوّضتهم من قبور حواصلا ... فيا من رأى ميتا يطير به قبر
وهو يقول إن أرواحهم لم تسلّها السيوف، وإنما سلها الذعر من الممدوح وجيشه قبل السيوف ويقول إن الطير عاكفة على أجسادهم تأكلهم أكلا لمّا، وكأنما لم يعد التراب
стр. 4994
قبورهم، بل أصبحت قبورهم حواصل الطير. ويقول الحصرى نزيل سبتة يصف بأس المرابطين وشجاعتهم:
بنو الحرب غذّتهم لبان ثديّها ... وما استعذبوا منهن إلا العلاقما (١)
يحثّون للهيجاء جردا سلاهبا ... وينضون فى البيداء بزلا صلادما (٢)
إذا طعنوا بالسمهريّة خلتهم ... ضراغم تغرى بالقلوب أراقما (٣)
وإن كرّ منهم ذو لثام مصمّم ... غدا لفم الهيجاء بالسيف لاثما (٤)
والحصرى يقول عن المرابطين إنهم بنو الحرب رضعوا لبان ثديها، مستعذبين منها العلاقم وأشدها مرارة كناية عن حسن بلائهم فى الحروب الضارية، وإنهم ليحثون لها خيلا جردا مقدمة ويضنون فى البوادى إبلا متينة صلبة، وإنك لترى الرماح فى أيديهم يدسونها-كأنها أفاع-فى قلوب أعدائهم، وإنك لترى الملثم منهم إذا صمم وكرّ كأنما يريد أن يقبّل الحرب بسيفه، الذى يستأثر منه بكل مشاعره. وأنشد المقرى فى الجزء الرابع من أزهار الرياض للقاضى عياض السبتى مقطوعة بديعة يهنئ بها-كما نظن-على بن يوسف بن تاشفين بزفاف ولى عهده تاشفين على عروسه منشدا:
ليهن العلا أن زفّت الشمس للبدر ... وحلّى جيد الملك بالأنجم الزّهر
وقرّت عيون المجد أيّة قرّة ... بيوم تعالى أن يكون من الدّهر
لدن ساعة أفضت إلى كل بغية ... كما اعتلق الغوّاص بالدرّة البكر
قران كلا السّعدين فيه تلاقيا ... كما يلتقى فى المقلة الشّفر بالشّفر
لتجر المنى فى حلبتيه مغذّة ... فحقّ لها فى مثل ذلك أن تجرى (٥)
بسعد أمير المسلمين تطلّعت ... أساريره تندى بمائيّة البشر (٦)
تمنّاه نجل الملك حظا ممتّعا ... بعزّ إلى عزّ وقدر إلى قدر
وهو يقول: لتهنأ العلا فقد زفّت الشمس الساطعة إلى البدر المنير، وزيّن جيد الملك بالأنجم المتلألئة، وأصبح المجد قرير العين بيوم زفاف تسامى على الدهر، حين أتيحت لولى العهد كل أمنية، وظفر بها ظفر الغواص بالدرة اليتيمة، وإنه لقران تلاقى فيه سعدان كما يتلاقى فى العين الجفنان، ولتجر المنى فى حلبتيه وتمرح ما شاء لها المرح، فذلك سعد أمير المسلمين، وتلك أساريره يترقرق فيها رونق البشر، وهو كل ما كان يتمناه نجله حظا سعيدا هانئا بعزّ
стр. 4995
إلى عز وتجلة إلى تجلة. وترمز هذه المقطوعة إلى ما أصاب الشعر المغربى من نهضة منذ عصر المرابطين، وسنترجم لابن زنباع أحد شعرائه. ونمضى إلى عصر الموحدين ونلتقى بابن حبوس شاعر عبد المؤمن والجراوى شاعر يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب المنصور وحفيده الناصر، وسنفرد لكل منهما ترجمة. كان عبد المؤمن قد استوزر أبا جعفر بن عطية واستكتبه، ثم جرت له محنة معه فزجّ به فى غياهب السجون وقتله، وأرسل إليه، وهو سجين يستعطفه، أبياتا شعرية افتتحها بقوله (١):
عطفا علينا أمير المؤمنين فقد ... بان العزاء لفرط البثّ والحزن
قد صادفتنا سهام كلها غرض ... ورحمة منكم أوقى من الجنن (٢)
من جاء عندكم يسعى على ثقة ... بنصره لم يخف بطشا من الزّمن
أنتم بذلتم حياة الخلق كلّهم ... من دون منّ عليهم لا ولا ثمن
ونحن من بعض من أحيت مكارمكم ... كلتا الحياتين من نفس ومن بدن
وصبية كفراخ الورق من صغر ... لم يألفوا النّوح فى فرع ولا فنن (٣)
قد أوجدتهم أياد منك سابغة ... والكلّ لولاك لم يوجد ولم يكن
وهى أبيات تلين القلوب القاسية وتملؤها رحمة وبرا وإشفاقا، ولكن قلب عبد المؤمن لم يلن له ولا أخذته فيه رأفة ولا رحمة، وظل غاضبا عليه حتى أذاقه حتفه. وكان ابنه يوسف محبوبا من شعبه وكان عالما واسع المعرفة وقرّب المتفلسفة والشعراء منه، ولأبى حفص عمر السلمى مدحة طويلة فيه أنشدها المقرى فى أزهار الرياض استهلها بقوله (٤):
الله حسبك والسبع الحواميم ... تغزو بها سبعة وهى الأقاليم
سبع المثانى التى لله قمت بها ... عليك من سرّها نصر وتقديم
وأنت بالسّور السبع الطوال على ... كل الورى حاكم بالله محكوم
ولعل يوسف كان أمضى من حكمه سبع سنوات، فخال الله يرعاه والسور الحواميم السبع كأنما يغزو بها العالم وأقاليمه السبعة كما كان يظن الجغرافيون حينئذ، والسبع المثانى وهى سورة الفاتحة التى لا يزال يقوم بها مصليا لربه وداعيا تحفظه وتكفل له النصر والتأييد. وتؤكد السور السبع الطوال: البقرة، وتالياتها حتى التوبة أنك محكوم وحاكم بكتاب الله وما جاء فيه من الإخاء بين المسلمين والمساواة والعدل الذى لا تصلح حياة الشعوب بدونه. ومضى عمر السلمى فى قصيدته يسترسل فى بيان تعمق يوسف فى العلم وتدفق الخير على رعيته من يده، ويقول مبالغا إن الشرق والغرب والبحر والبر من سهل وجبل يدين له، ويشيد بعلمه وكرمه
стр. 4996
وإقدامه فى الحرب وشدته على العصاة، ويختم القصيدة بمبالغات طالبا إلى سامعيه أن يجثوا على الرّكب إعظاما ليوسف. وبحق يمجّد انتصار يعقوب بن يوسف فى موقعة الأرك التى سحق فيها نصارى الإسبان ومزق جموعهم تمزيقا، وكان حريا بابن سعيد أن ينشد القصيدة كاملة فى كتابه الغصون اليانعة، ومما أنشده قوله ليعقوب (١):
أطاعتك الذّوابل والشّفار ... ولبي أمرك الفلك المدار (٢)
ببشرى مثل ما ابتهجت رياض ... وسعد مثلما وضح النهار
وفتح مثلما انفتحت كمام ... وشقّت عن صدور مها صدار (٣)
وآمال كما مدّت ظلال ... وأفعال كما مدّت بحار
وأعلام بنصرك خافقات ... لها فى كل جوّ مستطار
ليهنئ أرض أندلس بدور ... من السرّاء ليس لها سرار (٤)
وهو نصر عظيم فى الأرك طوّق يعقوب بمجد وفخر لا يماثلهما فخر ومجد. وكانت دولة الموحدين دولة ظاهرية كما مر بنا فى الفصل الثانى، وكانوا يدعون إلى المذهب الظاهرى وإلى نبذ كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، ويسمونها كتب الفروع. ولا نصل إلى عصر يعقوب حتى تبلغ هذه الثورة على كتب المذاهب الأربعة الكبرى غايتها فيأمر بإحراقها بعد أن يجرّد ما فيها من آى القرآن والأحاديث النبوية وأن يحمل الناس على الظاهر من الذكر الحكيم والحديث الشريف، وينوه بذلك غير شاعر فى مديحه، من ذلك قول قاضى قضاته أبى عبد الله محمد بن عبد الله بن مروان كما جاء فى الغصون اليانعة لابن سعيد (٥):
نصرتم لأن الحق آن ظهوره ... وناصره فى الله ما كان يخذل
قطعتم فروعا قد أضرّت بأصلها ... ألا هكذا من كان بالعدل يشمل
والأصل الذى يقصده هو القرآن والحديث النبوى الذى يأخذ بهما الظاهرية. ويقول ابن سعيد فى الغصون اليانعة إن لابن الياسمين قصيدة منصورية يذكر فيها قطع المنصور الاشتغال بكتب الفروع أى كتب المذاهب الفقهية الأربعة الكبرى والاقتصار على ما ثبت من الأحاديث النبوية، وينشد منها قوله (٦):
أسيّدنا قد وردتم بنا ... موارد كنا عليها نحوم
نبذتم مقالة هذا وذا ... فزال المراء وقلّ الخصوم
стр. 4997
وأثبتم قول من لفظه ... هو الشّرع والحق منه يقوم
فلا زلتم لكمال الهدى ... وإحياء دارس درس العلوم
وهو يشير إلى ما كان قد أمر به يعقوب الفقهاء فى أيامه من جمع الأحاديث الصحيحة من مصنفات عشرة، هى كتب الصحاح ما عدا ابن ماجة والموطأ وسنن البزار ومسند ابن أبى شيبة وسنن الدار قطنى وسنن البيهقى، فجمعوها له فكان يمليها بنفسه على الطلبة ويجعل لمن حفظها مكافأة سنية.
ونمضى إلى عصر المرينيين وأول شاعر كبير نلتقى به فى عهدهم مالك بن المرحّل، وهو شاعر أهم سلاطينها فى أوائل عهدها يعقوب بن عبد الحق (٦٥٧ هـ/١٢٥٩ م- ٦٨٥ هـ/١٢٨٧ م) وله يهنئه بافتتاحه مدينة مراكش (١) سنة ٦٦٨ هـ/١٢٧٠ م:
فتح تبسّمت الأكوان عنه فما ... رأيت أملح منه مبسما وفما
فتح كما فتح البستان زهرته ... ورجّع الطير فى أفنانه نغما
فتح كما انشقّ صبح فى قميص دجى ... وطرّف البرق فى أردانه علما
أضحت له جنّة الرّضوان قد فتحت ... أبوابها وفؤاد الدّين قد نعما
الحمد لله هذا ما وعدت به ... يا خير من ولى الدّنيا ومن حكما
لن يخلف الله وعدا كان واعده ... فاشكر يضاعف لك الحظّ الذى قسما
سبحان من بجميع الفضل أفرده ... ومن حباه السّجايا الغرّ والشّيما
وهو يمجد فتح يعقوب المرينى لمراكش مدينة المغرب الأقصى الكبرى أعظم تمجيد، فقد ابتسمت لفتحه الأكوان، كما يتفتح البستان المونق عن زهراته، والطير تصدح مبتهجة على أغصانه وكأنما فتحت له أبواب الفردوس، ونعم فؤاد الدّين بهذا النعيم العظيم. والشاعر يحمد الله أن تحقق ليعقوب كل مأموله من ربه، مما لا يسعه معه إلا مضاعفة الشكر، والله جلّ فى علاه جدير بكل حمد إذ أفرده بكل فضل وحباه بكل سجية وشيمة شريفة. ويعقوب من سلاطين المسلمين الذين يستحقون هذا الثناء لا بفتحه مراكش، ولكن لأنه رصد نفسه وجيشه المغربى لجهاد نصارى الإسبان، وقد جاز لهم بجيشه الزقاق أربع مرات: سنة أربع وستين وسبع وسبعين وإحدى وثمانين وأربع وثمانين قبل وفاته بعام واحد، وفى كل مرة كان يسحقهم سحقا، وبذلك أعز الإسلام والمسلمين فى غرناطة والعدوة الأندلسية، وكان كل ما يغنمه يقدّمه لسلاطينها من بنى الأحمر بنفس راضية. وكان يسمى بالسلطان المجاهد والملك العابد لربه. وللقاضى أبى عبد الله القشتالى يستمنح (٢) أبا عنان (٧٤٩ - ٧٥٩ هـ):
стр. 4998
أيا إماما ندى كفّيه قد وكفا ... حسبى اعتصامى بحبل منكم وكفى
وكيف أصرف وجه القصد عن ملك ... ما صدّ عنى سنا بشر ولا صرفا
ما إن شكوت بما أضنى تطلّبه ... إلا وجدت به لى من ضناى شفا
ولا وقفت عليه منتهى أملى ... إلا قضى وطرا منه وما وقفا (١)
فى كل يوم له تجديد عارفة ... مهما انقضت هذه لهذه ائتنفا (٢)
وليس ممن يرى أن لا يتيح يدا ... حتى يقام له بشكر ما سلفا
وهو يقول لأبى عنان إن ندى كفيك قد سال وفاض على جميع الناس، وحسبى أننى أعتصم منك بعهد ومودة باقية، ولن أنصرف عن قصدك وكيف أنصرف وأنت دائما تلقانى ببشر وترحاب وما شكوت ضنا إلا شفيتنى منه، ولا أملت فيك أملا إلا حققت لى شطرا منه، وفى كل يوم يتجدد منك عارفة وإحسان وما ينقضى إحسان حتى تستأنف إحسانا آخر، وإنك لتقدم أفضالك غير منتظر على فضل شكرا. وسنفرد لأحمد بن عبد المنان شاعر أبى عنان ترجمة. ولمحمد بن أحمد الشّبوكى يمدح أبا فارس المرينى قائلا (٣):
هو الإمام الذى من أمّ ساحته ... جادت عليها بجدواها أنامله (٤)
ومن تخلّف جهلا عن إجابته ... سارت إليه على علم صواهله (٥)
قل للذى عنه أقصته جرائمه ... وعقّلته عن العليا معاقله (٦)
زر حضرة الملك الميمون طالعه ... تحظى بما أنت فى دنياك آمله
فطبعه الصّفح والمعروف شيمته ... والحلم والصّون والتقوى شمائله
فهو الإمام الذى يغمر من يقصده بعطاياه، والجاهل هو الذى يتخلف عن إجابته فتغزوه خيوله وجيوشه، وما أحرى من أبعدته عنه جرائمه وحبسته عن العلياء من الصلة به معاقله أن تبتسم له الدنيا وتتحقق له آماله إذ طبعه الصفح والغفران وشيمته زرع المعروف والحلم والصيانة والتقوى ومخافة الله.
وإذا انتقلنا إلى عصر السعديين التقينا بمعركة كبرى بينهم وبين البرتغاليين فى وادى المخازن بقرب مدينة القصر الكبير سنة ٩٨٦ هـ/١٥٧٨ م وكان يقود جيش البرتغاليين ملكهم سباستيان وكان السلطان عبد الملك السعدى مريضا وحضر المعركة أخوه أحمد، ومن قائل كان الجيش البرتغالي ثمانين ألفا ومن قائل كان مائة ألف، أسر أكثرهم، وقتل ملكهم فى المعركة وتوفى السلطان عبد الملك وتولى أخوه أحمد الملقب بالمنصور الذهبى.
стр. 4999
وللشعراء فى هذه المعركة والإشادة ببطولة المنصور فيها قصائد كثيرة، منها قصيدة داود بن عبد المنعم الدّغوغى، وفيها يقول (١):
جنا النّصر ما بين الظّبا والكنائن ... على سابقات المذكيات الصّوافن (٢)
وماذا يفيد الجيش إن كان ربّه ... كسيبسطيان عند وادى المخازن
يسرّب نحو المغربين جنوده ... كمثل الدّبا عن ماخرات السفائن (٣)
وخيّم فى تلك الجهات وعينه ... لمرّاكش الحمراء لا لتطاون
وشبّت لظى الهيجاء ليس وقودها ... سوى أنفس الشجعان وسط الميادن
وذلك يوم مثل بدر وصنوه ... حنين بأيدى المؤمنين الميامن
لقد ذاق فيه البردقيز من الرّدى ... جزاء مناحيس خزايا ملاعن (٤)
وهو يقول إن ثمار النصر دائما تجلبها السيوف وكنائن السهام على سابقات الخيل الفتية القارحة، ولكن ماذا يفيد الجيش إن كان قائده مثل سباستيان عند وادى المخازن، وقد ظل يدفع بجنود مثل الدبا أو الجراد من السفن ماخرات المحيط، وخيّم فى تلك الجهات وعينه على المدينة الكبرى مراكش لا على تطوان أو غيرها. وشبت المعركة وقودها البرتغاليون وإنه ليوم نصر عظيم للمسلمين كيوم بدر وصنوه يوم حنين، وذاق البرتغاليون فيه من الموت أصنافا عقابا وتنكيلا لمناحيس مستخزين. ومعركة ثانية كبرى خاضتها جيوش المنصور الذهبى لكن لا فى الشمال، وإنما فى الجنوب ببلاد السودان، فقد أمر سنة تسعمائة وثمان وتسعين بتجهيز جيش لغزو بلاد السودان، ففتحها واستولى على إقليم توات فى الجنوب الشرقى للمغرب وإقليم تيجورارين شمالى إقليم توات، وغير ذلك من البلاد، وتوغل فى السودان وألقى فى حجره بذهب كثير أثرت به الدولة، وفى هذا الفتح يقول الشيظمى (٥) أحد قواد المنصور:
سهم من الغرب قد أصمى الأساود إذ ... صمّوا وهم حيث بحر النيل مورود (٦)
وحين صمّوا عن الإنذار أسمعهم ... صواعقا بنداها الموت معقود
تراه ينفث من أفواهها بردا ... ينقض حيث فؤاد القرن مرصود (٧)
مدافع أبطلت للسود حكمتها ... فلم يفد معها نفث وتعقيد (٨)
وما استقاموا إلى أن جرّدت لهم ... بيض وأشرعت السّمر الأماليد (٩)
стр. 5000
والشيظمى يتصور كأن سهما انصبّ من المغرب فقضى على السودانيين إذ أصابهم-وهم حاشدون على نهر النيل-ما يشبه الصمم، فلم يسمعوا إنذار المدافع المدوى وما تنفث من أفواهها من قذائف قاتلة، مدافع أبطلت للسود حكمتهم فلم ينفعهم نفث ولا تعويذات، وسرعان ما قوّمتهم السيوف والرماح واستلموا خانعين. وشعراء المنصور كثيرون وسنترجم لشاعريه الهوزالى وأحمد بن القاضى.
واستولى المنصور على مدينة أصيلا من أيدى البرتغاليين، وهنأه بذلك الشعراء، ويتوفى ويتنازع أولاده بعده على الحكم، ويتنازل أحدهم-وهو المأمون-عن مدينة العرائش، للإسبان وأسسوا لهم بالقرب منها مدينة المهدية. واستولوا على سبتة وطنجة من أيدى البرتغاليين كما استولوا على الجديدة وأزمور، وتعلق أمل الناس بالمتصوفة فى مقاومة البرتغاليين والإسبان، وانتعشت الزاوية الدلالية فى تادلة إلى أن دمّرها السلطان العلوى الرشيد سنة ١٠٧٩ هـ/١٦٦٩ م ونقل شيوخها وفى مقدمتهم شاعرها الكبير اليوسى إلى فاس. وأهم من هذه الزاوية وشيوخها فى مقاومة الإسبان الشيخ الصوفى أبو عبد الله محمد العياشى الذى تصدّى-ومعه جماعات الفدائيين المجاهدين-للإسبان، فخلص منهم مدن العرائش وأزمور والجديدة وتوفى سنة ١٠٥١ هـ/١٦٤٢ م واستولى الخضر غيلان أحد رجاله-فيما بعد-على مدينة القصر الكبير. وفى العياشى يقول أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتى مصورا محبة الشعب له لجهاد أعدائه وأعداء الدين الحنيف (١):
حديث العلا عنكم يسير به الرّكب ... وينقله فى صحفه الشّرق والغرب
وحبّكم فرض على كلّ مسلم ... تنال به الزّلفى من الله والقرب
وأنت رفيع من أصول رفيعة ... نجوم الدياجى فى الأنام لها سرب (٢)
سمىّ رسول الله ناصر دينه ... تجلّى بكم عن أفقه الشكّ والرّيب
وكما تغنى الشعراء طويلا فى العهد السعدى بانتصارات المنصور الذهبى كذلك تغنوا فى العصر العلوى بانتصارات السلطان إسماعيل العلوى (١٠٨٤ هـ/١٦٧٢ م-١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م) فقد استرد المهدية من الإسبان سنة ١٠٩١ هـ/١٦٨١ م وطنجة من الإنجليز سنة ١٠٩٥ هـ/١٦٨٤ م والعرائش من الإسبان سنة ١١١١ هـ/١٦٩٩ م وأصيلا سنة ١١١٢ هـ/١٧٠٠ م. وكان لاسترداد العرائش فرحة كبيرة فى قلوب الشعب إذ كانوا من شدة الحزن والأسى لاستيلاء الإسبان عليها أن لبسوا الأحذية السود، ولم يخلعوها من أرجلهم إلى أن استردها السلطان إسماعيل فلبسوا الأحذية الصفر. واتّخذت مدينة العرائش وما تم من استعادتها على يد السلطان إسماعيل محورا
стр. 5001
تدور من حوله مدائحه وتهنئاته، من ذلك تهنئة لمفتى فاس عبد الواحد البوعنانى وسنخصه بكلمة. واستثاره عبد السلام جسوس إسماعيل حتى يسترد سبتة من يد الإسبان كما استرد العرائش، يقول (١):
رفعت منازل سبتة أقوالها ... تشكو إليكم بالذى قد هالها
فلقد قضيتم للعرائش حاجة ... مع طنجة فاقضوا لذى آمالها
إن لم تكونوا آخذين بثارها ... من ذا يفكّ من الوثاق حبالها
فابعث لها أهل الشجاعة عاجلا ... حتى تراهم نازلين جبالها
وليوسف بن محمد الشوذرى أرجوزة صور فيها معركة العرائش مشيدا فيها ببطولات المجاهدين، ومن قوله فى وصف الخطة الحربية (٢):
قد حلّ نصف الجيش أرض الساحل ... مقابل المرسى لمنع الداخل
ونصفه حلّ على سور البلاد ... طوّقها بأسرها طوق القلاد
لما رأى الكفّار ما أذهلهم ... وشدّة الأمر العظيم هالهم
وكان بالمرسى مراكب لهم ... موثوقة دارت بها حبالهم
ارتقبوا الليل وقد جنّ الظلام ... واختلسوا فى زورق مثل السهام
وهو يقول إنهم فرّوا ليلة خلسة فى زوارق حملتهم فى الظلام الدامس المعتم إلى سفنهم، فطاروا بها إلى المحيط فارين من وجه الموت المرعب المخيف. وحرى بنا أن نترجم لمن وعدنا بالترجمة لهم.
ابن (٣) زنباع
من أهل طنجة كما يقول القلقشندى، اختلف إلى الكتاب حتى حفظ القرآن، ثم شغف بحلقات العلماء حتى أتقن العلوم الدينية والعربية وعلومها البيانية واللغوية، وترجم له الفتح بن خاقان فى القلائد، ومن قوله فى التعريف به: «حوى العلوم وحازها، وتحقق حقائق العرب ومجازها، وروى قصائدها وأرجازها» وأضاف أنه عالم بالطب «موفق العلاج، واضح المنهاج». وقد يفهم من ذلك أنه توسع فى الاطلاع على علوم الأوائل واختار منها الطب فتعمقه كما تعمق الفقه والدراسات الدينية مما جعل دولة المرابطين تختاره قاضيا بطنجة كما اختارت
стр. 5002
صديقه عياضا قاضيا فى سبتة. وحكى ابن القاضى عياض فى كتابه الذى قصره على التعريف بأبيه أن أبا الحسن بن زنباع كان بينه وبين أبيه فى الشبيبة إخاء كبير، وفى الكبر وقع بينهما تقاطع إذ بلغ عياضا عنه كلام ساءه، فعاتبه واعترف ابن زنباع بالفضل له. وفى ذلك ما يدل -من بعض الوجوه-على حسن خلقه. وربما نقله المرابطون قاضيا فى بعض المدن الأندلسية مما جعله يقترب من المعارك التى سجل فيها قوادهم انتصارات ضخمة على نصارى الإسبان، ومن قوادهم العظام: سير بن أبى بكر وابن عائشة أخو أمير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين وأخوه تميم ومحمد بن الحاج وابن فاطمة أبو محمد عبد الله ومزدلى، ولكل منهم جهاد وفتوحات عظيمة، ويقول ابن زنباع ممجدا بطلا من هؤلاء الأبطال لدولة المرابطين منوّها بفتح تمّ على يده:
لذا تصان السيوف فى الخلل ... ويفخر الخطّ بالقنا الذّبل (١)
وتكرم الخيل فى مرابضها ... برّ الفتاة العروب بالرجل (٢)
ويقطف النّبع كالحواجب أو ... أحنى وتمهى السهام كالمقل (٣)
ويؤثر الشّرّة الكمىّ إذا ... خيّر بين الدروع والحلل (٤)
فتح به أثأرت البلاد كما ... أشرفت المقربات بالنّهل (٥)
هدّت له الروم هدّة ملأت ... قلوب أبطالهم من الوجل (٦)
فما أطاقوا الولوج فى نفق ... وما أطاقوا الصعود فى جبل (٧)
كأنهم والرماح تحفزهم ... جرى فصال سلكن فى الوحل (٨)
وهو يقول لمثل هذا النصر تصان السيوف فى أغمدتها، ويفخر الخط برماحه الفاتكة، وتكرم الخيل فى مرابطها، بر الفتاة الكريمة بالرجل المحتاج لمعروفها وبرها، وتقطف أعواد شجر النبع اللينة حتى تصبح قسيّا كأقواس الحواجب، وترقق السهام وتسدد إلى صدور الأعداء كما تسدد سهام الأعين الفاتنة إلى القلوب، ولمثل هذا النصر يؤثر الشجاع حميّة الحرب وهولها إذا خيّر بين الدرع والحلة الفاخرة، فإن الدرع فى نظره أكثر نفاسة، وإنه لفتح مبين أدركت
стр. 5003
به للبلاد ثأرها من أعدائها، وإنها لتستشرف به فتوحا متوالية كما تستشرف الخيل الكريمة التى ظلت تعدو ليلة طويلة ظامئة إلى الماء أنها ستنهل منه إذ تراه فجأة أمامها، ولقد سحق الروم سحقا ملأ قلوب أبطالهم بالوجل والفزع فما استطاعوا الدخول فى نفق ولا الصعود فى جبل حتى لكأنهم فصال أو أولاد نوق يسيرون فى وحل، ولا يستطيعون السير، بل يتعثرون ويقعون بالعشرات فى شباك الأسر. وبطولة ثانية صورها لمعركة أخرى من معارك المرابطين، وفيها يقول:
سل الحرب عنهم والسيوف جداول ... تدفّق والأرماح رقط تنضنض (١)
وبالأرض-من وقع الجياد-تمدّد ... ولكنه-فيما تروم-تقبّض
وبالأفق للنّقع المثار سحائب ... مواخض لكن بالصواعق تمخض (٢)
وقد سهكت تحت الحديد من الصّدا ... جسوم بما علّت من المسك ترحض (٣)
وأشرفت البيض الرّقاق على الطّلى ... لتكرع فيها والرءوس تخفّض (٤)
فلست ترى إلا دماء مراقة ... تخاض إلى أكباد قوم تخضخض (٥)
وابن زنباع يقول سل الحرب عن شجاعة المرابطين وبأسهم، والسيوف فى أيديهم كأنها جداول تتدفق بالدماء، والرماح تلوكها وتستحيل رقطا ملطخة بها، والأرض تحت حوافر خيلهم كأنها تتمدد، وهى فى الواقع تطوى طيا، وبالأفق للغبار المثار سحائب حوامل صواعق مهلكة من الأسلحة والعتاد الحربى وقد تغيرت أجسام الأبطال تحت الحديد من الصدأ بما تغسل به من المسك مرارا، وفى أيديهم السيوف وقد سلت على أعناق الأعداء كأنما تريد أن ترتوى منها بينما تهوى الرءوس إلى الحضيض، فلست ترى إلا أنهارا من الدماء تقتحم إلى أكباد الأعداء.
وكان حريا بالفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان أن يضيف فى ترجمة ابن زنباع إلى هاتين البطولتين للمرابطين ما وصفه من بطولات أخرى لهم فى الأندلس، وعلى الأقل كان ينبغى أن يورد قصيدتى البطولتين اللتين ذكرهما كاملتين وأن يذكر القائدين اللذين يمدحهما ابن زنباع بقصيدتيه وموقعتيهما الحربيتين، وسنلتقى بابن زنباع فى عرضنا لأشعار الغزل والطبيعة لتتضح شخصيته الشعرية.
стр. 5004
ابن (١) حبّوس
هو أبو عبد الله محمد بن حسين بن عبد الله بن حبّوس، ولد بفاس سنة ٥٠٠ هـ/١١٠٧ م وبها منشؤه ومرباه فى الكتاتيب وحلقات العلماء ومجالس الأدباء، حتى أصبح متفننا فى الكلام واللغة والبيان، وتفتحت شاعريته مبكرة فى صباه، ورحل إلى تلمسان وظل بها فترة، وعاد إلى مراكش فى عهد المرابطين وأصبح فى طليعة شعرائهم، وندّت منه ترّهات جعلته يبرح مراكش إلى الأندلس ويظل بها إلى أن علا نجم عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين واستولى على مراكش سنة ٥٤١ هـ/١١٤٦ م فعاد إليها واستوطنها، ولزم الدروس التى كان يلقيها عبد المؤمن على طلابه وأتباعه، وألقى بين يديه قصيدة أنشدها صاحب نظم الجمان لعلها أولى مدائحه له، وفيها يقول:
بخليفة المهدىّ سيّدنا اغتدى ... نهج العلوم معبّدا ومذلّلا
وافيت حضرته المقدّس تربها ... فإذا الذى أبصرت لن يتخيّلا
وسمعت كلّ مذاهب الحق التى ... ما إن ترى عن مقتضاها معدلا
وبصرت بالطوسىّ يفهق حوله ... وأبى المعالى مجملا ومفصّلا
فالحق بحضرته السنيّة واستمع ... للقول واحذر-ويك-أن تتقوّلا
فيها كمال الدين والدنيا معا ... وسعادة الأرواح فى أن تكملا
وهو يقول إن نهج العلوم أصبح ممهدا ومذللا بفضل عبد المؤمن خليفة المهدى، ويصف حضرته بأن ترابها مقدس، وأن ما رآه بها من علم عبد المؤمن أوسع من أن يحيط به خيال، ويقول إنه سمع منه كل مذاهب الحق من دعوة الموحدين التى لا يجوز العدول عن مذاهبها ومبادئها، وكأنما بصر بالغزالى الطوسى وبيانه الغزير الرائع وبأبى المعالى الجوينى إمام الحرمين وفكره الثاقب، فالحق به وبحضرته ودعوته التى تحقق لك كمال الدين والدنيا معا.
وبذلك لم يكن مادحا لعبد المؤمن فحسب، بل كان أيضا داعية لمبادئ الموحدين ودعوتهم، فهو شاعره، وهو داعيته، وكان عبد المؤمن يشغف بشعره، فلزمه فى حركاته وسكناته، وإن سار كان فى ركابه، على نحو ما نراه معه فى فتحه لبجاية سنة ٥٤٧ هـ/١١٥٢ م وله فى حصار عبد المؤمن لها جيمية يقول فى مطلعها مخاطبا حاكمها الحمادى يحيى بن العزيز:
стр. 5005
شدّت إليك على الرّياح سروج ... أين الفرار بأهلكم ياجوج
ثم اتجه بالخطاب إلى عبد المؤمن فقال:
عصفت بدعوتك الرياح الهوج ... وسطا بأمرك ذابل ووشيج (١)
وتقدّمتك إلى العدوّ مهابة ... يشقى بها فى سدّه ماجوج
وهو يشير بياجوج وماجوج إلى ما جاء فى سورة الكهف عن يأجوج ومأجوج وأنهما مفسدون فى الأرض وأن قومهم لجئوا إلى ذى القرنين ليرفع عنهم فسادهم، يقول جلّ شأنه: ﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ وكأن إفسادا كبيرا حلّ ببجاية جعل أهلها يستغيثون بعبد المؤمن ليرفع عنهم هذا الإفساد الذميم، ويسمى الشاعر يحيى بن العزيز تارة باسم يأجوج وتارة باسم مأجوج. ويفتح عبد المؤمن بجابة، ويعود إلى عاصمته مراكش، ويستقبل فى شهر شوال سنة ٥٥٢ مصحف عثمان الذى أمر بنقله من قرطبة إلى مراكش، ويمتدحه ابن حبّوس بهذه المناسبة منشدا من قصيدة:
سيشكر المصحف اكبابكم ... عليه إذ أوجده الفقد
مصحف ذى النّورين عثمان ما ... كان لكم عن صونه بدّ
ما اختار شيئا مؤنسا غيره ... حين أتى-واقترب-الوعد
أوسعتم الدنيا اطراحا وما ... كان لكم إلا به وجد
يحنو عليه العطف منكم ولا ... يغبّه الإشفاق والودّ
ألبستموه حلية لم يكن ... يسمح للكفّ بها الزّند
وهو يبالغ إذ يقول إن المصحف سيشكر له عنايته به ونقله إلى مراكش لصونه خشية فقده، وهو مصحف عثمان الذى استشهد وهو بين يديه يتلو فيه، وقد اتخذه مؤنسه فى اللحظات الأخيرة من حياته وإنكم لتشغفون به أكبر الشغف. ودفعته مبالغاته فى مديح عبد المؤمن إلى أن يقول إنه يحنو على المصحف بعطفه، ودائما يودّه ويشفق عليه. وله فى المصحف أخرى زاد فيها من مثل هذه المبالغات وأفرط، وأشار ابن حبوس فى البيت الأخير إلى تجديد عبد المؤمن لدفتى المصحف وتحليتهما بالجواهر النفيسة بحيث لم تعد الكف الواحدة تستطيع حمله. وكان النورمان قد استولوا على المهدية وطرابلس واستغاث
стр. 5006
أهلهما بعبد المؤمن فلبّاهم بجيش جرار قلّم به أظفار أمراء الجزائر وإفريقية التونسية الخارجين عليه وفتح المهدية سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م وطرد النورمان منها ومن سواحل إفريقية التونسية وطرابلس. ويهنئه ابن حبوس بفتح المهدية مقارنا فى مطلعها بين المهدى العبيدى الذى بناها واختار لها لوقت بنائها برج الأسد وبين عبد المؤمن الذى خلصها من النورمان:
بطالع الأسد اختطّ البناء بها ... لكنك الأسد الدّامى الأظافير
ويقول ابن عبد الملك فى الذيل والتكملة: «بعد انصراف عبد المؤمن من فتح المهدية سنة ٥٥٤ هـ/١١٥٩ م فارقه ابن حبوس وعاد إلى مسقط رأسه فاس فاستوطنها» ويبدو أنه كان يرحل إليه من فاس مادحا بمثل قوله فى إحدى مدائحه:
أمير المؤمنين لقد أضاء ال ... زّمان بنور عدلك واستنارا
لكم شرقا البلاد ومغرباها ... وأمركم مع الفلك استدارا
ومن قد فرّ عنكم من عدوّ ... فنحوكم إذا يبغى الفرارا
ولو خوّفتم أعلام رضوى ... لما سكنت ولا وجدت قرارا
والمبالغة واضحة فى الأبيات، فالفلك يجرى طوع أمره، ومن فرّ عنكم لا بد أن يفر إليكم إذ تملئون عليه جميع مسالكه، وحتى لو خوّف عبد المؤمن جبال رضوى الراسخة فى المدينة من قديم ما استقرت ولا وجدت لها قرارا. وصاحب المعجب محق حين يرى عنده هذه المبالغات المفرطة فيشبّهه بابن هاني فى مديح المعز الفاطمى وما يضمّنه من تهويلات وقعقعات. ونراه يرافق عبد المؤمن فى أواخر سنة ٥٥٥ حين عبر الزقاق من سبتة إلى مرفأ جبل طارق، واحتفل الناس بقدوم عبد المؤمن احتفالا عظيما، ولما أذن للشعراء بالإنشاد بين يديه أنشده شعراء كثيرون أندلسيون ومغاربة وفى مقدمتهم ابن حبوس: ومن قوله فى قصيدته:
بلغ الزمان بهديكم ما أمّلا ... وتعلّمت أيامه أن تعدلا
وبحسبه أن كان شيئا قابلا ... وجد الهداية صورة فتشكّلا
ولأنتم الحقّ الذى لا يمترى ... فيه وليس بجائز أن يجهلا
ولأنتم سرّ الإله وأمركم ... ملأ العوالم مجملا ومفصّلا
عزلت ولاة الحسّ عن إدراكه ... فهو المنزّه حسبه أن يعقلا
ولو أننا لم نعرف ناظم هذا الشعر وممدوحه وسمعناه لظننا أنه ابن هاني يمدح المعز الفاطمى لهدايته للزمان وتشكيله له مع العدالة، وإنه للحق الذى لا شك فيه بل سر الإله، وأمره يملأ العالم وإنه ليعز على الحسّ أن يدرك كنهه إنما يدركه العقل. وأنشد له ابن عبد الملك قصيدة فى دعوة الموحدين والزهد والتمسك به، وفيها هاجم الفلسفة والمتفلسفة، وله أشعار بديعة فى الوصايا والأمثال وذم الزمان والاعتبار، وعاش حتى سنة ٥٧٠ هـ/١١٧٤ م.
стр. 5007
الجراوى (١)
هو أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوى، من قبيلة جراوة بتادلة، سكن مدينة فاس، وبها منشؤه ومرباه، ويقول ابن خلكان: كان نهاية فى حفظ الأشعار القديمة والمحدثة، وجمع كتابا يشتمل على فنون الشعر سماه صفوة الأدب وديوان العرب، وهو عند أهل المغرب كحماسة أبى تمام عند أهل المشرق، وكان شاعرا نابها مدح بشعره عبد المؤمن وابنه يوسف وحفيده يعقوب وابنه الناصر، توفى سنة ٦٠٨ هـ/١٢١١ م. وقد اتصل بعبد المؤمن منذ سنة ٥٥٣ هـ/١١٥٩ م إذ نراه يكتب على لسانه قصيدة يحثّ فيها الأعراب الهلالية لتلبية دعوة عبد المؤمن لجهاد نصارى الأندلس استهلها بقوله:
أحاطت بغايات العلا والمفاخر ... على قدم الدنيا هلال بن عامر
وشارك الأعراب فى حروب الأندلس وجاءت عبد المؤمن البشرى بتحرير بطليوس واستردادها من ابن الرنك وهنأه الجراوى بقصيدة طويلة مطلعها:
نصر بكل سعادة مقرون ... نالت به الدّنيا الهنا والدين
ويفتح عبد المؤمن المهدية مستردا لها من أيدى النورمان بعد أن ظلوا فيها وفى ساحلها اثنى عشر عاما طوالا، ويهنئه الجراوى بتائية يقول فيها:
اهنأ إمام الهدى فالعدل منبسط ... والدّين منتظم والكفر أشتات
وينتصر جيش عبد المؤمن ومن معه من كتائب الأعراب فى السنة التالية على نصارى الإسبان فى موقعة فحص بلقون، ويهنئه الجراوى برائية وفيها يقول:
أعليت دين الواحد القهّار ... بالمشرفيّة والقنا الخطّار (٢)
لوراء موسى ما فعلت وطارق ... زريا بما لهما من الآثار (٣)
أتممت ما قد أمّلوه ففاتهم ... من نصر دين الواحد القهار
بعراب خيل فوقهن أعارب ... من كل مقتحم على الأخطار
وهو يبالغ مبالغة مفرطة حين يعلى عبد المؤمن على موسى بن نصير وطارق بن زياد فاتحى الأندلس العظيمين، وإنما سقنا الأبيات لنثبت معها البيت الرابع الشاهد على اشتراك الهلالية فى حرب الأندلس المظفرة أيام عبد المؤمن وابنه يوسف وحفيده يعقوب كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ويصبح الجراوى شاعر يوسف بن عبد المؤمن الحظىّ لديه، وكان لا يبرح مجلسه،
стр. 5008
ونراه فى ركبه حين جاز إلى الأندلس سنة ٥٦٣ هـ/١١٦٩ م وكان قد جمع جموعه يريد منازلة محمد بن سعد بن مردنيش، ونازله أخوه عثمان صاحب غرناطة وتوفى، فبايع أبناؤه يوسف وانتهت ثورته. ونرى الجرّاوى يمدحه فى هذه الأثناء بقصيدتين يقول فى إحداهما مشيرا إلى المتمردين عليه:
تنال المارقين بكلّ أرض ... ولا طارت-ولا نقلت-خطاها
ويقول فى الثانية:
لو كانت الجوزاء من أعدائه ... لم تنج من غاراته الجوزاء
وكانت آخر معارك جيش الموحدين فى الأندلس لعهد يوسف معركة البيبوج فرناندو بن ألفونس سنة ٥٦٩ وفيها كان النصر حليف الموحدين ووقف الجراوى بين يدى يوسف ينشده مدحة طنانة، وفيها يقول:
عن أمركم يتصرّف الثقلان ... وبنصركم يتعاقب الملوان (١)
وبما يسوء عدوّكم ويسرّكم ... تتحرّك الأفلاك فى الدّوران
جاهدتم فى الله حقّ جهاده ... ونهضتم بحماية الإيمان
وتركتم أرض العدى وقلوبهم ... فى غاية الرّجفان والخفقان
وغزاهم الدين الحنيفىّ الذى ... كتب الظّهور له على الأديان
والبيتان الأولان من نوع مغالاة ابن هاني فى المعز الفاطمى ومديح ابن حبوس فى عبد المؤمن مما مرّ بنا وأشرنا إليه. وهو يضفى على يعقوب-كما أضفى على أبيه يوسف وجده عبد المؤمن- غير قليل من القدسية وقد مدحه مرارا حين انتصر أسطوله على ابن غانيّة فى بجاية، وحين واقعه جيشه وهزمه، وحين فتح قفصة جنوبى إفريقية التونسية، وحين قضى على بعض الثوار. وفى سنة ٥٨٧ هـ/١١٩١ م استرد يعقوب مدينة شلب بغربى الأندلس، وعاد يعقوب إلى عاصمته مراكش، وهنأه الشعراء بهذا النصر المبين، وأنشده الجراوى قصيدة يقول فيها:
إياب الإمام حياة الأمم ... توالى السرور به وانتظم
وجاد به الأرض صوب الحيا ... وجلّى الظّلام به بدر تمّ (٢)
فشكرا لخيل وفلك دنت ... بمستأصل الظّلم ماحى الظّلم
إذا حلّ فى بلدة أمرعت ... فطاب جناها وفاح المشم (٣)
وقام بأقطارها عدله ... وصوب نداه مقام الدّيم (٤)
سل الدّهر عن بطشه بالعدا ... تجب من وراء الدروب العجم
стр. 5009
وإياب يعقوب-فى رأى الجراوى-ليس حياة لشعبه فقط، بل هو حياة الأمم جميعا، إذ يجود الأرض غيث منهمر، ويضيء الظلام بدر فى اكتماله، فشكرا للسفن التى عبرت بها المجاز وللخيل التى حملت لا مستأصل الظلم وناشر العدل فحسب، بل أيضا من يمحو الظلام بنوره، وإن البلاد لتخصب وتطيب ويفوح شذاها حين يحل فيها، وينتشر العدل الذى لا تطيب حياة الناس بدونه ويعمّ الكرم الفياض. وسل الدهر عن قهره للأعداء تجبك من وراء الدروب جموع إسبانيا متوجعة مما يذيقها من البطش الشديد. ولم يلبث نصارى الإسبان أن توجعوا توجعا أليما سنة ٥٩١ هـ/١١٩٥ م فإن ألفونس الثامن ملك قشتالة علم أن يعقوب يعد لمعركة كبرى استنفر فيها المغاربة وأعراب الهلالية وأهل الأندلس فاستصرخ البابا وملوك أوربا وحشد جموعه عند حصن يسمى الأرك بين قرطبة وطليطلة. وسحق جيش يعقوب تلك الجموع سحقا ذريعا، وفرّ ألفونس على وجهه لا يلوى حتى طليطلة، وكان نصرا عظيما أعاد للذاكرة موقعة الزلاقة وبطلها يوسف بن تاشفين وتغنى الشعراء بها وببطلها يعقوب طويلا، وللجراوى فيها قصيدتان يقول فى أولاهما:
هو الفتح أعيا وصفه النّظم والنثرا ... وعمّت جميع المسلمين به البشرى
وأنجد فى الدنيا وغار حديثه ... فراقت به حسنا وطابت به نشرا (١)
تميّز بالأحجال والغرر التى ... أقلّ سناها يبهر الشمس والبدرا (٢)
لقد أورد الأذفونش شيعته الرّدى ... وساقهم جهلا إلى البطشة الكبرى (٣)
حكى فعل إبليس بأصحابه الألى ... تبرّأ منهم حين أوردهم بدرا
فدارت رحى الهيجا عليهم فأصبحوا ... هشيما طحينا فى مهبّ الصّبا يذرى (٤)
يطير بأشلاء لهم كلّ قشعم ... فما شئت من نسر غدا بطنه قبرا (٥)
بيمن الإمام الصالح المصلح الرّضا ... نضا سيفه الإسلام فاستأصل الكفرا (٦)
والجراوى يقول إنه فتح أعظم من أن يحيط بوصفه شعر ونثر وقد عمت به البشرى والفرحة جميع المسلمين وملأت تباشيره الدنيا بهضابها وسهولها فازدانت به حسنا وطابت نشرا وعطرا، وإنه لفتح محجّل أغر يبهر ضوؤه الشمس والقمر، فقد أورد ألفونس ملك قشتالة وطليطلة أنصاره مورد الردى والهلاك، ودفعهم دفعا إلى البطشة الكبرى، فذاقوا ما ذاقته قريش يوم بدر، إذ دارت رحى الحرب على جثثهم وأصبحوا أشلاء وطحينا تذروه الرياح، وشبعت منهم الضباع والسباع، وغدت بطون النسور لأشلائهم قبورا طائرة. وكل ذلك بيمن طالع
стр. 5010
الإمام يعقوب الصالح المصلح الرضا المرضى الذى سلّ الإسلام سيفه فاستأصل به الكفر من جذوره وكاد لا يبقى منه باقية.
ويتوفى البطل المغوار يعقوب سنة ٥٩٥ هـ/١١٩٩ م ويخلفه ابنه الناصر لدين الله، وتؤخذ له البيعة فيهنئه الجراوى بقصيدة طويلة، يقول فيها:
هى بيعة أحيا الإله بها الورى ... وحما بها دين النبىّ المصطفى
وهو دائما يردّد فيه وفى آبائه أن الله اختارهم ليتكامل للدنيا وجودها وللناس حياتهم بما يشيعون فيها من العدل والكرم الفياض، ودائما يردّد أنهم حماة الدين الحنيف وأن الدهر يصدع لمشيئتهم. ويستولى الناصر على ميورقة من يد ابن غانية فيهنئه بقصيدة مطلعها:
لك النصر حزب والمقادير أعوان ... فحسب أعاديك انقياد وإذعان
كما يهنئه بقصيدة أخرى حين استولى على منورقة، وظل يمدحه إلى وفاته سنة ٦٠٨ هـ/ ١٢١١ م.
ابن عبد (١) المنّان
هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن عبد المنان الأنصارى الخزرجى، من أهل مكناس، تفتحت مواهبه الأدبية مبكرة، فجرى الشعر على لسانه، واستخلصه لنفسه السلطان أبو عنان المرينى (٧٤٩ هـ/١٣٤٨ م-٧٥٩ هـ/١٣٥٨ م) فاتخذه كاتبه فى الدواوين كما اتخذه شاعره، وله فيه مدائح بديعة، وكتب بعده للسلاطين: أبى بكر السعيد لمدة عام فعمه أبى سالم إبراهيم بن أبى الحسن فأخيه تاشفين سنة ٧٦٢ هـ/١٣٦١ م فأبى زيان سنة ٧٦٣ فعمه عبد العزيز سنة ٧٦٨ هـ/١٣٦٧ م وابنه أبى زيان سنة ٧٧٤ فأبى العباس أحمد المستنصر سنة ٧٧٦ هـ/١٣٧٥ م وظل يعمل مع السلاطين حتى وفاته سنة ٧٩٢ هـ/١٣٩٠ م. ونوه به وبشعره ونثره كل من ترجموا له، من ذلك ما نقله الأستاذ ابن تاويت من وصف تلميذه ابن جابر الغسانى له بقوله: «رافع راية الأدب والشعر فى عصره، القدوة الأحفل، المتفنّن الأكمل، كاتب الخلافة العلية، المخصوص لديها بالمزايا السنية». ويبدو أن أهم مدائحه إنما كانت فى السلطان أبى عنان، ونراه حين قضى على أحد الثوار وثورته قضاء مبرما، يقول من قصيدة طويلة يهنئه فيها بالنصر وعيد الأضحى معا: