← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والصّوت واللّون والمعايش وال ... أخلاق شتّى وفرّق الكلما ثمّت لا بدّ أن سيجمعكم ... والله، جهرا، شهادة قسما فائتمروا الآن ما بدا لكم ... واعتصموا إن وجدتم عصما فى هذه الأرض والسماء، ولا ... عصمة منه إلا لمن رحما يا أيها الناس هل ترون إلى ... فارس بادت، وخدّها رغما (١) أمسوا عبيدا يرعون شاءكم ... كأنما كان ملكهم حلما أو سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما فمزّقوا فى البلاد واعترفوا ال ... هون وذاقوا البأساء والعدما (٢) وبدّلوا السّدر والأراك به ال ... خمط وأضحى البنيان منهدما (٣) والنابغة فى مطلع هذه العظة يثنى على الله بما هو أهله، مقررا إيمانه بوحدانيته وأنه لا شريك له، ونحسّ أنه يستعير لفظه من الذكر الحكيم، فهو يستهل قوله بكلمة «الحمد لله» ولا يلبث أن يستلهم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»﴾. ويتحدث فى البيت الثانى عن نظام الكون المنبئ عن قدرة الله وجليل صنعه له وتقديره على نظام بديع، مستعيرا من القرآن نفس لفظه فى قوله جلّ وعز: ﴿(قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ. .﴾ ﴿.﴾ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ).﴾ وفى البيت الثالث مضى ينظم قوله تعالى: ﴿(اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها).﴾ وخرج فى البيت الرابع من خلقه للكون إلى خلقه للإنسان واستمر ينظم مثل قوله جلّ وعز: ﴿(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ).﴾ وهو يمضى فيتحدث عن البعث والنشأة الثانية محذرا مخوما. وما يلبث أن يتحدث عن

стр. 527

القرون والأمم البائدة مكملا بذلك العظة والعبرة، بالضبط على نحو ما نقرأ فى القرآن من حديث عما أصاب الأمم الباغية من هلاك، وقد اقتبس منه ما جاء فيه عن دولة سبأ اقتباسا تتطابق فيه الألفاظ واقرأ قوله تعالى: ﴿(لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ. .﴾ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا. .﴾ ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)﴾، فإنك تجده قد نظم الآيات الكريمة فى أبياته الثلاثة الأخيرة. وأكبر الظن أنه قد اتضح اتضاحا لا لبس فيه أن أهل نجد والبوادى كان مثلهم مثل أهل الحواضر حين دخلوا فى الإسلام فقد تمثلوه وتألقت أضواؤه فى صدورهم وفى أشعارهم، حتى لتتحول جوانب منها إلى مواعظ خالصة ينفّرون فيها الناس من الدنيا ونعيمها الفانى، حاثّين لهم على التزود بالتقوى والعمل الصالح.

стр. 528

الفصل الخامس النثر وتطوره ١ - تطور الخطابة كان ظهور الإسلام إيذانا بتطور واسع فى الخطابة، إذ اتخذها الرسول ﷺ أداة للدعوة إلى الدين الحنيف طوال مقامه بمكة قبل الهجرة حيث ظل ثلاثة عشر عاما يعرض على قومه من قريش وكلّ من يلقاه فى الأسواق آيات القرآن الكريم، وهو فى أثناء ذلك بخطب فى الناس داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، محاولا بكل طاقته أن يوقظ ضميرهم بما يصوّر لهم من قوة الكائن الأعلى مدبّر الكون ومنظمه، الذى لم يخلقهم عبثا، وإنما خلقهم ليعبدوه حق عبادته، وليستشعروا كل ما يمكن من الكمالات الروحية والاجتماعية والإنسانية، حتى تتم لهم السعادة فى الدنيا والآخرة. وهاجر الرسول صلوات الله عليه إلى المدينة، فاتصلت خطابته، واتسعت جنباتها، بما أخذ يشرّع للمسلمين ويرسم لهم من حدود دولتهم ونظم حياتهم التى ينبغى أن تقوم على الإخاء والمساواة والتعاون فى سبيل الحق والخير، وهو فى تضاعيف ذلك يأخذهم بآداب رفيعة من السلوك السامى، مبينا لهم معانى الإسلام الروحية التى تقوم على معرفة الله الواحد الأحد والصلة به، كما تقوم على معرفة العمل الصالح وأن وراء هذه الحياة حياة أخرى يحاسب فيها الإنسان على ما قدّمت يداه ولو كان مثقال ذرّة. وما يزال يعرض أوامر الدين ونواهيه، واضعا الحلول لكثير من المشاكل الدنيوية، كمشكلة الرقيق ومشكلة توزيع الثروة ومشكلة العلاقات بين الرجل والمرأة، وغير ذلك من مشاكل حلّت بما يحقق سعادة الجنس البشرى وهناءته.

стр. 529

وعلى هذا النحو كانت خطابة الرسول ﵇ متممة للذكر الحكيم، ومن ثمّ كانت فرضا مكتوبا فى صلاة الجمع والأعياد ثم مواسم الحج، وتحتفظ كتب الحديث بما اتخذه فيها من سنن وتقاليد (١) ثبتت إلى اليوم. وبينما كانت تسبق الخطابة الصلاة فى الجمع كانت الصلاة تسبقها فى الأعياد، وهى تتوزع على خطبتين يقف فيهما الخطيب على منبر أو نثز من الأرض، وقد اعتمد على قوس أو سيف أو عصا، ويقبل على الناس مسلّما. وتبدأ الخطبة الأولى فى الجمع بحمد الله تعالى وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله، ويؤثر عن الرسول أنه كان يقول فى فاتحة هذه الخطبة: «الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل الله فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (٢). وعادة يتلو الخطيب فى الخطبة الأولى لصلاة الجمعة بعض آى القرآن الكريم، حتى يستلهمها فى موعظته. وإذا انتهى منها جلس، ثم يقوم للخطبة الثانية، وفيها يكثر من الدعاء، ويقال إنه كان آخر دعاء أبى بكر فى الخطبة الثانية: «اللهم اجعل خير زمانى آخره، وخير عملى خواتمه، وخير أيامى يوم لقائك» وكان آخر دعاء عمر: «اللهم لا تدعنى فى غمرة، ولا تأخذنى فى غرّة، ولا تجعلنى مع الغافلين» (٣). ولا تفتتح خطبتا العيدين بالحمد لله إنما تفتتح بالتكبير، فيكبّر الخطيب فى أولاهما سبع تكبيرات وفى ثانيتهما خمس تكبيرات. وطبيعى أن تقضى هذه الخطابة على كل لون قديم من الخطابة الجاهلية لا يتفق وروح الإسلام، ولا نقصد سجع الكهّان الذى كان يرتبط بدينهم الوثنى فحسب، بل نقصد أيضا خطابة المنافرات، فقد نهى الإسلام عن التكاثر بالآباء والأنساب والأحساب، وإن ظلت لذلك بقية فى حياة الرسول ﷺ حين كانت تفد عليه وفود العرب، على نحو ما نعرف عن وفد تميم وقيام خطيبهم عطارد بن حاجب بن زرارة بين يديه مفاخرا بقومه،

стр. 530

وقد ندب له الرسول ثابت بن قيس بن الشماس، فرد عليه مستوحيا هدى الإسلام، ولم يلبثوا أن استجابوا لله ولرسوله (١). ونمضى فى عصر الخلفاء الراشدين، فتكثر بجانب خطب الجمع والأعياد المواقف التى تجلت فيها براعة هؤلاء؟ ؟ ؟ ، كموقف أبى بكر حين انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى وموقفه يوم السقيفة، فقد درأ فى الموقفين جميعا الشّعث الذى كاد يودى بالجماعة، وكذلك موقفه حين ارتدّ كثير من العرب وامتنعوا عن أداء الزكاة. وكم من خطيب وقف حينذاك يحضّ قومه على الثورة أو يحثهم على الطاعة. ولا بد أن نلاحظ أن انتشار الإسلام فى الجزيرة أعدّ منذ أول الأمر إلى أن تتكاثر خطب الجمع والأعياد، إذ كانت كما قدّمنا فرضا مكتوبا على المسلمين فى كل مكان يحلّونه من الجزيزة. ثم تكون الفتوح، ويخطب أبو بكر فى الجيوش الغازية يحضّ على الجهاد ونشر الدين الحنيف فى أطباق الأرض. وترتفع أصوات القواد بالخطابة فى كل قطر حاثّين الجنود على الصبر فى القتال حتى الاستشهاد طلبا لما عند الله من الثواب. ويخيل إلى الإنسان كأنما ملك كل منهم من قلوب جنوده ببيانه وبلاغته مالا تملكه الدنيا بحذافيرها. ولا نغلو إذا قلنا إن بلدا من بلدان الفرس فى العراق وإيران وبلدان الروم فى الشام ومصر لم يفتح إلا بعد أن فتحته خطبة أحد هؤلاء القواد، كخطبة المغيرة بن شعبة فى القادسية (٢) وخالد بن الوليد فى اليرموك (٣)، وعتبة بن غزوان فى فتح الأبلّة، ونحن نكتفى بقطعة من خطبة عتبة إذ يقول (٤): «أما بعد فإن الدنيا قد تولّت حذّاء (٥) مدبرة، وقد آذنت أهلها بصرم، وإنما بقى منها صبابة كصبابة الإناء يصطبّها (٦) صاحبها، ألا وإنكم منقولون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضركم». ويتولى عمر، فيكثر من الخطابة لا فى الجمع والأعياد ومواسم الحج فحسب بل مع كل حادث، ومع كل خبر يأتيه بفتح. وقد سار على هدى أبى بكر

стр. 531

فى استشارة أصحابه فى كل مهمّ، وكل ما يجدّ من تشريع، وخاصة فى معاملة الأمم المفتوحة. وكان هذا بدوره عاملا من عوامل نمو الخطابة فى العصر. إذ كان الحكم ديمقراطيّا، وكان من حق كل شخص أن يخطب مصوّرا وجهة نظره. وفسح عمر لخطابة الوفود فى مجالسه، تستميح لأقوامها وتذكر حاجتها، واشتهر الأحنف بن قيس سيد تميم وأحد قواد الفتوح بغير خطبة ألقاها بين يديه (١). ولم تقف الخطابة الدينية فى هذا العصر عند الجزيرة. فقد أخذت تحلّ مع المسمين فى كل بلد فتحوها، وكان هذا بدون شك عاملا من عوامل نموها، إذ تكاثر من يردّدونها ومن يحسنون حوكها وصياغتها مستلهمين القرآن الكريم وخطابة الرسول فيما يعظون الناس به من مواعظ حسنة، على نحو ما أثر عن عبد الله بن مسعود فى إحدى مواعظه، وفيها يقول لأهل الكوفة (٢): «أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملّة إبراهيم، وأحسن السّنن سنة محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وخير الأمور عزائمها، ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. . . خير الغنى غنى النفس. الخمر جمّاع الآثام. . . أعظم الخطايا اللسان الكذوب. سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية. . . مكتوب فى ديوان المحسنين من عفا عفى عنه. السعيد من وعظ بغيره. . . أحسن الهدى هدى الأنبياء». وفى هذين الاتجاهين الكبيرين من المواعظ والحضّ على الجهاد مضت الخطابة طوال عصر عمر والسنوات الأولى من خلافة عثمان، حتى إذا أشعل الثوار عليه فى الكوفة ومصر نار الفتنة أخذت الخطابة فيها مكانها، إذ وقف أمثال الاشتر النخعى فى الكوفة ومحمد بن أبى بكر فى مصر يؤلبون الناس عليه. وتتوالى الحوادث، ويقتل عثمان، ويتولّى على بن أبى طالب مقاليد الخلافة، وتجتمع السيدة عائشة وطلحة والزبير، ويقررون الخروج عليه. ويقصدون البصرة، ويستجيب أهلها لهم. فيضطرّ على إلى أن يتبعهم، وينزل الكوفة، وتكون موقعة الجمل

стр. 532

المشهورة، وفيها ينتصر علىّ، وتتم له بيعة أهل العراق. وقبيل هذه الموقعة وفى أثنائها تكثر الخطب بين أنصار على وخصومه، فهؤلاء يدعون إلى طاعته وأولئك يدعون إلى منابذته، وفى تاريخ الطبرى من هذه الخطب كثرة وافرة، وممن يذكرهم بين من ثبّطوا الناس عنه أبو موسى الأشعرى (١)، أما من استنفروا الناس له فكثيرون، وعلى رأسهم الأشعث ابن قيس والأشتر النخعى وزيد بن صوحان وأخوه سيحان. وانتدب علىّ أهل العراق لقتال معاوية وأهل الشام، فخرجوا معه إلى صفّين على حدود الفرات حيث التقوا بمعاوية وجنوده، وفى هذه الأثناء تتكاثر الخطب كثرة مفرطة وخاصة فى صفوف على وأصحابه، وكان هو نفسه خطيبا مفوّها. وكان بجيشه غير خطيب من أمثال من ذكرناهم آنفا وأمثال عمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة وعدى بن حاتم الطائى وعمرو بن الحمق وشبث بن ربعىّ. وقبل اندلاع الحرب كان يتبادل على ومعاوية الوفود، وكان يخطب غير واحد بين أيديهما، وعبثا تحاول الوفود لمّ الشعث، ويقضى الأمر، وتنشب الحرب ويخطب معاوية محرضا أصحابه. ومن رءوس خطبائه حينئذ عمرو بن العاص. وتستعر المعركة وترجح كفة على وجيشه رجحانا واضحا، فيلجأ معاوية وأهل الشام إلى الخديعة، إذ يرفعون المصاحف على أسنّة رماحهم، مطالبين بالاحتكام إلى كتاب الله على يد محكّمين يستهدون بآيه. ويغمد القرّاء فى جيش علىّ سيوفهم، ويتبعهم الناس، ويمانعهم على، فيهددونه بأن يصبح مصيره مصير عثمان، وينزل على إرادتهم، ويختار أبو موسى الأشعرى عن أهل العراق وعمرو بن العاص عن أهل الشام. وفى أثناء رجوع على بجيوشه إلى الكوفة، يتبين كثير من جنده أنهم قد خدعوا، ويتلوّمون عليّا لأنه قبل التحكيم، ويعظم الخلاف والشجار بين أصحابه، ويخطب فيهم. ويتكاثر الخطباء بين محبّذ للتحكيم ومنفّر منه، ويخرج عليه فريق كبير من جيشه وينزلون معسكرا خاصّا بهم فى حر وراء بالقرب من الكوفة، فيسمون لذلك بالحرورية، أما الاسم الشامل الذى جمعهم فهو الخوارج.

стр. 533

ويحاول علىّ وعبد الله بن العباس أن يردّاهم إلى سواء السبيل، فتقوم بينهما وبينهم مناظرات فى مسألة التحكيم يكون عمادها الجدل المستمدّ من نصوص القرآن والحديث، وبذلك يعرف هذا العصر المناظرة الشفوية، بل إنها لتتفجّر تفجرا. ونحن نورد طرفا من مناظرة ابن عباس لهم مما احتفظ به الطبرى، وهو يجرى على هذه الصورة (١): «راجعهم ابن عباس، فقال: ما نقمتم من الحكمين، وقد قال الله : ﴿(إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما)﴾ (٢) فكيف بأمة محمد ﷺ ؟ . فقالت الخوارج: قلنا أمّا ما جعل حكمه إلى الناس وأمر بالنظر فيه والإصلاح له فهو إليهم كما أمر به، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم فى الزانى بمائة جلدة وفى السارق بقطع يده، فليس للعباد أن ينظروا فى هذا. قال ابن عباس: فإن الله يقول: ﴿(يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ»﴾ (٣). فقالوا له: أو تجعل الحكم فى الصيد والحدث يكون بين المرأة وزوجها كالحكم فى دماء المسلمين؟ ! . وقالت الخوارج: قلنا له: فهذه الآية بيننا وبينك، أعدل عندك ابن العاص وهو بالأمس يقاتلنا ويسفك دماءنا فإن كان عدلا فلسنا بعدول ونحن أهل حربه، وقد حكّمتم فى أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه فى معاوية وحزبه أن يقتلوا أو يرجعوا (٤) وقبل ذلك ما دعوناهم إلى كتاب الله فأبوه. ثم كتبتم بينكم وبينه كتابا، وجعلتم بينكم وبينه الموادعة والاستفاضة (٥). وقد قطع الاستفاضة والموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقرّ بالجزية». ولما لم يسمع الخوارج ولم يطيعوا اضطرّ علىّ إلى حربهم، وفتك بهم فتكا ذريعا فى موقعة النهروان. وكانوا يظهرون استبسالا شديدا، يدفعهم إلى ذلك

стр. 534

خطباؤهم من أمثال قائدهم عبد الله بن وهب الراسبى. وحرقوص بن زهير السعدى والمستورد بن علّفة، ومن يرجع إلى خطبهم يجدها تتقد حماسة وحميّة من مثل قول ابن وهب فى بعض خطبه (١): «أما بعد فو الله ما ينبغى لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا-التى الرضا بها والركون إليها والإيثار إياها عناء وتبار (٢) - آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بالحق وإن منّ (٣) وضرّ، فإنه من يمنّ ويضرّ فى هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله والخلود فى جناته». وينتهى التحكيم بمهزلة خلع على، وتمتد يد آثمة من أيدى الخوارج إليه فى الظلام، فتطعنه طعنة نجلاء، ويسلم الحسن ابنه الأمر راضيا إلى معاوية، ويبايعه المسلمون كافة. وأكبر الظن أنه قد اتضح من كل ما قدمنا كيف نمت الخطابة فى هذا العصر نموّا واسعا، بتأثير الإسلام من جهة وتكاثر الأحداث وتتابعها من جهة ثانية. وليس هذا كل ما يلاحظ فيها، فقد دارت حول معانى القرآن الكريم وخطابة الرسول وأحاديثه؛ وهى معان جديدة لم يكن للعربية بها عهد، معانى هذا الدين الحنيف الذى بعث لغتنا ونشرها بعثا جديدا، والذى مرّنها وذلّلها لكى تؤدى الرسالة النبوية وكل ما تحمل من مواعظ وتعاليم. وقد أخذ كل خطيب يحمل قبسا من هذه التعاليم والمواعظ يستضئ به فى كل ما يخاطب به الناس ابتغاء التأثير عليهم وبلوغ ما يريد من أداء الخطبة الدينية الخالصة فى أيام الجمع والأعياد ومواسم الحج وأختها التى تدعو إلى الجهاد والحضّ على قتال الأعداء. ولعله من أجل ذلك أصبح التحميد سنّة فى كل خطبة، حتى الخطبة السياسية، وكانوا يسمّون كل خطبة تخلو منه بتراء، كما كانوا يسمون كل خطبة تخلو من اقتباس آى القرآن الكريم والصلاة على الرسول شوهاء (٤).

стр. 535

وهناك أخبار كثيرة تدل على أن الخطباء كانوا يزوّرون كلامهم ويعدونه على أنفسهم إعدادا طويلا، ثم يلّقونه على الناس، حتى لقد روى ذلك عن عمر بن الخطاب (١). وكان الخطيب يستشهد أحيانا ببعض الأمثال، أو ببعض أبيات من الشعر تؤكد المعنى الذى يريد أن يصبّه فى نفوس سامعيه صبّا، على نحو ما نجد فى خطبة لأبى بكر فى الأنصار (٢). وإذا كنا قد لاحظنا فى الجزء الأول من هذا التأريخ للأدب العربى غلبة السجع على خطباء الجاهلية فإننا نلاحظ فى هذا العصر أنه كاد ينحسر تماما عن الخطابة، إلا بقايا ظلت فى خطابة الوفود حين كانت تقدم على الخلفاء. يقول الجاحظ: «كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فتكون فى تلك الخطب أسجاع كثيرة» (٣)، وبقية أخرى استظهرها بعض المتنبئة فى حروب الردة مثل مسيلمة الكذاب متنبئ اليمامة، ويقول الجاحظ إنه «عدا على القرآن فسلبه وأخذ بعضه وتعاطى أن يقارنه» (٤). ومما يروى له-إن صحّ- قوله (٥): «سمع الله لمن سمع، وأطمعه بالخير إذا طمع، ولا زال أمره فى كل ما سرّ نفسه يجتمع، رآكم ربكم فحيّاكم، ومن وحشة خلاّكم، ويوم دينه أنجاكم، فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشقياء ولا فجار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربكم الكبار، رب الغيوم والأمطار». ونستطيع أن نقول إن السجع فى خطابة هذا العصر كان شيئا عارضا، إذ كان الرسول ﷺ لا يسجع فى خطابته، وكان ينفر منه حين يلهج به أحد محدثيه (٦)، كراهية للتشبه بالكهّان فى سجعهم، وسار على هديه الخلفاء الراشدون وغيرهم من جلّة الصحابة، يدلّ على ذلك ما يروى من أن عمر بن الخطاب سأل صحارا العبدى حين قدم عليه من غزو مكران الفارسية عن شأنها وشأن العرب هناك، فأجابه: «أرض سهلها جبل، وماؤها وشل (٧)

стр. 536

وثمرها دقل (١)، وعدوها بطل، وخيرها قليل وشرها طويل، والكثير بها قليل. إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلّوا بها ضاعوا». وقد أنكر عمر عليه هذا السجع فقال له: أسجّاع أنت أم مخبر (٢). وكان الخلفاء بعد عمر ينكرون السجع على محدّيثهم. وأمامنا خطب القوم، وهى تخلو خلوّا تامّا من السجع إلا ما جاء عفوا فى الحين البعيد بعد الحين. ولكنهم إذا كانوا قد أهملوا السجع فإنهم لم يهملوا جزالة اللفظ ورصانته، بل لقد كان همّ كل خطيب أن يحسن قوله وأن يصوغه صياغة رائعة. وأخرى تلاحظ على الخطابة فى هذا العصر بالقياس إلى الخطابة الجاهلية، فإن الخطابة الأخيرة لم تكن ذات موضوع محدد، ومن ثم كانت تأخذ شكل أقوال متناثرة لا رابط بينها، أما فى هذا العصر فقد أصبح للخطابة موضوع واضح يجول فيه الخطيب ويصول، إذ يحدّث الناس واعظا، أو يعرض عليهم حدثا محددا من أحداث الإسلام، بحيث نستطيع أن نقول إن الخطبة أصبحت ذات موضوع، تلمّ بأطرافه وتفاصيله. وبذلك كله نهضت الخطابة ونهض معها النثر نهضة واسعة، فقد أخذ الخطباء يوسّعون طاقته بما يحمّلونه من معانى الإسلام وما يبسطون فى هذه المعانى ويولّدون ويفرّعون. ونحن نقف قليلا عند خطابة الرسول وخطابة خلفائه الراشدين لتتضح صور التطور التى وسّعت جنبات النثر وزادت فى معانيه ومادته بأداة البيان الكاملة وأسباب البلاغة الوافرة. ٢ - خطابة الرسول ﷺ على هدى القرآن الكريم كان محمد صلوات الله عليه يخطب فى العرب ليخرجهم من ظلمات الوثنية إلى نور الهداية السماوية، وقد أوتى من الّلسن

стр. 537

والفصاحة ما ملك به أزمّة القلوب، وكأنما كانت المعانى والأساليب موقوفة بشخوصها بين يديه، ليختار منها ما تهش له الأسماع وتصغى له الأفئدة. وقد ظل طوال مكثه بمكة يتلو على قريش ومن يلقاه فى الأسواق كتاب الله حينا، وحينا آخر كان يخطب فى نفس معانى القرآن المكية متحدثا عن رسالته، وداعيا إلى وحدانية الله مبينا أنه يهيمن على الناس فى أعمالهم وأنه سيبعثهم يوم القيامة، ليجزى بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا، حتى إذا انتقل إلى المدينة فرضت الخطابة-كما قدمنا-فى صلاة الجمع والأعياد ثم فى مواسم الحج. وكان ما يزال يخطب فى الأحداث التى تلمّ. وفى أخباره أنه كان يطيل الخطبة أحيانا إلى ساعات (١) غير أن كتب الأدب والتاريخ لم تحتفظ من هذا التراث القيم إلا بأطراف قليلة، ولعل مرجع ذلك إلى طول المسافة بين خطبه وعصر التدوين فضاعت أو سقطت من يد الزمن إلا بقايا قليلة. وأكثر هذه البقايا مما خطب به ﵊ بعد الهجرة، وهو فيها يتطابق مع آى القرآن التى كانت تنزل عليه، إذ نراه تارة واعظا، وتارة مشرّعا، وقد يجمع بين الطرفين من الوعظ والتشريع فى نسيج بلاغى رائع. ونحن نسوق أول خطبة خطبها بالمدينة حين صلى بالناس فى دخوله إليها صلاة الجمعة، وهى تمضى على هذه الشاكلة (٢): «الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأو من به ولا أكفره وأعادى من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلّة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنوّ من الساعة وقرب من الأجل. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرّط وضل ضلالا بعيدا. وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضّه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرا. وإن تقوى الله، لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة. ومن يصلح الذى بينه وبين الله من

стр. 538

أمره فى السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا فى عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدّم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا. ويحذّركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد. والذى صدق قوله، وأنجز وعده لا خلف لذلك، فإنه يقول : ﴿(ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ).﴾ فاتقوا الله فى عاجل آمركم وآجله، فى السر والعلانية ﴿(وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً).﴾ ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما. وإن تقوى الله يوقّى مقته ويوقّى عقوبته ويوقّى سخطه، وإن تقوى الله يبيض الوجوه، ويرضى الرب، ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرّطوا فى جنب الله. قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، ﴿(وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اِجْتَباكُمْ)﴾ (١) وسماكم المسلمين ﴿(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)﴾ ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد اليوم. فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العظيم». والخطبة موعظة رائعة، يستهلها الرسول الكريم بتقرير وحدانية الله وأنه أتمّ نعمته على الناس بإرساله إليهم كى يخرجهم مما هم فيه من غواية وضلالة ويدخلوا فى رعايته الإلهية، فلا يعملوا عملا بدونه. ليتركوا إذن الوراثة الضالة والوسط المشفى على الهلاك ويجتمعوا على هدى الله وتقواه، وليستشعروه فى السر والعلانية فإنه يعلم خائنة الأعين وما يستكنّ فى الصدور، وليقدّموا من خشيته وطاعته ما يكفّرون به عن سيئاتهم وتبيضّ به وجوههم يوم الحساب حتى يدخلوا فى جنّاته. إنه يوم ما بعده مستعتب، فإما الجنة وشفيعها العمل الصالح، وإما النار وبئس القرار. ويدفعهم دفعا إلى الجهاد فى سبيل الله ونشر دعوة الحق والخير، فقد اجتباهم واختارهم ليضطلعوا بأمانة الرسالة المحمدية، ولينشروها فى أطراف الأرض. والرسول فى كل ذلك يستوحى القرآن وآياته، وهى تقف

стр. 539

منارات فى موعظته، يستمد من إشعاعاتها ما يضئ به كلامه. بل إن وراء هذه المنارات منارات أخرى من هدى القرآن، بحيث نستطيع أن نرد كل موعظته إلى ينابيع الضوء التى تفجرت منها، إذ كانت تسيل فى نفسه، بل كانت تشع بمعانى نورها، كما يشع نور الشمس فى السماء. وكان أحيانا ينتقل فى سرعة من مثل هذا الوعظ ومعانيه الروحية إلى تشريعات يتمّ بها قيام هذا المجتمع الإسلامى ويسود على كل ما حوله، تشريعات قوامها مصلحة الجماعة وأن يعيش المسلم متعاونا متضامنا فى سبيل الخير، وهو خير تطبع عليه الجنة بنعيمها الخالد، خير يكفل سعادة البشرية، ومن أروع ما يصور ذلك خطبته ﵇ فى حجّة الوداع، وهى تجرى على هذا النمط (١): «الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلّ له. ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أوصيكم-عباد الله-بتقوى الله، وأحثّكم على طاعته، وأستفتح بالذى هو خير. أما بعد أيها الناس! اسمعوا منى أبيّن لكم، فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا فى موقفى هذا. أيها الناس! إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى الذى ائتمنه عليها. وإن ربا الجاهلية موضوع (٢)، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمى العباس ابن عبد المطلب. وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غير السّدانة (٣) والسّقاية (٤). والعمد قود (٥)، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس! إن الشيطان قد يئس أن يعبد فى أرضكم هذه، ولكنه قد رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون

стр. 540

من أعمالكم. أيها الناس! ﴿(إِنَّمَا النَّسِيءُ (١)﴾ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ). إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ﴿(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ): ﴾ ثلاثة متواليات وواحد فرد. ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذى بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس! إن لنسائكم عليكم حقّا، ولكم عليهن حق، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن (٢) وتهجروهن فى المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح (٣). فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وإنما النساء عندكم عوان (٤)، لا يملكن لأنفسهن شيئا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله فى النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، أيها الناس! إنما المؤمنون إخوة، ولا يحلّ لامرئ مسلم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعنّ بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس! إن ربّكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير. ليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. قالوا: نعم، قال: فليبلّغ الشاهد الغائب. أيها الناس! إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، فلا تجوز وصية لوارث فى أكثر من الثلث. والولد للفراش وللعاهر الحجر (٥)، من ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين،

стр. 541

لا يقبل منه صرف (١) ولا عدل (٢). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». وواضح أن الرسول ﷺ لم يكد يلمّ بالحمد لله والشهادة والوصية بالتقوى حتى انتقل يبيّن طائفة من التشريعات الإسلامية التى أقامها الدين الحنيف حدودا بين حياة العرب فى الجاهلية وحياتهم فى الإسلام، فقد كانوا مفككين متنافرين يتحاربون دائما طلبا للأخذ بالثأر ونهبا للأموال. وجمعهم الإسلام تحت لوائه فى جماعة كبرى متآخية متناصرة لا يبغى بعضها على بعض. ولكى يقضى على كل سبب للحرب بينهم ردّ دم القتيل إلى الدولة فهى التى تعاقب عليه، ولكى يستأصل هذا الداء دعا إلى التنازل عن حق الأخذ بالثأر القديم، وحرّم النهب والسلب تحريما قاطعا مشددا فيه العقوبة. والرسول يفتتح فى الخطبة أوامر الإسلام ونواهيه بإعلان أن دماء المسلمين وأموالهم حرام، وأن على كل من كانت عنده أمانة أن يردّها على صاحبها، وأن على كل مسلم أن يرعى أخاه فى ماله. فلا يأخذ منه شيئا إلا بالحق، ومن ثم حرّم الرّبا، وبدأ بعشيرته وتاجرها الموسر العباس بن عبد المطلب فأسقط عن رقاب المدينين له رباه. وعلى نحو ما أسقط الربا أسقط دماء الجاهلية، فليس لمسلم أن يثأر لقتيل له، وبدأ بعشيرته فأسقط دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. ولم يبق من مآثر الجاهلية شيئا سوى خدمة الكعبة وسقاية الحجيج، وأوجب فى قتل العمد القود، ولكن الدولة هى التى تقوم به، وبذلك قضى الإسلام على حروبهم الداخلية. وقد جعل فى القتل شبه العمد مائة بعير. كل ذلك ليحفظ للجماعة وحدتها ويسود بين أفرادها السلام والوئام. ويحذّر الرسول من الشيطان وغواياته، محرما للتلاعب بالأشهر الحرم، واضعا تقويما قمريّا يتألف من اثنى عشر شهرا، منها أربعة حرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. ويرفع من شأن المرأة ومعانى علاقاتها بزوجها، فيجعل لها حقوقا وعليها واجبات، وفى الطرفين جميعا يحفظ لها كرامتها كما يحفظ لزوجها نفس الكرامة، داعيا إلى التعاطف بينهما والتراحم والتعامل برفق وإحسان.

стр. 542

ويعود إلى العلاقة بين الفرد وجماعته الكبرى من الأمة، فيقرر أن المؤمنين إخوة، لكل منهم على صاحبه ما للأخ على أخيه من التآزر والتعاون والتحابّ، فلا بطش ولا ظلم ولا نهب، ولا حرب ولا سفك للدماء. وإنه لعهد من نقضه عاد كافرا آثما قلبه. لقد انتهى عهد الحياة القبلية وكل ما أتصل بها من تنابذ وتفاخر، فالناس جميعا لآدم، ولا عربى عدنانى ولا عربى قحطانى، بل لا عربى ولا أعجمى، فقد وضعت موازين جديدة لحياة العرب، فلم يعد التفاضل بالنسب والحسب، إنما أصبح بالتقوى فهى معيار التفاضل. ويلفت الرسول سامعيه إلى ما قرّره القرآن فى الميراث وأنصبته. وأن للمورّث أن يوصى بالثلث من ماله. ويرسى قاعدة مهمة فى شرعية الأبناء، وخاصة هؤلاء الذين تلدهم العواهر، فينسبهم إلى أصحاب الفراش، وكانوا ينسبونهم إلى غير آبائهم، وقد لا ينسبونهم أبدا، فحرّم ذلك تحريما باتّا. وبذلك قضى على نبالة النسب من جهة الخئولة قضاء مبرما. وعلى هذا النحو كان الرسول صلوات الله عليه يبيّن فى خطابته حدود الحياة الإسلامية وما ينبغى أن يأخذ به المسلم نفسه فى علاقاته الكبرى مع أفراد أمته وعلاقاته الصغرى مع أسرته. فإن ترك ذلك فإلى وعظ المسلمين وما ينبغى أن يأخذوا أنفسهم به، فى سلوكهم حتى تزكو نفوسهم، وفى عبادتهم لربهم وتقواه حق التقوى حتى لا يزيغوا ولا ينحرفوا عن المحجة، بل يتدرجوا فى مراقى الكمال الإنسانى. وهذه الخطبة وسابقتها تصوران فى دقة حسن منطق الرسول فى خطابته، وأنه لم يكن يستعين فيها بسجع ولا بلفظ غريب، فقد كان يكره اللونين جميعا من الكلام لما يدلاّن عليه من التكلف، وقد برّأه الله منه إذ يقول فى كتابه العزيز: قل يا محمد: ﴿(وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ).﴾ والذى لا شك فيه أنه كان يبلغ بعفوه وقوى فطرته ما تنقطع دونه رقاب البلغاء، وقد وصف الجاحظ بلاغته فى خطابته أدق وصف، فقال إنه: «جانب أصحاب التقعيب (١)، واستعمل المبسوط فى موضع البسط والمقصور فى موضع القصر، وهجر الغريب الوحشىّ،

стр. 543

ورغب عن الهجين السوقى، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، لم يتكلم إلا بكلام قد حفّ بالعصمة، وشيّد بالتأييد، ويسّر بالتوفيق، وهو الكلام الذى ألقى الله عليه المحبة، وغشّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلّت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلم القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج (١) إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة. . . ولم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا ولا أقصد لفظا ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين فى فحوى (٢)، من كلامه ﷺ » (٣). ونضيف إلى الجاحظ أنه ﵇ هو الذى فتق معانى هذه الخطابة الدينية التى لم يعرفها العرب قبله، فهو الذى رسمها، وفجّر ينابيعها بحيث أصبحت مادة للخطباء من بعده، وكأنما احتشد الكلم بأزمّته إليه، ليختار منه أفصحه وأسلسه وأبينه فى الدلالة، يسعفه فى ذلك ذوق مرهف وحسّ دقيق نتبينهما فيما روى عنه من قوله: «لا يقولنّ أحدكم خبثت نفسى ولكن ليقل: لقست نفسى» (٤) كراهية أن يضيف المسلم الطاهر إلى نفسه الخبث، مما يدل على أنه لم يكن ينطق إلا باللفظ المختار البرئ من كل ما يستكره، اللفظ الذى يحبّب إلى النفوس لحلاوته وعذوبته وصفائه ونقائه. ٣ - خطابة الخلفاء الراشدين كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلى فى الذروة من الفصاحة والبلاغة، إذ سرى فى نفوسهم بيان القرآن بترغيبه وترهيبه وبيان الرسول بمواعظه وتشريعاته، وتسرب هذا البيان إلى أجزاء نفوسهم وأخذ بمجامع قلوبهم.

стр. 544

وكان أبو بكر أول من أسلم من الرجال، وكان أحبّ رفيق إلى الرسول وألصق أصحابه به، وقد نوّه القرآن بذكره. فقال جلّ شأنه: ﴿(فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى)﴾، وفيه نزلت آيات أخرى. وهو خير من يمثّل المسلم بأخلاقه وفضائله وحميته للدين وتأثره بهدى القرآن الكريم ورسوله تأثرا استحوذ على كل نفسه، فإذا لسانه يتدفق تدفق السيل، بما استشعر من معانى الإسلام وقيمه الروحية. وقد أثرت عنه خطب كثيرة. تدل دلالة واضحة على شدة شكيمته فى الدين ويقظته وصدق حسّه، وأنه حقّا كان أجدر أصحاب رسول الله بخلافته. فمن ذلك أنه-لما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى واضطرب الناس وماجوا، وقالوا وقال معهم عمر بن الخطاب: إن الرسول لم يمت-أقبل فكشف عن وجهه، فقبّله، وقال: بأبى أنت وأمى طبت حيّا وطبت ميتا. وخرج من عنده فبدر الصحابة بخطبته المشهورة (١) التى قال فيها: «من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حىّ لا يموت» ثم أخذ فى بيان غلط من كذبوا موته محتجّا عليهم بمثل قوله تعالى: ﴿(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)﴾، وتلا: ﴿(وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ)﴾، ثم تلا: ﴿(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ)﴾، ثم تلا: ﴿(كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ).﴾ فثاب من كذبوا موته رضوان الله عليه إلى رشدهم. ولم يلبث أن عرف أن الأنصار قد اجتمعوا إلى سعد بن عبادة فى سقيفة (٢) بنى ساعدة، يقولون: منا أمير ومن قريش أمير، فراعه ذلك وخشى على الأمة من الفرقة والطمع فى الملك، فبادر إليهم قبل أن يستفحل الشر. وتبعه عمر وأبو عبيدة فى نفر من المهاجرين. وهناك خطب فى الأنصار، فأقنعهم أن يجتمعوا على رجل من قريش، وتمت البيعة له، فخطب فى الناس بعد أن حمد الله وأثنى عليه وقال (٣): «أيها الناس! إنى قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتمونى على حقّ فأعينونى، وإن رأيتمونى على باطل فسدّدونى. أطيعونى ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لى عليكم. ألا إن أقواكم عندى الضعيف حتى آخذ

стр. 545

الحق له، وأضعفكم عند القوىّ حتى آخذ الحق منه، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم». وأخذت تتجلّى مواقفه العظيمة ومآثره الكريمة، فإنه أمر أن يخرج بعث أسامة إلى وجهته من حرب الروم كما أمر الرسول. وكان كثير من العرب قد منعوا الزكاة، ومشى إليه كثير من المهاجرين والأنصار، يقولون له لا قبل لنا بحرب العرب، فاقبل الصلاة منهم واترك الزكاة، فقال قوله المأثور: «لو منعونى عقالا (١) مما أعطوه النبى لجاهدتهم عليه»، وجاهدهم بجيوشه، حتى عادوا إلى الإسلام بعد ردّتهم. وإذا أخذنا نقرأ فى خطبه وجدنا جمهورها وعظا يستمد مادته من القرآن وكلام الرسول، على شاكلة قوله فى خطبة له (٢): «إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وحظ ظفرتم به، وضرائب أدّيتموها، وسلف قدمتموه، من أيام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم وحاجتكم. اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس وأين هم اليوم؟ أين الجبّارون؟ . . أين الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية، وهم فى ظلمات القبور، هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (٣). . . ألا إن الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه به سوءا إلا بطاعته واتباع أمره. واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته، أما إنه لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشرّ بعده الجنة». واستنّ بجانب مثل هذه الموعظة سنة الوصية للجيوش الفاتحة، وهو فى وصاياه يصدر عن روح الإسلام السمحة وتعاليمه السامية فى معاملة المسلمين لمن يغلبون عليهم، إذ يطلب إليهم أن لا يخونوا ولا يغدروا ولا يمثّلوا بقتيل ولا يقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا يفسدوا زرعا ولا يستحلّوا مالا إلا

стр. 546

لمأكلة ولا يتعرضوا لرهبان النصارى، وتصوّر ذلك كله وصيته لجيش أسامة بن زيد حين سيّره إلى مشارف الشام، وفيها يقول (١): «أيها الناس! قفوا أوصيكم بعشر، فاحفظوها عنى: لا تخونوا ولا تغلّوا (٢)، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تقعروا (٣) نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة. وسوف تمرون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له». وواضح مما تمثلنا به من خطابة أبى بكر أنه لم يكن يلهج بسجع، إنما كان يلهج بكلم فصيح جزل واضح الدلالة عما فى نفسه. وكان يتخيّر لفظه، وربما كان من الأدلة على ذلك ما يروى من أنه عرض لرجل معه ثوب، فقال له: أتبيع الثوب؟ فأجابه: لا، عافاك الله. فتأذى أبو بكر مما يوهمه ظاهر اللفظ إذ قد يظنّ أن النفى مسلط على الدعاء، فقال له: لقد علمتم لو كنتم تعلمون، قل: لا، وعافاك الله» (٤). وكان من صواب رأيه وصحة فراسته اختياره عمر خليفة من بعده، وكان على شاكلته نفاذ بصيرة وصدق عزم وبلاغة لسان، كما كان صفىّ رسول الله. وقد أعزّ الله به الإسلام فى مكة حين أعلن ولاءه لرسوله، وما زال منقطعا إليه والرسول يقرّ به منه ويتخذه موضع مشورته، حتى توفّى وخلفه أبو بكر، فكان له نعم الظّهير والمعين. ولما أسندت إليه مقاليد الخلافة نهض بها فى رجاحة عقل، حتى إن أحدا لم يردّ عليه رأيا واحدا ولا عملا واحدا، وما زال يوطّئ الأمر بسعة حلم وشدّة عزم، مجندا للأجناد، حتى فتحت فارس وتمّ فتح الشام وفتحت مصر، وهو على ذلك كله نعم الكالئ والحافظ لرعيته. وكان بيانه فى مقدار عقله قوة وسدادا، إذ كان فى مرتبة رفيعة من البلاغة والفصاحة، حتى قالوا إنه كان يستطيع أن يخرج الضّاد من أى شدقيه شاء (٥)، فما هو إلا

стр. 547

أن يقف بين الناس واعظا أو يقوم فى الجنود ناصحا حتى يهدر بكلامه، وحتى تنصاع له القلوب انصياعا، ونحن نكتفى بقوله فى إحدى مواعظه (١): «إن الله سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر، واتخذ عليكم الحجج فيما آتاكم من كرامة الآخرة والدنيا من غير مسألة منكم له ولا رغبة منكم فيه إليه فخلقكم ﵎، ولم تكونوا شيئا، لنفسه وعبادته. . . وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض، وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وحملكم فى البر والبحر، وزرقكم من الطيبات لعلكم تشكرون. ثم جعل لكم سمعا وبصرا. ومن نعم الله عليكم نعم عمّ بها بنى آدم، ومنها نعم اختص بها أهل دينكم، ثم صارت تلك النعم خواصّها وعوامّها فى دولتكم وزمانكم وطبقتكم، وليس من تلك النعم نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلا لو قسم ما وصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها، وفدحهم حقّها إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله، فأنتم مستخلفون فى الأرض، قاهرون لأهلها، قد نصر الله دينكم. . . والله المحمود مع الفتوح العظام فى كل بلد. . . فنسأل الله الذى لا إله إلا هو الذى أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة إلى مرضاته». وسار سيرة أبى بكر فى تشييع الجيوش بالخطابة محرّضا على الجهاد، حتى ينتشر الدين الحنيف فى أقطار الأرض، وهو لن ينتشر إلا بالقوة التى تعزّ الحق وتعلى سلطانه. إنها معركة الإسلام، معركة النفوس المؤمنة التى وعدها الله أن ترث الأرض ومن عليها. وما زال عمر يبرز هذه المعانى محاولا أن يرتفع العرب فى جهادهم عن ضعف المخلوق، ويصبحوا قوة من قوات الخالق، يقول فى بعض هذه الخطب (٢): «أين الطّرّاء (٣) المهاجرون عن موعود الله؟ سيروا فى الأرض التى وعدكم الله فى الكتاب أن يورثكموها، فإنه قال: ﴿(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)﴾ والله مظهر دينه، ومعزّ ناصره، ومولى أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحون؟ ». ولما اجتمع الجيش أمّر عليه أول من أجابه حينئذ إلى الجهاد، وهو أبو عبيد بن مسعود، وقال له: «اسمع من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأشركهم

стр. 548

فى الأمر، ولا تجتهد مسرعا حتى نتبين، فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث (١) الذى يعرف الفرصة والكفّ». وتوفّى عمر، فخلفه عثمان، وكان يهبط درجة عنه وعن أبى بكر فى الفصاحة والبيان. ويروى أنه أرتج عليه يوما وقد أراد الخطابة فى الناس فقال: «إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب». وليس معنى ذلك أنه كان يرتج عليه دائما، فقد كان يخطب أحيانا، فيملأ النفس بمواعظه، على شاكلة قوله حين بايعه أهل الشورى والناس (٢): «إنكم فى دار قلعة (٣) وفى بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صبّحتم أو مسّيتم. ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرّنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنّكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثروها وعمروها ومتّعوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلا، فقال : ﴿(وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً، الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً)»﴾. وامتحن فى آخر أيامه بالثورة عليه، فلم تنحرف نفسه، بل ظل صابرا يتلو القرآن ويدعو الناس إلى أن لا يحدثوا فتق هذه الفرقة، وهو فى أثناء ذلك يعظهم أن لا تبطرهم الدنيا وأن يؤثروا ما بقى على ما يفنى فيلزموا الجماعة، ولا يتخاذلوا فيصبحوا أحزابا. وولى علىّ الخلافة من بعده، والفتنة تموج بالناس، وطلحة والزبير والسيدة عائشة يؤلّبون عليه أهل البصرة ومعاوية يؤلب أهل الشام، فاصطدم بهم جميعا، وانتقل إلى الكوفة يجمع الناس ويحاربهم.

стр. 549

وانتصر على الثلاثة الأولين، ودخل مع معاوية فى حروب صفّين، ثم كانت خدعة التحكيم، وخرج عليه فريق من جيشه، فاضطرّ إلى حربه، وهو فى كل ذلك يخطب واعظا حينا وداعيا إلى جهاد خصومه حينا آخر. وكان خطيبا مفوّها لا يشقّ غباره، ومن مواعظه قوله (١): «إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع، وإن المضمار (٢) اليوم والسباق غدا. ألا وإنكم فى أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص فى أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله، ولم يضرره أمله، ومن قصر فى أيام أمله قبل حضور أجله خسر عمله، وضرّه أمله، ألا فاعملوا لله فى الرغبة، كما تعملون له فى الرّهبة، ألا وإنى لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها! » وطبيعى أن تكثر خطبه فى حروب خصومه، وقد ظل نحو أربع سنوات يجاهدهم ويخطب فى أصحابه حاثّا لهم على الجهاد، ومن قوله فى خطبة (٣) له بأخرة من أيامه وقد تقاعس بعض جنده وأخذت جنود معاوية تغير على أطراف العراق. «إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، ولزمه الصّغار، وسيم الخسف، ومنع النّصف (٤). ألا وإنى قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرّا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فو الله ما غزى قوم قط فى عقر دارهم إلا ذلّوا، فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولى، واتخذتموه وراءكم ظهريّا، حتى شنّت عليكم الغارات. . . فيا عجبا من جدّ هؤلاء القوم فى باطلهم، وفشلكم عن حقكم. . . حتى صرتم هدفا يرمى وفيئا ينتهب، يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون. . قد وريتم (٥) صدرى غيظا، وجرّعتمونى الموت أنفاسا (٦)، وأفسدتم علىّ رأيى بالعصيان والخذلان».

стр. 550

وقد خلّف على خطبا كثيرة، نجد منها أطرافا فى البيان والتبيين وعيون الأخبار والطبرى. على أنه ينبغى أن نقف موقف الحذر مما ينسب إليه من خطب فى الكتب المتأخرة وخاصة نهج البلاغة فإن كثرته وضعت عليه وضعا. وقد تنبّه إلى ذلك السابقون (١)، واختلفوا فى واضعها، هل هو الشريف المرتضى أو الشريف الرضى، وقد توفّى أولهما سنة ٤٣٦ للهجرة بينما توفى الثانى سنة ٤٠٦. وممن يقول بأنه الشريف المرتضى الذهبى فى ميزان (٢) الاعتدال وابن حجر العسقلانى فى لسان الميزان (٣). وذهب النجاشى المتوفى سنة ٤٥٠ للهجرة فى كتابه «الرجال» إلى أن مؤلف الكتاب هو الشريف الرضى (٤)، وأقرّ هو نفسه بذلك، إذ ذكر فى الجزء الخامس المطبوع من تفسيره أنه هو الذى ألفه ووسمه باسمه: نهج البلاغة (٥)، وذكر ذلك أيضا فى كتابه «مجازات (٦) الآثار النبوية». والمظنون أن الوضع على علىّ قديم. فقد ذكر المسعودى فى مروج الذهب أن له أربعمائة خطبة ونيفا وثمانين يتداولها الناس (٧). ولعل فى ذلك ما يدلّ على وجوب التحرز والتثبت فيما يضاف إليه من خطب، وأن لا نعوّل على شئ منها إلا إذا جاء فى المصادر القديمة التى أشرنا إليها. وإن ما جاء فيها لكاف فى تصوير قدرته الخطابية وإحسانه إحسانا كان يخلب ألباب سامعيه ويؤثر فى نفوسهم تأثيرا عميقا. وواضح من كل ما قدمنا كيف ارتقت الخطابة فى هذا العصر، وكيف تحولت إلى وعظ الناس وإرشادهم لما فيه كمالهم وفلاحهم فى الدنيا والآخرة، وقد أخذت ميادينها تتسع باتساع السيادة على الشعوب المفتوحة، كما أخذت

стр. 551

تتشعب منذ فتنة عثمان شعبا كثيرة، منها ما يتصل بالجهاد والحرب، ومنها ما يتصل بالمناظرة فى الآراء السياسية المتعارضة بين على وخصومه القرشيين من جهة ثم بينه وبين الخوارج من جهة أخرى. وهى فى كل ذلك تستمد من القرآن وخطابة الرسول وأحاديثه، تستمد المعانى وتستمد الأساليب ذات البهاء والرونق. ٤ - الكتابة نوّه الإسلام بالكتابة وفضلها منذ أول آية نزلت على الرسول ﷺ ، فقال جلّ شأنه: ﴿(اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ).﴾ ومن تمام هذا التنويه القسم بالقلم فى قوله تعالى: ﴿(ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ)﴾ وبالكتاب فى قوله سبحانه: ﴿(وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ).﴾ وتتردّد فى القرآن كلمات اللوح والقرطاس والصحف فى مثل قوله ﵎: ﴿(بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ)﴾، وقوله: ﴿(قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ)﴾ وقوله: ﴿(رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً).﴾ وعمل الرسول ﵇ جاهدا على نشر الكتابة بين أصحابه، حتى لنراه يجعل فداء بعض أسرى قريش ممن حذقوا الكتابة عشرة من صبيان المدينة (١)، وقد حثّ القرآن على استخدامها فى المعاملات، يقول عزّ سلطانه: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ).﴾ ومن غير شك كانت هى الوسيلة إلى نشر القرآن وتعلمه، فقد كان الصحابة يكتبونه، حتى يتحفّظوه.

стр. 552

وكان هناك جماعة من الكتّاب يكتبون آياته-كما قدّمنا-بين يدى الرسول من مثل عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وأبىّ بن كعب وزيد ابن ثابت. وكان يكتب له فى حوائجه خالد بن سعيد بن العاص ومعاوية ابن أبى سفيان. وكان يكتب ما بين الناس المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، كما كان يكتب بينهم فى قبائلهم ومياههم عبد الله بن الأرقم والعلاء بن عقبة الحضرمى. وكان حنظلة بن الربيع يخلف كل كاتب من كتّاب الرسول إذا غاب، فغلب عليه لقب الكاتب (١). ومعنى ذلك كله أن الكتابة أخذت منذ هذا العصر تستخدم على نطاق واسع لا فى كتابة القرآن فحسب، بل فى كتابة كل ما يهمّ المسلمين فى معاملاتهم وعقودهم. وكان الرسول ﵇ يستخدمها فى جميع مواثيقه وعهوده، كذلك كان الخلفاء الراشدون من بعده، وتكتظ كتب الحديث والتاريخ والأدب بهده العهود والمواثيق، سواء منها ما كان على لسان الرسول وما كان على لسان خلفائه. وقد استطاع محمد حميد الله الحيدرآبادى أن يجمع طائفة ضخمة منها سماها «مجموعة الوثائق السياسية فى العهد النبوى والخلافة الراشدة» وقد قدم لها ببحث عن مقدار الثقة بها، وجمهورها مما لا يرقى إليه الشك. وهى تفتتح بالكتاب الذى كتبه الرسول حين نزل المدينة بين المهاجرين والأنصار واليهود المقيمين بها. ونقف قليلا عند هذا الكتاب لنبين أهمية هذه الوثائق ومدى تطويرها للنثر الكتابى عند العرب، فقد أخذ هذا النثر يحمل تشريع دولة الإسلام الجديدة وما يطوى فيه من تعاليم الدين الحنيف وحدوده وفرائضه وأول ما يلقانا فى هذا الكتاب أن جميع أهل يثرب: «أمة واحدة من دون الناس» وهى أمة لا ترتبط بروابط النسب المعروفة فى القبيلة وإنما ترتبط بروابط الدين. وعلى هذه الأمة أن تتعاون ضد كل من يبغى عليها منها أو من غيرها، وأن تكفل فى داخلها مبادئ السلام كما تكفل حماية الجار ونصرة المظلوم. ومن تبعها من غير دينها له النصرة والأسوة إلا من ظلم وأثم. وهى أمة

стр. 553

يعلوها سلطان الله الذى يردّ إليه وإلى رسوله كل اختلاف وكل حدث أو اشتجار يخاف شرّه. والكتاب بذلك كله يرينا تكوين الجماعة الإسلامية والعلاقات التى تربط بين أفرادها، وهو يوضّح هذه العلاقات فى داخل العشائر كدفع الدّية والولاء، كما يوضح العلاقات بين أعضاء الجماعة الكبرى التى يشرف عليها الله ورسوله، وهى علاقات وثّقتها روابط الدين توثيقا شديدا، بحيث أصبح كل ما يدعو إلى اشتجار مردّه إلى هذا الدستور الدينى الجديد، الذى يلغى الفوارق القبلية، ويقيم العدل والمساواة، ولا يدع للناس حق الأخذ بالثأر، بل يرده إلى الله ورسوله، فلا ثأر يجر ثأرا بل عقاب عادل بالمثل فى القتل وغير القتل. ونمضى فى تلك الوثائق فنقرأ المعاهدة التى كتبها الرسول بينه وبين قريش عام الحديبية (١) والتى نصّت على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، ذمة لا تنكث «وأنه من أحبّ أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخله ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه». ونقرأ بعد ذلك كتابه إلى يهود خيبر ثم قسمة أموالها. وتتوالى كتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والتصديق برسالته، وممن دعاه النجاشى ملك الحبشة وهرقل ملك الروم والمقوقس صاحب مصر. وكما يكتب إلى الملوك يكتب إلى أساقفة الشام وأمرائها وولاة شرقى الجزيرة من قبل كسرى، وكذلك جنوبيها. وقد يكتب إلى القبائل نفسها. وتلقانا معاهدته مع أهل نجران (٢)، وفيها يبيّن ما عليهم من خراج ثم يقول: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبى رسول الله على أموالهم وأنفسهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. ولا يغيّر أسقف من أسقفيّته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته. وليس عليهم دية ولا دم جاهلية. . . ومن سأل منهم حقّا فبينهم النّصف غير ظالمين ولا مظلومين». وعلى هدى هذا الكتاب كانت كتب أبى بكر وعمر التى كتباها إلى أهل البلاد المفتوحة. وتلقانا بعد ذلك عهوده إلى الأمراء الذين أبقاهم على إماراتهم فى

стр. 554

القبائل وفى اليمن، كما تلقانا عهوده إلى من كان يرسل بهم لتعليم الناس فى آفاق الجزيرة شئون دينهم، وما ينبغى أن يأخذوه منهم من الزكاة، وقد يرسل بذلك إلى بعض أمرائهم. ومن خير ما يصوّر هذه العهود كتابه (١) إلى عامله باليمن، وفيه يأمره بتقوى الله والأخذ بالحق وأن يعلّم الناس القرآن ويفقههم فيه كما يعلمهم أوامر الدين ونواهيه وما فرض عليهم من الحج إلى بيته المقدّس ومن الصلاة، وإيتاء الصدقات ويرسم له حدودها على الزروع والثمار والأنعام والأغنام وأن من زاد خيرا فهو خير له. وعلى هذا النحو اتسعت الكتابة على عهد الرسول، إذ أصبحت تؤدّى تعاليم الدين الحنيف، وكل ما أقامه لصلاح الجماعة الإسلامية وسعادتها، وكل ما فرضه من معان إنسانية فى معاملة من يدخلون فى لوائه وفى ذمة الله وعقده. ويتولّى أبو بكر الصديق مقاليد خلافة الرسول، ويرتدّ كثير من العرب، فيجند لهم الجيوش ويبعث مع قادتها بكتاب مفتوح يدعو الناس فيه إلى الاعتصام بدين الله وأن من استجاب وكفّ وعمل صالحا قبل منه وأعين عليه، ومن أبى فلن يعجز الله وقوتل حتى يقرّ بالحق. وأتبع ذلك بعهد لأمراء الأجناد ضمّنه نفس هذه المعانى وأن يستوصوا بالمسلمين فى حسن الصحبة ولين القول. وما زال يتراسل معهم حتى رئب الصدع. وتتحول الأجناد بأمرائها إلى الفتوح، فيكتب لهم ناصحا على نحو ما كتب لخالد بن الوليد (٢). وتلقانا له منذ هذا التاريخ كتابات وعهود مختلفة كان يرسل بها إلى رؤساء الأجناد فى البلاد المفتوحة. وكان آخر ما كتبه عهده لعمر، وفيه يقول: «إنى استعملت عليكم عمر بن الخطاب فإن برّ وعدل فذلك علمى به ورأيى فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لى بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون». وولى عمر، فتمت فى عهده فتوح إيران والشام ومصر، ومع كل بلد تفتح كان أمراء الأجناد يكتبون لأهلها العقود والعهود، وكان عمر لا ينى

стр. 555

عن مراسلتهم فى كل ما يهمّ من الأمر، سواء فيما يتصل بالحرب وتنظيم الجيوش أو فيما يتصل بمعاملة أهل البلاد المفتوحة وما يعطى لهم من عهود، وعهده لأهل إيليا (بيت المقدس) الذى أشرنا إليه فى غير هذا الموضع مشهور، وفيه يقول (١): «هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان: أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملّتها: أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيليا أن يعطوا الجزية. . وعلى ما فى هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين». وواضح أن عمر ترسّم فى هذا العهد عهد الرسول ﷺ لنصارى نجران. وعلى نحو ما كان يستلهم صنيع الرسول فى عهوده كان يستلهم وصاياه لولاته فى سياسة الناس ومعاملتهم بإحسان، ومن خير ما أثر عنه فى هذا الجانب رسالته إلى أبى موسى الأشعرى واليه على البصرة، وهى تمضى فى البيان والتبيين على هذا النحو (٢): «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنّة متّبعة، فافهم إذا أدلى إليك، فإنه لا ينفع تكلّم بحق لانفاذ له. آس بين الناس فى مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف فى حيفك، ولا يخاف ضعيف من جورك. البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرّم حلالا أو أحلّ حراما. ولا يمنعنّك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع عنه إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادى فى الباطل. الفهم الفهم عند ما يتلجلج فى صدرك، مما لم يبلغك فى كتاب الله ولا فى سنة النبى ﷺ . اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أحبّها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى. واجعل للمدعى حقّا غائبا أو بينة أمدا ينتهى إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا وجّهت عليه القضاء، فإن ذلك أنفى للشك

стр. 556

وأجلى للعمى وأبلغ فى العذر. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى حدّ أو مجرّبا عليه شهادة زور أو ظنينا (١) فى ولاء أو قرابة، فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم بالبيّنات والأيمان. ثم إياك والقلق والضجر والتأذّى بالناس والتنكر للخصوم فى مواطن الحق، التى يوجب الله بها الأجر، ويحسن بها الذّخر، فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله ﵎، ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بما يعلم الله منه خلاف ذلك هتك الله ستره وأبدى فعله. والسلام عليك». والرسالة وثيقة مهمة فيما ينبغى أن يكون عليه الحاكم قاضيا أو غير قاض من الرفق برعيته ومعاملة جميع أفرادها على قدم المساواة. وعمر يضع فيها أسس النظر فى الادعاء وفى الصلح بين المتخاصمين، ويفتح الباب واسعا أمام من يقضى فى شأن من شئون الرعية ويتبين خطأ قضائه أن يرجع فيه. وما يلبث أن يضع للحاكم الأصول التى يصدر عنها فى أحكامه، وهى الكتاب والسنة فإن لم يجد فيهما ما ينير له الحكم اجتهد برأيه معتمدا على القياس. ويجعل للمدعى أمدا ينتهى إليه. ويقول إن الأصل فى المسلم أن يكون عدلا، إلا أن تنتفى عدالته فلا تصح شهادته. ويوضّح للحاكم قاضيا أو غير قاض موقفه من الخصوم فلا يتأذّى بهم ولا يتنكر لهم. وقد ترك وصية (٢) للخليفة من بعده تعدّ دستورا رفيعا للحكم، سواء فيما يتصل بحكم المسلمين أو حكم أهل الذمة وما ينبغى أن يؤخذوا به من الرفق. وفى الحق أننا لا نصل إلى عهد عمر حتى تصبح الكتابة جزءا أساسيّا فى أعمال الدولة، وحتى تتضمن كل تعاليمها وكل ما رسمته للمسلمين وأهل الذمة من العلاقات السياسية والاقتصادية فى الخراج وقسمة الغنائم وكل ما يتصل بالأنظمة فى الشعوب المفتوحة. وعمر فى ذلك كله يستلهم القرآن والسنة النبوية، ويستشير أصحابه فى كل ما يأخذ من أمر ويدع، وهو فى ثنايا ذلك يجتهد ويفتح الباب لاجتهاد أصحابه. فإذا قلنا بعد ذلك إن الكتابة رقيت فى العصر رقيّا بعيدا لم نكن مغالين. إذ وسعت كل الحاجات السياسية التى جدّت،

стр. 557

وكل ما أعطى للمسلمين المحاربين والشعوب المفتوحة من حقوق. وقد مضى فاتحو الثغور فى عهد عثمان يكتبون عهودهم لمن يغلبون عليهم أو يدخلون فى طاعتهم دون حرب مقتدين بما رسمت العهود فى عهد عمر وأبى بكر، وكان عثمان يكتب أحيانا إلى ولاته فى الحرب والسلم. وخلفه علىّ فكثرت الحاجة بحكم حروبه إلى مكاتبات مختلفة بينه وبين الخارجين عليه. ومن أهم ما كتب حينئذ وثيقة (١) التحكيم بينه وبين معاوية. وواضح من ذلك كله أن الكتابة تطورت تطورا واسعا فى هذا العصر، فقد تعددت الموضوعات التى تناولتها والتى لم يكن للعرب بها عهد قبل الإسلام ورسالة صاحبه النبوية، إذ أخذت تحمل مجموع النظم الجديدة التى قامت عليها دولة الإسلام العتيدة. وكان الرسول ﵇ هو الذى ذللها لتحمل هذه النظم، وخلفه عليها قواد الجيوش فى عهودهم للبلاد المفتوحة وخلفاؤه الذين فصلّوا هذه النظم وطابقوا بينها وبين حاجات المسلمين من جهة وحاجات من غلبوا عليهم من جهة أخرى، ولعمر من بينهم فى ذلك القدح المعلّى إذ ساعدت كتبه الكثيرة فى الفتوح وإلى الولاة على أن ينال النثر الكتابى كل ما كان ينتظره زمن الخلفاء الراشدين من تطور ونهوض.

стр. 558

الكتاب الثانى فى عصر بنى أمية

стр. 559

الفصل الأول مراكز الشعر الأموى ١ - المدينة ومكة لا نصل إلى عصر بنى أمية حتى تصبح المدينة ومكة مركزين مهمين من مراكز الشعر، وحتى تتحضّر تحضّرا واسعا، وإذا كانت المدينة فقدت فى هذا العصر أهميتها السياسية، إذ تحولت عنها الخلافة إلى الكوفة فى عهد علىّ ثم إلى دمشق منذ معاوية فإنها ظلت تحتفظ بالتراث الدينى، كما ظلت مستقرّا لأكثر طوائف المجتمع العربى رقة ودماثة. وهيأت لذلك عوامل مختلفة من الثراء الواسع ومما دخلها من عناصر أجنبية كثيرة أسرعت بها إلى التحضر، بل إلى الترف البالغ، أما الثراء فمرجعه إلى ما خلّفه فيها الصحابة الأولون لأبنائهم من أموال جلبوها من الفتوح، فقد رجعوا إليها بحمول الذهب والفضة والجواهر، وابتنوا القصور وبالغوا فى تجميلها وزخرفتها (١)، وقام لهم على خدمة هذه القصور الرقيق الأجنبى الذى اجتلبوه، وكان كثيرا كثرة مفرطة، حتى ليروى عن الزبير بن العوّام مثلا أنه خلّف وحده ألف عبد وأمة (٢). ومنذ أن دوّن عمر الدواوين كان يفرض لأهلها الأعطيات الكثيرة، وكان الأمويون يغدقون عليهم إغداقا (٣)، استرضاء لهم، حتى يصرفوهم عن التفكير فى الخلافة. كل ذلك أعدّ لأن تعيش المدينة فى هذا العصر عيشة دعة، إلا فترة قصيرة هى الفترة التى انتقضت فيها على يزيد بن معاوية، وقد دفعت ثمن هذا

стр. 560

الانتقاض باهظا فى موقعة الحرة سنة ٦٣ للهجرة، وكأن ذلك كان سحابة عارضة فى سمائها لهذا العصر، فبمجرد انقشاع تلك السحابة خلدت إلى صفو الحياة ونعيمها، ولم يعكّر عليها هذا الصفو و؟ ؟ ؟ شئ، فقد تجنّبت السياسة، ونقرأ فى أخبار أهلها فنجدهم ينعمون عام؟ ؟ ؟ المختلفة (١) رافلين رجالا ونساء فى الثياب الحريرية (٢) وأنواع الطيب والعطور (٣)، وبالغ النساء خاصة فى اتخاذ صنوف الحلى والجواهر (٤). وطبيعى أن يكثر فى هذا المجتمع المتحضر المترف الشباب العاطل الذى يريد أن يقطع أوقات فراغه الطويل فى لهو برئ، وسرعان ما قدّم له الرقيق الأجنبى ما يريد من هذا اللهو، إذ عنى بالغناء عناية بالغة، عناية استحدث فى أثنائها نظرية الغناء العربية التى نقرأ رقمها فى كتاب الأغانى تالية للأصوات أو كما نقول اليوم الأدوار، وقد جعلوها ستة ضروب، هى الثقيل الأول والثقيل الثانى وخفيف الثقيل والرّمل وخفيف الرمل والهزج، وميّزوا مجرى الصوت فيها بحسب الأصابع، فقالوا مثلا: ثقيل أول بالوسطى وخفيف ثقيل بالسبّابة وخفيف رمل بالبنصر. واكتمال هذه النظرية على أيدى الرقيق الأجنبى يؤكد أنها تأثرت تأثرا واسعا بألحان الروم والفرس، وليست المسألة مسألة افتراض فإن كبار المغنين الأولين فى المدينة يؤثر عنهم أنهم كانوا يغنون الغناء الفارسى بجانب غنائهم العربى (٥)، وكان هناك من يشخص إلى الشام فيتعلم ألحان الروم (٦). على أنه ينبغى أن لا نظن من ذلك أن نظرية هذا الغناء العربى نقلت نقلا عن الأجانب فقد تأثرت بغنائهم، ولكنها استوت فى صورة عربية مستقلة. ومما يؤكد ذلك أن مصطلحاتها جميعا عربية وأن من قاموا عليها من الرقيق الأجنبى ولدوا فى بلاد العرب جميعا، ما عدا نشيطا الفارسى. وكانت العادة أن يبدأوا

стр. 561

بالغناء العربى، ثم يرحلوا إلى بلاد الفرس والروم فيأخذوا عنهما غناءهم، ويدخلوا ألحانه فى غناء العرب. ومما يدل على ما نزعم أن أكثر الآلات الموسيقية التى يتردد ذكرها فى هذا العصر تديم مثل الصّنج والمزهر والقضيب والدفّ والطبل والمزمار، وحتى آلات العود والطمبور عرفت فى العصر الجاهلى. على كل حال نهضت المدينة فى هذا العصر بفن الغناء نهضة واسعة، وشاركتها فى ذلك مكة كما سنرى بعد قليل، ولا نغلو إذا قلنا إن البلدتين جميعا لم تبقيا إلا قليلا للعصور التالية كى تضيفه إلى نظريته التى استحدثتاها. وقد أقبل أهل المدينة على هذا الغناء إقبالا شديدا، يشترك فى ذلك عامتهم وخاصتهم وعبّادهم وزهادهم (١) وقضاتهم (٢)، حتى لتؤثر عن عمر بن عبد العزيز أصوات تغنّى بها فى إمارته لهم (٣). وكان من أشرافهم من جعل داره أشبه بفندق للمغنين والمغنيات، على نحو ما هو مأثور عن عبد الله بن جعفر وقصد الناس لداره يسمعون بها ألوان الغناء (٤)، وقد تخرج فى هذه الدار كثيرون من المغنيات والمغنين المطربين. ومن كبار المغنين الذين اشتهروا بالمدينة فى هذا العصر طويس وهو أول من تغنى بها الغناء المتقن (٥) وأول من صنع الهزج والرّمل فى الإسلام (٦)، وسائب خاثر مولى ابن جعفر وهو ممن نقلوا ألحان الفرس إلى الغناء العربى (٧) ومعبد وهو إمامهم فى الغناء غير منازع، وابن عائشة ومالك الطائى وعطرّد ويونس الكاتب وينسب إليه أول كتاب فى الغناء والأغانى ونسبتها إلى أصحابها. ومن أشهر المغنيات عزة الميلاء وجميلة وسلاّمة القسّ وحبابة وسلاّمة الزرقاء. ولعل من الطريف أن نعرف أنه كانت هناك دور مخصصة للسماع يفد عليها شباب المدينة كل ليلة، وأشهر هذه الدور دار جميلة، وكانت تكتظ

стр. 562

بالمغنين والمغنيات، ويعدّ أبو الفرج منهم فى أغانيه عشرات (١)، ويقصّ علينا أخبارا كثيرة عن هذه الدار، نعرف منها ما أصاب الغناء فى المدينة من رقى وازدهار، إذ كانوا يتغنون الغناء المصحوب بالجوقات الكبيرة (٢) والآخر المصحوب بالرقص والضرب على الآلات الموسيقية الكثيرة (٣). وكانت جميلة أحيانا تقوم باستعراض كبير يضم أشهر المغنين والمغنيات لا فى المدينة فقط، بل أيضا فى مكة (٤)، ويقال إنها أرادت الحج فخرجت فى مهرجان ضخم من المغنين والمغنيات ضمّ نحو عشرين مغنيا وخمسين قينة (٥). وعلى هذا النحو عاشت المدينة فى هذا العصر لفن الغناء تنميّه وترقيه، ورقيّه إنما هو رمز لما أصاب مجتمعها من تحول وتطور وتحضر، ولما أخذ به من أسباب الرّفه والنعيم. وكان يلتقى فى هذا المجتمع كثير من الطفيليين وأصحاب الفكاهة والتندير، واشتهر من بينهم أشعب، وكان ماهرا فى إضحاك معاصريه لابنكته ونوادره فحسب، بل أيضا بإشاراته وحركاته. وتطفح كتب الأدب بدعاباته وفكاهاته (٦). ولمع فى هذا المجتمع كثيرات من النساء قدن المرح فيه والظّرف وعملن على تهذيب الأذواق، نذكر من بينهن السيدة سكينة بنت الحسين، وقد ترجم لها أبو الفرج فى أغانيه ترجمة (٧)، صور فيها جمالها وبهاءها ووقارها وأخذها بأسباب الزينة حتى إنها عرفت بتصفيف لجمّة شعرها كانت النساء يقلّدنها فيه، بل كان من الرجال من يحاكيها فى جمّتها. وكانت ظريفة مزاحة، وكثيرا ما كان يختلف إليها أشعب لإضحاكها. وكانت تفسح فى مجالسها للرجال وللمغنين والمغنيات وللشعراء، وكثيرا ما كانت تفاضل بينهم. نحن إذن بإزاء مجتمع متحضر اكتملت له كل الأسباب كى يمرح أهله مرحا بريئا، مرحا قوامه الغناء والدعابة والذوق الراقى المهذب. ولعلنا الآن نفهم

стр. 563

حزن أبى قطيفة الأموى على فراق هذا المجتمع حين نفاه ابن الزبير هو وغيره من الأمويين إلى دمشق، فقد أخذ يبكى بلدته فى شعر مؤثّر، مقارنا بينها وبين دمشق. ولا نقرأ هذا الشعر حتى نحس كأنه طرد من فردوسه الأرضى، يقول (١): القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون ويقول (٢): أقطع الليل كلّه باكتئاب ... وزفير فما أكاد أنام إلى أشعار كثيرة (٣) تصور رقة حسه وحنينه بل لهفته على الحياة الهنيئة فى مسقط رأسه، مما جعل ابن الزبير يعفو عنه ويأذن له فى الرجوع. وفى هذا الجو الرقيق الذى زخر بالغناء والمرح نهض الشعر فى المدينة نهضة واسعة. وقد تعاونت على هذه النهضة عناصر كثيرة من الأنصار وممن هاجر إليهم من قريش وغيرهم وممن تعرّب فى بلدتهم من الموالى وأبنائهم تعربا تامّا. ويستطيع القارئ أن يرجع إلى كتاب الأغانى حيث يجد أبا الفرج يترجم لكثرة غامرة من شعراء المدينة لهذا العصر، وممن ترجم له من الأنصار عبد الرحمن ابن حسان وابنه سعيد والنعمان بن بشير والسّرىّ بن عبد الرحمن والأحوص بن محمد، وترجم من قريش لعبد الرحمن بن الحكم وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب وجعفر بن الزبير والحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وترجم من حلفائهم للفقيهين المشهورين عروة ابن أذينة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم ابن أرطاة وابن هرمة. وممن ترجم لهم من الموالى موسى شهوات وأخوه إسماعيل بن يسار النّسائى، وكان له ولدان شاعران هما محمد وإبراهيم. ووراء هؤلاء الشعراء كثيرون ذكرهم أبو الفرج عرضا.

стр. 564

وإذا أخذنا نقرأ فى شعر هؤلاء الشعراء وجدنا جمهوره يجرى فى الحب والغزل، وهو شئ طبيعى، دفعت إليه حياة الشباب المترف فى المدينة، كما دفع إليه فن الغناء الجديد. وحقّا بقيت بقية من الهجاء عند عبد الرحمن بن الحكم وعبد الرحمن بن حسان، إذ أدارا معركة هجاء عنيفة (١)، ولكن هذه المعركة تنتهى بهما، ولا تبقى بعد ذلك إلا سهام ضئيلة تظهر من حين إلى حين. وبقيت بقية أوسع من المديح، إذ كان بعض الشعراء يمدح بنى أمية طلبا لنوالهم، على نحو ما نجد عند الأحوص (٢) وموسى شهوات (٣)، وأخيه إسماعيل بن يسار (٤). والمديح والهجاء جميعا ليسا هما اللونين اللذين غلبا هناك على الشعر والشعراء. وفى الحق أن من يبحث عن هذين اللونين ينبغى أن يتجه ببصره إلى العراق أو إلى الشام، أما فى المدينة فكانا يسقطان على هامش شعر الغزل الذى كان يتفق وترف البيئة والذى كان يطلبه المغنون والمغنيات ليضعوا فيه أغانيهم الجديدة. ومن ثمّ طبع هذا الغزل بطوابع غنائية قوية، إذ كان فى حقيقته أغانى تصحب بالغناء والعزف على الآلات الموسيقية. ونستطيع أن نلاحظ هذه الطوابع فى جوانب كثيرة من حيث الكمّ ومن حيث الكيف ومن حيث الوزن، فأما من حيث الكم فهو فى مجموعه مقطوعات لا قصائد طويلة، وهو من حيث الكيف لا يقف عند الأطلال إلا نادرا إنما يقف عند حكاية الحب وتحليل خواطر الشاعر إزاءه، أما من حيث الوزن فإن الشعراء مالوا -تحت تأثير الغناء-إلى الأوزان القصيرة والمجزوءة حتى يتيحوا للمغنين والمغنيات أن يحمّلوا شعرهم ما يريدون من ألحان وأنغام جديدة. وكثيرا ما نجد مغنيا يضع لحنا ويطلب إلى شاعر أغنية يوقّعها عليه (٥)، وكان بين الشعراء من يحسّن وضع الألحان على شعره مثل عروة بن أذينة (٦) ولا نصل إلى أواخر العصر حتى نجد من بين المغنين والمغنيات من يحسن نظم الشعر مثل أبى سعيد مولى فائد وسلاّمة القسّ، وقد ترجم لهما صاحب الأغانى. وإذا تركنا المدينة إلى مكة وجدناها تتطابق معها فى كل ما وصفناه من

стр. 565

مظاهر الحياة والحضارة وفن الغناء الجديد وما اتصل بذلك من شيوع شعر الحب والغزل. وكانت مثلها تغرق فى ثراء واسع ورثه الشباب عن آبائهم، وقد ورثوا عنهم كثيرا، ورثوا ما كان فى حجورهم من أموال التجارة فى العصر الجاهلى، ومعروف أن قوافل مكة كانت تحل محل قناة السويس فى عصرنا، إذ كانت تنقل السّلع بين حوض المحيط الهندى وحوض البحر المتوسط، وانضافت إلى هذه الأموال أموال الفتوح الإسلامية وما فرض لأهلها من أعطيات ورواتب فى دواوين الخلافة وما قسم فيهم الأمويون دائما من أموال، وكان الحج يفئ عليهم كل سنة بما يسدّ خلّة كل محتاج. فمكة لم تكن تقلّ فى هذا العصر ثراء عن المدينة، وهو ثراء استتبع بناء القصور المشيدة التى تختال جمالا وبهاء، وقد بنى معاوية لنفسه فيها دورا لقّبت «بالرّقط» لاختلاف ألوانها أحضر لها بنّائين من الفرس (١)، ومع ذلك كان إذا حج وقف مبهوتا إزاء بعض قصورها الأخرى (٢). ومعروف أنه اتسع فيها بناء القصور والدور اتساعا كبيرا لعهد عبد الله بن الزبير حين اتخذها مقرّا لخلافته (٣). وقد عنى كثير من الخلفاء ومن ولاتها الذين أثروا فى الفتوح باستنباط العيون فيها وغرس النخيل والأشجار فى ضواحيها (٤) من ذلك ما يروى عن سليمان بن عبد الملك من أنه أراد أن يحج فكتب إلى خالد القسرى عامله عليها أن يجرى له عينا إلى الكعبة من الماء العذب، فصنع بركة فى أصل «ثبير» بحجارة منقوشة، وأسال منها الماء إلى المسجد الحرام فى قصب من رصاص انتهى بفوارة تسكب الماء فى نافورة رخام بين الركن وزمزم (٥). ولم تغرق مكة فى دور وقصور وعيون فحسب، بل لقد أخذت تغرق إلى آذانها فى الترف والنعيم. فإذا نفر من أهلها يأكلون ويشربون فى صحاف الذهب والفضة (٦)، ونفر يلبسون مقطعات الخزّ والسندس والديباج والحلل الموشاة
следующие страницы →