أهلهما بعبد المؤمن فلبّاهم بجيش جرار قلّم به أظفار أمراء الجزائر وإفريقية التونسية الخارجين عليه وفتح المهدية سنة ٥٥٥ هـ/١١٦٠ م وطرد النورمان منها ومن سواحل إفريقية التونسية وطرابلس. ويهنئه ابن حبوس بفتح المهدية مقارنا فى مطلعها بين المهدى العبيدى الذى بناها واختار لها لوقت بنائها برج الأسد وبين عبد المؤمن الذى خلصها من النورمان:
بطالع الأسد اختطّ البناء بها ... لكنك الأسد الدّامى الأظافير
ويقول ابن عبد الملك فى الذيل والتكملة: «بعد انصراف عبد المؤمن من فتح المهدية سنة ٥٥٤ هـ/١١٥٩ م فارقه ابن حبوس وعاد إلى مسقط رأسه فاس فاستوطنها» ويبدو أنه كان يرحل إليه من فاس مادحا بمثل قوله فى إحدى مدائحه:
أمير المؤمنين لقد أضاء ال ... زّمان بنور عدلك واستنارا
لكم شرقا البلاد ومغرباها ... وأمركم مع الفلك استدارا
ومن قد فرّ عنكم من عدوّ ... فنحوكم إذا يبغى الفرارا
ولو خوّفتم أعلام رضوى ... لما سكنت ولا وجدت قرارا
والمبالغة واضحة فى الأبيات، فالفلك يجرى طوع أمره، ومن فرّ عنكم لا بد أن يفر إليكم إذ تملئون عليه جميع مسالكه، وحتى لو خوّف عبد المؤمن جبال رضوى الراسخة فى المدينة من قديم ما استقرت ولا وجدت لها قرارا. وصاحب المعجب محق حين يرى عنده هذه المبالغات المفرطة فيشبّهه بابن هاني فى مديح المعز الفاطمى وما يضمّنه من تهويلات وقعقعات. ونراه يرافق عبد المؤمن فى أواخر سنة ٥٥٥ حين عبر الزقاق من سبتة إلى مرفأ جبل طارق، واحتفل الناس بقدوم عبد المؤمن احتفالا عظيما، ولما أذن للشعراء بالإنشاد بين يديه أنشده شعراء كثيرون أندلسيون ومغاربة وفى مقدمتهم ابن حبوس: ومن قوله فى قصيدته:
بلغ الزمان بهديكم ما أمّلا ... وتعلّمت أيامه أن تعدلا
وبحسبه أن كان شيئا قابلا ... وجد الهداية صورة فتشكّلا
ولأنتم الحقّ الذى لا يمترى ... فيه وليس بجائز أن يجهلا
ولأنتم سرّ الإله وأمركم ... ملأ العوالم مجملا ومفصّلا
عزلت ولاة الحسّ عن إدراكه ... فهو المنزّه حسبه أن يعقلا
ولو أننا لم نعرف ناظم هذا الشعر وممدوحه وسمعناه لظننا أنه ابن هاني يمدح المعز الفاطمى لهدايته للزمان وتشكيله له مع العدالة، وإنه للحق الذى لا شك فيه بل سر الإله، وأمره يملأ العالم وإنه ليعز على الحسّ أن يدرك كنهه إنما يدركه العقل. وأنشد له ابن عبد الملك قصيدة فى دعوة الموحدين والزهد والتمسك به، وفيها هاجم الفلسفة والمتفلسفة، وله أشعار بديعة فى الوصايا والأمثال وذم الزمان والاعتبار، وعاش حتى سنة ٥٧٠ هـ/١١٧٤ م.
стр. 5007
الجراوى (١)
هو أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوى، من قبيلة جراوة بتادلة، سكن مدينة فاس، وبها منشؤه ومرباه، ويقول ابن خلكان: كان نهاية فى حفظ الأشعار القديمة والمحدثة، وجمع كتابا يشتمل على فنون الشعر سماه صفوة الأدب وديوان العرب، وهو عند أهل المغرب كحماسة أبى تمام عند أهل المشرق، وكان شاعرا نابها مدح بشعره عبد المؤمن وابنه يوسف وحفيده يعقوب وابنه الناصر، توفى سنة ٦٠٨ هـ/١٢١١ م. وقد اتصل بعبد المؤمن منذ سنة ٥٥٣ هـ/١١٥٩ م إذ نراه يكتب على لسانه قصيدة يحثّ فيها الأعراب الهلالية لتلبية دعوة عبد المؤمن لجهاد نصارى الأندلس استهلها بقوله:
أحاطت بغايات العلا والمفاخر ... على قدم الدنيا هلال بن عامر
وشارك الأعراب فى حروب الأندلس وجاءت عبد المؤمن البشرى بتحرير بطليوس واستردادها من ابن الرنك وهنأه الجراوى بقصيدة طويلة مطلعها:
نصر بكل سعادة مقرون ... نالت به الدّنيا الهنا والدين
ويفتح عبد المؤمن المهدية مستردا لها من أيدى النورمان بعد أن ظلوا فيها وفى ساحلها اثنى عشر عاما طوالا، ويهنئه الجراوى بتائية يقول فيها:
اهنأ إمام الهدى فالعدل منبسط ... والدّين منتظم والكفر أشتات
وينتصر جيش عبد المؤمن ومن معه من كتائب الأعراب فى السنة التالية على نصارى الإسبان فى موقعة فحص بلقون، ويهنئه الجراوى برائية وفيها يقول:
أعليت دين الواحد القهّار ... بالمشرفيّة والقنا الخطّار (٢)
لوراء موسى ما فعلت وطارق ... زريا بما لهما من الآثار (٣)
أتممت ما قد أمّلوه ففاتهم ... من نصر دين الواحد القهار
بعراب خيل فوقهن أعارب ... من كل مقتحم على الأخطار
وهو يبالغ مبالغة مفرطة حين يعلى عبد المؤمن على موسى بن نصير وطارق بن زياد فاتحى الأندلس العظيمين، وإنما سقنا الأبيات لنثبت معها البيت الرابع الشاهد على اشتراك الهلالية فى حرب الأندلس المظفرة أيام عبد المؤمن وابنه يوسف وحفيده يعقوب كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ويصبح الجراوى شاعر يوسف بن عبد المؤمن الحظىّ لديه، وكان لا يبرح مجلسه،
стр. 5008
ونراه فى ركبه حين جاز إلى الأندلس سنة ٥٦٣ هـ/١١٦٩ م وكان قد جمع جموعه يريد منازلة محمد بن سعد بن مردنيش، ونازله أخوه عثمان صاحب غرناطة وتوفى، فبايع أبناؤه يوسف وانتهت ثورته. ونرى الجرّاوى يمدحه فى هذه الأثناء بقصيدتين يقول فى إحداهما مشيرا إلى المتمردين عليه:
تنال المارقين بكلّ أرض ... ولا طارت-ولا نقلت-خطاها
ويقول فى الثانية:
لو كانت الجوزاء من أعدائه ... لم تنج من غاراته الجوزاء
وكانت آخر معارك جيش الموحدين فى الأندلس لعهد يوسف معركة البيبوج فرناندو بن ألفونس سنة ٥٦٩ وفيها كان النصر حليف الموحدين ووقف الجراوى بين يدى يوسف ينشده مدحة طنانة، وفيها يقول:
عن أمركم يتصرّف الثقلان ... وبنصركم يتعاقب الملوان (١)
وبما يسوء عدوّكم ويسرّكم ... تتحرّك الأفلاك فى الدّوران
جاهدتم فى الله حقّ جهاده ... ونهضتم بحماية الإيمان
وتركتم أرض العدى وقلوبهم ... فى غاية الرّجفان والخفقان
وغزاهم الدين الحنيفىّ الذى ... كتب الظّهور له على الأديان
والبيتان الأولان من نوع مغالاة ابن هاني فى المعز الفاطمى ومديح ابن حبوس فى عبد المؤمن مما مرّ بنا وأشرنا إليه. وهو يضفى على يعقوب-كما أضفى على أبيه يوسف وجده عبد المؤمن- غير قليل من القدسية وقد مدحه مرارا حين انتصر أسطوله على ابن غانيّة فى بجاية، وحين واقعه جيشه وهزمه، وحين فتح قفصة جنوبى إفريقية التونسية، وحين قضى على بعض الثوار. وفى سنة ٥٨٧ هـ/١١٩١ م استرد يعقوب مدينة شلب بغربى الأندلس، وعاد يعقوب إلى عاصمته مراكش، وهنأه الشعراء بهذا النصر المبين، وأنشده الجراوى قصيدة يقول فيها:
إياب الإمام حياة الأمم ... توالى السرور به وانتظم
وجاد به الأرض صوب الحيا ... وجلّى الظّلام به بدر تمّ (٢)
فشكرا لخيل وفلك دنت ... بمستأصل الظّلم ماحى الظّلم
إذا حلّ فى بلدة أمرعت ... فطاب جناها وفاح المشم (٣)
وقام بأقطارها عدله ... وصوب نداه مقام الدّيم (٤)
سل الدّهر عن بطشه بالعدا ... تجب من وراء الدروب العجم
стр. 5009
وإياب يعقوب-فى رأى الجراوى-ليس حياة لشعبه فقط، بل هو حياة الأمم جميعا، إذ يجود الأرض غيث منهمر، ويضيء الظلام بدر فى اكتماله، فشكرا للسفن التى عبرت بها المجاز وللخيل التى حملت لا مستأصل الظلم وناشر العدل فحسب، بل أيضا من يمحو الظلام بنوره، وإن البلاد لتخصب وتطيب ويفوح شذاها حين يحل فيها، وينتشر العدل الذى لا تطيب حياة الناس بدونه ويعمّ الكرم الفياض. وسل الدهر عن قهره للأعداء تجبك من وراء الدروب جموع إسبانيا متوجعة مما يذيقها من البطش الشديد. ولم يلبث نصارى الإسبان أن توجعوا توجعا أليما سنة ٥٩١ هـ/١١٩٥ م فإن ألفونس الثامن ملك قشتالة علم أن يعقوب يعد لمعركة كبرى استنفر فيها المغاربة وأعراب الهلالية وأهل الأندلس فاستصرخ البابا وملوك أوربا وحشد جموعه عند حصن يسمى الأرك بين قرطبة وطليطلة. وسحق جيش يعقوب تلك الجموع سحقا ذريعا، وفرّ ألفونس على وجهه لا يلوى حتى طليطلة، وكان نصرا عظيما أعاد للذاكرة موقعة الزلاقة وبطلها يوسف بن تاشفين وتغنى الشعراء بها وببطلها يعقوب طويلا، وللجراوى فيها قصيدتان يقول فى أولاهما:
هو الفتح أعيا وصفه النّظم والنثرا ... وعمّت جميع المسلمين به البشرى
وأنجد فى الدنيا وغار حديثه ... فراقت به حسنا وطابت به نشرا (١)
تميّز بالأحجال والغرر التى ... أقلّ سناها يبهر الشمس والبدرا (٢)
لقد أورد الأذفونش شيعته الرّدى ... وساقهم جهلا إلى البطشة الكبرى (٣)
حكى فعل إبليس بأصحابه الألى ... تبرّأ منهم حين أوردهم بدرا
فدارت رحى الهيجا عليهم فأصبحوا ... هشيما طحينا فى مهبّ الصّبا يذرى (٤)
يطير بأشلاء لهم كلّ قشعم ... فما شئت من نسر غدا بطنه قبرا (٥)
بيمن الإمام الصالح المصلح الرّضا ... نضا سيفه الإسلام فاستأصل الكفرا (٦)
والجراوى يقول إنه فتح أعظم من أن يحيط بوصفه شعر ونثر وقد عمت به البشرى والفرحة جميع المسلمين وملأت تباشيره الدنيا بهضابها وسهولها فازدانت به حسنا وطابت نشرا وعطرا، وإنه لفتح محجّل أغر يبهر ضوؤه الشمس والقمر، فقد أورد ألفونس ملك قشتالة وطليطلة أنصاره مورد الردى والهلاك، ودفعهم دفعا إلى البطشة الكبرى، فذاقوا ما ذاقته قريش يوم بدر، إذ دارت رحى الحرب على جثثهم وأصبحوا أشلاء وطحينا تذروه الرياح، وشبعت منهم الضباع والسباع، وغدت بطون النسور لأشلائهم قبورا طائرة. وكل ذلك بيمن طالع
стр. 5010
الإمام يعقوب الصالح المصلح الرضا المرضى الذى سلّ الإسلام سيفه فاستأصل به الكفر من جذوره وكاد لا يبقى منه باقية.
ويتوفى البطل المغوار يعقوب سنة ٥٩٥ هـ/١١٩٩ م ويخلفه ابنه الناصر لدين الله، وتؤخذ له البيعة فيهنئه الجراوى بقصيدة طويلة، يقول فيها:
هى بيعة أحيا الإله بها الورى ... وحما بها دين النبىّ المصطفى
وهو دائما يردّد فيه وفى آبائه أن الله اختارهم ليتكامل للدنيا وجودها وللناس حياتهم بما يشيعون فيها من العدل والكرم الفياض، ودائما يردّد أنهم حماة الدين الحنيف وأن الدهر يصدع لمشيئتهم. ويستولى الناصر على ميورقة من يد ابن غانية فيهنئه بقصيدة مطلعها:
لك النصر حزب والمقادير أعوان ... فحسب أعاديك انقياد وإذعان
كما يهنئه بقصيدة أخرى حين استولى على منورقة، وظل يمدحه إلى وفاته سنة ٦٠٨ هـ/ ١٢١١ م.
ابن عبد (١) المنّان
هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن عبد المنان الأنصارى الخزرجى، من أهل مكناس، تفتحت مواهبه الأدبية مبكرة، فجرى الشعر على لسانه، واستخلصه لنفسه السلطان أبو عنان المرينى (٧٤٩ هـ/١٣٤٨ م-٧٥٩ هـ/١٣٥٨ م) فاتخذه كاتبه فى الدواوين كما اتخذه شاعره، وله فيه مدائح بديعة، وكتب بعده للسلاطين: أبى بكر السعيد لمدة عام فعمه أبى سالم إبراهيم بن أبى الحسن فأخيه تاشفين سنة ٧٦٢ هـ/١٣٦١ م فأبى زيان سنة ٧٦٣ فعمه عبد العزيز سنة ٧٦٨ هـ/١٣٦٧ م وابنه أبى زيان سنة ٧٧٤ فأبى العباس أحمد المستنصر سنة ٧٧٦ هـ/١٣٧٥ م وظل يعمل مع السلاطين حتى وفاته سنة ٧٩٢ هـ/١٣٩٠ م. ونوه به وبشعره ونثره كل من ترجموا له، من ذلك ما نقله الأستاذ ابن تاويت من وصف تلميذه ابن جابر الغسانى له بقوله: «رافع راية الأدب والشعر فى عصره، القدوة الأحفل، المتفنّن الأكمل، كاتب الخلافة العلية، المخصوص لديها بالمزايا السنية». ويبدو أن أهم مدائحه إنما كانت فى السلطان أبى عنان، ونراه حين قضى على أحد الثوار وثورته قضاء مبرما، يقول من قصيدة طويلة يهنئه فيها بالنصر وعيد الأضحى معا:
стр. 5011
مليك ملوك الأرض أوحدها الذى ... به علت العلياء وافتخر الفخر
غمام النّدى الهطّال والجوّ أغبر ... وليث الفدا والبيض قانية حمر
إذا ما تراءى البدر يوما ووجهه ... تحيّرت الأبصار أيّهما البدر
لعمرى لقد زنت الخلافة فاغتدت ... يقصّر عن أوصافها النظم والنثر
وراقت بك الدنيا جمالا وبهجة ... فإظلامها صبح وإصباحها بشر
وهنّئت عيد النّحر والفتح إنّه ... لك العيد منه والعدا لهم النّحر
بقيت لدين الله ردءا وعصمة ... فما غير علياك الزمان له ذخر
وهو يجعل أبا عنان ملك الملوك الذى سمت به العلياء وافتخر الفخر، إنه غمام الكرم المنهمر فى الأيام المجدبة، والليث المفدى والسيوف ملطخة بالدم القانى. وحين يطلع على الناس هو والبدر تحار الأبصار أيهما البدر الساطع، وقد زان الخلافة حتى أصبح كل مديح شعرا ونثرا يقصر عن وصفه لها. وحسنت بك الدنيا وازدانت حتى غدا ظلامها صبحا وصبحها طيبا ذكيا، وإن الله ليزف لك الفتح والنصر المبين بينما يقدم لأعدائك النحر والذبح، ويدعو له أن يظل معينا وعصمة للدين الحنيف، ويظل الزمان له ذخرا مطيعا. وفى إحدى مدائحه يصف الساعة التى نصبها أبو عنان على واجهة مدرسته بفاس. وأهم منها قصيدته التى مدحه بها ووصف فيها صراع الأسد مع ثور أمامه، وكان يعقد لذلك حفل كبير، وفيه ينازل الأسد ثورا حتى إذا خيف على الثور منه أن يصرعه تصدى له مخاتل فى أكرة مستديرة من خشب معدة لذلك يحركها شخص فى وسطها، وفى يمناه حديدة يطعن بها الأسد حين يهجم عليه طعنات متوالية، ويتعلق بها الأسد يريد أن يظفر بهذا المخاتل، فتدور به مع الأكرة وتجهز عليه. والقصيدة طويلة ويصف فيها ابن عبد المنان صيد الأسد فى الفلاة وإحضاره لمنازلة الثور، وهو يكثر فيها من الألفاظ الغريبة على عادة شعراء المقصورات منذ منشئها ابن دريد، وخاصة فى وصفه للثور والأسد والمحتال وأكرته وما نشب حينئذ من عراك عنيف، ونذكر بعض أبياته فى المنازلة بين الثور والأسد إذ يقول:
ومدرّب الرّوقين أصفر فاقع ... راق النواظر نضرة لما بدا (١)
ما زال يدعو للنزال أسامة ... ولقد أشار بظلفه لما دعا (٢)
ولقد أراه مكان مصرعه وقد ... أومى بساح القصر ينكت فى الثرى (٣)
وعدا له والظنّ يقضى أن يرى ... وقد اعتلاه فكان عكسا ما قضى
جالت عليه صدمة من حارث ... تنسيك صدمة حارث يوم الوغى (٤)
стр. 5012
أعجب بها من صدمة قد عفّرت ... لبد الهزبر وأوهنت منه القوى (١)
وهو يشيد بقرنى الثور المدرّيين على الطعن وشدته، ويقول إنه راق النواظر بلونه الأصفر الفاقع وما إن رأى الأسد حتى أخذ ينكت الأرض بظلفه استعدادا للنزال. ويخال الشاعر كأنما يشير بذلك إلى المكان الذى سيصرع فيه الأسد فى ساحة المعركة أمام قصر أبى عنان، ويصدم الأسد الثور صدمة شديدة تنسيك صدمة البطل حارث يوم الحرب الضارية، وما أعجبها من صدمة، فقد عفرت لشدتها لبد الأسد وأوهنت قواه لصلابة الثور ومتانة بنيانه. ويعرض علينا نزال المخاتل فى أكرته للأسد، قائلا:
وضبارم رحب اللبان تقلّه ... صهب متين خلقها عبل الشّوى (٢)
يفترّ عن ناب كأطراف القنا ... بيضا وينضو مخلبا حادّ الشّبا (٣)
ومخاتل فى جوف دائرة طوت ... أضلاعها منه على شهم فتى
يحكى بها رألا ببيضة سبسب ... لم تنفرج عنه فأنفذها كوى (٤)
يمشى الهوينى وسطها فتقلّه ... عدوا وما إن تشتكى ألم الوجى (٥)
حسب الغضنفر مرتقاها كعبة ... فدنا يطيل بها الطواف وقد سعى (٦)
أمسى صريعا والدماء سلافة ... أتراه سكرا مال من تلك الطّلا (٧)
وهو يصور الأسد بأنه واسع الصدر تحمله قوائم صهباء مفتولة الأطراف متينة، ويفترّ فمه عن ناب كأطراف القنا فى شدة الطعن ويسلّ مخلبا حادّ الشباة كأطراف السيوف وأسلها الفاتك. وينازله فتى شجاع داخل أكرة يحكى بها ولد نعام فى بيضة بفلاة لم تفرج عنه، فأنفذ بها كوى وثقوبا-ويظل يمشى بها فى تؤدة-وهى تحمله فى قوة لا تشتكى عرجا ولا ألما، وكأنما يحسبها الأسد كعبة يريد أن يطوف بها ويسعى، ويعلق بحديدة فتاها. وما تزال تمزق جسده حتى تصرعه، ويغرق فى دمائه. ونقد القصيدة الأستاذ محمد بن تاويت، وأعلى عليها مدائح أخرى لابن عبد المنان، وربما كان موضوع القصيدة، وهو وصف المصارعة بين الثور والأسد، هو الذى أدّى إلى وجوه النقد التى لاحظها الأستاذ ابن تاويت. على أنه يذكر لابن عبد المنّان أنه الشاعر المغربى الوحيد الذى وصف لنا هذه المنازلة بين الثور والأسد، والتى تعد هى وأخواتها فى غرناطة أما لمصارعة الثيران المعروفة لهذا العصر فى إسبانيا. ولابن عبد المنان وراء مدائحه الرائعة غزليات ومولديات بديعة.
стр. 5013
الهوزالى (١)
هو محمد بن على الهوزالى شارح ديوان المتنبى الملقب بالنابغة، ترجم المقرى فى كتابه «روضة الآس» لأبيه على وقال إنه من كتاب الإنشاء بالحضرة الفاسية وبيته بيت صلاح ودين، وأنشد نبذة من أشعاره، وكأنه ورّث ابنه محمدا الشعر، وقد أكبّ فى شبابه على كتب الفقه والشعر، ولم يلبث أن أصبح من قضاة الدولة السعدية كما أصبح شاعر خليفتها المنصور، ومن تعريف درة الحجال به: «الأديب الناظم الناثر نابغة زمانه، أخذ عن أبى العباس المنجور، وله معرفة بالبيان والنحو وله نظم رائق، وهو قاضى سكتاتة» وذكره عبد العزيز الفشتالى فى كتابه المناهل مرارا، ويقول عنه: «صاحبنا الفقيه القاضى شاعر الدولة مفتى الحضرة» ويقول عنه محمد بن عيسى الصنهاجى فى مقامته التى عرف فيها بأدباء عصره: «أخو علقمة ولبيد، وذو المقول المحيى المبيد، جزالته فى وصف المهامه والقفار وذكر المرخ والعقار، وعلى ذلك فرمحه فى المدح مقوّم الأنابيب، لا يقصر فيه عن ابن الحسين (المتنبى) وحبيب (أبى تمام)». وابن عيسى يرفعه إلى مرتبة علية فى الشعر، فهو أخو علقمة الشاعر الجاهلى الفحل ولبيد أحد شعراء المعلقات، وشعره يرفع ويضع أو كما يقول يحيى ويبيد، وأساليبه فيه جزلة رصينة ويتعلق بوصف الفيافى والقفار، ورمحه لذلك فى الشعر رمح متين لا يقصر فيه عن شاعرى العصر العباسى الكبيرين المتنبّى وحبيب. وجمهور شعره فى مديح المنصور، ويستهله بوصف بطولته فى واقعة وادى المخازن المشهورة ضد البرتغاليين التى مرت بنا وكانوا نحو مائة ألف-فيما يقال-فسحقهم جيشه المغربى بين قتيل وأسير بحيث كاد أن لا ينجو منهم أحد، ويصور المنصور فى المعركة وهو يصول ويجول مجندلا للبرتغاليين ومنظما لكتائب جيشه قائلا:
لعمرك لا أنساه يوما شهدته ... وقد سفرت بين الكماة المداعس (٢)
يربّس للإقدام كلّ كتيبة ... كما ربّس المرجان فى السلك رابس (٣)
وحسبك فى وادى المخازن وقعة ... بها الشّرك حتى آخر الدهر تاعس
بها عرفت أبناء عيص بأنهم ... عبيد العصا ما ناس فى الأرض نائس (٤)
فدانوا له حتى توقّع بطشه ... برمّتهم صلبانهم والكنائس
فلا زالت التثليث تقرع باسمه ... فتخرس فى الأديار تلك النواقس (٥)
стр. 5014
وللهوزالى فى هذه الموقعة التى أذاعت وأشاعت بطولة المنصور فى حرب البرتغاليين غير قصيدة يمجد فيها تلك البطولة من مثل قوله فى قصيدة عينية:
لم يأل بستيّان فى استصراخه ... صهب الأعاجم من بلاد شسّع (١)
فتجشموا البحر المحيط وما دروا ... بمحيط بحر من عوال شرّع (٢)
وكتائب حفّته منصوريّة ... تنقاد بالأسد الغضابّ الجوّع
صبّت على الكفار-صبّا-عارضا ... هطلا ولكن بالسّموم النّقّع (٣)
فتركن عبّاد المسيح كأنهم ... أعجاز نخل بالسيول مقلّع
لا زلت فى أفق الخلافة نيّرا ... تختال بين كواكب لك خضّع
والهوزالى يذكر أن ملك البرتغال «بستيان» ما زال يستصرخ الأعاجم من البلاد الأوربية الشاسعة، ولبّوه متجشمين المحيط الأطلسى إلى وادى المخازن، وما دروا أنهم سقطوا فى محيط من رماح شرّع مسدّدة، تحفّه كتائب المنصور يقودها أسد غضاب جوّع تريد أن تقضمهم قضما، صبّت عليهم سحابا هطلا من الرماح والسيوف، شربوا منه سما ناقعا قاتلا، وإن ساحة الحرب لتمتلئ بقتلى عبّاد المسيح، وكأنهم أعجاز نخل رمت بها سيول غزيرة، ويدعو للخليفة أن لا يزال بدرا ساطعا تحفّ به الكواكب من قواده وكماته. وبعد هذه الموقعة باثنتى عشرة سنة عام ٦٩٨ جهز المنصور السعدى جيشا ضخما-كما مرّ بنا-لغزو السودان، واستولى على إقليم توات وأقاليم أخرى وجاءته سيول من الذهب كان لها أثر بعيد فى انتعاش البلاد اقتصاديا لعهده، ويهنئ الهوزالى المنصور بهذا الفتح العظيم منشدا فى وصف كتائبه:
غدت تحمل الموت الزؤام يحوطها ... ويكنفها يمن يشيّعه نصر (٤)
فحلّت بأرض السود لم يئن عزمها ... مهالك صدّ عن مسالكها الذّعر
لقد ذكر الحبشان من وقعها بهم ... وقيعة يوم الفيل لو ينفع الذكر
هنيئا أمير المؤمنين فقد قضى ... على كل من ناواك أسيافك البتر (٥)
ودم لفتوح يستحثّ لنيلها ... إلى كل قطر منك ذو لجب مجر (٦)
وهو يصور الكتائب تحمل إلى السودان الموت العاجل السريع يحوطها اليمن ويشيعها النصر، وقد مضت فى هذه البلاد السودانية ومسالكها الوعرة المخيفة لا يصد عزمها أى مهالك أو معوقات، وهى وقائع لا شك أن السودانيين-أو الأحباش كما يقول-يذكرون وقعة الفيلة حين وجهها أبرهة إلى مكة والكعبة، فأرسل الله عليهم طيرا ترميهم بحجارة من سجيل قضت
стр. 5015
عليهم قضاء مبرما، وبالمثل قضى جيش المنصور على كل ما التقى به من جيوش السودانيين. ويهنئ المنصور بانتصار كماته وفرسانه، ويدعو له أن تدوم مثل هذه الفتوح العظيمة بما يوجه إليها من جيوشه الباسلة. وما يترك الهوزالى حادثة فى عهد المنصور إلا وينشده فيها قصيدة غرّاء، كما لا ينزل به مرض ويشفى منه إلا ويسارع بتهنئته، وهو بحق يعد شاعر المنصور السعدى فى عصره إلى وفاته سنة ١٠١٢ هـ/١٦٠٤ م.
أحمد (١) بن القاضى
هو أحمد بن محمد بن أبى العافية المشهور بابن القاضى، من بيت علم وأدب، ولد سنة ٩٦٠ للهجرة، وحفظ القرآن الكريم مثل لداته، وأكب على حلقات العلماء ببلدته فاس ينهل من حلقاتهم العلوم المختلفة من فقه ونحو ولغة وعروض وأدب وتاريخ وحساب وهندسة ومنطق وبلاغة، ولما بلغ السادسة والعشرين من عمره رحل إلى المشرق لأداء فريضة الحج ولقاء مشيخة العلوم والتلقى عن أئمتها، ونزل مصر وأقام بها فترة يأخذ عن علمائها ويحمل إجازاتهم، وعاد إلى المغرب ورجع إلى مستقره بفاس، ثم وفد على مراكش، وأثنى عليه للمنصور الذهبى عبد العزيز الفشتالى وغيره من حاشيته فألحقه بحضرته. وفى سنة ٩٩٤ عاودته فكرة الرحلة إلى المشرق لينشر به مآثر المنصور ومفاخره وفتوحه، واستأذنه فى ذلك فأذن له، ورأى أن يسلك طريق البحر المتوسط من تطوان، ولم يلبث أن اعترضه هو ومن معه قراصنة الإسبان فأسروهم، ونقلوه إلى مالطة وظل بها أسيرا نحو عام فى بلاء عظيم من الجوع والبرد والتكليف بما لا يطاق. وعلم بأسره المنصور». فكتب إلى حاكم تطوان كى يعمل على فدائه، وافتداه بمال كثير، وعاد إلى حضرة المنصور وهو يحمل له هذا الجميل العظيم، وأداه نبله إلى أن يكتب عنه كتابه: «المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور» وهو سيرة له رائعة، نشرت فى مجلدين بتحقيق الأستاذ محمد زرّوق ولم يكتف بذلك، فقد ألف لخزانته كتاب درة الحجال فى أسماء الرجال ذيل به على كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان حتى زمنه، وأيضا كتاب جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بمدينة فاس. وقد استقصى الأستاذ زروق مؤلفاته فى مختلف العلوم والفنون وبدأها بمجموعة كتب التاريخ والتراجم وتلاها بمجموعة ثانية فى مؤلفاته فى الفقه ومجموعة ثالثة فى مؤلفاته فى الحساب والهندسة ومجموعة رابعة بمؤلفاته فى المنطق. وجعله بصره بالفقه يتولى القضاء ملازما حضرة المنصور طوال حكمه حتى سنة ١٠١٢ للهجرة، وتفرغ بعد ذلك للتدريس حتى وفاته سنة ١٠٢٥ هـ/١٦١٦ م وكما كان
стр. 5016
عالما بفنون كثيرة كان شاعرا، وخصّ المنصور الذهبى بكثير من شعره منذ أن كان فى الأسر، إذ أرسل إليه قصيدة حينئذ، يستعطفه بها لتخليصه من أسره، وفيها يقول:
بحق الذى أولاك ملكا فنجّنى ... من الهلك يا قصد الأسير المكبّل
وكن يا إمام العدل فى عون خائر ... أسير كسير ذى جناح مذلّل
ومنذ عاد ابن القاضى إلى حضرة المنصور الذهبى، وهو يلزمه ويقدم له مدائحه فى كل نصر لجيوشه وكل مناسبة. وكانت وقعة وادى المخازن لا تبرح ذاكرة البرتغاليين وكانوا لا يزالون يحتلون مدينة أصيلا على المحيط، وأحسوا أن المنصور يريد الاستيلاء عليها، فخشوا أن يواقعوه فيحدث لهم ما حدث فى وادى المخازن من تمزيقهم كل ممزق، قرءوا أن ينسحبوا منها ويتركوها للمنصور. ويهنئه ابن القاضى بهذا الفتح الذى أتاه دون أى حرب ودون أن يسلّ سيف وتراق الدماء، يقول:
يا أيها المنصور أبشر بالعلا ... الله بلّغ فى العدا المأمولا
أنضاكم سيفا لحتف عداته ... وبكم غدا سيف الرّدى مفلولا
وهزمتم الشرك المبين بعزمكم ... من غير ما سيف يرى مسلولا
وأذبتم كيد الخبيث مهابة ... وفتحتم آرامه آصيلا
وغدت من الناقوس صفرا بلقعا ... يتلى بها قرآننا ترتيلا
أبشر لواء الفتح معقود لكم ... واشكر إلهك بكرة وأصيلا
وهو يبشر المنصور بمعال لا تنتهى، فالله حافظه ويبلغه فى عداه كل ما يأمل من نصر وفتح، وقد منحكم سيفا لحتف الأعداء، وفلّ لكم سيف الردى والهلاك فهزمتم الشرك بعزمكم دون سيف سللتموه، وذاب كيد الخبيث الصليبى مهابة، ففتحتم عقر داره: أصيلا وأصبحت خلاء من ناقوس النصارى ترتّل فيها آى القرآن ترتيلا. ويفتح المنصور فتحه العظيم فى السودان سنة ٩٩٨ للهجرة، ويهنئه بهذا الفتح فى قصيدة طويلة، وفيها ينشد:
بشراك بالفتح المبين المتاح ... قطفته بين القنا والصّفاح
وليهنك النّصر الذى حزته ... دون الملوك فى مغانى الكفاح
واسعد فقد دانت ملوك الورى ... لما رأت فى الانقياد النجاح
والطاهر المنصور من هاشم ... واسطة العقد وبحر السماح
رجّت بلاد السود من جنده ... وافتتحت بالسيف أىّ افتتاح
فتح مبين هو تاريخه ... ينمو على الأرض مديد الجناح
لا زالت الأقطار تعنو لكم ... من سعدكم طول المدا تستباح
стр. 5017
وهو يهنئ المنصور بالنصر الذى قطفه بأسلحته من الرماح والسيوف وحازه من دون الملوك فى منازل الكفاح، وإنه لحرى أن يسعد فقد دانت له الملوك وألقت له عن يد صاغرة، وإنه للطاهر المنصور من ذرية هاشم وبيته النبوى، وإنه لجوهرة العقد الفريدة وبحر السماح وغيثه المدرار، وإنه لفتح سيظل ينمو ويمد جناحه فيشمل كل ما حول المغرب الأقصى من الديار، ويدعو له أن تظل الأقطار تفتح أبوابها لجيوشه طوال الدهر لسعده العظيم الذى لا يحد. وقد أشار فى الأبيات إلى أن المنصور من بيت بنى هاشم بيت النبوة، وهو يردد ذلك فى مدائحه مرارا وتكرارا بمثل قوله:
الملك أصبح ثابت الأساس ... بابن النبىّ الطاهر الأنفاس
يروى أحاديث العلا عن مرسل ... طهرت خلائقه من الأدناس
وكانت الأسرة السعدية تنتسب إلى الرسول الطاهر، فمضى يبدئ فى هذا النسب الشريف ويعيد منوها ومشيدا بصور مختلفة.
الدغوغى (١)
هو أبو العباس أحمد الدغوغى، من شعراء الزاوية الدلائية فى القرن الحادى عشر الهجرى، ومرّ بنا فى الفصل الأول أنه أسس هذه الزاوية فى بادية تادلة أبو بكر الدلائى سنة ٩٧٤ هـ/١٥٦٧ م وأن محمدا ابنه نهض بها إذا استكثر فيها من عمارة الدور والدكاكين وسائر المرافق ووقف على شيوخها وطلابها ما يكفيهم من مئونة. وأمّها كثيرون من علماء المغرب يدرسون فيها ويتحلق من حولهم الطلاب، وسرعان ما أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الثقافة والأدب، ولولا تعرضها لمسائل السياسة لظل لها فى الأدب وشئون الثقافة دور مهم، إذ قضى عليها المولى رشيد وهدم عمارتها سنة ١٠٧٩ للهجرة ونقل شيوخها وعلماءها إلى فاس. والمهم أن محمد بن أبى بكر الدلائى مؤسسها الحقيقى كان يحفّ به كثيرون من الشعراء فى مقدمتهم أحمد الدغوغى الذى قصر عليه جمهور أشعاره، حتى ليصبح شاعره الرسمى الذى ينطق باسمه فى مواقفه العلمية وجهاده نصرة للدين الحنيف، ويصوره زعيما دينيا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وكان لوعظه أصداء بعيدة فى القبائل المتبدّية إذ تستجيب له مذعنة مستشعرة له الولاء، ولدعاته الذين ينهونهم عن اقتراف الآثام والتوبة منها والعمل الصالح. وللدغوغى يمدحه:
стр. 5018
يا أحلم الحلماء أحزمهم إذا ... ما الرأى ردّ إلى مشورة حازم
صل واغلظن فى الله واسط مجاهدا ... بحسام عزمك ذى الذؤاب الحاسم
واقطع حبال خبال كلّ معارض ... ومعاند للحق غير موائم
فإلام تبرح فى الضلال قبائل ... من عرب مغربنا سدى وأعاجم
وإلى سيادتك السنيّة ينتهى ... نصح الورى ولأنت أعلم عالم
والدين أنت إمامه ورئيسه ... والدهر عبدك وهو أطوع خادم
والدغوغى يصور محمد بن أبى بكر حليما فهو لا يأخذ أتباعه والقبائل من حوله بالشدة، ويقول له لك أن تصول وتجول وتغلظ فى الدعوة لله وتقهر خصومها بحسام عزمك الحاد ولتقض على كل معارض لك ومعاند للحق لا يذعن له. ويحمل على القبائل الخارجة عن ولائه التى لا تبرح مهالك الضلال، الأعجمية منها والمهملة التى لا يصلها دعاته، وينوه بسيادته السنية وعلمه وإمامته وطاعة الدهر له كيفما أمره. وثار فى الصحراء أبو الحسن السملالى وعاث فيها فسادا، ففزع إليه كبراؤها وسادتها يستنجدون به لإحباط ثورته، ففكر فى جمع جيش لحربه ثم عدل عن ذلك إلى طريق الوعظ والإرشاد حتى لا تراق دماء المسلمين، واستجاب لدعاته السملالى وحقنت الدماء، فأنشده الدغوغى قصيدة منوها بصنيعه، وفيها يقول:
كم ولدة لولاكم فى بلدة ... يتمت وغودرت المواطن عافيه
ولكم بكم عمرت مواطن طالما ... أقوت وتألفها الذئاب العاويه
هذا لسان الحق ينشد إنما ... شمس الهدى للمهتدين دلائيه
بكرية الأبراج مشرق سعدها ... بمحمدىّ الرشد غربا باقيه
ولعلمه ولحلمه ولحكمه ... حكم تفوق الحصر لا متناهيه
وهو يصف محمد بن أبى بكر الدلائى بأنه دائما يحمى الصغار الأبرياء من حرب آبائهم ولولاه لتيتّموا وأصبحت المواطن خالية من آبائهم، وكم به عمرت بلاد ومواطن كانت تقفر فى عهد غيره وتسكنها الذئاب العاوية، وإن لسان الحق لينشد إن شمس الهدى للناس جميعا دلائية الموطن بكرية الأبراج، مشرقها دائما فى المغرب أو الغرب بمحمد بن أبى بكر، وينوه بعلمه وحلمه وعدالة حكمه. خلال وشمائل تفوق الحصر لا متناهية. ودائما ينوه بكرمه وجوده وأنه غيث مدرار بمثل قوله:
يا من إذا تربت يمينى كان لى ... نشر ثناه غنىّ فلست أعول (١)
ما المال من أمل إليك أمالنى ... حسبى رضاك فهل إليه وصول
فرضاك كل غنيمة فى ضمنه ... حتى الثراء به رضاك كفيل
стр. 5019
ولقد أفادنى الفصاحة جودكم ... وأنا امرؤ حصر اللسان كليل
فعجزت عن نطق بحسن كمالكم ... وكذا سواى فما عساه يقول
والقطعة تصوره مريدا وتلميذا لشيخه محمد بن أبى بكر، وإنه ليشعر فى عمق حين يعول ويفتقر أن ثناءه على شيخه غنى ما بعده غنى ولا ثراء، ويعلن أنه يمدحه لا لعطاياه، وإنما طلبا لرضاه، فرضاه كل ما يريد من غنمه، وإنه ليحمل إليه ثراء ما بعده ثراء، كما يعلن أن جود ابن أبى بكر هو الذى حل عقدة لسانه وكان عييّا كليلا فأصبح فصيحا، ومع ذلك فإنه يعجز عن بيان كمال أستاذه، بل إنه كمال لا يستطيع هو ولا غيره تصويره. وكان ابن أبى بكر يختم صحيح البخارى مرة كل عام، ويحتفل بهذه المناسبة، وينشده الشعراء مدائح مختلفة، وينشده الدغوغى فى أحد احتفالاته:
نال البخارىّ منه ... سبحا وغوصا مرامه
فناب فى السّبح عنه ... وقام غوصا مقامه
أكرم بسوق بديع ... للمكرمات أقامه
فيه الثناء عليه ... وقفا إذا الغير سامه
فجوهر الفضل فرد ... تأبى المعالى اقتسامه
وهو يقول إن صحيح البخارى حظى منه بسبح فى أحاديثه وغوص ما يماثلهما سبح وغوص، ويقول إنه أقام للمكرمات سوقا عظيمة، جعلت الثناء وقفا عليه دون غيره ممن قد يبتغيه، إذ جوهر الفضل فرد، وتأبى المعالى أن يكون قسمة بينه وبين سواه. وعلى هذا النحو كان الدغوغى شاعر محمد بن أبى بكر وداعيته ولسانه الناطق عن ميوله وأهوائه.
البوعنانى (١)
هو عبد الواحد بن محمد البوعنانى مفتى فاس فى عهد المولى إسماعيل العلوى (١٠٨٤ هـ/١٦٧٢ م-١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م) وهو يعد أهم حكام الدولة العلوية، وفى عهده نهض المغرب الأقصى نهضة ثقافية وأدبية، واستعادت البلاد ذكرى واقعة وادى المخازن ضد البرتغاليين فى أوائل العهد السعدى إذ آذن المحتلين الأوربيين للبلدان المغربية بحرب تسحق ضلوعهم سحقا. وأخذت تلك البلاد تسقط فى حجره وحجر المغاربة واحدة تلو أخرى، وكان أول ما حازه منها-كما تقدّم-المهدية سنة ١٠٩١ هـ/١٦٨١ م وتلتها طنجة سنة ١٠٩٥ هـ/١٦٨٤ م ثم حاز العرائش سنة ١١١١ هـ/١٦٩٩ م واستدار العام فحاز أصيلا، وكان حريّا أن يواكب هذه الفتوح قصائد حماسية وملحمية كثيرة. وربما
стр. 5020
كان خير ما نظم فيها مدحة للبوعنانى يشيد فيها بفتح المولى إسماعيل لمدينة العرائش، وهو يفتتحها بقوله:
ألا أبشر فهذا الفتح نور ... قد انتظمت بعزمكم الأمور
وطير السّعد نادى حيث غنّى ... قد انشرحت بفتحكم الصدور
وقد وافتكم الخيرات طرّا ... وطاب العيش واتصل السرور
وجاهدتم وقاتلتم فأنتم ... لدين الله أقمار تنير
وأطلعتم صوارمكم نجوما ... لدى هيجاء صاحبها كفور
وأنت البدر يوم السّلم حسنا ... وفى يوم الوغى الأسد الهصور (١)
والشاعر فرح بهذا الفتح المبين، حتى ليراه نورا يغمر سناه البلاد والعباد، وكل شئ من حوله فرح، فالطير تتغنى، وقد انشرحت الصدور بما وضع عنها إسماعيل من أثقال كانت تعانى منها عناء شديدا، وأى أثقال أشد من احتلال الوطن واعتصار طيبات الرزق فيه، وقد ردّت إلى أهلها وطاب العيش واتصل السرور بفتح العرائش وفتح طنجة والمهدية قبلها، وقد جاهدتم أصحاب الصليب، وانتصرتم لدين الله الحنيف، وكأنكم أقمار تشع من حولها أضواء منيرة، وكأنما سيوفكم نجوم تحف بكم، وإنك للبدر المنير فى السلم حسنا وفى الحرب الأسد الهصور، ويمضى منشدا:
وفى ثغر العرائش قد تبدّى ... لقدركم على الشّعرى الظّهور
قهرتهم بأبطال عظام ... على الهيجاء كلّهم جسور
وكم رأس من الكفار أمسى ... قطيع الرأس مجرورا يخور (٢)
وكم أسرى وكم قتلى بأرض ... وكم جرحى دماؤهم تفور (٣)
تمرّ بها الطيور فتنتقيها ... وبات الذئب وهو لها شكور
وأضحى الناس كلّهم نشاوى ... على طرب وما شربت خمور
وهو يقول للمولى إسماعيل لقد بدا واتضح لقدركم فى ثغر العرائش النصر المبين، فقد قهرتم العدو بالمغاربة الأبطال ممن تدربوا على الحروب، فكلهم جسور على القتال لا يتخاذل أبدا، وكم رئيس من الكفار أمسى مقطوع الرأس أو مجرورا يتخبط فى دمه صائحا، وإن الأسرى والقتلى لأكثر من أن تحصى سوى الجرحى ودمائهم المتدفقة، ولكأنك أقمت للطير مأدبة تتخيّر منها غذاءها، وقد تجمعت عليها الذئاب، وهى تعوى كأنها تشكرك، وأضحى الناس
стр. 5021
نشاوى من الفرحة بهذا النصر لا من خمر ذاقوها، ولكن من نصر تفوق نشوته نشوة الخمر فرحا وسرورا. ويقول:
فبشراكم بهذا الفتح نور ... وبشراكم بما منّ الغفور
به زادت مآثركم علوّا ... وقد عظمت به لكم الأجور
ألا يا أهل سبتة قد أتاكم ... بسيف الله سلطان وقور
إذا ما جاء سبتة فى عشىّ ... تزفّ له إذا كان البكور
ووهران تنادى كل يوم ... متى يأتى الإمام متى يزور
فيهزمكم ويقتلكم ويسبى ... وسيف الحق فى يده ينور (١)
وهو يبشر المولى إسماعيل بأن هذا الفتح نور منّ عليكم به الله الغفور فزاد مآثركم وأمجادكم سموا، وعظم لكم به الأجر والثواب، وكانت سبتة لما تفتح، فشعر بها تهبّ فى وجه الإسبان مهددة لهم بالمولى إسماعيل وما يحمل من سيف الله الذى لا يفلّ أبدا، وكأنما حين يأتيها مساء تزفّ إليه بكورا منكلا بالمحتلين لها من الإسبان وبالمثل وهران وكانوا قد استولوا عليها، تناديه صباح مساء كي يهزمهم ويقتلهم بسيف الله الذى لا يزال يضيء فى يده، ويختم قصيدته بقوله:
أيا مولاى قم وانهض وشمّر ... لأندلس فأنت لها الأمير
وجاهدهم وحاربهم وفرّق ... جموعهم فربّكم النّصير
ولا يمنع بفضل الله منها ... كما قد قيل برّ أو بحور
بقرطبة تنال المجد طرّا ... ويأتى العزّ والملك الكبير
وتصور هذه الأبيات مدى طموح البوعنانى حين رأى فتوح المولى إسماعيل تتوالى فيحثه لا على أخذ سبتة ووهران فحسب، بل أيضا على استرداد الأندلس حيث ينال العز والمجد طرا بعودة قرطبة إلى حمى العرب والعروبة.
٤ -
شعراء الفخر والهجاء
(أ) الفخر
الفخر من أغراض الشعر العربى القديمة منذ الجاهلية، وقد ظل حيّا فيه على توالى العصور، والشاعر يفخر فيه بشمائله الرفيعة الفردية من المروءة والكرم والوفاء وما يماثل ذلك وبعصبيته القبلية والقومية وبشجاعته وبسالته الحربية. ونراه على ألسنة شعراء المغرب الأقصى منذ ابن زنباع
стр. 5022
فى عصر المرابطين، وهو يفتخر فى بعض غزله لصاحبته بأنه يمنىّ من حمير وأنهم سيأخذون منها بثأره ويصور لها بأسهم فى الحرب. ويأخذ الفخر عند شاعر الموحدين: ابن حبّوس شكل نصائح يوصى بها الشعراء بل معاصريه جميعا أن يتمثّلوها ليصونوا بها مروءتهم، ويتخذوها شعارات ترسم لهم مثالية خلقية كريمة من مثل قوله (١):
رد الطّرق حتى توافى النّميرا ... فربّ عسير أتاح اليسيرا (٢)
وأرسل قلوصك طورا شمالا ... وطورا جنوبا وطورا دبورا (٣)
وطر حيث أنت قوىّ الجنا ... ح لا عذر عندك أن لا تطيرا
ولا تقعنّ وأنت السّلي ... م حيث تضاهى المهيض الكسيرا
وذو العجز يرضع ثديا حدورا ... وذو العزم يرضع ثديا درورا (٤)
وأول شعار رسمه للشخص كى يحصل على ما يريد مهما يكن عسيرا صعبا أن يتحمّل شرب الماء العكر حتى يصل إلى ما يريد من الماء العذب الصافى وشعار ثان أن يرسل ناقته شمالا وجنوبا وفى كل اتجاه حتى يتحقق له أمله، فلا بد له من العناء ولا بد له من الضرب على أبواب الآمال حتى تنفتح على مصاريعها، ولا بد له من الطيران بعيدا فى آفاق الدنيا حتى يقع على ما يتمناه، وعيب أن تكون أجنحته قوية ولا يطير شأن المهيض الكسير، فالآمال إنما تؤخذ مغالبة وعزما مضطرما، وكأنما العاجز فى الدنيا يرضع ثديا شحيحا، بينما القادر المملوء إرادة وعزيمة يرضع ثديا دارّا له بكل ما يريده من دنياه. ويقول القاضى أبو حفص عمر بن عمر السّلمى المتوفى سنة ٦٠٤ للهجرة (٥):
نهانى حلمى فلا أظلم ... وعزّ مكانى فلا أظلم
ولا بدّ من حاسد قلبه ... بنور مآثرنا مظلم
رحمت حسودى على أنه ... يقاسى العذاب وما يرحم
هجانا افتراء ولسنا كما ... يقول ولكن كما يعلم
والقطعة ردّ بها على بعض من آذاه بهجائه، وكان كبير النفس، فردّ عليه بما يتفق مع شخصيته وسمو نفسه، فقال إن مروءته وحلمه يمنعانه من أن يظلم أحدا وإن ما له من سمو المكانة يمنع أن يتعرض شخص له بظلم أو هجاء، ولا يسلم مثله من حاسد يحسده على مآثره ومكارمه، وإنه ليرحم حاسديه لما يقاسون من عذاب الحسد وما يصيبهم به من الكمد، ويقول إن حاسده يهجوه افتراء. وضمّن ذلك سخرية لاذعة إذ قال إنه ليس كما يقول حاسده
стр. 5023
ولكنه كما يعلم من منزلته الرفيعة. ويقول أبو العباس أحمد بن على المليانى رئيس ديوان الإنشاء فى عهد السلطان أبى يعقوب المرينى (١):
العزّ ما ضربت عليه قبابى ... والفضل ما اشتملت عليه ثيابى
والزّهر ما أهداه غصن يراعتى ... والمسك ما أهداه نقس كتابى (٢)
والمجد يمنع أن يزاحم موردى ... والعزم يأبى أن يضام جنابى
وإذا حمدت صنيعة جازيتها ... بجميل شكرى أو جزيل ثوابى
وإذا عقدت مودّة أجريتها ... مجرى طعامى من دمى وشرابى
وإذا طلبت من الفراقد والسّها ... ثأرا فأوشك أن أنال طلابى
وهو فخر يصور نفسا نبيلة إلى أقصى حد، نفسا تستشعر العز كأنما ضرب الشاعر عليه قبابه فأصبح ملازما له لا يغادره، ومثله الفضل الجاثم فى ثيابه، أما الزهر وشذاه فما تكتبه يراعته أو قلمه من الشعر، وأما المسك وعطره فما يكتبه من رسائله البليغة، وإن المجد ليقف حائلا لمن يريد أن يزاحمه فى مورده العذب، ويأبى العزم أن يصاب جنابه بأى ضيم وإذا قدم له شخص صنيعة أو جميلا جازاه بشكره أو بثوابه الجزيل، وإذا عقد مودة لشخص جرت فى دمه مجرى طعامه وشرابه. وهى صورة بديعة. وإذا طلب من الكواكب ثأرا نال مطلبه سريعا. ويقول أبو على اليوسى الدلائى المتوفى سنة ١١٠٢ للهجرة (٣):
إنا أناس لست تبصرنا ... نتحيّن الطّعم التى تزرى (٤)
يعرى الفتى ويجوع وهو يرى ... متجمّلا بالصّبر والبشر
والحرّة الشمّاء ربّتما ... جاعت ولم ترضع على أجر (٥)
والحرّ ليس حياته بسوى ... عزّ الجناب ورفعة القدر
لا بالطعام ولا الشراب ولا ... استلقائه بأرائك وثر (٦)
فهو من قوم لا يتحينون المطاعم التى تزرى بمن يطعمها، وإن الفتى منهم ليعرى ويجوع ومع عريه وجوعه يرى مزدانا بالصبر متحليا بالبشر، ومثله الحرة ترى شمّاء متسامية وتجوع ولا تأكل بثدييها فذلك موت زؤام، والحر مثلها يستشعر العزة ورفعة القدر فهما متاعه من دنياه لا الطعام ولا الشراب ولا المقاعد الوثيرة. ولعمر (٧) الفاسى المتوفى سنة ١١٨٨ هـ/ ١٧٧٥ م:
стр. 5024
قل لمن يعلو على النا ... س بآباء سراة
ليس من شأنى فخار ... بعظام ناخرات
ما فخار المرء إلا ... بعلوم زاخرات
وسجايا ومزايا ... وهبات وافرات
وهو يقول إن الفخر الحقيقى لا يكون بالانتساب إلى الآباء والأجداد الرؤساء والعظام البالية فى المقابر، وإنما يكون بما وعى المرء وتعمقه من العلوم وبخصاله الحميدة وما منحه الله من الهبات الوافرة، ويقول ابن زكرى الولتى حاثا على اقتحام الصعاب فى طلب المجد (١):
المجد حيث مدار السبعة الشّهب ... هيهات يدركه من لم يكن بأبى
وهمّة المرء لا تعدو بصيرته ... بقدر نظرته يسمو إلى الطلب
كلّ له أرب لكن أخو قصر ... فى الهمّ ليس له فى الجدّ من أرب
إن كان لا بد للإنسان من أمل ... فليأمل المجد فوق السبعة الشّهب
وهو يقول إن المجد ليس شيئا هينا، بل هو شئ فى منتهى الصعوبة، وعلى طالبه أن يعرف أنه لا بد له من الطيران فيه والصعود حتى يبلغ الكواكب السيّارة السبعة، ويقول الشاعر إنه لا يدركها من لا يشعر بشمم وإباء لا حد لهما. ويذكر أن كل شخص يحصل فى دنياه على ما يطلبه بقدر همته، ويقول إن من همته قصيرة لا ينال مأربا كبيرا، وإذا كان كل إنسان له أمل لا يزال يتمناه، فلتسم نفسه ويأمل المجد لا فى الأرض ولكن فوق السبعة الشهب. وحرى بنا أن نتوقف قليلا عند الشاذلى الدلائى وقصيدة بديعة له فى الفخر.
الشاذلى (٢)
هو محمد بن أحمد بن الشاذلى المتوفى سنة ١١٣٧ هـ/١٧٢٥ م. لم يولد لأبيه فى عهد الزاوية الدلائية، وإنما ولد له بعد خروج أهله وآبائه منها. حفظ القرآن الكريم، وأكبّ بعد حفظه له على علوم اللغة من نحو وصرف وعلوم البلاغة المختلفة، ومضى يتزود بالأدب، ولم تلبث شاعريته أن استيقظت فيه، فأخذ ينظم الشعر فى أغراضه المختلفة، واشتهرت له قصيدة فى الفخر يستهلها بحوار بينه وبين سيدة يمضى على هذه الشاكلة:
ما إن يعيبك فقد الحلى والحلل ... إن أنت بالهمم الشمّاء كنت ملى
وربّ جاهلة هبّت تعاتبنى ... أن كنت-عن غمر عيش-مؤثر الوشل (٣)
قالت رأيتك ذا قول محبّره ... أزهى من الرّوض غبّ الواكف الهطل (٤)
стр. 5025
وفى الملوك له كفء فامّهم ... حتى يعيدوك ذا خيل وذا خول (١)
ولست أصغى وإن لجّت لتعدل بى ... عن منهج الصّون بالنّعتاب والعذل
وإن من كرمى بخلى بشعرى عن ... تقريظ ذى كرم أو ذمّ ذى بخل
وهو يقول إن الشخص لا يعيبه فقد الحلى والحلل أو بعبارة أخرى فقد الثراء إذا كان مليئا بالهمم السامية الرفيعة، ويقول: رب جاهلة عاتبتنى لانصرافى عن رافه العيش واكتفائى بالوشل القليل منه، بينما أملك بيانا بليغا أزهى من أزهار الروض عقب السحاب الهاطل، وتقول فى الملوك من يستحقه، فاقصدهم حتى يثروك ويصبح لك خيل وخدم كثيرون. ويقول إنه لا يصغى لمثل هذه العاتبة مهما لجت وألحت إذ تريد أن تعدل به عن منهج الاحتفاظ بمروءته، وإن خلاله الكريمة لترفعه عن مديح الملوك والكرماء وعن هجاء البخلاء الأشحاء، وما يلبث أن يعلن لعاذلته قوله:
ولن ترينى مذيلا-ما حييت-له ... فى غير ذكر الوغى والأعين النّجل (٢)
يأبى إبائى وآبائى ويأنف لى ... مجد أناف-ولم يقنع-على زحل (٣)
نفس الكريم تعاف الورد يصحبه ... ذلّ على ظمأ فى الجوف مشتعل
لو كنت سائل غير الله لم أسل ... غير المذاكى وغير البيض والأسل (٤)
وهو يقول لصاحبته إنه لن يبتذل شعره إلا فى الحماسة والحرب الضارية وإلا فى الغزل بالحسان ذوات الأعين النجل الفاتنة، وإن آبائى وإبائى يأبيان أن أمتهن شعرى وأهينه فى مديح أو هجاء، وبالمثل مجدى الذى بلغ عنان السماء، وظل فى ارتفاعه حتى أشرف على الكوكب البعيد: زحل. ويقول إن نفس الكريم تعاف أن يرد على ماء فيه ذل أو ما يشبهه، مهما كان ظامئا ومهما كان الظمأ يشتعل فى جوفه. وما يلبث أن يقول إنه لو سأل غير الله لم يسأله نوالا ولا عطاء، وإنما يسأله خيلا وسلاحا وسيوفا. ويمضى فى قصيدته منشدا:
لا ترض بالعيش فى ظلّ الهوان وخض ... لنيل عزّ غمار الموت والثّكل (٥)
فليس يدرك بالجبن البقاء ولا ... الإقدام يقضبى بما لم يقض فى الأزل
وهو يوصى كل من حوله أن لا يرضوا بعيش فى ظل هوان وذل، وأن يخوضوا فى سبيل العز غمار الموت وفقد الأهل، فالبقاء لا يدرك بالجبن، ونفس الإقدام لا يغير قضاء كتب فى الأزل وقدّر على الإنسان. ويستمر قائلا:
стр. 5026
حلبت شطرى صروف الدهر من عدم ... ومن يسار ومن صاب ومن عسل
فما بطرت لإثراء ولا حسبى ... بدت به خلّة تنتاب من خلل (١)
وكنت إما بدا لى من حلىّ عطل ... ألفيت من حلى فضلى غير ذى عطل
وشى المهنّد يبدو فوق صفحته ... يغنيه عن شية الأغماد والحلل
وهو يقول إنه طالما جرّب صروف الدهر وأحداثه من فقر وغنى ومن مرّ وحلو فلم يلحقه بطر ولا استخفاف لإثراء ولا بدا خلل فى حسبه وشرفه، وكان إذا أصابه عطل من حلىّ الغنى شعر أن حلىّ فضله يزينه. ويضرب مثلا لذلك السيف فإن الوشى الذى يزينه يبدو على صفحته مما يلمع عليها ويبرق لا على غمده وما يزدان به من بعض النقوش. والقصيدة بديعة فى كل ما يتصل بها من الألفاظ والصور والمعانى.
(ب) الهجاء
الهجاء من موضوعات الشعر العربى، الموغلة فى القدم، وكان أصله لعنات يستنزلها الجاهلى من آلهته على من يعاديهم من الأفراد أو من يعاديهم مع قبيلته من القبائل والعشائر. وتطور من اللعنات إلى الذم بالصفات المرذولة من مثل البخل والجبن والغدر، واستحال عند جرير والفرزدق إلى مناظرات واسعة فى أمجاد قيس وتميم وسادتهما، مما أوضحناه فى كتابنا: «التطور والتجديد فى الشعر الأموى». ومنذ العصر العباسى الأول أخذ الشعراء يتفننون فى وصف المهجو بالدناءة والقذارة، مع ما قد يذكره عنه الشاعر من فساد الأخلاق والمروق من الدين. وظل كثيرون من الشعراء-على مر العصور-يكثرون منه بحيث يمكن تلقيبهم بجماعة الهجّائين، وقد يفرضونه على حياتهم ويعيشون له، وهو ما نفتقده عند شعراء المغرب الأقصى، إذ كان الشاعر المغربى يلم به فى لحظة من لحظات غضبه ثم ينصرف عنه إما رعيا للذمام والمواطنة وإما تساميا بنفسه عنه. ويلقانا منه فى أول الأمر أهاج لبعض من كانوا يتنبئون ويثيرون مع بعض أتباعهم حروبا تدور فيها عليهم الدوائر، من ذلك قول سعيد بن هشام المصمودى فى هزيمة برغواطة مع متنبئها أبى عفير (٢):
قفى قبل التفرّق فاخبرينا ... بقول صادق لا تكذبينا
بأمر برابر خسروا وضلّوا ... وخابوا لا سقوا ماء معينا (٣)
يقولون النّبىّ أبو عفير ... فأخزى الله أمّ الكاذبينا
ألم تسمع ولم تر يوم «بهت» ... على آثار خيلهم رنينا (٤)
стр. 5027
رنين الباكيات بهم ثكالى ... وعاوية ومسقطة جنينا (١)
وهو يعيرهم بيوم «بهت» الذى هزموا فيه مع نبيهم أبى عفير، ويقول لأهل برغواطة إنهم خسروا وخابوا وضلوا ضلالا مبينا إذ تبعوا متنبّئا كذابا من أعداء الله ورسوله ودينه الحنيف، فأخزاهم الله، وحرمهم مياه الجنة المعين الصافى العذب. ولقد كتب الله عليهم هزيمة ساحقة لهم ولنبيهم يوم بهت، وفرت خيلهم لا بفرسانهم إذ قتلوا شر قتل وإنما بنسائهم يعولن ويبكين ويندبن من فقدنهم من الأزواج والأبناء، وبلغ من حزنهن أن الحوامل منهم لكثرة عويلهن كن يسقطن أجنتهن فزعا ورعبا. وكثيرا ما كان يعدل الهاجى عن هجاء شخص بعينه إلى هجاء قومه أو هجاء بلدته من مثل هجاء الجراوى-وقيل إنها لغيره-بنى غفجوم قومه متوسلا بذلك إلى هجاء أهل فاس وخاصة عشيرة بنى ملجوم إذ يقول (٢):
يا بن السبيل إذا مررت بتادلا ... لا تنزلنّ على بنى غفجوم
أرض أغار بها العدوّ فلن ترى ... إلا مجاوبة الصّدى للبوم
قوم طووا ذكر السماحة بينهم ... لكنهم نشروا لواء اللّوم
لا حظّ فى أموالهم ونوالهم ... للسائل العافى ولا المحروم (٣)
لا يملكون إذا استبيح حريمهم ... إلا الصّراخ بدعوة المظلوم
يا ليتنى من غيرهم ولو اننى ... من أهل فاس من بنى الملجوم
وهو يقول للضيف الطارق المار بمدينة تادلة لا تفكر فى النزول على بنى غفجوم لبخلهم وشحهم، وإنها لأرض كريهة خرّبها الأعداء حتى لا تجد فيها إلا صياح البوم وأصداءه، ولقد طووا راية السماحة والخلق الكريم بينهم ونشروا لواء اللؤم والدناءة غير مستجيبين لطالب معروف ولا لفقير محروم. وهم فى غاية الجبن، حتى إنهم لو استبيح حريمهم ما ثاروا ولا فزعوا إلى حمل السلاح، بل فزعوا إلى الصراخ يدعون فعل النساء والمظلومين. ويقول ليته لم يكن منهم لما يحملون من هذه المساوئ الذميمة حتى لو كان من أهل فاس وبنى الملجوم اللؤماء، وهى سخرية لاذعة. وكاد الهجّاءون لا يتركون بلدة دون هجاء، فهم يهجون مراكش ويهجون مدينة القصر الكبير وغيرهما من مدن المغرب الأقصى الجميلة. ولهم فى الهجاء طرائف، فمن ذلك هجاء ابن حبّوس شاعر الموحدين لفنه الشعرى قائلا (٤):
يا غراب الشعر لاطر ... ت ومنّيت الوقوعا
فإذا استيقظ شهم ... قرم زدت هجوعا
هبك لا تقنص عزّا ... لم تقنّصت الخضوعا
стр. 5028
رمت أن ترقى سريعا ... فتردّيت صريعا (١)
ربما اصطاد بغاث ... شبعا واصطدت جوعا (٢)
ولقد غال حبيبا ... منك ما غال صريعا
وهو يختار للشعر من الطير الغراب الذى كان يتشاءم به العرب، وكأنه مصدر شؤم كبير، ولذلك يتمنى له أن تقصر به أجنحته، فيقع ويطيل الهجوع حتى لو استقبله سيد شهم ويعجب أنه لا يقتنص عزا فلماذا يقتنص الخضوع، مهما أمّل معه الرقى السريع إذ سرعان ما يهوى صريعا. وقد يصيد شويعر، بينما لا يصيد الشاعر الكبير سوى الجوع والحرمان، بل لقد يغتاله المديح كما اغتال أبا تمام الملقب بحبيب ومسلم بن الوليد الملقب بصريع الغوانى الشاعرين المبدعين اللذين أضاعا شعرهما فى الثناء على ممدوحيهم. وكان ابن حبوس ظريفا فلم يتعرض لشخص بعينه، وإنما تعرض بعامة للحاسدين والهجائين والعيّابين الذين يكثرون بين الناس منشدا (٣):
أعدّ لنابحيك عصا ... وأقضم ماضغيك حصا (٤)
وغمّض عينك النّجلا ... ء حتى تنعت الحوصا (٥)
وهزّ لمعشر سيفا ... وهزّ لآخرين عصا
لقد رخص الإخاء وأه ... ون الأعلاق ما رخصا
وقد ذهب الوفاء فلا ... يقول مغالط نقصا
وهو ينصح الشخص أن يعد عصا لكثرة النابحين حوله الذين ينكرون فضله، ويقول أطعم من يمضغون لحمك هاجين وذامين حصا، وغمض عينك البصيرة عن أخلاق الناس الذميمة حتى تنعت بالحوص وضيق العين وأنك لا تكاد تبصر شيئا. والناس صنفان: صنف يلقى بالسيف وصنف يلقى بالعصا. ولقد رخص الإخاء حتى ابتذل ولم يعد موجودا وذهب معه الوفاء كاملا دون أوبة. ولمالك بن المرحل المرينى المتوفى سنة ٦٩٩ للهجرة قصيدة تصور زواجه بمدينة سبتة من امرأة وصفت له بالجمال والحسن البارع ووجدها قبيحة بالغة القبح، ويطيل فى وصف ما قيل له من جمالها الساحر، وبالمثل فى وصف قبحها وأنها قرعاء حولاء فطساء صماء بكماء عرجاء، ويقول إنه ولّى هاربا منها حين لاح الصباح، وهى قصة أراد بها إلى الهزل والمجانة.
стр. 5029
٥ -
الشعراء والشعر التعليمى
الشعر التعليمى من الموضوعات الشعرية التى ابتكرها الشعراء فى العصر العباسى الأول بتأثير اتساع الثقافة ورقى الفكر العربى، إذ أخذ بعض الشعراء ينظم فى التاريخ وبعض العلوم، وفى مقدمتهم أبان بن عبد الحميد الذى ترجم عن الفارسية قصص كليلة ودمنة، وقد اقترح له هو ومعاصروه نمطا مستحدثا من الشعر هو نمط الشعر المزدوج الذى ينظم من وزن الرجز، وتتحد القافية به فى شطرى كل بيت. وأخذ هذا النمط من الشعر التعليمى يشيع فى البلدان العربية منذ القرن السادس، فنظم به كثير من المتون العلمية، وألّفت لها شروح كثيرة. ولم تبق بلدة عربية إلا وشارك علماؤها فى نظم هذه المتون وفى وضع شروحها، وأكثروا من نظم مسائل الفقه والنحو والتصريف. وكان للمغرب الأقصى فى ذلك مشاركة خصبة، ومن كبار الناظمين به لهذا الشعر التعليمى محمد بن أحمد بن غازى من العصر المرينى، وله فيه منظومات تعليمية فى التاريخ ومختلف العلوم، ومنها منظومته المنية فى علم الحساب. وكثر هذا الشعر فى العصر السعدى، ونجد المقرى فى كتابه روضة الآس ينشد للشعراء من معاصريه أشعارا تعليمية متنوعة فى مسائل العلوم. ولشعراء المغرب الأقصى-فى مختلف العصور-شعر كثير فى الوصايا والحكم، ولعمر الفاسى المتوفى سنة ١١٨٨ للهجرة قصيدة فى الأمثال والحكم نظمها على مثال لامية العجم، غير أنه وقف بها عند نحو ستين بيتا ويهمنا فى العرض الأدبى لهذا الشعر أن نقف عند منظوماته التاريخية والعامة فى الأدب، ونختار لذلك شاعرين هما عبد العزيز الملزوزى وابن الونان.
عبد (١) العزيز الملزوزى
مكناسى الأصل وأكبّ منذ نعومة أظفاره على التثقف بالعلوم اللغوية والشعر العربى حتى تفتحت موهبة الشعر فيه، وقدم إلى المنصور يعقوب المرينى فأعجب به وأصبح شاعره، وهو لا يكتفى بمديحه العام له، بل ينظم فيه وفى أسرته ملاحم تاريخية بارعة، من ذلك ملحمته الكبرى: «نظم السلوك فى الأنبياء والخلفاء والملوك» وهى منظومة تاريخية يعرض فيها التاريخ من أعتق الأزمنة، حتى زمن يعقوب المرينى، وفى فاتحتها يقول:
الحمد لله مغيث الدين ... بالملك المنصور من مرين
ولا يلبث أن يقول:
стр. 5030
سميتها من حسنها نظم السلوك ... فى الأنبيا والخلفاء والملوك
وأذكر الأمر على الترتيب ... مختصرا بأحسن التقريب
من عهد آدم إلى زماننا ... أختمها بالغرّ من أملاكنا
وهو يمضى فى سرد التاريخ منذ أقدم العصور، حتى إذا وصل إلى دولة بنى مرين ومليكها يعقوب المنصور أخذ يفصّل الحديث فى تاريخه وأحداثه ومجالسه، وكأنما هو الغاية المبتغاة من تأليف منظومته، وفيه يقول:
قد ألبس الوقار والسّكينه ... وحلّ فى مكانة مكينه
حتى إذا ما حان وقت الظهر ... قام إلى بيت النّدى والفخر
يبقى إلى وقت صلاة العصر ... يأتى بقصد نهيه والأمر
فينصف المظلوم ممن ظلمه ... ولم يزل إلى صلاة العتمه (١)
وأمّن الغرب من الفساد ... ونشر العدل على العباد
وخضعت مرين تحت قهره ... وأذعنوا لنهيه وأمره
ورفع الظلم عن الرّعيّه ... وقمع الطغاة فى البريّه
وهو يصور يعقوب المنصور المرينى يحفّ به الوقار والجلال والسكينة، ويحلّ فى مرتبة رفيعة، حتى إذا حانت صلاة الظهر أسرع إلى مسجده يؤديها، ويأتى بعد صلاة العصر لإبرام أوامره ونواهيه وإنصاف المظلومين، ويظل حتى صلاة المغرب، وقد نشر الأمن فى البلاد وأخلاها من الفساد، ونشر العدل فى الناس، وخضعت له قبائل مرين وأذعنت له، ورفع عن الرعية كل ظلم عانت منه وقمع الطغاة الذين ظلموها ظلما فادحا.
وينظم الملزوزى قصيدة تاريخية ثانية فى المنصور يعقوب وجهاده للإسبان فى ديارهم نصرة لبنى الأحمر أمراء غرناطة، وقد بدأ هذا الجهاد سنة ٦٦٤ للهجرة إذ عبر الزقاق على رأس قوة مرينية كما مر بنا فى الفصل الأول ونكل بالإسبان، وعاد إلى هذا الجهاد مرارا سنة ٦٧٧ وسنة ٦٨١ واستولى على بعض حصونهم وسنة ٦٨٥ وكان كل ما يحوزه من حصونهم وبلدانهم، يقدمه إلى بنى الأحمر فى غرناطة متنازلا عنه لهم. فهو لا يجاهد نصارى الإسبان بقصد تكوين دولة عربية جديدة فى الأندلس، وإنما يجاهدهم انتصارا لدينه، إذ رأى بنى الأحمر يتخاذلون عن جهادهم وخشى عليهم عواقب هذا التخاذل، فامتعض للإسلام وأخذ ينازل الإسبان بجيوشه المرينية، وينزل بهم ضربات متوالية. والملزوزى يبدأ قصيدته بحمد الله جلّ فى علاه وتمجيده، ويستغرق ذلك أربعة عشر بيتا يختمها بنعمته الكبرى على المسلمين بإرساله فيهم الرسول ﷺ وما خصّه به من الإسراء والمعراج، ويلم بتحريضه لأتباعه على جهاد الكفار،
стр. 5031
وينوه بخلفائه الراشدين وبقية العشرة المبشرين بالجنة ومن اقتفوا سيرتهم حين كان الإسلام شامخا ويقول إنه انسحق بعدهم مشيرا إلى إخراج الإسبان للمسلمين من الأندلس، حتى صار بالمغرب الأقصى غريبا، إذ استكان سكانه-كما يقول-إلى القعود عن الجهاد، إلى أن استولى على صولجان الحكم يعقوب المنصور المرينى، فإذا هو ينازل الإسبان بقواته المرينية وقواده من أبنائه وأبناء رعيّته نزالا ضاريا طوال عشرين سنة والنصر يواكبه. وهذه القصيدة التاريخية الثانية للملزوزى تتغنى بهذه الانتصارات ليعقوب على الإسبان، وتفصّل أحداثها وما غنم يعقوب من الحصون الإسبانية هو وأبناؤه وقواده وما أنزلوه بهم من هزائم ساحقة فى نحو مائة بيت، يستهلها الملزوزى بقوله فى يعقوب ونزاله المتكرر للأعداء:
ولم يعلم جهاد للأعادى ... بهذى الأرض يحتسب احتسابا
إلى أن فتّح الرحمن فيه ... ليعقوب بن عبد الحقّ بابا
لمولانا أمير العدل ملك ... به انسلبت يد الكفر انسلابا
ولم نر قبله فى العصر ملكا ... أرانا فى العدا العجب العجابا
دعا لله دعوة مطمئنّ ... لمولاه دعاء مستجابا
فلبّى الله دعوته وسنىّ ... له الحسنى وجنّبه الصّعابا (١)
فجاز البحر مجتهدا مرارا ... يقود إلى العدا الخيل العرابا (٢)
وكأنى بالملزوزى حين نفى أن يكون قد سبق يعقوب جهاد من المغرب الأقصى لنصارى الإسبان إنما يريد أنه لم يحدث جهاد لهم فى عهد الدولة المرينية قبله، إذ نحن نعرف جهاد الموحدين لهم قبل تلك الدولة وما أنزلوا بهم فى الأرك وغير الأرك من هزائم ساحقة. ويقول إن الله فتح له فى الجهاد بابا بل أبوابا، ويشيد بعدله ومحقه لجيوش الإسبان محقا، وكأنما دعا الله أن ينصره واستجاب دعاءه، فيسّر له الحسنى من الفتوح حين جاز الزقاق مرارا للجهاد، يقود إلى الأعداء الخيل العربية الأصيلة فألبسهم هو وبنوه وقواده ذلا ما بعده ذل. ويسترسل فى ذكر الوقائع وقوادها وكيف أوسعوا بعض بلاد الإسبان حرقا وانتهابا، ويتحدث عما ساقوه من الغنائم والأسلاب مع الإشادة بيعقوب وبلائه البلاء المستطاب، ويختم قصيدته مخاطبا بنى مرين بقوله:
هنيئا يا مرين لقد علوتم ... على الأملاك بأسا وانتخابا (٣)
وفاخرتم بمولانا البرايا ... فأعطوكم قيادا وانغلابا
أبعد الفنس وابن الفونس يبغى ... رضاكم لا يخاف به العتابا (٤)
стр. 5032
فحزب مرين حزب الله يحمى ... حمى الإسلام لا يخشى عقابا
إذا سلّوا السيوف ترى الأعادى ... وقد حلّوا الرّبى مدّت رقابا
وهو يهنئ مرين بهذا المجد الحربى الذى سمت به على الأملاك شجاعة وانتجابا، وقد فاخرتموهم بسلطانكم يعقوب فاستسلموا لكم مغلوبين على أمرهم، وهذا ألفونس العاشر وابنه يمدان يديهما للصلح. وإن حزبكم لحزب الله الذى يحمى ديار الإسلام، وبمجرد أن ينازل أعداء الدين يلتمسون الربى هلعا، ويستسلمون بين قتيل وأسير. وفى شعر الملزوزى- كما رأينا-غير قليل من النصاعة والسلاسة، وقد لبي نداء ربه سنة ٦٩٧ للهجرة.
ابن (١) الونان
هو أبو العباس أحمد بن محمد الونان الحميرى الفاسى من نابهى شعراء العصر العلوى، تألق اسمه فى عصر السلطان محمد بن عبد الله (١١٧١ - ١٢٠٤ هـ) وهو من صفوة السلاطين العلويين نهض بالمغرب الأقصى وطرد البرتغاليين من الجديدة سنة ١١٨٢ هـ/١٧٦٩ م وعنى بالحياة الثقافية والأدبية. ول ابن الونان فيه مدائح متعددة، وكان أبوه مقربا إلى السلطان، وكان ظريفا فسماه أبا الشمقمق. وأول منظومات ابن الونان فيه أرجوزة سماها الشمقمقية، ويقال إنه حاول أن يصل إلى السلطان لينشدها، ولم يتح له ذلك، فترصد موكبه يوما وصعد على ربوة، ونادى بأعلى صوته عليه:
يا سيّدى سبط النبى ... أبو الشمقمق أبى
فطلبه السلطان، وصحبه معه إلى القصر وأصبح من حاشيته. والشمقمقية أرجوزة فى ٢٧٥ بيتا، للسلطان محمد منها ٢٧ بيتا، وبقيتها موسوعة أدبية، استهلها بالرحلة فى مجاهل الصحراء واصفا ركب النوق الذى كان فيه، وظل فى أكثر من أربعين بيتا يحاور حاديها طالبا إليه أن لا يكلفها فى السير بما لا تطيق جامعا لها فى وصفها كثيرا من أوابد اللغة. ويصف صاحبة له فى ٢٥ بيتا ويورد فى وصفها المادى طائفة من الألفاظ الغربية ويقول إن لم يظفر بها فسيشنّ على قومها غارة بفرسان من خير يعرب. ويسترسل فى فخره بآبائه وقبيلته اليمنية فى نحو خمسة وثلاثين بيتا، ويفضى إلى طائفة كبيرة من الأمثال والحكم فى نحو تسعين بيتا، وهى لب الأرجوزة، ولذلك جعلناها من الشعر التعليمى، ويمدح الشعر وشاعرية أبى الشمقمق، وكأنما الأرجوزة كانت منتهية فى هذا الجزء منها، ورأى أن يضيف إليها مديحا للسلطان محمد بن عبد الله.
ولا تلاحظ كثرة الألفاظ الغريبة فى الأرجوزة فحسب، فإنها تحمل كثيرا من أمثال العرب
стр. 5033
القدماء ومن شخصياتهم وشعرائهم وأدبائهم منذ الجاهلية حتى العصر العباسى يكمل بهم المعانى فى أبياته. وهو ما جعل أدباء المغرب يهتمون بكتابة شروح لها متعددة ومن أهمها شرح السلاوى وشرح عبد الله كنون، ونقتبس منها أبياتا سهلة لندل بها على خصب شاعريته فمن ذلك قوله فيمن سماها لبنى:
تسبى بثغر أشنب ومرشف ... قد ارتوى من قرقف معتّق (١)
وزاد مسك الخال ورد خدّها ... حسنا وقد عمّ بطيب عبق
وقبّلت أقدامها ذوائب ... سود كقلب العاشق المحترق
كم أودعت فى مقلتى من سهر ... وأضرمت فى مهجتى من حرق
ولا يزال فى رياض حسنها ... يسرح فكرى ويجول رمقى
فهى تخلب من يراها بفمها الجميل وريقها الذى كأنه من خمر معتقة، وقد زاد مسك الخال ورد خدورها حسنا بشذاه العبق، وقبّلت ضفائرها أقدامها وهى شديدة السواد كقلب عاشقها المحترق، وقد أودعت مقلته سهرا متصلا، وأضرمت فى مهجته حرقا متقدة، وإن فكره ليسرح دائما فى رياض حسنها ويجول معه ما بقى من شعوره بالحياة. والقطعة تموج بالصور والأخيلة. ومن قوله فى الأرجوزة مفاخرا:
سل ابن خلدون علينا فلنا ... بيمن مآثر لم تمحق
بهم فخرت ثم زدت مفخرا ... بأدبى الغضّ وحسن منطقى
وزان علمى أدبى فلن ترى ... من شعره كشعرى المنمّق
فإن مدحت فمديحى يشتفى ... به كمثل العسل المروّق
وإن هجوت فهجائى كالشّجا ... يقف فى الحلق ومثل الشّرق (٢)
وهو يقول سل ابن خلدون عنا ويريد سل تاريخه وما اشتمل عليه من أسماء آبائه ومآثرهم وأمجادهم، ويذكر أنه يفخر بهم ويزداد فخرا بأدبه وحسن بيانه ومنطقه، وقد زان علمه أدبه، ولن ترى لأحد شعرا كشعرى المنمق، فإن مدحت فمديحى مثل العسل المصفى، وإن هجوت فهجائى غصص تعترض فى الحلق ويشرق أو يغص بها المهجوّون. وتوفى ابن الونان سنة ١١٨٧ هـ/١٧٧٣ م. وحسبنا من الشمقمقية هذه الأشعار الواضحة البينة، أما ما وراءها من أشعار أخرى فيكتظ بالألفاظ الحوشية، وبالأسماء والأمثال من جاهلية وإسلامية مما يكدّ القارئ ويحوجه فيها إلى كثير من الشرح والبيان.
стр. 5034
الفصل الخامس
طوائف من الشعراء
١ -
شعراء الغزل
الغزل من أهم موضوعات الشعر العربى، وقد نظمه شعراؤهم فى جميع عصورهم وأقاليمهم مصوّرين فيه عاطفة الحب الإنسانى وما تثير فيهم من المشاعر والخواطر. والشاعر تارة سعيد بحبه فى وصاله ووداعه، وتارة شقى محروم يتضرع ويستعطف ويتمنى ولو نظرة من بعيد. وقلما لا يتغنى شاعر عربى بالحب، فالشعراء جميعا يتغنون به حتى الفقهاء ومثلهم العلماء من كل صنف. ولكل وطن عربى مجلداته فى هذه العاطفة الخالدة وللمغرب الأقصى بدوره مجلداته، إذ نجده على ألسنة كثيرين من الشعراء والأدباء والعلماء معبرين فيه عن لحظاته الهنيئة من لقاءات صواحبهم ولحظاته المرة من هجرهن وانصرافهن عنهم دون وداع أو ما يشبه الوداع. وأول ما نلتقى به منهم فى عصر المرابطين بالمائة الخامسة للهجرة ابن القابلة السبتى إذ يقول (١):
ووجه غزال راق حسنا أديمه ... يرى الصبّ فيه وجهه حين يبصر
تعرّض لى عند اللقاء به رشا ... تكاد الحميّا من محيّاه تقطر
ولم يتعرّض كى أراه وإنما ... أراد يرينى أن وجهى أصفر
وهو يقول: بلغ وجه صاحبته من الجمال وشفافيته أن يظن مبصره أنه يرى فيه وجهه، وهى غزال أو رشا يكاد محياها يقطر خمرا ينتشى به مبصر وجهها كما ينتشى بشرب الخمر. ويتلطف فيقول إنها لم تتعرض له ليرى ما فى وجهها من بدائع الحسن، وإنما ليشعر بما حدث له فى قلبه من شدة الخفقان وفى وجهه من شدة الاصفرار حياء منها وانبهارا. ويقول ابن زنباع شاعر هذا العصر (٢):
لهواك فى قلبى كريقك فى فمى ... غيرى يقول الحبّ مرّ المطعم
فأدر علىّ بمقلتيك كئوسه ... حتى يدبّ خماره فى أعظمى (٣)
стр. 5035
إن التلدّد فى هواك تلذّذ ... لو كان أقتل من زعاف الأرقم (١)
يا أيها القمر الذى إنسانه ... يرمى أناسا للعيون بأسهم
لم أبد حبّك غير أن جوانحى ... فاضت به فيض الإناء المفعم
لا ذنب لى علم الذى أسررته ... نظرا ولم أرمز ولم أتكلم
فتلافنى قبل التّلاف فإننى ... من حمير وسيأخذونك فى دمى
وهو يخاطب صاحبته فيقول لها: غيرى يقول الحب مر، أما أنا فأقول حبك فى قلبى حلو كريقك فى فمى، ويتمنى عليها أن تدير كئوسه بعينيها الفاتنتين، حتى ينتشى بخماره الممتع. ويقول لها إن التلدد أو العذاب فى حبها له فى نفسه لذة لا تماثلها لذة، حتى لو كان قاتلا مثل سم الأفعوان. وإنها لقمر يرمى إنسان عينها بأسهم تصيب أفئدة الرجال، ويقول لها إننى لم أفش حبك غير أن جوانحى اكتظت به حتى فاضت به فيض الإناء المملوء إلى حوافيه، ولا ذنب لى كما تعلمين فإننى أسررت إليك نظرا لم يره أحد، ولم أنبئ به أحدا. ويتوسل إليها أن تتلافاه فتصله وتلقاه قبل هلاكه. ويقول إنه من حمير، وإن لم تستجب له وتركته يهلك فسيدركون فيها ثأر الأسد الضرغام. ويقول القاضى عياض (٢):
يا راحلين وبالفؤاد تحمّلوا ... أيرى لكم قبل الممات قفول
أما الفؤاد فعندكم أنباؤه ... ولواعج تنتابه وغليل (٣)
أترى لكم علم بمنتزح الكرى ... عن جفن صبّ ليله موصول
أودى بعزمة صبره وإبائه ... طرف أحمّ ومبسم مصقول (٤)
ما ضرّكم، وأضنّكم بتحيّة ... يحيى بها عند الوداع قتيل
إن البخيل بلحظة أو لفظة ... أو عطفة أو وقفة لبخيل
والقاضى عياض يقول إنهم رحلوا بصاحبته ورحل فؤاده معها، ويتمنى لو عادوا به مماته ويقول إن عندهم أنباء فؤاده وما يضطرب فيه من آلام الحب وحرقه، ويسألهم ألهم علم بالنوم الذى نزح عن جفون محب، ليله موصول بالسهر والسهاد، ولقد ذهب بصيره وإبائه عين ذات سواد جميل وفم يرتسم عليه ابتسام لطيف، ويقول: ما ضرّهم لو نوّلوه ما طلب وما أبخلهم بتحية ترد الحياة إلى قتيل، ويقول إن من لا تنيل صاحبها لحظة لقاء أو لفظة وداع أو عطفة أو وقفة لشديدة البخل على من يكنون لها حبا يستأثر بأفئدتهم وقلوبهم. ويتكاثر الغزل فى عصر الموحدين ويبرز فيه أو يشتهر شاعران هما أبو الربيع سليمان الموحدى وأبو حفص
стр. 5036
عمر بن عمر السلمى، وسنخص كلا منهما بترجمة. ومن شعراء العصر ابن عبدون المكناسى المتوفى سنة ٦٥٨ للهجرة، ومن غزلياته قوله (١):
يا جيرتى ومن استجرت بهم ... من جور عزّهم على ذلّى
عوّضتمونى بالوداد قلّى ... وأبدلتم الإنصاف بالمطل (٢)
ما هكذا فعل الكرام بمن ... منهم تعوّد أجمل الفعل
علّقت حبل محبّتى بكم ... بحياتكم لا تقطعوا حبلى
ما كان أندى ظلّ عيشتنا ... إذ كان منتظما بكم شملى
عودوا إلى عادات وصلكم ... لا تحرمونى لذّة الوصل
وإذا أبيتم غير جوركم ... فالجور منكم غاية العدل
إن شئتم قتلى فها أنا ذا ... لا تحذروا من طالب ذحلى (٣)
وهو يقول إنه يستجير من جور صاحبته وشعورها بالعزة على ذلّه وهوانه فقد أبدلته بالمودة بغضا وبإنصاف اللقاء ونعيمه مطلا، وليس ذلك بفعل الكرام ومن عوّدته أجمل الفعل ويذكر أنه علّق محبته بها أو بهم-كما يقول-فلا تقطعوا حبلى، وما كان أجمل عيشتنا حين كنا ننتظم معكم فى جماعة واحدة. ويضرع إليها-أو إليهم-أن لا يحرموه لذة الوصل، وحاشاكم أن تعقبوا الإخصاب والود بالجدب والبغض. وحتى إذا أبوا غير ظلمه فإنه يعده غاية العدل، وإن أرادوا قتله فليقتلوه غير حذرين فليس وراءه من يطلب ثأره. ونلتقى فى أوائل العصر المرينى بالشاعر الفذ مالك بن المرحل المتوفى سنة ٦٩٩ للهجرة، ومرّ بنا أن الأستاذ هلال ناجى نشر له فى المجلد الثالث من مجلة المورد ببغداد رسالتين فى عروض الدوبيت أو الرباعيات، عنى فى أولاهما بوزنه على فعلن متفاعلن فعولن فعلن، وفى ثانيتهما بوزنه الثانى فعلن فعلن مستفعلن مستفعلن، وأنشد له الأستاذ عبد الله كنون فى عروض الوزن الأول للدوبيت مجزوءا غزلية يقول فيها (٤):
يا عاذلتى إليك عنى ... لا تقرب ساحتى العواذل
مهلا فدمى له حلال ... ما أقبل فيه قول قائل
قد نمّ به شذا الغوالى ... إذ هبّ ونمّت الغلائل (٥)
والسّحر رسول مقلتيه ... ما أقرب عهده ببابل
والروض يعير وجنتيه ... وردّا كهواى غير حائل
يسبيك برقّة الحواشى ... عشقا ولطافة الشمائل
стр. 5037
وهو يقول لعاذلته ابتعدى عنى، فساحتى لا تقربها العواذل، وإن دمى لصاحبتى حلال ولا أقبل فيه قول قائل. وإن روائح الغوالى أو الطيب لترافقها وتنم عنها ثيابها، وإن عينيها لترسلان سحرا كأنه مجلوب توا من بابل بلدة الساحرين هاروت وماروت، وكأنى بالروض يعير وجنتيها وردا بديعا لا يذبل أبدا كحبها، وإنها لتسبيك بلطفها ورقتها ولطف شمائلها، مما يجعلك تعشقها عشقا متصلا. ويقول عبد المهيمن الحضرمى الوزير المرينى المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة (١):
كانوا نعيم فؤادى والحياة له ... فالآن كلّ وجود بعدهم عدم
بانوا فعاد نهارى كلّه ظلما ... وكان قربهم تمحى به الظّلم
والعين منّى لا ترقا مدامعها ... كأنها سحب تهمى وتنسجم
تبكى عهود وصال منهم سلفت ... كأنما هنّ فى إنسانها حلم
لئن ضحكت سرورا بالوصال لقد ... بكيت حزنا عليهم والدموع دم
هم علّمونى البكا ما كنت أعرفه ... يا ليتهم علّمونى كيف أبتسم
وهو يفدى بنفسه عهدا جميلا استطاب له العيش فيه وجيرة كان يأنس بوصلهم، وكانوا نعيم فؤاده وحياته، ورحلوا فأصبح كل وجود بعدهم كأنه عدم، وأصبح النهار كله ظلمات بعضها فوق بعض وكان يمحى بقربهم كل ظلمة وكل ظلام، وإنه ليبكيهم ولا تجف دموعه كأنها سحب تهمى مدرارا، وعينه تبكى عهدا يبدو فى إنسانها وكأنما كان حلما، ولئن ضحك سرورا بهم قديما لقد أصبح يبكيهم بدموع قانية كأنها دماء مسفوحة، ويقول إنهم علموه البكا ولم يكن يعرفه، ويتمنى لو كانوا علموه كيف يبتسم إذا نزلت به المحن والخطوب. ونمضى إلى العصر السعدى ونلتقى فى كتاب روضة الآس للمقرى بمحمد الوجدى العماد المتوفى سنة ١٠٢٢ للهجرة، وله من قصيدة غزلية (٢):
إن الرشاقة واللطافة والصّبا ... حة والحلاوة والملاحة والحور
صيغت لمن أهوى وألبس سندسا ... منها وديباجا عليه قد ظهر
وإذا نظرت لوجهه ولعينه ... قلت الجمال من الخدود قد انفجر
عينى وأذنى فى النعيم بنظرة ... وبلفظة منه وقلبى فى سقر
هل عطفة أو زورة أو وقفة ... أو لفظة تقضى بإدراك الوطر
وهو يجمع لصاحبته فنون الحسن من الرشاقة واللطافة والصباحة والحلاوة والملاحة وحور العين الفاتنة، وكأنما صيغ لها من كل ذلك سندسا وديباجا لبسته، وإنك لتخال كأنما الجمال اجتمع بكل فتنه فى وجهها، وإنه ليخال كأنما عينه حين تنظر إليها وأذنه حين تصغى لها، كأنما هما فى نعيم الفردوس، بينما قلبه فى جحيم من الحب ولوعاته، ويتمنى عطفة منها إليه
стр. 5038
أو زورة أو وقفة، أو حتى لفظة يدرك بها مناه. ويقول أبو سالم العياشى المتوفى سنة ١٠٥١ للهجرة فى وداعه الرائع (١) لزوجته:
ولم أنسها يقظانة الهمّ فى الحشا ... مبلبلة الأشجان وسنانة الطّرف
تقول وقد حلّ الرحيل أهكذا ... تحمّلنى ثقل الفراق على ضعفى
أتترك أفراخا كزغب القطا وما ... رحمت بنيك إذ سلوت عن الإلف (٢)
فقلت لها كفّى الملام فأعرضت ... كخشف النّقا تستعرض الدمع بالكف (٣)
فودّعتها والقلب منطبق على ... أساه ودمعى لا يملّ من الوكف (٤)
عليك سلام لا زيارة بيننا ... مع البعد إلا أن أزور مع الطّيف
وهو يقول إنه ودعها صباحا وأشجانها تملأ صدرها، ولا تزال سنة من النوم عالقة بطرفها، وتقول له وقد أزف الرحيل: أتتركنى أتحمّل أثقال الفراق على ضعفى. أتترك أبناء صغارا كأولاد القطا لم يطل ريشهم، فهلا رحمتهم حين سلوتنى ولم ترحل؟ فقلت لها كفى عن الملام، وظلت تذرف الدمع. وودعها وقلبه يكتظ بالأسى والحزن، ودمعه يتقاطر ولا يكف، وسلّم عليها، وهو يقول فى نفسه لن أزورك مع البعد إلا أن أزورك فى الحلم مع الطيف. ويتكاثر الغزل فى العصر العلوى، ومن مختاره قول أبى عبد الله الشرقى المتوفى سنة ١١٧٠ للهجرة (٥):
من لى بها تختال فى حليها ... كروضة تختال فى زهرها
فبشرها أرحب من بشرها ... ونشرها أطيب من نشرها (٦)
وخدّها أبهج من وردها ... ونورها ألطف من نورها (٧)
وقدّها أرفع من غصنها ... ووجهها أبيض من فجرها
العيش والجنّة فى وصلها ... والموت والنيران فى هجرها
وهو محب لصاحبته أشد الحب، ونتراءى له فى حليها تختال كروضة فى زهرها، ويستمر فى المقارنة، فبشرها وتهلل وجهها أرحب من بشر الروضة وتهللها، وعطرها أطيب من عطرها وخدها يفوق وردها فيما يبعث فى نفس الناظر إليها من البهجة والسرور. ونورها يفوق زهر الروض لطفا وحسنا، وقدها نحيل ممشوق أرفع من غصن الروضة، ووجهها يفوق فى بياضه بياض فجرها، وما وصلها إلا الحياة والفردوس وما هجرها إلا الموت والجحيم.
стр. 5039
وحرى بنا أن نتوقف قليلا بإزاء شاعرين غزلين كبيرين من شعراء عصر الموحدين، هما أبو الربيع الموحدى وعمر السلمى.
أبو الربيع (١) الموحدى
هو أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن، فهو من أسرة الموحدين الحاكمة، وقد عنى أبوه بتربيته، فنشأ أديبا شاعرا، ولا يعرف تاريخ ميلاده، والمظنون أنه ولد حوالى منتصف القرن السادس، وعاش حتى أوائل القرن السابع إذ توفى سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٨ م ونرى العلاقة سيئة بينه وبين ابن عمه الخليفة يعقوب فى أوائل توليه الحكم (٥٨١ - ٥٩٥ هـ) وما زال يستعطفه حتى عفا عنه وأصبح من كبار رجال دولته، وأخذ يعقوب يكلفه بكثير من الأعمال المدنية والحربية فأدّاها على خير وجه، وجعلته هذه الصلة بابن عمه والدولة يعيش فى رفاهية من العيش، مما جعله يكثر من الخمريات كما جعله يعيش لعواطفه الشخصية وخاصة فى الحب والغزل، وهما يستغرقان الشطر الأكبر من ديوانه من مثل قوله:
حسب الهوى من قتيل الحب مصرعه ... وحسبه منه ما تحويه أضلعه
قالوا تعزّ وقد بانوا فقلت لهم ... كيف العزاء وأدنى البين أوجعه
لا عذّب الله قلبا بالفراق ولا ... سقاه من صابه ما بتّ أجرعه
لا تعذلونى فما أصغى لعذلكم ... صمّت عن العذل أذنى ليس تسمعه
وهو يقول يكفى المحب مصرعه وما تحويه منه أضلعه، وهو يحاول كتمان أساه وضناه، وعبثا يستطيع ذلك ويقول الناس له تعزّ عن صاحبتك حين رحلت، ويجيبهم كيف أتعزى ومواجع البين آخذة يتلابيبى، ويدعو الله أن لا يعذب بالبين والفراق قلبا ولا يسقيه ما يتجرعه من المرّ والعذاب، ويقول لعذاله لا تعذلونى فلست أصغى إلى عذلكم إذ أصاب أذنى صمم فلا تسمعه. ويقول:
كيف التصبّر والأشواق تزداد ... والدار تناى وما للوصل ميعاد
وكلما قربت منى دياركم ... ينأى المزار كأنّ القرب إبعاد
والقلب فى حرق والجفن فى أرق ... وللبلابل إصدار وإيراد (٢)
إنّي وإن فاتنى عيد بربعكم ... حسبى بلقياك أعراس وأعياد
إنه لا يستطيع صبرا عن رؤية صاحبته، فالأشواق تزداد، ودارهم تبتعد، وليس للوصل ميعاد. ويقول إن ديارهم كلما قربت منه نأت الزيارة، وكأن القرب تحول نوعا من الإبعاد، وقلبه فى حرق من الحب، وجفنه فى أرق والبلابل أو الشجون تقلقه، ويقول إنه إن فاته العيد فى ديارهم، فلقاؤها أعراس وأعياد تنتظره. ويقول:
стр. 5040
الشوق يزداد إذ تدنو بك الدار ... فهل على الشوق أعوان وأنصار
ما باختيارى نأت بى الدار يا أملى ... وليس غير دنوّى منك أختار
ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... إلا وفى النفس من تذكاركم نار
ولا نظرت إلى شئ فأعجبنى ... مذ فارقت وجهك المحبوب أبصار
الله يعلم أن القلب عندكم ... وإن تناءت به عن إلفه الدار
ما ضر طيفكم لو زارنى بدلا ... منكم وطيف حبيب النفس زوّار
الذنب للنوم لا للطّيف يا سكنى ... وكيف يطرقنى والنوم فرّار
وشوقه يزداد كلما دنت منه دارها وكأنما له أنصار وأعوان يساعدونه، ويقول إنه ليس باختياره بعد دارها عنه، إذ يختار دائما دنوها وقربها، ويقول إنه لم يسر ميلا ولا مرحلة إلا وتشتعل ذكراها فى نفسه، ولم يشغل نظره بشئ بعد رؤية وجهها المحبوب، ولكأنما رحل عنه قلبه معها، ويعجب أن طيفها لا يزوره بينما طيف الأحبة دائما زوار للمحبين، ويعتذر عنه، فالذنب للنوم لا للطيف، لأنه لا ينام إذ يبيت دائما مسهّدا لا يفكر فى شئ سواها. ويقول:
يا مزمع البين فى ترحالك الأجل ... وأنت لاه بحبّ البين مشتغل
إنّي لأعظم أن تمضى وتتركنى ... والدمع يهمى ونار الوجد تشتعل
فلا تروع فؤادا أنت ساكنه ... بالبين منك فإنى واله خبل
لم يدر قومك ماذا فى ترحّلهم ... من الذنوب ولو يدرون ما رحلوا
سروا-بزعمهم-ليلا وما علموا ... بأنهم فى فؤادى حيثما نزلوا
وهو يخاطب صاحبته المصممة على الرحيل، ففى رحيلها موته إذ سترحل بحبيبة قلبه، وهو يعظم أن ترحل وتتركه لعذابه، والدمع يهطل ونار الحب والوجد تشتعل، ويقول لها لا تروّعى فؤادى بالبين فإننى فى غاية الحزن وأكاد أجن، ولم يدر قومك ما فى ترحلهم من الذنوب والآثام بسببى ولو عرفوا ذلك ما رحلوا، وقد ساروا ليلا وما علموا أنهم دائما فى فؤادى أذكرهم وأذكرك ذكرى متصلة. ويقول:
أقول لركب أدلجوا بسحيرة ... قفوا ساعة حتى أزور ركابها
وأملأ عينى من محاسن وجهها ... وأشكو إليها أن أطالت عتابها
فإن هى جادت بالوصال وأنعمت ... وإلا فحسبى أن رأيت قبابها
وقفت بها أشكو وأسكب عبرة ... على غير بين ما عرفت انسكابها
فأومت برخص من بنان مخضّب ... وحطّت على البدر المنير نقابها
وقالت أيبكى البين من قد أراده ... ويشكو النّوى من قد أثار غرابها
стр. 5041
وهو يضرع إلى ركب صاحبته الذى سار بها سحرا أن يتوقف ساعة ليزور ركابها ويملأ عينه من محاسن وجهها، ويشكو إليها طول عتابها، فإن هى نعمت بالوصال فبها وإلا فحسبه أن رأى قبابها وخيامها، ويقول إنه وقف بها يشكو ويسكب عبراته التى لا يسكبها فى غير بين، وكأنما عطفت عليه فأومت ببنان غضّ مخضب وقد وضعت نقابها على وجهها المنير كالبدر فى اكتماله، وعاتبته قائلة أتبكى من البين وأنت الذى أردته وتشكو النوى والفراق وأنت الذى أثرت غرابه. وواضح أنه يتميز بموسيقى عذبة وقلما يضنى فى شعره أو فى حبه، لأنه أمير مترف، وشعره لذلك ليس فيه تعمق فى وصف دقائق الحب ومعانيه.
عمر (١) السلمى
هو أبو حفص عمر بن عمر السلمى ، ولد بأغمات سنة ٥٣٠ هـ/١١٣٦ م، وعنى به أبوه، وصحبه معه وهو قاض بفاس فأكبّ بها على حلقات الفقهاء والأدباء، وأعدّه إكبابه على الفقه والحديث النبوى ليتولى منصب القضاء فى تلمسان وفاس وإشبيلية. وكان مع إحسانه للفقه والفتاوى الدينية شاعرا مجيدا، وله مدائح فى يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب، واشتهر فى البيئتين: المغربية والأندلسية بشعره فى الغزل، وأخذه عليه بعض المتزمتين ولم يصغ لهم، ويقول مترجموه إنه كان يعنى بمسكنه وملبسه وزينته عناية الشعراء الفنانين من أمثاله، ومن غزلياته قوله:
أعيذك يا سليمى من سليم ... قتلت فتاهم وهو الزعيم
قتيل الحبّ لا يودى وعاني ... هـ لا يفدى ولا فيه الخصوم (٢)
ومالى طالب بترات قتلى ... إذا قتل الغرام فلا غريم
فؤادى سار نحوك عن ضلوع ... بها يا ريم حبّك لا يريم (٣)
ودادك صحّ فى قلب سقيم ... كطرفك صحّ ناظره السقيم
إذا أعرضت تسودّ الأمانى ... وإن أقبلت تبيضّ الهموم
وما حبّى لها إلا عذاب ... عليه من نضارتها نعيم
وقد اختار لصاحبته اسم سليمى ليجانس بينها وبين اسم قبيلته سليم وفى ذلك تكلف واضح، ويلقب نفسه بالزعيم فخرا لا يستحب فى الغزل، ويقول لها إن قتيل الحب لا يؤخذ بثأره ولا يفدّى، وإنه ليس له طالب بثأره إذا قتله الغرام، وحبها مستقر بين ضلوعه لا يبرحها.
стр. 5042
وإنما سماها فى البيت الرابع ريما ليجانس بين اسمها والفعل فى آخر البيت، ويقول إن قلبه سقيم مثل طرفها، ويعنى فى البيت السادس بالطباق بين اسوداد الأمانى وابيضاض الهموم، ويقول إن عذابه فى حبها عليه أثارة من نضارتها. وفى رأيى أن السلمى لم يكن على طبيعته حين نظم هذه المقطوعة، ولذلك تكلف فيها ألوانا من التكلف. ويقول:
أغار على الصبّ من أنّبه ... هو الحبّ من يطفه ألهبه
نأى القلب عنى وشوقى معى ... فلله أمرى ما أعجبه
يحنّ فؤادى إلى قاتلى ... كذاك الهوى عند من جرّبه
يجود لمسخطه بالرضا ... ويطلب راحة من أتعبه
إذا شفّ قلبى غرام الهوى ... دعا بالنعيم لمن عذّبه
وهو يقول إن شخصا نزل بالمحب أنّبه، وكأنه لا يعرف أن من يريد أن يطفئ الحب بالتأنيب أو باللوم يشعله، ويعجب أن قلبه رحل مع صاحبته ولا يزال ما كان يختلج فيه من أشواقه معه، وإن فؤاده يحنّ دائما إلى رؤية صاحبته قاتلته شأن المحبّين جميعا. ويجود المحبوب بالرضا لمن أسخطه، ويطلب الراحة لمن أتعبه، ويقول إن الغرام كلما أضنى قلبه وشفّه دعا بالنعيم لمن عذبه. وهى رقة واضحة فى الغزل. ومن قوله فى جمال الأعرابيات بالقياس إلى الحضريات مستلهما المتنبى وإعجابه المعروف بالبدويات:
مها القفر لا دمية المرمر ... وفى العرب لا فى بنى الأصفر (١)
بنفسى يعافير تلك الخيام ... ومسرحها فى النّقا الأعفر (٢)
ملاعب يصبو إليها الحكيم ... ويسلب فيها فؤاد الجرى
وفيها الظباء بنات الأسود ... غيارى متى بغمت تزأر (٣)
فخيس الهزبر كناس الغزال ... به الشّبل ناش مع الجؤذر (٤)
يخالسها نظرا تحته ... غرام به الحىّ لم يشعر
وباللحظ يقدح زند الهوى ... فطرف غر وفؤاد برى
وهو يفضل جميلة القفر البدوية على دمية المرمر الحضرية، ويكفى أن يسميها دمية فليس فيها حيوية البدوية ولا نضرتها، ويقول إنه يفدى بنفسه وروحه ظباء تلك الخيام وملاعبها فى الرمل المغبر. ويقول إنها ملاعب تجذب الرجل الحكيم وتسلب فؤاد الجريء الشجاع، فيها الظباء كريمات الرجال الأسود اللائى إذا صحن ظننت أنهن يزأرن، وكأنما بيت هذا
стр. 5043
الغزال أجمة أسود، به الشبل ناشئ مع بنت عمه التى تشبه ابنة البقرة الوحشية، وكل منهما يختلس النظر إلى الآخر تعبيرا عن غرام مكتنّ لا يشعر به الحى، وباللحظ وحده يضطرم الهوى، وطرف يغرى به وفؤاد لا يزال طاهرا بريئا. وهى لوحة بديعة لفتيات البادية. ومن قوله متغزلا:
هذا فؤادى أقصدته الأسهم ... من ذا يرى تلك الجفون ويسلم (١)
يا غرّة حكم الجمال لها على ... شمس الضحى وأصاب فيما يحكم
يضحى الخلىّ إذا رآها عاشقا ... والعقل توقظه اللحاظ النّوّم
وكأن قامتها ونغمة لفظها ... غصن عليه بلبل يترنّم
فقد أصابت فؤاده الأسهم المصوبة من عينى صاحبته، ويقول إن أحدا لا يسلم من تلك السهام إذا نظر إلى جفونها الجميلة، ويقول إنها غرة شديدة البياض حتى ليحكم الجمال لها على شمس الضحى، وهو مصيب فى حكمه، وإن الخلىّ الذى لم يتعود الحب حين يراها يصبح عاشقا للحاظها الفاترة الجميلة، ويشطح به الخيال، فيقول إنه يخيل إليك وقد رأيت قامتها الممشوقة تصدح بالغناء أنك ترى غصنا يتغنى فوقه بلبل جميل-ويقول:
هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب عقل شاربها المدام
يخاف الناس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام
سما طرفى إليها وهو باك ... وتحت الشمس ينسكب الغمام
وأذكر قدّها فأتوح وجدا ... على الأغصان تنتدب الحمام
وأعقب بينها فى الصّدر غمّا ... إذا غربت ذكاء أتى الظلام
وهى قطعة بديعة بتصاويرها الرائعة، فحين نظروا إلى لواحظها سكروا وهاموا كشارب للخمر لم تبق له من عقله شيئا، والناس لفتنة عينيها يخافون من النظر إليها وطبيعى أن لا تخاف لأن الحسام لا يخيف حامله. وقد نظر إليها طرفه باكيا، وكأنها الشمس ينسكب تحتها الغمام، ويقول إنه يذكر قدها الممشوق فينوح كما ينوح الحمام على الأغصان، وإن بينها وبعدها أنشأ فى صدره غما كما ينشأ الظلام حين تغرب الشمس. وهى مقابلات فى غاية الطرافة وتدل على شاعرية خصبة. وقبيل وفاته سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٨ م نظم أشعارا زاهدة كثيرة.
٢ -
شعراء الوصف
الوصف قديم فى الشعر العربى يصف فيه الشعراء الطبيعة برياضها وأزهارها وحيوانها وصحرائها وزروعها حتى إذا تحضروا وصفوا القصور وأدوات الحضارة وملاهيهم المختلفة،
стр. 5044
ولم تقع أعينهم على شئ من أرض أو سماء إلا سجلوه ووصفوه، يصفون الأنهار والبحار والسفن كما يصفون النجوم والشمس والقمر والسحب والأمطار والطير. وكما وصفوا السهول والوديان وصفوا الجبال والكثبان والأشجار والغابات. ونجد الوصف على كل لسان منذ عصر المرابطين، من مثل قول القاضى ابن زنباع فى وصف الربيع (١):
أبدت لنا الأيام زهرة طيبها ... وتسربلت بنضيرها وقشيبها
واهتزّ عطف الأرض بعد خشوعها ... وبدت بها النعماء بعد شحوبها
وتطلّعت فى عنفوان شبابها ... من بعد ما بلغت عتىّ مشيبها
وقفت عليها السّحب وقفة راحم ... فبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكت ... ببكائها وتباشرت بقطوبها
وتسربلت حللا تجرّ ذيولها ... من لدمها فيها وشقّ جيوبها (٢)
وهو يقول إن الأيام أبدت لنا أروع طيب لديها: طيب الربيع، ولبست أروع حللها وأجدّها، واهتزت جوانب الأرض خصبا بعد جدبها، وتراءت النعماء فتية بعد شحوبها، وتطلعت لمفاتنها فى عنفوان شبابها بعد أن كانت شابت وبلغت من شيخوخة الجدب عتيّا، فقد وقفت عليها السحب راحمة لها عاطفة وبكت لها بكاء حارّا، ويقول إنه عجب للأزهار تضحك وتبتهج لبكائها وعبوسها، وسرعان ما لبست حللا سابغة بما حدث لها من ضرب الأمطار لها وشق مداخلها. ولما جاء الموحدون بالقاضى عياض مغلولا من سبتة إلى مراكش ومر بواد يقال له «داى» سمع قمرية تسجع، فقال (٣):
أقمريّة الأدواح بالله طرّبى ... أخا شجن بالنّوح أو بغناء (٤)
فقد أرّقتنى من هديلك رنّة ... تهيّج من برحى ومن برحائى (٥)
لعلك مثلى يا حمام فإننى ... غريب بداى قد بليت بداء
فكم من فلاة بين داى وسبتة ... وخرق بعيد الخافقين قواء (٦)
يذكرنى سحّ المياه بأرضها ... دموعا أريقت يوم بنت ورائى
ويعجبنى فى سهلها وحزونها ... خمائل أشجار ترفّ رواء (٧)
لعل الذى كان التفرّق حكمه ... سيجمع منا الشمل بعد تناء
وهو يقول لقمرية الأشجار طربّى أخاهم وشجن بالنوح أو بالغناء فقد أسهرنى من غنائك رنّة هيجت من شدائدى، لعلك مثلى غريبة تنوحين على قرينك وأولادك، وكم من فلاة بين
стр. 5045
داى وسبتة وكم من مفازة متباعدة الجانبين مقفرة، وإن سحّ المياه بأرضها ليذكرنى دموع زوجتى وأولادى ورائى يوم رحلت، وإنّي لتعجبنى خمائل داى الناضرة ذات المنظر الجميل، ولعل الله الذى حكم بالتفرق بينى وبين أهلى يجمع الشمل بعد فراق وبعد بعيد. ويقول أبو الربيع الموحدى فى وصف الربيع (١):
حىّ الربيع بما وشّت أزاهره ... ونظّمت من أكاليل على الشّجر
ودبّجت فوق متن الروض من حلل ... ونمّقته بألوان من الزّهر
من نرجس ساحر الألحاظ ذى غنج ... ومن أقاح نقىّ الثّغر ذى أشر (٢)
بما تضوّع روض الزهر غبّ حيّا ... تأكّد الشكر للنّعما على البشر
لا يحسب الناس أن الروض فاح لهم ... طوعا ولكنّه يثنى على المطر
وهو يطلب من كل قارئ له أن يحيى الربيع بما وشت ونقشت أزاهره وبما نسقت من تيجان الزهر على الشجر وبما زينت الروض من حلل نمّقتها بألوان من الزهر: من نرجس مدلّ ساحر الألحاظ ومن أقاح ذى حزوز نقى الثغر، وقد وجب الشكر على الناس لهذه النعمة العظيمة مما ينشر روض الزهر عقب الحيا أو المطر من عطر زكى، ولا يظن الناس أن الروض فاح به لهم، وإنما فاح به ثناء وشكرا للمطر. ويقول أبو القاسم الشريف السبتى المشهور بالغرناطى المتوفى سنة ٧٦٠ فى ناعورة (٣) (ساقية):
وذات سير إذا حثّت ركائبها ... حنّت فراقتك فى مرأى ومستمع
كأنها فلك دارت كواكبه ... على الرياض بنوء غير منقشع
تماثل السّحب صوبا بل تخالفها ... إذا استهلّ حيا الهتّانة الهمع (٤)
هذى من الماء تعلو كلّ منخفض ... وتلك تنزل منه كلّ مرتفع
يقول إنها إذا أسرعت دواليبها سمعت صوتا فيه حنان فراقتك فى منظرها وصوتها، وكأنها فلك دارت كواكبه أو دواليبه على الرياض بمطر مستمر لا ينقشع. ويقول إنها تماثل السحب فيما تسقط من مطرها، ويعود، فيقول بل تخالفها إذا انهمرت أمطارها، فالناعورة تسقى كل منخفض بينما السحب تسقى المرتفعات من الجبال والتلال. ويقول فى وصف سفينة تمخر به البحر:
وغريبة الإنشاء سرنا فوقها ... والبحر يسكن تارة ويموج
عجنا نؤمّ بها معاهد طالما ... كرمت فعاج الأنس حيث تعوج
وامتدّ من شمس الأصيل أمامنا ... نور له مرأى هناك بهيج