← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

وهو يضرع إلى ركب صاحبته الذى سار بها سحرا أن يتوقف ساعة ليزور ركابها ويملأ عينه من محاسن وجهها، ويشكو إليها طول عتابها، فإن هى نعمت بالوصال فبها وإلا فحسبه أن رأى قبابها وخيامها، ويقول إنه وقف بها يشكو ويسكب عبراته التى لا يسكبها فى غير بين، وكأنما عطفت عليه فأومت ببنان غضّ مخضب وقد وضعت نقابها على وجهها المنير كالبدر فى اكتماله، وعاتبته قائلة أتبكى من البين وأنت الذى أردته وتشكو النوى والفراق وأنت الذى أثرت غرابه. وواضح أنه يتميز بموسيقى عذبة وقلما يضنى فى شعره أو فى حبه، لأنه أمير مترف، وشعره لذلك ليس فيه تعمق فى وصف دقائق الحب ومعانيه. عمر (١) السلمى هو أبو حفص عمر بن عمر السلمى ، ولد بأغمات سنة ٥٣٠ هـ/١١٣٦ م، وعنى به أبوه، وصحبه معه وهو قاض بفاس فأكبّ بها على حلقات الفقهاء والأدباء، وأعدّه إكبابه على الفقه والحديث النبوى ليتولى منصب القضاء فى تلمسان وفاس وإشبيلية. وكان مع إحسانه للفقه والفتاوى الدينية شاعرا مجيدا، وله مدائح فى يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب، واشتهر فى البيئتين: المغربية والأندلسية بشعره فى الغزل، وأخذه عليه بعض المتزمتين ولم يصغ لهم، ويقول مترجموه إنه كان يعنى بمسكنه وملبسه وزينته عناية الشعراء الفنانين من أمثاله، ومن غزلياته قوله: أعيذك يا سليمى من سليم ... قتلت فتاهم وهو الزعيم قتيل الحبّ لا يودى وعاني ... هـ لا يفدى ولا فيه الخصوم (٢) ومالى طالب بترات قتلى ... إذا قتل الغرام فلا غريم فؤادى سار نحوك عن ضلوع ... بها يا ريم حبّك لا يريم (٣) ودادك صحّ فى قلب سقيم ... كطرفك صحّ ناظره السقيم إذا أعرضت تسودّ الأمانى ... وإن أقبلت تبيضّ الهموم وما حبّى لها إلا عذاب ... عليه من نضارتها نعيم وقد اختار لصاحبته اسم سليمى ليجانس بينها وبين اسم قبيلته سليم وفى ذلك تكلف واضح، ويلقب نفسه بالزعيم فخرا لا يستحب فى الغزل، ويقول لها إن قتيل الحب لا يؤخذ بثأره ولا يفدّى، وإنه ليس له طالب بثأره إذا قتله الغرام، وحبها مستقر بين ضلوعه لا يبرحها.

стр. 5042

وإنما سماها فى البيت الرابع ريما ليجانس بين اسمها والفعل فى آخر البيت، ويقول إن قلبه سقيم مثل طرفها، ويعنى فى البيت السادس بالطباق بين اسوداد الأمانى وابيضاض الهموم، ويقول إن عذابه فى حبها عليه أثارة من نضارتها. وفى رأيى أن السلمى لم يكن على طبيعته حين نظم هذه المقطوعة، ولذلك تكلف فيها ألوانا من التكلف. ويقول: أغار على الصبّ من أنّبه ... هو الحبّ من يطفه ألهبه نأى القلب عنى وشوقى معى ... فلله أمرى ما أعجبه يحنّ فؤادى إلى قاتلى ... كذاك الهوى عند من جرّبه يجود لمسخطه بالرضا ... ويطلب راحة من أتعبه إذا شفّ قلبى غرام الهوى ... دعا بالنعيم لمن عذّبه وهو يقول إن شخصا نزل بالمحب أنّبه، وكأنه لا يعرف أن من يريد أن يطفئ الحب بالتأنيب أو باللوم يشعله، ويعجب أن قلبه رحل مع صاحبته ولا يزال ما كان يختلج فيه من أشواقه معه، وإن فؤاده يحنّ دائما إلى رؤية صاحبته قاتلته شأن المحبّين جميعا. ويجود المحبوب بالرضا لمن أسخطه، ويطلب الراحة لمن أتعبه، ويقول إن الغرام كلما أضنى قلبه وشفّه دعا بالنعيم لمن عذبه. وهى رقة واضحة فى الغزل. ومن قوله فى جمال الأعرابيات بالقياس إلى الحضريات مستلهما المتنبى وإعجابه المعروف بالبدويات: مها القفر لا دمية المرمر ... وفى العرب لا فى بنى الأصفر (١) بنفسى يعافير تلك الخيام ... ومسرحها فى النّقا الأعفر (٢) ملاعب يصبو إليها الحكيم ... ويسلب فيها فؤاد الجرى وفيها الظباء بنات الأسود ... غيارى متى بغمت تزأر (٣) فخيس الهزبر كناس الغزال ... به الشّبل ناش مع الجؤذر (٤) يخالسها نظرا تحته ... غرام به الحىّ لم يشعر وباللحظ يقدح زند الهوى ... فطرف غر وفؤاد برى وهو يفضل جميلة القفر البدوية على دمية المرمر الحضرية، ويكفى أن يسميها دمية فليس فيها حيوية البدوية ولا نضرتها، ويقول إنه يفدى بنفسه وروحه ظباء تلك الخيام وملاعبها فى الرمل المغبر. ويقول إنها ملاعب تجذب الرجل الحكيم وتسلب فؤاد الجريء الشجاع، فيها الظباء كريمات الرجال الأسود اللائى إذا صحن ظننت أنهن يزأرن، وكأنما بيت هذا

стр. 5043

الغزال أجمة أسود، به الشبل ناشئ مع بنت عمه التى تشبه ابنة البقرة الوحشية، وكل منهما يختلس النظر إلى الآخر تعبيرا عن غرام مكتنّ لا يشعر به الحى، وباللحظ وحده يضطرم الهوى، وطرف يغرى به وفؤاد لا يزال طاهرا بريئا. وهى لوحة بديعة لفتيات البادية. ومن قوله متغزلا: هذا فؤادى أقصدته الأسهم ... من ذا يرى تلك الجفون ويسلم (١) يا غرّة حكم الجمال لها على ... شمس الضحى وأصاب فيما يحكم يضحى الخلىّ إذا رآها عاشقا ... والعقل توقظه اللحاظ النّوّم وكأن قامتها ونغمة لفظها ... غصن عليه بلبل يترنّم فقد أصابت فؤاده الأسهم المصوبة من عينى صاحبته، ويقول إن أحدا لا يسلم من تلك السهام إذا نظر إلى جفونها الجميلة، ويقول إنها غرة شديدة البياض حتى ليحكم الجمال لها على شمس الضحى، وهو مصيب فى حكمه، وإن الخلىّ الذى لم يتعود الحب حين يراها يصبح عاشقا للحاظها الفاترة الجميلة، ويشطح به الخيال، فيقول إنه يخيل إليك وقد رأيت قامتها الممشوقة تصدح بالغناء أنك ترى غصنا يتغنى فوقه بلبل جميل-ويقول: هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب عقل شاربها المدام يخاف الناس مقلتها سواها ... أيذعر قلب حامله الحسام سما طرفى إليها وهو باك ... وتحت الشمس ينسكب الغمام وأذكر قدّها فأتوح وجدا ... على الأغصان تنتدب الحمام وأعقب بينها فى الصّدر غمّا ... إذا غربت ذكاء أتى الظلام وهى قطعة بديعة بتصاويرها الرائعة، فحين نظروا إلى لواحظها سكروا وهاموا كشارب للخمر لم تبق له من عقله شيئا، والناس لفتنة عينيها يخافون من النظر إليها وطبيعى أن لا تخاف لأن الحسام لا يخيف حامله. وقد نظر إليها طرفه باكيا، وكأنها الشمس ينسكب تحتها الغمام، ويقول إنه يذكر قدها الممشوق فينوح كما ينوح الحمام على الأغصان، وإن بينها وبعدها أنشأ فى صدره غما كما ينشأ الظلام حين تغرب الشمس. وهى مقابلات فى غاية الطرافة وتدل على شاعرية خصبة. وقبيل وفاته سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٨ م نظم أشعارا زاهدة كثيرة. ٢ - شعراء الوصف الوصف قديم فى الشعر العربى يصف فيه الشعراء الطبيعة برياضها وأزهارها وحيوانها وصحرائها وزروعها حتى إذا تحضروا وصفوا القصور وأدوات الحضارة وملاهيهم المختلفة،

стр. 5044

ولم تقع أعينهم على شئ من أرض أو سماء إلا سجلوه ووصفوه، يصفون الأنهار والبحار والسفن كما يصفون النجوم والشمس والقمر والسحب والأمطار والطير. وكما وصفوا السهول والوديان وصفوا الجبال والكثبان والأشجار والغابات. ونجد الوصف على كل لسان منذ عصر المرابطين، من مثل قول القاضى ابن زنباع فى وصف الربيع (١): أبدت لنا الأيام زهرة طيبها ... وتسربلت بنضيرها وقشيبها واهتزّ عطف الأرض بعد خشوعها ... وبدت بها النعماء بعد شحوبها وتطلّعت فى عنفوان شبابها ... من بعد ما بلغت عتىّ مشيبها وقفت عليها السّحب وقفة راحم ... فبكت لها بعيونها وقلوبها فعجبت للأزهار كيف تضاحكت ... ببكائها وتباشرت بقطوبها وتسربلت حللا تجرّ ذيولها ... من لدمها فيها وشقّ جيوبها (٢) وهو يقول إن الأيام أبدت لنا أروع طيب لديها: طيب الربيع، ولبست أروع حللها وأجدّها، واهتزت جوانب الأرض خصبا بعد جدبها، وتراءت النعماء فتية بعد شحوبها، وتطلعت لمفاتنها فى عنفوان شبابها بعد أن كانت شابت وبلغت من شيخوخة الجدب عتيّا، فقد وقفت عليها السحب راحمة لها عاطفة وبكت لها بكاء حارّا، ويقول إنه عجب للأزهار تضحك وتبتهج لبكائها وعبوسها، وسرعان ما لبست حللا سابغة بما حدث لها من ضرب الأمطار لها وشق مداخلها. ولما جاء الموحدون بالقاضى عياض مغلولا من سبتة إلى مراكش ومر بواد يقال له «داى» سمع قمرية تسجع، فقال (٣): أقمريّة الأدواح بالله طرّبى ... أخا شجن بالنّوح أو بغناء (٤) فقد أرّقتنى من هديلك رنّة ... تهيّج من برحى ومن برحائى (٥) لعلك مثلى يا حمام فإننى ... غريب بداى قد بليت بداء فكم من فلاة بين داى وسبتة ... وخرق بعيد الخافقين قواء (٦) يذكرنى سحّ المياه بأرضها ... دموعا أريقت يوم بنت ورائى ويعجبنى فى سهلها وحزونها ... خمائل أشجار ترفّ رواء (٧) لعل الذى كان التفرّق حكمه ... سيجمع منا الشمل بعد تناء وهو يقول لقمرية الأشجار طربّى أخاهم وشجن بالنوح أو بالغناء فقد أسهرنى من غنائك رنّة هيجت من شدائدى، لعلك مثلى غريبة تنوحين على قرينك وأولادك، وكم من فلاة بين

стр. 5045

داى وسبتة وكم من مفازة متباعدة الجانبين مقفرة، وإن سحّ المياه بأرضها ليذكرنى دموع زوجتى وأولادى ورائى يوم رحلت، وإنّي لتعجبنى خمائل داى الناضرة ذات المنظر الجميل، ولعل الله الذى حكم بالتفرق بينى وبين أهلى يجمع الشمل بعد فراق وبعد بعيد. ويقول أبو الربيع الموحدى فى وصف الربيع (١): حىّ الربيع بما وشّت أزاهره ... ونظّمت من أكاليل على الشّجر ودبّجت فوق متن الروض من حلل ... ونمّقته بألوان من الزّهر من نرجس ساحر الألحاظ ذى غنج ... ومن أقاح نقىّ الثّغر ذى أشر (٢) بما تضوّع روض الزهر غبّ حيّا ... تأكّد الشكر للنّعما على البشر لا يحسب الناس أن الروض فاح لهم ... طوعا ولكنّه يثنى على المطر وهو يطلب من كل قارئ له أن يحيى الربيع بما وشت ونقشت أزاهره وبما نسقت من تيجان الزهر على الشجر وبما زينت الروض من حلل نمّقتها بألوان من الزهر: من نرجس مدلّ ساحر الألحاظ ومن أقاح ذى حزوز نقى الثغر، وقد وجب الشكر على الناس لهذه النعمة العظيمة مما ينشر روض الزهر عقب الحيا أو المطر من عطر زكى، ولا يظن الناس أن الروض فاح به لهم، وإنما فاح به ثناء وشكرا للمطر. ويقول أبو القاسم الشريف السبتى المشهور بالغرناطى المتوفى سنة ٧٦٠ فى ناعورة (٣) (ساقية): وذات سير إذا حثّت ركائبها ... حنّت فراقتك فى مرأى ومستمع كأنها فلك دارت كواكبه ... على الرياض بنوء غير منقشع تماثل السّحب صوبا بل تخالفها ... إذا استهلّ حيا الهتّانة الهمع (٤) هذى من الماء تعلو كلّ منخفض ... وتلك تنزل منه كلّ مرتفع يقول إنها إذا أسرعت دواليبها سمعت صوتا فيه حنان فراقتك فى منظرها وصوتها، وكأنها فلك دارت كواكبه أو دواليبه على الرياض بمطر مستمر لا ينقشع. ويقول إنها تماثل السحب فيما تسقط من مطرها، ويعود، فيقول بل تخالفها إذا انهمرت أمطارها، فالناعورة تسقى كل منخفض بينما السحب تسقى المرتفعات من الجبال والتلال. ويقول فى وصف سفينة تمخر به البحر: وغريبة الإنشاء سرنا فوقها ... والبحر يسكن تارة ويموج عجنا نؤمّ بها معاهد طالما ... كرمت فعاج الأنس حيث تعوج وامتدّ من شمس الأصيل أمامنا ... نور له مرأى هناك بهيج

стр. 5046

فكأن ماء البحر ذائب فضّة ... قد سال فيه من النّضار خليج وهو يقول إنها سفينة بديعة الصنع سرنا عليها والبحر تارة يسكن وتارة يموج، وعرجنا نؤمّ أماكن طيبة وعرّج معها الأنس، وامتد أمامنا من شمس الأصيل نور بهيج، وكأن ماء البحر فضة ذائبة امتدت فوقه شمس الأصيل فاستحال خليجا من النضار أو الذهب. ويقول عبد المهيمن الحضرمى المتوفى سنة ٧٤٩ للهجرة فى وصف السّحر وانبثاق أضواء الفجر (١): تراءى سحير والنسيم عليل ... وللنّجم طرف بالصباح كليل وللفجر نهر خاضه الليل فاعتلت ... شوى أدهم الظلماء منه حجول (٢) فمزّق ساجى الليل منه شرارة ... وخرّق ستر الغيم منه نصول تبسّم ثغر الروض عنه ابتسامة ... وفاضت عيون للغمام همول (٣) ومالت غصون البان نشوى كأنها ... يدار عليها من صباه شمول (٤) وغنّت على تلك الغصون حمائم ... لهن حفيف دونها وهديل (٥) إذا سجعت فى لحنها ثم قرقرت ... يطيح خفيف دونها وثقيل (٦) وهو يقول إن السحر تراءى ومعه نسيم رقيق وأصاب طرف النجم ببعض الكلال، وكأنما الفجر نهر خاضه الليل فاعتلى أطراف حصان الظلماء بياض فى قوائمه، ومزقت منه شرارة سكون الليل وخرّق ستار الغيم منه ما يشبه نصول الرماح، وتبسم ثغر الروض، وفاض الغمام بسيول من المطر، وانتشت غصون البان وكأنما يدار عليها كئوس من ريح الصبا الجميلة، وأخذ الحمام يغنى على الغصون، ويسمع حفيفه وهو يسقط على الأغصان وترانيمه، ويقول إن الحمائم إذا ترنمت وردّدت صوتها فاق لجماله الخفيف والثقيل مما يلحّنه المغنون. وينشد أحمد بن يحيى الشّفشاوى المتوفى أيام المنصور السعدى سنة ١٠٠١ للهجرة فى روض (٧): أما ترى الطير بالأدواح ساجعة ... أدمت أناملها أوتار عيدان تحكى مزامير من لان الحديد له ... تشدو بالاجزال فى رصد وزيدان (٨) تنفى عن الصبّ ما بالقلب من كرب ... بل تترك الصبّ فى تيه الهوى عانى والبان يرقص من ترجيعها طربا ... والزهر يفترّ عن أثغار مرجان والماء منسكب والظلّ منسحب ... وللنسيم هبوب ينعش الفانى وهو يقول إن الطير يترنم فى الأشجار وقد أدمت أناملها الحمراء ما تقف عليه متغنية من

стр. 5047

أوتار العيدان تحكى بغنائها مزامير داود الذى ألان له الله الحديد، وتشدو بأنغام الرصد والزيدان، وتنحّى عن المحب ما بقلبه من كرب الحب بل تجعله كأنه أسير لحبه يردد صبابته فيه، والبان يرقص من ترديد صوتها وترنمها طربا، والزهر يضحك عن ثغور لؤلؤية، والأمطار تنسكب والظل ينسحب، ويهب نسيم منعش. ونمضى إلى بواكير العصر العلوى، ويقول أبو على اليوسى المتوفى سنة ١١٠٢ للهجرة فيما بين الزهر والمطر من علاقة قديمة (١): إن بين الغمام والزّهر الغ ... ضّ لرحما قديمة وإخاء بان إلف عن ألفه فتوارى ... فى الثّرى ذا وذاك حلّ السماء فإذا ما الغمام زارت جنابا ... آذنت فيه بالحبيب اللقاء ذكرت عهده القديم فحنّت ... عند لقياه فاستهلّت بكاء فترى الزّهر بارزا من خبايا ... هـ يحيّى الوفود والأصدقاء راقصا والصّبا تهنّيه والور ... ق غوانى القيان تشدو غناء وهو يقول إن بين الغمام والزهر مودة قديمة وإخاء، وقد بان كل عن صاحبه فالزهر توارى فى الثرى والغيم تعالى فى السماء، فإذا ما الغمام زار ناحية آذنت حبيبها فيه باللقاء ويذكر الغمام عهده القديم فيبكى بمطر منهمر، وترى الزهر بارزا من كل مكان يحيى وفود أصدقائه من الأمطار، وكأنه يرقص وريح الصبا تهنّيه، والحمام قيان الرياض يشدو غناء. ويقول ابن زاكور المتوفى سنة ١١٢٠ للهجرة يصف روضا (٢): مدّ للسّلوان أشراك النّظر ... فى ابتهاج الروض من وجد المطر وتلقّ الأنس عن آس الرّبى ... وارو طىّ النّور عن نشر السّحر وارتشف ثغر أقاح باسما ... واصطبح بالطلّ من كأس الزّهر والتثم وجه المنى مستبشرا ... حيث رام الغصن تقبيل النّهر وجلا الورد خدودا أشربت ... خمرة العقيان من فرط الخفر وحبا الخيرىّ أنفاس الصّبا ... نفحات أنشرت ميت الفكر وانبرى النّسرين يهدى ذهبا ... فى صحاف مترعات من درر نظّمت فى جيده أنداؤه ... عقد درّ كلما ماس انتثر وهو معجب بروض بديع، ويقول: مدّ فيه حبالات النظر لعلك تجلب لنفسك شيئا من ابتهاج الروض بما سقط عليه من المطر، وتلقّ الأنس فيه عن آس الربى البديع، وتمتع بروائح النور أو الزهر التى نشرها فى السحر، وارتشف السرور من ثغر الأقاح الباسم.

стр. 5048

وليكن صبوحك بالطل تنعم برؤيته فى كئوس الزهر، ولتلثم وتقبّل وجه الأمانى مستبشرا، حيث كل شئ من حولك ينعم بالقبل كما تقبّل الأغصان النهر، وأبدى الورد خدودا مشربة بحمرة الذهب من فرط الحياء والخفر، وآثر زهر الخيرىّ أنفاس الصبا بنفحات تحيى ميت الفكر، وأخذ زهر النسرين يهدى ذهبا فى صحاف مليئة بالدرر، ونظمت الأنداء فى جيد الروض عقد لآلئ كلما تحرك انتثر. وحرى بنا أن نتحدث عن وصاف كبير فى العهد السعدى. عبد (١) العزيز الفشتالى هو أبو فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالى، آباؤه من قبيلة فشتالة فى الشمال الغربى لفاس، ولذلك نسب إليها، وقد ولد سنة ٩٥٦ هـ/١٥٤٩ م وتوفى سنة ١٠٣١ هـ/١٦٢٢ م، وتتلمذ لأئمة عصره من الفقهاء والنحاة واللغويين، وأقبل على حفظ الشعر والنثر حتى نضجت ملكته الأدبية، مما جعله يلتحق بدواوين الدولة السعدية، وأعجب به المنصور الذهبى، فجعله على رأس دواوينه، وأخلص له أشد الإخلاص، فعاش يقدّم له مدائحه، ويؤرخ لدولته المنصورية السعدية، ووصفه المقرى فى كتابه: روضة الآس بقوله: «وزير القلم الأعلى، الوارد من البلاغة والبراعة المنهل الأحلى، نشأة الدولة المنصورية (دولة المنصور الذهبى) وكاتم أسرارها، ومنزل القوافى من قننها ومستعبد أحرارها، المقدم فى الفضائل والمحاسن». ويقول أحمد بن القاضى عنه فى كتابه درّة الحجال: «فقيه أديب، ناثر ناظم، علىّ الهمة، متين الحرمة، فصيح القلم، زكى الشّيم، ركن البلاغة والبراعة، وفارس الدواوين واليراعة». وكما كان رئيسا لدواوين المنصور كان شاعره الرسمى، وكما كان شاعرا كاتبا أو أديبا كان عالما مؤرخا لدولة المنصور وترجم لمعاصريه فى كتابه «مناهل الصفا» وهو أحد المصادر التى نرجع إليها فى العصر. وله ميلاديات نبوية كثيرة سوى الغزليات والمراثى، وله أمداح سياسية كثيرة للمنصور، وبجانب ذلك له أشعار فى وصف قصر المنصور المسمى بالبديع ومبانيه وقببه وما ازدان به من التماثيل والنقوش، مما يدلّ-بوضوح-على مدى الحضارة المترفة التى اتصف بها عصر المنصور الذهبى. وفى الإشادة بقصر البديع يقول عنه فى كتابه: «المناهل»: إنه من الآثار التى لم يخلق مثلها فى البلاد. . وإنه المثل المضروب فى الأرض عظمة وضخامة، وجلالة وفخامة، وتفننا وتأنقا، وفى وصف مبانيه يقول:

стр. 5049

سلبت تماثلها الحجا لما اغتدت ... تزهو بحسن طرازها تذهيبا (١) ولقد تشامخ فى العلوّ سماكها ... فجرى على الفلك المنير جنيبا (٢) وسما إلى الشّهب الزواهر فاغتدى ال ... إكليل منها تاجها المعصوبا (٣) أضنى الغزالة حسنه حسدا لذا ... أبدى عليها للأصيل شحوبا (٤) وانقضّت الزّهر المنيرة إذ رأت ... زهر الرياض به ينور عجيبا (٥) وهو يقول إن تماثلها (تماثيلها والصور المنقوشة فى القصر) سلبت العقول بما تزهو به من طرزها المذهبة، وقد تمادى فى الارتفاع سماكها حتى غدا القصر كأنه مجنوب تابع للفلك العلوى، وظل فى ارتفاعه حتى استقر بين النجوم، وأصبح كأنه المجموعة النجمية المسماة بالإكليل، بل غدا كأنه تاجها المعصوب. وناهيك بحسنه، فقد أضنى الشمس وبدا شحوبها واضحا فى وقت الأصيل، أما النجوم المنيرة فانقضّت إذ شاهدت أنوار زهر رياضه تضيء ضياء عجيبا. وله مما كتب على بهو فى القصر بمرمر أسود فى مرمر أبيض: لله بهو عزّ منه نظير ... لما زها كالروض وهو نضير رصفت نقوش بناه رصف قلائد ... قد نضّدتها فى النّحور الحور (٦) فكأنها والتّبر سال خلالها ... وشى وفضّة تربها كافور (٧) شأو القصور قصورها عن وصفه ... سيّان فيه خورنق وسدير فإذا أجلت اللحظ فى جنباته ... يرتدّ وهو بحسنه محسور (٨) صفّت بضفّتها تماثل فضّة ... ملك النفوس بحسنها تصوير (٩) ما بين آساد يهيج زئيرها ... وأساود تسلى لهنّ صفير وهو يقول ما أروعه بهوا يعز نظيره لما يجرى فيه من نضرة وجمال، وقد صفّفت نقوش بنائه تصفيف قلائد سوّتها على النحور فاتنة أو فاتنات، وكأن هذه النقوش والتبر يسيل خلالها وشى بديع ونقوش على فضة شديدة البياض كزهر الكافور. إن البديع ليسمو على كل القصور حتى على قصرى الخورنق والسدير اللذين كانا بقرب الحيرة فى الجاهلية، وحين تجيل البصر فى جوانبه يرتد حسيرا كليلا لروعة ما تشاهد، وقد صفت بضفة هذه النقوش صور فضية تخلب الألباب بجمال تصويرها سوى ما تراه هناك من آساد يخيل إليك أنها حية تزأر وجماعات

стр. 5050

من الطير كأنها تصفر صفيرا متصلا. ويتسع فى وصف قبة القصر، وما تشرف عليه من النهر والأزهار، ويستهل وصفه بقوله على لسانها: سموت فخر البدر دونى وانحطّا ... وأصبح قرص الشمس فى أذنى قرطا وصغت من الإكليل تاجا لمفرقى ... ونيطت بى الجوزاء فى عنقى سمطا (١) ولاحت بأطواقى الثريّا كأنها ... نثير جمان قد تتبّعته لقطا وعدّيت عن زهر النجوم لأننى ... جعلت على كيوان رحلى منحطّا (٢) وأجريت من فيض السماحة والنّدى ... خليجا على نهر المجرّة قد غطّى والقبة تقول إننى سموت وتعاليت فى السماء، فسقط البدر دونى وأصبح قرص الشمس فى أذنى قرطا، وجعلت من نجوم الإكليل تاجا لمفرق رأسى، وتعلقت نجوم الجوزاء فى جيدى عقدا ثمينا، ولاحت فى الأعالى الثريا ونجومها وكأنها فتات فضة تعقّبته لقطا، وتجاوزت النجوم إلى كيوان (زحل) ووضعت عليه رحلى، وأجريت من السماحة والندى خليجا غطى على نهر المجرة فى السماء وفاقه. ويستمر فى وصف النهر الذى تشرف عليه القبة: تنضنض ما بين الغروس كأنه ... وقد رقرقت حصباؤه حيّة رقطا (٣) حواليه من دوح الرياض خرائد ... وغيد تجرّ من خمائلها مرطا (٤) إذا أرسلت لدن الفروع وفتّحت ... جنى الزهر لاح فى ذوائبها وخطا (٥) يرنّحها مرّ النسيم إذا سرى ... كما مال نشوان تشرّب إسفنطا (٦) يشقّ رياضا جادها الجود والندى ... سواء لديها الغيث أسكب أم أبطا وسالت بسلسال اللجين حياضه ... بحارا غدا عرض البسيط لها شطّا (٧) تطلّع منها وسط وسطاه دمية ... هى الشمس لا تخشى كسوفا ولا غمطا (٨) حكت وحباب الماء فى جنباتها ... سنا البدر حلّ من نجوم السما وسطا وهو يقول إن النهر تجرى مياهه بين الغروس كأنه وقد تبدت حصباؤه حيّة رقطاء، وحواليه شجر بض ناعم كالخرائد والغيد الحسناوات اللائى يتأنقن فى ثيابهن، ويخيل إليك إذا تفتح الزهر فى أعالى فروعها اللدنة كأنه وخط شيب يجتمع فيه السواد والبياض، ويميلها النسيم مترنحة إذا مر بها كما مال مخمور شرب خمرة الإسفنط المعتّقة، وإنه ليشق رياضا يهطل

стр. 5051

عليها جود المنصور الذهبى وعطاياه. ولذلك سواء لديها أسرع الغيث الحقيقى فى انسكابه أو أبطأ، وتلك حياضه تسيل بأسراب الفضة بحارا تسقى الزروع، وتزين تلك الحياض دمية جميلة كأنها الشمس لا تخشى كسوفا ولا غمطا (انتقاصا)، ويقول إن هذه الدمية وما يتناثر حولها من حباب الماء كالبدر ومن حوله النجوم وسط السماء. ويعود إلى وصف القبة منشدا: إذا غازلتها الشمس ألقى شعاعها ... على جسمها الفضىّ نهرا بها لطّا (١) توسّمت فيها من صفاء أديمها ... نقوشا كأن المسك ينقطها نقطا إذا اتسقت بيض القباب قلادة ... فإنى لها فى الحسن درّتها الوسطى تكنّفنى بيض الدّمى فكأنها ... عذارى نضت عنها القلائد والرّيطا (٢) قدود ولكن زادها الحسن عريها ... وأجمل فى تنعيمها النحت والخرطا نمت صعدا تيجانها فتكسّرت ... قوارير أفلاك السماء بها ضغطا فيا لك شأوا بالسعادة آهلا ... بأكنافه رحل العلا والهدى حطّا (٣) وهو يقول إذا انعكست على القبة أشعة الشمس خلت كأن نهرا من الضياء والنور التصق بها مقابلا للنهر الذى يجرى بجوارها، وخيّل إلىّ من صفاء بياضها وما عليه من النقوش كأنما نقطها المسك، ويقول إذا تحولت القباب البيضاء فى أعالى القصور العظيمة قلادة كانت درّتها الوسطى وقبتها الفريدة التى لا تماثلها قبة. ويقول على لسانها إن الدمى البيضاء أحاطت بى عارية، وكأنها عذارى خلعت عنها القلائد والثّياب وكل زينة، قدود ممشوقة وقد زادها العرى حسنا، والنحت والخرط نعومة ورشاقة، وتعالت تيجانها صاعدة فى السماء حتى حطمت قوارير أفلاكها من النجوم والكواكب، وما أعظمها قبّة شامخة آهلة بالسعادة وقد هبط فى أكنافها وجوانبها رحل العلا والهدى، ويمضى منشدا: وكعبة مجد شادها العزّ فانبرت ... تطوف بمغناها أمانى الورى شوطا ومسرح غزلان الصّريم كناسها ... حنايا قباب لا الكئيب ولا السّقطا (٤) فلكن به ما طاب لا الأثل والخمطا ... ووسّدن فيه الوشى لا السّدر والأرطى ثراه من المسك الفتيت مدبّر ... إذا مازجته السحب عاد بها خلطا وإن باكرته نسمة سحرا سرى ... إلى كل أنف عرف عنبره قسطا أقرّت له الزهراء والخلد وانثنت ... أواوين كسرى الفرس تغبطه غبطا وهو يقول يا لك قبة كأنها كعبة رفعها العز فى عنان السماء وإن أمانى الناس لتطوف بها

стр. 5052

شوطا وأشواطا رجاء أن تتحقق على يد المنصور، ويقول يا لها مسرحا أو كناسا أو بيوتا للغزلان من الدمى والتماثيل القائمة فيها. وإنها لتلوك ما طاب لها لا ما تلوكه غزلان البوادى من شجر الأثل والخمط، وإنها لتتوسّد الوشى المنمق لا شجر البوادى من السدر والأرطى، وأما الثرى فإنه من فتات المسك وإن المطر ليختلط به حين يسقط فيصبح خلطا أو أخلاطا من الطيب، وحين تباكره نسمة سحرا تضوع رائحته، ويأخذ كل أنف منها قسطا أو حظا ممتعا، ويقول إن قصر الخلد ببغداد وقصور الزهراء بقرطبة لتعترف بعظمة هذا القصر وأن أواوين كسرى لتغبطه. ولعل فى كل ما قدمت ما يصور شاعرية الفشتالى وأنه كان يعنى بالجزالة والرصانة فى أسلوبه كما كان يعنى بالصور البيانية. ٣ - شعراء الرثاء الرثاء قديم فى الشعر العربى، ونجده-منذ الجاهلية-يتخذ صورا ثلاثة هى الندب لبكاء ذوى القربى من الآباء والأبناء والإخوة، والتأبين؟ ؟ ؟ لذكر فضائل الميت تصويرا لخسارة المجتمع فيه، والعزاء بذكر الموت وأنه سنة من سنن الحياة، لا مفر لإنسان منه، ونجد هذه الصور الثلاثة فى شعر المغرب الأقصى بمختلف عصوره. ومن أوائل ما يلقانا من صور الندب بكاء أبى الربيع الموحدى لأخيه، وفى بعضه يقول (١): أتانى نعىّ ضاق صدرى بحمله ... وصدرى-كما قد تعلمان-رحيب فمرّ بقلب لم تدمّل قروحه ... كما مرّ بالجمر الدّفين هبوب فحتى متى تبرى الرزايا سهامها ... وتقصدنى عمدا بها فتصيب وحتى متى ألقى رزايا ممضّة ... يكاد لإحداها الحديد يذوب ولكن قضاء الله حتم فليس لى ... سواه على حمل الخطوب حسيب يقولون لى صبرا ونار تلهفى ... لها بين أحناء الضلوع وجيب وهو يقول لصاحبيه إن نعىّ أخيه أتاه فضاق به صدره الرحيب، وقد أثار الجمر الدفين من أحزانه وكأنه ريح عاصفة، وأصاب قروحه التى لم تبرأ، فعادت تألمه، ويقول إلى متى تقصدنى الرزايا بسهامها فتصيبنى فى الصميم، وحتى متى توجعنى، ولو أن إحداها نزلت بحديد صلب لأذابته غير أنه قضاء الله المحتم وينبغى للإنسان أن يتقبله راضيا بما قضى به ربه حسيبه، ويقولون لى صبرا ونار تلهفى على أخى تضطرم وتلذع فى أحناء ضلوعى. ويعزى ميمون الخطابى (ابن خبازة) المتوفى سنة ٦٣٧ للهجرة ابن الجدّ عظيم إشبيلية فى ابنه، ويستهل عزاءه بقوله (٢):

стр. 5053

أرجّة الصّعق يوم النّفخ فى الصّور ... أم دكّة الطّور يوم الصّعق فى الطور أم هدّة الأرض إظهارا لما زجرت ... به الخليقة من إيقاع محذور أم الكواكب فى آفاقها انتثرت ... وباتت الشمس فى طىّ وتكوير ما للنهار تعرّى من ثياب سنا ... وشابه الليل فى أثواب ديجور أصخ لتسمع من أنبائها نبأ ... يطوى من الأنس فيها كلّ منشور وافى مع العيد لا عادت مضاضته ... فشاب سلساله الأصفى بتكدير (١) نوّارة عند ما راقت بدوحتها ... أهوت إلى التّرب من بين النواوير جار الذبول عليها عند ما ملأت ... معاطس الدّهر من طيب وتعطير وهو يتصور كأن موت هذا الشاب رجّة الصعق يوم ينفخ فى الصور، فيصعق من فى السموات والأرض ويهبّون من مراقدهم ليوم القيامة، أو كأنه دكة الطور حين طلب موسى من ربه رؤيته، أو كأنما الأرض هدّت وتناثرت الكواكب وكوّرت الشمس، كما جاء فى الذكر الحكيم عن يوم القيامة. وهى مبالغات يتحملها الشعر وحتى النهار تعرّى من ثياب ضيائه وغطاه الليل بظلامه. ويقول لمخاطبه: أرهف سمعك لنبأ طوى كل أنس وكل سرور، نبأ وافى فى أواخر رمضان مع العيد، فكدّر كل صاف فيه، وما النبأ؟ زهرة حينما زهت وتفتحت على شجرتها وراقت الأعين والأنفس سقطت إلى الترب من بين أخواتها من الزهرات والنواوير، وجار الذبول عليها فهوت عند ما ملأت أنوف الدهر من أريج طيبها وعطره. ويفضى إلى عزاء ابن الجد بأن كل ما على وجه الأرض فان، فينبغى أن يسلم الأمر لربه، إذ كل شئ يفنى بتدبير محكم، وما الكون إلا صحيفة كبرى والناس فيها أحرفه بين ممحوّ ومبتور، فلا تخدعك الليالى، ويورد عليه أسماء بعض الملوك والأنبياء، ممن طواهم الدهر وبادوا، ويقول له فى خاتمة قصيدته: سلّم للقضاء تسليم مأجور مثاب على تسليمه. ولابن رشيد المتوفى حول سنة ٧٢٠ للهجرة قصيدة بكى فيها ابنه محمدا بكاء مؤثرا يقول فيه (٢): شباب توى شابت عليه المفارق ... وغصن ذوى تاقت إليه الحدائق (٣) على حين راق الناظرين بسوقه ... رمته سهام للعيون رواشق (٤) محمد إنّ الصبر فيك مصارم ... محمد إن الوجد فيك مصادق (٥)

стр. 5054

وتالله مالى بعد عيشك لذة ... ولا راقنى مرأى لعينى رائق فإن ألتفت فالشخص للعين ماثل ... وإن أستمع فالصوت للأذن طارق وإن تقرع الأبواب راحة قارع ... يطر عندها قلب لذكرك خافق فيا واحدا قد كان للعين نورها ... وكلّ ضياء بعد بعدك غاسق (١) وهو يبكى ابنه، يقول شباب هلك شابت عليه الرءوس وغصن ذبل كانت الحدائق النضرة تتوق إليه، وكان الناظرون قد راقهم شبابه وذكاؤه، وكأنما رمته سهام للعيون سريعة النّيل ممن ترميه ويقول له إننى لا أستطيع فيك صبرا، وإن الحزن فيك لا يفارقنى، ولم أعد أجد فى عيش بعدك لذة ولا عاد يروقنى شئ يعجب العين. وإنك لتملأ كل ما حولى، فإن ألتفت أشعر كأن شخصك ماثل أمامى، وإن أستمع أشعر كأننى أستمع صوتك، وإن يقرع الأبواب أحد أشعر كأنك أنت الذى يقرعها فيخفق قلبى ويطير، كأنه يريد أن يلقاك. ويقول إنه كان نور عينه، فأصبح كل شئ بعده مظلما لا يراه. ويقول أبو بكر بن شبرين السبتى المتوفى سنة ٧٤٧ للهجرة يؤبن العالم الجليل مواطنه ابن هاني وقد استشهد فى حصار جبل طارق سنة ٧٣٣ هـ/١٣٣٣ م (٢): قد كان ما قال البريد ... فاصبر فحزنك لا يفيد أودى ابن هاني الرّضا ... فاعتادنى للثّكل عيد بحر العلوم وصدرها ... وعميدها إذ لا عميد قد كان زينا للوجو ... د ففيه قد جمع الوجود العلم والتحقيق وال ... توثيق والحسب التّليد أودى شهيدا باذلا ... مجهوده نعم الشهيد فلئن بليت فإنّ ذك ... رك فى الدّنا غضّ جديد وتعهّدتك من المهي ... من رحمة أبدا وجود وهو يخاطب نفسه قائلا: قد كان حقا ما قال البريد من استشهاد ابن هاني، فلتصبر، فالحزن لا يفيد فقد استشهد ابن هاني الذى كان تمثالا للرضا والقناعة، فنزل بى من فقده ما يعتادنى من فقد الإخوان والأحباب من حزن، ولقد كان للعلوم بحرا لا يسبر غوره وإماما أو عميدا لا يماثله عميد، بل لقد كان زينا للوجود جميعه، وكأنما جمع فيه الوجود ما شئت من علم وتحقيق وكتابة للوثائق الشرعية مع الحسب القديم الأصيل، وقد توفى شهيدا باذلا

стр. 5055

روحه فى جهاد أعداء الدين، فنعمت الوفاة ونعمت الشهادة، ولئن يلى جسده فإن ذكراه ستظل تتجدد خالدة. ويدعو له ربه أن يتعهده برحمته وكرمه، إنه نعم الرحيم الكريم. وفى النبوغ المغربى للشيخ القصار فى رثاء أبويه مرثية، يقول فيها (١): زر والديك وقف على قبريهما ... فكأننى بك قد نقلت إليهما كانا إذا ما أبصرا بك علّة ... جزعا لما تشكو وشقّ عليهما كانا إذا سمعا أنينك أسبلا ... دمعيهما أسفا على خدّيهما وتمنّيا لو صادفا لك راحة ... بجميع ما يحويه ملك يديهما بشراك إن قدّمت فعلا صالحا ... وقضيت بعض الحق من حقّيهما وقرأت من آى الكتاب بقدر ما ... تسطيعه وبعثت ذاك إليهما وهى مرثية للأبوين فريدة فى العربية ووصية لكل ابن توفى أبواه أن يزور قبريهما فإنه موشك على اللحاق بهما، ويقول لكل ابن إنهما كانا عطوفين عليك عطفا لا حدّ له، فكانا إذا رأوك مريضا تشكو جزعا لشكواك جزعا ما مثله جزع، وإذا سمعا أنينك من علة ذرفا دموعهما على خدّيهما مدرارا، وتمنيا لو أتيحت لك راحتك بجميع ما يملكون فى دنياهم. وبشراك بما سينالك من جزاء ربك إن عملت فعلا صالحا وقضيت بعض ما لوالديك من حقوق، وأول حق لهما أن تقرأ ما تستطيع من آيات القرآن الكريم وتهديه إلى روحهما، ليتقبّلهما الله قبولا حسنا. ويقول ابن زاكور المتوفى سنة ١١٢٠ هـ/١٧٠٩ م فى العصر العلوى يرثى سيدة فاضلة من أهله (٢): سقى الرحمن قبرا ضمّ شخصا ... تسربل بالمكارم وارتداها ونضّر مضجعا لفتاة صدق ... حوى غرر الفضائل إذ حواها لقد كانت تحضّ على المعالى ... وتندب للمكارم من أباها وألبسها المنون حلى كسوف ... فهلاّ فضلها الوافى حماها فكم أحيت مواهبها كئيبا ... أحلّته النوائب فى حماها وكم ربّت بأنعمها يتيما ... قلته أمّه حتى سلاها لئن ماتت فما ماتت حلاها ... وإن أودت فما أودى علاها وابن زاكور يدعو الرحمن لقبر هذه السيدة بل الفتاة الكريمة التى لبست حلل المكارم أن ينزل عليه غيث الرحمة، وينضّر مضجها ويملأه رونقا، إذ هى فتاة صدق وفضائل عظيمة، ولقد كانت تحض كل من حولها على المعالى والأعمال السامية، وقد طوى الموت شمسها

стр. 5056

الساطعة، ولم يحمها فضلها ولا كرمها مما نزل بها من كسوف، ولئن ماتت فكم أحيت مواهبها وعطاياها تعسا وأنقذته مما يغمره من كآبة وهم، وكم حنت على يتيم ورعته حين نبذته أمه، وحقا إن ماتت فما مات ما كان يزينها من أفضال وسمو لا نظير له. وفى زيارة مقبرة يقول الطيب بن مسعود المرينى المتوفى سنة ١١٤٥ هـ/١٧٣٣ م (١): أتيت القبور أداوى بها ... قساوة قلبى التى أجد وقمت أسائل عن أهلها ... وهيهات لا خبر يوجد رأيت مصارعهم عبرة ... تذيب حشاشة من يشهد أقاموا قليلا وقد رحلوا ... وغابوا وبالعود ما وعدوا دعاهم على الرّغم داعى الرّدى ... فلبّوه حين انقضى الأمد وقد هدم الموت لذّاتهم ... وغيّر عيشهم الأرغد وحلّوا بطون الثّرى تحتهم ... تراب وفوقهم جلمد وهو يقول إنه أتى القبور يداوى بها قساوة قلبه، وأخذ يسائل عن أهلها، ولا نبأ ولا خبر عنهم، ويقول إن مصارعهم عبرة لمن يفكر فيهم حتى لتذوب روحه أسى، فقد أقاموا فى دنياهم ورحلوا عنها وغابوا دون وعد بالرجوع أو الإياب، وقد دعاهم داعى الهلاك فلبّوه حين انقضى الأجل، وقد أتى الموت على لذاتهم، وبدّل عيشهم الرغد الهنئ وحلوا بطون الثرى، تحتهم تراب وفوقهم صخور، فحرىّ بالإنسان أن يعتبر ويتعظ. ولعلى مصباح الزّرويلى المتوفى سنة ١١٥٠ للهجرة فى تأيين الفقيه جسّوس الشهيد (٢). حلّ بالدين يا لقومى بلاء ... أحجمت دون وصفه الشعراء قتل اليوم أعلم الأرض ظلما ... فبه للإسلام حقّ العزاء قتلوه من أجل أن كان أستا ... ذا أعزّته السّنّة السّمحاء قتلوه من أجل أن كان للشّر ... ع حساما تهابه الأمراء قتلوه أن كان للحق قوّا ... لا وما إن تضلّه الأهواء يا لها من مصيبة سار فى الأر ... ض وفوق السّما بها الأنباء عمّت المسلمين رزءا فأضحت ... كلّ عين منهم عراها البكاء والزرويلى يجعل موت الفقيه جسوس بلاء حلّ بالدين الحنيف، فقد قتل ظلما أفقه الأرض وأعلمها، وإن الإسلام ليعزّى فيه. ويقول إنهم قتلوه، إذ رأوه يحمى الشرع والسنة النبوية، وكان يقول الحق ولا يخشى فيه أحدا. ويقول ما أعظمها مصيبة سارت بها الأنباء وطارت

стр. 5057

كل مطار فى الأرض وفى السماء، ويقول إنها فاجعة عمت المسلمين وملأت عيونهم بالدموع مدرارا. ونتوقف قليلا لنتحدث عن شاعرى الرثاء: ابن شعيب الجزنائى وأبى على اليوسى. ابن (١) شعيب الجزنّائى هو أحمد بن محمد بن شعيب الجزنّائى، منشؤه ومرباه فى مدينة تازا، ووفد على مدينة فاس فعرف فضله، والتحق بدواوين أبى سعيد المرينى ثم ابنه أبى الحسن، وكان بين العلماء الذين رافقوه فى فتحه لتونس، وبها توفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م، وكان مثقفا ثقافة واسعة بعلوم الأوائل، وحذق الطب والفلك والكيمياء والصيدلة، وفيه يقول ابن مرزوق: «أبو العباس أحمد بن شعيب الفقيه المشارك التعاليمى الفاضل الطبيب الأديب النباتى النخبة، أحد فضلاء وقته ونبلاء زمانه، طبقة عالية فى قرض الشعر وإمام فى التعاليم (علوم الأوائل) وواحد فى المعرفة بالأشجار والنبات». وفى الإحاطة أنه كان يحفظ عشرين ألف بيت للمحدثين وإنه تسرّى جارية رومية اسمها صبح من أجمل الجوارى حسنا فأدبها حتى أحسنت العربية ونظمت الشعر وكان شديد الحبّ لها وتوفيت وكان بعد وفاتها لا يرى إلا فى تأوه دائم، وله أشعار بديعة فى رثائها، ومن قوله فيها: أعلمت ما صنع الفرا ... ق غداة جدّ بها الرّفاق ووقفت منهم حيث لل ... نظرات والدمع اتساق سبقت مطاياهم فما ... أبطا بنفسك فى السباق أولى بجسمك أن ير ... قّ ودمع عينك أن يراق أما الفؤاد فعندهم ... دعه ودعوى الاشتياق واها لسالفة الشبا ... ب مضت بأيّامى الرّقاق أبقت حرارة لوعة ... بين الترائب والتّراق وهو يقول لمخاطبه أعلمت ما صنع فراق «صبح» بى غداة أسرع بى الرفاق، لقد وقفت منهم أفكر فى صاحبتى وأطيل النظر وعيناى تترقرقان بالدموع، وعرفت أنها تركتنى إلى غير أياب فأولى بجسمى أن يضنى صبابة بها وأولى لعينى أن تسيل دموعها سيلا لا ينقطع، أما الفؤاد فعندهم، ودعه، وما أشد حسرتى على أيام الشباب السالفة التى ذهبت بما كنت فيه من متاع ولم تبق لى إلا حرارة لوعة فى صدرى بين الترائب والتراقى لا تبرحنى، ويبكى صبحا فى مرثية أخرى قائلا:

стр. 5058

يا صاحب القبر الذى أعلامه ... درست ولكن حبّه لم يدرس ما اليأس منك على التصبر حاملى ... أيأستنى فكأننى لم أيأس لما ذهبت بكل حسن أصبحت ... نفسى تعانى شجو كلّ الأنفس يا صبح أيامى ليال كلّها ... لا تنجلى عن صبحك المتنفّس وهو يخاطب صاحبته قائلا إن ما حول قبرك من معالم درست وامّحت ولم يدرس حبك ولم ينمح فى قلبى، وإن اليأس منك ومن لقائك لا يحملنى على التصبر، وقد أيأستنى من لقائك وكأننى لم أيأس، ولما ذهبت بكل حسن وجمال أصبحت كأننى أحمل أحزان كل المحبين الذين غادرتهم كل محبوباتهم الحسناوات، ويقول لها إن أيامى كلها بعدك أصبحت كأنها ليل متصل لا يتنفّس ولا يشرق فيه صباح. ويخاطب قبرها منشدا: يا قبر صبح حلّ في ... ك لمهجتى أسنى الأمانى وغدوت بعد عيانها ... أشهى البقاع إلى العيان أخشى المنية إنها ... تقصى مكانك عن مكانى كم بين مقبور بفا ... س وقابر بالقيروان وهو يذكر لقبر صبح إنه حلّ فيه أجمل الأمانى-كانت-لمهجته وروحه، ولقد أصبحت بعد عيانها أشهى البقاع إلى العيان والمشاهدة، وإنّي لأخشى الموت أن يباعد بين مكانك ومكانى، ويقول إنها توفيت بفاس وكان فى القيروان مع أبى الحسن المرينى فى رحلته، ومن رثائه لصاحبته قوله: يا غائبا فى الضمير ما برحا ... دانى محلّ الهوى إذا نزحا لم تضمر الصّبر عنك جارحة ... ولا فؤادى لسلوة جنحا مستعبر المزن فيك أدمعه ... يظلّ يبكيك كلما سفحا ولا أرى البرق عاد مبتسما ... بعدك بل زند شوقه قدحا وما تغنّى الحمام من طرب ... بل يعلن النّوح كلّما صدحا وهو يقول لصاحبته إذا غبت ونزحت لا تزالين دانية منى ولا يزال محل هواك قريبا من نفسى، ومعاذ الله أن تضمر الصبر عنك جارحة أو أن يجنح فؤادى إلى سلوان أو عزاء. وإنه ليطلب إلى المزن أن تسبل حتى تفيض أدمعه ويظل يبكيك غيثها، وإنه ليرى البرق فيه كأنه زند شوقه يقدح نارا وشرارا، ويقول إن الحمام لا يتغنى من طرب أو فرح وإنما ينوح كلما صدح نوحا متصلا. وظل مأتم صاحبته صبح قائما وهو ينوح فيه ويندبها حتى أنفاسه الأخيرة.

стр. 5059

أبو على (١) اليوسى: الحسن بن مسعود أهم شعراء الزاوية الدلائية، ولد سنة ١٠٤٠ هـ/١٦٣١ م، ونشأ نشأة متواضعة، وشغف بالعلوم الإسلامية واللغوية، ورحل فى طلبها وتعددت رحلاته إلى مراكش وسوس ودرعة وسجلماسة. وفى نحو العشرين من عمره استقر فى الزاوية الدلائية واختلف إلى حلقات علمائها يتزود منهم، حتى إذا شهدوا له بنبوغه وتفوقه تصدر للتدريس، وظل ناعما فيها بالتدريس إلى سنة ١٠٧٨ هـ/١٦٦٨ م، وهى السنة التى استولى فيها السلطان الرشيد العلوى على الزاوية الدلائية بعد هزيمة أهلها أمامه، وقد أخذ كل ما كان فيها من مال وسلاح وكل ما فى الخزائن من الكتب، وأمر شيوخها: اليوسى وغيره بالرحيل إلى فاس، وهدمها ولم يبق منها باقية. وأخذ اليوسى يحاول استعادة مكانته العلمية فى فاس، وأخذ يناله غير قليل من الشهرة، وأقبل على دروسه الطلاب وشاعت مؤلفاته. ونزل مراكش بأخرة من حياته وتصدر فيها للتدريس، وحظى برضا حكام الدولة العلوية وخاصة السلطان إسماعيل. وأدى فريضة الحج وعاد منه ليسلم روحه إلى بارئه سنة ١١٠٢ هـ/١٦٩١ م. وكان شاعرا بارعا، وله ديوان شعر مطبوع يشهد له-كما يقول الأستاذ ابن تاويت-بمكانة ممتازة فى قرض الشعر الجزل وفى أسلوبه الأخاذ بسحر بيانه الباهر بطول نفسه. ومن أهم قصائده رائية طويلة رثى بها الزاوية الدلائية، وهو يستهلها بقوله: أكلّف جفن العين أن ينثر الدرّا ... فيأبى ويعتاض العقيق بها جمرا (٢) وأسأله أن يكتم الوجد ساعة ... فيفشى وإن اللّوم آونة أغرى وكانت عيون الحادثات غوافلا ... زمانا وخطب الدهر كان بنا غرّا (٣) عدت غدوة أيدى الحوادث فاختلت ... خلاها فعادت بعد نضرتها غبرا (٤) وأبدلن مأنوس الديار وأهلها ... بوحش وحوّلن الأهيل بها قفرا (٥) فلا جفن إلا وهو مغض على القذى ... ولا عين إلا من نجيع الشّجا حمرا (٦) وهو يقول إنه كلف عينيه أن تنثر لآلئ الدموع على الزاوية الدلائية فأبتا إلا أن تنثرا دموعا كالعقيق الأحمر بل لكأن العقيق استعاض بها جمرا مشتعلا، ويسألهما أن يكتما الوجد والحزن لحظة أو لحظات فيفشيان همه وغمه، وكأن اللوم يغرى على الإفشاء أكثر فأكثر. وكأن الأحداث كانت غافلة عنها، وكأن خطب الدهر كان غافلا بدوره، وإذ أيدى الحادثات تأتى

стр. 5060

عليها وعلى ما حولها من الكلأ والنبات فإذا هى أرض جرداء بل لقد أصبحت قفرا، وأبدلت بأهلها الناعمين وحوشا، ولا جفن إلا وهو ملئ بالقذى ولا عين إلا وهى من الحزن حمراء كالدم. ويبكى ما كان فيها من رياض وغير رياض منشدا: رياض إذا أبصرتها ونشقتها ... فلا تذكرن نجدا ولا تذكرن شحرا (١) فمن لى بواديها إذا فاح رنده ... ومن لى بمرعاها إذا أطلع المشرا (٢) ومن لى بروضات يفوق ضياؤها ... على الشمس حسنا كلما ابتهجت زهرا وهل نفحة تكفينى المسك فائحا ... وهل شربة تكفينى الشهد مستمرا (٣) وهل وقفة بين الطّلول التى قضت ... صروف الليالى فى معالمها نذرا هنالك إخوان الفؤاد وفتية ... هم للحشا خمر فما يطلب الخمرا وننأى عجالا عنهم مثلما نأى ... أبو صبية عنهم إذا يمّم القبرا بها هامت الأرواح من قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا وإذ نبلغ الحشرا وهى رياض إذا أبصرتها ونعمت بشذاها الذكى لم تعد تذكر ديار نجد الحبيبة ولا ديار الشحر بجوار حضرموت، ومن لى بواديها إذا سطعت رائحة شجر الرند فيه، ومن لى بمراعيها حين تنبت نباتها الأخضر الجميل، ومن لى بروضات بهيجة الزهر بها وإن ضياءها ليفوق ضياء الشمس بهاء وحسنا، وهل نفحة منها كالمسك فائحا وهل شربة فيها كالشهد أستطيع أن أنعم بها؟ . لقد أصبحت طلولا، ويتمنى وقفة بطلولها حيث كان إخوان، حديثهم كأنه الخمر فى لذتها ونشوتها، ولقد بعدنا عنهم سريعا كأب فارق صبيته عجلا قاصدا قبره، ويقول إن أرواحهم بها هامت قبل خلقهم وبعده، وسيظلون يهيمون بها إلى يوم الحشر. ويفضى إلى حشود من الحكم يبدؤها بأن الدهر لا يبقى على أحد، وكم من عظيم كان يعتلى حصنا شامخا هوى به وكم من مليك أصابه بالأرزاء وقهره وأذلّه. وقديما دارت صروفه على دارا ملك الفرس وأذلّ بنى ساسان بعد عزّ لا يماثله عز، وجرّ ذيله على الغساسنة وملوك الحيرة وخلفاء بنى أمية وبنى العباس والمعتمد بن عباد المنفى إلى أغمات بمراكش، فهل يشك أحد فى صولات الدهر؟ . إنه دائما يصول حتى على المحبين إذ يحيل الوصل بينهما هجرا. ويقول: فلا تركنن للدّهر إن نعيمه ... ظلال سحاب يمسح السّهل والوعرا ملول فما باق على عهد خلّة ... ولا مستديم فيك يسرا ولا عسرا ولا تأمنن أبناءه إن تحبّبوا ... إليك فمن يشبه أباه فقد برّا متى ما ارتجوا رغباء منك تقرّبوا ... إليك وأبدوا خالص الودّ والبرّا (٤)

стр. 5061

وأخفوا ذميما كان فيك وأظهروا ... جميلا وقالوا ذو محاسن لا تمرى (١) وإن لم يرجّوا منك خيرا رأيتهم ... جفاء وإعراضا يولّونك الظّهرا إذا ما رأوا ذا الوفر لاذوا بذيله ... وإن لم ينالوا من سحائبه قطرا وإن بصروا بالمملق اهتزءوا به ... ومدّوا إليه طرفهم نظرا شزرا (٢) وهو ينصح من يقرؤه أن لا يعوّل على الدهر ويركن إليه. فإن نعيمه كظل سحاب لا يلبث أن يزول ويمحى، وهو ملول الطبع لا يبقى على شيمة، ولا يستديم فيك ما يمنحك من يسر، وحتى العسر أيضا لا يديمه، فكم من معسر فتح عليه أبواب اليسر. ويقول إن أبناءه من الناس لا يؤمنون حتى لو تحبّبوا إليك وأظهروا المودة، فهم جميعا غادرون، ويذكر أنهم إذا رجوا منك جميلا تقربوا إليك وتظاهروا لك بالود والبر الصافى، ونفوا عيوبك وأظهروا محامدك وقالوا إن محاسنك لا تجحد، وإن لم يرجوا منك صنع جميل رأيت منهم جفاء وإعراضا عريضا، أما الغنىّ ذو الوفر فإنهم يلوذون به حتى لو لم يصيبوا منه قطرة من خير، وأما المملق الفقير فإنهم يهزءون به ويعرضون عنه مغاضبين. ويستمر ناصحا قائلا: وإن الفتى بالنفس لا اللّبس مجده ... فما شان درّا كون أصدافه كدرا وإن الغنى ما أورث المرء فى الورى ... محامد فى الدنيا وعلياء فى الأخرى وإن تعوز النّعمى فجد ببشاشة ... فخير القرى أن تبذل الرّحب والبشرا ومن للهوى ألقى القياد فقد هوى ... ولو أنه فى المجد قد وطيء النّسرا (٣) ومن يصطنع عرفا إلى غير أهله ... فليس بلاق من جزاء ولا شكرا ومن لا يجنّب قوله دنس الخنا ... فلا يمتعض يوما إذا سمع الهجرا (٤) ومن يدّخر تقوى الإله وذكره ... على كل حال يحمد السّعى والذّخرا ومن يغن بالمولى فلن يعدم الغنى ... إذا لم يجد يوما لجينا ولا نضرا (٥) وهو يقول إن مجد الشخص بنفسه لا بلبسه وزيه، ويضرب مثلا بأن الدر أو اللؤلؤ لا تشينه كدورة أصدافه ويذكر أن الغنى الحقيقى للمرء هو الذى يكسبه المحامد فى الدنيا والعلياء فى الآخرة، وينصح قارئه إن لم يجد ما يبذل لضيوفه من القرى، فخير منه أن يلقى ضيوفه بالبشر والبشاشة والترحيب وحسن اللقاء، كما ينصحه أن لا يلقى قياده للحب ويخضع له فإنه يهوى به مهما بلغ من المجد والسؤدد، ويقول إن من يقدم صنيعا أو جميلا إلى غير أهله فلن يقدموا له جزاء ولا شكورا، ويذكر أن من لا يخلو كلامه من الألفاظ السيئة الذميمة لا يمتعض

стр. 5062

ولا يضق صدره بما يسمع من الألفاظ القبيحة. وأعظم ما يدخره الإنسان لنفسه تقوى الله، إذ يحمد الناس تقواه ويؤجر عليها خير أجر، ويقول إن الغنى الحقيقى هو الغنى بحمد الله لا الغنى بالفضة والذهب. وإنما سقنا بعض أبيات من هذه القصيدة، وهى تشهد لصاحبها ببراعة فائقة فى الشعر ونظمه. ٤ - شعراء الزهد والتصوف (أ) شعراء الزهد الزهد أساس كبير فى الدين الحنيف، وزاهد الأمة الأول الرسول ﷺ ، إذ عاش عيشة تقشف وزهد فى متاع الحياة الدنيا، وتبعه فى هذه المعيشة كثيرون من الصحابة، وهم مع ذلك يكسبون ما يعولهم هم وأسرهم، حتى لا يكونوا عالة وعبئا على المجتمع. وأخذ كثيرون من التابعين يؤثرون هذا الزهد وما يتبعه من التقشف. وكان-ولا يزال-مما أضرم جذوته وعظ الوعاظ الكثيرين الذين لم يخل منهم بلد إسلامى، فهم ينذرون ويخوّفون من عذاب الجحيم، ويبشرون الأتقياء والصالحين بأن لهم عند ربهم الفردوس جزاء لرفضهم المتاع الدنيوى وإقبالهم على العبادة والنسك ابتغاء لما عند الله من الثواب والرضوان الأكبر. والمغرب الأقصى مثله مثل البلاد الإسلامية كثر فيه الزهاد والعبّاد، وكان مما عمل على كثرة الزهاد فيه والنساك الجبال الكثيرة التى كانت تتيح لهم العزلة عن الناس للعبادة كما تتيح لهم كثيرا من الثمار التى يقتاتون بها، ويحدثنا الحسن الوزان عن كثيرين منهم، رآهم منهمكين فى العبادة لربهم على رءوس الجبال كالجبل (١) الأخضر قرب آزمور، ورأى فى قلعة أغمات ناسكا ومعه مائة من تلاميذه، ويقول إنه نزل بضيافته ثمانية أيام. وأيضا مما ساعد على كثرة الزهاد هناك كثرة الملاجئ للعبادة، تبنيها لهم الدول المختلفة، مع كثرة ما كانت تبنى لهم من الزوايا، ومع كثرة ما كانت تبنى من مؤسسات المدارس ملحقة بها مبانى للشيوخ والطلاب وتكفيهم مئونتهم، فكان كثيرون منهم يتحولون زهاد ونساكا. وذكرنا فى حديثنا عن الزهد فى فصل المجتمع المغربى أسماء طائفة من الزهاد الأولين قبل عصر المرابطين، وفيه وبعده. ويهمنا الآن أن نعرض لشعرائهم، وربما كان أهمهم فى عصر المرابطين السلالجى عبد الله بن عثمان المتوفى-كما فى روض القرطاس-سنة ٥٦٤ للهجرة وهو إمام أهل المغرب فى علوم الاعتقاد، وأنشد له صاحب الوافى هذه الأبيات (٢):

стр. 5063

إذا العلم لا تغشى غرائبه قلبى ... ولا شاقنى منه إلى المنهل العذب ولا أنا ممن جاوز الدّرب ناهضا ... إليه، ولا أرضى مقامى من ربىّ ولا كان حظى منه إلا حكاية ... على الناس أتلوها فحسبى إذن حسبى ولا ترض بالحظّ الخسيس سفاهة ... فمثلك من قد حلّ فى المنزل الرّحب تجافوا عن الدار التى أصبحوا بها ... على غربة واستوطنوا حضرة القرب وإن كان لا ينجيك إلا ركوبها ... فماذا التجافى عن مجاورة الرّبّ وهو يقول إن العلم الذى يلوكه لطلابه من الفقه وغير الفقه لا يتغلغل فى قلبه ولا يدفعه إلى منهل النسك العذب، ويقول إننى بعيد عن درب النساك وإنه لا يرضى مقامه من ربه وما العلم الذى يلقيه الشيوخ على الطلاب إلا روايات عن الأسلاف، فلا ترض بهذا العلم وحده واطلب العلم-أو بعبارة أدق-النسك الذى يحياه العباد النساك الذين انصرفوا عن الدار الأولى: الدنيا إلى حضرة القرب من الرب. ولعل فى هذه الأبيات ما يدل على أن حركة الزهد فى المغرب الأقصى كانت إرهاصا لما سيشيع فيه من الحركة الصوفية. وممن كان ينزع إلى الزهد فى عصر المرابطين القاضى عياض، وله يقول مبتهلا إلى ربه (١): إليك بؤت بذنبى ... فاغفر خطاياى ربّى وامنن علىّ بلطف ... تجبر به صدع قلبى فقد ركبت ذنوبا ... سوّدت منهنّ كتبى وجئت أطلب توبا ... إذ ضاق بالذنب رحبى فاقبل بفضلك توبى ... واغفر برحماك ذنبى وعافنى واعف عنّى ... فأنت يا ربّ حسبى وهو يعترف لربه بأنه يرجع إليه مذنبا آملا فى أن يغفر له خطاياه، إنه غفار الذنوب، ويدعو أن يمنّ عليه بلطفه المعهود حتى يجبر به ما حدث فى قلبه من صدع، فقد ارتكب ذنوبا كثيرة، سوّدت كتبه التى سيتلقاها يوم القيامة. ويقول إنه جاء ضارعا إلى ربه يطلب منه أن يقبل توبته، ويغفر ذنبه برحماه، فهو أرحم الراحمين. ويسأله العافية والعفو عنه، فإنه ربه قابل التوب وغافر الذنب. ونمضى إلى عصر الموحدين، ونقرأ عند القاضى عمر الفاسى المار ذكره فى الغزلين (٢): أيّها المغتر بالزمن ... فى هواه خالع الرّسن حبّك الدنيا وزينتها ... فتنة عمّتك بالفتن ظلت والحالة شاهدة ... عاكفا منها على وثن

стр. 5064

فاهجرنها إن زينتها ... زينة شانت ولم تزن خدعتنا إنها قبحت ... باطنا فى ظاهر حسن ولتقدّم ما تسرّ به ... قبل طول البثّ والحزن فكأن أخراك ما برحت ... وكأن دنياك لم تكن وهو يخاطب الذى غره الزمن وغرته الأيام، فأكبّ-غير مرعو ولا مزدجر-على اللهو والمجون خالع الرسن، والكلمة كناية عن إكبابه عليهما، ويقول له إن حبك الدنيا ومتاعها وزينتها وكل ما يعجبك فيها فتنة أصابتك بما لا يحصى من فتن الدنيا، ويذكر له أنه ظل عاكفا على الدنيا عكوف عابد الوثن عليه، وينصحه أن يهجرها وأن لا تغرّه زينتها، فهى زينة قبيحة تشين صاحبها، وقد خدعنا ظاهرها البرّاق، وهى فى غاية القبح، وإن واجبك أن تقدم إلى ربك ما تسرّ به فى المستقبل لا ما يحزنك ويملؤك هما فى آخرتك، فتلاف شأنك قبل مبارحتك دنياك إلى الدار الآخرة. ويقول أبو الربيع الموحدى المترجم له بين الغزلين يخاطب نفسه (١): يا نفس حسبك ما فرّطت فازدجرى ... عن الذنوب فإن القبر مثواك خافى الإله لما قدّمت من زلل ... واعصى هواك فإن الله يرعاك إنّ الهوى قلما تجدى هوادته ... وهو الذى عن سبيل الرشد أقصاك لشدّ ما تعلمين الفرق بينهما ... ما كان أحراك بالأجدى وأولاك إلى م تلهين عن قولى مغالطة ... وتوقنين بأنى غير أفّاك (٢) أصغى إلى فما فى الأرض من أحد ... ألقى إليه صريح النّصح إلاّك توبى إلى الله إن الله يقبلها ... واسعى بجهدك فى تحسين عقباك وهو يقول لنفسه: يكفيك ما فرّطت من الذنوب، وينبغى أن تقلعى عنها فإن مثواك الأخير القبر، وخافى ربك لما قدمت من عثرات، واعصى هواك فإن الله يراقبك ويعلم ما ارتكبت من الخطيئات، وإياك وطاعة هواك لما يقدم لك من متاع، فإنه هو الذى أضلك وأبعدك عن طريق الرشاد، وما أعظم الفرق بين الضلال والهدى، وما أحراك أن تتمسكى بالهدى، وحتى متى لا تسمعين لنصحى وأنى لا أكذبك، إنه جدير بك أن تصغى إلىّ وإلى نصحى، فإنك أقرب شئ إلىّ وليس فى الأرض من أسدى إليه النصح سواك، فتوبى إلى الله توبة حقة حتى يقبلها منك، واعملى بجهدك على أن تحسنى عقباك وترضى ربك. ومن كبار الزهاد عمر بن محمد القيسى المراكشى الفاسى الأصل المتوفى سنة ٦٢٦ للهجرة وكان أديبا

стр. 5065

بارع الكتابة طيب النفس نفاعا بجاهه وذات يده، وكان شاعرا مجيدا، وجمع دفترا فيما نظم فى التهجد وقيام الليل أجاد فيه الاختيار، ومن نظمه فيه قوله (١): ذهب الظلام وأنت جذع راقد ... وأتى الصباح وأنت صخر جامد وخلت على الإظلام منك مناسك ... وخلت على الإصباح منك مساجد وأولو التهجّد ليلهم ما منهم ... لله إلا راكع أو ساجد وهجعت-يا مغرور-ليلك كلّه ... وعليك من عين الإله شواهد فانظر لنفسك قبل حين مماتها ... إن الممات على البريّة وافد وتذكّر السّفر البعيد وطوله ... من غير زاد والمجال فدافد (٢) واذكر نشورك بعد موتك فجأة ... وصحائف الأعمال منك تشاهد (٣) وهو يهيب بالغافل عن نسك التهجد أن يقوم شطرا من الليل مصليا لربه مسبحا له ذاكرا، ويقول له إنك تنام طوال الليل كجذع راقد ممدود حتى الصباح، وكأنك صخر جامد لا حس ولا حركة، وتلك المناسك: مناسك التهجد خالية منك مساء، وتلك المساجد خالية منك صباحا، وأصحاب التهجد يحيون ليلهم بالركوع والسجود لربهم بينما أنت هاجع فى فراشك أيها المغرور المذموم، وإنه لحرىّ بك أن تنظر لنفسك وتتعهدها بالتقوى قبل مماتك، إذ كل من عليها فان، وتذكر سفرك البعيد إلى يوم القيامة ورحلتك فيه دون زاد، فى مجال مقفر: واذكر بعثك بعد موتك وعرض صحائف أعمالك على ربك العلى القدير. وكان يعاصره وتوفى بعده بعام واحد عام ٦٢٧ للهجرة ابن الزيات يوسف بن يحيى التادلى صاحب أول كتاب تحدث عن زهاد المغرب الأقصى ومتصوفته وهو كتاب «التشوف لمعرفة أهل التصوف» وقد اتسع فى تصوره لأهل التصوف، إذ جعل كتابه-كما يقول فى مقدمته «يشتمل على أضراب من أفاضل العلماء والفقهاء والعباد والزهاد والورعين وغير ذلك من ضروب أهل الفضل» مما جعل تراجم الكتاب تتسع لتشمل الزهاد والمتصوفة وأهل الصلاح من العلماء والفقهاء، وبذلك نفهم كثرة التراجم فيه، إذ بلغوا كما يقول مائتين وسبعة وسبعين شخصا، ويقول إنه سيخصه بمراكش وأعمالها، غير أنه حين مضى فيه رأى أن يضم فيه كثيرين من بلدان المغرب المختلفة. والكتاب مهم لأنه يعطى صورة واضحة عن أوائل زهاد المغرب ومتصوفته حتى نهاية القرن السادس الهجرى مثل من سميناهم فى حديثنا عن الزهد فى المجتمع المغربى، مثل أبى الحسن بن حرزهم وأبى يعزى بلنور بن ميمون، ويذكر بعض أشعارهم كهذه الأبيات التى ذكرها لابن تاخميست المتوفى سنة ٦٠٨ للهجرة.

стр. 5066

ولما ركبت البحر نحوك قاصدا ... ولم أر غير الله مالا ولا أهلا دعوتك بالإخلاص والموج طامح ... بصدق وداد لم يكن قبل معتلاّ أيا منقذ الغرقى ويا ملهم التّقى ... ويا صمدا يبقى إذا أذهب الكلاّ لوجهك ذلّ البرّ والبحر خاضع ... وحقّ لهذا الخلق أن يألف الذلا وهو يبتهل لربه ذاكرا أنه حين ركب البحر أسلم نفسه له ولم يعد يذكر أهلا ولا مالا سواه، وحين هاج البحر وهاجت أمواجه دعا ربه مخلصا صادق الوداد أن ينجيه ضارعا إليه قائلا: يا منقذ الغرقى ليس سواك ينجى يا ملهم المتقين تقواهم، ويا مقصودا يبقى بعد أن يفنى كل من على الأرض، لوجهك يا ذا الجلال ذلت الأرض وخضع البحر، وحق للناس أن يتذللوا لك تذللا ما بعده تذلل فأنت المنجى والمنقذ ومغيث المستغيثين. ونلتقى فى أواخر القرن السابع بعبد الحق بن إسماعيل وكتابه عن صلحاء منطقة الريف المحاذية للبحر المتوسط شمالى المغرب الأقصى، وكأن كتابه عنهم يكمل كتاب التشوف لمعرفة أهل التصوف الذى عنى-فى الأعم الأغلب-بمنطقة مراكش كما أسلفنا، وقد جعله فى ثلاثة أقسام قسم عن المقامات الصوفية، وقسم عن الخضر ﵇، وقسم عرّف فيه بصلحاء الريف، وهم عنده ستة وأربعون ترجم لهم، وأتبع كل شيخ بأبيات يصف فبها زهده أو تصوفه، ومن قوله فى ترجمة سعيد المسطاسى يصف زهده وزهد أمثاله (١): زهدوا يريدون النجاة وأصبحوا ... وطعامهم فى الأرض نبت يابس مالوا عن الشهوات فى الدنيا فما ... لهم سوى التوفيق شئ حابس فجنانهم من كلّ سهو سالم ... ولسانهم عن كل عيب نابس فهم قد زهدوا فى الدنيا ومتاعها يريدون النجاة فى الآخرة من عذاب النار، وطعامهم مما تنبت الأرض من النباتات، لا يفكرون فى لحوم ولا فى طعام مطبوخ، فحسبهم ما يجدونه على وجه الأرض من النّبات، وقد رفضوا الشهوات جميعا فى دنياهم، ولا شئ يحبسهم سوى عبادة ربهم، وأذهانهم بريئة من كل سهو ولسانهم لا ينبس بعيب. وبجانب هذه المقطوعة من نظم عبد الحق بن إسماعيل مقطوعات تبدو فيها الروح الصوفية سنعود إليها فى حديثنا عن التصوف ويلقانا أبو العباس الشريف السبتى المتوفى سنة ٧٧٦ للهجرة وقوله فى ثقته بربه (٢): وثقت بالله ربّى ... وحسبى الله حسبى والله كاف وواق ... دافع كلّ خطب ولست أخشى إذا ما ... وثقت بالله ربى بلغت فيها مرادى ... مهنّأ مع صحبى

стр. 5067

وهو يقول إنه وثق بالله ربه، وحسبه هذه الثقة فليس فوقها ولا بعدها ثقة والله كافينى وحامينى وواقينى ودافع عنى كل خطب وكل بلاء أتعرض له، ولذا لا أخشى أحدا ولا أخشى شيئا، فقد وثقت بالله ثقة لا حدّ لها، ثقة بلغت فيها كل مرادى وكل ما أؤمله فى حياتى، مما يحق لى أن أهنّا بها مع صحبى الذين يثقون فى ربهم. ونلتقى بأبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن يجيش المتوفى سنة ٩٢٠ للهجرة، وله فى معارضة قصيدة ابن النحوى المذكور فى تونس (١): اشتدّى أزمة تنفرجى ... قد أبدل ضيقك بالفرج مهما اشتدت بك نازلة ... فاصبر فعسى التفريج يجى مولاك ارغب فإجابته ... للمضطرين على درج وألحّ عليه بمسألة ... فهو الجواد فسل وهج أخلص فيما تدعوه وقل ... يسّر عسرى وأزل حرجى لا حيلة لى لا قوّة لى ... إلا بك يا محيى المهج وهو مؤمل فى رأيه ولا ييأس أبدا، ولذلك يقول أيتها الأزمة المارة بى اشتدى ومهما اشتددت فلا بد من الفرج وانحسارك عنى، ويتجه إلى قارئه، فمهما اشتد بك خطب أو حادثة فادحة فلتصبر فعسى الفرج يأتيك سريعا. واقصد مولاك بالسؤال أن يلطف بك فإجابته للمضطرين قريبة المنال، ولتدعه ولتلح عليه فى الدعاء، إذ هو الكريم الذى لا حد لكرمه، فسله وكرر السؤال، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، وأخلص فى دعائك والزلفى إليه، وقل رب يسّر عسرى وأزل ما أنا فيه من حرج وضيق واكشف غمتى، إنه لا حيلة لى ولا قدرة إلا بك يا محيى المهج والأرواح ومغيث المضطرين المكروبين. ويقول أحمد دادوش مناجيا ربه (٢): تستر العيب تغفر الذنب تعطى ... تمنع العبد، كلّ حكمك عدل تجبر الكسر تبدل العسر يسرا ... تكشف الضرّ كلّ ذلك بذل لم تزل محسنا غنيّا كريما ... أنت هو الخالق المعزّ المذلّ فقراء وأغنياء على البا ... ب وقوف لهم خضوع وذلّ وهو يذكر لله صفاته الربانية، فهو يستر العيب ويغفر الذنب ويعطى من غير حساب ويمنع لا رادّ له، وكل أفعاله عدل مطلق، إنه يجبر الكسر الذى لا يمكن جبره، ويبدل العسر يسرا ويكشف الضر، وكل ذلك كرم ليس وراءه كرم، وسبحانك ما أعظم شأنك لم

стр. 5068

تزل محسنا لعبادك غنيا جوادا، فأنت الخالق المعز المذل، وقد عم امتنانك وعمت عطاياك كل الخلق، وها هم فقراء وأغنياء يقفون ببابك خاضعين. ولأحمد بن عبد العزيز الهلالى فى العصر العلوى المتوفى سنة ١١٧٥ هـ/١٧٦١ م هذا الدعاء (١): لك الحمد كلّ الحمد يا راحم الضّعف ... ويا دائم الإحسان والرفق واللّطف لك الحمد ثم الشكر دون نهاية ... على نعم جلّت عن العدّ والوصف إليك مددنا الكفّ كيما تمدّنا ... بما نرتجى يا مالك البسط والكفّ فعاف ودافع واحم يا ربّ واكفنا ... بحفظك ما نخشى فغيرك لا يكفى وأبق علينا السّتر فى كلّ حالة ... بفضلك فى الدنيا والاخرى بلا كشف وأعظم وأعزز-يا عزيز-جنابنا ... وحطنا من الخذلان والضّيم والخسف وزدنا من الخيرات فوق مرامنا ... بفضلك-يا مولى-تعالى عن الكيف وهو يضرع إلى ربه قائلا لك الحمد يا راحم الضعفاء ويا دائم الإحسان وما يطوى فيه من الرفق واللطف، لك الحمد والشكر الذى لا نهاية له على نعم أسبغتها علىّ، وهى تجلّ عن أن تعدّ أو توصف، وإليك مددنا الكف داعين كى تعطينا ما نأمل يا مالك الإعطاء والمنع فامنحنا العافية وادفع عنا كل بلاء واحمنا منه يا رب واحفظنا من كل ما نخشى وأدم علينا الستر فى الدنيا والآخرة، وأعظم وأعزز حمانا وحطنا برعايتك من الخذلان والضيم والخسف وزدنا من طيبات الرزق فوق ما نريد بفضلك يا مولانا يا من تعاليت عن كل كيف وكل شبه بالمخلوقات. وأشعار الزهاد فى المغرب الأقصى طوال عصوره لا تكاد تحصى. (ب) شعراء التصوف التصوف-فى حقيقته-مبالغة فى الزهد والنسك وعبادة الله، ولذلك يعدّ كل ما ذكرناه من شعر الزهد مقدمة للتصوف، فالمتصوف من بالغ فى زهده وأخذ بركنين أساسيين من أركان التصوف وهما التوكل على الله والثقة فيه توكلا وثقة لا حد لهما حتى ليهمل أمر معاشه وكسب قوته. ومن قديم أو بعبارة أدق منذ القرن الرابع أخذت تشيع فيه طريقتان: طريقة فلسفية يتعمق الصوفى بها فى الحب الإلهى حتى ليفنى فيه شاعرا بضرب من الاتحاد مع سيد المخلوقات على نحو ما هو معروف عن الحلاج فى القرن الرابع الهجرى ثم من تابعوه أمثال ابن عربى. ومن حين إلى حين يلقانا بعض هؤلاء الصوفية المتفلسفين على نحو ما أوضحنا ذلك فى الجزء الخاص بالأندلس، وكان كثيرون من أصحاب هذا المنزع الأندلسيين ينزلون فى المغرب، وهو ما هيأ لظهور أمثال أبى مدين. غير أن هؤلاء فى رأبى كانوا شذوذا على الطريقة السنية

стр. 5069

التى اعتنقها صوفية المغرب الأقصى، إذ شاعت فيه منذ القرن السابع الهجرى الطريقة السنية الصوفية المعروفة لأبى الحسن الشاذلى. ونحن نجد مقدمات هذا التصوف السنى القائم على محبة الله دون فناء فيها مع التوكل والثقة فيه المفرطين على ألسنة كثيرين من الشعراء. ولعل ذلك ما جعل ابن الزيات يتوسّع فى كتابه «التشوف لمعرفة أهل التصوف» فيسلك فيه صلحاء المغرب وزهاده من العلماء والفقهاء الورعين ناظما لهم بين من سماهم أهل التصوف. وكانت كثرة الوعظ فى المساجد لأيام الجمع وغير أيام الجمع من أهم العوامل-كما أسلفنا-فى ازدهار الزهد ونزعة التصوف السنى فى المغرب، ولذلك كثر فى كتب التراجم نعت كثيرين بأنهم صوفية ونضرب مثلا للوعاظ بابن الحجام محمد بن أحمد اللخمى المكناسى وفيه يقول ابن عبد الملك المراكشى: «كان فاضلا صالحا زاهدا ذا حظ من الأدب وقرض الشعر مال إلى طريقة الوعظ والتذكير فرأس فيه أهل عصره بحسن الصوت وغزارة الحفظ وإتقان الإيراد والصدق والإخلاص فى وصاياه وتذكيره، فنفع الله به خلقا كثيرا فى بلاد شتى. . وله كتاب حفيل فى الوعظ سماه حجة الحافظين ومحجة الواعظين فى مجلدين ضخمين، وله يصف نفسه ومحبته لربه التى تعد أس التصوف وجوهره (١): غريب الوصف ذو علم غريب ... عليل القلب من حبّ الحبيب إذا ما الليل أظلم قام يبكى ... ويشكو ما يكنّ من الوجيب يقطّع ليله فكرا وذكرا ... وينطق فيه بالعجب العجيب به من حبّ سيّده غرام ... يجلّ عن التطبّب والطبيب ومن يك هكذا عبدا محبّا ... يطيب ترابه من غير طيب (٢) وهو يقول إن وصفه وعلمه فى حبه لربه غريب، ويشكو فى حبه من علة قلبه كما يشكو المحبون، ويقول إنه يظل طوال الليل قائما يبكى ويشكو من شدة حبه ولهيبه، وإنه لا يزال طوال ليله يفكر ويذكر ربه، ويقول إن غرامه بربه لا ينفع فيه تطبب ولا طبيب، كما يقول إن من يحب ربه هذا الحب المفرط يطيب مكانه فى حياته وفى قبره من غير طيب. ووعظ بإشبيلية فى الأندلس، ويذكر بعض مستمعيه هناك أنه كان من استحكام تأثيره فى الناس وانفعال القلوب لتذكيره بمقام تكلّ العبارة عن وصفه، ويقول: شاهدته فى إشبيلية، وقد ندب الناس إلى افتكاك أسارى لدى النصارى، فتسارع الناس إلى بذل ما حضرهم، وخلع كثيرون بعض ما كان عليهم من الثياب، فعهدى بها قد تراكمت أمام منبره حتى كادت تحجبه عن الأبصار، سوى ما وعد به من الحاضرين، وتجمّع من أثمان تلك الثياب مال جسيم.

стр. 5070

ويعقوب المنصور الموحدى المتوفى سنة ٥٩٥ للهجرة هو الذى جلبه إلى أهل حاضرته مراكش ليستمعوا إلى وعظه، وظل هو وخلفاؤه يوالونه بعطاياهم الجزيلة، ولم يكن يدخر منها شيئا إذ كان ينفقها على الفقراء والمحتاجين وفى تجهيز الفقيرات إلى أزواجهن حتى وفاته بمراكش سنة ٦١٤ للهجرة. وإنما استطردت فى الحديث عنه لأوضح سيرة واعظ زاهد بل صوفى مبكر من صوفية المغرب الأقصى ومدى إخلاصه فى وعظه وزهده وتصوفه. وكان الوعاظ من حوله كثيرين فى كل بلد مغربى. ونلتقى فى أواخر عصر الموحدين بصوفى كبير هو ابن المحلى وسنخصه بترجمة مفردة. ومر بنا فى الزهد حديث عن عبد الحق بن إسماعيل فى العصر المرينى وكتابه-المارّ ذكره-عن صلحاء الريف الشمالى وترجمته فيه لستة وأربعين من صلحائهم ويصفهم بأنهم أولياء وكأنه يعدهم جميعا من المتصوفة، وعادة يتبع الترجمة بأبيات من إنشائه وقد استشهدنا فى الزهد بمثال منها، وكثرتها تعمها الروح الصوفية على نحو ما يبدو من المقطوعات التى اقتبسها منه الأستاذ محمد بن تاويت فى كتابه الوافى (١)، من ذلك قوله من قصيدة فى ترجمة أبى القاسم بن الصيان الفاسى: الأنس بالله العظيم وذكره ... مما يزيد أولى التّقى إيمانا من كان نور الحق أيّده غدا ... ولهان من شغف به هيمانا سرّ الحقيقة لا يفوز بنيله ... غير امرئ مستنزل كتمانا لا يحرز الفضل المبين سوى الذى ... ملك العلوم مطهّرا جثمانا وهو يقول إن الأنس بالله والخلوة به وتسبيحه وذكره مما يزيد المتقين إيمانا بربهم، ويصف الصوفى الذى يؤيده نور الحق ﷻ فإنه يصبح به شغوقا ولهان هائما، غير أن ذلك إنما يفوز به وبسر الحقيقة فيه من يكتمه مخافة أن يعلن حبه لربه للناس، وما شأنهم؟ فيضيع منه ما حباه به. ويقول إنه لا يحرز هذا الفضل الصوفى إلا العالم الطاهر النقى الورع. وينعت المتصوفة ويعرّف بهم فى قوله بترجمة محمد اليستثنى البطيوى: علم اليقين أنالهم ما أمّلوا ... فدروا به عين اليقين وحقّه سلبوا فغابوا عن وجود نفوسهم ... فوجودهم محو يلازم محقه لم يعرفوا هجرا ولا وصلا ولا ... معنى يبيّن قربه أو سحقه وكأنما أسرارهم بقلوبهم ... درّ مصون لا يفارق حقّه ويقول إن الصوفية هم الصفوة التى منحها الله علم اليقين، فعرفته حق المعرفة، ويذكر أنهم سلبوا الشعور بالمحسوسات من حولهم، فغابوا حتى عن الشعور بوجودهم، وكأنما

стр. 5071

وجودهم انمحى انمحاء تاما، فلم يعودوا يشعرون بشئ سوى ربهم الذى استغرقهم وفنوا فى جلاله، وهم بذلك محبون حبّا من نوع خاص حبا إلهيا، لا هجر فيه ولا وصل ولا شئ سوى النعيم بالفناء فى الذات العلية، وهم لا يذيعون أسرار هذا الفناء ولا ذلك الحب إذ يكتمونها فى حقاق صدورهم وقلوبهم. ويصفهم مرة أخرى فى ترجمة إبراهيم بن صالح من وجوه المزمة منشدا: أهل الحقيقة إن نظرت وجدتهم ... متسربلين بكلّ فضل باهر قهروا نفوسهم ففازوا بالمنى ... من جود ربّ ذى جلال قاهر وتجوهروا بلطائف فتكلّلت ... تيجانهم بزبرجد وجواهر فهم أهل الحقيقة الربانية إن تأملتهم وعرفتهم حق المعرفة وجدتهم مزدانين بحلل من كل فضل باهر، وقد استطاعوا أن يقهروا نفوسهم ويردعوها عن كل متاع دنيوى ففازوا بأمانيهم من عطايا رب جواد ذى جلال وإكرام لا حد له، وكأنما بثّ فيهم ما جعلهم يستحيلون جواهر متألّقة، بل كأنما نظم على تيجانهم الصوفية الإلهية روائع الزبرجد والدرر النفيسة. وينعت أحدهم بحسن توكله على ربه، وهو مبدأ أساسى فى التصوف قائلا: حسن التوكّل فى القفار أناله ... حالا بها قد سرّه ما ناله جعل الاله له سبيلا فى الفلا ... سببا فحقّق فى الخلاص مناله فهو قد أحسن التوكل على ربه، فرزقه فى القفر بما سدّ رمقه وسرّه فى حياته الإلهية، وحقق له الخلاص من الدنيا وترهاتها. ويدور الزمن دورات ونلتقى بابن جابر محمد بن يحيى المتوفى سنة ٨٢٧ للهجرة وكان له نزوع نحو الزهد والتصوف، ومن قوله (١): نظرت إلى الوجود بعين قلبى ... فلم أر فيه غير الله وحده فثق بالله وارج الله واعمل ... للقيا الله تأمن كلّ شدّه وقد يظن من البيت الأول أنه ممن يؤمنون بالحلول وأن الذات الإلهية تحلّ فى كل مظاهر الوجود، لذلك لا يرى فيه سواه، ويطلب إلى مخاطبه أن يكون دائما واثقا فى الله لا يرجو ولا يأمل فى أحد سواه، ويعمل لآخرته حتى يأمن عذابه ويدخل جناته، وله فى التوكل على الله حق التوكل: على قدر نيّة أهل التوكّ ... ل يعطيهم الله منه المعونه فإن صحّح العبد إيقانه ... كفاه المهيمن همّ المئونه وهو يقول: بمقدار توكل العبد على ربه يمنحه العون والرعاية، وإن صحح يقينه وأخلص

стр. 5072

فى توكله عليه كفاه هم العيش، إذ هو المهيمن على كل عيش وكل شئ. ويقول عمر الفاسى المتوفى سنة ١١٨٨ للهجرة (١). الجأ إلى الله فى أمر تحاوله ... وابرأ إلى الله من حول ومن حيل وكل إلى الله كلّ الأمر واغن به ... عمّن سواه فإنّ الله خير ولى وهو يدعو قارئه إلى اللجوء لله فى كل أمر يحاوله ويبرأ إليه من كل قوة وكل حيلة، ويتكل عليه اتكالا صادقا مخلصا فى كل أمر، وليكتف به عمن سواه، فإنه خير المعينين على تحقيق الآمال، وهو فى ذلك يصدر عن مبدأ التوكل الصوفى. ونرى محمد بن عبد السلام بن ناصر الرحالة يصدر عن مبدأ الثقة فى الله الصوفى بمقطوعة فى أحد عشر بيتا ختمها جميعا بلفظ الجلالة، وفيها يقول (٢): لله فى الخلق ما اختارت مشيئته ... ما الخير إلا الذى يختاره الله إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ... ما لامرئ حيلة فيما قضى الله تجرى الأمور بأسباب لها علل ... تجرى الأمور على ما قدّر الله إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... إن الذى يكشف البلوى هو الله إن الأمور إذا ضاقت لها فرج ... كم من أمور شداد فرّج الله الله لى عدّة فى كلّ نائبة ... أقول فى كل حال حسبى الله فهو يسلم أمره لربه مؤمنا بأن الخير ما اختارته المشيئة الإلهية له، ويقول إنه ينبغى الاستسلام لقضاء الله، فليس لشخص حيلة فيما قضى الله وقدّره على عبده، ويذكر أن الأمور تجرى بأسباب ولها علل قد تغيب معرفتها عن الإنسان فيما قدّر له، وينصح المرء إذا نزل به بلاء أن يثق فى الله ويرضى به، فإنه هو الذى يكشف غمّة البلوى عنه، ولا ييأس أبدا فإن الأمور مهما ضاقت ومهما اشتدت لا بد أن يزيحها من لدن الله فرج، ويقول إنه يتخذ الله عدة له فى كل نائبة وكل كارثة معلنا دائما فى صدق وإخلاص أن الله حسبه. ونقف قليلا لنتحدث عن صوفى مبكر فى عصر الموحدين هو ابن المحلى . ابن (٣) المحلى هو محمد بن حسن بن عمر الفهرى، من أهل سبتة، كان أبوه قوّالا يغنى فى المحافل والأسواق-والمتلبّس بذلك يعرف فى المغرب بالمحلى-وقد ولد له محمد سنة ٥٨٣ هـ/١١٨٧ م ونشأ نشأة ادبية وعلمية ممتازة أصبح بها من كبار أساتذة سبتة، وكان أديبا بليغا ناظما وناثرا، فقيها عاقدا للشروط نحويا ماهرا برع فى الأدب ودرّسه للطلاب عمره مع الفقه ومسائل

стр. 5073

الشريعة، وكان حسن القيام على تفسير القرآن مذكرا، وعقد له حلقات مدة فانتفع به خلق كثير، وكان واعظا ولوعظه تأثير كبير فى سامعيه. وظل يعظ الناس طويلا بمسجد مقبرة زقلو فى سبتة، وولى القضاء بها سنة ٦٥٤ هـ/١٢٥٧ م وظل يليه محمود السيرة مشهورا بالعدل إلى نهاية عمره سنة ٦٦١ هـ/١٢٦٣ م. وكان شاعرا، وتعمقته النزعة الصوفية، وله فيها غير قصيدة، من ذلك قوله فى إحدى قصائده: [هل يبرح] العشق قلبا أنت مطلبه ... أو يذهب الشوق روحا أنت مذهبه وكيف يرجو وصالا من تبعّده ... أو كيف يخشى بعادا من تقرّبه يا من أناجيه والأشواق توهمنى ... نيل الوصال كأنّ الشوق يوجبه كم طيبة لك بالألطاف توجدها ... عند اللقا وفنائى فيك أطيبه ومنّة الجود تدنيه فتؤنسه ... وخشية الردّ تقصيه فتحجبه مناى أنت وحسبى أن تكون منى ... يا واهبا رغباتى قبل أرغبه كن كيف شئت فما لى عنك منصرف ... فالعبد ليس سوى مولاه مطلبه وهو يقول إن حبه للذات العلية لن يبرح فؤاده لأنه مطلب قلبه وأمنيته. ولن يذهب الشوق روحا، الله مذهبه وعقيدته. فحبه لربه لن يفارقه أبدا، ويتجه إليه مخاطبا كيف يرجو الوصل من تبعّده، بل كيف يخشى البعد من تقرّبه. ويقول إنه يناجيه، وتوهمه أشواقه أنه سينيله الوصل كأن مجرد الشوق يوجبه، ويعترف بأنه ينثر عليه كثيرا من الأشياء الطيبة، ويقول إن أطيب ما تفضل به ربه عليه فناؤه فيه، فهو يفنى بحبه فى الذات الإلهية، ودائما تقرّبه من ربه منحة الجود، فيشعر بأنس لا حد له، وفى الوقت نفسه يخشى الرد وأن يقصيه فيحجبه عنه، ويقول إن ربه مناه وحسبه أن يكون أمنيته أو مطلبه. ويذكر أن الله دائما يحقق له رغباته حتى قبل أن يفكر فيها، ويقول سواء قبله أو رفضه فليس له منصرف عنه، إذ هو عبده الذى يطلب القرب من مولاه دائما أبدا. ويقول فى قصيدة أخرى: فؤادى منقاد إليكم مذلّل ... ومالى-إذا لجّ العذول-جماح وهل من سبيل أن أطير إليكم ... وقد حصّ بى ريش وقصّ جناح (١) وأوحشتم فالكلّ فى الأذن نائح ... لدىّ وآفاق الوجود فساح خرست عن الشكوى إليكم مهابة ... وألسن حالى بالغرام فصاح ويا عجبا أنى أسير وأننى ... أناشدكم أن لا يتاح سراح إذا هزّ أرباب السماع تواجد ... فحظى منه زفرة وصياح وها أنا عند الباب منّوا أو اطردوا ... فما لى عنه-كيف كان-براح

стр. 5074

وهو يقول إن فؤاده منقاد إلى ربه مذلّل لحبه، وليس له-إذا لجّ العذول اللائم-جماح عنه ولا انفكاك منه، بل إنه ليتمنى أن يطير طيرانا إلى الذات العلية غير أن ريشه حصّ وجناحه قصّ، يكنى بذلك عن أنه مقصر فى نسكه، ويقول إنه طال نأى الله عنه وينوح ويسمع نواح الكون وصياحه من كل جانب مشاركة له فى وجده وما يجد فى غرامه بربه. ويذكر أنه خرس عن الشكوى لمحبوبه مهابة وحياء، وهو يذوب حبا وغراما، ويعجب أنه أسير، ويناشد ربه أن لا يسرّحه ولا يرد إليه حريته، بل يظل فى أسره. ويذكر أنه حين يهز أرباب السماع للشعر الصوفى تواجد، فإنه يظل من بينهم يرسل الزفرات والصيحات هائما بحب ربه، ويقول إننى سأظل واقفا بعتبة الباب سواء منّ الله عليه بالقبول أو حرمه وطرده، ولن يبرحها أبدا، ومن قوله فى إحدى قصائده: غرامى دعانى والعذول نهانى ... فوجد وعذل كيف يجتمعان أما علما أنى على الشّحط والنّوى ... مقيم وأنى والهوى أخوان يقولان لى: من ذا دعاك لما نرى؟ ... فقلت دعانى حبّه فدعانى أعلّل نفسى بالسلوّ تعلّلا ... وتلك أمان ما بهنّ أمانى إذا خفق البرق اليمانى بأفقكم ... أقابل ذاك الخفق بالخفقان رعى الله جيران العذيب وأهله ... وإن أترعونى من هوى وهوان لئن حجبوا عن ناظرى فكأنهم ... لقلبى يراهم فيه رأى عيان وهو يقول إن غرامه بحب الذات العلية يدعوه للاستغراق فيه، بينما يلومنى عذول، والعذول والوجد أو الهيام لا يجتمعان، ويقول إنه ملازم للحب فى النأى والبعد، وإنه والهوى أخوان فكيف يظن أحد أنهما سيفترقان، ويقول له صاحباه: ما الذى دعاك لما نرى؟ فأجابهم دعانى حبه ودعانى أو اتركانى، ويذكر أنه يعلل نفسه أحيانا بالسلو، ولكن أنّى له. ويتحدث كشاعر عذرى فيقول إنّي إذا خفق البرق اليمانى بأفقكم خفق قلبى معه، ويدعو لجيران العذيب فى نجد وأهله أن يرعاهم الله وإن ملئوه من شراب الهوى والهوان ما ملئوه، ويقول إنهم إن غابوا عن ناظرى فإن قلبى يراهم متجسدين فيه رأى عيان. ويستمر منشدا: أورّى بسلع والعذيب وحاجر ... وتلك مغان ما لهن معانى وأذكر سكان العذيب تستّرا ... وما ذكر سكان العذيب بشانى ولكن بقلبى من هو الحبّ كله ... ومن ذكره فى خاطرى ولسانى حبيب إذا لاحظت لم أر غيره ... على أنه إذ لا أراه يرانى ومن فضله وجدى به وتولّهى ... ومن جوده ما أشتكى وأعانى وطرت على حبّى له وكأنما ... برانى لمعنى الحب حين برانى

стр. 5075

وهو يقول إن مثله مثل شعراء الصوفية يذكر أماكن المحبوبات التى يذكرها أصحاب الغزل العذرى، وهى فى واقع الأمر منازل وأماكن ليس لها معنى عند الصوفية إلا معنى التواجد والشوق للمحبوب، ويقول إنه إنما يذكر سكان العذيب تسترا وتواجدا وليس ذكرهم من شأنه، وإنما هو إعلان لحبه وهيامه بربه، وإنه ليحل هواه فى قلبه حتى ليصبح هو الحب كله، وإنه ليذكره دائما فى خاطره وعلى لسانه، وإنه لحبيب لا أرى غيره فى الوجود إذا نظرت من حولى، ومع أنى لا أراه يرانى، ومن فضله علىّ هيامى به وتولهى، ومن كرمه ما أشتكى منه فى حبه وأعانى. ويشعر فى هيامه كأنما يطير إلى ربه طيرانا، وكأنه براه أو خلقه ربه لحبه، وهو حب صوفى سنى وليس فيه أى أثر للنزعة الفلسفية عند المتصوفة. ٥ - شعراء المدائح النبوية يشغف المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها بسيرة رسول الله ﷺ ، ومنذ أرسل وبعث وهو مهوى أفئدتهم، يمدحونه ويتغنون بمحبته ومناقبه ومعجزاته، ويتوسلون به إلى ربهم ويتشفعون مؤمنين بأنه المثل الكامل فى الورع والنسك والعمل بتعاليم رسالته. وإذا كان قد تغنى بمديحه أفراد فى حياته، فإن الأقاليم الإسلامية تغنت به وبسيرته وبشمائله فى كل بلد وكل عصر. والمغرب الأقصى مثله مثل الأقاليم العربية جميعا أكثر من التغنى بمديحه ورسالته منذ عصر المرابطين الذى أخذ فيه الشعر المغربى يزدهر ويتكاثر ويشترك فيه كثيرون، على نحو ما يلقانا فى أرجوزة تشتمل على نحو سبعة آلاف بيت لمحمد بن عيسى بن المناصف القرطبى الأصل المتوفى بمراكش سنة ٦٢٠. ومن أوائل من نجده شغوفا بالسيرة النبوية الكريمة وبفضائل رسول الله القاضى عياض وكتابه «الشفاء» فى السيرة النبوية العطرة مشهور. وله فى زيارة الرسول ﷺ (١): قف بالرّكاب فهذا الرّبع والدار ... لاحت علينا من الأحباب أنوار بشراك بشراك قد لاحت قبابهم ... فانزل فقد نلت ما تهوى وتختار هذا النبىّ الحجازىّ الذى شهدت ... له بتقديمه رسل وأخبار هذا الشفيع الذى ترجى شفاعته ... للمذنبين إذا ما اسودّت النار بادر وسلّم على أنوار روضته ... قبل الممات ولا تشغلك أعذار يا خيرة الرسل يا أعلى الورى شرفا ... قد أثقلتنى آثام وأوزار فكن شفيعى لما قدمت من زلل ... ومن خطايا فإن الربّ غفّار وهو يستوقف الرّكب أو القافلة فقد وصلوا إلى دار المصطفى ﷺ ولاحت أنوار من قبله

стр. 5076

عليهم، ويقول لنفسه بشراك فقد لاحت قباب الضريح النبوى ومسجده، وينبغى أن أنزل من فوق بعيرى، فقد نلت ما أهوى وأوثر، فهذا النبى الحجازى الذى تهفو إليه القلوب والذى بشرت به الرسل وأخبار الكتب السماوية، وهو الشفيع للمذنبين من أمته حين تتأجج نار الجحيم وتقول هل من مزيد. ويقول لكل مسلم: بادر وسلم على أنوار روضته التى قال فيها النبى ﷺ : ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة، وينبغى أن يزورها ويكتحل بأنوارها قبل مماته، ولا تشغله عن الزيارة القدسية أعذار. ويتجه بالخطاب إلى الرسول: يا خيرة الرسل وصفوتهم وأسمى الورى شرفا أثقلتنى آثام وأوزار كثيرة، فكن شفيعى لما قدمت من عثرات وخطيئات عند ربى، وإنه للغفار العظيم. ومن توسلات القاضى عياض الطريفة قوله متوسلا بالرسول الكريم (١): إليك مددت الكفّ أستمطر الفضلا ... وأستكشف البلوى وأستعطف الطّولا دعوتك مضطرّا فعجّل إجابتى ... بتفريج كرب طالما واصل الهولا وأنت ملاذى يا مرادى وسيّدى ... فسامح مسيئا قد جنى الجدّ والهزلا نداء من الأعماق يا فالق النّوى ... ويا سامع النّجوى ويا من هو الأعلى يتيم من الطاعات عفوك يرتجى ... قه الفقر والإفلاس والفقد والذّلاّ بجاه رسول الله فارحم تضرّعى ... ونفّس همومى كلّها الفرع والأصلا لجأت إلى باب الكريم لفاقتى ... فليس لنا مغن سواه ولا مولى وصلّ على قطب الوجود محمّد ... صلاة تعمّ الرّسل والصّحب والأهلا وهو يتوسل ضارعا إلى الرسول الكريم قائلا: إليك مددت كفى أستمطر وأستنزل الفضل طالبا كشف ما نزل بى من البلوى مستعطفا التفضل الكريم، ويقول قد دعوتك مضطرا فأجب دعائى عاجلا بتفريج كرب طالما شقيت به وبلغ بى هولا ما مثله هول، وأنت يا سيدى رسول الله ملاذى وملجئى ومقصدى، فسامحنى: سامح مسيئا طالما تجنّى فى جده وهزله. ويستغيث بربه قائلا: إنه نداء من أعمق الأعماق فى نفسى يا فالق الحب عن النبات والنوى عن النخيل وسامع النجوى الخفية يا ربى الأعلى إننى يتيم من الطاعات، والذنوب تثقل ظهرى، فارحم تضرعى تجاه رسول الله، وفرّج همومى جميعا الفرع منها والأصل وقد لجأت إلى بابك أيها الكريم لفاقتى وإنك وحدك المغنى وليس لنا مولى سواك. ربّى صلّ على قطب الوجود ومداره وسيده صلاة تعم الرسل وصحبه وآله.

стр. 5077

ونمضى إلى عصر الموحدين ونلتقى بميمون بن على الصنهاجى الفاسى المشهور باسم ميمون بن خبازة نسبة إلى خاله الشاعر الشهير بابن خبازة، لملازمته إياه وله مدحة نبوية طويلة. وسنترجم له عما قليل. وندخل فى عصر المرينيين ويلقانا فى أوائله مالك بن المرحل ومدائحه النبوية وسنخصه بترجمة، ونلتقى بأبى العباس العزفى المتوفى سنة ٦٣٣ من أهل سبتة الذى أنشأ فى بلدته-وبالتالى فى المغرب الأقصى-الاحتفال بالمولد النبوى وكان قد سبقه إلى ذلك أبو سعيد كوكبورى صاحب مدينة إربل. وأكبر الظن أن الذى ألهمهما ذلك احتفال المسيحيين بميلاد عيسى فى الحروب الصليبية بالمشرق واحتفال المسيحيين به فى الأندلس. واستنّ أبو العباس العزفىّ أن ينشد الشعراء فيه مدائحهم النبوية وتسمى الميلاديات، وكان لمالك بن المرحل غير ميلادية أنشدها فى احتفال أبى العباس العزفى. وتعنى الدولة المرينية-طوال القرن الثامن-بهذا الاحتفال، إذ يقول الحسن الوزان فى كتابه: وصف إفريقيا: «كان من عادة الحاكم فى أزهى أيام الدولة المرينية أن يحتفل بالمولد النبوى فيدعو إلى قصره العلماء وأهل الأدب فى مدينته: فاس، وكان الشعراء المجلّون يلقون فى هذه المناسبة قصائدهم بحضور الحاكم، وكان المنشدون يقفون فوق مصطبة عالية. وفى نهاية الحفل استنادا إلى حكم أشخاص من ذوى الخبرة كان الملك المرينى يمنح لأكثر الشعراء نبوغا وتفوقا مائة دينار وحصانا وجارية وكسوة، ويعطى كل شاعر من الشعراء الآخرين خمسين دينارا فينصرف الجميع وقد حصل كل منهم على جائزته أو مكافأته». ويقول الوزان تتمة لذلك إنه كان ينادى فى أيامه أوائل القرن العاشر الهجرى على الشاعر الذى ترى لجنة التحكيم أنه الأفضل شعرا بأنه أمير الشعراء لذلك العام (١). ولا ريب فى أن هذا الصنيع كان يحدث تنافسا حميدا بين شعراء فاس عاصمة المرينيين. ويشير الأستاذ ابن تاويت إلى مدحة نبوية للرحالة العبدرى فى أواخر القرن السابع الهجرى وميلادية لمحمد بن يحيى العزفى أنشدها فى احتفال لأبى سالم المرينى، ويذكر لعبد الرحمن المكودى المتوفى سنة ٨٠٧ للهجرة مقصورة ويأخذ فى تحليلها. وفن المقصورات قديم بدأه ابن دريد بمقصورة فى مديح أمير سامانى ملأها باللفظ الغريب واختار لها وزن الرجز. ونظم حازم القرطاجنى مقصورة فى مديح أبى زكريا الحفصى. . غير أن المكودى أول مغربى نظم مقصورة من الرجز فى مديح المصطفى وضمنها طائفة من الألفاظ الغريبة، ووصف فى مطالعها الرحلة إلى الحجاز وألّم بذكريات شبابه فى موطنه وضمنها كثيرا من الحكم ومن الحديث عن غزوات الرسول وعن مصير بعض الدول الإسلامية والدول التى أدال الله منها للإسلام مثل دولتى الأكاسرة والقياصرة وعرّج على بعض الدول العربية البائدة القديمة، ومن قوله فى مديح الرسول ﷺ :

стр. 5078

وليس ذخرى غير مدح أحمد ... سيّد أهل الأرض طرّا والسّما وأصبح الدين القويم قيّما ... سما على الأديان طرّا وعلا وكم له من آية بيّنة ... ومعجزات مثل إشراق الضحى ويغلب على المقصورة السرد مما يفقدها فى كثير من جوانبها الجمال الشعرى. وكما مدح الرسول فى العصر المرينى بالمدائح الشعرية مدح بالموشحات، ومن أطرفها موشحة ابن سعيد المكناسى المذكورة فى الحديث عن الموشحات ص ٣٨٣. وتعنى الدولة السعدية باحتفالات المولد النبوى وخاصة حاكمها المنصور الذهبى، وتكثر فيها المدائح النبوية المسماة بالميلاديات، وعادة يستطرد الشاعر فيها إلى مديح الحاكم، ويقول المقرى فى كتابه: «روضة الآس»: «ما قيل فى الموالد النبوية التى احتفل لها هذا الخليفة المنصور لا يمكن حصره» ثم يذكر أنه كانت تصنع شموع أعظم من الأسطوانات يطاف بها فى فاس، حتى إذا وصلوا إلى قصر الخليفة أدخلوها فى ساحة كبيرة متخذين لها آلات عظيمة من النحاس المحكم الصنعة فتوضع فوقها وترى صاعدة فى السماء كالمنارة، ويحشر الناس إلى ذلك، ويدعى المنشدون للأشعار وتنثر عليهم الفضة، ويأمر لكل شخص منهم بكسوة وجوائز قد تبلغ الآلاف (١). ويضيف عبد العزيز الفشتالى فى كتابه مناهل الصفا إضافات كثيرة فى هذا الاحتفال الذى كان أشبه بعيد ضخم يمتد طوال الليل، وكان المنصور يبدأ الاحتفال الرسمى به بعد صلاة الفجر وقد اصطفت جذوع الشموع أمام قبة قصره منافسة للنخيل والمآذن فى الضخامة مختلفة الألوان من بيض لؤلؤية وحمر أرجوانية وخضر سندسية، ويغصّ السرادق المنصوب للناس بالشرفاء والقضاة والفقهاء والكتاب والشعراء والقراء وبعد فراغ الواعظ من فضائل الرسول ﷺ وسرد معجزاته يقدّم أهل الذكر والإنشاد، ثم تتعالى الأصوات بمدائح الرسول المسماة بالمولديات أو الميلاديات نسبة إلى مولده أو ميلاده الشريف، ثم يتبعهم أهل الذكر بالرقيق من كلام الشيخ الصوفى الأندلسى أبى الحسن الششترى، ثم ينشد الشعر. والمتبع فى الإنشاد أن يقف بإزاء الشاعر مسمع ينيبه الشاعر عنه فى إنشاد قصيدته، ويعود الشاعر إلى مكانه. ويذكر الفشتالى الوليمة المهيأة للعيد، ويقول بعد أيامها توزع صلات الشعراء وعليها توقيعات الخليفة المنصور. ويسوق عبد العزيز الفشتالى بعض ما كان ينشد فى هذا العيد لعهد هذا الخليفة (٢). وبكتاب روضة الآس للمقرى نحو عشرين ميلادية لشعراء مختلفين أنشدت فى هذا العيد أيام المنصور منها خمس لعبد العزيز الفشتالى شاعره وكاتبه،

стр. 5079

وأهم ميلادياته نونية، يستهلها باستيقاف ركب متجه إلى الأرض الطيبة: أرض الحجاز، ويتمنى زورة للرسول الكريم تشفى جفونه القريحة بنظرة يغمرها النور النبوى ويحيّى ربوع مكة والمدينة القدسية التى تلت بها الملائكة أفانين ذكر وقرآن، ثم يقول (١): محمّد خير العالمين بأسرها ... وسيد أهل الأرض م الإنس والجان ومن بشّرت ببعثه قبل كونه ... نواميس كهّان وأخبار رهبان وإن كتاب الله أعظم آية ... بها افتضح الميّان وابتأس الشانى (٢) نبىّ الهدى من أطلع الحقّ أنجما ... محا نورها أسداف إفك وبهتان (٣) لعزّته ذلّ الأكاسرة الألى ... هم سلبوا تيجانهم آل ساسان وأحرز للدّين الحنيفىّ بالظّبا ... تراث الملوك الصّيد من عهد يونان (٤) وهو يقول محمد خير العالمين وسيد أهل الأرض من الإنس والجن، إنه صفوة خلق الله ومن بشرت بأنه مبعوث شرائع الكهان وأخبار الرهبان، فقد كان العالم ينتظره لينقذه مما يعانيه من هوان وظلم وضلال. فأرسله الله رحمة وهداية للعالمين، وللإنس والجن يحمل فى يده وصدره معجزته الكبرى: القرآن الكريم الذى لا تماثله معجزة سابقة ولا لاحقة، وبها افتضح الكذابون المفترون والحاقدون الشانئون. نبى الهدى الهادى الذى أطلع الله به نور الحق ليمحو به كل كذب وبهتان. ولعزته ذل الأكاسرة السّاسانيون وألقوا عن يد وهم صاغرون، وتملّك الدين الحنيف بالظبا والسيوف تراث سادة الملوك القياصرة من عهد يونان والزمن القديم. وللتاستاوتى المتوفى سنة ١١٢٧ للهجرة مدحة نبوية فى أربعمائة بيت، يجعل مقدماتها لمديح موطنه وتاريخ الإسلام وبعض دوله، ويخص المديح النبوى بثلاثمائة بيت من ذلك قوله (٥): أيخاطب العبد الذى لعبت به ... شهواته صدر الصدور الأوحد نكن تحقّق بالأدلّة عندنا ... لا شخص أحلم فى الورى من أحمد أنت المؤمّل فى الشدائد كلها ... أنت الجواد الغيث للمسترفد أنت الذى من أمّ بيتك راغبا ... ولو اقتضى أمرا عظيما يسعد أنت الذى سعدت بك الأشياء قا ... طبة ومن يقصد سعيدا يسعد وهو يعجب-لكثرة ذنوبه-من جراءته على مخاطبة أعظم مخلوق بشرى، ويعود إلى نفسه فيقول إنه تحقق لديه بالأدلة أن رسول الله أحلم من على وجه الأرض، ولذلك قصده وهو يعلم أنه حليم كريم آملا فى ذرة من حلمه وكرمه، ويتجه له بالخطاب قائلا: إنك

стр. 5080

المؤمل المرجو فى الشدائد والكوارث كلها، وإنك الغيث المدرار الذى يجزل العطاء لمسترفده وطالب البر منه. ويقول له إن من قصد بيتك تنيله ما طلب مهما كان جسيما، وأنت مصدر السعادة البشرية فليس غريبا أن من يقصدك يسعد فى الدنيا والآخرة. وتتكاثر المدائح النبوية والتوسلات بالرسول ﷺ فى العصر العلوى. ومن أجمل التوسلات توسل أنشده الأستاذ ابن تاويت للشاعر محمد البوعصامى، وفيه يقول (١): سحّى بدمع كالعقيق محاجرى ... شوقا لطيبة والعقيق وحاجر (٢) تلك المعاهد حين أظهر دينه ... ربّ البريّة بالرسول الطاهر سرّ الوجود محمد خير الورى ... والمنتقى من كل أصل طاهر من قد تجلّت طيبة الزّهرا به ... وزهت ففاقت كلّ روض زاهر وسمت على الفردوس حقّا واكتست ... حلل السّنا من شأنه المتواتر وتواضعت لمعالم الهادى بها ال ... آفاق كالفلك المحيط الدائر وهو يقول لعينيه اذرفا دمعا أحمر كالعقيق شوقا لطيبة ومنازلها مثل العقيق وحاجر التى كانت قائمة حين بعثه الله برسالته الكبرى، وإنه لسر الوجود خير الورى المختار من كل أصل شريف طاهر، وقد تجلّت به طيبة: المدينة وسبقت جميع المدن، وزهت حتى فاقت كل روض ناضر، وحقّ لها، بل لقد سمت على الفردوس، واكتست حلل الشرف بفضائله المتواترة، وتواضعت لها الآفاق كالفلك المحيط بقطب الدائرة. وحرى بنا أن نتوقف قليلا لنترجم ل ميمون بن خبازة ومالك بن المرحل. ميمون (٣) بن خبازة هو ميمون بن على الصنهاجى الفاسى الساكن بأخرة فى مراكش، ويسمى ابن خبازة نسبة إلى خاله الشاعر المشهور بابن خبازة لملازمته إياه. من شعراء عصر الموحدين، ويقول ابن عبد الملك المراكشى فى كتابه «الذيل والتكملة»: كان أديبا شاعرا مفلقا من أكبر أعاجيب الدهر فى سرعة البديهة، ناظما أو ناثرا، مع الإجادة التى لا يجارى فيها والتفنن فى أساليب الكلام معربه وهزله. . ذا مشاركة حسنة فى علم الكلام وأصول الفقه، وتنسك وتصوف وقتا، ووعظ. . وعارض ابن الجوزى فى بعض فصوله فأجاد». وعبر إلى الأندلس وظل فى رعاية والى إشبيلية أبى العلاء بن المنصور زمنا، وله فيه مدائح كثيرة وله فى غيره مدائح مختلفة
следующие страницы →