عليهم، ويقول لنفسه بشراك فقد لاحت قباب الضريح النبوى ومسجده، وينبغى أن أنزل من فوق بعيرى، فقد نلت ما أهوى وأوثر، فهذا النبى الحجازى الذى تهفو إليه القلوب والذى بشرت به الرسل وأخبار الكتب السماوية، وهو الشفيع للمذنبين من أمته حين تتأجج نار الجحيم وتقول هل من مزيد. ويقول لكل مسلم: بادر وسلم على أنوار روضته التى قال فيها النبى ﷺ : ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة، وينبغى أن يزورها ويكتحل بأنوارها قبل مماته، ولا تشغله عن الزيارة القدسية أعذار. ويتجه بالخطاب إلى الرسول: يا خيرة الرسل وصفوتهم وأسمى الورى شرفا أثقلتنى آثام وأوزار كثيرة، فكن شفيعى لما قدمت من عثرات وخطيئات عند ربى، وإنه للغفار العظيم. ومن توسلات القاضى عياض الطريفة قوله متوسلا بالرسول الكريم (١):
إليك مددت الكفّ أستمطر الفضلا ... وأستكشف البلوى وأستعطف الطّولا
دعوتك مضطرّا فعجّل إجابتى ... بتفريج كرب طالما واصل الهولا
وأنت ملاذى يا مرادى وسيّدى ... فسامح مسيئا قد جنى الجدّ والهزلا
نداء من الأعماق يا فالق النّوى ... ويا سامع النّجوى ويا من هو الأعلى
يتيم من الطاعات عفوك يرتجى ... قه الفقر والإفلاس والفقد والذّلاّ
بجاه رسول الله فارحم تضرّعى ... ونفّس همومى كلّها الفرع والأصلا
لجأت إلى باب الكريم لفاقتى ... فليس لنا مغن سواه ولا مولى
وصلّ على قطب الوجود محمّد ... صلاة تعمّ الرّسل والصّحب والأهلا
وهو يتوسل ضارعا إلى الرسول الكريم قائلا: إليك مددت كفى أستمطر وأستنزل الفضل طالبا كشف ما نزل بى من البلوى مستعطفا التفضل الكريم، ويقول قد دعوتك مضطرا فأجب دعائى عاجلا بتفريج كرب طالما شقيت به وبلغ بى هولا ما مثله هول، وأنت يا سيدى رسول الله ملاذى وملجئى ومقصدى، فسامحنى: سامح مسيئا طالما تجنّى فى جده وهزله. ويستغيث بربه قائلا: إنه نداء من أعمق الأعماق فى نفسى يا فالق الحب عن النبات والنوى عن النخيل وسامع النجوى الخفية يا ربى الأعلى إننى يتيم من الطاعات، والذنوب تثقل ظهرى، فارحم تضرعى تجاه رسول الله، وفرّج همومى جميعا الفرع منها والأصل وقد لجأت إلى بابك أيها الكريم لفاقتى وإنك وحدك المغنى وليس لنا مولى سواك. ربّى صلّ على قطب الوجود ومداره وسيده صلاة تعم الرسل وصحبه وآله.
стр. 5077
ونمضى إلى عصر الموحدين ونلتقى بميمون بن على الصنهاجى الفاسى المشهور باسم ميمون بن خبازة نسبة إلى خاله الشاعر الشهير بابن خبازة، لملازمته إياه وله مدحة نبوية طويلة. وسنترجم له عما قليل. وندخل فى عصر المرينيين ويلقانا فى أوائله مالك بن المرحل ومدائحه النبوية وسنخصه بترجمة، ونلتقى بأبى العباس العزفى المتوفى سنة ٦٣٣ من أهل سبتة الذى أنشأ فى بلدته-وبالتالى فى المغرب الأقصى-الاحتفال بالمولد النبوى وكان قد سبقه إلى ذلك أبو سعيد كوكبورى صاحب مدينة إربل. وأكبر الظن أن الذى ألهمهما ذلك احتفال المسيحيين بميلاد عيسى فى الحروب الصليبية بالمشرق واحتفال المسيحيين به فى الأندلس. واستنّ أبو العباس العزفىّ أن ينشد الشعراء فيه مدائحهم النبوية وتسمى الميلاديات، وكان لمالك بن المرحل غير ميلادية أنشدها فى احتفال أبى العباس العزفى. وتعنى الدولة المرينية-طوال القرن الثامن-بهذا الاحتفال، إذ يقول الحسن الوزان فى كتابه: وصف إفريقيا: «كان من عادة الحاكم فى أزهى أيام الدولة المرينية أن يحتفل بالمولد النبوى فيدعو إلى قصره العلماء وأهل الأدب فى مدينته: فاس، وكان الشعراء المجلّون يلقون فى هذه المناسبة قصائدهم بحضور الحاكم، وكان المنشدون يقفون فوق مصطبة عالية. وفى نهاية الحفل استنادا إلى حكم أشخاص من ذوى الخبرة كان الملك المرينى يمنح لأكثر الشعراء نبوغا وتفوقا مائة دينار وحصانا وجارية وكسوة، ويعطى كل شاعر من الشعراء الآخرين خمسين دينارا فينصرف الجميع وقد حصل كل منهم على جائزته أو مكافأته». ويقول الوزان تتمة لذلك إنه كان ينادى فى أيامه أوائل القرن العاشر الهجرى على الشاعر الذى ترى لجنة التحكيم أنه الأفضل شعرا بأنه أمير الشعراء لذلك العام (١). ولا ريب فى أن هذا الصنيع كان يحدث تنافسا حميدا بين شعراء فاس عاصمة المرينيين. ويشير الأستاذ ابن تاويت إلى مدحة نبوية للرحالة العبدرى فى أواخر القرن السابع الهجرى وميلادية لمحمد بن يحيى العزفى أنشدها فى احتفال لأبى سالم المرينى، ويذكر لعبد الرحمن المكودى المتوفى سنة ٨٠٧ للهجرة مقصورة ويأخذ فى تحليلها. وفن المقصورات قديم بدأه ابن دريد بمقصورة فى مديح أمير سامانى ملأها باللفظ الغريب واختار لها وزن الرجز. ونظم حازم القرطاجنى مقصورة فى مديح أبى زكريا الحفصى. . غير أن المكودى أول مغربى نظم مقصورة من الرجز فى مديح المصطفى وضمنها طائفة من الألفاظ الغريبة، ووصف فى مطالعها الرحلة إلى الحجاز وألّم بذكريات شبابه فى موطنه وضمنها كثيرا من الحكم ومن الحديث عن غزوات الرسول وعن مصير بعض الدول الإسلامية والدول التى أدال الله منها للإسلام مثل دولتى الأكاسرة والقياصرة وعرّج على بعض الدول العربية البائدة القديمة، ومن قوله فى مديح الرسول ﷺ :
стр. 5078
وليس ذخرى غير مدح أحمد ... سيّد أهل الأرض طرّا والسّما
وأصبح الدين القويم قيّما ... سما على الأديان طرّا وعلا
وكم له من آية بيّنة ... ومعجزات مثل إشراق الضحى
ويغلب على المقصورة السرد مما يفقدها فى كثير من جوانبها الجمال الشعرى. وكما مدح الرسول فى العصر المرينى بالمدائح الشعرية مدح بالموشحات، ومن أطرفها موشحة ابن سعيد المكناسى المذكورة فى الحديث عن الموشحات ص ٣٨٣.
وتعنى الدولة السعدية باحتفالات المولد النبوى وخاصة حاكمها المنصور الذهبى، وتكثر فيها المدائح النبوية المسماة بالميلاديات، وعادة يستطرد الشاعر فيها إلى مديح الحاكم، ويقول المقرى فى كتابه: «روضة الآس»: «ما قيل فى الموالد النبوية التى احتفل لها هذا الخليفة المنصور لا يمكن حصره» ثم يذكر أنه كانت تصنع شموع أعظم من الأسطوانات يطاف بها فى فاس، حتى إذا وصلوا إلى قصر الخليفة أدخلوها فى ساحة كبيرة متخذين لها آلات عظيمة من النحاس المحكم الصنعة فتوضع فوقها وترى صاعدة فى السماء كالمنارة، ويحشر الناس إلى ذلك، ويدعى المنشدون للأشعار وتنثر عليهم الفضة، ويأمر لكل شخص منهم بكسوة وجوائز قد تبلغ الآلاف (١). ويضيف عبد العزيز الفشتالى فى كتابه مناهل الصفا إضافات كثيرة فى هذا الاحتفال الذى كان أشبه بعيد ضخم يمتد طوال الليل، وكان المنصور يبدأ الاحتفال الرسمى به بعد صلاة الفجر وقد اصطفت جذوع الشموع أمام قبة قصره منافسة للنخيل والمآذن فى الضخامة مختلفة الألوان من بيض لؤلؤية وحمر أرجوانية وخضر سندسية، ويغصّ السرادق المنصوب للناس بالشرفاء والقضاة والفقهاء والكتاب والشعراء والقراء وبعد فراغ الواعظ من فضائل الرسول ﷺ وسرد معجزاته يقدّم أهل الذكر والإنشاد، ثم تتعالى الأصوات بمدائح الرسول المسماة بالمولديات أو الميلاديات نسبة إلى مولده أو ميلاده الشريف، ثم يتبعهم أهل الذكر بالرقيق من كلام الشيخ الصوفى الأندلسى أبى الحسن الششترى، ثم ينشد الشعر. والمتبع فى الإنشاد أن يقف بإزاء الشاعر مسمع ينيبه الشاعر عنه فى إنشاد قصيدته، ويعود الشاعر إلى مكانه. ويذكر الفشتالى الوليمة المهيأة للعيد، ويقول بعد أيامها توزع صلات الشعراء وعليها توقيعات الخليفة المنصور. ويسوق عبد العزيز الفشتالى بعض ما كان ينشد فى هذا العيد لعهد هذا الخليفة (٢). وبكتاب روضة الآس للمقرى نحو عشرين ميلادية لشعراء مختلفين أنشدت فى هذا العيد أيام المنصور منها خمس لعبد العزيز الفشتالى شاعره وكاتبه،
стр. 5079
وأهم ميلادياته نونية، يستهلها باستيقاف ركب متجه إلى الأرض الطيبة: أرض الحجاز، ويتمنى زورة للرسول الكريم تشفى جفونه القريحة بنظرة يغمرها النور النبوى ويحيّى ربوع مكة والمدينة القدسية التى تلت بها الملائكة أفانين ذكر وقرآن، ثم يقول (١):
محمّد خير العالمين بأسرها ... وسيد أهل الأرض م الإنس والجان
ومن بشّرت ببعثه قبل كونه ... نواميس كهّان وأخبار رهبان
وإن كتاب الله أعظم آية ... بها افتضح الميّان وابتأس الشانى (٢)
نبىّ الهدى من أطلع الحقّ أنجما ... محا نورها أسداف إفك وبهتان (٣)
لعزّته ذلّ الأكاسرة الألى ... هم سلبوا تيجانهم آل ساسان
وأحرز للدّين الحنيفىّ بالظّبا ... تراث الملوك الصّيد من عهد يونان (٤)
وهو يقول محمد خير العالمين وسيد أهل الأرض من الإنس والجن، إنه صفوة خلق الله ومن بشرت بأنه مبعوث شرائع الكهان وأخبار الرهبان، فقد كان العالم ينتظره لينقذه مما يعانيه من هوان وظلم وضلال. فأرسله الله رحمة وهداية للعالمين، وللإنس والجن يحمل فى يده وصدره معجزته الكبرى: القرآن الكريم الذى لا تماثله معجزة سابقة ولا لاحقة، وبها افتضح الكذابون المفترون والحاقدون الشانئون. نبى الهدى الهادى الذى أطلع الله به نور الحق ليمحو به كل كذب وبهتان. ولعزته ذل الأكاسرة السّاسانيون وألقوا عن يد وهم صاغرون، وتملّك الدين الحنيف بالظبا والسيوف تراث سادة الملوك القياصرة من عهد يونان والزمن القديم. وللتاستاوتى المتوفى سنة ١١٢٧ للهجرة مدحة نبوية فى أربعمائة بيت، يجعل مقدماتها لمديح موطنه وتاريخ الإسلام وبعض دوله، ويخص المديح النبوى بثلاثمائة بيت من ذلك قوله (٥):
أيخاطب العبد الذى لعبت به ... شهواته صدر الصدور الأوحد
نكن تحقّق بالأدلّة عندنا ... لا شخص أحلم فى الورى من أحمد
أنت المؤمّل فى الشدائد كلها ... أنت الجواد الغيث للمسترفد
أنت الذى من أمّ بيتك راغبا ... ولو اقتضى أمرا عظيما يسعد
أنت الذى سعدت بك الأشياء قا ... طبة ومن يقصد سعيدا يسعد
وهو يعجب-لكثرة ذنوبه-من جراءته على مخاطبة أعظم مخلوق بشرى، ويعود إلى نفسه فيقول إنه تحقق لديه بالأدلة أن رسول الله أحلم من على وجه الأرض، ولذلك قصده وهو يعلم أنه حليم كريم آملا فى ذرة من حلمه وكرمه، ويتجه له بالخطاب قائلا: إنك
стр. 5080
المؤمل المرجو فى الشدائد والكوارث كلها، وإنك الغيث المدرار الذى يجزل العطاء لمسترفده وطالب البر منه. ويقول له إن من قصد بيتك تنيله ما طلب مهما كان جسيما، وأنت مصدر السعادة البشرية فليس غريبا أن من يقصدك يسعد فى الدنيا والآخرة. وتتكاثر المدائح النبوية والتوسلات بالرسول ﷺ فى العصر العلوى. ومن أجمل التوسلات توسل أنشده الأستاذ ابن تاويت للشاعر محمد البوعصامى، وفيه يقول (١):
سحّى بدمع كالعقيق محاجرى ... شوقا لطيبة والعقيق وحاجر (٢)
تلك المعاهد حين أظهر دينه ... ربّ البريّة بالرسول الطاهر
سرّ الوجود محمد خير الورى ... والمنتقى من كل أصل طاهر
من قد تجلّت طيبة الزّهرا به ... وزهت ففاقت كلّ روض زاهر
وسمت على الفردوس حقّا واكتست ... حلل السّنا من شأنه المتواتر
وتواضعت لمعالم الهادى بها ال ... آفاق كالفلك المحيط الدائر
وهو يقول لعينيه اذرفا دمعا أحمر كالعقيق شوقا لطيبة ومنازلها مثل العقيق وحاجر التى كانت قائمة حين بعثه الله برسالته الكبرى، وإنه لسر الوجود خير الورى المختار من كل أصل شريف طاهر، وقد تجلّت به طيبة: المدينة وسبقت جميع المدن، وزهت حتى فاقت كل روض ناضر، وحقّ لها، بل لقد سمت على الفردوس، واكتست حلل الشرف بفضائله المتواترة، وتواضعت لها الآفاق كالفلك المحيط بقطب الدائرة. وحرى بنا أن نتوقف قليلا لنترجم ل ميمون بن خبازة ومالك بن المرحل.
ميمون (٣) بن خبازة
هو ميمون بن على الصنهاجى الفاسى الساكن بأخرة فى مراكش، ويسمى ابن خبازة نسبة إلى خاله الشاعر المشهور بابن خبازة لملازمته إياه. من شعراء عصر الموحدين، ويقول ابن عبد الملك المراكشى فى كتابه «الذيل والتكملة»: كان أديبا شاعرا مفلقا من أكبر أعاجيب الدهر فى سرعة البديهة، ناظما أو ناثرا، مع الإجادة التى لا يجارى فيها والتفنن فى أساليب الكلام معربه وهزله. . ذا مشاركة حسنة فى علم الكلام وأصول الفقه، وتنسك وتصوف وقتا، ووعظ. . وعارض ابن الجوزى فى بعض فصوله فأجاد». وعبر إلى الأندلس وظل فى رعاية والى إشبيلية أبى العلاء بن المنصور زمنا، وله فيه مدائح كثيرة وله فى غيره مدائح مختلفة
стр. 5081
وكان يأتى فى مدائحه بما لم يسمع قبله ولا يطمع فى لحاقه، سرعة ارتجال وحسن افتنان وبراعة إنشاء، وتولى حسبة السوق فى مراكش لعهد الخليفة المأمون الموحدى ووقف معه فى ثورته على دعوة ابن تومرت كما أسلفنا وله يهجو ابن تومرت:
وجد النبوّة حلّة مطويّة ... لا يستطيع الخلق نسج مئالها
فأسرّ حسوا فى ارتغاء يبتغى ... بمحاله نسجا على منوالها
وأسرّ حسوا فى ارتغاء مثل يضرب للشخص يظهر أنه يشرب الرغوة، وهو ينال من اللبن. وتوفى ابن خبازة فى أوائل سنة ٦٣٧ هـ/١٢٤٠ م، وله مدحة نبوية رائعة دوّت شهرتها فى عصره وبعد عصره، يقول فى مطلعها:
حقيق علينا أن نجيب المعاليا ... لنفنى فى مدح الحبيب المعانيا
ونجمع أشتات الأعاريض حسبة ... ونحشد فى ذات الإله القوافيا (١)
ونقتاد للأشعار كلّ كتيبة ... لنصر الهدى والدين تردى الأعاديا (٢)
لنطلع من أمداح أحمد أنجما ... تلوح فتجلو من سناه الدّياجيا
سهوت بمدح الخلق دهرا فهذه ... سجودى لجبرى كلّ ما قلت ساهيا
رسول براه الله من صفو نوره ... وألبسه بردا من النور ضافيا (٣)
وما زال ذاك النور من عهد آدم ... ينير به الله العصور الخواليا
وهو يقول إنه ينبغى أن أستجيب للمعالى فأفنى فى مديح الرسول الكريم سيد الوجود المعانى وأجمع أشتات الأشعار احتسابا لله وأحشد القوافى إخلاصا له، وأقتاد كتائب الشعر لنصرة الدين وتدمير أعاديه، ولنبدى من أمداحه نجوما تجلو من نوره الدياجى المظلمة. ويعتذر عن تمضية عمره فى مديح الحكام والأمراء ساهيا عن مديح الرسول الكريم، وهو يقدم تلك المدحة بأخرة من حياته جبرا لما سها عنه قديما. ويقول إنه رسول عظيم خلقه الله من صفو نوره وألبسه من النور حلة سابغة، وظل هذا النور المحمدى الباهر ينير العصور الخوالى. وتطلّ من الأبيات التالية فكرة الحقيقة المحمدية التى تغنّى بها الحلاج والمتصوفة بعده، وهى حقيقة تؤذن بأن الرسول أقدم فى خلقه المعنوى أو الروحى من خلق الأنبياء. ويقول ميمون فى قصيدته: بفضله تاب الله على آدم وأنقذ نوحا وخلصه من الموج العاتى وحمى إبراهيم الخليل من النار حين ألقاه أعداؤه فيها، ومن أجله افتدى إسماعيل الذبيح. وحين وضع أمّه له حفّت به الأملاك وأعول إبليس اللعين وتنبّئت به الأحبار والكهان وتداعى إيوان كسرى. ثم يمضى فى الحديث عن سيرته منذ كان فى المهد، وحملته السيدة حليمة لترضعه ويذكر
стр. 5082
ما روى من شق جبريل وميكائيل لصدره وإيداعهما فيه النور الهادى، ويتحدث عن رحلته إلى الشام ولقائه لبحيرا الراهب ونسطور راهب بصرى الذى بشره ببعثته، وما كان من تحنّثه فى حراء واختيار الله له كى يبلّغ رسالته، ويذكر إسراءه ومعراجه إلى السموات ومناجاته لربه. ويأخذ فى سرد معجزاته منذ بدء هجرته ونسج العنكبوت لبيوته على غار حراء حتى لا تظن قريش أن به الرسول وصاحبه الصديق، ويستطرد إلى بعض ما تذكره كتب السيرة النبوية من الآيات والمعجزات، ويعرض فى نهاية مدحته معجزة الرسول الكبرى: القرآن الكريم، منشدا:
وآياته جلّت عن العدّ كثرة ... فما تبلغ الأقوال منها تناهيا
وأعظمها الوحى الذى خصّه به ... فبلّغ عنه آمرا فيه ناهيا
تحدّى به أهل البيان بأسرهم ... فكلّهم ألفاه بالعجز وانيا
وجاء به وحيا صريحا يزيده ... مرور الليالى جدّة وتعاليا
تضمّن أحكام الوجود بأسرها ... وحكم القضاء مثبتا فيه نافيا
وأخبر عما كان أو هو كائن ... يرى ماضيا أو ما يرى بعد آتيا
وما كتبت يمناه قطّ صحيفة ... ولا رئ يوما للصحائف تاليا (١)
عليه سلام الله لا زال رائحا ... عليه مدى الأيام حقّا وغاديا
وهو يقول إن معجزات الرسول ﷺ أكثر من أن تعدّ وتحصى، وإن الأقوال مهما تكاثرت لا تستطيع أن تحيط بها، وأعظمها القرآن المعجزة الكبرى التى ليس لها مثال سابق ولا مثال لا حق وإنه ليحمل أوامر الله ونواهيه وقد تحدى الرسول به أهل البيان من العرب فكلهم أعلن عجزه عن الإتيان بما يماثله، بلاغة تأخذ بالألباب. وقد تضمن أحكام الوجود جميعها، وشمل حكم القضاء نفيا وإثباتا، وأخبر الله فيه عن الأحداث الماضية والمستقبلة. وكل هذا البيان المعجز حمله الرسول، وهو لم يخطّ صحيفة بيمينه، ولا شوهد يوما تاليا للصحف أو الصحائف، إنه النبى الأمى العظيم، سلام الله عليه سلاما دائما من أمته ومحبيه.
مالك (٢) بن المرحّل
سبتىّ النشأة والمربى ولد سنة ٦٠٤ هـ/١٢٠٧ م وتوفى سنة ٦٩٩ هـ/١٣٠٠ م، وقال ابن عبد الملك المراكشى فى الجزء الأول من الذيل والتكملة إنه مالقى، ولعله يريد أنه ولد
стр. 5083
بمالقة. وكان مثقفا ثقافة واسعة بمختلف العلوم مما جعله ينظم غزوات السيرة النبوية وفصيح ثعلب، وله نظم فى الفرائض والقراءات وغير ذلك، ومدح أمراء الأندلس والمغرب الأقصى واشتغل فى بلدته سبتة مدة بالتوثيق وولى القضاء لبنى مرين مرات فى غرناطة وغيرها، ومدّ له فى حياته إذ توفى سنة ٦٩٩ للهجرة، ويقول ابن عبد الملك: «إنه كان مكثرا من النظم مجيدا سريع البديهة مستغرق الفكرة فى قرضه، لا يفتر عنه حينا من ليل أو نهار، شاهدت ذلك معه، ويقول إنه لا يقدر على صرفه عن خاطره وإخلاء باله من الخوض فيه، واشتهر نظمه وذاع شعره، فكلفت به ألسنة الخاصة والعامة وصار رأس مال المسمعين (المنشدين) والمغنين وهجّيرا (ملازم) الصادرين والواردين ووسيلة المكدين (السائلين) وطراز أوراد المؤذنين». وذكر له ابن عبد الملك فى الجزء الأول من كتابه «الذيل والتكملة» قصيدتين فى مثال النّعل النبوى. وله فى مديح الرسول ﷺ غير قصيدة، وتتخذ أنماطا ثلاثة: النمط المعروف فى القصائد العربية، ونمط يسمى العشرى لأن وحداته تتألف من عشرة أبيات، ونمط ثالث يسمى العشرينى لأن وحداته تتألف من عشرين بيتا، والأبيات فى النمطين الأخيرين تنتهى بقافية واحدة وتبتدئ بحرف القافية. ومن أهم مدائحه النبوية: «الوسيلة الكبرى المرجوّ نفعها فى الدنيا والأخرى» وقد رتبها على حروف المعجم، ولكل حرف عشرون بيتا، وهى بذلك مكونة من عشرينيات، ويقول فى العشرينية الهمزية الأولى:
إلى المصطفى أهديت غرّ ثنائى ... فيا طيب إهدائى وحسن هدائى (١)
أضفت إلى ميلاده غزواته ... وما عن لى من آية وأيائى (٢)
أردت رضا ربّى بها فهو أرتجى ... وربّى كريم لا يضيع رجائى
إمام هدى صلّى النبيّون خلفه ... وصلّى عليه أهل كلّ سماء
أضاءت به الدنيا فمن وجهه سرى ... إلى الشمس والأقمار كلّ ضياء
أتانا بقرآن كريم مفصّل ... جلا صدأ الأذهان أىّ جلاء
أترجون فى يوم القيامة غيره ... إذا قيل هل للناس من شفعاء
إليه يشير ابن البتول إذا رأى ... ضجيج الورى فى حيرة وعناء (٣)
وهو يقول أهديت إلى النبى الذى اصطفاه الله أجمل ثناء فيا طيبه ويا طيب هداى وطريقتى، وقد أضفت إلى ميلاده غزواته وما عرض لى وألهمته من معجزاته، وأردت بذلك رضا ربّى راجيا أن يتقبل منى هذه المدحة لرسوله، وهو كريم لا يخيب رجاء راج من عباده. ويقول إن الرسول إمام هداية كبرى للبشرية وقد صلّى الأنبياء خلفه ليلة الإسراء،
стр. 5084
والملائكة فى كل سماء يرددون الصلاة عليه مشيرا إلى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ويقول إن الدنيا أضاءت بنوره، ومنه نور الشمس والقمر وكل نور، والبيت يشير إلى فكرة الحقيقة المحمدية المعروفة، وهى أن كل نور فى الكون يستمد من نوره، وكل وجود يستمد من وجوده، إذ هو سابق فى خلقه المعنوى أو الروحى لكل وجود وكل نور. ويذكر معجزته الكبرى التى جاء بها معجزة القرآن الكريم وما يحمل من أروع صور البيان والبلاغة التى تجلو-بحق-صدأ الأذهان، ويذكر يوم القيامة وموقف الناس فيه وقد طال بهم انتظار الحساب، وكلما سألوا رسولا أن يشفع لهم عند الله فى بدء الحساب اعتذر، واعتذر معهم المسيح ابن مريم البتول مع إشارته لهم أن يسألوا الرسول الشفاعة عند ربهم، ويتقبل الله شفاعته. ويقول فى عشرية همزية:
أما لى إلى قبر النبىّ مبلّغ ... ثناء فقد أفنى الزمان ذمائى (١)
أمانىّ كانت لى زيارة قبره ... وأرضى روض يانع وسمائى
إمام جميع المسلمين محمد ... وأكرم مبعوث من الكرماء
أمان الورى مما يخافون حبّه ... فيا حبّ شعشع أدمعى بدمائى
أماه الأسى عينى وسعّر أضلعى ... فخذ بيدى يا راحم الرّحماء (٢)
وهو يقول: أمالى من مبلغ ثنائى إلى الرسول، وقد فنى عمرى حتى الذماء الأخير، وقد كان من أمانى فى شبابى أن تكتحل عيناى بزيارة القبر الذكى، إنه إمام المسلمين وهاديهم إلى رضوان الله وجناته، وأكرم رسول بعثه الله للخلق رحمة بهم، وإن حبه لأمان للمسلمين من كل ما يخافون، فيا أيها الحب المقدس امزج أدمعى بدمائى شوقا إليه وشغفا به، فقد ملأ الحزن عينىّ بالدموع واتقدت نيران الحب النبوى فى أضلعى، فخذ بيدى وأعنّى يا أرحم الرحماء. ومالك-مثل ابن خبازة-فى الذروة من شعراء عصره.
стр. 5085
الفصل السادس
النثر وكتّابه
١ -
الخطب والمواعظ
طبيعى أن تكثر الخطب والمواعظ فى المغرب الأقصى كثرتها فى بلدان العالم الإسلامى جميعا، إذ كانت تكرّر فى كل مسجد أسبوعيا فى صلاة الجمعة وبالمثل فى صلاة العيدين، وربما كانت كثرة تكرارها هى السبب فى أنه لم يتجرد أحد من القدماء لتدوينها تدوينا عاما، ومع ذلك فقد أثرت بعض خطب قالها بعض الحكام أو بعض كبار الوعّاظ. ومن أوائل ما نلتقى به منها خطبة إدريس الثانى فى دولة الأدارسة سنة ١٩٣ هـ/٨٠٨ م حين فرغ من بناء مدينة فاس وحضر صلاة الجمعة فقد صعد المنبر وخطب الناس الخطبة الأولى قائلا (١):
«اللهم إنك تعلم أنى ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة ولا سمعة ولا مكابرة، وإنما أردت أن تعبد فيها، ويتلى كتابك، وتقام حدودك وشرائع دينك وسنّة نبيّك محمد ﷺ ما بقيت الدنيا. اللهم وفّق سكّانها وقطّانها للخير وأعنهم عليه، واكفهم مئونة أعدائهم، وأدرّ عليهم الرّزق، وأغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق، إنك على كل شئ قدير».
وهذه الخطبة المأثورة عن إدريس الثانى إنما هى قطعة من خطبته، وفيها يعلن أنه لم يبن فاسا مباهاة ولا ابتغاء لشهرة، إنما بناها ابتغاء لوجه الله وثوابه حتى يعبد فيها ويتلى كتابه وتقام حدوده وسنة رسوله الكريم، وتحققت سريعا نيّته، فقد أقامها مدينتين متقابلتين: مدينة القرويين من أهل المغرب ومدينة الأندلسيين الذين لجئوا إليه زمن الحكم الربضى فى الأندلس وثورة الفقهاء عليه ونفيه لطائفة كبيرة منهم، فنزلت كثرتهم المدينة الغربية ولم يلبث أن شيّد فى مدينة القرويين الجامع المشهور باسمها: جامع القرويين وأصبح أقدم جامع فى إفريقيا للدراسات الدينية إذ بنى الجامع الأزهر بعده بنحو مائة عام. وازدهرت فى جامع فاس هذه الدراسات الدينية إذ بنى الجامع الأزهر بعده بنحو مائة عام. وازدهرت فى جامع فاس هذه الدراسات حتى العصر الحديث. ودعا إدريس لسكان فاس دعوات كريمة. أن يوفق الله أهلها للخير ويمدهم بعونه ويكفيهم مئونة أعدائهم، ويوفّر الرزق لهم ويقيهم الفتنة والشقاق.
стр. 5086
وكان حكمه حكما عادلا رشيدا. وهدم يوسف بن تاشفين أمير المرابطين ما كان بين مدينتى فاس من أسوار وجعلهما مدينة واحدة، وأقام على النهر الفاصل بينهما جسورا يمكن الانتقال من إحداها إلى الأخرى بسهولة.
ومرّ بنا فى نشأة دولة المرابطين أن أصلهم من قبيلة صنهاجة التى كانت تشغل الصحراء جنوبى المغرب وبعض بقاع إفريقيا المدارية السوداء حتى السنغال، وكانوا يعيشون معيشة بدوية واتخذوا اللثام على وجوههم شعارا لهم، ولذلك يسمون الملتمين، ولم يكونوا يعرفون تعاليم الإسلام معرفة قويمة، فجلب لهم رئيسهم يحيى بن إبراهيم الكدالى-كما مرّ بنا-الشيخ عبد الله بن ياسين ليقفهم بدقة على تعاليم الإسلام وسرعان ما أصبح زعيمهم الدينى بجانب يحيى الكدالى الزعيم الحربى، ودفعهم الشيخ ابن ياسين جنوبا لنشر الإسلام وشمالا لجمع كلمة المسلمين فى تلك الأراضى النائية. واستولت صنهاجة بزعامته الدينية على إقليمى سجلماسة والسوس، ودفعها شمالا على المحيط لقتال برغواطة وكانت قد ظلت-منذ الأيام الأولى لدولة الأدارسة-خارجة على الإسلام، وتنبأ فيها متنبئون وآمنوا بهم، واتجهت إليهم جيوش صنهاجة. . وتوفى يحيى الكدالى فخلفه فى القيادة الحربية لصنهاجة أخوه أبو بكر واستطاع استئصال شأفة البرغواطيين سنة ٥٥٣ غير أن عبد الله بن ياسين طعن طعنة قاتلة فى إحدى المعارك سنة ٥٥١ فخطب فى صنهاجة وهو مشرف على الموت، ومما قال فى خطبته، وكان قد سماهم المرابطين أى للجهاد فى سبيل الله ونصرة دينه (١):
«يا معشر المرابطين! إنكم فى بلاد أعدائكم، وإنّي ميّت فى يومى هذا لا محالة، فإياكم أن تجبنوا أو تفشلوا فتذهب ريحكم، وكونوا ألفة وأعوانا على الحق وإخوانا فى ذات الله تعالى. وإياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرياسة فإن الله يؤتى ملكه من يشاء ويستخلف فى أرضه من أحبّ من عباده. ولقد ذهبت عنكم فانظروا من تقدّمونه منكم يقوم بأمركم: يقود جيوشكم ويغزو عدوكم ويقسم بينكم فيئكم، ويأخذ زكاتكم وأعشاركم».
وهو يناديهم باسم المرابطين حثا على جهاد برغواطة المارقة، ويقول لهم إنكم تواجهون أعداءكم فاحذروا أن تجبنوا فى حربهم، فيقضوا عليكم القضاء المبرم، وينصحهم أن يتعاونوا على نصرة الحق وأن يكونوا إخوانا فى ذات الله ينشرون دينه الحنيف، كما ينصحهم أن يبتعدوا عن هذا المرض الخبيث: مرض التحاسد على طلب الرياسة، فإنه لم يهلك الدول العربية مرض مثله، ويقول إن الله يؤتى ملكه من يشاء فلا داعى للتحاسد والتباغض. ويقول: لقد انتهيت وذهبت عنكم فاختاروا لكم زعيما عادلا ذا بأس وقوة يقود جيوشكم ويغزو عدوكم ويقسم
стр. 5087
قسمة عادلة ما تغنمون من عدوكم وتؤدون إليه زكاتكم. وهكذا ظل الشيخ عبد الله بن ياسين ينصح للمرابطين حتى الأنفاس الأخيرة من حياته.
ومر بنا أن محمد بن تومرت المصمودى مؤسس دعوة الموحدين قد اقترض لنفسه من دعوة الشيعة الإمامية التى تعرّف على مبادئها أثناء مقامه بالعراق ثلاثة مبادئ هى أنه إمام ومهدى ومعصوم، واقترض من مبادئ المعتزلة التى تعرف عليها هناك مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومبدأ التوحيد، وهو عند المعتزلة يعنى نفى التشبيه بالمخلوقات عن الذات العلية نفيا باتّا معارضين بذلك أهل السنة الذين يرون عدم تأويل الآيات القرآنية التى يفهم منها التشبيه مع الإيمان بترك ذلك لله جلّ شأنه. ومن خطية لابن تومرت قوله (١):
«إن الله-سبحانه وله الحمد-منّ عليكم أيتها الطائفة بتأييده، وخصّكم من بين أهل العصر بحقيقة توحيده، وقيّض لكم من ألفاكم ضلاّلا لا تهتدون، وعميا لا تبصرون، لا تعرفون معروفا ولا تنكرون منكرا، قد فشت فيكم البدع، واستهوتكم الأباطيل وزيّن لكم الشيطان أضاليل، وترّهات، أنزّه لسانى عن النطق بها، وأربأ بلفظى عن ذكرها، فهداكم الله بعد الضلالة، وبصّركم بعد العمى، وجمعكم بعد الفرقة، وأعزّكم بعد الذلّة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين، وسيورثكم أرضهم وديارهم. ذلك بما كسبته أيديكم وأضمرته قلوبهم، وما ربّك بظلام للعبيد».
وابن تومرت فى هذه القطعة من خطبته يشير إلى مبدأين تعتنقهما جماعته هما المبدئان الاعتزاليان اللذان أشرنا إليهما: مبدأ التوحيد، ويقول إن الله خصّهم من بين أهل العصر بحقيقة توحيده، ويقصد-كما قلنا آنفا-أنه منزّه عن التشبيه بالمخلوقات، ويقول إن الله خصّهم بذلك من بين أهل العصر ويريد المرابطين وفقهاءهم من أهل السنة الذين لا يتأولون آيات التشبيه المذكور فى القرآن الكريم من مثل (يد الله فوق أيديهم) ويقولون علم ذلك عند الله بينما يتأول المعتزلة اليد بمعنى القدرة. والمبدأ الاعتزالى الثانى الذى أشار إليه ابن تومرت هو ما يزعمه دائما من أن خصوم جماعته من المرابطين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، أما أتباعه الموحدون فهم-فى رأيه دائما-يأمرون بالمعروف وينكرون المنكر، ولا يلبث أن يسميهم -لعدم أخذهم بهذين المبدأين-مارقين عن الدين خارجين عليه، ينبغى حربهم ومحو سلطانهم، ويعد أصحابه بأنهم سيزيلون هذا السلطان ويرثون أرضهم وديارهم.
وكان الموحدون يدعون للأخذ فى الفقه بمذهب داود الظاهرى القائل بإلغاء الإجماع
стр. 5088
والقياس أو الاجتهاد العقلى فى الأحكام الفقهية والاكتفاء بالكتاب أى القرآن والسنة أى الحديث النبوى. وأخذ بهذا المذهب فى كتبه ابن حزم الفقيه الأندلسى وأخذ به الموحدون كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وانتصر للموحدين كثيرون من الشعراء والكتاب والفقهاء والخطباء. وللقاضى أبى حفص عمر السلمى خطبة ينتصر فيها للمذهب الظاهرى ضد المذاهب الأخرى، وفيها يقول (١):
«إياكم والقدماء وما أحدثوا فإنهم عن عقولهم حدّثوا، أتوا من الافتراء بكل أعجوبة، وقلوبهم عن الأسرار محجوبة. الأنبياء ونورهم-لا الأغبياء وغرورهم-عنهم يتلقّى، وبهم يدرك السؤل: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) الدين عند الله الإسلام، والعلم كتاب الله وسنة محمد ﷺ ، ما ضرّ من وقف عندهما ما جهل بعدهما».
وظن بعض من قرأ فى هذه الخطبة كلمة القدماء أنه يريد الفلاسفة وهو إنما يريد الأسلاف من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، فهو يدعو دعوة الموحدين من إهمال فقههم وفتاويهم جميعا، والرجوع إلى الكتاب والسنة كما يقول الموحدون وأهل الظاهر فى عصره، وهو لا يخفى ذلك بل يعلنه إعلانا، إذ يقول «العلم كتاب الله وسنة محمد ﷺ » ويقول فى موعظة له (٢): «لا علم إلا علم الكتاب والسنة، هما أفضل العطايا والمنة».
ونلتقى بالمنصور المرينى يعقوب بن عبد الحق ٦٥٨ هـ/١٢٦٠ م-٦٨٥ هـ/١٢٨٧ م وكان بطلا مغوارا وكأنما نذر نفسه لحرب نصارى الإسبان مساعدة للمسلمين وبنى الأحمر فى إقليم غرناطة. وكان لا يزال يعد العدة من الخيل والسلاح ويعبر الزقاق مع جنوده الأشداء لغزو حصون النصارى بإسبانيا ومدنهم، وكان ما يأخذه منهم يعطيه لبنى الأحمر، أمراء غرناطة فهو لا يحاربهم طلبا لمغنم، وإنما لما عند الله من ثواب المجاهدين فى سبيل دينه ونصرته. وأول سنة عبر فيها الزقاق بجنوده سنة ٦٦٤ هـ/١٢٦٦ م وعاد إلى عبوره بجيش كثيف سنة ٦٧٧ وأبلى فى الحرب حينئذ بلاء عظيما، وبالمثل فى سنة ٦٨١ هـ/١٢٨٢ م واستولى على بعض حصونهم وتركها لبنى الأحمر، وفى سنة ٦٨٥ هـ/١٢٨٦ م عبر الزقاق لجهاد النصارى وهزم نونيو جونذالث دى لارا جنوبى قرطبة هزيمة ساحقة. وفى أوبته أدركته المنية بالجزيرة الخضراء، وله من خطبة يحث فيها جيشه على الجهاد (٣):
«يا معشر المسلمين وعصابة المجاهدين: إن هذا يوم عظيم، ومشهد جسيم، ألا إن الجنة قد فتحت لكم أبوابها، فخذوا فى طلابها، فإن الله (اشترى من المؤمنين أنفسهم
стр. 5089
وأموالهم بأن لهم الجنة) فشمّروا عن ساعد الجدّ، معاشر المسلمين، فى جهاد المشركين. فمن مات منكم مات شريدا، ومن عاش عاش غانما مأجورا حميدا ﴿اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وهى كلمة فصلت من قلب مجاهد صادق أبلى فى سبيل دينه ونصرته بلاء عظيما، ويبشر جيشه بأن الجنة قد فتحت أبوابها لاستقبال الشهداء المبرورين، كما وعد الله عباده المجاهدين المؤمنين، ويدعوهم إلى الجهاد بكل ما يملكون من قوة، فإن من قتل منهم شهيدا فاز برضوان ربه، ومن عاش غنم من العدو غنما كبيرا، وأثابه الله ثوابا عظيما. ويذكرهم بآية كريمة تدعو إلى الصبر فى الحرب والمرابطة للعدو حتى النصر العظيم.
ومما أثر من خطب يوم الجمعة ومواعظها لأبى عبد الله محمد الرّهونى الفقيه المالكى الكبير المتوفى سنة ١٢٣٠ هـ/١٨١٥ م وكان قد اشتغل بالخطابة الدينية والموعظة، وله مجموعة فى خطب الجمعة، ومن خطبة له فى التذكير والترغيب (١):
«أيها الناس: حصحص (٢) لكم الحق فتبصّروا، وتبين لكم الرشد من الغىّ فالزموا الطاعة وتذكروا، وحملتم على سلوك الطريق المستقيم فاستقدموا ولا تتأخّروا، وحذّرتم من العدول عنه فخافوا الله واحذروا، وأسبغت عليكم النعم ظاهرة وباطنة فاعرفوا حقّها واشكروا، واعلموا أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا، وإياكم والتقصير فى العمل فلن تسعدوا مع التقصير أو تعذروا، وكونوا من قوم أشرقت لهم أنوار الهداية فأبصروا، وتليت عليهم آيات الله فتدبّروا، ولا تكونوا ممن استعبدتهم الدنيا فشربوا من كئوس حبّها حتى سكروا، وقطعوا أعمارهم فى اتباع شهواتها فخابوا وخسروا، وانهجوا سبيل الذين استعدوا لمواطن القيامة كأنهم شاهدوا أهوالها وحضروا، ورأوا عذاب النار فكفّوا أنفسهم عن السوء وانزجروا، وسمعوا ما أعدّ الله لأوليائه فى الجنة فاجتهدوا بالطاعة وبادروا».
وواضح أن الرهونى يحسن رصف السجع فى خطبه، ويحاول أن يستتم جرسها بما التزم فى نهاية عباراتها من حرف الراء المضمومة، فهو يريد أن يخلب الأسماع بحسن بيانه وإحكام التقابل فى نهايات الأسجاع، وليس ذلك فحسب، فهو يعنى بلغته فيختار لها ألفاظا رصينة جزلة تحسّن وقعها فى آذان المستمعين. وهو بجانب عنايته باختيار ألفاظه وانتخابها يوفر فيها ألوانا من الطباق المستحسن مثل: «بيّن لكم الرشد من الغى» وقوله: «فاستقدموا ولا تتأخروا» وقوله: «وأسبغت عليكم النعم ظاهرة وباطنة». ولا ريب فى أن الرهونى كان خطيبا فذا
стр. 5090
وكان يؤثر بخطابته ووعظه فى سامعيه تأثيرا بعيدا، وهو خطيب مغربى من خطباء كثيرين كان لهم نفس هذه الروعة فى الخطابة والوعظ.
٢ -
الرسائل الديوانية
أخذت الرسائل الديوانية تزدهر فى المغرب الأقصى منذ عهد يوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين واستدعائه أبا بكر بن القصيرة رئيس ديوان المعتمد بن عباد وتكليفه برياسة ديوانه فى مراكش عاصمته، وكان آية فى البيان والبلاغة، فأرسى فى الديوان المراكشى تقاليد الكتابة الديوانية الأندلسية، وظل رئيسا لهذا الديوان حتى وفاة يوسف بن تاشفين سنة ٥٠٠ للهجرة، وظلت له رياسته فى عهد ابنه على حتى وفاته سنة ٥٠٨ للهجرة. واحتفظت الذخيرة لابن بسام برسالتين (١) له كتبهما على لسان يوسف بن تاشفين، أولاهما موجهة إلى صاحب قلعة بنى حماد فى الجزائر، والثانية موجهة إلى ابن حمدين محمد بن على حين ولى القضاء بقرطبة سنة ٤٩٠ هـ/١٠٩٦ م، وله يقول فيها:
«استهد الله يهدك، واستعن بالله يعنك فى صدرك ووردك (٢) وتولّ القضاء الذى ولاّكه الله بجدّ وحزم، وجلد وعزم، وأمض القضايا على ما أمضاها الله تعالى فى كتابه وسنّة نبيّه، ولا تبال برغم راغم، ولا تشفق من ملامة لائم، وآس (٣) بين الناس فى وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع قوىّ فى حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. ولا يكن عندك أقوى من الضعيف حتى تأخذ الحق له، ولا أضعف من القوى حتى تأخذ الحق منه، وانصح لله تعالى ولرسوله ﵇ ولنا ولجماعة المسلمين. وقد عهدنا إلى جماعة المرابطين أن يسلّموا لك فى كل حق تمضيه، ولا يعترضوا عليك فى قضاء تقضيه. ونحن أولا وكلهم آخرا مذ صرت قاضيا سامعون منك غير معترضين عليك فى حق. والعمال والرعية كافة سواء فى الحق».
وواضح أن ابن القصيرة يتأثر فى رسالته إلى القاضى ابن حمدين برسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى حين يدعوه إلى المساواة بين الناس فى وجهه وعدله ومجلسه حتى لا يطمع قوى فى حيفه ولا ييأس ضعيف من عدله، وحين يقول له: «لا يكن عندك أقوى من الضعيف حتى تأخذ الحق له، ولا أضعف من القوى حتى تأخذ الحق منه». ومن الطريف فى الرسالة أن يوسف بن تاشفين يجعل القاضى فوقه وفوق الجنود والولاة المرابطين
стр. 5091
وفوق الرعية، فليس لأحد من كل هؤلاء الحق فى أى اعتراض على القاضى فى حكم من الأحكام، فمنذ صار ابن حمدين قاضى الجماعة فى قرطبة أصبحوا جميعا خاضعين له. وهو جانب مشرق فى القضاء الإسلامى، نجده فى كل بلد وكل دولة، إذ كانت مكانة القاضى فوق مكانة الحاكم مهما بلغ من النفوذ والسلطان. وعنى الدكتور محمود مكى فى المجلد السابع من صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد بتحقيق مجموعة من رسائل كتاب الديوان المرابطى فى عهد على بن يوسف بن تاشفين (٥٠٠ - ٥٣٧ هـ) بينها تسع رسائل لابن القصيرة من الرسالة الخامسة فى المجموعة إلى الرسالة الثالثة عشرة. والرسالة السابعة فى المجموعة أشبه بمنشور وجّهه على بن يوسف إلى أهل الأندلس بطاعة الوالى وأن لا يخالفوا عليه أو يعصوه فى أمر، إذ يقول فيها (١):
«إن الوالى النائب عنا فى تدبيركم وإقامة أموركم، وسياسة صغيركم وكبيركم، وقد فوّضنا إليه ذلك وأفردناه بالنظر فى دقّه وجلّه، وقلّه (٢) وكثره، وما فعل من ذلك كله فنحن فعلناه، وما قال فيه فكأننا نحن قلناه، ولا نوقف ما أمضاه، ولا نمضى ما وقّعه وأباه، ولا نرى فى أحد منكم إلا ما يراه، ولا نتولاّه كائنا ما كان إلا أن يتولاّه، ولا نرضى من أحواله ما لا يرضاه: بلساننا يتكلم، وعمّا فى جناننا يترجم، وعلى ما يوافقنا يسدى ويلحم» (٣).
وهذا التفويض للوالى فى الأحكام من حسن السياسة، فالحاكم الكبير-مثل على بن يوسف -يتضامن مع ولاته فى كل ما يفعلونه ويقولونه، حتى تنتظم أمور الرعية، ولا يتخذ الشذاذ الفرصة للخلاف مع الوالى مما قد يؤدى إلى الثورة. غير أنه كان ينبغى أن ينصح الولاة-مع ذلك-بالعدل مع الرعية ونصفة المظلوم والضعيف، وأن يفتحوا أبوابهم للرعية حتى يسمعوا شكوى كل مظلوم أو متظلم. ويقول عبد الواحد المراكشى فى حديثه عن أمير المسلمين يوسف بن تاشفين إنه اجتمع له ولابنه على من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه فى عصر من الأعصار (٤)، وفى حديثه عن أمير المسلمين على بن يوسف يقول: «لم يزل من أول إمارته يستدعى أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وصرف عنايته إلى ذلك حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك كأبى القاسم بن الجد المعروف بالأحدب أحد رجال البلاغة وأبى بكر محمد بن محمد المعروف بابن القبطرنة وأبى عبد الله بن أبى الخصال وأخيه أبى مروان وأبى محمد عبد المجيد بن عبدون فى جماعة يكثر ذكرهم، وكان من أنبههم عنده وأكبرهم مكانة لديه أبو عبد الله محمد بن أبى الخصال، وحقّ له ذلك إذ هو أحد من انتهى إليه علم
стр. 5092
الآداب، وله مع ذلك فى علم القرآن والحديث والأثر وما يتعلق بهذه العلوم الباع الأرحب واليد الطولى (١)، وله ديوان رسائل يدور بأيدى أدباء أهل الأندلس قد جعلوه مثالا يحتذونه ونصبوه إماما يقتفونه. وبمعهد المخطوطات بالقاهرة التابع للجامعة العربية نسخة من هذا الديوان، وله أربع رسائل ديوانية فى مقال د. محمود مكى فى المجلدين السابع والثامن من صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد بعنوان: «وثائق تاريخية جديدة عن عصر المرابطين» ونذكر قطعة من إحدى هذه الرسائل كتبها سنة ٥٠٧ للهجرة على لسان على بن يوسف بن تاشفين، وهى موجهة إلى أهل الأندلس لحثّهم على جهاد النصارى الإسبان وتعريفهم بأنه عزم على خوض معركة حامية الوطيس معهم، وفى أولها يقول:
«كتابنا-أعزّكم الله بتقواه، وكنفكم بظل ذراه، ووفّر حظوظكم من حسناه-من حضرة مراكش-حرسها الله-يوم الاثنين من منتصف شوال من سنة سبع وخمسمائة بين يدى حركتنا يمّن الله فاتحتها وعقباها. وقد قرعنا الظنابيب (٢)، وأشرعنا الأنابيب (٣)، وضمّرنا اليعاسيب (٤)، واستنفرنا البعيد والقريب، مستشعرين إخلاص نيّة، وصدق حميّة، فى نصر دين الإسلام، ومنع جانبه أن يضام، أو يناله من عدوه اهتضام (٥). ونحن-وإن كنا قد بالغنا فى الاحتشاد والاستعداد، واستنهضنا من الأجناد، ما يربى على الحصر والتعداد، فإنا نعتقد اعتقاد يقين بقول ربّ العالمين، فى كتابه المبين: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾: إن استنفار الدعاء، واستفتاح أبواب السماء، بخالص الثناء، من أنفع الأشياء، وأنجح الدعاء، فيما أعضل (٦) من الأدواء».
ولعل فيما سبق من قيام كبار الكتاب فى الأندلس على الكتابة فى ديوان المرابطين بمراكش عشرات السنين ما يدل على أنهم وضعوا تقاليد الكتابة فى هذا الديوان وأرسوها فيه وظلت راسخة بعد عهدهم فى عهد الموحدين ومن جاء بعدهم، ويتوقف القلقشندى فى كتابه: «صبح الأعشى» ليذكر التقاليد المتبعة فى الكتب الصادرة عن الخلفاء الموحدين، ولا ريب فى أنها موروثة عن العهد السابق لهم عهد المرابطين، ويقول القلقشندى إنها كانت تتخذ أحد أسلوبين (٧): إما أن تفتتح بلفظ من فلان إلى فلان، وكان الرسم فيها أن يقال: «من أمير المؤمنين فلان» ويدعى له بما يليق به، ثم يؤتى بالسلام، ثم يؤتى بالبعدية والتحميد والصلاة على النبى ﷺ والترضية عن الصحابة ثم عن إمامهم المهدىّ، ثم يؤتى على المقصود، ويختم
стр. 5093
بالسلام. والخطاب فيه بنون الجمع عن الخليفة وميم الجمع عن المكتوب إليه». ويمثّل القلقشندى لهذا الأسلوب برسالة عن عبد المؤمن بقلم أبى جعفر بن عطية إلى محمد بن سعد المشهور باسم ابن مردنيش، وسنعود إليها عما قليل. والأسلوب الثانى فى المكاتبة لعهد الموحدين-كما يقول القلقشندى-أن تفتتح المكاتبة بلفظ أما بعد، والأمر فيه على نحو ما تقدم فى الأسلوب قبله بعد البعدية. ويمثل لهذا الأسلوب الثانى برسالة عن المستنصر بالله (٦٠٩ - ٦٢٠ هـ) إلى بعض نوابه، ومثلها رسالة عن يوسف ابن عبد المؤمن بقلم أبى الحسن بن عياض، وسنعرض لها عما قليل.
ويذكر عبد الواحد المراكشى فى كتابه: «المعجب» كتّاب الإنشاء لعبد المؤمن المؤسس الحقيقى لدولة الموحدين، وهم: أبو جعفر أحمد بن عطية، وسنخصه بترجمة، وكتب له بعده-كما يقول-أبو القاسم عبد الرحمن القالمى من أهل مدينة بجاية من ضيعة من أعمالها تعرف بقالم، وكتب له معه أبو محمد عياش بن عبد الملك بن عياش من أهل مدينة قرطبة (١). وكتاب الإنشاء فى عهد ابنه يوسف-كما يقول المراكشى-هم أبو محمد عياش بن عبد الملك بن عياش كاتب أبيه وأبو القاسم المعروف بالقالمى كاتب أبيه أيضا وأبو الفضل جعفر بن أحمد المعروف بابن محشرة، من أهل مدينة بجاية كان يخدم أبا القاسم القالمى إلى أن مات فكتب مكانه (٢). وواضح أن ابن محشرة والقالمى من بجاية، ولذلك ترجمنا لهما فى الجزء الخاص بالجزائر. وكتّاب ابنه يعقوب-كما يقول المراكشى-أبو الفضل جعفر بن محشرة، وكتب له بعده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش من أهل برشانة من أعمال مدينة المرية، ولم يزل كاتبا له ولابنه محمد (الناصر) ولابن ابنه يوسف (٣) (المستنصر) إلى أن توفى سنة ٦١٨ هـ/١٢٢٠ م. وهؤلاء هم كتاب الدولة المهمين حتى العقد الثالث من القرن السابع قبل نشوب الخلاف والفتن والحروب بين أبناء أسرة عبد المؤمن وقبل خروج الأندلس من طاعتهم.
ونشر المستشرق بروفنصال مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية، وهو مملوء بالتصحيف ويحتاج إلى تحقيق ويشتمل على سبع وثلاثين رسالة، منها ست عشرة لأبى جعفر أحمد بن عطية على لسان عبد المؤمن، وسنفرد له ترجمة، ومنها ثلاث لأخيه أبى عقيل عن عبد المؤمن، ولم يذكره المراكشى بين كتابه، وثلاث أخرى لأبى الحسن بن عياش أولاها عن عبد المؤمن والاثنتان الأخريان عن ابنه يوسف، ورسالة لأبى الحكم بن المرخى عن عبد المؤمن ولم يذكره المراكشى أيضا بين كتاب عبد المؤمن، وثمان رسائل لابن محشرة عن يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب، وثلاث رسائل لأبى عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن
стр. 5094
عياش من أهل برشانة كما أسلفنا: رسالة عن يعقوب واثنتان عن ابنه الناصر، ويقول ابن الأبار فى ترجمته له بكتابة التكملة إن السلطان (يعقوب) بالمغرب استكتبه فى سنة ٥٨٦ فنال دنيا عريضة (١) إذ كان صاحب القلم الأعلى-كما يقول ابن الخطيب فى الإحاطة-على عهد المنصور وابنه الناصر ونضيف أيضا على عهد المستنصر حتى سنة ٦١٨ كما مرّ بنا، ويقول ابن الخطيب إنه كان لا يكلم أحدا من الناس إلا بكلام معرب. ويقول المراكشى فى المعجب: جرى الكتاب بعده على أسلوبه، وسلكوا مسلكه لما رأوا من استحسان خلفاء الموحدين لطريقته (٢): وفى رأينا أنهم اتبعوا طريقته فى الكتابة هو وكبار الكتاب الأندلسيين المذكورين منذ عصر المرابطين كما قلنا آنفا. وذكرنا أن أبا الحسن بن عياش له فى مجموع الرسائل الموحدية ثلاث إحداها على لسان عبد المؤمن وهى تتبع الأسلوب الثانى الذى ذكره القلقشندى مبتدئة بالبعدية على هذا النحو (٣):
«أما بعد حمد الله الذى عمّ بنواله، وخصّ أهل ولايته بقبوله وإقباله، والصلاة على محمد عبده ورسوله، وعلى صحبه الأكرمين وآله، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدى المعلوم، القائم بإتمام أمر الله وإكماله، المؤيد بالآيات العصمية، والبيّنات الحكمية، فى كافّة أقواله وأعماله، فإنا كتبناه إليكم-كتب الله لكم أعمالا زاكية نامية، وآمالا فى بلوغ مرضاته مساعفة مؤاتية-من حضرة مراكش-حرسها الله-وكوافل العصمة لهذا الأمر العزيز تضرب بقدحها الأعلى (٤)، وتوجب على [أهل] (٥) الاتصال حظوة الامتثال (٦) لأهل كلمة الله العليا، وتجمع لهم [وعدا (٧)] حتما مقضيا، ووعدا [حتما (٧)] مأتيّا بين خير الآخرة وخير الدنيا. وبثبوت هذه القاعدة تستوثق (٨) أحوال هذا الأمر الكريم على مقتضى الأقدار المساعدة، وتستنّ اطرادا واتساقا على طريقة واحدة».
وفى جميع الرسائل فى هذه المجموعة الموحّدية نجد الصلاة على ابن تومرت والإشادة به وأنه الإمام المهدى المعصوم مستعيرة هذه الألقاب كما مرّ بنا من الشيعة الإمامية، ويضيف أبو الحسن عبد الملك (بن عياش أنه قام بإتمام أمر الله وإكماله) يشير بذلك إلى المبدأين المتممين لدعوته: مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومبدأ التوحيد بمعنى تنزيه الله عن التشبيه بالمخلوقات. ويجعل أبو الحسن كوافل العصمة شاملة لعهد عبد المؤمن، ويسميه مع شيوخ الموحدين أهل كلمة الله العليا، وكلمته-فى رأيه-إنما هى دعوة الموحدين بمبادئها التى ذكرناها. والرسالة
стр. 5095
موجهة من عبد المؤمن إلى طلبة (دعاة) بعض مدن الأندلس يخبرهم بوصول رسالتهم فى غزواتهم للروم ويحرضهم على حربهم واستئصال شأفتهم وجذورهم. ولأبى الحسن عبد الملك بن عياش رسالة (١) عن يوسف بن عبد المؤمن إلى محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش الثائر فى شرقى الأندلس يدعوه سنة ٦٦٤ هـ/١٢٦٤ م إلى الدخول فى طاعة الموحدين، وهى فى فاتحتها تتبع الأسلوب الأول الذى ذكره القلقشندى، وتستهل بهذه الصورة:
«من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين-أيّده الله بنصره، وأمدّه بمعونته-إلى أمير شرق الأندلس أبى عبد الله محمد بن سعد-أمدّه الله بتوفيقه، وأعزّه بطاعته وتقواه-سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد فإنا نحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، ونشكره على آلائه ونعمه، ونصلّى على سيدنا محمد نبيّه ورسوله، والحمد لله الذى أقام لأمره الذى هو سفينة النجاة، وعصمة المحيا والممات، دعاة يأخذون بالحجز عن النار، ويقيمون لمن ضلّ السبيل، وعدم الدليل، من معالم الهداية إلى صراطه الواضح، ومنهجه اللائح، أهدى علم وأرفع منار، ويتقدمون فى إبلاغ حجته، وإيضاح محجّته (٢)، ببوالغ الإنذار والإعذار، ويصرّفون بما أودعوا من سرّه المكنون، لبثّه فى الظهور والبطون، والسهول والحزون، وجوه العناية الآخذة بمجامع الأقطار، الموجهة بالإعراض عن الأعراض إلى ما يقضى بهذه الخليقة، من ركوب هذه الطريقة، إلى سعادة هذه الدار، وسعادة تلك الدار (الآخرة) وصلّى الله على محمد عبده ورسوله مشكاة الأضواء والأنوار، ولباب الاجتباء والاختيار، المحبو (٣) بمعدن بيته الأشرف، ونسبه الأشهر الأعرف، سرّ هذا النبأ السيار وارث ذلك المقام الذى هبّت تباشيره بأسماع ذوى الإصاخة (٤) لمواقع الاستبشار، ورضى الله عن الإمام المعصوم، المهدى المعلوم، القائم بأمر الله على أوفى الاعتقاد بتأييد الله وأتم الاستظهار، الماضى قدما فى التصميم وإنفاذ العزيم (٥) على أمر طلق وأبعد مضمار، المعان فيما دعا إليه، ونبّه عليه، بالعصمة التى لا تضرّه معها إبائة أباة (٦) ولا كفر كفار. وعن خليفته وصاحبه الإمام أمير المؤمنين، ممشّى أمره العزيز على ما له (٧) من المراسم المحفوظة والآثار، ومقيمه على حدوده المكلوءة الملحوظة دون ونية ولا إقصار، والناصر له بكل معنى تتوجّه إليه داعية الاستبصار».
وهو يحمد الله فى فاتحة الرسالة لإسناده الأمر إلى يوسف بن عبد المؤمن وشيوخ الموحدين، ويسميهم دعاة، ويقول إنهم يحجزون بدعوتهم الناس عن النار ويقيمون لهم أهدى علم وأرفع
стр. 5096
منار حتى لا يضلّوا الطريق السوى المستقيم عن الهداية الراشدة الصحيحة، وسرها المكنون، لنشرها فى السهول والحزون وكل مكان حتى يسعد الناس فى الدنيا والآخرة، ويشيد بالرسول الكريم ثم يدعو لابن تومرت الله ليرضى عنه، ويسميه الإمام المعصوم المهدى المعلوم. والرسائل الموحدية جميعا تذكره فى فاتحتها وتضفى عليه هذه الصفات التى أضفاها على نفسه مقترضا لها من بيئة الشيعة الإمامية، ويقول إنه قام بدعوته ونشرها فى الناس بتأييد الله، وإن عبد المؤمن خليفته سار على هداه وما وضع للدعوة من المبادئ والمراسم المحفوظة. ونراه يقول فى وصف ابن تومرت فى الرسالة: «إن رسول الله ﷺ بشّر بعلامات المهدى وأخبر عن أماراته الشاهدة له الدالة عليه من الاسم والنسب والزمان والمكان والفعل» وكان ابن تومرت لفّق له نسبا- كما يقول المؤرخون-يصله بالرسول ﷺ ويقول أيضا عنه: «القائم فى آخر الزمان بعد شمول الضلالة وتلدد (تلبث) الحيرة وتموّج الفتنة وارتفاع العلم وفشوّ الظلم. فظهر لما خصّه الله به من الهداية، وعلّمه من الحكمة، وأحلّه مقام العصمة ونوّله (١) من معقل الإمامة، وخرق له من العادات، وأجرى على يديه من الآيات، ما صدّق ما نطقت به الآثار، وتضمنته الأخبار، واحتوت عليه الصحف وتداولته النقلة، مما أعطى القلوب العارفة الطمأنينة». ويشيد بدعوته وأنها ستظل قائمة إلى قيام الساعة، كما يشيد بيوسف خليفة أبيه عبد المؤمن الناشر لدعوة ابن تومرت والحامل العباد على طريقته المنصور المظفر دائما.
وتظل الرسائل الموحدية تبدئ وتعيد فى فواتحها بالإشادة بابن تومرت وأنه الإمام المهدى المعصوم إلى أن تولّى المأمون إدريس الخلافة سنة ٦٢٦ هـ/١٢٢٩ م، فأعلن إلغاء هذه الألقاب لابن تومرت وأزال اسمه من السكة وخطبة الجمعة، وأذاع فى الدولة رسالة بذلك من إنشائه، يقول فيها (٢):
«من عبد الله إدريس أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين إلى الطلبة (دعاة الموحدين) والأعيان والكافّة ومن معهم من المؤمنين والمسلمين، أوزعهم (٣) الله شكر نعمه الجسام، ولا أعدمهم طلاقة أوجه الأيام الوسام (٤)، وإنا كتبناه إليكم-كتب الله لكم عملا منقادا، وسعدا وقّادا-وللحقّ لسان ساطع وحكم قاطع، وقضاء لا يردّ، وباب لا يسدّ، وظلال على الآفاق، تمحو النفاق، والذى نوصيكم به تقوى الله والاستعانة به، والتوكّل عليه، ولتعلموا أننا نبذنا الباطل وأظهرنا الحق، وأن لا مهدى إلا عيسى بن مريم (يقصد أنه تكلم فى المهد) الناطق بالصدق، وتلك بدعة قد أزلناها. . كما أزلنا لفظ العصمة عمن لا تثبت له عصمة، وأسقطنا عنه وصفه ورسمه. . وإذا كانت العصمة لم تثبت عند العلماء للصحابة،
стр. 5097
فما الظن بمن لا يدرى بأى يد يأخذ كتابه، أفّ لهم قد ضلوا وأضلّوا، وسقطوا فى ذلك وزلّوا، اللهم اشهد أننا تبرّأنا منهم تبرؤ أهل الجنة من أهل النار».
غير أن عهد المأمون سرعان ما انقضى وعاد الخلفاء وشيوخ الموحدين إلى أن ابن تومرت هو الإمام المهدى المعصوم، وظلت دعوته حية إلى أن قضت عليها الدولة المرينية. ويقول القلقشندى بعد عرضه لأسلوبى الرسائل المستخدمين أيام الموحدين: «ثم طرأ بعد ذلك الإكثار من الألقاب لخلفائهم فى المكاتبات الصادرة عنهم والمبالغة فى مدحهم وإطرائهم (١)» وفات القلقشندى أن يذكر أيضا الإكثار من ألقاب المرسل إليه إذا كان حاكما كبيرا، ويوضح ذلك فى عصر الدولة المرينية رسالة للسلطان أبى الحسن المرينى كتبها إلى السلطان المصرى الناصر محمد بن قلاوون خادم الحرمين حينذاك فى شأن ركب الحجاج المغاربة ومصحف خطّه بيده ووقفه على الحرم النبوى الشريف، والرسالة تستهل على هذه الصورة (٢):
«من عبد الله على أمير المسلمين ناصر الدين، المجاهد فى سبيل رب العالمين، ملك البرّين، مالك العدوتين (المغرب والأندلس) ابن مولانا أمير المسلمين، المجاهد فى سبيل رب العالمين، ملك البرّين، وسلطان العدوتين أبى سعيد بن مولانا أمير المسلمين، المجاهد فى سبيل رب العالمين، ملك البرّين وسلطان العدوتين أبى يوسف يعقوب بن عبد الحق، منح الله التأييد مقامه، وفسح-لفتح معاقل الكفر، وكسر جحافل الصّفر-أيامه. إلى السلطان الجليل الكبير الشهير العادل الفاضل الكامل الكافل الملك الناصر المجاهد المرابط المؤيّد المنصور الأسعد الأصعد الأرقى الأوفى الأمجد الأنجد الأفخم الأضخم الأوحد ناصر الدين عاضد كلمة المسلمين، محيى العدل فى العالمين، فاتح الأمصار، حائز ملك الأقطار، مفيد الأوطار، مبيد الكفار، هازم جيوش الأرمن والفرنج والكرج والتتار».
ويستمر طويلا فى إضفاء مثل هذه الألقاب عليه مع ما يطوى فيها من مبالغات، ويذكر أن أباه قلاوون العظيم ويكيل له هو الآخر الألقاب. ويدعو له ويسلم عليه قائلا: «أبقى الله ملكه موصول الصولة والاقتدار، محمىّ الحوزة حاميا للديار، حميد المآثر المأثورة والآثار، عزيز الأولياء فى كل موطن والأنصار، سلام كريم، زاك عميم، تشرق إشراق النهار صفحاته، وتعبق عن شذا الروض المعطار نفحاته، يخصّ إخاءكم العلىّ، ورحمة الله وبركاته». وتمضى الرسالة بعد ذلك مسجوعة من أولها إلى نهايتها، والسجع فى الرسائل بالمغرب قديم منذ عصر الموحدين.
ويظل فن الرسائل مزدهرا فى عصر السعديين، ويجمع الأستاذ عبد الله كنون طائفة كبيرة
стр. 5098
منها وينشرها باسم رسائل سعدية، ومنها رسالة بقلم عبد العزيز الفشتالى صاحب القلم الأعلى ورئيس ديوان الإنشاء فى عهد المنصور الذهبى وهى موجّهة على لسانه إلى «سكية» أمير كاغو عاصمة السودان الغربى الذى تولى الحكم هناك سنة ٩٩٦ هـ/١٥٨٨ م قبل غزو المنصور لبلاده واستيلائه عليها وخلعه سنة ٩٩٩ للهجرة، وفيها يقول (١):
«إلى كبير كاغو وأميرها، ومالك زمام أمورها وتدبيرها، والمرجوع إليه-عند خاصتها وجمهورها، الأمير الأجل، الأثيل (٢) الأحفل-الأمر-سكيّة، وصل الله كرامته، وجعل التقى سمته وعلامته، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، أما بعد حمد الله مسهّل المرام، وميسّر أسباب الكمال والتمام، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد شفيع الأنام، المبعوث بالحنيفية السمحاء إلى الخاص والعام، والرضا عن آله الأئمة الأعلام، وخلفاء الإسلام، وعن أصحابه الذّابّين عن كلمته بالسنان والحسام، ومواصلة الدعاء لهذا الجناب الكريم (جناب المنصور الذهبى) بالعزّ السامى المقام، والنصر المنشور الرايات والأعلام، فإنا كتبناه إليكم من حضرة فاس المحروسة بالله، وعناية الله وارفة الظلال، ونواسم النصر والإقبال دائمة الهبوب بالبكر والآصال، ولله المنّة».
ويذكر الفشتالى بعد ذلك الغرض من رسالته، وهو أن معدن الملح فى بتغازى (بين تمبوكتو ودرعة فى جنوبى المغرب الأقصى من إيالة المنصور الذهبى وفى حكم إمامته وأنه يختص ببيت مال المسلمين، ولذلك رأى المنصور أن يضع عليه خراجا ينفع المسلمين ويضر أعداء الله الكافرين، ويذكر له أنه جعل الخراج مثقالا على كل جمل من سائر الإبل التى تحمل هذا المعدن، ويقول له إن ما سنحصل عليه من الأموال سيصرف فى سبيل الغزو والجهاد وفى أرزاق العساكر الأجناد، التى جعلناها لنكاية عدو الدين بالمرصاد، واعتددناها لحياطة البلاد والعباد. ثم يقول محببا له فى الرضا عن دفع بتغازى لهذا الخراج: إن هؤلاء الجنود الذين سيأخذون أرزاقهم أو بعبارة أخرى رواتبهم من هذا الخراج هم «جنود الله التى لولاها- وما حجزت بينكم وبين طواغيت الشرك سيوفها القاصمة، وضربت فى وجه الكفر دونكم بأسوارها العاصمة، وخضدت من شوكة الشرك باستئصال حماته وأنصاره، ومنازلته على الدوام فى عقر داره-لفاض عليكم طوفانه السائل، وسال على أرضكم منه شؤبوب (٣) هاطل، وكبحت عنكم عنان الكفر حتى نمتم فى كفالتها آمنين، وفى حياطتها وادعين ومطمئنين». ويطلب إلى سكيّة الإسعاف والإسعاد وأن لا يسعى فيما يبطل هذه الفريضة من الخراج التى تعود بالنفع على الإسلام وتؤيد حزب الله فى مواصلته لقتال عبدة الأصنام.
стр. 5099
والرسالة مسجوعة فى لغة رصينة امتاز بها الفشتالى-فى شعره كما مرّ بنا-وفى رسائله ونثره.
وتظل فى العصر العلوى الرسالة الديوانية محبّرة يسجع فيها الكتاب ويتأنقون صورا مختلفة من التأنق. ويشير من كتبوا عن التاريخ الأدبى لأيام العلويين إلى رسائل دينية كتبها السلاطين العلويون، وقلما استشهدوا بشئ منها، وينوهون برسالة كتبها محمد بن إدريس العمراوى المتوفى سنة ١٢٦٤ هـ/١٨٤٧ م بلسان السلطان العلوى عبد الرحمن بن هشام إلى ابنه الأمير محمد بشأن الحملة التأديبية الموجهة إلى قبيلة زمور وفيها يقول (١):
«كنا أردنا الإبقاء على قبيلة زمور رحمة وإشفاقا، وحملهم على الاستقامة بالإرهاب بالشدة فى بعض الأمور هداية وإرفاقا، فلم يرد الله بهم خيرا لفساد نيتهم، وخبث طوّيتهم، واتكالهم على حولهم وقوتهم، وما رأوا منا لينا وسدادا، إلا ازدادوا شدة وفسادا، ولا أظهرنا لهم عظة وإرشادا، إلا أظهروا تطاولا وعنادا، وما أخّرنا الفئة المنصورة عن الركوب إليهم إبقاء وإلفا، إلا ظنوا ذلك عجزا وضعفا، قد طمس الإعجاب منهم بصرا وسمعا، ولم يروا أن الله قد أهلك قبلهم من القرون من هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا».
٣ -
الرسائل الشخصية
طبيعى أن تكثر الرسائل الشخصية فى المغرب الأقصى منذ القرن السادس الهجرى لاكتظاظه بالكتّاب منذ ذلك الحين، ومن طريف ما نلتقى به فى القرن السادس رسالة للقاضى أبى موسى بن عمران المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/١١٨٢ م كتب بها إلى ابن له بفاس فى طلب العلم، وهى تمضى على هذه الصورة (٢):
«إلى ولدى. . هداه الله وصانه، وجمّله بالعلم والتّقوى وزانه. كتبته إليكم عن اشتياق كثير، وبمشيئة الله-تعالى-تتيسّر الأمور، ويتكاتف السرور، وإذا وجدتكم-على ما أحبه من أدوات الحفظ والأداء، ولزام آداب العقلاء-جازيتكم بما يرضيكم، وبما يزيد على أقصى تمنّيكم، وقد أجمعت الأئمة على أن الراحة لا تنال بالراحة، وأن العلم، لا ينال براحة الجسم، فادرس تروس، واحفظ تحفظ، واقرأ ترق. ومهما ركنت إلى الدّعة كنت فى
стр. 5100
أهل الضّعة. وما رأيت الناس مجتمعين على حمده فاجتلبه، وما رأيتهم مجتمعين على ذمّه فاجتنبه، والأعدل الأقسط، أن تسلك السبيل الأوسط:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففى صالح الأعمال نفسك فاجعل»
والرسالة من والد فقيه قاض يأمل لابنه مستقبلا علميا يرفعه بين العلماء، وهو يدعو له أن يتجمّل بالعلم والتقوى ويزدان بهما، فهما الزينة الحقيقية للإنسان، ويقول له إنه سيكافئه مكافأة ترضيه، إذا وجده على ما يتمناه له من حسن الحفظ والأداء اللغوى للكلام، ويذكر مكافأة ترضيه، إذا وجده على ما يتمناه له من حسن الحفظ والأداء اللغوى للكلام، ويذكر له أن ما يتمناه الشاب فى المستقبل من الراحة والطمأنينة لا ينال براحة الجسم والكسل، ويقول له: ادرس وتعمق فى الدرس حتى يأتى يوم ترؤس فيه أقرانك واحفظ المتون والعلوم تحفظ، وأكبّ على القراءة يرق فكرك وترق بين الناس، أما إذا ركنت إلى الكسل والدعة كنت من أهل الضّعة والانحطاط والخسّة. وإذا رأيت الناس يجمعون على مدح شئ وحمده فاجتلبه واكتسبه، وإذا رأيتهم يجمعون على ذم شئ فاجتنبه وابتعد عنه. ويقول له إنه ينبغى لك دائما أن تتخذ لنفسك فى الحياة السبيل الأوسط، حتى لا يتلوّمك أحد على الإفراط والمبالغة فى شئ ولا على التفريط والتقصير فى شئ، فخير الأمور الوسط. ويذكر له أن كل شخص يضع نفسه فى المنزلة التى يختارها لنفسه، وينبغى أن تضع نفسك دائما فى خدمة الأعمال الطيبة الصالحة. ويرسل أبو القاسم الحسنى الشريف فى العهد المرينى قصيدة مع رسالة فى شبابه إلى ابن هاني السبتى الذى مر بنا أنه توفى شهيدا فى جبل طارق سنة ٧٣٧ هـ/١٧٣٧ م ويرد عليه ابن هاني برسالة طويلة جاء فيها (١):
«هذا-بنىّ-واصل الله لى ولك علوّ المقدار، وأجرى-وفق أو-فوق إرادتك وإرادتى لك جاريات الأقدار، ما سنح به الذهن الكليل، واللسان الفليل، فى مراجعة قصيدتك الغرّاء، الجالبة السرّاء، الآخذة بمجامع القلوب، الموفّية بجوامع المطلوب، الحسنة المهيع (٢) والأسلوب، المتحلية بالحلى السنيّة، العريقة المنتسب فى العلا الحسنية. . وإنك واحد حلبة البيان، والسابق فى ذلك الميدان يوم الرهان، فكان لك القدم، وأقرّ لك مع التأخر السابق الأقدم، فو حقّ فصاحة ألفاظ أجدتها حين أوردتها، وأسلتها حين أرسلتها، وزنتها حين وزنتها، وبراعة معان سلكتها حين ملكتها، وأصّلتها (٣) حين فصّلتها، ونظام جعلته بجسد البيان قلبا ولمعصمه قلبا (٤)، وهصرت حدائقه غلبا (٥)، وارتكبت رويّه صعبا. . بنىّ! كيف رأيت للبيان هذا الطّوع، والخروج فيه من نوع إلى نوع، أين صفوان بن إدريس، ومحلّ
стр. 5101
دعواه بين رحلة وتعريس (١)، كم بين ثغاء بقر الفلاة وزئير ليث الفريس (٢)، كما أنى أعلم قطعا وأقطع علما، وأحكم قضاء وأقضى حكما، أنه لو نظر إلى قصيدتك الرائعة، وفريدتك الحالية الفائقة، المعارضة بها قصيدته، المنتسخة بها فريدته لذهب عرضا وطولا، ثم اعتقد لك اليد الطّولى، وأقرّ فارتفع النزاع، وذهبت له تلك الغايات والأطماع، ونسى كلمته اللؤلؤية، ورجع عن دعواه الأدبية، واستغفر ربّه من الإلهية».
ويبدو أن أبا القاسم الحسنى الشريف نظم قصيدته معارضة لقصيدة بديعة لصفوان بن إدريس الذى شهد له أقرانه ومعاصروه الأندلسيون بالبراعة الشعرية الفائقة، وسموا قصيدته القصيدة اللؤلؤية، ولعله أرسل بها مع قصيدته المعارضة إلى ابن هاني السبتى ليشهد له بتفوقه. وهو يستهل رسالته لأبى القاسم بأن قصيدته تأخذ بمجامع القلوب، ويشيد ببلاعته وأنه واحد حلبة البيان، والسابق يوم الرهان، إذ هو الأرسخ قدما مما يجعل صفوان بن إدريس السابق الأقدم يشهد له بروعة بلاغته. وينوه ابن هاني بفصاحة ألفاظه وبراعة معانيه، ويقول أين بيان صفوان بن إدريس من بيانك، ويبالغ فى ذلك قائلا إن بيانه كثغاء أو صياح بقر الفلاة بينما بيانك كزئير الأسد وهو ينهش فريسته. وزعم له أن صفوان لو استمع إلى قصيدته البارعة وفريدته التى عارضه بها لنسخت قصيدته كما تنسخ الريح آثار الديار ولأقرّ لك بالبراعة الشعرية وأن قصيدتك تفوق قصيدته اللؤلؤية، واستغفر ربه من دعواه.
وكان ابن الخطيب أديب غرناطة المشهور فى القرن الثامن الهجرى يكاتب أدباء المغرب الأقصى المشهورين ويساجلهم بالشعر تارة، وبالرسائل تارة أخرى، وممن أرسل إليهم إحدى رسائله ليساجله أبو جعفر الجنّان المكناسى محاولا أن يحرّك قريحته الأدبية، فرد عليه برسالة استهلها بثلاثة أبيات مشيدا فيها ببيانه، وفيها يقول منوّها برسالته إليه (٣):
«جلوت علىّ من بنات فكرك عقائل نواهد، وأقمت بها على معارفك الجمّة دلائل وشواهد، واقتنصت بشوارد بديهتك من المعالى أوابد شوارد، وفجّرت من بلاغتك وبراعتك حياضا عذبة الموارد، ثم كلفتنى من إجراء ظالعى فى ميدان ضليعها (٤)، مقابلة الشمس النيّرة بالسّراج عند طلوعها، فأخلدت (٥) إخلاد مهيض الجناح، وفررت فرار الأعزل عن شاكى (٦) السلاح، وعلمت أننى إن أخذت نفسى بالمقابلة، وأدليت دلو قريحتى للمساجلة، كنت كمن كلّف الأيام رجوع أمسها، أو طلب ممن علته السماء محاولة لمسها. . ثم إن أمرك-يا سيدى-
стр. 5102
لا يحلّ وثيق مبرمه، ولا يحلّ نسخ محكمه، فامتثلت امتثال من لم يجد فى نفسه حرجا من قضائك، ورجوت حسن تجاوزك وإغضائك، أبقاك الله قطبا لفلك المكارم والمآثر، وفصّا لخاتم المحامد والمفاخر».
وهو يشيد ببيان ابن الخطيب فى رسالته، ومعروف أنه أحد بلغاء الأندلس بل العرب قاطبة، وأبو جعفر يحكم اختيار ألفاظه وسجعاته، ويضيف إلى ذلك تشبيهات واستعارات بارعة، من ذلك تشبيهه فى جذبه له لمساجلته بمن يحاول أن يجرى فرسا ظالعا أعرج مع فرس ضليع قوى متين أو بمن يحاول مقابلة الشمس المنيرة عند طلوعها بسراج لا يكاد ضوءه فى نورها يبين، وسكن محسّا كأنه مهيض الجناح، بل لقد جمع نفسه وقرر الفرار من المساجلة فرار الأعزل من حامل السلاح وشاهره، ويخال نفسه إن أدلى دلو قريحته عازما على المساجلة كان كمن يكلف الأيام أن ترد أمسها عليه، بل كمن يطلب من شخص لمس السماء بيديه. ثم يعود إلى نفسه فيرى أن ليس من حقه أن ينقض أمرا لابن الخطيب أو ينسخ حكما له، فامتثل راجيا منه تجاوزه وإغضاءه عن ضعفه فى البيان، ويدعو الله أن يبقى ابن الخطيب قطبا للمحامد والمآثر وفصّا نفيسا لخاتم المكارم والمفاخر. وكان ابن الخطيب فى عصره يعدّ زعيم الأدب والأدباء، وأهدى إليه أبو القاسم الشريف الحسنى ديوانا له سماه جهد المقل، ومعه الرسالة التالية (١):
«الحمد لله الكبير المتعال المسئول أن يعصمنا من خطل القول وزلل الأعمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأرسال. هذه أوراق ضمّنتها جملة من بنات فكرى، وقطعا مما يجيش به بعض الأحيان صدرى، ولو حزمت لأضربت عن كتبها كلّ الإضراب، ولزمت فى دفنها وإخفائها دين الأعراب، ولكنى آثرت على المحو الإثبات، وتمثّلت بقولهم: «إن أحسن ما أوتيته العرب الأبيات. وإذا هى عرضت على ذلك المجد، وسألها كيف نجت من الوأد، فقد آويتها من حرمكم إلى ظل ظليل، وأحللتها من فنائكم إلى معرّس ومقيل (٢)، وأهديتها علما بأن كرمكم بالإغضاء عن عيوبها كفيل، فاغتنم قليل الهدية منى إن جهد المقلّ غير قليل، فحسبها شرفا أن تبوّأت فى جنابك كنفا ودارا، وكفاها فخرا ومجدا أن عقدت بينها وبين فكرك عقدا وجوارا».
وهو يقول إن أوراق الديوان تضمنت طائفة من بنات فكره، ولو أخذ نفسه بالحزم لامتنع عن كتابتها كل الامتناع، بل لمحاها محوا، غير أنه عاد فآثر على المحو الإثبات وتمثل بقولهم إن أحسن ما أوتيته العرب أبيات يقدمها الشاعر بين يديه. ثم يذكر أنها إن عرضت
стр. 5103
عليه، وسألها كيف نجت من الوأد عرف أنها آوت من حرمه إلى ظل ظليل، وحلّت من فناء داره وساحتها إلى خير معرّس ومقيل، ويقول إن كرمه سيجعله يغضى عن عيوبها، وحسبها شرفا أنها نزلت من جنابه دارا، وكفاها مجد وفخرا أن انعقد بينها وبين فكرك جوار حميد وعقد وثيق. ولابن شبرين المتوفى سنة ٧٤٧ هـ/١٣٤٧ م رسالة فكهة كتب بها إلى أبى الحكم بن مسعود الشاهد بالمواريث، ويفتتحها بقوله (١):
«أطال الله بقاء أخى وسيدى لأهل الفرائض يحسن الاحتيال فى مداراتهم، وللمنتقلين إلى الدار الآخرة يأمر بالاحتياط فى أمواتهم، ودامت أقلامه مشرعة (٢) لصرم (٣) الأجل المنسأ (٤)، معدة لتحليل هذا الصنف المنشأ، من الصّلصال والحمأ، فمن ميّت يغسل وآخر يقبر، ومن أجل يطوى وكفن ينشر. . وكلما خربت ساحة، نشأت فى الحانوت راحة، وكلما قامت فى شعب (٥) مناحة، اتسعت للرزق مساحة».
وتمضى الرسالة فى مثل هذه الفكاهة وشاهد المواريث يسأل عن العقار والأملاك، ويقول عن المتوفّى إنه ذكر فى الأسماء الخمسة مع ذو فقيل ذو مال، وأرجل أعوانه تدبّ إلى الأسفاط دبيب الصّقر إلى الحجل (٦)، وحضر الموروث والمكسوب، ووزن بالأرطال، وكيل بالأقداح، والشاهد يصيح فتعلو صيحته، والمشرف يشرف فتسقط سبحته، وتقسّم التركة ويحضر الورثة. وكل ذلك فى أسلوب فكه بديع.
وتظل الرسائل الشخصية فى العهدين السعدى والعلوى تكتب بهذا الأسلوب المسجع البديع، والكتاب يتبارون فى انتخاب ألفاظهم وصياغاتهم انتخابا يروق ويروع.
٤ -
المقامات والرحلات
(أ) المقامات
المقامات جمع مقامة، وهى من أهم فنون النثر العربى، ابتكرها بديع الزمان الهمذانى فى أواخر القرن الرابع الهجرى، عارضا أقاصيص على لسان أديب سيار ممن كانوا يسمون فى
стр. 5104
عصره بالساسانيين الذين كانوا يحترفون الكدية أو الشحاذة الأدبية فى الحصول على أموال الناس بفصاحتهم وحيلهم فى أسلوب قصصى يشيع فيه الحوار، واتخذ بديع الزمان لمقاماته أديبا متسولا كبيرا، هو أبو الفتح الإسكندرى وراوية يروى أقاصيصه وحيله يسمى عيسى بن هشام، وشاعت مقاماته فى العالم العربى. وأوفى بهذا الفن على الغاية الحريرى التى تداولت مقاماته المغرب والبلدان العربية. وكان كثير من العلماء والأدباء يعقدون لإملائها وشرحها للطلاب مجالس متعاقبة، وحاولت كل بلدة أن تدلى بدلوها فى هذا الفن، غير أن كثيرين من البلدان العربية رأوا أن يعدلوا بها عن صورتها الأصلية إلى موضوعات أدبية فيها قصص وحوار. وأول ما يلقانا من ذلك فى المغرب الأقصى مقامة لعبد المهيمن الحضرمى الوزير وصاحب القلم الأعلى فى عهد أبى سعيد المرينى ثم فى عهد ابنه أبى الحسن المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/١٣٤٩ م، وقد سماها «مقامة الافتخار بين العشر الجوار» وهن بيضاء وسمراء، وطويلة وقصيرة، وسمينة ونحيفة، وعربية بدوية وحضرية، وعجوز وصبية. وكل واحدة منهن تناظر نقيضتها فى حسنها. وقد لقيهن-كما يقول فى مفتتح مقامته بوادى الجوهر فى إحدى المدن، وأجرى على ألسنتهن هذه المناظرة الطريفة. وكانت أول جارية تكلمت وطلبت المناظرة جارية يفوق ضياء وجهها ضياء الشمس فقد وقفت بين الصفوف وتقدمت وقالت (١):
«الحمد لله الذى جعل البياض طراز كلّ جمال، وشرّف أهله بالحياء والكمال، وأعطاهم عزّة لا تبيد، وصيّر السّمر لهم عبيد، ألا وإن على قلبى جمرة، من معاتبتك يا ذات السّمرة، أعندك يا سمراء ما عندى، وليس قدّك كقدّى، ولا خدّك كخدّى، جبينى ذو ابتهاج، وذوائبى (٢) كقطع الزّاج (٣)، ورشح عرقى كمسك أذفر، يرشح من تحت البرد والمغفر، وثغرى أقحوان (٤)، وديباج وجهى أرجوان (٥)، وإن أسبلت (٦) شعرى المضفور، فظلام ليل على بياض كافور، ثم أنشدت:
قل للذى أزرى بأهل البياض ... ما أنت إلا باطل الاعتراض
فورد خدّى أبدا زاهر ... فى كل فصل فوق خدّى رياض
يا حاسدى مت كمدا إنما ... تجنى المنى من الخدود الغضاض (٧)
وتقدّمت السمراء، وحطت اللثام، عن وجه شهىّ الالتثام (٨)، وأبلغت فى السلام، وأفصحت فى الكلام، وقالت:
стр. 5105
الحمد لله الذى خلق الإنسان فى أحسن تقويم وجعله أفضل الحيوان، وفرّق بين الصور والألسنة والألوان، وزيّن الأبيض بشعر كالغسق (١)، وباسوداد الحاجبين وسواد الحدق. وأجلّ ما يقف له العاشقون إجلالا، ويرتجلون فيه الأشعار ارتجالا: مسكة الخال، وعقرب الدلال. ثم التفتت إلى البيضاء وقالت: يا أشبه شئ بجبن الروم. . ما زال طعامك قليل الملح، وجفنك كثير الرّشح، ولبنك أذى، وعسلى أنا غذا، ولونى لون الخمر، وطعمى طعم التمر، ثم أنشدت:
الحمد لله ليس التّبر كالورق ... قد أحسن الله فى خلقى وفى خلقى (٢)
فالجسم منى نضار صيغ منظره ... بمسكة فغدا طيبا لمنتشق
يا من يعيّرنا باللون إن لكم ... جهلا يقود إلى الطّغيان والحمق
كم أسمر قلبه كافورة وله ... من السّعادة نجم لاح فى الأفق
فلما فرغت من كلامها، وما أبدعته من حسن نظامها تبرقعت بنقابها، وسلّمت على الصفّين، وقبّلت أسارير الكفّين».
وواضح أن عبد المهيمن الحضرمى أجرى على لسان الجارية البيضاء النعوت التى تزينها فى الخلق والأخلاق مثل الحياء والكمال، وتوسع فى وصف جمالها بذكر جمال القدّ والخدّ والجبين والضفائر المغرقة فى السواد، وذكر أن ثغرها أقحوان ووجهها أرجوان، وأشاد بورد خدها وأنه يحيل خدودها رياضا ناضرة. ويظن كأنها ضيقت طرق الكلام على صاحبتها السمراء. غير أن عبد المهيمن ما يلبث أن يفتح لها الأبواب على مصاريعها، لتجد مجموعة من الأدلة البينة والبراهين الواضحة على روعة السواد وجماله بشهادة قولهم: شعر كنسق الليل وإعجابهم بسواد الحاجبين وحدق العينين، وبدليل إشادة الشعراء بالخال المشبه للمسك، والشعر المتدلى إلى الخدود كأنه العقرب، وتقول صاحبتها إن اللبن الأبيض المشبه لك كثير، أما العسل الأسمر المشبه لى فكثير الغذا، وتفخر عليها بأن لونها لون الخمر التى طالما تغنى بها الشعراء، ثم أنشدتها شعرا يرفع التبر أو الذهب الذى يشبه لونها على الورق أو الفضة البيضاء التى تشبه لون صاحبتها، فجسمها هى نضار، وصيغ-كالمسك-سوادا وعطرا، وتقول لها ما أكثر السّمر الذين تشبه قلوبهم ما يتخذ من شجر الكافور من مادة بيضاء بلورية، بينما نجمه نجم سعيد كل السعادة. وتليهما جاريتان طويلة كاملة وقصيرة، ومما تقوله الطويلة للقصيرة: «يا زريعة يأجوج ومأجوج، إن الحلىّ على القصار كالدر فى نحور القرود، وتقول لها القصيرة: «يا شقيقة الزرافة، يا ناقة العشير (الزوج) وقصبة النّشير (حبل الغسيل).
стр. 5106
ويلى ذلك مشهد السمينة والنحيفة أو بعبارة أدق مناظرتهما، وتقول السمينة لصاحبتها إنك منقوضة اللحم إذ حرّم عليك كما حرّم على بنى إسرائيل الشحم، وتقول لها النحيفة إن قلبها بالعلف هائم، كما تفعل البهائم. ونقرأ مناظرة العربية البدوية والجارية الحضرية ومما تقوله الجارية العربية: نحن ربّات القلوب، ومنتهى غاية كل مطلوب، جمالنا أبدع جمال، ولساننا أفصح لسان. ومما تقوله الحضرية: إن رعيان الجمال لا يفتخرون بحسن ولا جمال.
إلا إنما الحسن حسن الحضر ... علينا ومنا وفينا ظهر
وتناظرت العجوز والصبية، وكانت العجوز مخضوبة البنان، وليس لها أسنان، وبدأت كلامها بقولها: «الحمد لله راحم الشيب، وساتر العيب» ومما قالته الصبية للعجوز: «أما رأيت شعرى الفاحم، وثغرى الباسم، وغصنى الناعم». وقالت لها العجوز: «بورك فيك من صبية، وفى ألفاظك الزكية». واستدار الجوارى حول العجوز، فقالت لهن: «سأقول بينكن مقالة إنصاف، يقتضيها الحق وجميل الأوصاف» وقالت لكل منهنّ كلمة أرضتها، وبذلك ارتفع بينهن العتاب واللوم. وإذا كان عبد المهيمن الحضرمى لم يحاول أن يحاكى بديع الزمان ولا الحريرى فى مقاماتهما فإن مقامته تعدّ طرفة أدبية بديعة.
ونلتقى فى العصر السعدى بمحمد بن عيسى المتوفى سنة ٩٩٩ هـ/١٥٩١ م، وله مقامة نقدية عرض فيها طائفة من أدباء زمنه، وعادة يسأل أين الأديب فلان؟ ويجيب بسطور مسجوعة منوها بأدبه، وقد يكون السؤال عن مفت أو فقيه ويجيب، ونذكر لذلك مثلا إذ يقول (١):
«قلت: وأين الكاتب الأديب أبو العباس الغرديس، فقال: الدر النفيس. . ووارث المجد الذى له التهويم (٢) والتعريس، فعل سؤدده غير مقيس، فهو والسيادة سليمان وبلقيس، وإنه اليوم بفاس دار قراره، ومشرق أنواره، ومنبت رنده وعراره (٣)، فلا تسل عن النبيه والنباهة. والفضل هناك الحب الوضّاح، والمجد الصّراح، والأدب المزرى بالراح، ممزوجا بالماء القراح، ينظم وينثر، وعلى كل ما يشاء الخاطر عنده يعثر».
وعلى هذا النمط نعوت دائما مسجوعة تضاف للشخص تنويها به وثناء عليه، وهى بذلك لا تعد مقامة إنما هى مقال عن بعض أدباء عصره وعلمائه. وأسلوب عبد المهيمن الحضرمى السابق فى مقامته القائم على المناظرة والمفاخرة شاع بين الكتاب المصريين فى زمن المماليك وشاع معه المفاخرة والمناظرة بين الأزهار فى ضروب من السفسطة والمغالطة وقلب المحاسن
стр. 5107
مساويء لغرض الإفحام والغلبة. ويمكن أن نعد من هذا النوع مقامة محمد بن أحمد المكلاتى التى كتبها فى أواخر العصر السعدى تحية لمحمد بن أبى بكر صاحب الزاوية الدلائية، وسماها: «المقامة (١) الزهرية فى مدح المكارم البكرية» ويجعلها على لسان شخص يسمى «بسّام» يقول إنهم نزلوا روضا بهيا وأمطرتهم السماء مطرا باتوا فيه، واستيقظ فى السحر بين الضياء والغبش، وخال كأن وجوه الروض تسيل دما، وتوهّمه من بقايا الشفق أسفر عنه ضوء الصباح، وناداه أنا أخو الرياض الشقيق كم كسوته جمالا. يقصد أن ما يراه ويظنه دما إنما هو زهر شقائق النعمان. ويأخذ فى الافتخار بحسنه، ويجاذبه الفخر زهر النمام فعود البان الذى طالما وصف الشعراء بقدّه قدود محبوباتهن الحسان، والنرجس يقول لغصن البان مفاخرا وواصفا نفسه:
«أما راقك الياقوت الأصفر، وسط الدر الأبيض، على الزمرد الأخضر. . شموا النرجس، ولو يوما فى السنة، فأنا غذاء الروح، لمن يغدو عنى ويروح، لطيف المزاج، أصلح للعلاج، وأزيل من الدماغ مضرّة دخان السراج، وأخفّ على العشّاق، يوم التلاق، وينشد قول بعض الشعراء:
وإذا قضيت لنا بعين مراقب ... يا ربّ فلتك من عيون النرجس
ويعترض زهر البنفسج ثائرا مفاخرا، وقائلا له: لا يسلم لك فخر إلا على الورد فما لأمرك عليه من ردّ، وينشد قول ابن الرومى فى تفضيل النرجس على الورد:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليه شاهد
للنّرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الحقيقة جاحد
وما يلبث أن يدخل الورد فى المعركة للرد على ابن الرومى ومن فضلوا عليه النرجس، يقول المكلاتى:
وتدخّل البنفسج «فأقبل الورد فى جنوده، ناشرا لراياته وبنوده، محمرّ الوجنات، منكرا على البنفسج ما جاء به من التّرهات:
ولقد رأيت الورد يلطم خدّه ... ويقول وهو على البنفسج يحنق
لا تقربوه وإن تضوّع نشره ... من بينكم فهو العدوّ الأزرق (٢)
وكيف يفخر النّرجس من بين الرياحين، على نخبة الملوك والسلاطين:
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ما ... وضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لونا منهما ... وافهم فما يصفرّ إلا الحاسد
стр. 5108
ألم تسمع ما قيل، مما سيلقى عليك القول الثقيل:
من فضّل النرجس فهو الذى ... يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعدا ... وقام فى خدمته النّرجس
أنا مشرّف الربيع. ومظهر ما له من البديع، أنعش الأرواح، وأنا عروس الأفراح، نوافح ذكية (١)، وروائح شذية (٢)، أبديت ألوانا لأهل الأدب، يقضون لها بالعجب، فمنىّ الأبيض والأسود الحالك، ومنى وراء ذلك: أصفر فاقع، وما نصفه قان (٣) ونصفه ناصع، وبالهند منى شجر يخرج وردا عليه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأنا للرياحين ملك ملوكها، ووسط عقودها وسلوكها:
فمن ذا يضاهينى بوصف فضيلة ... وفضلى على كل الرياحين ظاهر
زمانى على الأزمان بى متشرّف ... وفخرى لمن يبغى التفاخر قاهر
وفخر الورد بديع، وقد أنشد فيه المكلاتى ما أثر من الأشعار التى تثنى على الورد وتفضله على النرجس بل على جميع الأزهار. ونثر الفخر بل نثر المقامة جميعها بديع إذ كان يعرف المكلاتى كيف ينتخب ألفاظه وكيف يقابل بين سجعاته بألفاظ مألوفة ليس فيها غريب ولا شاذ نادر. وكانت تستمع إلى هذا الحوار حمامة مطوّقة، فأقبلت على الأزهار مفاخرة بدورها، تقول:
«فناحت بشجنها، وتكلمت على فننها، وقالت: كلّ يحاول جهده، ويقول بما عنده، إلىّ لا لكم الفخار، وأنتم لنا أعشاش وأوكار، وفروعكم لخطبائنا منابر، ولقياننا ستائر، أليس رءوسكم لأقدامنا خاضعة، ولنا كلما نزلنا ساجدة وراكعة، وإنا على ما زعمتم بنا من الجوى (٤) وتباريحه، آخذون فى ذكر الله وتسبيحه، شغلنا بذلك فى الأسحار، والعشىّ والإبكار. . . ونشأت غمامة تصافح أهدابها الأرض، وتسد الآفاق على الطول والعرض، يحدوها الرعد، ويستنجز منها الوعد (وينشد):
وكأن صوت الرعد خلف سحابة ... حاد إذا ونت الركائب صاحا
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كى تهتدى مصباحا
جادت على التّلعات فاكتست الرّبى ... حللا أقام لها الربيع وشاحا (٥)
فنثرت بالأرض جواهر تغار منها البحور، وتزدان بها من أجياد الأزهار اللبّات والنحور،
стр. 5109
واختفت بعد ما تجلّت، وألقت على البطاح ما فيها وتخلّت، ثم قالت: يا ذوات الأطواق، البائحات بالأشواق، المفتخرات على الأدواح، بالغدو والرواح، بكاءكن كذب، ونوحكن لعب. . ما الفضل إلا لمن أحيا الأرض بعد أن كاد زرعها يهيج ف (اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) فقلائدها مدبّجة، ورءوس أشجارها متوّجة، ولولاى لم يكن لكن مرعى، ولا مسرح فى الأرض ولا مسعى. . وطلعت الغزالة، وهى فى مشيها مختالة. وقالت: أعمال كسراب، وعارض منجاب، إذا طلعت عليه الشمس ذاب، ألم تعلموا أنى يوح (١)، أغدو فى مصالح العالم وأروح، ولولاى ما جرت الأنهار، ولا تفتّقت الأزهار». ويقول الراوى: إن جامع هذه الفضائل وإمامها عالم المسلمين. . محمد بن أبى بكر صاحب الدلاء الكريم الجواد، ويقول بعد التنويه بفضائله إنه وقع التسليم بمناقبه ومناقب أبيه البكرية، فطاف بالروض طواف الوداع عازما على أن يخدم جنابه بهذه الفكاهة.
وإنما أكثرت الاقتباس من هذه المقامة لأدل بوضوح على روعة ما جلبه فيها المكلاتى من أشعار وإبداعه فى نثرها المسجوع سجعا يكتظ بالعذوبة مع مابثه فيه من ألفاظ قرآنية بديعة من مثل آية آل عمران: ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ وآية سورة الانشقاق فى وصف الأرض: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ وآية سورة الحج: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
ونمضى إلى عصر الدولة العلوية وعهد سلطانها إسماعيل وما كان فيه من نهضة أدبية واشتهر بين الأدباء حينئذ محمد بن الطيب العلمى المتوفى سنة ١١٣٤ للهجرة وسنفرد له ترجمة بين كبار الكتاب، وكان يعاصره محمد المسناوى الدلائى المتوفى بعده بعامين سنة ١١٣٦ هـ/ ١٧٢٤ م وله مقامة سماها المقامة الفكرية يبكى فيها زاوية الدلاء حين هاجمها وخرّبها السلطان إسماعيل العلوى، وهو يطيل الحديث عن متنزهاتها ورياضها وأنهارها التى كانت تملأ بطاحها وتلالها، ويشعر بحزن عميق حين يراها تحولت أطلالا عافية، يقول (٢):
«منازلها خاوية، والذئاب فى أرجائها عاوية، وليس بها إلا الغربان واليوم، والحمائم تنوح فى أطلالها وتحوم، فخرجت منها ودموعى نهر غزير، بقلب كسير».
ونلتقى أخيرا بمحمد بن إدريس وزير السلطان عبد الرحمن العلوى المتوفى سنة ١٢٦٤ هـ/١٨٤٧ م وله مقامة يصف فيها حملة لتأديب إحدى القبائل، ويصور مسيرتها بين الزروع والرياض، وينسب الحديث فيها إلى نصر بن كرامة، وفيها يقول (٣):
стр. 5110
«مطارف السندس بالآفاق قد نشرت، وجيوش النّور (الزهر) حشدت ألوانها وحشرت:
والأرض تجلى عروسا فى ملابسها ... وشّت حلاها يد الأنواء بالزّهر (١)
والنسيم قد عطر بنشره الأندية، وغازل الأغصان فنازعها المطارف والأردية، وجرّ ذيل دلاله فى الآكام والأودية:
والريح تلطم فيه أرداف الرّبى ... مرحا وتلثم أوجه الأزهار
ومنابر الأغصان قد قامت بها ... خطباء مفصحة من الأطيار
. . والناظر الأديب المتأمل، ينشد قول المجنّس الممثّل.
إن هذا الربيع شئ عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودرّ ... حيث درنا وفضّة فى الفضاء
والجيش المنصور بحر متلاطم الأمواج، يسير فيملأ الفضاء ويغصّ الفجاج، ويقيم فيكون هالة على بدر سعود وشرف، وسور حفظ لا يعرف له طرف، قد رصّت صفوفه، وتعدّدت ألوفه، وتنوعت أجناسه وصفوفه».
والألفاظ والأسجاع والأبيات مختارة، بحيث تغمرها السلاسة ورونق العذوبة، مع حسن البيان، مما يكسب العبارات بهاء. وبدون ريب تدل مقامات ابن إدريس والمكلاتى والحضرمى- كما دلت الرسائل والخطب السابقة-على نهضة النثر فى المغرب الأقصى.
(ب) الرحلات
أعدت فريضة الحج وزيارة القبر النبوى-من قديم-لمسيرة القوافل سنويا من المغرب الأقصى إلى مكة والمدينة، مما جعل كثيرين هناك يشغفون بتلك الرحلة والكتابة عنها، وأيضا فإن مراكز الثقافة تعددت، فكان كثير من شباب المغاربة يودون لو تزودوا من هذه المراكز بما يأملون فيها من لقاء شيوخها بتنوع ثقافاتهم، وكانوا يشعرون أن من واجبهم التحدث عن هذه المراكز ومن التقوا بهم من شيوخها واستمعوا إليه وإلى ما دار أحيانا فى بعض المجالس من حوار علمى أو أسئلة علمية. وبهذين الدافعين أخذ كثير يرحلون فى هذه القوافل عبر البلاد المغربية ومصر والشام من أهل المغرب الأقصى، وعنى بعضهم بوصف رحلته ووصف البلدان التى نزلها وحلقات الشيوخ الذين استمع إليهم.
стр. 5111
رحلة (١) ابن رشيد
من أقدم الرحلات المغربية وأهمها رحلة ابن رشيد محمد بن عمر الفهرى، وحدثنا عنها وعن مؤلفها الأستاذ محمد بن تاويت فى الجزء الثانى من كتابه «الوافى» ونقل عن ابن خلدون أنه كبير مشيخة المغرب وسيد أهله كما نقل عن أبى البركات البلفيقى أنه من أهل المعرفة يعلم القراءات السبع وصناعة العربية وعلم البيان والآداب والعروض والقوافى مشاركا فى غير ذلك من الفنون أديبا خطيبا بليغا، ينظم الشعر على تكلفه ويجوّد النثر، ولد سنة ٦٥٧ هـ/١٢٥٩ م وتوفى حوالى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م بدأ رحلته فى الخامسة والعشرين من عمره، سنة ٦٨٣ وسجل فيها كل ما شاهده من البلدان والشيوخ ومجالسهم وأخذه عنهم، وسماها: «ملء العيبة (الحقيبة) فيما جمع بطول الغيبة، فى الوجهة الوجيهة إلى الحرمين: مكة والمدينة». وتعد مرجعا مهما لعلماء مصر والبلدان المغربية فى أواخر القرن السابع الهجرى، إذ امتدت رحلته أربع سنوات، وهى فى خمس مجلدات ولا تزال مخطوطة وربما كان طولها هو الذى منع حتى الآن من طبعها، وأسلوبه فيها-كما يقول الأستاذ ابن تاويت-مرسل إلا فى وصفه لبعض الشخصيات العلمية أو لبقعة طيبة فإنه يصوغها سجعا خالصا كقوله عن حازم القرطاجنى:
«حبر البلغاء، وبحر الأدباء، ذو اختيارات فائقة، واختراعات رائقة، لا نعلم أحدا ممن لقيناهم جمع، من علم اللسان ما جمع، ولا أحكم من معاقل البيان ما أحكم من منقول ومبتدع، وأما البلاغة فهو بحرها العذب، والمنفرد بحمل رايتها أميرا فى الشرق والغرب، وأما حفظ لغات العرب وأشعارها وأخبارها، فهو حمّاد (٢) راويتها وحمّال أوقارها» (٣).
ويخص مصر بالجزء الثالث من رحلته، ونسوق منه وصفه لمجلس لعالم مصر فى العربية لزمنه: بهاء الدين بن النحاس الحلبى الأصل تلميذ ابن مالك وأستاذ أبى حيان، يقول:
إنه «حضر درسا له، فسأله ابن النحاس بعد تدخله فى مسألة نحوية: من أين قدومك، قال ابن رشيد: قلت: من المغرب. قال: من الإسكندرية؟ قلت: من أبعد؟ قال: من تونس؟ قلت: من أبعد، قال: إذن من جوّا (من داخل) المغرب؟ قلت: نعم، فقال من أى بلاده؟ قلت: من «سبتة» فكان أول ما فاتحنى به أن قال: أيعيش سيدنا أبو الحسين بن أبى الربيع قلت: نعم، فقال: ذاك شيخنا، إفادة بوصول كتابه اليتيم إلىّ، يريد شرحه
стр. 5112
لكتاب الإيضاح للفارسى. . ثم قال لى: أقرأت عليه، قلت نعم قرأت: الجمل (للزجاجى) والإيضاح والكتاب (لسيبويه) فلما ذكرت الكتاب قال: فاعبر (أى الحلقة يريد انتقاله إلى جواره) وتلكأت فى هذا العبور واستحييت منه، ولكنه أصرّ على أن أعبر إليه، وعبرت، فأقعدنى إلى جانبه، فجلست مغضيا (منكمشا) حياء منه، فقال: اجلس متسعا، فجلست وتمادى فى الإقراء، فاختلست الكلام-أثناء إقباله على من بين يديه من التلاميذ للإلقاء عليهم-مع الذى كان عن يمينى اختلاسا، وسألته من الشيخ؟ فقال: بهاء الدين بن النحاس، والتفت الشيخ إذ رآنى وثبت بين يديه، فقال: لم؟ ارجع إلى موضعك، فقلت: يا مولانا لم يعرف المملوك من أنت؟ ولو علم ما جلس هذا المجلس (أى بجوارك) وما تكلم، فعزم علىّ فى العود إلى مجلسى، فعدت، وأشار بالاطمئنان فاطمأننت».
ولوصف ابن رشيد لهذا المجلس دلالات، فقد كان شابا فى نحو الخامسة والعشرين من عمره، وابن النحاس شيخ كبير، بل علم النحاة فى عصره، وحين عرف فيه بعض الفضل العلمى فى العلم الذى يلقيه: علم العربية، طلب إليه أن يعبر الحلقة ويجلس بجواره رغم صغر سنه. وكان علماء القاهرة والإسكندرية دائما يكرمون من يفد على مجالسهم من المغرب الأقصى شبانا أو شيوخا، وكانوا يتلمذون لهم، ويطلبون منهم إجازات فى قراءة بعض مؤلفاتهم. ومن يرجع إلى ما كان يقرأ هناك من هذه المؤلفات سيجد كثرة غامرة من كتابات العلماء المصريين ومؤلفاتهم تقرأ هناك وقد تشرح مرارا، وممن يتردد اسمه هناك فى الفقه المالكى والأصول ابن الحاجب وابن دقيق العبد والشيخ خليل والقرافى وغيرهم من جلة العلماء المصريين فى كل علم وفن. وبالمثل كانت مصر تتداول بعض المتون والمؤلفات المغربية. وهذا بهاء الدين بن النحاس يقرأ لمعاصره ابن أبى الربيع عبيد الله بن أحمد العالم النحوى الكبير الذى هاجر من إشبيلية حين استولى عليها الإسبان سنة ٦٤٦ للهجرة إلى سبتة وأقرأ بها العربية طوال حياته إلى أن توفى سنة ٦٨٨ للهجرة. ونرى ابن النحاس وقد قرأ له شرحه على كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى يتلطف فى السؤال عنه فيقول: «أيعيش سيدنا» ثم يعود فيقول لابن رشيد: ذلك شيخنا، وقد جعله شيخه، لا لأنه تتلمذ عليه مثل ابن رشيد، ولكن لأنه قرأ له شرحه للإيضاح، وفى ذلك ما يدل على مقدار إجلال أسلافنا من العلماء لمن يقرءون لهم بعض مؤلفاتهم فينعتونهم بأنهم شيوخهم، وإن لم يلقوهم، ولا حضروا لهم درسا فى مجالسهم العلمية. ويذكر الأستاذ ابن تاويت لابن رشيد نادرة حدثت له فى مدينة رابغ بالحجاز، يقول:
«غريبة عنّت لنا فى رابغ، بل أغنت فى معنى قوله تعالى وأقنت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ وذلك أنه
стр. 5113
صحبنى فى الطريق من المدينة، على ساكنها الصلاة والسلام، إلى البيت الحرام، أحد الشيوخ من شرفاء المدينة، فلما وافينا رابغ، رأيت عجبا من تخلل الوحوش والغزال والأرانب، بين الجمال والرحال، بحيث ينالها الناس بأيديهم، والناس ينادون: حرام، حرام، والجوارح قد سلست. . فقال لى ذلك الشيخ تأمل تر عجبا! هكذا جرت عادتنا فى هذا الطريق، إذا مررنا به ونحن محرمون نجد به من الوحش ما ترى، فإذا عدنا محلّين لم نجد شيئا. فلما عدنا كان كما قال، فبان لى من معنى الآية ما لم يكن عندى بالمشاهدة.
وينثر ابن رشيد فى رحلته، بعض أبيات له، تدل على أنه كان ينظم الشعر، وهو شعر متوسط، أما نثره سواء سجع أو استرسل طليقا من السجع نثر جيد. والرحلة تكتظ بمعارف كثيرة عن الحركة العلمية فى البلدان العربية وشيوخها لزمنه.
(ج) رحلة (١) العبدرى
هو أبو عبد الله بن محمد العبدرى، أصله من منطقة حاحة إحدى مناطق إقليم مراكش، وهى منطقة وعرة تمتلئ-كما يقول الحسن الوزان-بالجبال العالية الصخرية وبالغابات والأودية المائية الصغيرة. ويبدو أنه نشأ فى حاحة وأكمل تعلمه على شيوخ مراكش، وكان أديبا يحسن نظم الشعر وصوغ النثر، ولم يلتزم السجع دائما فى رحلته، وقد بدأها-كما يظن- فى العقد الثالث من حياته سنة ٦٨٨ هـ/١٢٩٠ م وقد استغرقت منه عامين طويلين، وبدأها من حاحة موليا وجهه نحو شمالى الجزائر حتى مدينة مليانة، ومرّ منها بالمدن فى الشمال حتى تونس، ومنها إلى طرابلس فالقطر المصرى بادئا منه بالإسكندرية وأعجبته فأقام بها فترة، ثم تركها إلى القاهرة وحمل عليها، كما حمل على طرابلس من قبل، واتجه منها إلى العقبة فإقليم الحجاز حيث أدّى فريضة الحج، وزار قبر الرسول العطر، وعاد من طريق فلسطين إلى مصر فالبلدان الإفريقية حتى بلدته، ونراه أحيانا فى وصفه للبلدان يبالغ فى الثناء تارة، وتارة ثانية يبالغ فى الذم والقدح، وقد أضفى ثناءه على مدينة مليانة فى الجزائر، وفيها يقول:
«مدينة مجموعة مختصرة، وليست بذلك عن أمهات المدن مقصّرة، أشرفت من كثب على وادى (نهر) شلف، واستشرفت نسيم طرفها من شرف، فى روضة جمة الأزهار والطّرف. فرعت (امتدت) فى سفح جبل حمى حماها أن يرام، وشرعت فى أصل نهر يشفى المقيم من الهيام، شاق منظرا، وراق مخبرا، وشفى الظمأ موردا ومصدرا، يشتهى الناظر إليه وهو ريان الشروع، ويقول: لورشّ به-لأفاق-المصروع، وكأن حصباءه
стр. 5114
جمان والماء من فوقه دموع». ومليانة من المدن التى بناها الرومان قديما، وهى على قمة جبل، وبينها وبين شرشال على البحر المتوسط أربعون ميلا، والجبل المشيدة عليه ملئ بالينابيع ومغطى بأشجار الجوز». ويقول الحسن الوزان إن بيوتها متقنة وبداخلها فستقيات جميلة، وسكانها فى زمنه من الصناع والحاكة والخراطين، وتشتهر بصنع أوان لطيفة من الخشب، وكثيرون من أهلها يزرعون الأرض. وإذا كانت القاهرة لم تعجب العبدرى فإن الإسكندرية أعجبته وفيها يقول:
«مدينة الحصانة والوثاقة، وبلد الإشراق اللامع والطلاقة، وطلاوة النظر وحلاوة المذاقة، كلّ عنها ظفر الزمان ونابه، وفلّ منها جيش الحدثان وأحزابه، فلم تبد عليها للزمان ضراعة، ولا وكست لها فى معاملاته سلعة ولا بضاعة، ولا وقفت له موقف ذل يوما ولا ساعة، بل ثبتت لحزبه ثبوت البطل، وصابرت كيده حتى اضمحلّ سحره وبطل، فلم تصغ أذنا إلى ما يوعد به من الخنا والخطل، فهى واقفة وقوف الأطواد سامية بطرف غير كليل وجيد غير منآد (١)، آخذة من الكفر وأهله بالمخنّق (٢)، حتى أبدلتهم من الصافى المروّق الكدر المرنّق (٣)، فسامروا الأسف مسامرة الندى للمحلّق (٤)، ودجا عليهم ليل هم ادلهمّ بعد نهار سرور تألق، واضطرم عليهم الأسى واحتدم، فحالفوا الندم. . مدينة فسيحة الميدان، صحيحة الأركان، مليحة البنيان، تسفر عن محيّا جميل المنظر، وترنو بطرف ساج (٥) أحور، تبسم عن ثغر كالأقحوان إذا نوّر، كأنه لم يغب عنها شخص الإسكندر (٦)، بما ساس فيها من عجائب مبانيها ودبّر، ناهيك بمدينة كلها عجب، قد ستر حسنها حسن غيرها وحجب، ووفّى فيها الإتقان حقه كما وجب، وقد أغنى عن تسطير وصفها ما سطّره الأعلام، وصرّت (٧) به على المهرق الأقلام».
وكان العبدرى يتخفف أحيانا من السجع ويرسل الكلام إرسالا، ويمثل الأستاذ ابن تاويت لذلك بقوله فى عمود السوارى بالإسكندرية:
«هو حجر واحد مستدير عال جدا، على قدر الصومعة (المأذنة) المرتفعة، وهو يبدو من بعيد بارزا فى غابة النخيل مرتفعا عنها، وقد أقيم على حجارة منحوتة مرتفعة، على قدر الدكاكين العظام، علوها أزيد من قامتين، ولا يعلم كيف أقيم عليها، ولا كيف ثبت هنالك مع الرياح والعواصف، وهو مما لا يمكن تحريكه البتة، فضلا عن إقامته هنالك».
стр. 5115
ولعله لم يظلم بلدا كما ظلم طرابلس، فقد ذمها ذما بالغ فيه: ذم موقعها وبيئتها وذم أهلها، وربما كان ذمه لطرابلس وغيرها مثل القاهرة يرجع إلى أنه لم يكن يخالط ذوى المروءة فيهما ومن يحمله على المدح لا على القدح، أو كان يتعرف على أشخاص مذمومين فذم-دون ريث وتأن-البلد التى تأوى أمثالهم، وقد نالت تونس منه الحظ الأوفر فى الثناء، ومن قوله على لسانها:
أنا الغادة الحسناء فاق جمالها ... فقالت يمينا لا خطبت على زوج
إذا الغانيات ارتدن وصف بعولة ... فما بى ولا فخر-إلى الزّوج-من حوج
وفىّ لمكدودى الحجيج استراحة ... فهم يردونى الدّهر فوجا على فوج
وإنّي-إلى البيت العتيق-كسلّم ... به يرتقى من فى الحضيض إلى الأوج
رحلة (١) العياشى
هو أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبى بكر العياشى المولود سنة ١٠٣٧ هـ/١٦٢٨ م، كان أبوه من شيوخ الزاوية الناصرية، وعنى به فحفظه القرآن الكريم وثقّفه بما يعرف من العلوم الدينية واللغوية، وأرسل به إلى مدينة فاس ليتزود من حلقات علمائها، وأخذ يبرع فى بعض العلوم، وألف فى كثير من المسائل النحوية والفقهية وفى الحديث النبوى وفى التصوف، وكان شاعرا وله مدائح نبوية كثيرة، توفى سنة ١٠٩٠ هـ/١٦٧٩ م واشتهر برحلته إلى أداء فريضة الحج، وهى رحلة موسوعية يعطينا فيها معلومات كثيرة عن البلدان التى نزل فيها والحركات العلمية بها، ومن قوله فى حديثه عن إقامته بالمدينة المنوّرة:
«كانت مدة إقامتنا بالمدينة سبعة أشهر ونصف لأنا دخلناها-كما تقدم-فى الليلة الثانية من محرم، وكان خروجنا منها إلى مكة فى السابع عشر من شعبان، وكنا نسكن أولا فى محل نزولنا بجوار مشهد سيدنا إسماعيل، كما تقدم، وكان أفسح الأمكنة وأوسعها وأبعدها عن زحام الناس، به أخلية للوضوء، وبئران-كما تقدم-وكان قيّم المشهد أحد أصحابنا المغاربة المجاورين، وهو الذى أنزلنا به، وكان يتولّى إصباحه وكنسه وإغلاق أبوابه، ويقبض ما يؤتى به من الصدقة إليه، ولاّه ذلك مفتى المالكية بالمدينة صاحبنا الخطيب أحمد وأخوه الخطيب عبد الرحمن لأن ولاية المشهد لهما. فإذا اجتمع من الصدقات ما له بال دفع لهما حصة منه، وانتفع بالباقى، كما هو شأن سائر المشاهد بالمدينة وبغيرها».
وهكذا يجرى الأسلوب مرسلا حرا طليقا فى أكثر جوانب الرحلة، وكأنما أخذ العياشى