← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

رحلة (١) ابن رشيد من أقدم الرحلات المغربية وأهمها رحلة ابن رشيد محمد بن عمر الفهرى، وحدثنا عنها وعن مؤلفها الأستاذ محمد بن تاويت فى الجزء الثانى من كتابه «الوافى» ونقل عن ابن خلدون أنه كبير مشيخة المغرب وسيد أهله كما نقل عن أبى البركات البلفيقى أنه من أهل المعرفة يعلم القراءات السبع وصناعة العربية وعلم البيان والآداب والعروض والقوافى مشاركا فى غير ذلك من الفنون أديبا خطيبا بليغا، ينظم الشعر على تكلفه ويجوّد النثر، ولد سنة ٦٥٧ هـ/١٢٥٩ م وتوفى حوالى سنة ٧٢١ هـ/١٣٢٢ م بدأ رحلته فى الخامسة والعشرين من عمره، سنة ٦٨٣ وسجل فيها كل ما شاهده من البلدان والشيوخ ومجالسهم وأخذه عنهم، وسماها: «ملء العيبة (الحقيبة) فيما جمع بطول الغيبة، فى الوجهة الوجيهة إلى الحرمين: مكة والمدينة». وتعد مرجعا مهما لعلماء مصر والبلدان المغربية فى أواخر القرن السابع الهجرى، إذ امتدت رحلته أربع سنوات، وهى فى خمس مجلدات ولا تزال مخطوطة وربما كان طولها هو الذى منع حتى الآن من طبعها، وأسلوبه فيها-كما يقول الأستاذ ابن تاويت-مرسل إلا فى وصفه لبعض الشخصيات العلمية أو لبقعة طيبة فإنه يصوغها سجعا خالصا كقوله عن حازم القرطاجنى: «حبر البلغاء، وبحر الأدباء، ذو اختيارات فائقة، واختراعات رائقة، لا نعلم أحدا ممن لقيناهم جمع، من علم اللسان ما جمع، ولا أحكم من معاقل البيان ما أحكم من منقول ومبتدع، وأما البلاغة فهو بحرها العذب، والمنفرد بحمل رايتها أميرا فى الشرق والغرب، وأما حفظ لغات العرب وأشعارها وأخبارها، فهو حمّاد (٢) راويتها وحمّال أوقارها» (٣). ويخص مصر بالجزء الثالث من رحلته، ونسوق منه وصفه لمجلس لعالم مصر فى العربية لزمنه: بهاء الدين بن النحاس الحلبى الأصل تلميذ ابن مالك وأستاذ أبى حيان، يقول: إنه «حضر درسا له، فسأله ابن النحاس بعد تدخله فى مسألة نحوية: من أين قدومك، قال ابن رشيد: قلت: من المغرب. قال: من الإسكندرية؟ قلت: من أبعد؟ قال: من تونس؟ قلت: من أبعد، قال: إذن من جوّا (من داخل) المغرب؟ قلت: نعم، فقال من أى بلاده؟ قلت: من «سبتة» فكان أول ما فاتحنى به أن قال: أيعيش سيدنا أبو الحسين بن أبى الربيع قلت: نعم، فقال: ذاك شيخنا، إفادة بوصول كتابه اليتيم إلىّ، يريد شرحه

стр. 5112

لكتاب الإيضاح للفارسى. . ثم قال لى: أقرأت عليه، قلت نعم قرأت: الجمل (للزجاجى) والإيضاح والكتاب (لسيبويه) فلما ذكرت الكتاب قال: فاعبر (أى الحلقة يريد انتقاله إلى جواره) وتلكأت فى هذا العبور واستحييت منه، ولكنه أصرّ على أن أعبر إليه، وعبرت، فأقعدنى إلى جانبه، فجلست مغضيا (منكمشا) حياء منه، فقال: اجلس متسعا، فجلست وتمادى فى الإقراء، فاختلست الكلام-أثناء إقباله على من بين يديه من التلاميذ للإلقاء عليهم-مع الذى كان عن يمينى اختلاسا، وسألته من الشيخ؟ فقال: بهاء الدين بن النحاس، والتفت الشيخ إذ رآنى وثبت بين يديه، فقال: لم؟ ارجع إلى موضعك، فقلت: يا مولانا لم يعرف المملوك من أنت؟ ولو علم ما جلس هذا المجلس (أى بجوارك) وما تكلم، فعزم علىّ فى العود إلى مجلسى، فعدت، وأشار بالاطمئنان فاطمأننت». ولوصف ابن رشيد لهذا المجلس دلالات، فقد كان شابا فى نحو الخامسة والعشرين من عمره، وابن النحاس شيخ كبير، بل علم النحاة فى عصره، وحين عرف فيه بعض الفضل العلمى فى العلم الذى يلقيه: علم العربية، طلب إليه أن يعبر الحلقة ويجلس بجواره رغم صغر سنه. وكان علماء القاهرة والإسكندرية دائما يكرمون من يفد على مجالسهم من المغرب الأقصى شبانا أو شيوخا، وكانوا يتلمذون لهم، ويطلبون منهم إجازات فى قراءة بعض مؤلفاتهم. ومن يرجع إلى ما كان يقرأ هناك من هذه المؤلفات سيجد كثرة غامرة من كتابات العلماء المصريين ومؤلفاتهم تقرأ هناك وقد تشرح مرارا، وممن يتردد اسمه هناك فى الفقه المالكى والأصول ابن الحاجب وابن دقيق العبد والشيخ خليل والقرافى وغيرهم من جلة العلماء المصريين فى كل علم وفن. وبالمثل كانت مصر تتداول بعض المتون والمؤلفات المغربية. وهذا بهاء الدين بن النحاس يقرأ لمعاصره ابن أبى الربيع عبيد الله بن أحمد العالم النحوى الكبير الذى هاجر من إشبيلية حين استولى عليها الإسبان سنة ٦٤٦ للهجرة إلى سبتة وأقرأ بها العربية طوال حياته إلى أن توفى سنة ٦٨٨ للهجرة. ونرى ابن النحاس وقد قرأ له شرحه على كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى يتلطف فى السؤال عنه فيقول: «أيعيش سيدنا» ثم يعود فيقول لابن رشيد: ذلك شيخنا، وقد جعله شيخه، لا لأنه تتلمذ عليه مثل ابن رشيد، ولكن لأنه قرأ له شرحه للإيضاح، وفى ذلك ما يدل على مقدار إجلال أسلافنا من العلماء لمن يقرءون لهم بعض مؤلفاتهم فينعتونهم بأنهم شيوخهم، وإن لم يلقوهم، ولا حضروا لهم درسا فى مجالسهم العلمية. ويذكر الأستاذ ابن تاويت لابن رشيد نادرة حدثت له فى مدينة رابغ بالحجاز، يقول: «غريبة عنّت لنا فى رابغ، بل أغنت فى معنى قوله تعالى وأقنت: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ وذلك أنه

стр. 5113

صحبنى فى الطريق من المدينة، على ساكنها الصلاة والسلام، إلى البيت الحرام، أحد الشيوخ من شرفاء المدينة، فلما وافينا رابغ، رأيت عجبا من تخلل الوحوش والغزال والأرانب، بين الجمال والرحال، بحيث ينالها الناس بأيديهم، والناس ينادون: حرام، حرام، والجوارح قد سلست. . فقال لى ذلك الشيخ تأمل تر عجبا! هكذا جرت عادتنا فى هذا الطريق، إذا مررنا به ونحن محرمون نجد به من الوحش ما ترى، فإذا عدنا محلّين لم نجد شيئا. فلما عدنا كان كما قال، فبان لى من معنى الآية ما لم يكن عندى بالمشاهدة. وينثر ابن رشيد فى رحلته، بعض أبيات له، تدل على أنه كان ينظم الشعر، وهو شعر متوسط، أما نثره سواء سجع أو استرسل طليقا من السجع نثر جيد. والرحلة تكتظ بمعارف كثيرة عن الحركة العلمية فى البلدان العربية وشيوخها لزمنه. (ج) رحلة (١) العبدرى هو أبو عبد الله بن محمد العبدرى، أصله من منطقة حاحة إحدى مناطق إقليم مراكش، وهى منطقة وعرة تمتلئ-كما يقول الحسن الوزان-بالجبال العالية الصخرية وبالغابات والأودية المائية الصغيرة. ويبدو أنه نشأ فى حاحة وأكمل تعلمه على شيوخ مراكش، وكان أديبا يحسن نظم الشعر وصوغ النثر، ولم يلتزم السجع دائما فى رحلته، وقد بدأها-كما يظن- فى العقد الثالث من حياته سنة ٦٨٨ هـ/١٢٩٠ م وقد استغرقت منه عامين طويلين، وبدأها من حاحة موليا وجهه نحو شمالى الجزائر حتى مدينة مليانة، ومرّ منها بالمدن فى الشمال حتى تونس، ومنها إلى طرابلس فالقطر المصرى بادئا منه بالإسكندرية وأعجبته فأقام بها فترة، ثم تركها إلى القاهرة وحمل عليها، كما حمل على طرابلس من قبل، واتجه منها إلى العقبة فإقليم الحجاز حيث أدّى فريضة الحج، وزار قبر الرسول العطر، وعاد من طريق فلسطين إلى مصر فالبلدان الإفريقية حتى بلدته، ونراه أحيانا فى وصفه للبلدان يبالغ فى الثناء تارة، وتارة ثانية يبالغ فى الذم والقدح، وقد أضفى ثناءه على مدينة مليانة فى الجزائر، وفيها يقول: «مدينة مجموعة مختصرة، وليست بذلك عن أمهات المدن مقصّرة، أشرفت من كثب على وادى (نهر) شلف، واستشرفت نسيم طرفها من شرف، فى روضة جمة الأزهار والطّرف. فرعت (امتدت) فى سفح جبل حمى حماها أن يرام، وشرعت فى أصل نهر يشفى المقيم من الهيام، شاق منظرا، وراق مخبرا، وشفى الظمأ موردا ومصدرا، يشتهى الناظر إليه وهو ريان الشروع، ويقول: لورشّ به-لأفاق-المصروع، وكأن حصباءه

стр. 5114

جمان والماء من فوقه دموع». ومليانة من المدن التى بناها الرومان قديما، وهى على قمة جبل، وبينها وبين شرشال على البحر المتوسط أربعون ميلا، والجبل المشيدة عليه ملئ بالينابيع ومغطى بأشجار الجوز». ويقول الحسن الوزان إن بيوتها متقنة وبداخلها فستقيات جميلة، وسكانها فى زمنه من الصناع والحاكة والخراطين، وتشتهر بصنع أوان لطيفة من الخشب، وكثيرون من أهلها يزرعون الأرض. وإذا كانت القاهرة لم تعجب العبدرى فإن الإسكندرية أعجبته وفيها يقول: «مدينة الحصانة والوثاقة، وبلد الإشراق اللامع والطلاقة، وطلاوة النظر وحلاوة المذاقة، كلّ عنها ظفر الزمان ونابه، وفلّ منها جيش الحدثان وأحزابه، فلم تبد عليها للزمان ضراعة، ولا وكست لها فى معاملاته سلعة ولا بضاعة، ولا وقفت له موقف ذل يوما ولا ساعة، بل ثبتت لحزبه ثبوت البطل، وصابرت كيده حتى اضمحلّ سحره وبطل، فلم تصغ أذنا إلى ما يوعد به من الخنا والخطل، فهى واقفة وقوف الأطواد سامية بطرف غير كليل وجيد غير منآد (١)، آخذة من الكفر وأهله بالمخنّق (٢)، حتى أبدلتهم من الصافى المروّق الكدر المرنّق (٣)، فسامروا الأسف مسامرة الندى للمحلّق (٤)، ودجا عليهم ليل هم ادلهمّ بعد نهار سرور تألق، واضطرم عليهم الأسى واحتدم، فحالفوا الندم. . مدينة فسيحة الميدان، صحيحة الأركان، مليحة البنيان، تسفر عن محيّا جميل المنظر، وترنو بطرف ساج (٥) أحور، تبسم عن ثغر كالأقحوان إذا نوّر، كأنه لم يغب عنها شخص الإسكندر (٦)، بما ساس فيها من عجائب مبانيها ودبّر، ناهيك بمدينة كلها عجب، قد ستر حسنها حسن غيرها وحجب، ووفّى فيها الإتقان حقه كما وجب، وقد أغنى عن تسطير وصفها ما سطّره الأعلام، وصرّت (٧) به على المهرق الأقلام». وكان العبدرى يتخفف أحيانا من السجع ويرسل الكلام إرسالا، ويمثل الأستاذ ابن تاويت لذلك بقوله فى عمود السوارى بالإسكندرية: «هو حجر واحد مستدير عال جدا، على قدر الصومعة (المأذنة) المرتفعة، وهو يبدو من بعيد بارزا فى غابة النخيل مرتفعا عنها، وقد أقيم على حجارة منحوتة مرتفعة، على قدر الدكاكين العظام، علوها أزيد من قامتين، ولا يعلم كيف أقيم عليها، ولا كيف ثبت هنالك مع الرياح والعواصف، وهو مما لا يمكن تحريكه البتة، فضلا عن إقامته هنالك».

стр. 5115

ولعله لم يظلم بلدا كما ظلم طرابلس، فقد ذمها ذما بالغ فيه: ذم موقعها وبيئتها وذم أهلها، وربما كان ذمه لطرابلس وغيرها مثل القاهرة يرجع إلى أنه لم يكن يخالط ذوى المروءة فيهما ومن يحمله على المدح لا على القدح، أو كان يتعرف على أشخاص مذمومين فذم-دون ريث وتأن-البلد التى تأوى أمثالهم، وقد نالت تونس منه الحظ الأوفر فى الثناء، ومن قوله على لسانها: أنا الغادة الحسناء فاق جمالها ... فقالت يمينا لا خطبت على زوج إذا الغانيات ارتدن وصف بعولة ... فما بى ولا فخر-إلى الزّوج-من حوج وفىّ لمكدودى الحجيج استراحة ... فهم يردونى الدّهر فوجا على فوج وإنّي-إلى البيت العتيق-كسلّم ... به يرتقى من فى الحضيض إلى الأوج رحلة (١) العياشى هو أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبى بكر العياشى المولود سنة ١٠٣٧ هـ/١٦٢٨ م، كان أبوه من شيوخ الزاوية الناصرية، وعنى به فحفظه القرآن الكريم وثقّفه بما يعرف من العلوم الدينية واللغوية، وأرسل به إلى مدينة فاس ليتزود من حلقات علمائها، وأخذ يبرع فى بعض العلوم، وألف فى كثير من المسائل النحوية والفقهية وفى الحديث النبوى وفى التصوف، وكان شاعرا وله مدائح نبوية كثيرة، توفى سنة ١٠٩٠ هـ/١٦٧٩ م واشتهر برحلته إلى أداء فريضة الحج، وهى رحلة موسوعية يعطينا فيها معلومات كثيرة عن البلدان التى نزل فيها والحركات العلمية بها، ومن قوله فى حديثه عن إقامته بالمدينة المنوّرة: «كانت مدة إقامتنا بالمدينة سبعة أشهر ونصف لأنا دخلناها-كما تقدم-فى الليلة الثانية من محرم، وكان خروجنا منها إلى مكة فى السابع عشر من شعبان، وكنا نسكن أولا فى محل نزولنا بجوار مشهد سيدنا إسماعيل، كما تقدم، وكان أفسح الأمكنة وأوسعها وأبعدها عن زحام الناس، به أخلية للوضوء، وبئران-كما تقدم-وكان قيّم المشهد أحد أصحابنا المغاربة المجاورين، وهو الذى أنزلنا به، وكان يتولّى إصباحه وكنسه وإغلاق أبوابه، ويقبض ما يؤتى به من الصدقة إليه، ولاّه ذلك مفتى المالكية بالمدينة صاحبنا الخطيب أحمد وأخوه الخطيب عبد الرحمن لأن ولاية المشهد لهما. فإذا اجتمع من الصدقات ما له بال دفع لهما حصة منه، وانتفع بالباقى، كما هو شأن سائر المشاهد بالمدينة وبغيرها». وهكذا يجرى الأسلوب مرسلا حرا طليقا فى أكثر جوانب الرحلة، وكأنما أخذ العياشى

стр. 5116

فى القرن الحادى عشر يردّ على ما كتبه العبدرى عن طرابلس فى القرن السابع وذمه لها وقدحه فيها فقد زارها فى رحلته سنة ١٠٥٩ هـ/١٦٥٠ م ويصفها قائلا: «كان دخولنا لمدينة طرابلس قرب الظهر يوم الأربعاء سابع عشر رجب الفرد، وهى مدينة مساحتها صغيرة، وخيراتها كثيرة. ونكايتها للعدو شهيرة، ومآثرها جليلة، ومعايبها قليلة، أنيقة البناء، فسيحة الفناء، عالية الأسوار، متناسبة الأدوار، واسعة طرقها، سهل طروقها، إلى ما جمع لأهلها من زكاء الأوصاف، وجميل الاتصاف، وسماحة على المعتاد زائدة، وعلى المتعافين بأنواع الميرة عائدة، لا تكاد تسمع من واحد من أهلها لغوا إلا سلاما، ولو لمن استحقّ ملاما، سيما مع الحجاج الواردين، ومن انتسب إلى الخير من الفقراء العابدين، فإنهم يبالغون فى إكرامهم، ولا يألون جهدا فى إفضالهم عليهم. ولهذه المدينة بابان: باب إلى البر، وباب إلى البحر، لأن البحر يحيط بكثير من جهاتها، والحصن الذى فيه الأمير متصل بالمدينة من ناحية البر بينه وبين البحر. ولأمير هذه المدينة نكاية فى العدو-دمّرهم الله-وله مراكب قلّ نظيرها معدّة للجهاد فى البحر، قلما تسافر وترجع بغير غنيمة. وقلما أسرت لهم سفينة إلا أن تكون من سفن التجارة، لا من سفن الجهاد، فجزاهم الله خيرا، وأعانهم على ما أولاهم من ذلك وسائر بلاد المسلمين». رحلة (١) ابن ناصر هو أحمد بن محمد بن ناصر رئيس الطريقة الناصرية بتمكروت (قرية بوادى درعة جنوبى مراكش) وقد ولد بها لأبيه شيخ الطريقة سنة ١٠٥٧ هـ/١٦٤٧ م وعنى بتربيته وتثقيفه، واختلف إلى حلقات العلماء بفاس، وحج مرارا وكانت آخر حجة له سنة ١١٢١ هـ/١٧٠٩ م وبعد هذه الحجة كتب رحلته، وفيها سجل كثيرا عن الحركات العلمية فى البلدان العربية، ولذلك، تعد مصدرا مهما للتعرف على النشاط العلمى بها وشيوخها حينذاك. ومن قوله فى وصف موجة للحرارة عاناها مع رفاقه فى أحد شعاب الحجاز: «نزلنا غربى الأكرة بين العشاءين، وفى هذه المسافة لما توجهنا عام تسعة (١١٠٩ هـ) هبّت على الناس ريح السموم، من نضيج اليحسوم، واشتد الحر وتوالى الكرب على الناس، وضاعت الحيل والإيناس، واشتد العطش على الرجال والجمال، يشرب كلّ، ولا يغنى شربه، بل يتزايد بتناول الماء كربه، لا يبين القدح والماء عن فيه إلا وتزايدت حرارة العطش له. فبركت الإبل وفرّت لظلال الأشجار، وتدخل رأسها فى أدنى ظل يبدو لها وإذا بركت لا تكاد

стр. 5117

تقوم ولو قطّعت إربا إربا. واشتدت الحال وبلغت القلوب الحناجر، وكلحت الوجوه، واغبرّت الغرر وتغيرت، واسودّ أبيضها وتنكرت، فترى الرجل لا باس به (سليما) فإذا به يخشى عليه الفوت، فإذا أوتى بالماء سبقه إليه الموت. وهلك من الناس كثيرون ومن الإبل أكثر، وترك الناس بضائعهم وأحمالهم مشحونة بأزوادهم وما به قوامهم، فتاهت فى الفلوات، وذهبوا بأنفسهم فى طلب النجاة. يوم يذكّر بالموقف والعرض، (فى يوم القيامة، وضاقت الدنيا على سعتها فى الطول والعرض، يود الإنسان لو يجد السبيل إلى باطن الأرض، الناس فيه حيارى، وتراهم سكارى وما هم بسكارى. مات من المغاربة زهاء الستين بالعطش من نساء وصبيان ورجال وولدان». وهذا اليوم الشديد الحرارة لم يحدث له فى حجته الأخيرة إنما حدث له فى حجته الثالثة سنة ١١٠٩ ورحلته بذلك تتضمن أهم المشاهد التى رآها أو صادفها فى رحلاته المختلفة إلى الحج. والرحلة بأسلوب مرسل غير أنه يسجع فيها أحيانا على نحو سجعه فى مشهد هذا اليوم الحار وهى طرفة من طرف الرحلات المغربية. وتوفى سنة ١١٢٩ هـ/١٧١٧ م. رحلة (١) الوزير الغسانى هو أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب الملقب بالوزير الغسانى وزير السلطان إسماعيل العلوى المتوفى سنة ١١١٩ هـ/١٧٠٨ م وقد أرسله السلطان فى سفارة إلى ملك إسبانيا للتفاوض فى افتداء الأسرى المسلمين ولمحاولة استرجاع الكتب العربية الباقية عندهم فى المساجد الأندلسية القديمة، ولما عاد إلى وطنه فى المغرب الأقصى كتب رحلة وصف فيها إسبانيا سماها: «رحلة الوزير فى افتكاك الأسير» وكان دقيق الملاحظة، فحملت رحلته ملاحظات مهمة عن إسبانيا فى الفترة التى زارها فيها، وهى مكتوبة بأسلوب مرسل طليق لا أثر للصنعة فيه، ومن قوله فى استقبال الملك الإسبانى له: «حين قربنا من باب القصر لقينا وكيل الميوردوم. . فسلّم ورحّب ودخل بنا الدار. . فجعلنا نمرّ بجماعات من الأعيان والأكابر، فيسلمون ويقف كلّ عند حدّه، إلى أن دخلنا قبة كبيرة ببابها كاتب الديوان الكبير، وهو رجل كبير السن بلغ منه الكبر إلى أن انحنى فلقينا أحسن الملاقاة. . ودخل بناقبة أخرى لها باب، وفى هذه القبة وجدنا الطاغية واقفا على قدميه، وقد جعل فى عنقه سلسلة من ذهب، وتلك هى عوائد ملوك العجم، إذ هى عندهم بمثابة

стр. 5118

التاج، وعن يمينه طبلة من ذهب مرصّعه أعدّها-وصنعها-أيام مقامنا يعد وصولنا، ليجعل عليها البراءة السلطانية إجلالا وتعظيما لمرسلها أعزه الله تعالى». رحلة (١) محمد بن عثمان المكناسى ولد محمد بن عثمان بمكناس فى أواسط القرن الثانى عشر الهجرى وتوفى سنة ١٢١٣ هـ/ ١٧٩٩ م وكان أديبا، فعينه السلطان محمد بن عبد الله العلوى كاتبا فى دواوينه، ثم اختاره حاكما لتطوان، ثم عينه وزيرا، وله رحلات متعددة، طبعت جامعة الرباط منها رحلته إلى كارلوس الثالث ملك إسبانيا بدعوة من حكومة الجزائر سنة ١١٩٣ هـ/١٧٧٩ م لافتكاك الأسرى الجزائريين ورد حريتهم إليهم، وقد سماها: «الإكسير فى فكاك الأسير» ونشرتها أخيرا جامعة محمد الخامس بالرباط، وكان أديبا شاعرا وكاتبا ومن قوله فى وصف مدريد: «هذه المدينة كبيرة غاية فى الكبر وضخامة البناء حاضرة الحواضر ببلاد إسبانيا، بنيت على ربوة ببابها وادى (نهر) مانسنارس زادها حسنا وبهاء، وبهجة وسناء، وقد غرسوا على جانب الوادى الذى من ناحية المدينة أشجارا كثيرة مثل النشم وما أشبهه فى غاية العلو بصفوف معتدلة يتفيئون ظلالها عشية وقت خروجهم، يترددون على حاشية الوادى المذكور على أكداشهم (دوابهم) ومن لم يكن عنده كدش يخرج على رجليه. ولما دخلنا المدينة المذكورة وجدنا بها من الخلائق أضعاف من تلقّانا بخارجها، فسرنا فى سكك متسعة وديار مرتفعة، فجلّ ديارها لها ست طبقات وخمس طبقات، لكل دار شراجيب مفتحة للأزقة، مغلقة بالزاج عليها شبابيك الحديد، وأسواقها عامرة، مشحونة بأهل الحرف والصنائع، والتجارة والبضائع، وجلّ باعتها من النساء». وحسبنا ما تقدم عن الرحلات الحجازية والأوربية. ٥ - كبار الكتّاب (أ) القاضى عياض (٢) هو أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبى السّبتى علاّمة عصره، استقرّ أجداده قديما فى مدينة بسطة من أعمال غرناطة، وانتقلوا إلى فاس أيام الأدارسة، وبارحوها إلى مدينة سبتة بعد دخول بنى عبيد الفاطميين المغرب فى القرن الرابع الهجرى، وكان أول من نزلها من أجداد

стр. 5119

القاضى عياض جده عمرون، وكان موسرا، فاشترى بها أرضا وهى المعروفة باسم المنارة وبنى بها مسجدا وديارا وقفها على المسجد، ووقف بقيتها مقبرة للدفن، وولد له ابنه عياض، وولد لعياض ابنه موسى وولد لموسى ابنه عياض سنة ٤٧٦ هـ/١٠٨٣ م ونشأ طالبا للعلم حريصا عليه مجتهدا فيه-كما يقول ابنه-معظما عند شيوخه لما لاحظوا من ذكائه وإكبابه على الدرس إلى أن برع فى زمانه، وتفوق على أقرانه، وكان من حفاظ القرآن الكريم، لا يترك تلاوته والقيام على معانيه وإعرابه وشواهده وأحكامه كما يقول ابنه، وكان-كما يقول-من أئمة زمنه فى الحديث وفقهه وغريبه ومشكله ومختلفه حاذقا بتخريجه، كما كان فقيها حافظا لمسائل مدوّنة سحنون ومختصر ابن أبى زبد القيروانى، وكان نحويا ريّانا من الأدب شاعرا مجيدا من أكتب أهل زمانه خطيبا مفوّها، مقداما على الأمراء فى استقضاء حوائج الرعية عندهم، محبّبا فى قلوب العامة والخاصة. ويضيف ابنه أنه أخذ عن أشياخ بلده، ثم رحل إلى قرطبة بالأندلس سنة ٥٠٧ للهجرة، وأخذ عن شيوخها، وخرج إلى مرسية فى أوائل سنة ٥٠٨ ولزم الحافظ الحسين بن محمد الصدفى فترة، وأجازته جماعة كثيرة من أعلام (١) الأندلس وتونس ومصر والحجاز. وولى القضاء فى بلدته سبتة سنة ٥١٥ للهجرة ونقل إلى غرناطة قاضيا بها سنة ٥٣١ هـ/١١٣٦ م وصرف عنها سنة ٥٣٢ وعاد إلى قضاء سبتة سنة ٥٣٩ هـ/١١٤٤ م. وفى بدء دولة الموحدين غزا عبد المؤمن سبتة فردّ جيشه أهل سبتة ومعهم القاضى عياض، ولما قتل تاشفين وقضى الموحدون على دولة المرابطين وفتحوا مدينتى فاس وتلمسان بايع أهل سبتة عبد المؤمن، ولقيه القاضى عياض فى مدينة سلا وهو يستعد لفتح مراكش فأجزل صلته، ولما انتفضت الأندلس على عبد المؤمن بسبب ثورة محمد ابن هود ثارت سبتة-برأى القاضى عياض كما قيل-وحاربها عبد المؤمن وعادت إلى الطاعة، واستدعى عبد المؤمن القاضى عياضا، فأخذ من سبتة إلى مراكش مغلولا سنة ٥٤٢ للهجرة حتى إذا اجتمع بعبد المؤمن فى مراكش واستعطفه ببعض منظومه ومنثوره عفا عنه على أبرّ وجه وأكمله، وأمره بلزوم مجلسه، كما يقول ابنه، ومنزلته عنده تزداد كل يوم سموا ورفعة إلى أن توفى بمراكش سنة ٥٤٤ هـ/١١٤٩ م. وكتب ابنه محمد فصلا عن مؤلفاته وأهمها: كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ودوت شهرة هذا الكتاب فى العالم الإسلامى إلى اليوم، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك فى خمسة أسفار، وكتاب إكمال المعلم على صحيح مسلم، وهو زيادة فى الشرح على شرح المعلم بفوائد مسلم للإمام المالكى الصقلّى محمد المازرى دفين المنستير بتونس إلى غير ذلك من كتب نفيسة من أهمها كتاب له فى النقد والبلاغة سماه «بغية الرائد» كتب عنه الأستاذ محمد بن تاويت فصلا فى ترجمته

стр. 5120

بالجزء الأول من كتابه الوافى بالأدب فى المغرب الأقصى وهو يعرض فيه بعض صور النقد والمحسنات البديعية من مثل الجناس والطباق والترصيع. وكان له كتاب خطب ومواعظ دينية، وهو مفقود، وفى أزهار الرياض عن ابن خاتمة أن هذا الكتاب يشتمل على خمسين خطبة من خطب الجمعات، وروى له ابنه فى التعريف به خطبتين، يقول فى إحداهما حاضا على التقوى: «أيها السامع قد أيقظك صرف (١) القدر من سنة (٢) الهوى وسكراته، ووعظك كتاب الله بزواجره وعظاته، فتأمّل حدوده وتدبر محكم آياته ﴿وَاُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٣)﴾ أين الذين عتوا على الله وتعظموا، واستطالوا (٤) على عباده وتحكموا، وظنوا أن لن يقدر عليهم حتى اصطلموا (٥)، ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ غرّهم الأمل وكواذب الظنون، وذهلوا عن طوارق الغير (٦) وريب المنون ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ فهذّبوا-رحمكم الله-سرائركم بتقوى الله وأخلصوا واشكروا نعمته ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ واحذروا نقمته ولا تعصوا واعتبروا بوعيده ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اِهْتَدى﴾ وأنهضوا لطاعته هذه الهمم العاجزة، واركضوا فى ميدان التقوى تحوزوا قصب خصله (٧) الفائزة، وادّخروا ما يخلّصكم يوم المحاسبة والمناجزة، وانتظروا قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ذلك يوم تذهل فيه الألباب وترجف القلوب رجفا، وتبدّل الأرض وتنسف الجبال نسفا ولا يقبل الله فيه من الظالمين عدلا ولا حرفا وحشر المجرمون يومئذ زرقا ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ فرادى ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ إن أحسن الهدى هدى محمد نبيّنا وأصحابه، وأفضل الذكر ذكر الله وتلاوة كتابه، جعلنا الله وإياكم ممن اهتدى بهديه، وتأدّب بآدابه ومن الذين قالوا: ﴿سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ اللهم انفعنا بالكتاب والحكمة، وارحمنا بالهداية والعصمة وأوزعنا (٨) شكر ما أوليت من نعمة ﴿رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً﴾. والعظة رائعة بما فيها من دعوة للتقوى وتحذير من وعيد الله ونقمته، ومن غرور بالأمانى

стр. 5121

والظنون الكاذبة والذهول عن يوم القيامة مع ما فى ذلك من كفران بنعمة الله ونعمه لا تحصى. وتتخلل العظة أو الخطبة الآيات القرآنية مؤكدة معانى عظته. ولغة العظة لغة جزلة مصقولة تشيع فيها مع الآيات ألفاظ قرآنية كثيرة. ويأسى من يقرأ هذه الخطبة وأختها الموجودتين فى كتاب التعريف بالقاضى عياض لضياع كتاب خطبه. والخطبة مسجوعة وكان يؤثر السجع فى خطبه وأيضا فى رسائله على نحو ما نرى فيما أثبته وسجّله منها ابنه محمد، من ذلك رسالة يعاتب فيها صديقين له: «ليت شعرى أأعتب أم أعتب، وأعترف بالذنب أم أذنب، لا جرم لو علمت لنفسى جرما لجعلت عليها برد الشراب حراما، ولسلبتها لذيذ المنام غراما (١)، حتى يفئ إليها من وجد عليها (٢)، ويرضى عنها المتظلّم منها، بعلائكما ما هذا الجفاء؟ وأين ما تدّعيانه من الوفاء؟ أحين جدّت بنا الحال وشدّت للنّوى الرّحال، ودعا بنا داعى الزّماع، ومجلت (٣) عين ويد للوداع، اتخذتمانى ظهريّا، وصرت عندكما نسيا منسيّا، لا أعلم لكما علما، ولا ألقاكم إلا حلما، كأن شملنا لم يزل متصدّعا، وكأنا لطول افتراق لم نبت ليلة معا، ماذا يريب الغريب فى إغباب (٤) الأحباب أمجالسة السلطان أو مؤانسة الأوطان، أبى المجد من ذلك وأبيت، ولنا يا بيت بالعلياء بيت، أم صدود وملال ينافيه ذلك الجلال، أم قلة احتمال، لما تشاهدانه من غلظ تلك الخلال، وقيتما! من الذى يعطى الكمال؟ أم ثمّ ذنب يوجب الصدود، ويودى بودّ الودود، أسمعاه، لأرجع إلى المتاب، عن العتاب، وأبادر بنفسى عوض الكتاب، فأعذر ولا أعذل (٥) وأنصف من نفسى وأعدل والسلام». ونسيج الرسالة نسيج جيد من الألفاظ والأسجاع مع ما يزينها من الجناسات والاستعارات والكنايات، مما يدل-بوضوح-على أن القاضى عياضا كان يحبّر أعماله الأدبية من رسائل وغير رسائل. والرسالة تحمل بجانب ذلك حسّا مرهفا، لا بما يورد فيها من سجع قصير يطير عن الأفواه بخفة، بل بما يصور من حسه الدقيق، بمثل تعقيبه على ما يظن صاحباه به من غلظ الخلال بقوله وقيتما، ويستمر هذا الحس الدقيق فى بناء الكلم ببقية الرسالة، وبدون ريب كان القاضى عياض أديبا كبيرا. ومن طريف ما نقرأ له فى مقدمة كتاب الشفاء تحميده لربه وتمجيده لرسوله إذ يقول: «الحمد لله المنفرد باسمه الأسمى، المختص بالملك الأعز الأحمى (٦)، الذى ليس دونه منتهى

стр. 5122

ولا وراءه مرمى، الظاهر لا تخيّلا ولا وهما، الباطن تقدّسا لا عدما وسع كل شئ رحمة وعلما وأسبغ على أوليائه نعما عمّا (١)، وبعث فيهم رسولا من أنفسهم أنفسهم عربا وعجما، وأزكاهم محتدا ومنمى، وأرجحهم عقلا وحلما، وأوفرهم علما وفهما، وأقواهم يقينا وعزما، وأشدهم بهم رأفة ورحمى، زكّاه روحا وجسما، وحاشاه عيبا ووصما، وآتاه حكمة وحكما، وفتح به أعينا عميا وقلوبا غلفا (٢) وآذانا صمّا، فآمن به وعزّره ونصره من جعل الله له فى مغنم السعادة قسما، وكذّب به وصدف (٣) عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتما، ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى﴾ صلّى الله عليه صلاة تنمو وتنمى، وعلى آله وسلّم تسليما». والتحميد والتمجيد فى لغة عذبة سلسة، سواء فى الألفاظ أو فى الأسجاع القصار مع ما يزينها من الألفاظ والآيات القرآنية، وقد افتتح بهما كما أسلفنا كتابه الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ﷺ . (ب) أبو جعفر (٤) أحمد بن عطية أول كتّاب المغرب الأقصى النابهين فى ديوان على بن يوسف بن تاشفين وابنه تاشفين، ويقال إنه ولد سنة ٥١٧ هـ/١١٢٣ م وكأنه كتب فى هذا الديوان قبل العشرين من عمره، وفيه تعرّف على تقاليد الكتابة الديوانية التى أرساها فى الديوان المغربى كتّاب الأندلس أبو بكر بن القصيرة وابن أبى الخصال وعبد المجيد بن عبدون وأضرابهم، ولما قضى الموحدون على دولة المرابطين فرّ وغيّر هيئته، وكان محسنا لرمى السهام، فانتظم فى الجيش الموحدىّ الذى خرج إلى مدينة سوس فى الجنوب لقتال ثائر هناك، وانتصر الجيش الموحدى وقتل الثائر وانهزم أنصاره، فطلب القائد أبو حفص عمر إينتى كاتبا يحسن عرض المعركة ليخبر بها رئيس الدولة عبد المؤمن ومن معه من الموحدين، فدلّ على أبى جعفر، وكتب له رسالة طويلة أعجبت عبد المؤمن، فاستدعاه، واستكتبه وزاده الوزارة إلى الكتابة، لما رأى عنده من شجاعة قلبه وحصافة رأيه، كما يقول المراكشى. ولم يزل وزيره إلى أن أغضبه فقتله، وفى كتاب المعجب أن سبب قتله أنه كان قد تزوج بنت أبى بكر بن يوسف بن ناشفين، وكان أخوها يحيى فارسا وأبلى بلاء شديدا فى مقاومة الموحدين، وانقاد لهم حين تمّ نصرهم وانضوى تحت لوائهم،

стр. 5123

فجعله عبد المؤمن قائدا على من دخل فى عقيدة الموحدين من لمتونة قومه، ولم يزل مكرّما عند عبد المؤمن إلى أن بلغته عنه أفعال وأقوال أحنقته عليه. وتحدث عبد المؤمن بذلك فى مجلسه فخشى أبو جعفر أحمد بن عطية على صهره يحيى من فتك عبد المؤمن به، فقال لزوجته قولى لأخيك يتحفّظ، وإذا دعوناه غدا فليظهر المرض، وإذا استطاع الفرار واللحاق بجزيرة ميورقة فليفعل (وكان صاحبها؟ ؟ ؟ ارجا على الموحدين). وتمارض يحيى وزاره بعض أصحابه فأسرّ إليه ما بلغه عن صهره أبى جعفر، فنقل الرجل ذلك إلى شخص من أبناء عبد المؤمن، فأمر بالقبض على أبى جعفر وأخيه أبى عقيل الكاتب ولم يلبث أن أمر بقتلهما سنة ٥٥٣ هـ/١١٥٨ م، واعتقل يحيى وظل فى سجنه إلى أن مات، ولم تأخذ عبد المؤمن فى أبى جعفر وصاحبيه رأفة ولا شفقة ولا رحمة. وأبو جعفر أحمد بن عطية يعدّ فى الذروة من كتّاب عبد المؤمن، ويشهد لذلك أن «مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية» يشتمل على سبع وثلاثين رسالة، له فيها سبع عشرة رسالة، ولو أنه ظل حتى نهاية عبد المؤمن لتكاثرت رسائله فى تلك المجموعة، ومن رسائله خمس موجهة إلى طلبة سبتة من دعاة الموحدين بها، وهو دائما يبلغ أهلها فى تلك الرسائل انتصارات عبد المؤمن تلويحا لها بعد أن قامت بثورتها سنة ٥٤٣ أن تلتزم بطاعة عبد المؤمن وعقيدة الموحدين وإلا أنزل بها عقابا أليما. وتبدأ هذه المجموعة للرسائل برسالة بقلم أبى جعفر بن عطية موجهة على لسان عبد المؤمن إلى طلبة سبتة كى يبلغوها أهلها، وفاتحتها على هذه الصورة: «من أمير المؤمنين-أيّده الله بنصره وأمدّه بمعونته-إلى الطلبة (الدعاة) الذين بسبتة وجميع من فيها من الموحدين خاصة وعامّة-وفّقهم الله وسدّدهم-سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فالحمد لله مولى الرّغائب، ومسنّى (١) الآمال والمطالب، وقابل توبة التائب، نحمده بما يتعيّن من حمده الواجب، ونصلّى على محمد نبيّه العاقب (٢)، وعلى آله وصحبه أولى المفاخر السنيّة والمناقب. ونصل [بذلك] الرضا عن الإمام المعصوم، المهدى المعلوم، المحرز شرف المبادئ والعواقب، المجلّى بنوره الثاقب حجب الظلام الواقب (٣). . وقد وصلنا بحمد الله إلى مرّاكش على أتمّ أحوال الظفر واليمن، وعدنا إليها تحت ظل السلامة التامة والأمن، بعد كمال الغزوة المباركة وتمامها، وإطفاء نار الفتنة ببرد الهدنة وسلامها، وإلصاق أنوف الكفرة المرتدين برغامها وقطع دابر القوم المجرمين. . وإن النعمة-وفقكم الله-بهذه الفتوح العميمة العامة شاملة على من أخذ بهذا الأمر العزيز (يريد دعوة الموحدين) ودان، وتزيّا بحلته البهية

стр. 5124

فازدان، فهى الفتوح التى ظهر بها من آيات المهدىّ-رضى الله عنه-العجب العجاب، وفاض فيها من بركاته الفيض المنساب، ودرّت بها الأرزاق وانتشر الأمن وكرم المآب، وكان أمرها مخصوصا. بالمرتدين، الخاسرين، فمحقهم وطيسها الشديد الغلاّب، وليس لله على ذلك إلا الحمد والشكر والمتاب». ويقول عبد المؤمن فى الرسالة لأهل سبتة: حافظوا على القرآن والتوحيد. وواضح أن عبد المؤمن ينعت الخارجين عليه بأنهم كفرة مرتدون، إذ ارتدوا عن دعوة الموحدين، وكأنما أصبحت هى الإسلام، فمن ارتد عنها ارتد عن الدين الحنيف. والرسالة فى أوائلها تدعو بالرضا عن الإمام المعصوم المهدى ابن تومرت الذى أخرج بدعوته الناس من الظلمات. وما تلبث الرسالة أن تذكر أن هذا الفتح وغيره من الفتوح إنما هو من بركاته. وفى الرسالة الرابعة المكتوبة بقلم ابن عطية والموجهة إلى يحيى بن غانيّة صاحب جزر منورقة الرافض لدعوة الموحدين قطعة يصوّر عبد المؤمن له فيها ابن تومرت داعية الموحدين بهذه الصورة التالية: «هذا الأمر (يريد دعوة الموحدين) -وفّقكم الله-هو أمر المهدى-رضى الله عنه- حقّ فتأمّل، ومع معالمه الجلاء فلا ظنّ ولا تخيل. والمهدى-رضى الله عنه-قد بشّر به النبى- ﷺ -فى غير ما حديث، وظهرت علاماته وآياته فى قديم من أمره وحديث، ودلّ على اسمه وزمانه وفعله ومكانه بأدلة رفعت الإشكال والتعسف، فأتى-رضى الله عنه-كما نعت النبى ﵇-ووصف، وقال- ﷺ -فيه وفى طائفته العزيزة ما قد ظهر ظهور الإشاعة والإذاعة، وقضى بوجوب الائتمار والائتمام والطاعة، وأخبر فى جملة ما أخبر به عنهم أنهم يقاتلون على الحق إلى قيام الساعة. . وقد تبيّن الصبح لذى عينين، وجدع الحق أنف الكذب والمين، وتجلت (١) الهداية ضد الضلال والرّين (٢)». وعبد المؤمن فى هذه الرسالة ينعت ابن تومرت بما كان ينعت به عنده وعند دعاة الموحدين من تبشير النبى به ووصفه، وما أوجب للمهدى من اتباع دعوته، ومن لم يتبعها حكم عليه بالكفر والارتداد عن الدين الحنيف، ويقول إنهم مأمورون بالقتال عليها إلى قيام الساعة. ورسائل ابن عطية فى «مجموع رسائل موحدية» مكتوبة بلغة مروّقة صافية مع السهولة والسلاسة وقصر الأسجاع فى جوانب كثيرة من الرسائل، مع تضمينها صورا من الاستعارات ومن المحسنات البلاغية. واحتفظ له ابن القطان فى كتابه نظم الجمان برسالة كتبها على لسان عبد المؤمن من تينملل حين زار قبر المهدى فيها لشهر ربيع الأول سنة ٦٤٥ وهى أشبه

стр. 5125

بدستور لحكم أمراء الولايات المختلفة وأنه ينبغى أن يقوم على العدل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وقد أرسلت نسخ منها إلى جميع الولاة. وحين زجّ به عبد المؤمن فى السجن أرسل إليه يستعطفه برسالة مشهورة استهلها بأبيات يسترحمه فيها وتلتها الرسالة على هذه الصورة (١): «تالله لو أحاطت بى كلّ خطيئة، ولم تنفك نفسى عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن فى الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت إن الله لم يوح، فى الفلك إلى نوح، وأبرمت لاحتطاب نار الخليل حبلا، وبريت لقدار ثمود نبلا، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار النّدوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة، وأبغضت كل قرشى، وأحببت لأجل وحشىّ كل حبشى، وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب إمامة خليفة، وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتلقت من حصار الدار وقتل أشمطها بشعبة، وقلت تقاتلوا رغبة فى الأبيض والأصفر، وسفكوا الدماء على الثّريد الأعفر، وغادرت الوجه من الهامة خضيبا، وناولت من قرع سنّ الحسين قضيبا، ثم كنت بحفرة المعصوم لائذا، وبقبر المهدى-رضى الله عنه عائذا، لقد آن لمقالتى أن تسمع، وأن تغفر لى هذه الخطيئات أجمع، مع أنى مقترف، وبالذنب معترف: وعفوا أمير المؤمنين فمن لنا ... بردّ قلوب هدّها الخفقان والسلام على المقام الكريم ورحمة الله وبركاته». وهو يقول لعبد المؤمن لو أنى سخرت بكل من فى الوجود من خلق الله، واستنكفت لإبليس من سجوده لآدم وأنكرت أن الله أوحى إلى نوح فى فلكه ما أوحى، وأبرمت حبلا للمحتطبين لنار إبراهيم الخليل، وبريت لقدار ثمود عاقر الناقة نبلا، وحططت عن يونس شجرة اليقطين التى أنبتها الله لتظله، وأوقدت مع هامان لفرعون على الطين ليبنى له صرحا حتى يرى ربه كما زعم، ولو أنى السامرى الذى قبض على شئ من دين موسى ثم كفر به ونبذه ودفع بنى إسرائيل لعبادة العجل فى غيبة موسى، وكذبت على السيدة مريم العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة المقاطعة بين قريش وبين الرسول وصحبه قبل هجرته، وظاهرت الأحزاب وعاونتهم فى حصار المدينة، وأبغضت كل قرشى وأحببت لأجل وحشى

стр. 5126

الحبشى قاتل حمزة بن عبد المطلب فى غزوة أحد كلّ حبشى، وقلت إن بيعة السقيفة لا توجب إمامة أبى بكر وخلافته، ولو أنى شحذت شفرة خنجر غلام المغيرة بن شعبة طاعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أو لو أنه تعلق بشعبة فى حصار عثمان من شعب الدار وقلت تقاتلوا على الدرهم والدينار وسفكوا الدماء وتركت الوجه الكريم لعلى بن أبى طالب خضيبا بالدماء، وناولت يزيد بن معاوية قضيبا ليقرع السن-كما قيل-فى ثغر الحسين. لو أنه صنع شيئا من ذلك ثم لاذ بحفرة ابن تومرت وقبره لقد آن أن تسمع لقولى وتغفر لى خطيئاتى وتعفو عنى. ولم يلن له قلب عبد المؤمن بل ازداد قسوة وأمر بقتله. ولا يقلل من روعة هذه الرسالة أنه استوحاها من الرسالة الجدية لابن زيدون، والحق أنه كان كاتبا بارعا وأن رسائله تعد فى الذروة من النثر المغربى فى مختلف عصوره. (ج) ابن (١) بطوطة هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد اللّواتي الطنجى المشهور باسم ابن بطوطة، ولد فى طنجة سنة ٧٠٣ هـ/١٣٠٤ م لأسرة كانت تشتغل بالفقه والدراسات الدينية وكانت فى بسطة وسعة من العيش، واهتم أبوه-وكان فقيها-بتربيته فحفظ القرآن، ودفعه لدراسة الفقه المالكى واستوعب ما عند شيوخه فى نحو العشرين من عمره، وطمحت نفسه لقضاء فريضة الحج، فخرج من بلده فى الثانية والعشرين من سنه مع رفقة، واتجه معها شرقا إلى الجزائر ونزل؟ ؟ ؟ سنتها الشمالية، وتنقل بين رفاق حتى تونس وفيها رأى الالتحاق بقافلة من قوافل الحجاج، وعرفوا فيه فقهه فأقاموه قاضيا بينهم، ونزلت القافلة الإسكندرية فطاف بمشاهدها وزار علماءها وعبّادها وتعرّف على ناسك زاهد يسمى «الشيخ خليفة» وقال له: إنّي أراك تحب السياحة والجولان فى البلاد فأجابه: نعم. فقال له: «لا بد لك-إن شاء الله-من زيارة أخى فريد الدين بالهند وأخى ركن الدين زكريا بالسند وأخى برهان الدين بالصين، فإذا بلغتهم فأبلغهم منى السلام» فعجب ابن بطوطة من قوله وكأنما تنبأ له أنه سيصبح رحالة كبيرا يطوف بلدان العالم الإسلامى حتى أقصاها وأنه سيمد رحلاته إلى الهند والصين. وترك الإسكندرية ميمما وجهه نحو القاهرة ولم يذهب إليها مباشرة إذ طاف قبلها ببعض البلاد فى الوجه البحرى مثل دمنهور وفوّة بالقرب من رشيد ودمياط والمحلة الكبرى. وفى فوة تعرف على شيخ صالح يسمى أبا عبد الله المرشدى، وأكرمه وبات على سطح زاويته، فرأى فى منامه حلما عجيبا: أنه على جناح طائر عظيم، يطير به فى سمت القبلة يتيامن ثم

стр. 5127

يشرّق ثم يذهب فى ناحية الجنوب ثم يبعد فى طيرانه إلى ناحية الشرق وينزل فى أرض مظلمة خضراء ويتركه بها. ويقص حلمه على الشيخ ويطلب إليه تأويله، فقال له: سوف تحج وتزور النبى ﷺ وتجول فى بلاد اليمن والعراق وبلاد الترك وبلاد الهند وتظل بها مدة طويلة. وكان هذا التفسير لحلم ابن بطوطة وما حمله له الشيخ خليفة من السلام إلى إخوة له فى الهند والسند والصين إرهاصا ليصبح رحّالة بل ليصبح أعظم رحالة عرفه العرب فى تاريخهم الوسيط. ونزل القاهرة والفسطاط، ثم أخذ طريقه إلى الحج عن طريق الصعيد وعيذاب على البحر الأحمر وفيها رأى الطريق البحرى إلى جدّة معطّلا لخروج قبائل البجّة على سلطان مصر محمد الناصر بن قلاوون، فعاد إلى الفسطاط، واتجه إلى صحراء سيناء وتجول فى بلاد الشام من بيت المقدس ومعان إلى حلب، وخرج من الشام مع ركب من الحجاج إلى المدينة المنوّرة فمكة، واتجه بعد أداء فريضة الحج إلى العراق وغربى إيران ونزل فى النجف وواسط والبصرة وشيراز فى إيران وبغداد وبلدان الموصل. وحج حجته الثانية وأقام بمكة سنة، ورأى أن يزور اليمن وطاف ببعض بلدانها وعبر البحر إلى أفريقيا الشرقية وزار الصومال وزيلع ومقدشو، وعاد إلى الجزيرة العربية مارا بشواطئها الجنوبية وظفار وعمان ودخل الخليج العربى وبعض بلدانه. وحج حجته الثالثة واتجه بعدها إلى مصر، ولم يلبث أن رحل إلى آسيا الصغرى حيث بلدان السلاجقة وأمراء الدولة العثمانية الأوائل، وأبحر إلى شبه جزيرة القرم وكانت تابعة لسلطان مغول القفجاق محمد أوزبك وتجول فى بلاده وفى بلاد القوقاز والبلغار، ورغب فى أن يدخل بلاد الظلمة (روسيا) وعدل عن ذلك. وأنس به السلطان محمد أوزبك ويعدّه من أعاظم ملوك الدنيا، وأرسله فى ركب مع زوجته بنت ملك الروم لزيارة أبيها فى القسطنطينية فتعرف على بلدان الدولة البيزنطية. ويرحل إلى خوارزم، ويدخل سمرقند، ويتجوّل فى بلدان خراسان مثل بلخ وبخارى وبلاد أفغانستان مثل هراة، ويدخل إلى الهند فى سنة ٧٣٤ هـ/١٣٣٣ م ويكرمه سلطان السند أو البنجاب محمد شاه ويوليه قضاء دهلى ويقيم بها ثمانى سنوات. وأرسله السلطان فى وفد بهدية إلى ملك الصين، وأبحر إلى قاليقوط إحدى ثغور الهند فى الغرب، وهبت عاصفة أغرقت المركب وأسرته والهدية، ولم يرجع إلى السلطان، ورحل إلى جزائر ذيبة المهل (الملديف) جنوبى الهند، وتولّى القضاء بها عاما وبعض عام، وتركها إلى الصين عن طريق جزيرة سيلان والبنغال، ويركب البحر وينزل سومطرة وجاوة، ثم يتجه إلى الصين ويتجول فى بلدانها، ويعود إلى سومطرة ويمر بإيران والعراق والشام ومصر، ويبحر من عيذاب لقضاء العمرة. ويصمم على العودة إلى موطنه، ويصل إلى تونس ويركب منها البحر إلى الجزائر ويمر بسردانية وبتلمسان، ويصل إلى فاس سنة ٧٥٠ ويرحب به سلطانها أبو عنان ويلحقه بحاشيته. ولا يلبث أن يزور الأندلس ويتجول فى بلدان إمارة بنى

стр. 5128

الأحمر بغرناطة، ويعود منها عازما على زيارة السودان الغربى، ويدخل الصحراء إليه سنة ٧٥٣ ويتجول فى بلدان مالى ويصل إلى تمبكتو على النيجر، ويعود فى أواخر سنة ٧٥٤ إلى المغرب. وكان السلطان أبو عنان معجبا أشد الإعجاب بما يقصه عن رحلاته فأمر كاتبه ابن جزىّ أن يساعده فى كتابة رحلته التى سماها: «تحفة النظّار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار». ونجد ابن جزىّ يقول فى آخرها: «انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبى عبد الله محمد بن بطوطة» وكان فراغه من هذا التلخيص فى شهر صفر سنة ٧٥٧ هـ/فبراير ١٣٥٦ م. ويبدو أن ابن بطوطة كان قد قيد رحلته فى أسفار كثيرة وأن ابن جزى لخصها مما جعل بعض الباحثين يظن أنها من تحريره. وابن جزى نفسه يعترف بأن كل ماله إنما هو تلخيص واختصار لجوانب من تفاصيلها الكثيرة، ولذلك نذهب إلى أنها مكتوبة فى جملتها بأسلوب ابن بطوطة نفسه، ونعدّه لذلك من كبار كتاب المغرب الأقصى. وهو لا يدخل بلدة إلا وصف سورها إن كان لها سور مثل الإسكندرية ودورها ومطاعم أهلها وملابسهم وأسواقها ومدارسها وعلماءها ونسّاكها وحكامها وعادات سكانها وتجاراتها وزروعها وعملتها وكل ما يتصل بها، وكيف لابن جزى بوصف ذلك وهو لم يشاهد شيئا منه. وكانت فيه نزعة دينية قوية فأطال الحديث عن الزوايا والنساك والأولياء وأصحاب الكرامات، ونقتطف بعض ما جاء فى رحلته الضخمة، فمن ذلك قوله عن مصر: «أم البلاد، وقرارة فرعون ذى الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة (ذات المزارع والرياض الجميلة) المتناهية فى كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحطّ رحل الضعيف والقادر، بها ما شئت من عالم وجاهل، وجادّ وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، وتموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة أماكنها ومكانها، وشبابها يجدّ على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد». والسجع قليل فى الرحلة، إذ لا يعدو المقدمة وكلمات قليلة تقال فى وصف بعض البلدان، والأسلوب العام أسلوب مرسل طليق اختاره ليكون دقيقا وواضحا فى وصف مشاهداته. ويقول عن أهل مصر إنهم «ذوو طرب وسرور ولهو» أما المدارس فلا يحيط أحد بها لكثرتها، ويشيد بمارستان قلاوون وأن الواصف يعجز عن بيان محاسنه إذ أعدّ فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر، ويقول إن مجباه (ما يجبى إليه وينفق عليه) ألف دينار كل يوم. ويقول إن الزوايا الخاصة بالزهاد والمتصوفة تكثر فى مصر كثرة مفرطة. وينزل آسيا الصغرى ويتجول فى بلدانها ويصف مشاهدها ومساجدها ومدارسها وحماماتها ويتحدث عن حكامها من السلاجقة والعثمانيين، ويعجب فيها بنظام للفتوة يقوم به فتيان على حسن الضيافة وإيواء

стр. 5129

الغريب. ووجدهم فى كل بلدة يتخذون لهم رئيسا كما يتخذون مقرّا يتعاونون فيه على البر بالضيف وإكرامه، وكان هذا النظام للفتوة هناك يسمّى «الأخيّة» ويصفه قائلا: ذكر الأخيّة الفتيان: واحد الأخيّة أخى على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية، فى كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد فى الدنيا مثلهم أشد احتفالا بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدى الظّلمة. والأخى عندهم رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأعزاب والمتجرّدين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هى الفتوة. ويبنى زاوية ويجعل فيها الفرش والسّرج وما يحتاج إليه من الآلات، ويخدم أصحابه بالنهار فى طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم، فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق فى الزاوية، فإن ورد فى ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم. وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف. وإن لم يرد وارد اجتمعوا على طعامهم، فأكلوا وغنّوا ورقصوا، وانصرفوا إلى صناعتهم بالغدوّ (صباحا) وأتوا بعد العصر إلى مقدّمهم بما اجتمع لهم، ويسمّون الفتيان، ويسمى مقدمهم- كما ذكرنا-الأخى. ولم أر فى الدنيا أجمل أفعالا منهم، ويشبههم فى أفعالهم أهل شيراز وأصفهان (فى غربى إيران) إلا أن هؤلاء أحبّ فى الوارد والصادر، وأعظم إكراما وشفقة. وفى اليوم الثانى من يوم وصولنا. . أتى أحد هؤلاء الفتيان إلى الشيخ شهاب الدين الحموى (رفيق لابن بطوطة) وتكلم معه باللسان التركى، ولم أكن يومئذ أفهمه (إذ تعلّمه فيما بعد) وكان عليه أثواب خلقة، وعلى رأسه قلنسوة لبد (صوف) فقال لى الشيخ أتعلم ما يقول الرجل فقلت: لا أعلم ما قال، فقال لى: إنه يدعوك إلى ضيافته أنت وأصحابك فعجبت منه وقلت له: نعم. فلما انصرف قلت للشيخ: هذا رجل ضعيف ولا قدرة له على تضييفنا ولا نريد أن نكلفه، فضحك الشيخ، وقال لى هذا أحد شيوخ الفتيان الأخيّة، وهو من الخرّازين (إسكافى) وفيه كرم نفس وأصحابه نحو مائتين من أهل الصناعات قد قدّموه على أنفسهم، وبنوا زاوية للضيافة، وما يجتمع لهم بالنهار ينفقونه بالليل. فلما صلّيت المغرب عاد إلينا ذلك الرجل وذهبنا معه إلى زاويته، فوجدناها زاوية حسنة مفروشة بالبسط الرومية الحسان، وبها الكثير من ثريّات الزجاج العراقى، وفى المجلس خمسة من البياسيس، والبيسوس شبه المنارة من النحاس، وله أرجل ثلاث، وفى وسطه أنبوب للفتيلة، ويملأ من الشّحم المذاب، وإلى جانبه آنية نحاس ملأى بالشحم وفيها مقراض لإصلاح الفتيل، وأحدهم موكّل بها، ويسمّى عندهم الجراغجى. وقد اصطفّ فى المجلس جماعة من الشبان، لباسهم الأقبية وفى أرجلهم الأخفاف (جمع خفّ) وكل واحد منهم متحزم، وعلى وسطه سكين فى طول ذراعين، وعلى رءوسهم قلانس بيض من الصوف، بأعلى كل قلنسوة قطعة موصولة بها فى

стр. 5130

طول ذراع وعرض إصبعين، فإذا استقرّ بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوته ووضعها بين يديه، وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردخانى (ضرب من الحرير) وسواه حسنة المنظر، وفى وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين. ولما استقرّ بنا المجلس عندهم أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء، ثم أخذوا فى الغناء والرقص فراقنا حالهم، وطال عجبنا من سماحتهم وكرم أنفسهم، وانصرفنا عنهم آخر الليل». وبهذا الأسلوب المرسل فى حبكة السرد ودقة الوصف تتميز كتابة ابن بطوطة فى رحلته، ويقول إنه كان بعد ضيافته فى هذه الزاوية كلما نزل من بلاد الأناضول سأل عن الأخيّة، وأحيانا كانوا لا ينتظرون حتى يسأل عنهم، بل يسرعون إليه، وتتعارك جماعاتهم عليه. ويذكر صناعاتهم وحاكم كل بلدة ومن حوله من الفقهاء والعلماء وما منحه من الهدايا والصلات، ودائما-كعادته فى كل بلدة نزلها-يذكر حكايات النسّاك ومن فيها من أصحاب الكرامات المسمون بالأولياء. وينتقل إلى شبه جزيرة القرم وبلدان مغول القفجاق وسلطانها: محمد أوزبك وذهابه لزيارته فى عاصمته «السرا» شمالى بحر خوارزم وكان معسكرا بجيشه قريبا منها، وركب إليه مع حاكم شبه جزيرة القرم عربة تجرها الجياد «وعلى العربة شبه قبة من قضبان خشب مربوط بعضها إلى بعض بسيور جلد رقيق، وهى خفيفة الحمل وتكسى باللبد (الصوف) أو الملف (الجوخ)، وفيها طيقان مشبكة ويرى الذى بداخلها الناس ولا يرونه، ويتقلب فيها كما يحب، وينام، ويأكل، ويقرأ، ويكتب وهو فى حال سيره». ووصل إلى معسكر السلطان وقال إنه يشبه مدينة عظيمة تسير بأهلها، ففيه المساجد والأسواق والمطابخ، وكل ذلك تحمله وتجره العربات. ودخل على السلطان محمد أوزبك فأكرمه. ويعده من أعاظم ملوك الدنيا، ويصف مجلسه الذى كان يتخذه فى كل يوم جمعة بعد الصلاة يقول: «إنه يجلس فى قبة تسمى قبة الذهب، مزينة بديعة، وهى من قضبان خشب مكسوة بصفائح الذهب، وفى وسطها سرير من خشب مكسو بصفائح الفضة المذهبة وقوائمه فضة خالصة ورءوسها مرصعة بالجواهر، ويقعد السلطان على السرير، وعلى يمينه زوجتان وكذلك على يساره، وكلما جاءت إحداهن قام لها السلطان وأخذ بيدها حتى تصعد على السرير، وهذا كله على أعين الناس دون احتجاب». ويفيض فى الحديث عن كل زوجة وجواريها، ومماليكها وما أهدينه. ويعرف السلطان رغبته فى زيارة بلدان البلغار فيرسل معه من يهديه الطريق، وحاول أن يدخل فى إقليمى ويسوا ويورا (روسيا) فى شمال البلغار حتى المحيط المتجمد الشمالى ويسميها أرض الظّلمة. ويعدل عن ذلك لعظم المئونة. ومن طريف ما قاله عنها مما سمعه من الناس: أن السفر إليها لا يكون إلا فى عجلات صغار تجرّها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها الجليد فلا يثبت فيها قدم الآدمى ولا حافر الدابة، والكلاب

стр. 5131

لها الأظفار فتثبت أقدامها فى الجليد». ويصف العجلات التى تجرها الكلاب ومسيرتها. فحتى ما يسمعه عن بعض الأقاليم يعرف كيف يقصّه بدقائقه. وتزور إحدى زوجات محمد أوزبك أباها ملك القسطنطينية فيرسله فى رفقتها يتجول فى بلدان تلك الدولة، ويعود إلى حاضرة السلطان، وينوه بفقيه يسمى نعمان الدين الخوارزمى كان السلطان يزوره كل يوم جمعة فلا يقوم إليه ويقعد السلطان بين يديه ويتواضع إليه والشيخ يترفّع عليه حتى إذا حضره المساكين والفقراء تواضع لهم وكلمهم بألطف كلام. ويطوف ابن بطوطة ببلدان سلاطين المغول فى التركستان ويمر ببلدان خراسان وأفغانستان إلى الهند، وعيناه الواسعتان ترصد وتسجل كل ما بها من أنهار وغروس وأشجار وحبوب وفواكه. ويعرض سكانها بعاداتهم وحكامها وضيافتهم له. ويعجب لحرق الهندوس لموتاهم بالنار وتحريق النساء مع أزواجهنّ حين يموتون وتقربهم إلى إلههم بالغرق فى نهر الكنج المقدس، ولا يكتفى برواية ذلك بل يعرض فى تفصيل مشاهد من ذلك عرضا بديعا. ويحتفى به الأمراء والقضاة والفقهاء فى بلاد الهند حتى يصل إلى دهلى (دلهى) ويصف سورها ومزاراتها وجامعها ويذكر أن به ثلاث عشرة قبة وأربعة من الصحون، وفى صحنه الشمالى صومعة (مئذنة) لا نظير لها فى بلاد الإسلام ورأسها من الرخام الخالص وتفاحاتها (رءوس أعمدتها) من الذهب الخالص وسلمها واسع بحيث تصعد فيه الفيلة. ويتحدث عن علماء دهلى ونسّاكها وتاريخها منذ فتحها المسلمون وسلاطينها حتى سلطانها الأخير لأيامه محمد شاه، كما يتحدث عن هذا السلطان وقصره ومجلسه وكثرة ما بخزائنه من الحلى والذهب، ويقول إن سريره أو عرشه من الذهب الخالص وأن قوائمه مرصعة بالجواهر، وأن طوله ثلاثة وعشرون شبرا، وعرضه نصف ذلك، ويطيل وصفه. ويخلع عليه الخلع السنيّة وينعم عليه بوظيفة القضاء فى عاصمته، ويظل يتولاها ثمانى سنوات كما مرّ بنا. ويتحدث عن انتشار السحر فى الهند ويذكر ما رآه من عجائب فيها. وينزل جزائر ذيبة المهل (الملديف) ويفصل القول عن سكانها وملابسهم وعاداتهم فى الزواج وغير الزواج. ويتجه إلى الصين وينزل سومطرة أو بلاد الجاوة ويصف بعض أشجارها مثل اللبان والكافور والعود الهندى والقرنفل، وفيها جميعا يقول: «شجرة اللّبان صغيرة تكون بقدر قامة الإنسان إلى ما دون ذلك وأغصانها كأغصان الخرشف (الخرشوف) وأوراقها صغار رقاق، واللبان صمغية تكون فى أغصانها. وأما شجرة الكافور فهى قصب كقصب بلادنا، إلا أن الأنابيب منها أطول وأغلظ، ويكون الكافور فى داخل الأنابيب. وأما العود الهندى فشجره يشبه شجر البلوط إلا أن قشره رقيق، وأوراقه كأوراق البلوط سواء ولا ثمر له. وأما أشجار القرنفل فهى ضخمة، والمجلوب منها إلى بلادنا هو العيدان، والذى يسميه أهل بلادنا نور القرنفل فهو الذى يسقط من زهره وهو شبيه بزهر النارنج، وثمر القرنفل هو المعروف فى بلادنا بجوز الطيب، رأيت ذلك كله وشاهدته».

стр. 5132

وينزل الصين ويقول: فى كل مدينة منها حى للمسلمين ينفردون فيه بسكناهم ومساجدهم، ويقول إن لكل شخص من أهل الصين عكازا يعتمد عليه فى المشى، ويذكر أن الحرير عندهم كثير جدا وأنهم لا يتبايعون بالدينار والدرهم إنما بيعهم وشراؤهم بورق كل قطعة منه بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان (وهم بذلك أول من تعامل بأوراق نقدية) وينوّه ببراعتهم فى التصوير ويطيل الحديث فى ذلك، وقال إنهم يتخذون بيوتا لذوى العاهات. ويقص ما شاهده من عجائب هناك. ويعود من الصين إلى موطنه بعد أن أدّى فريضة الحج، ويرحل رحلته الثانية إلى الأندلس ثم رحلته الثالثة إلى السودان الغربى على المحيط الأطلسى. والرحلة تصور العالم الإسلامى فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى أروع تصوير لا بقلم كاتب كبير فحسب بل بريشة فنان بارع وقد اهتم بها المستشرقون فنشروها مع ترجمتها للغاتهم كما نشروا منها قطعا أو أقساما مع ترجمتها والتعليق عليها. (د) محمد (١) بن على الفشتالى من قبيلة فشتالة التى كانت تنزل فى الشمال الغربى لمدينة فاس، وهى قبيلة صنهاجية وقد ولد بها سنة ٩٥٦ هـ/١٥٤٩ م وتركها مبكرا للتزود من حلقات العلماء فى فاس، وتفتحت موهبته الأدبية سريعا، فكان شاعرا كاتبا وعمل فى دواوين الدولة السعدية، وعرف المنصور الذهبى فضله، فما زال يرقى به حتى أسند إليه رياسة القلم بديوانه، واستعان فيها ببلديّه ومواطنه عبد العزيز الفشتالى، وهو يثنى عليه كثيرا فى كتابه: «مناهل الصفا» وكان المنصور الذهبى يأنس إليه، ففسح له فى مجالسه الأدبية والعلمية وشارك فيما كان بها من مساجلات، وكان ما يزال ينظم فيه مدائح بديعة فى مقدمتها مولدياته التى كان يلقيها فى احتفال المنصور بالمولد النبوى الشريف، وفيه يقول أحمد بن القاضى فى كتابه: درة الحجال: «وزير القلم الأعلى الأديب البليغ الشهير الذكر بالمغرب، وهو علم فى الفضيلة والسراوة (٢) ومكارم الأخلاق وكرم النفس، واسع الإيثار، متين الحرمة، عالى الهمة، كاتب بليغ أديب شاعر، حسن الخط، فصيح اللسان، مؤثر لأهل العلم والأدب». ويذكره فى كتابه المنتقى مرارا بمثل قوله: «وزير القلم الأعلى، وحائز القدح (٣)، المعلى، الكاتب الأعظم، والخضمّ المفخّم، الناظم الناثر، وحائز قصبات السبق فى الدفاتر». وكلفه المنصور الذهبى بسفارة إلى الخليفة العثمانى مراد بن السلطان سليم فأداها على خير وجه، وتعرف فى أثناء ذلك على الخفاجى

стр. 5133

صاحب كتاب الريحانة وانعقدت بينهما صداقة مما جعل الخفاجى-وقد أعجب به-يترجم له فى كتابه، وفيه يقول: «وزير مولاى أحمد (المنصور) أديب فاس، وريحانة فضلائها الأكياس (١)، تقدم فيها متقلدا قلادة إنشائها، فائقا برسائله على سائر أدبائها. . وله ماء شعر تشربه أفواه الأسماع، ورياض منثور تغرّد حمائم قوافيه بمطرب الأسجاع. ويحتفظ كتاب «رسائل سعدية» بكثير من رسائله إلى البلدان المغربية وباشوات الدولة العثمانية ووزرائها والجيش الجزائرى. ويقول الأستاذ كنون فى تقديمه لتلك الرسائل إن لمحمد بن على الفشتالى منها ١٨ فصلا ومكتوبا، من ذلك رسالة إلى أهل فاس أهل الحضرة السعدية يخبرهم فيها بفتوح السودان سنة ٦٩٨ للهجرة قائلا (٢): «أما بعد حمد الله الواسع الجود والعطاء، المصرّف الأقدار على حكم السرعة من إرادته والإبطاء، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذى سنّ تجهيز البعوث لتدويخ الأقطار، بتوالى تكاثف القبائل والقطار (٣)، والرّضا عن آله وصحبه الذين اقتفوا من ذلك أوضح سبيل، واغتنموا نشر نسيمه البليل، والدعاء لهذا الأمر الكريم (الفتح) بما يزيده عزّا وظهورا، ويجعله فى عين الوجود نورا، فإنا كتبناه إليكم من حضرتنا العليّة، ومجمع المفاخر القريبة والقصيّة: حمراء مرّاكش، حرسها الله. هذا وإنّا ننهى إليكم-عرّفكم الله عوارف آلائه الجسام، وأطلع عليكم أوجه البشائر واضحة القسام-بأنه لما انصبّ عزمنا الميمّن فى سالف التاريخ، وتاقت هممنا العلية لتدويخ بلاد السودان بأتمّ وجوه التدويخ، وجّهنا من عساكرنا الكثيفة، ذات الأنفس الأبية المنيفة (٤)، جملة يتكفّل معها الإسعاد، بكمال المراد، ونبذة نشرت عليها من ألوتينا الظافرة كلّ فتخاء (٥) قاهرة، أطارها اليمن كلّ مطار، ولجّج بها الإقبال لجج القفار، تخوض آلا (٦) تتراكم أمواجه، وتفتح بابا طالما طلسم رتاجه (٧)، فاقتحم العساكر أحياء وحللا (٨) وارتدى من المهابة وبعد الصيت برودا وحللا، حتى أدخل ربقة (٩) طاعة هذه الإيالة (١٠) من الشعوب الصحراوية، والقبائل الوبريّة من أعاريب الكراع (١١)، التى لم ترتض بولايته ولا طاعته، جموعا كثيرة ينتهى التعداد بهم على حكم ما أدّوه من الزكاة الشرعية لستة وأربعين ألف خيمة. وهذه الجملة بالنسبة إلى ما وراءها من القبائل العربية الوحشية بعض من كلّ، وجزء من جلّ. وانتهى الغوص والإبعاد، بما وجّهناه من الأجناد،

стр. 5134

بعد مقربة من ثمانين مرحلة فى المفاوز الصعبة المجاز إلى بلاد السودان، والأنحاء التى جنا (١) طاعتها لهذه الإيالة-إن شاء الله-دان، فتناهضت أجناسهم للدفاع، بحكم التأليف والاجتماع، بما ينيف (٢) على أربعين ألف مقاتل ما بين حشود الأعراب وأخلاط الأتباع، وجيوش السودان، فانتفخ هرّهم ليصول، وانتفض بومهم يشير للعقبان بالنزول، فما كان إلا اجتماع الفريقين، وتدافع الجانبين. والغرض أن أنصار هذه المثابة وحماتها قد مسّهم النّصب بأوجه التأثير، وأفنى جلّ خيلهم مواصلة المسير، حتى إنهم لم يتوفر من أعدادهم حين الالتحام، مع الأشقياء أبناء حام، سوى سبعمائة رام، وقرب عشرين فارسا، وكان كلهم بالمكافحة والمنازلة ممارسا، فهبّ عليهم من رياح النصر كل صبا، واتخذوا الشهامة والجلاد سبيلا ومذهبا، فخفقت الألوية العلويّة بالنّصر والظّفر، وانبتّ (٣) -بحمد الله-سلك انتظامهم وانتثر، وأتى الحين والأسر على جموعهم فى الحين ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وإنما ذكرنا هذه الرسالة يتمامها لندل على أسلوب محمد بن على الفشتالى المسجع، وأنه كان يمتلك ناصية اللغة بما يؤلف من الألفاظ المصقولة الرصينة، كما كان يعنى أحيانا بالجناس والاستعارات الملائمة كاستعارة العقبان لجنود جيشه، وعبر عن سلوكهم الصحراء الجنوبية بأنهم «فتحوا بابا طالما طلسم رتاجه، فاقتحم العسكر أحياء وحللا، وارتدى من المهابة وبعد الصيّت برودا وحللا». ويقول عن أهل السودان الغربى فى محاولتهم منازلة جند المنصور: «انتفخ هرّهم وانتفض بومهم يشير للعقبان (جنود المنصور) بالنزول». ولعل فى هذه الاستعارات وما يماثلها فى الرسالة ما يدل على أن الفشتالى كان يمتلك ذهنا خصبا. ومن رسائله رسالة بلسان المنصور يعزى فيها رئيس وزراء الدولة العثمانية سنان باشا فى وفاة السلطان مراد خان، وهى تستهل على هذه الصورة: «الوزارة العظمى التى تجال بأنظارها المسدّدة قداح التدابير الجلائل، والمنزلة التى لها وفور الاختصاص من أثرة (٤) الإيالة العثمانية بأوضح الدلائل، والمكانة التى ضعضعت عروش عظماء المشركين وطأطأت رءوس رؤساء الكفار، والقطب الذى عليه فى دولة بنى عثمان أعظم المدار، الوزير الأجلّ، الأعظم، الأفخم، الكبير، الخطير، الأشمخ، الأرسخ، الأطول، الأكمل، المعتبر، المشتهر، الحظىّ، السّرىّ (٥)، الأقرب، الأنجب، الأثير، الشهير، الأخصّ، الأخلص، الأسعد، الأصعد، الأرقى، الأنقى، الأظهر، الأطهر، المثيل، الحفيل (٦)، سنان باشا أبقى الله حوزته (٧) محروسة، وربوعه بالمسرات مأنوسة. . . هذا

стр. 5135

وقد طنّ بهذه الأقطار، نبأ فظيع التذكار، فتّت الأكباد، وأذكى (١) -على التنائى-لواعج الفؤاد. خطب جلل، ورزء فلّ ظبا (٢) الصّفاح والأسل، ذلكم ما نزل به القضا، وانتهى فيه الأمد وانقضى، وهو انتقال السلطان الجليل الضخم ذى البسطة فى السلطان، والملك الموطّد بتمهيد الأركان: الخاقان (٣) الأعظم، والشاهق الأعصم، السلطان مراد بن السلاطين الكبار. . وليس بمستنكر كونه-﵀-لأهل التوحيد يدا، ولهمم المسلمين مددا. . وإنا لله وإنا إليه راجعون من مواراة الحفر منه بدرا طالعا، وإغمادها سيفا كان فى حماية الدين قاطعا. . . واللجأ فيه إلى الصبر الجميل، والضّراعة إلى الله فى الجزاء الجزيل، علما أن لا بقاء لمخلوق مع تهيّئ رواحل الليالى والأيام». وهذه الرسالة بدورها تصور مهارة محمد بن على الفشتالى فى صوغ السجع، وقد نعت سنان باشا فى أوائلها بنعوت متوالية جعلها جميعها مسجوعة، فكل نعت يقترن بأخيه، فى سجعات متعاقبة تكثر فيها الجناسات كما تكثر الاستعارات. ومضى فى الرسالة بعد ما اقتبسناه منها يهنئ سنان باشا بتولى السلطان محمد بن السلطان مراد كرسى السلطنة العظمى بعد أبيه، فقد آسى (٤) الدهر به». وبين رسائله رسالة على لسان المنصور إلى بدر الدين القرافى شيخ المالكية فى مصر، وكان كثيرون من طلاب الفقه المالكى وشيوخه فى المغرب يزورون القاهرة للاستماع إلى محاضراته ويحملون عنه مؤلفاته، ومن قول الفشتالى فى نعوته التى جعلها مقدمة لرسالته إنه «العمدة الراسخة البناء فليس إلا فى باب نعم اشتغاله، والفذ الذى ما جرى التنازع فى الفهوم الدقيقة من أعراف النقدة الشوامخ، إلا جاءت آيات غوصه وتحصيله لشبه الجموع نواسخ» وقد تصنع لإدخال بعض مصطلحات نحوية فى هذه السجعات هى: باب نعم والاشتغال والتنازع والنواسخ. ونلتقى فى الرسالة بطرائف استعاراته، ويذكر عن المنصور إقامته للرسوم الشرعية، والشعائر المرعية، وجميل الالتفات للمتفقهة فى الدين ولحملة الرواية فى حفظ سنّة سيد المرسلين». وحقا نهض المنصور بالمغرب الأقصى نهضة علمية وأدبية كبرى، مما جعل حلقات العلماء تزخر بالدروس والطلاب. وتنتهى الرسالة بقول المنصور: «وهؤلاء خدّام جنابنا العلىّ واردون على تلكم الديار برسم جلب ما لعلكم تستفرغون فيه الوسع من الكتب لخزائننا العلمية الحافلة. . وأما التشوق لموضوعكم (لشرحكم) على مختصر خليل فشئ لا يكيّف، ومعهود لا يحتاج أن يعرّف، وبودّنا أن يكون من خزائننا الحافلة بحيث المراجعة والمعاهدة، والحضور والمشاهدة».

стр. 5136

والمنصور فى هذه الخاتمة لرسالته يقول للقرافى شيخ المالكية فى مصر أنه مرسل له ببعثة علمية لينتقى لها كتبا نفيسة، مما ينبغى أن لا تخلو منها مكتبات فاس، ويسأله أن يرسل إليه بمؤلفه أو بشرحه على مختصر خليل بن إسحاق المصرى فى الفقه المالكى، وكانت له شهرة مدوية فى البلاد المغربية. ولعل فى كل ما سبق ما يدل-بوضوح-على أن محمد بن على الفشتالى كان كاتبا بارعا، وكانت وفاته سنة ١٠٢١ هـ/١٦١٣ م. (هـ) محمد (١) بن الطيب العلمى من الكتاب الشعراء فى أوائل عصر الدولة العلوية، لا يعرف تاريخ مولده، ولكن يعرف تاريخ وفاته إذ توجه إلى المشرق لأداء فريضة الحج، وفى الطريق صعدت روحه إلى بارئها فى القاهرة سنة ١١٣٤ هـ/١٧٢١ م وهو تلميذ الشاعر ابن زاكور وحامل لواء الأدب المغربى بعده لا فى فاس مسقط رأسه وحدها بل فى المغرب الأقصى جميعه. ومثل لداته التحق بكتاتيب فاس لحفظ القرآن الكريم، ثم أكبّ على حلقات العلماء فى جامع القرويين، وتفتحت موهبته الأدبية مبكرا، فنظم الشعر، وأنشأ قصائد مديح للسلطان إسماعيل، وطارت شهرته لا لما كان ينظم من أشعار فحسب، فقد كان يجيد نظم المسمطات والموشحات كما كان يجيد التأليف الأدبى على نحو ما يتضح فى كتابه «الأنيس المطرب فيمن لقيه مؤلفه من أدباء المغرب» وقد عرض فيه اثنى عشر أديبا من معاصريه، لعل أشهرهم أستاذه ابن زاكور، وفيه يقول: «وحيد البلاغة، وفريد الصياغة، الذى أرسخ فى أرض الفصاحة أقدامه، وأكثر وثوبه على حل المشكلات وإقدامه، فتصرف فى الإنشاء، وعطف إنشاءه على الأخبار وأخباره على الإنشاء، وقرع (٢) الرجال، فى ميادين الارتجال». وله بجانب هذا الكتاب الطريف رسائل شخصية يزينها بسجعاته وما يختار لها من أشعار وبجناساته واستعاراته إذ كان أديب عصره غير منازع ولا مزاحم، وإحدى هذه الرسائل موجهة إلى صديقه محمد بن العربى الشرقى، وفيها يقول: «بعد ما تستحقه تلك السيادة، الممنوحة بالحسنى وزيادة، من السلام الذى طابت نفحاته، وطالت غدواته وروحاته. . فإنه لما طال أمد الفراق، وبلغت الروح التراقى وظنّ أنه الحين وقيل: من راق، فكرت فيمن يفك من يد الأشواق أسرى، ويجبر بين الأصحاء كسرى فقلت: وبى منك ما لو كان بالشمس لم تلح ... وبالبدر لم يطلع وباللّيل لم يسر

стр. 5137

فما عثرت بعد معاناة البين، ومعاتبة الدهر المفرّق بين المحبّين، إلا على بعض درر من كلامك، استخرجت من بحور مددك بمداد أقلامك، كنت ادّخرتها عن القوم، لمثل هذا اليوم: تفقّدتها بعد السرور بكونها ... وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر فما زالت تذكّرنى أيام الوصال، وتقطع من غرائب البين وتخرسه إن صاح أوصال: ذكرت بها بعد التفرّق ما مضى ... زمان النّقا والشئ بالشئ يذكر إلى أن استولت على يد الضيّاع، وأعقبت لى ذلك الأمن بالارتياع، فأصبحت من فراقك ملتاعا بلوعتين، واحترقت بجمرتين، والتدغت من جحر مرتين: وكنت كذى رجلين رجل مريضة ... ورجل رماها الدهر يوما فشلّت غير أن الآمال كانت تشوّفنى (١)، والليالى لكتابك تشوّقنى، فكنت أصدّق فيك الأوهام، وأعدّ حديثها من الإلهام: صدّقت وهمى فى الحديث ولم أقل ... خبر رواه الوهم وهو ضعيف» وهو فى مطلع رسالته يقتبس من سورة يونس: (الحسنى وزيادة) كما يقتبس من سورة القيامة: ﴿إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ: مَنْ راقٍ﴾، ويتأثر بالحديث النبوى: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» ويتمثل بأبيات تتضح فيها رهافة ذوقه وبصره بالشعر العربى ودقة اختياره، ولغة الرسالة وأساليبها تكتظ بالسلاسة والعذوبة، مع ما يشيع فيها من الجناسات والطباقات والاستعارات. وكل ذلك يرفع من نثره وبلاغته فيه. ومن آثاره النثرية مقامة بديعة سماها «مقامة الحجام» رواها عن بعض الظرفاء وأنا أوجزها فى السطور التالية: استهلّها بأنه جلس يوما مع جماعة من الأحباب. . يتذاكرون ما مرّ فى أيام الشباب، وكان بينهم شاب حسن الصورة إلا أنّ شعر شاربه طال، واسترسل غاية الاسترسال، فسألوه عن سبب طول شاربه، فقال لهم: أنا أخبركم بخبر عجيب، فقد صلّيت يوما صلاة الاستخارة، فوجدتنى مائلا إلى التجارة، فقصدت مدينة سنجار، وفتحت بها حانوتا بسوق التجار، لبيع القماش، والاستعانة به على المعاش، وزيّنت الدكان، وكسوته الستائر على أربعة أركان. فحاول يوما دخول الحمام، فوجد فى طريقه جماعة من النسوة بينهن فتاة جميلة، فتبعتها حتى دخلت دارا أنيقة، ورأى أمام الدار خياطا يخيط الثياب فى دكان. ويذكر الشاب أنه احتال على عقد صلة بينه وبين الخياط، ونجح فى عقدها، فأنبأه أن أباها خطيب البلد، وهو كثير المال وليس له من أولاد سواها وخطبها كثيرون، وردّهم ولم يسمح لها بالزواج، وتلطف

стр. 5138

له الشاب حتى أنس به، فدلّه على عجوز مشهورة فى تزويج الفتيات، ولقيته العجوز، فوعدها بمال وتحف كثيرة إن هى نجحت فى وساطتها. وغابت عنه فترة وعادت إليه بعد شهر، فأيأسته منها، فقال لها إنّي لا أريد منها سوى قبلتين، وأعطاها من الذهب ما أرضاها، فعادت إلى الوساطة عند أم الفتاة، وأقنعتها بلقاء الشاب المتيم لابنتها، واتفقا على أن يزورها فى صلاة إحدى الجمع وأبوها مشغول عنها فى المسجد. وفى يوم الجمعة المضروب دخل عند حجّام ليستتم حسن مظهره، فوجد الحجام شاربه طويلا فقصّ أطرافه، وبدلا من أن يعطى الشاب الحجام درهما أعطاه لارتباكه دينارا، فطار صوابه، وخرج وراءه، ولازمه ولاصقه طامعا فى دنانيره حتى إذا دخل دار الفتاة ولول الحجّام وصاح ولم يزل يصرخ ويستغيث، ويقول ألا منجد ألا منجد ألا مغيث والعجوز راجفة والبنت واجفة (١) ومثلها الأم، واجتمع الناس والحجام يصيح: يا سيداه، يا مولاه، وخرج الناس من صلاة الجمعة وتجمع الناس عند الدار، ووصل الخبر إلى خطيب البلد فحضر، وسأل الحجام ما الخبر؟ فقال له إن سيدى دخل إلى هذه الدار ومعه كيس فيه ألف دينار فطمعوا فيه فأدخلوه وقتلوه. ووجد الشاب فى الدار بئرا فرمى نفسه فيها ليختبئ عن عيون الناس، ودخل الخطيب الدار ومعه الحجام يبحثان عن الشاب، وعرف الحجام مخبأه فى البئر، فسأل الخطيب أبو الفتاة الشاب عن سبب دخوله الدار، فأجابه مموّها عليه: دخلت لكى أسرق، فحمل إلى الوالى على أقبح حال وأسوأ شان، وأمر بسجنه، وبقى فى الحبس سنة. وكان المساجين يعرضون كل عام على السلطان فى شهر رمضان لينظر فى أمرهم، وعرض عليه الشاب فسأله عن الأمر الذى حبس من أجله، فقال له، إنها قضية أذكرها بين يديك لتحكم فيها، وذكر له حكايته على وجهها الصحيح، فأمر برد ماله كما أمر الخطيب أن يزوجه من ابنته، ودفع له الصداق. وسلم الحجام للشاب فصلبه على باب داره. ثم قال: وأنا من هذا الحين لا أقص شاربى أبدا. وقارن الأستاذ محمد بن تاويت بين عناصر هذه المقامة لابن الطيب العلمى وبعض عناصر المقامة السنجارية للحريرى، ولاحظ كثيرا من التشابه بين عناصر المقامتين حتى فى بعض العبارات والصيغ، ونجد ابن الطيب العلمى يذكر عن بطلها أنه قصد مدينة سنجار بقصد التجارة، وهى المدينة التى عقد عليها الحريرى مقامته السنجارية. ومقامة العلمى لا تدور على الشحاذة الأدبية مثل مقامة الحريرى. وقد أخلاها-كما ذكر الأستاذ ابن تاويت-من الألفاظ الغربية الكثيرة التى استظهرها الحريرى فى مقامته، وأجرى فيها روح الفكاهة مع السلاسة والعذوبة على نحو ما يبدو فى القطعة التالية المقتطفة من أوائلها:

стр. 5139

«اتفق لى فى بعض الأيام ضرورة إلى دخول الحمام، فوجدت فى طريقى جماعة من النسوان، بينهن فتاة كأنها قضيب البان، فلمحت من تحت الإزار معصمها وقد سطع صفاؤه، وأبصرت من تحت النقاب جسمها وقد لمع ضياؤه، فوقفت وقد جرى من الجفون الدم، وعجزت عن نقل القدم، ثم تبعتها من بعيد، ولاحظتها إلى أين تريد، فدخلت دارا يدل إتقان بابها، على سعادة أربابها، ونظرت فإذا بالقرب من ذلك المكان، خيّاط يخيط فى دكان، وعنده من الصناع والأعوان، ذوو أذقان ومردان (١)، صنوان (٢) وغير صنوان، فقلت فى نفسى: من هذا الخياط أستفهم، عمّا علىّ أبهم. فرجعت إلى دكانى، ثانيا عنانى، وأحضرت عدّة من التفاصيل، وجئت بها إلى حانوت الخياط بقصد التفصيل، فجالسته وحاورته وآنسته، وفصلت ذلك القماش، وعجّلت له من الأجرة ما يحصل به الانتعاش، ففرح بحضورى، واعتنى بأمورى، ووجدت عنده معرفة بالأدب، وشكا إلىّ من ضيق الحال والسّغب (٣)، وأنشدنى لنفسه من شعره المستعذب: أنا الخيّاط لى رزق ولكن ... أرى حالى من الإفلاس عبره ذراعى فيه من فقرى مقصّ ... ورزقى خارج من عين إبره فاستحسنت نظمه، وحملت همّه وسألته عن صنّاع دكانه، وديار جيرانه، فما زال يشير إلى كل دار ويشرح حالها، ويعرّفنى تفصيلها وإجمالها، حتى أفضى الحديث إلى الدار التى أختارها، وقصدى أن تتضح لى أخبارها، فقال: هى دار خطيب البلد، وهو رجل كثير المال قليل الولد، مشهور بالتّوقرة الزائدة، ولا له من الأولاد إلا ابنة واحدة، وهى روحه التى بين جنبيه، والسواد الذى فيه نور عينيه، وقد منعها الأزواج ولم يسمح لها بالزواج». والمقامة تجرى بهذه الروح الفكهة التى ترسم الابتسامة على الشفاه، وهى سجع خالص، سجع قصير يحدث ضروبا من التلاؤم الصوتى بين العبارات ويحسّن جرسها ووقعها فى الأسماع، حتى لتنساب انسياب الجدول الرقراق المتدفق بالماء العذب القراح.

стр. 5140

القسم الثالث موريتانيا

стр. 5141

الفصل الأوّل الجغرافية والتاريخ ١ - الجغرافية (١) تقع موريتانيا فى الشمال الغربى من إفريقيا جنوبى المغرب الأقصى والجزائر، وفى أقصى شمالها الشرقى الصحراء الغربية، ويحاذيها فى الغرب المحيط الأطلسى، ويشغل الشرق منها دولة مالى، وتحاذيها فى الجنوب دولة السنغال واسمها تحريف لكلمة صنهاجة التى نزلت بها قبائلها البربرية وامتدت إلى نهر النيجر وشواطئه وإلى إقليم مالى. وهى تشغل الجزء الغربى من الصحراء الكبرى التى تمتد حزاما بين بلاد السودان والبلاد المغربية، وتتناثر على رقعتها مناطق جبلية أشبه بهضاب متسعة، ونلتقى فيها من حين إلى حين بآبار وواحات صغيرة، وقد نمضى مائة كيلومتر دون أن نعثر على بئر أو ماء، مما يجعل القوافل المارة بها فى حاجة إلى دليل يقودها لا سيما على الطرق التجارية الذاهبة إلى السودان والآيبة منه، وسطحها رمال سائلة وكثبان متنقلة، تنقلها الرياح والعواصف الشديدة من مكان إلى مكان، وطمرت-على مر العصور-كثير من القرى والبلدان، والجو-وخاصة فى الصيف-شديد الحرارة، ويعتدل فى المناطق الجبلية وعلى ساحل المحيط، وتهب بها صيفا ريح السيروكو الحارّة والمحملة بالرمال، والأمطار بها قليلة قلة شديدة حتى لتنعدم فى بعض الأنحاء. وقد تصبح الصحراء جافة جدا وقاحلة جدا كالمنطقة الجنوبية الشرقية بين آبار أروان وآبار أزواد، وهما فى رمال كالحة لا نبات فيها ولا زرع ولا ضرع، وهما محطتان على الطريق التجارى إلى تمبكتو وبلاد السودان. وحينما توجد آبار تنشأ قرى وبلدان يكثر فيها النخيل والكلأ، ويزرع تحت النخيل فى الخريف الشعير والدّخن والذرة وأحيانا القمح والبطيخ. وتنمو بموريتانيا أشجار صحراوية مثل السّدر والطّلح. وفى أقصى الشمال الغربى لموريتانيا مدينة الساقية الحمراء التى أسّست سنة ١٨٨٤ للميلاد،

стр. 5142

وفى الوسط إلى الغرب إقليم آدرار، وهو جبال شامخة متصلة أشبه بهضبة كبيرة يسير الراكب فيها ستة أيام طولا وخمسة أيام عرضا ومن أهم مدن هذا الإقليم شنقيط وكانت العاصمة الثقافية لموريتانيا حتى نهاية القرن الماضى، ويقال إنها شيّدت بواحة آبير فى القرن السادس الهجرى/الثانى عشر الميلادى، وغلبت عليها الرمال فبنيت فى القرن الثامن الهجرى/الرابع عشر الميلادى. وكانت موريتانيا-من حينئذ-تسمى بلاد شنقيط، ويسمى شعبها الشناقطة، وسميت فى القرن الحاضر باسم «موريتانيا» وهو الاسم القديم الذى كان يطلقه الرومان عليها وعلى المغرب الأقصى. وتقع غربى شنقيط مدينة آطار التى بناها السماسدة فى القرن الماضى. وإلى الجنوب من شنقيط حصن أزكى ومدينة أودغشت اللذان اتخذهما المرابطون فى القرن الخامس الهجرى قاعدة لجيوشهما الناشرة للإسلام فى السنغال وغينيا ومالى. وفى الجنوب الشرقى من إقليم آدرار إقليم تكانت وهو مثله هضبة مرتفعة أو بعبارة أدق جبال متصلة عليها مدن وقرى أهمها مدينة تيججكة التى بنيت منذ ثلاثة قرون وهى كثيرة النخل والزروع، ومن مدن الإقليم مدينة تيشيت فى منطقة رملية وعلى مقربة منها-كما يقول الحسن الوزان-رقعة صالحة للزراعة بها نخيل كثير ورقعة أخرى تزرع شعيرا ودخنا. والماشية نادرة والغنم الصحراوى كثير. ويشتغل أهلها بالتجارة وحمل عروضها أو بضائعها بين السودان والمغرب الأقصى، وهى-إلى ذلك-كانت محطة مهمة للقوافل التجارية. وإلى الشمال الشرقى من شنقيط مدينة وادان وهى مبنية على مرتفعات صخرية وتشرف على واديين بهما نخل كثير، وأهلها أصحاب سبخة إجّل فى الشرق المشهورة بمناجم الملح ومنها يحمل إلى شنقيط وبلاد السودان. وحلّت محل مدينة تغازى التى كان يحمل الملح من مناجمها زمن ابن بطوطة فى القرن الثامن الهجرى، ونزل بها فى رحلته إلى السودان وفيها يقول: «من عجائبها أن بناء بيوتها ومسجدها من حجارة الملح وسقوفها من جلود الجمال، ولا شجر بها، إنما هى رمل فيه معدن الملح يحفر عليه فى الأرض فيوجد منه ألواح ضخام متراكبة كأنها قد نحتت ووضعت تحت الأرض يحمل البعير منها لوحين، ويباع الحمل منه فى ولاته بعشرة مثاقيل ذهبا وفى مالى بثلاثين مثقالا، ويقطع قطعا يتبايع بها كما يتبايع بالذهب والفضة، وقرية تغازى يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التبر، ويقول الحسن الوزان إنه ليس لعمالها من أقوات إلا ما يجلب لهم من تمبكتو فى السودان أو الدرعة فى المغرب الأقصى الواقعتين على مسافة عشرين يوما من تغازى، وماء آبارها مالح. وفى الجنوب الغربى من موريتانيا مدينة بوتليميت، وهى عاصمتها الثقافية الآن لوجود معهد إسلامى بها وتشتهر الأنحاء فى الجنوب الغربى بما فيها من مناجم الحديد وهى

стр. 5143

تدرّ على البلاد خيرا كثيرا. ومن أهم مدن الجنوب الشرقى مدينة ولاّته، وكانت محطة مهمة للقوافل التجارية، وكان بها حدائق نخيل وتنبت بقعتها الدخن وحبا مدورا أبيض اللون كما يقول الحسن الوزان، وتعانى المنطقة-كما يقول-من ندرة اللحم، وكان أهلها يقومون على إرشاد القوافل العابرة للصحراء وحمايتها حتى السودان وحتى المغرب الأقصى مما كان يدرّ عليهم خيرا كثيرا. ٢ - التاريخ (١) كانت قبائل صنهاجة الصحراوية تنزل من قديم فى الشطر الغربى من الصحراء الكبرى جنوبى الجزائر والمغرب الأقصى فاصلة بينهما وبين القبائل السودانية المدارية، وكانت بعض هذه القبائل تنحدر حتى ضفاف نهر السنغال، ونفس كلمة السنغال إنما هى تحريف لكلمة صنهاجة على لسان البرتغاليين حين نزلوا بسواحلها، فسموها Senhagal ثم أصبحت. Senegal ويقول ابن أبى زرع إن صنهاجة الصحراوية تنقسم إلى سبعين قبيلة، منها لمتونة وكدالة ومسوفة ولمطة وبنو وارث ومنداسة، وفى كل قبيلة بطون وعشائر أكثر من أن تحصى. وكثير منهم لا يعرفون حرثا ولا زرعا ولا ثمارا، وإنما أموالهم الأنعام، وعيشهم اللحم واللبن، وهم على مذهب أهل السنة والجماعة، ويجاهدون فى السودان. وظلت تلك القبائل تعيش فى الحزام الصحراوى الفاصل بين البلاد المغربية والسودان على أنعامها وألبانها ولحومها وصوفها وأوبارها متخذة منها الخيام، وكانوا يضعون اللثام على رءوسهم ووجوههم شعارا لهم، ولذلك سموا الملثمين. وأخذت أضواء الإسلام تنفذ إليهم منذ عهد عقبة بن نافع الفهرى وولايته على الديار المغربية (٥٠ - ٥٥ هـ) إذ أسلم على يديه منهم بنو وارث، ومضوا يجاهدون السودانيين الغربيين واتسع اعتناق تلك القبائل للإسلام فى عهد موسى بن نصير (٨٦ - ٩٦ هـ) ولما استولى عبد الرحمن بن حبيب على مقاليد الحكم فى البلاد المغربية (١٢٧ - ١٣٧ هـ) عنى بالطريق التجارى المار بقبائل صنهاجة

стр. 5144

غربى الصحراء الكبرى، إذ حفر عليه من سجلماسة فى جنوبى المغرب الأقصى إلى بلاد السودان الغربى آبارا للقوافل التجارية تنزل عندها وتأخذ كفايتها من الماء فى مسيرتها الصحراوية. وأخذ الإسلام يتسرب سريعا إلى بلاد السودان الغربى عن طريق القبائل الصنهاجية فى موريتانيا والتجار المسلمين، ويقول أبو عبد الله البكرى فى كتابه المغرب فى ذكر بلاد إفريقية والمغرب إن بنى أمية أرسلوا جيشا لفتح بلاد السودان، واستقرت ذرية منه فى بلاد غانة، وكانت حينئذ تقع فى شرقى السنغال الحديثة وجنوبى مالى الحديثة أيضا، وإذا صح ذلك فإن هذا الجيش حمل قديما إلى ديار السودان الغربى الدين الحنيف وبقى هناك من يدعو إليه، ويتصل بذلك ما جاء فى صبح الأعشى من أن أهل غانة أسلموا فى أول الفتح. ونجد القبائل الصنهاجية-وخاصة لمتونة-تتجمع فى مدينة أودغست جنوبى منطقة آدرار وتحدث فيها ما يشبه إمارة-ويسميها بعض جغرافيى العرب مملكة-ويذكر ابن أبى زرع من أمرائها أو شيوخها أو ملوكها-كما يقول-تيلوتان وكانت ولايته مسيرة ثلاثة أشهر فى مثلها كلها عامرة، وكان يركب فى مائة ألف بعير، وهو عدد ضخم من الإبل، وكان فى زمن عبد الرحمن الداخل سلطان الأندلس (١٣٨ - ١٧٠ هـ) وطال عمره إلى أن توفى سنة ٢٢٢ هـ/٨٣٦ م وكانت أيام حكمه خمسا وستين سنة، ودان له-كما يقول ابن أبى زرع-أزيد من عشرين ملكا من ملوك السودان. ولم يكونوا ملوكا بالمعنى الحقيقى لكلمة ملوك، إذ لم تكن لهم حكومات ولا دساتير دول، إنما كانوا زعماء لأقوامهم، وربما كانوا شيوخ-أو سادة- قبائل، وأكبر الظن أن فى هذا العدد من الزعماء مبالغة. وخلفه حفيده الأثير بن فطر، فقام بأمر صنهاجة الصحراوية أو الموريتانية خمسا وستين سنة إلى أن توفى سنة ٢٨٧ هـ/٩٠٠ م وولى بعده ابنه تميم إلى أن توفى سنة ٣٠٦ هـ/٩١٨ م. واضطربت شئون صنهاجة الموريتانية بعده فترة ثم اجتمعت على يروتان بن ونسبو بن نزار اللمتونى الأودغستى فملك الصحراء بأسرها على عهد عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) وابنه المستنصر (٣٥٠ - ٣٦٥ هـ) وكان يركب-مثل تيلوتان فى مائة ألف بعير، وكان حكمه مسيرة شهرين فى مثلها ودان له عشرون ملكا من ملوك السودان-مثل تيلوتان-يؤدون له الجزية، وملك من بعده بنوه ثم افترقت كلمة الصنهاجيين، وعظم أمر مملكة غانة واستولت على أودغست، وكانت تموّن بلاد السودان بالملح الوارد إليها من تغازى ومن أجله استولت عليها غانة. وتتجمع صنهاجة تحت لواء الشيخ أو الأمير أبى عبد الله محمد بن تيفاوت المعروف باسم تاوشتا اللمتونى وكان من أهل الدين والفضل والصلاح والجهاد والحج، وظل أميرا على صنهاجة الموريتانية مدة ثلاث سنوات إلى أن استشهد فى إحدى غزواته. وولى أمر صنهاجة

стр. 5145

الموريتانية بعد تاوشتا اللمتونى صهره يحيى بن إبراهيم الكدالى، وخرج فى سنة ٤٢٧ هـ/١٠٣٥ م لأداء فريضة الحج والزيارة النبوية فى رؤساء من قومه، وفى عودته اجتمع فى القيروان بأبى عمران الفاسى شيخ المذهب المالكى بها المتوفى سنة ٤٣٠ هـ/١٠٣٨ م وعرّفه بما فى صنهاجة الصحراء الموريتانية من الجهل بشئون الدين الحنيف وتعاليمه، وسأله أن يوجه معه أحد تلاميذه ليبصّرهم بأمور دينهم، وعرض الشيخ رغبته على تلاميذه، فلم يستجب منهم أحد، فكتب له رسالة إلى فقيه من تلاميذه بمدينة سجلماسة جنوبى المغرب الأقصى هو محمد وجاج أو وقاق بن زلو اللمطى. وطلب إليه فى رسالته أن يعرض الأمر على طلابه، لعل واحدا منهم يقبل المسيرة مع يحيى الكدالى، وقبلها فقيه تقى ورع من تلاميذه هو عبد الله بن ياسين الجزولى. ورجع يحيى الكدالى إلى قومه الصنهاجيين بعبد الله بن ياسين فأخذ يحفّظهم القرآن الكريم ويقفهم على تعاليم الدين الحنيف، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فالتفوا حوله، وبعد فترة ازورّوا عنه، وتوفّى حاميه يحيى الكدالى فأجمعوا على الانصراف عنه لما يأخذهم به من مشاق التكاليف الدينية. وأخذ يفكر فى تركهم والعودة إلى موطنه، غير أن زعيما من لمتونة الصنهاجية الموريتانية هو يحيى بن عمر أشار عليه أن يعتزل معه للعبادة والنسك فى جزيرة على مقربة من مصب نهر السنغال، ونزلاها معا، ونزلها معهما سبعة من قبيلة كدالة الصنهاجية، وبنى بها عبد الله بن ياسين رباطا للنسك، وأخذ يلتحق به عشرات من أشراف صنهاجة، كان يفقههم فى الدين، حتى إذا بلغوا ألفا قال لهم: إن ألفا لن يغلبوا من قلة، وقد تعيّن علينا-أيها المرابطون-القيام بالحق والدعاء إليه، وحمل الكافّة عليه، وبذلك سماهم: المرابطين، وغلب هذا الاسم على صنهاجة الصحراوية الموريتانية بجانب الاسم القديم: الملثمين، وخرجوا معه، وجعل أمرهم فى الحرب إلى الأمير يحيى بن عمر اللمتونى، وقتل هو ويحيى من استعصى على الحق من قبائل صنهاجة الموريتانية، ومضيا فى سنة ٤٤٢ هـ/١٠٥٠ م يدعوان إلى الإسلام فى سودانيى التكرور وحوض السنغال الأدنى وما وراءه من بلاد السودان الغربى فى غانة وغير غانة. وفى سنة ٤٤٧ هـ/١٠٥٥ م كاتبهما فقهاء سجلماسة ودرعة جنوبى المغرب الأقصى وصلحاؤهما كى ينقذا البلاد مما فيها من المنكرات ومن ظلم الولاة والحكام، فاتجها بجيش جرار إليهم، وتم لهما النصر، وأزالا ما بالبلدتين من المنكرات وأسقطا ما كان بهما من المغارم والمكوس، وجعلا عليهما عاملا أو واليا من لمتونة، وعادا إلى صحراء موريتانيا وإلى جهاد الوثنيين فى بلاد السودان، وتوفى الأمير يحيى بن عمر فى شهر المحرم سنة ٤٤٨ هـ/١٠٥٦ م وقدّم الفقيه عبد الله بن ياسين أخاه أبا بكر بن عمر اللمتونى مكانه وقلده أمر الحرب.

стр. 5146

وكان أبو بكر بن عمر بطلا مغوارا، وكان صالحا متين الدين متورعا، وسرعان ما تقدم بجيشه من آدرار وحصنى آزكى وأودغست فى شهر ربيع الثانى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة إلى بلاد السوس جنوبى المغرب الأقصى، وأخذ يستولى على بلدانها وقضى فيها على قوم من الروافض يقال لهم البجلية نسبة إلى عبد الله البجلى الرافضى، وكان قدم إلى السوس حين قدم عبيد الله المهدى الشيعى الإسماعيلى إلى إفريقيا، وأشاع به مذهبه الرافضى، وأخذت أجيال متعاقبة تتوارثه هناك إلى أن قاتلهم أبو بكر بن عمر وعبد الله بن ياسين وقتل منهم خلق كثير، ورجع من بقى منهم إلى السنة ورأى الجماعة. وتلك أولى حسنات أبى بكر بن عمر والشيخ عبد الله بن ياسين فى المغرب الأقصى، وأخذا يتغلغلان فيه شمالا واستوليا على أغمات وإقليم حاحة سنة ٤٤٩ هـ/١٠٥٧ م كما استوليا على تادلة وإقليم دكالة، وعرفا أن بساحلها على المحيط وساحل إقليم تامسنة قبائل برغواطة التى خرج بها عن جادة الدين الحنيف متنبئون ابتدعوا لهم شريعة ضالة كافرة-وتعاقبوا فيهم من قديم، فقصدا إليها فى مدينة آسفى على المحيط بإقليم دكالة وفى مدن سلا وآزمور وآنفة (الدار البيضاء) فى ساحل إقليم تامسنة، وأخذا ينازلانها منازلات ضارية، وفى بعض المنازلات والوقائع استشهد الشيخ العظيم عبد الله بن ياسين سنة ٤٥١ هـ/١٠٥٩ م، وبنى مسجد على قبره. ومضى أبو بكر بن عمر يجاهد برغواطة، حتى استأصل شأفتها ومحا دعوتها من المغرب الأقصى إلى غير رجعة. وتلك حسنة كبرى ثانية لأبى بكر بن عمر وصنهاجة موريتانيا. وبلغه سنة ٤٥٣ هـ/١٠٦١ م أن خلافا شديدا نشب فى صحراء موريتانيا بين قبيلتى لمتونة ومسوفة، وخشى افتراق الكلمة، فخرج إليهما واستعمل على المغرب الأقصى ابن عمه يوسف بن تاشفين. ومنذ ذلك الحين انقسمت دولة المرابطين قسمين: قسما شماليا وقسما جنوبيا، وقاد القسم الشمالى يوسف بن تاشفين، وسرعان ما أسس فى سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م عاصمة دولته: مراكش، وفى سنة ٤٧٤ هـ/١٠٨١ م استولى على مدينة تلمسان الجزائرية من أيدى بنى يعلى الخزريين، وتوغّل شرقيها حتى مدينة الجزائر. واستصرخه بعض أمراء الطوائف فى الأندلس، كى ينقذهم من براثن الإسبان الشماليين، فجاز إليهم زقاق جبل طارق بجموع صنهاجة الصحراء الموريتانية، وانتصر على الإسبان فى موقعة الزلاقة انتصارا حاسما سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٥ م ورأى من الضرورى القضاء على أمراء الطوائف حتى تعود إلى الأندلس وحدتها إزاء الأعداء المتربصين. وهذا الانتصار العظيم يعد حسنة كبرى ثالثة تضاف إلى صنهاجة الصحراء الموريتانية. والقسم الجنوبى لدولة المرابطين ظل يقوده البطل المجاهد العظيم أبو بكر بن عمر الذى استطاع نشر الإسلام فى جميع أرجاء إفريقيا المدارية حتى أبواب إفريقيا الاستوائية وسياجها الضخم من الغابات الكثيفة، وقد بدأ بالتكرور ومنطقة نهر السنغال الأدنى، وانضموا إلى

стр. 5147

جيشه فى حماس بالغ لنشر الإسلام فى ربوع السودان، واستطاع الاستيلاء على غانة ونشر الإسلام فى أنحائها، ويقال إن أميرها السوننكى أعلن إسلامه وأسلم معه كثيرون. وبالمثل نشر الإسلام فى أرجاء مالى وأرجاء صنغى فى حوض النيجر الأوسط، وحقا كل تلك البلدان كان قد دخلها الإسلام على أيدى التجار والقبائل الصنهاجية قبل أبى بكر بن عمر، ولكن كانت كثرة أهلها ما عدا التكرور وثنية، أما أبو بكر بن عمر فإنه أحالها بلادا وشعوبا إسلامية إلى اليوم وإلى أبد الآبدين. وكل ذلك بفضل هذا البطل الصحراوى الموريتانى المخلص لدينه الذى كان يحكم كل هذه الأقطار من منطقة الأدرار فى موريتانيا متخذا آزكى وأودغست قاعدتين كبيرتين لحملاته الحربية جنوبا وشرقا. وكل ذلك يحسب له ولصنهاجة موريتانيا كما يحسب لها ما أدته من خدمات جلّى فى الأندلس وحمايتها للإسلام هناك ضد أعدائه من نصارى الإسبان. وطبيعى أن تسيطر صنهاجة موريتانيا فى أثناء ذلك على طرق التجارة الرئيسية بين المغرب الأقصى وإفريقيا المدارية. واستشهد البطل العظيم أبو بكر بن عمر سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م برمية سهم مسموم فى عودة له إلى الأدرار من غزوة مظفرة بعد أن أدى للإسلام خدمات جلّى وسّع بها داره الإفريقية وعالمه الضخم. وأبو بكر-دون ريب-هو صاحب الفضل فى أن جعل كل الشعوب الإفريقية التى استولى عليها شعوبا إسلامية، ودخلت إليها مع الإسلام اللغة العربية، وظلت لغة العبادة والثقافة والتجارة إلى اليوم، ولم يستطع الاستعمار إزاحتها عن مكانتها. وعادت هذه الشعوب إلى الاستقلال عن دولة المرابطين وصنهاجة موريتانيا بعد وفاة أبى بكر سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م، وازدهرت من بينها مملكة غانة وظلت صاحبة السيادة والنفوذ فى كل البلاد والأراضى الواقعة بين نهر النيجر والمحيط الأطلسى وتبعها الشطر الجنوبى من موريتانيا ومدينة أودغست ونيمة وولاته، وانتسب حكامها-كما يقول الإدريسى-إلى الحسن بن على بن أبى طالب. وكانت قبيلة الصوصو تنزل جنوبيها وتخضع لها وتدفع إليها الجزية إذ كانت وثنية، وما زالت تقوى حتى استطاعت القضاء على غانة والاستيلاء على عاصمتها كومبى صالح شمالى ياماكو عاصمة مالى الحديثة سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٣ م وفرّ من العاصمة فريق من المسلمين مع الشيخ إسماعيل إلى مدينة ولاته فى الجنوب الشرقى لموريتانيا وأصبحت من أهم المراكز التجارية فى إفريقية الغربية. وبعد نحو ثلاثين عاما استطاع مارى جاطة بطل دولة مالى القومى وأهم حكامها أن يغزو بلاد الصوصو ويقضى عليهم. وامتدت دولته حتى شملت حوض نهر السنغال ونهر غينيا ومعظم حوض النيجر الأوسط والأعلى، وفى أوائل عهد أحد أحفاده وهو منسا سليمان (٧٥٣ هـ/١٣٥٢ م-٧٦٠ هـ/١٣٥٩ م) قام ابن بطوطة برحلته إلى السودان، وكانت أول مدينة نزل بها فى موريتانيا مدينة تغازى، ومر بنا حديثه عن مناجم الملح بها، وعجب

стр. 5148

من انخفاض ثمنه فى موطنه وارتفاعه فى بلاد السودان، وكأنه لم يكن يعرف شدة حاجتهم إليه بسبب الحرارة القاسية فى ديارهم إذ يحفظ الماء فى الجسم فلا يتبخّر سريعا، وقال إن من يحفرون عليه عبيد قبيلة مسوفة الصنهاجية. ونزل مدينة ولاتة، ويذكر أن أكثر أهلها من قبيلة مسوفة، وأنها كانت تتبع حينئذ سلطان مالى، وأغلب الظن أن تبعيتها لمالى منذ عهد مارى جاطة (٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م-٦٥٢ هـ/١٢٥٥ م) الذى وسّع حدود دولته-كما أسلفنا- إلى أقصى حد جنوبا وشرقا وغربا وكانت «ولاته» تابعة لغانة ومثلها مدينتا نيمة وأودغست، فطبيعى أن تدين جميعا له ولما لى بعده وحكامها التالين. ويذكر ابن بطوطة عن ولاته أنها شديدة الحر وبها يسير نخيلات يزرعون فى ظلالها البطيخ، ولحم الضان بها كثير وثياب أهلها ثياب مصرية حسان، ويقول إنهم مسلمون يحافظون على الصلوات ومثلهم نساؤهم ولهن جمال فائق، ويذكر أنه أقام بها نحو خمسين يوما وأن أهلها أكرموه وفى مقدمتهم قاضيها وأخ له مدرس. ولا نعود نسمع عن ولاته فى عهد دولة مالى، وكانت قد أخذت فى الضعف بينما أخذت صنغى فى حوض النيجر الأوسط شرقى السنغال وغمبيا تقوى، ولم تلبث أن استقلت عن مالى، ثم أخذت تزداد قوة تدريجا فى القرن التاسع الهجرى، وبلغت غاية قوتها فى عهد أسرة إسكيا واستولى «سنّ على» ملكها على تمبكتو وأشعل فيها النيران سنة ٨٧٣ هـ/١٤٦٨ م مما جعل فقهاءها وفى مقدمتهم عمر بن محمد أقيت يفرّون منها إلى ولاته واستولت هذه الأسرة على كثير من بلدان مالى ومدّت سلطانها ونفوذها إلى ولاته وإقليمها فى موريتانيا، وكان حكامها بعد سن على متمسكين بالإسلام، مما زاد فى تعلق الناس بهم، وخاصة بمحمد بن أبى بكر (٨٩٩ هـ/١٤٩٣ م-٩٣٥ هـ/١٥٢٨ م) الذى اتخذ مدينة تومبكتو على النيجر عاصمة له، واستكثر من بناء المساجد والزوايا، واستقدم لها الفقهاء والعلماء لتعليم الناس القرآن والفقه وأمور دينهم، وزار الحسن الوزان ولاته فى عهده وقال إنها تابعة لملك تومبكتو وتدفع له ضريبة محددة، ومر بنا حديثه عنها فى جغرافية موريتانيا، وقال إن كل تنظيم مدنى مجهول فى هذه المنطقة، فلا قضاة ولا حكومة منظمة، إذ كانت قبيلة مسوفة فيها لا تزال تعيش معيشة قبيلة. ويبدو أن دولة صنغى لم تكتف بولاء ولاته وأنها حاولت الاستيلاء على تغازى وما بها من مناجم الملح، بل يقال إنها استولت عليها فعلا مما أغضب أحمد المنصور الذهبى سلطان الدولة السعدية فى المغرب الأقصى (٩٨٦ - ١٠١٢ هـ) فصمم على منازلتها، وأرسل إليها حملة سنة ٩٩٧ هـ/١٥٧٩ م فى عهد حاكمها إسكيا داود وتغلغلت الحملة فى بلاد السودان واضطر إسكيا داود أن يقبل التنازل عما بيده من بلاد موريتانيا والقبائل الصنهاجية، وعادت الحملة بغنائم كثيرة وسمع بالحملة صاحب برنو شرقى صنغى وكأنما خشى على بلاده من الجيش السعدى، فأرسل فى أواخر سنة ١٠٠٠ هـ/١٥٨٢ م بيعته للمنصور الذهبى مع هدية كبيرة

стр. 5149

من فتيان العبيد والإماء، وصمم المنصور على غزو صنغى واحتلال بلادها لما فيها من كنوز الذهب ومعادنه، وأعدّ لذلك جيشا جرارا بقيادة جؤذر الأندلسى، والتقى الجيش بعد رحلة شاقة مضنية فى فيافى الصحراء وقفارها بجيش إسكيا إسحاق بن داود واستطاع هزيمته فى موقعة فوندبى شمالى جاو، ودخل المدينة فوجد أهلها غادروها واتجه جؤذر إلى تومبكتو العاصمة، وأحس بخيبة أمل شديدة حين قيل له إن مناجم الذهب التى يقصدها لا تزال بعيدة جدا بعد المغرب الأقصى عن تمبكتو. وأرسل بذلك إلى المنصور فغضب وعزله عن قيادة الجيش وأرسل مكانه محمود زرجون، ويقال إنهم استولوا من قصور إسكا إسحاق بن داود على ما لا يحصى من الحلى والذهب وعاد الجيش محملا بغير قليل منهما، مما أتاح للمنصور أن يبنى قصره «البديع» وينثر منه الكثير على الناس، ولذلك سمى المنصور الذهبى. وأهم ما عاد على موريتانيا من انتصار هذا الجيش المغربى الضخم أنه رفع يد دولة صنغى عن البلدان الموريتانية التى دانت لها، وأكثر من ذلك أهمية أن المنصور رأى أن يرسل إلى بلاد موريتانيا والسودان رجالا كثيرين وخيلا من عرب المعقل وجشم أهل الشوكة والنجدة لحراسة ما استولى عليه جيشه من تلك الديار. ولبّاه من عرب المعقل قبيلة حسان وغيرها، ونزلت عشائر منها فى شنقيط، وإليها ينسب إدوعيش سكان تكانت وأبناء أحمد من دامان والترارزة فى الجنوب الغربى من موريتانيا، وينسب إليها أيضا البرابيش سكان تيشيت وحكامها والأوداية ونزلوا بين وادان وولاته وكأن قبائل حسان تغلغلت فى كل بلدان موريتانيا ومناطقها، وكان ذلك كسبا كبيرا لموريتانيا لأنهم عرب، وأخذت تتعرب من حينئذ أى من أول القرن العاشر الهجرى/السادس عشر الميلادى. ومع أنهم استقروا فى مدن موريتانيا مع إخوانهم من القبائل الصنهاجية، ولم يعودوا يسكنون فى خيام، إنما يسكنون فى أكواخ، ظلوا يعنون بتربية الإبل والخيل، وظلوا يقودون حروبا مستمرة، ويتسع أحمد بن الأمين الشنقيطى فى عرضها بكتابه الوسيط وتراجم أدباء شنقيط، ونراه يقول عن حروب قبائل حسان إن الحرب أصل معهود بينهم فترى قبائلهم أو أقسامهم الكبيرة يحارب بعضها بعضا كما وقع بين إدوعيش سكان تكانت والترارزة سكان الجنوب الغربى إلى حدود السنغال، وكما وقع بين إدوعيش وأبناء أحمد من دامان جيرانهم وكما وقع بين أحياء من عثمان سكان أدرار وإدوعيش، وكما وقع بين الترارزة وأبناء عمومتهم البراكنة، ويعرض لحروب الترارزة، فيقول فى فاتحة عرضه: ما وقع بين الترارزة مع غيرهم لا يذكر، بالنسبة لما وقع بين بعضهم وبعض، وما يزال ابن الأمين الشنقيطى يعرض علينا حروب الموريتانيين وكيف أنها كانت تبدأ ضعيفة، ثم تقوى وتستحكم بمرور الزمن. ولم تنج منها بلدة موريتانية، ولا أفلت منها راغب فيها أوكاره، وقد غلبت على حياتهم منذ القرن

стр. 5150

الحادى عشر الهجرى، بل فى رأينا منذ القرن العاشر ونزول قبائل حسان بينهم. ولعل ذلك ما حال فى موريتانيا بينها وبين قيام دولة فيها، إذ لم تعمها وحدة بين قبائلها وسكان مدنها قبل القرن العشرين، وكان لمدينة شنقيط فيها زعامة ولكنها لم تكن زعامة سياسية إنما كانت زعامة ثقافية. وظلت البلاد-منذ المنصور الذهبى-تستشعر شيئا من الولاء لدولة السعديين فى المغرب الأقصى ثم لدولة العلويين. وما زالت حياتها على النحو الذى قدمناه إلى أن داهمتها القوات الفرنسية سنة ١٩٠٣ للميلاد ووضعتها تحت الحماية، وفى سنة ١٩٢٠ جعلتها مستعمرة فرنسية، وما زال شعبها يجاهد الفرنسيين حتى أزاحهم عن دياره سنة ١٩٨٠ وأعلن قيام جمهورية موريتانية الإسلامية فى البلاد.
следующие страницы →