وكان أبو بكر بن عمر بطلا مغوارا، وكان صالحا متين الدين متورعا، وسرعان ما تقدم بجيشه من آدرار وحصنى آزكى وأودغست فى شهر ربيع الثانى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة إلى بلاد السوس جنوبى المغرب الأقصى، وأخذ يستولى على بلدانها وقضى فيها على قوم من الروافض يقال لهم البجلية نسبة إلى عبد الله البجلى الرافضى، وكان قدم إلى السوس حين قدم عبيد الله المهدى الشيعى الإسماعيلى إلى إفريقيا، وأشاع به مذهبه الرافضى، وأخذت أجيال متعاقبة تتوارثه هناك إلى أن قاتلهم أبو بكر بن عمر وعبد الله بن ياسين وقتل منهم خلق كثير، ورجع من بقى منهم إلى السنة ورأى الجماعة. وتلك أولى حسنات أبى بكر بن عمر والشيخ عبد الله بن ياسين فى المغرب الأقصى، وأخذا يتغلغلان فيه شمالا واستوليا على أغمات وإقليم حاحة سنة ٤٤٩ هـ/١٠٥٧ م كما استوليا على تادلة وإقليم دكالة، وعرفا أن بساحلها على المحيط وساحل إقليم تامسنة قبائل برغواطة التى خرج بها عن جادة الدين الحنيف متنبئون ابتدعوا لهم شريعة ضالة كافرة-وتعاقبوا فيهم من قديم، فقصدا إليها فى مدينة آسفى على المحيط بإقليم دكالة وفى مدن سلا وآزمور وآنفة (الدار البيضاء) فى ساحل إقليم تامسنة، وأخذا ينازلانها منازلات ضارية، وفى بعض المنازلات والوقائع استشهد الشيخ العظيم عبد الله بن ياسين سنة ٤٥١ هـ/١٠٥٩ م، وبنى مسجد على قبره. ومضى أبو بكر بن عمر يجاهد برغواطة، حتى استأصل شأفتها ومحا دعوتها من المغرب الأقصى إلى غير رجعة. وتلك حسنة كبرى ثانية لأبى بكر بن عمر وصنهاجة موريتانيا. وبلغه سنة ٤٥٣ هـ/١٠٦١ م أن خلافا شديدا نشب فى صحراء موريتانيا بين قبيلتى لمتونة ومسوفة، وخشى افتراق الكلمة، فخرج إليهما واستعمل على المغرب الأقصى ابن عمه يوسف بن تاشفين. ومنذ ذلك الحين انقسمت دولة المرابطين قسمين: قسما شماليا وقسما جنوبيا، وقاد القسم الشمالى يوسف بن تاشفين، وسرعان ما أسس فى سنة ٤٥٤ هـ/١٠٦٢ م عاصمة دولته: مراكش، وفى سنة ٤٧٤ هـ/١٠٨١ م استولى على مدينة تلمسان الجزائرية من أيدى بنى يعلى الخزريين، وتوغّل شرقيها حتى مدينة الجزائر. واستصرخه بعض أمراء الطوائف فى الأندلس، كى ينقذهم من براثن الإسبان الشماليين، فجاز إليهم زقاق جبل طارق بجموع صنهاجة الصحراء الموريتانية، وانتصر على الإسبان فى موقعة الزلاقة انتصارا حاسما سنة ٤٧٩ هـ/١٠٨٥ م ورأى من الضرورى القضاء على أمراء الطوائف حتى تعود إلى الأندلس وحدتها إزاء الأعداء المتربصين. وهذا الانتصار العظيم يعد حسنة كبرى ثالثة تضاف إلى صنهاجة الصحراء الموريتانية.
والقسم الجنوبى لدولة المرابطين ظل يقوده البطل المجاهد العظيم أبو بكر بن عمر الذى استطاع نشر الإسلام فى جميع أرجاء إفريقيا المدارية حتى أبواب إفريقيا الاستوائية وسياجها الضخم من الغابات الكثيفة، وقد بدأ بالتكرور ومنطقة نهر السنغال الأدنى، وانضموا إلى
стр. 5147
جيشه فى حماس بالغ لنشر الإسلام فى ربوع السودان، واستطاع الاستيلاء على غانة ونشر الإسلام فى أنحائها، ويقال إن أميرها السوننكى أعلن إسلامه وأسلم معه كثيرون. وبالمثل نشر الإسلام فى أرجاء مالى وأرجاء صنغى فى حوض النيجر الأوسط، وحقا كل تلك البلدان كان قد دخلها الإسلام على أيدى التجار والقبائل الصنهاجية قبل أبى بكر بن عمر، ولكن كانت كثرة أهلها ما عدا التكرور وثنية، أما أبو بكر بن عمر فإنه أحالها بلادا وشعوبا إسلامية إلى اليوم وإلى أبد الآبدين. وكل ذلك بفضل هذا البطل الصحراوى الموريتانى المخلص لدينه الذى كان يحكم كل هذه الأقطار من منطقة الأدرار فى موريتانيا متخذا آزكى وأودغست قاعدتين كبيرتين لحملاته الحربية جنوبا وشرقا. وكل ذلك يحسب له ولصنهاجة موريتانيا كما يحسب لها ما أدته من خدمات جلّى فى الأندلس وحمايتها للإسلام هناك ضد أعدائه من نصارى الإسبان. وطبيعى أن تسيطر صنهاجة موريتانيا فى أثناء ذلك على طرق التجارة الرئيسية بين المغرب الأقصى وإفريقيا المدارية. واستشهد البطل العظيم أبو بكر بن عمر سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م برمية سهم مسموم فى عودة له إلى الأدرار من غزوة مظفرة بعد أن أدى للإسلام خدمات جلّى وسّع بها داره الإفريقية وعالمه الضخم.
وأبو بكر-دون ريب-هو صاحب الفضل فى أن جعل كل الشعوب الإفريقية التى استولى عليها شعوبا إسلامية، ودخلت إليها مع الإسلام اللغة العربية، وظلت لغة العبادة والثقافة والتجارة إلى اليوم، ولم يستطع الاستعمار إزاحتها عن مكانتها. وعادت هذه الشعوب إلى الاستقلال عن دولة المرابطين وصنهاجة موريتانيا بعد وفاة أبى بكر سنة ٤٨٠ هـ/١٠٨٧ م، وازدهرت من بينها مملكة غانة وظلت صاحبة السيادة والنفوذ فى كل البلاد والأراضى الواقعة بين نهر النيجر والمحيط الأطلسى وتبعها الشطر الجنوبى من موريتانيا ومدينة أودغست ونيمة وولاته، وانتسب حكامها-كما يقول الإدريسى-إلى الحسن بن على بن أبى طالب. وكانت قبيلة الصوصو تنزل جنوبيها وتخضع لها وتدفع إليها الجزية إذ كانت وثنية، وما زالت تقوى حتى استطاعت القضاء على غانة والاستيلاء على عاصمتها كومبى صالح شمالى ياماكو عاصمة مالى الحديثة سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٣ م وفرّ من العاصمة فريق من المسلمين مع الشيخ إسماعيل إلى مدينة ولاته فى الجنوب الشرقى لموريتانيا وأصبحت من أهم المراكز التجارية فى إفريقية الغربية. وبعد نحو ثلاثين عاما استطاع مارى جاطة بطل دولة مالى القومى وأهم حكامها أن يغزو بلاد الصوصو ويقضى عليهم. وامتدت دولته حتى شملت حوض نهر السنغال ونهر غينيا ومعظم حوض النيجر الأوسط والأعلى، وفى أوائل عهد أحد أحفاده وهو منسا سليمان (٧٥٣ هـ/١٣٥٢ م-٧٦٠ هـ/١٣٥٩ م) قام ابن بطوطة برحلته إلى السودان، وكانت أول مدينة نزل بها فى موريتانيا مدينة تغازى، ومر بنا حديثه عن مناجم الملح بها، وعجب
стр. 5148
من انخفاض ثمنه فى موطنه وارتفاعه فى بلاد السودان، وكأنه لم يكن يعرف شدة حاجتهم إليه بسبب الحرارة القاسية فى ديارهم إذ يحفظ الماء فى الجسم فلا يتبخّر سريعا، وقال إن من يحفرون عليه عبيد قبيلة مسوفة الصنهاجية. ونزل مدينة ولاتة، ويذكر أن أكثر أهلها من قبيلة مسوفة، وأنها كانت تتبع حينئذ سلطان مالى، وأغلب الظن أن تبعيتها لمالى منذ عهد مارى جاطة (٦٢٨ هـ/١٢٣٠ م-٦٥٢ هـ/١٢٥٥ م) الذى وسّع حدود دولته-كما أسلفنا- إلى أقصى حد جنوبا وشرقا وغربا وكانت «ولاته» تابعة لغانة ومثلها مدينتا نيمة وأودغست، فطبيعى أن تدين جميعا له ولما لى بعده وحكامها التالين. ويذكر ابن بطوطة عن ولاته أنها شديدة الحر وبها يسير نخيلات يزرعون فى ظلالها البطيخ، ولحم الضان بها كثير وثياب أهلها ثياب مصرية حسان، ويقول إنهم مسلمون يحافظون على الصلوات ومثلهم نساؤهم ولهن جمال فائق، ويذكر أنه أقام بها نحو خمسين يوما وأن أهلها أكرموه وفى مقدمتهم قاضيها وأخ له مدرس. ولا نعود نسمع عن ولاته فى عهد دولة مالى، وكانت قد أخذت فى الضعف بينما أخذت صنغى فى حوض النيجر الأوسط شرقى السنغال وغمبيا تقوى، ولم تلبث أن استقلت عن مالى، ثم أخذت تزداد قوة تدريجا فى القرن التاسع الهجرى، وبلغت غاية قوتها فى عهد أسرة إسكيا واستولى «سنّ على» ملكها على تمبكتو وأشعل فيها النيران سنة ٨٧٣ هـ/١٤٦٨ م مما جعل فقهاءها وفى مقدمتهم عمر بن محمد أقيت يفرّون منها إلى ولاته واستولت هذه الأسرة على كثير من بلدان مالى ومدّت سلطانها ونفوذها إلى ولاته وإقليمها فى موريتانيا، وكان حكامها بعد سن على متمسكين بالإسلام، مما زاد فى تعلق الناس بهم، وخاصة بمحمد بن أبى بكر (٨٩٩ هـ/١٤٩٣ م-٩٣٥ هـ/١٥٢٨ م) الذى اتخذ مدينة تومبكتو على النيجر عاصمة له، واستكثر من بناء المساجد والزوايا، واستقدم لها الفقهاء والعلماء لتعليم الناس القرآن والفقه وأمور دينهم، وزار الحسن الوزان ولاته فى عهده وقال إنها تابعة لملك تومبكتو وتدفع له ضريبة محددة، ومر بنا حديثه عنها فى جغرافية موريتانيا، وقال إن كل تنظيم مدنى مجهول فى هذه المنطقة، فلا قضاة ولا حكومة منظمة، إذ كانت قبيلة مسوفة فيها لا تزال تعيش معيشة قبيلة.
ويبدو أن دولة صنغى لم تكتف بولاء ولاته وأنها حاولت الاستيلاء على تغازى وما بها من مناجم الملح، بل يقال إنها استولت عليها فعلا مما أغضب أحمد المنصور الذهبى سلطان الدولة السعدية فى المغرب الأقصى (٩٨٦ - ١٠١٢ هـ) فصمم على منازلتها، وأرسل إليها حملة سنة ٩٩٧ هـ/١٥٧٩ م فى عهد حاكمها إسكيا داود وتغلغلت الحملة فى بلاد السودان واضطر إسكيا داود أن يقبل التنازل عما بيده من بلاد موريتانيا والقبائل الصنهاجية، وعادت الحملة بغنائم كثيرة وسمع بالحملة صاحب برنو شرقى صنغى وكأنما خشى على بلاده من الجيش السعدى، فأرسل فى أواخر سنة ١٠٠٠ هـ/١٥٨٢ م بيعته للمنصور الذهبى مع هدية كبيرة
стр. 5149
من فتيان العبيد والإماء، وصمم المنصور على غزو صنغى واحتلال بلادها لما فيها من كنوز الذهب ومعادنه، وأعدّ لذلك جيشا جرارا بقيادة جؤذر الأندلسى، والتقى الجيش بعد رحلة شاقة مضنية فى فيافى الصحراء وقفارها بجيش إسكيا إسحاق بن داود واستطاع هزيمته فى موقعة فوندبى شمالى جاو، ودخل المدينة فوجد أهلها غادروها واتجه جؤذر إلى تومبكتو العاصمة، وأحس بخيبة أمل شديدة حين قيل له إن مناجم الذهب التى يقصدها لا تزال بعيدة جدا بعد المغرب الأقصى عن تمبكتو. وأرسل بذلك إلى المنصور فغضب وعزله عن قيادة الجيش وأرسل مكانه محمود زرجون، ويقال إنهم استولوا من قصور إسكا إسحاق بن داود على ما لا يحصى من الحلى والذهب وعاد الجيش محملا بغير قليل منهما، مما أتاح للمنصور أن يبنى قصره «البديع» وينثر منه الكثير على الناس، ولذلك سمى المنصور الذهبى.
وأهم ما عاد على موريتانيا من انتصار هذا الجيش المغربى الضخم أنه رفع يد دولة صنغى عن البلدان الموريتانية التى دانت لها، وأكثر من ذلك أهمية أن المنصور رأى أن يرسل إلى بلاد موريتانيا والسودان رجالا كثيرين وخيلا من عرب المعقل وجشم أهل الشوكة والنجدة لحراسة ما استولى عليه جيشه من تلك الديار. ولبّاه من عرب المعقل قبيلة حسان وغيرها، ونزلت عشائر منها فى شنقيط، وإليها ينسب إدوعيش سكان تكانت وأبناء أحمد من دامان والترارزة فى الجنوب الغربى من موريتانيا، وينسب إليها أيضا البرابيش سكان تيشيت وحكامها والأوداية ونزلوا بين وادان وولاته وكأن قبائل حسان تغلغلت فى كل بلدان موريتانيا ومناطقها، وكان ذلك كسبا كبيرا لموريتانيا لأنهم عرب، وأخذت تتعرب من حينئذ أى من أول القرن العاشر الهجرى/السادس عشر الميلادى.
ومع أنهم استقروا فى مدن موريتانيا مع إخوانهم من القبائل الصنهاجية، ولم يعودوا يسكنون فى خيام، إنما يسكنون فى أكواخ، ظلوا يعنون بتربية الإبل والخيل، وظلوا يقودون حروبا مستمرة، ويتسع أحمد بن الأمين الشنقيطى فى عرضها بكتابه الوسيط وتراجم أدباء شنقيط، ونراه يقول عن حروب قبائل حسان إن الحرب أصل معهود بينهم فترى قبائلهم أو أقسامهم الكبيرة يحارب بعضها بعضا كما وقع بين إدوعيش سكان تكانت والترارزة سكان الجنوب الغربى إلى حدود السنغال، وكما وقع بين إدوعيش وأبناء أحمد من دامان جيرانهم وكما وقع بين أحياء من عثمان سكان أدرار وإدوعيش، وكما وقع بين الترارزة وأبناء عمومتهم البراكنة، ويعرض لحروب الترارزة، فيقول فى فاتحة عرضه: ما وقع بين الترارزة مع غيرهم لا يذكر، بالنسبة لما وقع بين بعضهم وبعض، وما يزال ابن الأمين الشنقيطى يعرض علينا حروب الموريتانيين وكيف أنها كانت تبدأ ضعيفة، ثم تقوى وتستحكم بمرور الزمن. ولم تنج منها بلدة موريتانية، ولا أفلت منها راغب فيها أوكاره، وقد غلبت على حياتهم منذ القرن
стр. 5150
الحادى عشر الهجرى، بل فى رأينا منذ القرن العاشر ونزول قبائل حسان بينهم. ولعل ذلك ما حال فى موريتانيا بينها وبين قيام دولة فيها، إذ لم تعمها وحدة بين قبائلها وسكان مدنها قبل القرن العشرين، وكان لمدينة شنقيط فيها زعامة ولكنها لم تكن زعامة سياسية إنما كانت زعامة ثقافية. وظلت البلاد-منذ المنصور الذهبى-تستشعر شيئا من الولاء لدولة السعديين فى المغرب الأقصى ثم لدولة العلويين. وما زالت حياتها على النحو الذى قدمناه إلى أن داهمتها القوات الفرنسية سنة ١٩٠٣ للميلاد ووضعتها تحت الحماية، وفى سنة ١٩٢٠ جعلتها مستعمرة فرنسية، وما زال شعبها يجاهد الفرنسيين حتى أزاحهم عن دياره سنة ١٩٨٠ وأعلن قيام جمهورية موريتانية الإسلامية فى البلاد.
стр. 5151
الفصل الثّانى
المجتمع والثقافة
١ -
المجتمع (١)
(أ) صنهاجة وقبائل المعقل العربية
كان المجتمع فى موريتانيا يتألف من قبائل صنهاجة وعبيدهم من السودان، وكان هؤلاء العبيد يقومون لهم بكثير من الأعمال فى الزراعة وحفر الآبار وسقى المزروعات وكذلك فى المراعى ورعى الأنعام، ويقول ابن بطوطة فى رحلته إلى السودان ونزوله بتغازى بلدة مناجم الملح إن عبيد قبيلة مسوفة الصنهاجية هم الذين يقومون باستخراجه من الأرض وإعداده لحمله إلى بلاد السودان. ونزل موريتانيا فى أواخر القرن التاسع وأوائل العاشر الهجرى كثيرون من قبائل المعقل الذين كانوا ينزلون بالقرب من مدينتى سجلماسة والدرعة فى المغرب الأقصى وخاصة قبائل حسان، دفعهم المنصور الذهبى إلى الجنوب ليحموا فتوحه فى بلاد السودان واستقر كثيرون منهم فى موريتانيا مفضلين لها على بلاد السودان، لأنها بسطحها الرملى الصحراوى تشبه البوادى التى كانوا يستوطنونها جنوبى المغرب الأقصى. وأخذ كثيرون منهم يؤثرون أرض المراعى يرعون فيها أنعامهم متنقلين فيها وراء الكلأ، كما فى أرض تيرس الواسعة الواقعة غربى منطقة آدرار والممتدة جنوبا وغربا حتى المحيط الأطلسى، وهى منطقة شديدة الخصوبة، وهى قليلة المطر، غير أنه قد يكثر فيها أحيانا بل ربما توالى ذلك فى سنوات متعاقبة، ويسمونها سنوات الخصب، وتسمن فيها أنعامهم وإبلهم، حتى ليرفعون عن ضروعهم ما يشدونها به من نسيج الحبال، خوفا عليها من أن تفسدها كثرة اللبن ولذلك يتركون الفصلان ترضع أمهاتها متى شاءت ودائما يتفقد الرعاة الضروع لحلبها، وكثيرا ما يلقون باللبن على الأرض لعدم الحاجة إليه. ويكبر الفصيل سريعا حتى ليصبح صالحا للركوب فى سنة ولادته، ويسبب هذا الخصب وغزارة المراعى فيه ربما ولدت الناقة لسنتين ونحوهما، مما جعل الإبل فيها كثيرة، حتى ليقولون إنها تنبت الإبل، كما ينبت المطر النبات. وطبيعى
стр. 5152
أن تكثر المراعى فى صحراء موريتانيا، وكما نلقاها فى تبرس نلقاها فى منطقة تيشيت وفى الصحارى الممتدة بين وادان شرقى شنقيط وبين ولاته فى الجنوب الشرقى وأيضا فى منطقة الحوض غربيها.
(ب) الزروع والمراعى
وأقام كثيرون من قبائل المعقل وخاصة قبائل حسان والبرابيش وأوداية فى مدن موريتانيا، وكانت قديما تشتمل على مسجد أو مساجد تتألف من أكواخ تبنى حول آبار فى وديان أشبه بواحات صغيرة. وأهم ما يزرعون فيها النخل ليقتاتوا من تموره، وعادة يزرعون تحته الشعير وقد يزرعون الدّخن والقمح، ويقول الحسن الوزان عن تشيست إنه يوجد قربها رقعة صغيرة صالحة للزراعة، زرعها أهلها بالنخيل، ورقعة أخرى يزرعونها شعيرا ودخنا يقيمون بها أودهم، ويقول عن وادان إنه لا ينبت فيها سوى النخيل، ويزاول أهلها الصيد للحيوانات الوحشية مثل الوعل والنعام، وبها بعض الماعز، ويقول عن ولاته إن أرضها تنبت الدّخن والذرة. ويقول أحمد بن الأمين عن شنقيط إن بها نخلا كثيرا، وببعض جبالها مزارع يزرع فيها القمح والشعير والدخن واللوبيا، وأهل منطقة أدرار عامة يزرعون القمح والشعير تحت النخل، ويزرعون فى الأودية والرمال نوعا يسمى فندى وهو بطيخ أبيض اللون وأخضر من أجود البطيخ، ويصنعون من بذر الأبيض دقيقا يخلطونه بدقيق الدخن ويجعلون منه شبه العصيدة، ويقول الشنقيطى عن مدينة تيججكة إنها على ضفة واد كثير النخل وفى شماليها مزارع للفندى والدخن، ويقول عن تكانت إنها كثيرة الأشجار الصحراوية ويعد أشجارها. وتلك هى صورة الزروع فى موريتانيا، وليس منها شئ يصدّر إنما هى لمعيشة أهلها وما يسد حاجتهم من الطعام. وأهل المدن والزروع بذلك أحسن حالا من أهل المراعى والأنعام، إذ ليس من عادتهم أكل الخبز أو هم غالبا لا يعرفونه، إنما يعرفون حليب نوقهم، ويقول الشنقيطى ربما يبلغ أحد الرعاة ستين عاما ولم يعرف الخبز ولا العصيدة فضلا عن أكلهما، إنما يشرب اللبن أو يأكل التمر أو بعض لحوم الأنعام التى يرعاها.
(ج) التجارة
من قديم أهم من الزروع والمراعى عند أهل موريتانيا التجارة مع أهل السودان. وأهم ما يتجرون به معهم الملح الذى كانوا يستخرجونه من مناجم تغازى حتى القرن العاشر الهجرى، وأخذوا-فيما بعد-يستخرجونه من آجّل شرقى وادان، ويكاد كل أهل موريتانيا يتجرون فيه لكثرة العائد منه، ويتجر فيه أهل شنقيط ووادان وتيججكة وولاته والحوض وتكانت، ويكاد يباع فى أعماق السودان بوزنه ذهبا. ومر بنا قول ابن بطوطة فى زمنه إن الحمل منه أى حمل البعير وهو-كما قال-لوحان بعشرة مثاقيل من الذهب فى تغازى، ووجده فى مالى
стр. 5153
يباع بثلاثين مثقالا وقال إنه قد يباع فى مالى بأربعين مثقالا، ومالى قريبة من تغازى فما بالنا بما يباع به فى أراضى السودان البعيدة. وقال الشنقيطى إن كل ما عند أهل السودان من الخيل والثياب والزروع والعبيد كانوا يبيعونه-أو يبادلونه-بالملح. ومما يأتى به بائع الملح من هناك القماش المعروف بالأكحال وأردية يسمونها «ديماس وديسة» وبنائق والفول المعروف عند المصريين بفول السودان وعند أهل الشام بالفستق وعند أهل الحجاز باللوز الهندى. وهذه هى التجارة العامة فى موريتانيا وتليها التجارة فى الصمغ، ويجنيه أهل القبلة من الأنحاء التى يكثر فيها القتاد أو الشوك وكذلك أهل الحوض. ولم يكن أهل موريتانيا يعرفون النقود فكانوا يتبادلون فى الكثير الأكثر القماش الذى يحتاجونه لملابسهم بالغنم، وكان الثلاثون ذراعا من القماش تسمى باسم البيصة، وهى الوحدة التى يرجعون إليها فى ثمن الأنعام والعبيد فيقولون مثلا هل تبيع هذا العبد أو ذلك البعير أو هذا الثور بعشر بيصات أو يقولون مثلا بكم أشترى بالبيصة من الغنم فيقال ثلاث أو أربع ونحو ذلك. وإذا كان البيع أو التبادل بين الأنعام بعضها وبعض فيقولون مثلا ثمن هذا البعير أربعة عجول من البقر أو ثمانية من الغنم.
وليس فى موريتانيا سوى صناعات أولية بسيطة، وكان فيها حدادون بسطاء يصنعون الفئوس والخناجر وآلات الحراثة، وكان بها دباغون يدبغون الفراء وجلود الأنعام، وبعض النساء كن يخطن ما يصنع من الجلود، وكان بينهم من يصنع أوانى الخشب، وكل تلك صناعات يدوية أولية.
(د) حياة يدوية
لم يكن فى موريتانيا حكومات منظمة، فقد كانوا لا يزالون يعيشون معيشة بدوية فى المدن التى أقاموها وسكنوها. ومثل قبائل البدو كان هناك سادة وشيوخ لعشائرهم يطيعونهم، وكانت القبيلة أو البلدة تتخذ لها قاضيا ترجع إليه فى قضاياها، وكانوا لا يرجعون إليه إلا فى المسائل الكبرى أو القضايا الكبرى كما إذا حدث قتل فكانوا يلجئون إليه للقصاص، وحتى فى هذه القضية الكبرى كان سادة القبائل أو كما يسميهم الشنقيطى أمراء القبائل لا ينفذون الحكم، أو يطيلون التنفيذ ليأخذوا الرشوة، ويقول: «ربما أوعز الأمير إلى القاضى ليحكم بما يهوى». وفى أحوال كثيرة لم يكن هناك قاض فكان المتنازعان يحتكمان إلى شخص ليستمع حججهما، وقد يطلب من المدعى الشهود، وتشترط العدالة فى الشاهد، وإذا حكم رضخ المدعى لحكمه إلا إذا أفتاه أحد العلماء بالخطأ فى الحكم، وربما ظلت القضية سنوات حتى يتفق رأى العلماء فيها.
وكان الزواج عندهم-ولا يزال-على مذهب الإمام مالك لأنهم مالكية مثل بقية بلدان المغرب، ومنهم من يأخذ الصداق كاملا ومنهم من يكتفى بنصفه، ومنهم من لا يأخذه البتة،
стр. 5154
والجهاز بحسب العرف. وعلى ولىّ الزوجة أن يقيم قبل بناء الزوج بها وليمة، وتحمل منها موائد إلى أقارب الزوج، وتبعث الزوجة بتلك الموائد فى كل عيد، وتبعث نساؤهم بموائد مماثلة إلى الزوجة، لتسود المودة والمحبة بينهم جميعا.
٢ -
الثقافة (١)
(أ) نشاط دينى تعليمى كبير
من المعروف أن الإسلام لم يدخل شعبا ولا بلدا إلا دفعهما دفعا إلى العلم والتعلّم، وقد كانت أول آيات نزلت منه على الرسول ﷺ ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ وآيات قرآنية أخرى كثيرة تحض على العلم كما تحض عليه أحاديث نبوية متعددة.
ومعنى ذلك أن الإسلام والعلم متلازمان، وأن العلم لا ينفك عنه أبدا، وكان المسلمون الأولون بمجرد أن يفتحوا بلدا يقيمون فيه مسجدا، ويقيمون بجانب المسجد كتّابا لتحفيظ القرآن الكريم للناشئة، حتى إذا حفظ الناشئ القرآن ورتّله أو جوّده تحوّل إلى حلقة أحد العلماء فى المساجد يأخذ عنه الفقه والحديث والعلوم الإسلامية كما يأخذ عنه العربية وقواعدها وآدابها من شعر ونثر. وكما يحدث ذلك فى المدن يحدث فى أحياء البدو وبصور مختلفة، هيأت دائما كما هيأت صور التعليم فى المدن لظهور فقهاء يفقهون الدين الإسلامى وتعاليمه وما فرض من الصلاة والصيام والزكاة والحج وظهور نحاة ولغويين يحسنون العربية وقواعدها وتعليمها للناشئة.
وكل ذلك حدث فى موريتانيا مع انتشار الإسلام فى بلدانها وبين قبائلها البدوية منذ القرنين الثالث والرابع حين أصبحت هناك قبائل تعمل على نشر الدين الحنيف، واتسع ذلك فى القرن الخامس الهجرى حين نزل الشيخ عبد الله بن ياسين فى قبائل لمتونة وأخواتها الصحراويات بموريتانيا: مسوفة وكدالة وجزولة ولمطة، وسمّى أتباعه هناك المرابطين أى المجاهدين الذين رصدوا أنفسهم للجهاد فى سبيل الله وإعلاء كلمته ودينه، ومضى مع يحيى بن عمر اللمتونى ثم مع أخيه أبى بكر يدعو أهل السودان الغربى-كما مرّ بنا-إلى الإسلام،
стр. 5155
وتوفى-كما أسلفنا-فى جهاد برغواطة الضالة فى المغرب الأقصى وقضى عليها قضاء مبرما أبو بكر، وعاد بشطر كبير من جيشه إلى قواعده بمنطقة أدرار فى موريتانيا وأخذ يعد حملاته إلى أنحاء السودان الغربى، ودان له ودخل كثيرون من أهله فى الإسلام وتحولت كثرة من جيشه، يعلمون أهل السودان الغربى شئون دينهم، ويحفظونهم القرآن الكريم.
وذلك كان فضلا عظيما لصنهاجة موريتانيا، وعاد كثيرون منهم إلى موريتانيا سوى من كانوا لا يزالون بها، وفى كل بلدة وفى كل حى من أحياء القبائل البدوية كانت الناشئة تدوّى- دوىّ النّحل-بآى القرآن الكريم، وكانوا-بعد ترتيله أو تجويده-يلتحقون ببعض العلماء، ولكن ليس فى أيدينا شئ سجلوه عن التعليم فى ديارهم، إنما تلتقط-منذ القرن السادس الهجرى-أخبار العلماء وأسماؤهم التقاطا، كأن يقال إن غزو قبائل الصوصو لعاصمة غانة: كومبى صالح سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٤ م جعل الشيخ إسماعيل وبعض علمائها يفرّون منها مع فريق من المسلمين إلى ولاته، مما أحالها مركزا تجاريا مهما وأحدث بها حركة علمية نشيطة، ولا نعود نسمع عن ولاته أخبارا، حتى إذا كانت سنة ٧٥٣ هـ/١٣٥٢ م زارها ابن بطوطة ونوّه بإكرام أهلها وقاضيها له، ونمضى إلى سنة ٨٧٣ هـ/١٤٦٨ م فيغزوسن على ملك صنغى تمبكتو ويشعل فيها النيران ويقتل خلقا كثيرا، ويرحل منها فقهاؤها إلى مدينة ولاته وفى مقدمتهم عمر بن محمد أقيت وأولاده وكلهم أصبحوا فقهاء، ولقى بها فقيهها ومحدثها الإمام الزمورى، وأجازه كتاب الشفاء للقاضى عياض السبتى المتوفى سنة ٥٤٤ هـ/١١٤٩ م، وسمعه منه معه وأجازه صهره الفقيه المختار النحوى المتوفى سنة ٩٢٢ هـ/١٥١٦ م. ويذكر الحفناوى فى كتابه تعريف الخلف برجال السلف فقيها من فقهائها هو عبد الله بن عمر المسوفى المولود سنة ٨٦٦ هـ/١٤٦١ م والمتوفى سنة ٩٢٩ هـ/١٥٢٢ م ويقول إنه كان غاية فى الزهد والورع. وكان يعاصره فى مدينة وادان الفقيه محمد بن أحمد بن أبى بكر الوادانى وله شرح على مختصر خليل فى مجلدين سماه «موهوب الجليل بشرح خليل» وكان حيا سنة ٩٣٣ هـ/١٥٢٦ م. ويذكرون عن مؤسس مدينة تشيت فى القرن السادس الهجرى الشريف عبد المؤمن أنه كان تلميذا للقاضى عياض ولا بد أنه أسس فيها حركة علمية على عادة الفقهاء، غير أنه ليس بين أيدينا شئ عنها وكذلك عن مثيلاتها فى شنقيط وغيرها من مدن موريتانيا فى القرن العاشر الهجرى وما قبله من القرون.
(ب) التعليم والطلاب والشيوخ
الأخبار عن الحركة العلمية فى موريتانيا إنما تأخذ فى النمو منذ القرن العاشر الهجرى حين تم تعربها بفضل قبائل المعقل العربية: حسان وغيرها، ويسوق الشنقيطى فى كتابه تراجم أدباء شنقيط وكذلك الدكتور محمد المختار ولد إبّاه فى كتاباته أخبارا مختلفة عن تلك الحركة،
стр. 5156
فمن ذلك أنهم كانوا يختبرون الصبى إذا بلغ خمس سنوات من عمره فى حفظ الأعداد الأولى من واحد إلى عشرة فإذا تعلمها وذكرها سريعا أخذوا فى تعليمه الحروف الأبجدية ثم يعلمونه الحركات: الضمة أو الرفع والفتحة أو النصب والكسرة أو الجر، ثم يحفظونه القرآن الكريم، ويذكر الشنقيطى أن كثرة معلمى الصبية فى هذه الدورة كنّ من النساء، مما يدل على أن النساء فى موريتانيا كن يتعلمن حتى يصبحن صالحات لتعليم الصبية. ويقول الحسن الوزان فى حديثه عن مدينة تشيت إن «النساء هن اللائى يتعلمن ويقمن بدور معلمات المدرسة للفتيات والفتيان» وبعد حفظ الصبى القرآن وتعليمه الكتابة يبدأ فى الالتحاق بشيخ ليتعلم على يديه بعض العلوم. والبيئات تختلف فى نوع العلوم التى يبدأ الصبى بتعلمها فى سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، بعد حفظ القرآن فأهل منطقتى آدرار وتكانت ومن حذا حذوهما يبدءون بتعليم الفقه على مذهب الإمام مالك فى متن مختصر لعبد الرحمن الأخضرى الجزائرى ومنظومة لابن عاشر فى الفقه ثم ينقلونه إلى دراسة رسالة ابن أبى زيد رئيس المالكية فى القيروان والبلاد المغربية، ثم يدرس مختصر خليل بن إسحاق المالكى المصرى وبعض شروحه. وبلدان أخرى يبدأ فيها الناشئ بدراسة بعض دواوين العرب والعقائد الأشعرية وتآليف السنوسى الجزائرى فى علم التوحيد ثم يقرءونه الفقه والنحو. وبلدان تبدأ بتعليم علوم البلاغة والمنطق.
ولم تكن هناك حكومة أو جهات تنفق على الطلبة والعلماء، وكان الطلبة يؤمون-فى أحيان كثيرة-علماء بعيدين عن أوطانهم، فكيف يتعيش الطالب الموريتانى إذن، يقول الشنقيطى إن أكثر الطلاب يأخذ الواحد منهم بقرة حلوبا أو بقرتين وربما ثلاثا، وإذا كان الشيخ صاحب إبل أخذ الطالب ناقة أو ناقتين وربما ثلاثا، ويتجمع الطلاب ساعة الحلب ويتناول كل منهم ما يكفيه من اللبن. ويتناوبون رعى بقرهم ونوقهم، ويأخذ راعيها معه كتابه أو لوحه، ويقرأ فى الكتاب أو يحفظ ما فى اللوح، وبالمثل يتناوبون سقى نوقهم أو بقرهم. ومع هذه المشقة كان طلاب موريتانيا يقبلون على دروس العلماء الكبار. وكان العلماء-مثل الطلاب-لا ينفق عليهم أحد ما يستعينون به فى حياتهم ومعيشتهم، ولم يكن أحد من الطلاب يعطيهم شيئا نظير تعلمه، بل على العكس كانوا يعطون المحتاجين من الطلاب بعض ما ينفقونه. ولم يكن فى موريتانيا مدارس بالمعنى المعروف إنما كان فيها محاظر منتشرة فى مدنها ومراعيها من ضفاف نهر السنغال إلى الساقية الحمراء غربا وفى الحوض جنوبا وفى الصحارى الشرقية حيث ترى شيخا بدويا كسائر البدو متقشفا فى ملبسه بالمراعى وبالمثل فى المدن، وترى أمام بيته أو خيمته طائفة من الشبان كثيرة أو قليلة تسكن تحت الشجر أو تحت عريش من الخشب، ومنذ الضحى يلتفون حول الشيخ، وقد يدعوهم إلى بيته أو يلتقى بهم فى مسجد، وقد يلقى الدرس جالسا أو قائما، وقد يلقيه خارج بيته والمسجد ماشيا، وقد
стр. 5157
يقرأ الطلاب نصا بعينه مع شيخهم. وقد يقرئهم ويعلمهم أشتاتا، وهو الغالب، فالطالب يختار مادة قراءته حسب حاجته من فقه أو نحو أو بلاغة، وترى الشيخ مثلا يدرس لعشرة من الطلاب ألفية ابن مالك وطالب يقرأ من أولها وثان من وسطها وثالث من أواخرها ويشرح لكل طالب ما يقرؤه، وهكذا فى الفقه وغيره من العلوم. ومثلا ثانيا إذ يستمع الطلاب إلى شيخ يشرح نصا فى مختصر خليل فى الفقه، إذا هو ينتقل إلى باب من ألفية ابن مالك، ثم إلى درس فى علم التوحيد أو فى علم المنطق أو فى العروض، وقد ينتقل من ذلك إلى شرح بعض أشعار الجاهليين أو الإسلاميين. وتعجب إذ ترى هذا الشيخ العالم يسوق فى الصباح بقرة إلى موضع للرعى، والقدوم على عاتقه يقطع به أعوادا من الشجر ليبنى بها بئرا، ويذهب إليه ليرى المكلفين بالعمل فيه، ويعود-بعد ذلك-ليدرس لتلاميذه طوال النهار، حتى إذا انتهى من صلاة العشاء ونام الناس أخذ يعنى بتصنيف كتاب له أو بالقراءة فى بعض الأمهات والأصول من الكتب.
(ج) أمهات الكتب والمتون والشروح المتداولة
على سنة البلاد العربية جميعا حازت موريتانيا لنفسها كثيرا من أمهات الكتب ومتونها المشهورة وشروحها، واعتمدوا فى كثير منها على أعمال الأندلسيين والمغاربة وبالمثل أعمال المصريين إذ كان بعض شبابها يتلقى العلم عن أساتذته فى البلاد المغربية والمصرية، وطبيعى أن يكثر الواردون منهم على علماء فاس وغيرها من البلاد المغربية. وكان منتشرا فى مكتبات البلدان والقبائل فى القراءات كتاب التيسير فى القراءات السبع لأبى عمرو عثمان بن سعيد الدانى وقصيدة «حرز الأمانى فى القراءات» للشاطبى الضرير القاسم بن فيرّة وهى ألف ومائة وسبعة وثلاثون بيتا، ويقول ابن خلدون: «استوعب الشاطبى ما دوّنه الدانى فى القراءات بقصيدته، وعنى الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين، وجرى العمل على ذلك فى أمصار المغرب والأندلس».
وكانوا يعتمدون فى التفسير كما يقول الدكتور محمد المختار-على كتاب التفسير الكبير لابن عطية الأندلسى قاضى المرية، وهو من أهم الكتب فى التفسير وسماه الوجيز فى التفسير تواضعا وهو فى مجلدات ضخمة، ويقول ابن خلدون إنه لخّص فيه التفاسير المأثورة كلها وتحرّى الأقرب منها إلى الصحة. وتداول تفسيره بعده أهل المغرب والأندلس. واعتمدوا أيضا على تفسير القرطبى المسمى «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآى القرآن» وهو فى عشرين مجلدا سار فيه على نهج ابن عطية السنى.
وكانوا يتداولون فى الحديث النبوى كتب الصحاح الستة للبخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة وأبى داود والنسائى، ويقول الدكتور محمد المختار إن أهم محدث كانوا يعنون بكتبه
стр. 5158
أبو الوليد الباجى الأندلسى، وخاصة كتابه المنتقى فى شرح الموطأ وتخريجه لما فيه من الأحاديث، ويذكر أن الموريتانيين عنوا عناية خاصة بكتابه وبشعره وأدبه.
وكانوا يعكفون فى الفقه المالكى على منظومة ابن عاشر ورسالة ابن أبى زيد القيروانى ومختصر خليل بن إسحاق وشروحه، وعنوا بدراسة كتابات أبى عمرو يوسف بن عبد البر الذى تعتز به المالكية وبكتاباته فى الفقه المالكى وفى مقدمتها التمهيد والاستذكار وكتاباته التاريخية وفى مقدمتها الاستيعاب فى تراجم الصحابة، وبالمثل عنوا فى الفقه المالكى بكتابات ابن رشد الفقيه الكبير جد ابن رشد الفيلسوف وكتاباته الفقهية من مثل البيان والتحصيل ومقدماته على المدونة.
ومن كتب النحو التى كانوا يتداولونها متن الآجرومية لابن آجروم الصنهاجى، وكان الأزهر فى مصر إلى عهد قريب يبدأ به دراسة النحو لطلابه، وعنوا بألفية ابن مالك وشروحها وبكتابه لامية الأفعال، وعنوا بألفية السيوطى المسماة الفريدة وبكتب نحوية مختلفة سيأتى ذكرها فى الترجمة لعلماء العربية.
وعنوا فى علم الكلام والتوحيد بالعقائد الأشعرية وكتابات السنوسى والجزائرية وإضاءة الدجّنة للمقّرى، وكانوا يقرءون متن السلم للأخضرى فى المنطق. ودرسوا شرح الأعلم الشنتمرى للشعراء الستة: امرئ القيس والنابغة وزهير وطرفة وعنترة وعلقمة. وعرفوا أهم الكتب الأدبية، وفى مقدمتها الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى والأمالى لأبى على القالى والكامل للمبرد وزهر الآداب للحصرى وبهجة المجالس لابن عبد البر وخزانة الأدب للبغدادى كما عرفوا دواوين كثيرين من الشعراء على مر العصور.
وهذا الحشد من المؤلفات التى كانت متداولة فى موريتانيا، والتى عنى بإحصائها الدكتور محمد المختار فى مقدمات كتابه: «الشعر والشعراء فى موريتانيا» يدل بوضوح على أن موريتانيا-وإن لم تقم على شئونها قبل العصر الحديث دولة تنظم ثقافتها وحياتها العلمية- فإنها استطاعت بفضل عنايتها بالعلوم الإسلامية أن تصبح ذات ثقافة علمية قيمة وأن يصبح لها علماء فى مختلف فروع العلوم الإسلامية والعربية.
(د) أعلام العلماء فى موريتانيا
نتوقف قليلا لنعرض أعلام موريتانيا من العلماء ممن ترجم لهم الدكتور محمد المختار ترجمات مفصّلة فى كتابه: «دراسات فى تاريخ التشريع الإسلامى فى موريتانيا» وسنعرضهم عرضا تاريخيّا موزعين على العلوم الإسلامية والعربية ونضم إليهم طائفة من العلماء المترجم لهم عند الشنقيطى فى القرن الثالث عشر الهجرى قبل العصر الحديث. ومن الصعب الدقة فى هذا
стр. 5159
التوزيع لأن العلماء كانوا غالبا موسوعيين، ولذلك كثيرا ما يقال عن العالم إنه فقيه محدث متكلم نحوى، وتحار أى مجموعة من العلماء تضعه فيها، أو يقال مثلا إنه جامع لأنواع العلوم من تفسير وحديث وفقه وأصول ونحو ولغة، ومع ذلك سنحاول هذا التوزيع لندل على أن النشاط كان متسعا فى مختلف العلوم.
(هـ) القراء والمفسرون والمحدثون والفقهاء
أول من يلقانا من علمائهم قراء الناشئة ويعدون بالعشرات إن لم يكن بالمئات من مثل محمد بن أبى بكر من ولاته المتوفى فى القرن الثانى عشر الهجرى وكان ملازما لإقراء الناشئة، صوفى النزعة. ومن أئمة القراءات عبد الله بن أبى بكر التنواجيوى رحل إلى أحمد الحبيب اللمطى السجلماسى وقرأ عليه السبع وكان يدرس لطلابه الشاطبية ويفسرها لهم توفى سنة ١١٤٥ هـ/١٧٣٢ م ومن تلاميذه عمر بن أحمد الإيدلبى كان قارئا بالسبع، توفى سنة ١١٥٢ هـ/١٧٣٩ م وظلت إمامة القراءات فى بيت التنواجيويين واشتهر بالإمامة فيها الشيخ أحمد بن محمد التنواجيوى المتوفى سنة ١٢١٠ هـ/١٧٩٥ م وكانت أكثر عبادته إقراء القرآن، وقد أخذ القراءات السبع عن محمد بن عبد الله التنواجيوى.
ويذكر كثيرا عن هذا العالم أو ذاك أنه كان يفسر القرآن الكريم بجانب ما كان يلقى على طلابه من دروس فى الفقه أو فى النحو أو فى علم الكلام أو فيها جميعا، وكثيرا ما يذكر مع المحدثين أنهم كانوا يعنون بتفسير الذكر الحكيم، واشتهر منذ النصف الأول من القرن الحادى عشر الهجرى محمد بن سعيد اليدالى الديمانى بتفسير قيم لكتاب الله العزيز فى مجلدين سماه «الذهب الإبريز على كتاب الله العزيز». ويلقانا بعده المختار الكنتى وتفسيره للبسملة ولسورة الفاتحة.
ونلتقى بكثير من أئمة الحديث مثل محمد بن الحاج عثمان الجمانى فى النصف الأول من القرن الحادى عشر وهو تلميذ نور الدين الأجهورى شيخ المالكية فى مصر، ومن أئمة المحدثين عمر بن محمد بن عبد الله المحجوبى المتوفى سنة ١٠٧٠ هـ/١٦٥٠ م وله فى صحيح البخارى سند يصله بمؤلفه وله مصنفات كثيرة منها مقدمة فى الفقه فأرجوزة فى علم الكلام، ومنهم سيد عثمان بن عمر المتوفى سنة ١١٢٨ هـ/١٧١٦ م بولاته، وكان يقرئ صحيحى البخارى ومسلم وموطأ مالك وفيها جميعا وفى كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضى عياض أجيز بروايتها جميعا من جلة العلماء فى مصر والمدينة المنورة وموريتانيا. ومنهم عمر بن باب وكان يقرأ صحيح البخارى فى المسجد وسنذكره بين النحاة. ومنهم محدث مدينة أروان أحمد بن البشير حامل روايات صحيحى البخارى ومسلم والشفاء، وكان يضيف إلى الحديث
стр. 5160
التفسير وقراءة نافع برواية قالون، توفى سنة ١١٨٤ هـ/١٧٧١ م. ومنهم أحمد بن خليفة محدث شنقيط المتوفى سنة ١١٨٨ هـ/١٧٧٥ م وكان يقرئ صحيح البخارى وكتاب الشفاء للقاضى عياض.
وللفقه أعلام كثيرون من الفقهاء كانوا منبثين فى كل بلد وكل حى من أحياء القبائل نذكر منهم الفقيه محمد الملقب بالتنبكتى المتوفى سنة ١٠٥٠ هـ/١٦٤١ م وكان قاضى مدينة ولاته وعالمها، ومنهم أحمد بن القاسم الحاجى فقيه وادان وله شرح على مختصر خليل بن إسحاق، توفى سنة ١٠٨٦ هـ/١٦٧٦ م وحمل عنه تلميذه أحمد أبو الأوتاد مختصر خليل وشرحه إلى تشيت. ومنهم سيد أحمد الولى بن أبى بكر المحجوبى قاضى ولاته وإمامها ومدرسها وكان ماهرا فى التفسير والنحو ويحفظ مقامات الحريرى، توفى سنة ١٠٩٥ هـ/١٦٨٤ م. ومنهم الفقيه محمد بن أبى بكر الغلاوى وكان عالما بالفقه والنحو مطلعا على دقائقهما بصيرا بالفتوى فى النوازل مطلعا على كتب الفقه المالكى المعتمدة، وله رسالة فى علم الكلام باسم عقيدة التوحيد، توفى سنة ١٠٩٨ هـ/١٦٨٧ م. ومنهم الفقيه محمد المختار ابن الأعمش وهو إمام كبير وتلاميذه كثيرون انبثوا فى أنحاء موريتانيا توفى سنة ١١٠٧ هـ/١٦٩٦ م. ومنهم الحسن بن أغيد فقيه تشيت، درس وأفاد وأحيا بفتاويه سبيل الرشاد، وكان يقال من فاته الحسن البصرى بمواعظه فعليه بالحسن اليوسى (المترجم له فى المغرب الأقصى) ومن فاته اليوسى فعليه بالحسن بن أغيد، وكان إماما فى الفقه والحديث مستحضرا لهما مشاركا فيهما، وكان قيما على مختصر خليل حسن الإقراء له، وله منظومة فى مصطلح الحديث سماها روضة الأزهار وجعل عليها شرحا باسم قرة الأبصار، وله منظومة أخرى فى التوحيد سوى فتاوى مفيدة، توفى سنة ١١٢٣ هـ/١٧١١ م. ومنهم محمد بن أبى بكر المحجوبى الولاتى فقيه ابن فقيه ابن فقيه ثلاثة فى نسق وكان جامعا لأنواع العلوم من تفسير وحديث وفقه وأصول ونحو ولغة وله منظومة فى علم أصول الدين، ولعلها فى التوحيد، توفى سنة ١١٣٧ هـ/١٧٢٤ م. ومنهم أحمد ابن أند عبد الله بن على المحجوبى، وإليه انتهت رياسة الفتوى والقضاء فى مدينة ولاته، وله منظومة فى علم الكلام وأخرى فى الفرائض (المواريث) حجّ فى ركب من أهله، ولقى كبار العلماء وأخذ عنهم، توفى سنة ١١٤٠ هـ/١٧٢٧ م. ومنهم سيد أحمد الشواف قاضى وادان كان فقيها محدثا وشيخا صالحا وله فتاوى فقهية، وهو من تلاميذ الحسن بن أغبد فقيه تشيت، توفى سنة ١١٤٠ هـ/١٧٢٧ م مثل سابقه. ومنهم الشيخ أحمد بن محمد الجمانى، له فتاوى فقهية وهو أيضا تلميذ الحسن بن أغيد، توفى سنة ١١٥١ هـ/١٧٣٨ م. ومنهم الشريف أحمد بن فاضل، وهو من تلامذة الحسن بن أغيد، وكان إماما عالما، وكان المفزع إليه وإلى أخيه فى الفتيا، وله ولأخيه فتاوى مجموعة، توفى سنة ١١٥٣ هـ/١٧٤٠ م. ومنهم محمد بن الحسن بن أغبد كان يتقن الفقه والحديث والنحو فيقرئ طلابه رسالة ابن أبى زيد
стр. 5161
الفقهية ومختصر خليل ويحدث بصحيح البخارى ويدرس ألفية ابن مالك وكانت له حلقة كبيرة يؤمها الطلاب فى تشيت، وكان يدرس للرجال نهارا وللنساء ليلا، توفى سنة ١١٥٩ هـ/١٧٤٦ م. ومنهم الشريف حمى الله ابن الشريف أحمد الحسنى، وكانت له فتاوى فقهية متداولة فى موريتانيا، وله شرح منظومة الأوجلى فى التوحيد ونظم صغرى السنوسى فيه، توفى سنة ١١٦٩ هـ/١٧٥٥ م. ومنهم أند عبد الله بن أحمد المحجوبى قاضى ولاته، برع فى الفنون كلاما وفقها وأصولا ونحوا ومنطقا، له فتاوى فقهية وشرح على لامية الزقاق فى مجلد ضخم، توفى سنة ١١٧٢ هـ/١٧٥٩ م ومنهم سنبير قاضى أروان وكان بحرا فى الرواية والدراية توفى سنة ١١٨٠ هـ/١٧٦٧ م. ومنهم عمر الخطاط، كان من الفقهاء البارعين، وكان يقرئ الطلاب مختصر خليل قراءة تحقيق، وكثر تلاميذه وطلابه حتى ربما بلغوا فى حلقته المائة، توفى سنة ١١٩٦ هـ/١٧٨٢ م ومنهم عبد الله بن عبد الرحمن التشمشاوى الديمانى له شرح فى جزء على مختصر خليل فى الفقه المالكى سماه: «شفاء الغليل وراحة العليل على مختصر الشيخ خليل، توفى سنة ١٢١٢ هـ/١٧٩٨ م. ومنهم عبد الله بن أحمد الغلاوى البكرى، فقيه أهل الحوض، وله منظومات علمية كثيرة، توفى فى صدر القرن الثالث عشر الهجرى. ومنهم عبد الله بن إبراهيم بن الإمام العلوى فقيه تيججكة، كان عالما فقيها محدثا أصوليا بيانيا مفتيا ومدرسا، وله منظومات فى علم الحديث وفى علم البيان وأعجب به محمد بن عبد الله سلطان المغرب الأقصى فأهداه خزانة كتب كبيرة نفيسة جدا، وحج واجتمع بعلماء القاهرة وسمع به محمد على والى مصر فأكرمه، توفى سنة ١٢٣٣ هـ/١٨١٧ م. ويتكاثر الفقهاء فى القرن الثالث عشر الهجرى ومنهم باب بن أحمد بيب، وله شرح على كتاب التحفة لابن عاصم، وكان ابن فرحون انتهى فى ترجماته لفقهاء المالكية بكتابه الديباج عند القرن السابع فأكمل ترجمة نظرائهم من الفقهاء حتى القرن الثانى عشر الهجرى/الثامن عشر الميلادى، توفى سنة ١٢٧٦ هـ/١٨٥٩ م وكان ابنه التجانى فقيها مثله درس عليه فى أول أمره وعلى والدته الصالحة العالمة خديجة بنت المختار بن عثمان، وكان من أعاجيب الدهر فى الذكاء، وكان عالما بفن السّير والفقه والأصول والبيان والنحو والتصريف واللغة والمنطق، وله نظم فى أزواج الرسول ﷺ وأولاده وله عليه شرح نفيس مجلد، ونظم ورقات أبى المعالى إمام الحرمين فى علم الأصول، توفى قبل أبيه بنحو عشرة أعوام. ومنهم الشيخ سيدىّ الأبييرىّ الكبير، وكان عالما بالفقه والنحو ودقائقهما وله شرح على مختصر خليل باسم مرآة النظر فى وجوه خبايا المختصر، وشرح ثان على باب الفرائض منه، توفى سنة ١٢٨٤ هـ/١٨٦٧ م. ومنهم محمد بن محمد سالم المجلسى، وله فى شرح مختصر خليل شرح باسم: لوامع الدرر فى هتك أستار المختصر، توفى سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م.
стр. 5162
(و) أعلام النحاة والمتكلمين
نستطيع أن نقول إن كل هؤلاء الفقهاء كانوا يتقنون العربية وقواعدها النحوية إتقانا حسنا، وممن اشتهروا بعلم العربية وتعليمها المختار النحوى الذى رحل فرارا من سنّ على حين استولى على تنبكتو مع صهره الفقيه المتقدم ذكره عمر بن محمد أقيت ونزل معه ومع أبنائه الفقهاء مدينة ولاته وظل بها يدرس النحو لطلابه إلى أن توفى سنة ٩٢٢ هـ/١٥١٦ م. وتزدهر الدراسات النحوية منذ القرن الحادى عشر الهجرى/السابع عشر الميلادى ونلتقى فى صدره بمحمد بابا بن محمد الأمين، وله عدة مصنفات، أهمها شرحه لألفية السيوطى فى النحو وسماه المنح الحميدة فى شرح الفريدة، توفى سنة ١٠١٤ هـ/١٦٠٥ م. وممن نلتقى به بعده من النحاة فى آخر القرن وصدر القرن التالى أبو بكر الطفيل بن أحمد وكان نحويا فقيها منطقيا ونظم كتاب قطر النّدى فى النحو لابن هشام فى أربعمائة بيت، توفى سنة ١١١٦ هـ/١٧٠٤ م وكان يعاصره محمد بن موسى بن إيجل علامه تشيت وكان فقيها نحويا لغويا أصوليا بيانيا عروضيا منطقيا، وله فى النحو أوراقه المشهورة التى انتفع بها طلبة موريتانيا سماها: «كشف النقاب فى قواعد الإعراب» وشرحها، وله فى علم المنطق كتاب: «رتق الحجر العلق فى أصول وفصول المنطق» توفى سنة ١١١٧ هـ/١٧٠٥ م. ومن نحاة القرن الثانى عشر منير بن حبيب الله، له شرح مفيد على الخلاصة رتب فيه توضيح ابن هشام، وكان يقرئ الألفية لابن مالك، توفى سنة ١١٦٢ هـ/١٧٤٩ م. ومنهم أحمد بن أحمد بن الإمام كان فقيها نحويا لغويا محققا، وكان يقرأ لطلابه ألفية ابن مالك قراءة تحقيق وتدقيق، توفى سنة ١١٧٨ هـ/١٧٦٥ م. ومنهم الشريف المختار بن أحمد بن الإمام أحمد الإدريسى كان هو وأخواه من العلماء النجباء، وكان يقرئ تلاميذه ألفية ابن مالك مستفيضا فى الشرح والتحقيق، توفى سنة ١١٨٠ هـ/١٧٦٧ م، ومنهم الإمام عمر مم الولاتى، كان نحويا لغويا أديبا أخذ الناس عنه العربية وكان يقرئ طلابه الآجرومية وألفية ابن مالك ولاميته فى التصريف قراءة بحث وتحقيق، كل مرة يزيد البحث فيها عن المرة السالفة، توفى سنة ١٢٠١ هـ/١٧٨٧ م. ومنهم عبد الله بن الطالب أحمد الشنقيطى، كان عارفا بأصول الدين قارئا فائقا فى العربية وعلوم البلاغة لا يبارى-كما يقولون-ولا يجارى، له مؤلفات مختلفة فى القراءات السبع والفقه والحديث، وله شرح على الكافية لابن الحاجب ومقدمة فى النحو للمبتدئين، وشرح على الألفية، وله شرح كبير وصغير لقصيدة بانت سعاد وشرح للامية العرب، وشرح على نظم التلخيص للقزوينى وشروح أخرى كثيرة، توفى سنة ١٢٠٩ هـ/١٧٩٥ م. ومنهم محمد بن أحمد بن الطالب الأمين كان نحويا لغويا عروضيا متكلما، وكان يقرئ طلابه فى النحو الآجرومية وألفية ابن مالك ولامية الأفعال، وكان يقرئهم فى العروض متن الخزرجية، توفى سنة ١٢١٥ هـ/١٨٠١ م. ومنهم المختار بن بون العالم النحوى الكبير، وكان العلماء
стр. 5163
قبله لا يكادون يتجاوزون ما فى الألفية وشروحها فنظم لهم وألف كتبا مفيدة ذكر فيها لكل مسألة الشواهد من كلام العرب، فذلّل لهم بذلك النحو وقواعده، واستقدمته قبائل الزوايا لتعليم أبنائهم العربية، وله مقدمة فى النحو ألفها للمبتدئين، توفى حوالى سنة ١٢٢٠ هـ/١٨٠٦ م. وتعاقبت له مدرسة حتى نهاية هذا العصر قبل العصر الحديث وما فرض على موريتانيا من الحماية الفرنسية، إذ تتلمذ له بلاّ البوحسنى الشقراوى، وكان عالما مشهورا ونحويا كبيرا، وهو أحد من تخرجوا على يديه، ومن أهم تلاميذ بلاّ عبد الودود بن عبد ألّ، وهو-كما يقول الشنقيطى-نحوى شهير، انفرد به من غير نكير، أوضح للناس أسراره، وأعلى مناره، وبلغ فيه مبلغا لم يبلغه غيره، وتخرج على يديه الحسن بن زين، ويقول الشنقيطى له استدراك على لامية الأفعال لابن مالك، وتخرج على يديه سيبوبه البلاد، يحظية بن عبد الودود، توفى قريبا من سنة ١٣٢٠ هـ/١٩٠٣ م.
ومن العلوم التى اهتم بها العلماء فى موريتانيا علم الكلام أو التوحيد ويتردد فى نعت كثير من فقهائهم ونحاتهم أنهم كانوا متكلمين، وممن ألف فى علم الكلام مبكرا محمد بن أحمد الحسانى المعقلى، وله فيه شرح الصغرى للسنوسى، توفى سنة ١٠٤٨ هـ/١٦٣٩ م. وكان عمر الولاتى الملقب بالخطاط أشعرىّ العقيدة، وكان مداوما على علم الكلام قراءة ونقلا وتعليما، وكان يقول: لو علمت عقيدة من علم الكلام لا أعرفها وفى مصر من يعرفها لرحلت إليه حتى أتعلمها، وكان يقرئ فيه كتب السنوسى ودليل القائد والجزائرية وإضاءة الدجنة للمقرى، توفى سنة ١١٠٧ هـ/١٦٩٥ م. ومنهم الطالب الأمين بن الحبيب الخرشى كان غاية فى علم التوحيد، يقرئ عقيدة السنوسى المعروفة بأم البراهين وعقيدته الصغرى وإضاءة الدجنّة ومنظومة الجزائرى ودليل القائد قراءة تحقيق توفى سنة ١١٦٦ هـ/١٧٥٣ م. ومن المتكلمين محمد بن يدفور قاضى تشيت، وكان يقرئ طلابه عقائد السنوسى الخمس ودليل القائد وإضاءة الدجنّة وجوهرة التوحيد، كما كان يقرئهم قراءة نافع وألفية ابن مالك وقطر الندى لابن هشام، وتوفى سنة ١١٨٨ هـ/١٧٧٥ م. ومنهم الشيخ محمد بن عمر الخطاط الولاتى وطنا المالكى مذهبا الأشعرى اعتقادا الشاذلى طريقة، أخذ العقيدة الأشعرية عن أبيه عمر والفقه والفرائض عن عبد الله بن أبى بكر الولاتى والمنطق والعروض عن محمد بن موسى بن إيجل الولاتى والحساب والفلك عن التقداسى، وله مقدمة فى التوحيد سماها جوهرة الإرشاد، توفى سنة ١١٩١ هـ/١٧٧٨ م.
ومرّ ذكر المختار بن بون بين النحاة، وله كتاب وسيلة السعادة فى علم التوحيد اختصر فيه تصانيف السنوسى الخمسة فى العقيدة مع بعض زيادات، ويمكن أن يتخذ رمزا لكثير من علماء موريتانيا الموسوعيين، فهو ينظم تلخيص القزوينى فى علوم البلاغة، ومختصر
стр. 5164
السنوسى فى المنطق وجمع الجوامع فى الأصول للسبكى. وكثيرون كانوا يعنون بعلم المنطق إذ يعرف به الصحيح من غير الصحيح فى التعريفات والأدلة والأقيسة، وهو علم يونانى وضعه أرسطو، ومنذ القرن الثانى الهجرى تتدارسه البيئات العلمية العربية، فطبيعى أن يعنى به علماء موريتانيا. وبالمثل عنوا بعلوم البلاغة، ونضرب مثلا ثانيا لهؤلاء العلماء الموسوعيين هو عبد الله بن محمد الشنقيطى، فقد كان يقرئ تآليف السنوسى وإضاءة الدجنة فى علم الكلام، وتفسير القرآن، وصحيح البخارى، وجمع الجوامع فى الأصول للسبكى والسلم فى المنطق للأخضرى ومختصر السنوسى فى المنطق وتلخيص المفتاح فى علوم البلاغة للسكاكى، وله أجوبة فقهية ومشاركة فى النحو والعروض وحظ من علمى الحساب والهندسة. ونظم كتاب التلخيص فى البيان والمعانى للقزوينى فى نحو خمسمائة بيت وسماه نزهة المعانى فى ظهور البيان والمعانى، وله تأليف فى المنطق، توفى سنة ١١٤٣ هـ/١٧٣١ م.
وعنوا بالتاريخ ولأحمد البدوى اليعقوبى منظومة جيدة فى غزوات الرسول ﷺ ، ومنظومة أخرى فى أنساب العرب، ويكثر عندهم مثل هذه المنظومات.
ولعل فى كل ما أسلفت ما يصور بوضوح نشاط الحركة العلمية فى موريتانيا على الرغم من أنه لم تكن هناك حكومة ترعى العلم وطلابه وعلماءه، إذ تجردت له فى كل بلدة وكل قبيلة صفوة من العلماء الأبرار درسته لشباب موريتانيا على مر الحقب والأزمنة.
стр. 5165
الفصل الثالث
نشاط الشعر والشعراء
١ -
تعرّب موريتانيا
أخذت العربية تغزو موريتانيا مبكرة على ألسنة بنى وارث الصنهاجيين منذ أسلموا على يد عقبة بن نافع (٥٠ هـ/٦٧١ م-٥٥ هـ/٦٧٥ م) وأخذ الإسلام ينتشر بين الصنهاجيين فى صحراء موريتانيا لعهد موسى بن نصير (٨٦ هـ/٧٠٥ م-٩٦ هـ/٧١٥ م) وأخذ يتسع انتشاره بين القبائل الصنهاجية الصحراوية فى القرون الهجرية الثانى والثالث والرابع. وكان يعتمد حينئذ على الصلوات الخمس وما يتلى فيها من القرآن، وما يتلوه الشيوخ فى المساجد من القرآن الكريم والحديث النبوى.
وكانت القبائل الصنهاجية تعتنق الإسلام فى تلك القرون أو تأخذ فى اعتناقه، غير أنها لم تتداول العربية فى لغتها اليومية، إنما كانت تتداول لغتها البربرية، حتى إذا كانت حركة عبد الله بن ياسين المارة منذ سنة ٤٣٠ هـ/١٠٣٨ م أخذت القبائل الصنهاجية تعرف شريعة الإسلام معرفة صحيحة، وأخذت تتحول إلى قبائل مجاهدة أو مرابطة تنشر تعاليمه فى السودان الغربى المدارى، وتحمل الجماعات المنحرفة الضالة فى المغرب الأقصى من مثل البجلية والبرغواطية على اتباع نهجه القويم، حينئذ أصبحت القبائل الصنهاجية فى موريتانيا تمثل شعبا مسلما من شعوب العالم الإسلامى، شعبا تبنى فى جميع أركانه المساجد، ويقوم فيها أئمة وعاظ وشيوخ يقفون الناس على شئون دينهم ويحفّظونهم بعض سور القرآن الكريم، إن لم يكن القرآن جميعه، كما يحفظونهم بعض الأحاديث النبوية.
وفى رأيى أن قلة من الصنهاجين الموريتانيين حفّت بهؤلاء الشيوخ وعرفت العربية، ولكن الكثرة الصنهاجية ظلت تتداول اللغة البربرية، ويخفف من حدتها تلاوة القرآن فى المساجد ونزول بعض الشيوخ فى البلدان الموريتانية مثل نزول الشيخ إسماعيل-كما مر بنا-فى ولاته سنة ٦٠٠ هـ/١٢٠٣ م وقيام القضاة فيها على تنفيذ أحكام الشريعة مثل قاضى ولاته الذى أكرم ابن بطوطة حين نزل بلده سنة ٧٥٣ هـ/١٣٥٣ م ونوّه بأخ له مدرس، ويغزوسنّ على تمبكتو ويشعل بها النيران سنة ٨٧٣ هـ/١٤٦٨ م فيفر فقهاؤها إلى ولاته وفى مقدمتهم الشيخ
стр. 5166
عمر بن محمد أقيت مما أتاح لها أن تكون مركزا لحركة علمية فى القرن العاشر الهجرى كما أتاح لأهلها فرصة واسعة للتعرب.
وبعد أكثر من قرن يرسل المنصور الذهبى السعدى حاكم المغرب الأقصى جيشا ضخما للاستيلاء على بلدان السودان الغربى كما أسلفنا ويفتتحها ويجنّد عرب المعقل فى جنوبى المغرب الأقصى والجزائر لحراسة فتوحه، وتنزل حسان موريتانيا وتستقر فيها قبائلها فى أدراروتيرس والجنوب الغربى من موريتانيا، وتنزل قبيلة البرابيش الحسانية فى مدينة تيشيت وقبيلة الأوداية الحسانية فى الصحارى الواقعة بين وادان وولاته. وهكذا تنتشر قبائل حسان العربية فى جميع موريتانيا، ويتم بذلك تعربها كما تعرب المغرب فى منتصف القرن الخامس بالقبائل العربية من بنى سليم وهلال التى احتلّت دياره وأرجاءه، غير أن لسانهم الفصيح كانت قد عمت فيه عامية حسانية عربية خالفت من بعض الوجوه لسان أجدادهم فى بعض الأوضاع والتصاريف لاختلاطهم قرونا متوالية بالبربر. وقد نشرت هذه القبائل لغتها الحسانية العامية فى موريتانيا، وهى عامية عربية. ومن الطريف أنها تحتفظ بالمثنى بينما يسقط من عاميات أخرى كالعامية المصرية، ولم تأخذ موريتانيا عنها هذه العامية العربية وحدها بل حملت عنها أيضا ما كانت تنظمه فى مواطنها من الملاحم والأناشيد والقصائد التى تشتمل على أغراض الشعر العربى من المدح والغزل والفخر والحماسة والهجاء والرثاء. وعلى هذا النحو تعربت موريتانيا تعربا حسانيا، فالألفاظ هى الألفاظ العربية والأوزان هى الأوزان العربية. ومعنى ذلك أن القبائل الحسانية الموريتانية كانت لا تزال تحتفظ بميراثها من الألفاظ وأوزان الأشعار وأغراضها، مما يدل دلالة قاطعة على أنها كانت لا تزال تحتفظ بسليقتها العربية التى توارثتها منذ مئات السنين، وهى سليقة تشهد بأن هذه القبائل لا تزال قبائل شعر وقصيد كما كان آباؤهم الأولون. ومعروف أن الأمم إزاء الشعر تختلف، فهناك أمم شاعرة، ومنها الأمة العربية، فهى أمة شعر وشعراء، مهما اختلف عليها من الأعصار ومن الخطوب والأحداث، ومهما ظلت على فصحاها أو تطور بها الزمن، واستخدمت لغة عامية مشتقة من فصحاها ومتصلة بها اتصال الفرع بأصله، وحقا دخلت فيها بموريتانيا بعض ألفاظ بربرية وخاصة مما يتصل بتربية الخيل والإيل والبقر والزراعة والرى، غير أن ذلك لم يخرجها عن صورتها العربية.
وبذلك توارث سكان موريتانيا السليقة الشعرية العربية، وعمل الإسلام فى أن تستتم العامية الموريتانية على ألسنة كثيرين الفصحى إذ دارت على ألسنتهم فى حفظ القرآن الكريم وتعلمه وفيما أكبوا عليه من العلوم الإسلامية، وقد مضوا يتعلمون العربية ويتعمقون فى دراسة أشعارها الجاهلية على مر العصور. وكانت المرأة-كما مر بنا-هى التى تقوم على تعليم الناشئة حتى الثانية عشرة أو الثالثة عشرة سواء الذكور أو الإناث، تعلمهم الكتابة والذكر الحكيم،
стр. 5167
مما جعل التعلم فى موريتانيا منذ القرن الحادى عشر الهجرى-وربما قبله-عاما فى البلدان والقبائل جميعها بحيث يقول الشنقيطى: «لا يوجد من بين قبائل الزوايا ذكر أو أنثى إلا يقرأ أو يكتب، وإن وجد فى قبيلة غير ذلك فإنه نادر بحيث لا يوجد فى المائة أكثر من واحد على تقدير وجوده». وكأن الأمية تلاشت نهائيا فى قبائل الزوايا، وهى إن لم تنحسر فى القبائل الموريتانية الأخرى نهائيا فإنها-هى والبلدان الموريتانية-كانت تسارع إلى التعلم، يدل على ذلك فى مدينة ولاته مثلا أنها كانت مركزا كبيرا من مراكز الثقافة العربية وأن علماءها كانوا كثيرين كثرة مفرطة، وأخذت شنقيط وغيرها من مدن موريتانيا تزاحمها فى هذا المركز أو فى هذه المكانة.
ولعل فيما ذكرنا ما يدل بوضوح على أن التعرب فى موريتانيا كان آخذا فى النمو السريع منذ القرن الحادى عشر الهجرى، بفضل من نزل فيها من قبائل حسان وما بثّوا فيها من الاستعداد للتعرب، وبفضل إكباب أهلها على التعلم، بحيث أصبح فيها كثرة من العلماء فى كل علم وكثرة مماثلة من شعراء الفصحى، بل حتى يخيّل إليك كأن الموريتانيين جميعا كانوا شعراء.
٢ -
شعراء المديح
أكثر من يوجّه إليهم المديح فى موريتانيا السادة والشيوخ، إذ يشكر الشاعر من يقدم إليه معروفا أو صنيعا مثنيا عليه ومادحا، ويمدح التلاميذ شيوخهم مصورين ما يتحلون به من علم وخلق رفيعين، كما يمدح الشيوخ زملاءهم منوهين بتعمقهم فى العلوم وخاصة العلوم الإسلامية، وبأخلاقيتهم المثالية الرفيعة، وكثيرا ما ينوه الشاعر بشعر زميله وتفوقه فيه، وقد يمدحون قبيلة ذاكرين فضائلها، وقد يمدحون أحد سلاطين الدولة العلوية فى المغرب الأقصى. ونعرض أطرافا من مدائحهم، فمن ذلك مدح المأمون اليعقوبى المتوفى سنة ١٢٣٨ هـ/١٨٢٣ م للمجيدرى بن حبيب الله وكان من أعلام العلماء فى موريتانيا كما كان شاعرا، واتصل بالسلطان المغربى محمد بن عبد الله (١١٧١ هـ/١٧٥٧ م-١٢٠٤ هـ/١٧٨٩ م) ونال حظوة عنده، وحين رحل إلى الحج أكرمه حاكم مصر، وفى السلطان محمد يقول مشيرا إلى منزلته منه: وكان يباحثه فى كثير من الأفكار العلمية ويحمد له آراءه، كما أشار إلى حملة طائفة من معاصريه الموريتانيين عليه لإنكاره علم المنطق الأرسطاطاليسى والنهى عن دراسته (١):
стр. 5168
بلاه أمير المؤمنين محمد ... وعاشره بالبحث حينا من الدهر
وقد كان للإسلام بالنّصح راعيا ... وناهيك من ذى فطنة عالم حبر
ولكن ببادى الرأى أو بإشاعة ... تراماه عن قوس طوائف ذا العصر
وما كان فى كلّ العقائد لو دروا ... يخالف أسلاف الأئمة فى فتر (١)
قفوا فانظروا فى نكره أعقائد ... من الدين أم من منطق سيق للسّبر (٢)
أبان السّيوطى نهجهم فيه جملة ... وللقرطبى من قبله الأخذ بالحذر
واليعقوبى ينوه بتكريم السلطان محمد بن عبد الله العلوى له ومعرفته بعلمه وفضله، ويقول إنه عالم ذكى متعمق فى العلم ناصح للمسلمين، ومن العجب أن ترميه جماعة-عن قوس واحدة-بأنه منحرف، مع أنه متمسك كل التمسك بعقائد الدين لا يخالف أئمته السالفين فى قليل بل فى أقل القليل، وكل ما فى الأمر أنه ينهى عن دراسة المنطق اليونانى، وهى وجهة نظر يتفق معه فيها السيوطى المصرى والقرطبى الأندلسى. ويقول الشويعر أحد شعراء النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجرى فى مديح حرم بن عبد الجليل العلوى واسمه محمد (٣):
أمحمّد أم ليث غاب مقبل ... وجبينه أم عارض متهلّل (٤)
قاضى قضاة قد نمته مشايخ ... يسمو به حسب ومجد عدمل (٥)
سهل الجناب يلين ما لاينته ... وإذا يسام الخسف ليث مشبل (٦)
يا من سما فوق الكواكب مجده ... النّجم وإن والسّماك الأعزل
إن الكمال إذا يفوز به امرؤ ... فى هذه الدّنيا فأنت الأكمل
ويشيد بحرم قاضى القضاة، ويجعله ليث غاب شجاعة وضراوة، كما يجعل جبينه سحابا متهللا كناية عن كرمه المدرار، ويشيد بآبائه وحسبه ومجده القديم، ويقول إنه سهل الجناب سخىّ، وليّن مع من يلاينه، أما إذا سامه شخص خسفا أو ظلما فإنه يصبح ليثا هصورا. ويذكر له أن مجده علا فوق الكواكب، وأن النجم والسماك الجنوبى لا يلحقان شأوه، وأنه إذا كان هناك شخص يفوز بنعت الكمال فأنت الأكمل الذى لا يبارى ولا يجارى. ويقول محمد مولود المباركى من شعراء القرن الثالث عشر الهجرى فى مديح محمد بن كمال (٧):
стр. 5169
يلقى العفاة بواضح متبلّج ... متبسّم يستبشر استهلالا (١)
والله إذ قسم المكارم فى الورى ... أوفى له من حظّه المكيالا
لو واجه البدر المنير بوجهه ... لغدا به البدر المنير هلالا
أو قابل الشمس المضيئة بالضّحى ... صحوا لألبس وجهها أجلالا (٢)
ولو انّه وازنته بلداته ... وزنوا البعوض ووزان الأجبالا (٣)
فتبارك الله الذى أعطاه ما ... يستوجب الإكرام والإفضالا
ومحمد مولود يمجّد فى محمد بن كمال كرمه الفياض الذى يجعله يلقى السائلين بوجه مشرق سمح مبتسم مستبشر. ويقول إن الله إذ قسم المكارم فى الناس وفىّ له حظّه منها. ويعمد إلى المبالغة فى مديحه، فلو أنه واجه البدر المنير بوجهه لتصاغر أمامه وغدا هلالا، ولو أنه قابل الشمس المضيئة ضحى والسماء مصحية لباءت منه بكسوف ما مثله كسوف، ولو أنك قارنته بأترابه لغدوا كأنهم بعوض أمام جبل أو جبال ضخمة، فتبارك الله الذى تفضل عليه بكل هذه العطايا والمنح الجزيلة. ويقول على بن ألاّ من شعراء القرن الثالث عشر الهجرى فى مديح بنى شعبان (٤):
اليوم أصبح قد تفرّد بالعلا ... والمجد سادتنا بنو شعبان
النازلون من الثغور مخوفها ... والقائلون هلمّ للضيفان
وإذا الأمور تعاظمت وتشابهت ... فصلوا الخطاب بحكمة وبيان
كم فيهم من ناشئ ذى بهجة ... يبدى دقيق الفهم بين معانى
حفظ المسائل والعقائد فرعها ... والأصل بعد فصاحة الألحان
وحوى حديث المصطفى بنصوصه ... وشروحه ومعانى القرآن
قوم إذا ما أسنتوا جادوا كما ... جادت سواكب صيّب التّهتان (٥)
وهو يقول إن بنى شعبان تفردوا بالعلا والمجد والنزال الضارى فى الثغور المخوفة، وهم ذوو الوجوه المستبشرة فى لقاء الضيفان، وإذا الأمور ادلهمت وأشكلت نطقوا بفصل الخطاب فى حصافة وحكمة وبيان رائع، وما أروع ناشئتهم، فكم من ناشئ دقيق الفهم منهم، حفظ مسائل الفقه والعقيدة فروعها وأصولها وحفظ حديث المصطفى ﷺ بنصوصه وشروحه كما حفظ معانى القرآن الكريم، فما أعظمهم من قوم كرام وأى كرم إنهم إذا ما أجدبوا سنة استحالوا فى الجود غيثا مدرارا، كما تجود مواكب السحب المتراكمة
стр. 5170
المتدفقة. ويمدح الشاعر محمد بن محمد العلوى السلطان العلوى عبد الرحمن ابن هشام (١٨٢٤ - ١٨٥٩ م) قائلا (١):
خليفة مصباح الهدى وحفيده ... ومحيى لعافى ربعه المتقادم (٢)
غيور على بيضاء سنّته التى ... أبيحت لها-لولاه-كلّ محارم
أنام عيون الناس تحت عدالة ... وقت رجل سارى الليل لدغ الأراقم (٣)
فأصبح ثغر الأرض سوقا وأصبحت ... مآسدها مرعى المخاض السواهم
حماها-حماه الله-أن تستبيحها ... من اعدائها دهم الدواهى الدواهم
وهو يقول إن سلطان المغرب الأقصى عبد الرحمن خليفة مصباح الهدى جده العظيم أعاد الحياة لدارس ربع الهدى القديم، وإنه غيور على السنة التى لولاه لأبيحت لها كل المحارم. وقد شملت عدالته كل الرعية وعمّها أمن واسع وقى الناس لدغ الأفاعى الشرّيرة، حتى لأصبح ثغر الأرض الحربى سوقا آمنة، وأصبحت المآسد المخيفة بأسدها مرعى آمنا للنوق الحوامل، وحمى الأرض جميعها-حماه الله-من سود الدواهى الغاشمة. ونلتقى بأخرة فى العصر بمحمد بن حنبل البوحسنى المتوفى سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م وقد أكثر من مديح الشيخ سيديّا، ومن قوله فيه بإحدى مدائحه (٤):
شيخ سناه وصيته ونداه م ... لء الأيد والأبصار والآذان
شيخ تجرّد للجميل فدأبه ... نفع الأنام وطاعة الرّحمن
ولنعم مرتاد الأرامل أنتم ... والشّعث والأيتام والضّيفان
ولأنت أكرم ما حوت أقطارها ... بل ما عليه تعاقب الملوان
آلى الزمان أليّة مبرورة ... أن لا يكون من الورى لك ثانى
وابن حنبل يقول عن الشيخ سيديّا إن نداه أو جوده ملء الأيدى وسناه أو ضوءه ملء الأبصار وصيته ملء الآذان، وإنه تجرد لصنع الجميل فعادته نفع الناس بكرمه الفيّاض وعبادة الرحمن ونسكه، والأرامل ترتاد منزله وتتلمسه، وكذلك أبناء السبيل الشعث المغبرون والأيتام والضيوف الكثيرون. ويقول له إنك أكرم من احتوته أقطار الأرض وتعاقب عليه الليل والنهار. وأقسم الزمان قسما مبرورا صادقا أن ليس لك فى الناس ثان يبلغ مبلغك. ونتوقف قليلا للحديث عن ثلاثة من شعراء المديح.
стр. 5171
ابن (١) رازكه
هو عبد الله بن محمد بن القاضى العلوى عبد الله المعروف باسم ابن رازكة ، وهى أمه، كان جده قاضى البراكنة الحسانيين، ولد لأبيه فى أرض القبلة جنوبى موريتانيا، وبها منشؤه، وطمحت نفسه إلى التزود من العلوم ورحل فى تلقّيها إلى شيوخها الأوائل حتى أتقن العربية والبيان والمنطق والهندسة كما أتقن الفقه والعلوم الإسلامية مما أتاح له أن يصبح قاضيا بموريتانيا، وكان كثير الأسفار من القبلة موطنه إلى مكناسة فى المغرب الأقصى عاصمة السلطان العلوى النابه إسماعيل (١٠٨٢ هـ/١٦٧٢ م-١١٣٩ هـ/١٧٢٧ م) وتوثقت عرى الصداقة بينه وبين ابنه محمد وكان عالما وشاعرا وولاه أبوه السوس، وأعجب بابن رازكه ووسع له فى مجالسه كلما وفد عليه، وأغدق عليه كثيرا من عطاياه، إذ أهداه مكتبة نفيسة من كتب العلوم الإسلامية ومن دواوين الشعر العربى، ولا ريب فى أنه كان لها أعمق الأثر فى ثقافة قبيلة ابن رازكه وثقافة موريتانيا عامة، وأنشد الشنقيطى قصيدتين لابن رازكه فى مديح الأمير محمد بن إسماعيل وفى أولاها يقول:
فتى يستقلّ البحر جود بنانه ... على حالة استكثار حاتم الرّشحا
وآيات علم أخمد الجهل نورها ... وغايات جدّ ليس تطلابها مزحا
ورأى يريه اليوم ما فى حشا غد ... ويكشف عنه من دجى ليله جنحا (٢)
وحزم يهزّ الراسيات ثباته ... وعزم يحاكى الزّند ماضيّه قدحا (٣)
ولم تذعن الأعداء محض مودّة ... إليه ولكن إنما كرهوا القرحا (٤)
مواصلة حبل الجهاد جياده ... ووقف على غزو العدا عدوها ضبحا (٥)
فلا زلت للإسلام عيدا منغّصا ... تنغّص حسناه السّعانين والفصحا
وهو يصف الأمير محمد بن إسماعيل بالكرم الفياض حتى ليرى البحر جود بنانه قليلا بالنسبة إلى أعطياته على حين كان حاتم المشهور بجوده يستكثر الرشح، مع دلائل علم راسخ أطفأ نوره الجهل فى المغرب الأقصى إلى غير رجعة، ومع غايات جد جادة إلى أقصى حد، ومع رأى يبصّره بما يأتى به الغد، ويكشف له ما قد يكون حوله من ظلمات، ومع حزم ثابت ثبوت الراسيات وعزم يحاكى سيفه الماضى الزند بشراره المميت، مما جعل الأعداء تذعن له وتذل خشية ما ينزل بها من القرح والجراح، وإن جياده لتواصل الجهاد والعدو فى غزو الأعداء عدوا شديدا. ويدعو أن يظل محمد بن إسماعيل عيدا بهيجا للإسلام ومنغصا لأعياد
стр. 5172
النصارى مثل عيد الشعانين الذى يسبق عيد الفصح بأسبوع. ويمدحه ابن رازكه فى القصيدة الثانية بمثل قوله:
هو الوارث الفضل النّبىّ خالصا ... من العلم والعليا ومن طيب محتد (١)
ثمال اليتامى والأيامى موكّل ... بتفريج غمّاء الشّجى المتنكّد (٢)
أغرّ المحيّا طاهر البشر طاهر ال ... سّجا يا كريم اليوم والأمس والغد
حميد المساعى سار فى الرّتب العلا ... من المجد سير السابق المتفرّد
حوى شرف العلم الرفيع عماده ... إلى شرف البيت الكريم المصمّد (٣)
ويقول لمحمد بن إسماعيل فى وصف تلك القصيدة:
عروب عروس الزىّ أندلسيّة ... من الأدب الغضّ الذى روضه ندى
وهو يمدحه بأنه علوى ورث الفضل النبوى من العلم والعلياء وشرف الأصل والنسب، ويقول إنه غوث اليتامى والأيامى من النساء غير المتزوجات، مفرج غمّ الحزين المملوء نكدا وهمّا، أغر المحيا أى سمح الوجه مستبشر دائما طاهر الأخلاق والطباع كريم كرما متصلا فى أمسه ويومه وغده، كل مساعيه تجلب له الحمد والثناء، وإنه ليسير فى منازل المجد سير السابق المتفرد، وقد تحلّى بشرف العلم الرفيع مع شرف بيت النبوة الكريم وإنه ليقصده الناس لتحقيق حوائجهم وأمانيهم. ويذكر ابن رازكه فى أواخر قصيدته أنها عروس عربية جميلة من الشعر الناضر، ويقول إنها أندلسية كشعر الأندلسيين المشهور بالروعة. ونشعر عند شعراء موريتانيا بهذه الصلة الوثيقة التى تربطهم بالأندلسيين لقربهم من الأندلس فردوس العرب المفقود الذى أبلى فيه أجدادهم من الصنهاجيين بلاء عظيما أيام المرابطين. ونكتفى بما أسلفنا من مديح بديع لابن رازكه، فقد اتضح لنا صوته وجمال شعره وما يتصف به من جزالة ونصاعة، وسنعود إليه فى حديثنا عن الرثاء. توفى سنة ١١٤٤ هـ/١٧٣٢ م.
محمد (٤) اليدالى الديمانى
من قبيلة ديمان إمام فى علوم الشريعة إذ له فيها تفسير قيم للقرآن الكريم سماه-كما أسلفنا- «الذهب الإبريز على كتاب الله العزيز» وهو فى مجلدين وله مصنفات أخرى فى سيرة الرسول ﷺ وآداب السلوك وتاريخ الزوايا المشغوف أهلها بالعلم وتعمير الأرض، وله كتاب فى مناقب وليهم: ناصر الدين صاحب الفتوحات فى السنغال. وهو إلى ذلك كان شاعرا فذا من شعراء موريتانيا، وكان صديقا للقاضى ابن رازكه، وفيه يقول:
стр. 5173
قاضى القضاة سراج ... لسدفة الجهل جالى (١)
وسيف حقّ على أه ... ل الزيغ والاعتزال
به العلوم تحلّت ... أبهى حلّى وحلال (٢)
قد فاز منها بما لم ... يخطر لإنس يبال
مقامه فى الأعاري ... ب والعقائد عالى
وفى البلاغة نظما ... وكلّ سحر حلال
وفى العلوم جميعا ... وفى علوم الأوالى
واليدالى يمدح ابن رازكه بأنه سراج منير جلا ظلمة الجهل وبدّدها وأنه سيف حق فى قضائه وأحكامه على أهل الزيغ والضلال وفى آرائه السنية ضد الاعتزال والمعتزلة، وقد ازدانت به العلوم ولبست أحلى حليّها وأبهى حللها وثيابها إذ ظفر منها بما لم يخطر بذهن إنسان، ومقامه فى أعراب موريتانيا وفى العقائد عال رفيع، وبالمثل فى الشعر الساحر الخلاب وفى العلوم جميعا وعلوم الأوائل من هندسة وغير هندسة. وأجابه ابن رازكه بقصيدة بارعة نوه فيها بحلّه للغوامض المشكلة فى الفقه وغير الفقه وأنه سيف أشعرى ماض فى ردوده على المعتزلة، وكانت جماهير العلماء فى موريتانيا والمغرب جميعه تعتنق العقيدة الأشعرية. وكان اليدالى ينشد:
ليس من أخطأ الصواب بمخط ... إن يؤب لا ولا عليه ملامه
إنما المخطئ المسيء الذى إن ... وضح الحقّ لجّ يحمى كلامه
وهو يقول إن المخطئ هو من يتمادى فى خطئه، أما من يرجع عنه فلا لوم عليه ولا تثريب، إذ الرجوع إلى الحق فضيلة. ولليدالى فى مديح أحمد بن هيبة البركني الحسانى قوله من قصيدة طويلة:
ورثت العلا والعزّ والمجد أحمد ... وبذل النّدى عن هيب مفخرة العصر (٣)
وإنك أسماهم علوّا ورفعة ... بمنطقة الجوزا ومنطقة البدر
وأيامكم خضر جنينا ثمارها ... بأيدى المنى ما بين أوراقها الخضر
وقاك إله العرش يا أحمد الرّدى ... وجنّبت أنواع المكاره والضّرّ
وأولاك ربّ الناس فى نفسك المنى ... وآلك والأولاد والمال والعمر
وهو يقول لأحمد بن هيبة إن العلا والعز والمجد والجود ورثتها جميعا عن أبيك مفخرة العصر، وإنك أسمى العشيرة البركنيّة رفعة وعلوّا فى منطقة برج الجوزاء الصاعد فى السماء ومنطقة البدر المنير، وأيامكم خضر سعيدة جنينا ثمارها بأيدى المنى من بين أعوادها وأوراقها
стр. 5174
الخضر، ويدعو له أن يقيه إله الكون الهلاك وينحّى عنه أنواع المكاره والضر، ويعطيه ما يتمناه فى نفسه وآله وأولاده وماله وعمره. توفى سنة ١١٦٦ هـ/١٧٥٣ م وسنعود إليه فى حديثنا عن الفخر والرثاء.
حرم (١) بن عبد الجليل العلوى
ويقال له أيضا حرمة الله وحرمة الرحمن، ولد لأبيه فى أرض القبلة، وبها نشأته، وشغف بالعلوم اللغوية والإسلامية وطلبها عند شيوخ مدينتى شنقيط وآطار. وهو من تلاميذ المختار ابن بون فى العربية، وكان يتقن مختلف العلوم، وبه انتفع خلق كثير فى النحو والفقه، وكان شاعرا يؤثر فى شعره الانسياب مع الطبع والسهولة فى اللفظ، على نحو ما نرى فى قوله يمدح بلاّ الشقراوى الحسنى مشيدا بعلمه وشعره:
إن بلاّ مشايخ حين تعرو ... شاردات تفوت أزكى العقول
من فنون شتّى تعنّى المعانى ... من عويص المنقول والمعقول
يسعف السائلين عنه بما في ... هـ الذى غلّة شفاء الغليل
إن يسر لانتساب مجد رعيل ... كان بلاّ دليل ذاك الرّعيل (٢)
شعره مطرب حميّاه تسرى ... فى عظام الجليس مثل الشّمول (٣)
ينفث الدرّ واليواقيت إلا ... أن للدّرّ قسوة فى التّليل (٤)
وحرم يقول إن بلاّ ليس شيخا واحدا بل هو عصبة من المشايخ وفضله يبدو حين تلم شاردات من العلوم لا تستطيع أزكى العقول أن تفقه عويص المنقول والمعقول فيها، فسرعان ما يشفى ظمأ السائلين بحلّه لعويصها وتذليله، وما من سابقين يسيرون فى ليل مدلهم إلى مجد إلا كان دليل هؤلاء السابقين، وناهيك بشعره فهو شعر مطرب تسرى شدة تلاحينه فى عظام السامع سريان الخمر فى الجسد، وإنه ليلفظ الدرر واليواقيت الممتعة لقارئه دون أى عناء. ويقول فى مدح شعر الشويعر الحسنى:
معناه راق راق حسنا لفظه ... لله فكر جال فيه ومقول (٥)
يسدى ويلحم فى البلاغة حائكا ... حللا يتيه بها القريض ويرفل (٦)
стр. 5175
أغناه عن تعب التعلّم طبعه ... إن العويص له يهون ويسهل
إن البلاغة فى البليغ غريزة ... لا بالعلاج ينالها المتطفّل
هل مثل أخلاق الكريم تخلّق ... لا، لا، ولا كحل الجفون تكحّل (١)
وهو يقول إن معانى شعر الشويعر راقية وألفاظه رائقة، ويشيد بفكره ولسانه، ويقول إنه ينسج ويحوك فى شعره البليغ حللا يتيه بها الشعر عجبا ويجرّها متبخترا، وهو شاعر الطبع لا يتكلف فى شعره، وعويصه يسهل عليه دون أى عناء. ويذكر أن بلاغة البليغ سليقة فيه وفطرة لا يوجدها التعلم ولا التكلف، وفرق بعيد بين شعر الطبع وشعر التكلف والتصنع كالفرق بين الأخلاق الطبيعية والتخلق وكحل الجفون الطبيعى والتكحل، وكأنه يعبر عن منهجه فى الشعر. توفى سنة ١٢٤٣ هـ/١٨٢٨ م وسنعود إليه فى شعر الفخر والحماسة.
٣ -
شعراء الفخر والهجاء
(أ) شعراء الفخر
الفخر فن شعرى قديم تغنى به الشاعر الجاهلى مصورا فيه مثاليته الخلقية من الشجاعة والكرم والنجدة والمروءة وما إلى ذلك من الصفات النبيلة، كما تغنى بمكارم قبيلته ومحامدها وبأسها فى الحرب. وظل الشاعر العربى-بعد العصر الجاهلى-يفخر بأخلاقه وشيمه الرفيعة من الوفاء والحلم والصبر فى الشدائد والكرم، ونما الشعر الحماسى فى الحروب الكثيرة التى اشتعلت بين العرب وأعدائهم على مر العصور. ونجده فى موريتانيا على ألسنة كثيرين، فمن ذلك قول محمد اليدالى مفاخرا بقومه بنى ديمان الحسانيين (٢):
ونحن ديمان أقطاب الرّحى وبنو ... ديمان خير بنى حسّان أديانا (٣)
نحن اكتسينا المعالى والعلا حللا ... حمرا ودرّا وياقوتا ومرجانا
ونحن كنا على وجه العلا غررا ... وفوق هام النّدى والعزّ تيجانا (٤)
وكان منزلنا فوق السّماك كما ... كنّا على وجنات الدهر خيلانا (٥)
حزنا المكارم والمجد المؤثّل وال ... علياء من سالف الدّهر إلى الآنا (٦)
стр. 5176
قلائد المجد فى أعناقنا نظمت ... عقدا وكنا لعين الدهر إنسانا (١)
لا يبلغنّ مدانا من يفاخرنا ... فضلا وعلما وإيمانا وإحسانا
يقول إننا قبيلة ديمان أقطاب السيادة وخير قبائل بنى حسان تقوى وصلاحا، وقد اكتسينا حلل المعالى والعلا وحليهما من در وياقوت ومرجان، وارتسمنا على وجه العلا غررا بيضاء مشرقة وفوق رءوس الجود تيجانا، وكان منزلنا فوق نجم السماك فى أعلى عليين، وارتسمنا على وجنات الدهر خيلانا وحسنات، وحزنا المكارم والمجد الأصيل والعلياء إلى اليوم. وقد نظمت فى أعناقنا قلائد المجد، وكنا-وما زلنا-إنسان عين الدهر وجوهرته الباصرة، ولا أحد ممن يفاخروننا يبلغ مدانا تقوى وعلما وفضلا وإحسانا. وكرر هذا الفخر فى قصيدة همزية. ونلتقى بعده بالمختار بن بون وسنخصه بترجمة، ويقول حرم بن عبد الجليل الذى سبقت ترجمته مفاخرا بقومه أهل شنقيط وقد انتصروا فى حرب على أهل وادان (٢)
سما للمعالى من تقدّم منهم ... ويسمو على آثاره من تأخّرا
مآثرهم حلى الزمان لو انّه ... على صورة الإنسان كان مصوّرا
وكم من فتى منهم يروقك علمه ... ويهزم من أنجاد وادان عسكرا
ويجعل فى إحدى يديه مهنّدا ... طريرا وفى الأخرى كتابا مطرّرا (٣)
يحبّ الرّدى يوم الوغى وكأنّه ... إذا مات فيه لا يزال معمّرا
وهو يقول إن جميع الرجال فى قومه شبانا وشيبا يسمون للمعالى وقد كثرت مآثرهم، وإن الزمان ليتحلّى بها، ولو كان إنسانا لاتضحت مصورة على صدره، وإن فتيانهم لعلماء يروقك فى السلم علم كل فتى منهم، بينما هو فى الحرب بطل يهزم عسكرا من أبناء وادان. وتراه يحمل فى إحدى يديه سيفا ماضيا وفى اليد الأخرى كتابا بهيّا. وإنه ليضحى بنفسه فى سبيل قبيلته، حتى لكأنه يريد الموت فى الوغى من أجلها، ومثله لا يموت بل يظل خالدا فى ذاكرة قومه. ويقول الأحول البوحسنى المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ/١٨٣٥ م فى الحروب التى وقعت بين قبيلته وبين العلويين إثر انتصار لهم فى بعض المواقع (٤):
هم جلبوا الحرب العوان فلم نزل ... نبيد ونقصى منهم كلّ جانب (٥)
لدى مشهد دارت رحاه فجرّعت ... صناديدهم حتفا مرير المشارب (٦)
وولّوا سراعا مدبرين كأنهم ... بغاث تهاوى من صقور دوارب (٧)
وقهرا طردناهم وخضنا حماهم ... وهجنا هموم المعولات النوادب
стр. 5177
ألا إننا نحمى الحمى ونحوطه ... ونزداد صبرا تحت كلّ النوائب
ومن شاء فلينظر عواقب معشر ... جنى حربنا يزجره شؤم العواقب
ويقول إن العلويين هم الذين جلبوا هذه الحرب التى لا تزال تتجدد حربا بعد حرب، ولا نزال نقتل فيهم ونقصى بعض كتائبهم فى مواقع حامية الوطيس جرّعت شجعانهم موتا مريرا، فولّوا مدبرين كأنهم بغاث طار مسرعا بعضه إثر بعض خوفا من صقور مدربة، وقد هزمناهم قهرا وتغلغلنا فى حماهم وهجنا نساءهم وأعولن يندبنهم. وإننا لنحمى حمانا ونقيه، وتزيدنا الحروب صبرا وشجاعة، ومن شاء فلينظر عواقب من نحاربهم ومدى ما جنته الحرب عليهم، وإذن يزدجر لما يرى بعينه من شؤم العواقب. ويقول محمد بن الطلبة اليعقوبى المتوفى سنة ١٢٧٢ هـ/١٨٥٦ م مفاخرا ببنى عامر (١):
وبنو عامر هم القوم كلّ ال ... قوم والرّأس والذّرى والرّوابى
وبهاليل كالمصابيح زهر ... من كهول جحاجح وشباب (٢)
دينهم حفظ دينهم وعلاهم ... وعلوم الكتاب والآداب
لا هم يفرحون للخير إن م ... سّ ولا يجزعون عند المصاب
صحب الله جمعهم وحباهم ... بالرّضا عنهم وحسن المآب
وسقى الله حيث أمّوا وساروا ... من حيا المزن مدجنات الذّهاب (٣)
وبنو عامر-فى رأى محمد بن الطلبة-هم القوم ولا قوم سواهم وهم الرأس والقمم والكثبان العالية، وهم سادة مشرقون كالمصابيح من كهول كرام وشباب، دينهم حفظ عقيدتهم وعلاهم وعلوم القرآن الكريم والآداب، لا يفرحون حين يصيبهم الخير ولا يجزعون حين تنزل بهم مصيبة، ويدعو لله لهم أن يرضى عنهم فى اجتماعهم وتفرقهم وعند مآبهم وعودتهم ويسقى منازلهم ومسيرتهم من غيث السحب المتراكمة العظيمة. ويقول باب بن بيب المتوفى سنة ١٢٧٦ هـ/١٨٦٠ م مفتخرا (٤).
ألوى بصبرك لاعج الأشواق ... إن الأحبّة آذنوا بفراق (٥)
يا من يسابقنى ويطلب عثرتى ... إنّي-لعمرك-سابق السّبّاق (٦)
وإذا المسائل أحجمت وتمنّعت ... وأبت مشاكلها على الحذّاق (٧)
стр. 5178
أعملت سيف الفكر نحو عويصها ... فحنت علىّ خواضع الأعناق (١)
فتبوح لى بسرائر مكتومة ... حتى عن الأسطار والأوراق
وهو يقول إن واقد الأشواق فى صدره ذهب بصبره، فإن الأحبة على وشك الفراق. ويأخذ فى الفخر بنفسه، فيقول لمن يسابقه وينافسه ويطلب عثرته وخطأه إنه سابق السباق، وإن المسائل إذا استصعبت وتمنّعت مشاكلها على الحذاق فلم يستطيعوا لها حلا أعمل سيف فكره فى عويصها فجاءته خاضعة تبوح له بأسرارها المكتومة عن ظاهر المكتوب فى السطور والأوراق. ونتوقف للحديث عن شاعرين من شعراء الفخر.
المختار (٢) بن بون
ولد ونشأ فى منطقة تجكانت الموريتانية، وتتلمذ للمختار بن حبيب وأخذ كل ما عنده، وكان يتعثر فى أول أمره، ثم فتح الله عليه واشتهر بعلمه وخاصة فى العربية وجاءه الطلاب من كل فج، وسمعت به قبيلة إديقب اليعقوبية، وهى من أهم قبائل الزوايا فى مدارسة العلوم، فطلبت إليه أن ينزل بها ليأخذ عنه طلابها علم النحو وعلم الكلام أو التوحيد، وكان لا يجارى فيهما، وأقام عندهم مدة، ثم حدثت بينه وبينهم مناظرات فى بعض العلوم كان يقودها تلميذه محمد المجيدرى ومولود بن أحمد وعادوا إلى استسماحه، مستشهدين بقوله تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ فأجابهم بما أجاب به يوسف إخوته، إذ قال ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾. وعاد إلى موطنه وانثال عليه الطلاب، وكان رفيقا بهم يجود لهم بما يملك، وكثروا فرحل بهم إلى بئر فى أرض تجكانت، فشرعوا يبنون الأخصاص لسكناهم، وكان لا يشتغل نهارا ولا ليلا إلا بتعليمهم. وله فى النحو منظومة تسمى الاحمرار جمع فيها بين ما ذكره ابن مالك فى الألفية وكتابه التسهيل وطبعت فى مصر، وله فى النحو أيضا مقدمة ألّفها-كما مرّ بنا- للمبتدئين، وتكونت له فى النحو مدرسة أهم تلاميذه فيها بلاّ الشقراوى جعلناها خاتمة حديثنا عن علماء العربية بموريتانيا. وله من قصيدة يعتب فيها على قبيلة إديقب اليعقوبية وتلميذه محمد المجيدرى ويفاخر بما أسدى إليه وإلى أبنائها من علم العربية قائلا:
فلا تنكرونى آل يعقوب واذكروا ... ليالى أجلو ما على الناس أظلما
وحين أحلّى منكم كلّ عاطل ... بدرّى وأسقى باردى كلّ أهيما (٣)
стр. 5179
وهو يقول لهم لا تنكرونى بعد ما قدمت لكم من جميل واذكروا حلّى لطلابكم المشكلات التى استصعبت وانبهمت، واذكروا ما زينت به من درر العلم أبناءكم وكيف أسقيتهم منه ما أطفئوا به ظمئهم إلى المعارف، ويقول مفاخرا بقبيلته وقومه:
ونحن ركب من الأشراف منتظم ... أجلّ ذا الخلق قدرا دون أدنانا
نتلو كتاب إله العرش كلّ مسا ... وكلّ يوم ومن نلقى توقّانا
ومن تكن همّة الأقدار نصرته ... لم تقدر الناس أن توهى له شانا
وهمّة دونها هام السماء ومن ... همّته دونها هام السّما دانا (١)
وهيبة ملئت منها القلوب فلو ... نظرت شزرا إلى أقصى الورى حانا (٢)
ولا ينهنهنى عن حاجة جزع ... ولا ألين وإن ذو لوثة لانا (٣)
وهو يفخر بقومه أو قبيلته فخرا مبالغا فيه إذ يجعل أعظم الناس قدرا دون أدنى شخص فيهم منزلة ومكانة، ويقول إنهم مكبون على كتاب الله يتلونه مساء وكل يوم، وينوه بشجاعتهم وأن القبائل تحذرهم وتتوقاهم، ويذكر أن الأقدار دائما تنصرهم على أعدائهم، ومن تنصره لا يستطيع أحد ولا قبيل أن يضعفا له شأنا وهم مهابون هيبة ملئت منها القلوب مخافة، حتى إنه لو نظر إلى عدو مغضبا هلك خوفا وفزعا، ولا يعتريه إزاء حاجة يريدها جزع، وإنه صلب لا يلين، إنما يلين الضعيف الواهن. توفى سنة ١٢٢٠ هـ/١٨٠٦ م وقبل بل قبل ذلك بسنوات.
محمد (٤) بن سيدىّ الايبيرىّ
كان أبوه سيدىّ جوادا جودا عظيما إذ كان غيثا مدرارا، وكان عالما تتلمذ لحرم بن عبد الجليل وبذّ أقرانه، وشغف بالتصوف فشد رحاله إلى الشيخ المختار الكنتى الصوفى ولازمه ستة أشهر، توفى عقبها، فلازم ابنه محمدا حتى برع فى التصوف ومعرفة طريقه. ويقول الشنقيطى عن محمد بن سيدىّ إنه نشأ فى نعمة عظيمة ورعاية من والده جسيمة، ويقول إنه العلامة الأريب اللغوى الأديب، ويتوسع فى ترجمته إلى أكثر من عشرين صفحة، ينشد فيها طرائف شعره، ومما أنشده قصيدة له يسخر فيها ممن يردّدون موضوعات الشعر القديمة وخاصة الوقوف بالأطلال والبكاء بالديار ونعت المرأة والخمر ويعيب عليهم كثرة السرقات الشعرية. ومن قصائده قصيدة يدعو فيها للجهاد ضد أعداء الإسلام المغيرين على السواحل الإفريقية
стр. 5180
المغربية، وكأنه كان يعدّ شباب قومه لمنازلة فرنسا قبل فرضها الحماية على موريتانيا سنة ١٣٢٠ هـ/١٩٠٣ م وفيها يفخر بشجاعة قومه وحمايتهم للإسلام قائلا:
وفتيان يرون الضيّم صابا ... وطعم الموت خرطوما عقارا (١)
أحبّوا الملّة البيضا فكانوا ... عليها من مراودها غيارا
بأيديهم مذرّبة طوال ... ترى الأقران أعمارا قصارا (٢)
جموع تهزم الأعداء قهرا ... فتتركهم جديسا أو وبارا (٣)
بنصر الله واثقة يقينا ... فلا تخشى من الخلق الحذارا
لها إعلاء كلمته مرام ... فلا غنما تروم ولا افتخارا
وهو يقول إن شباب قومه فتيان أشداء يرون الذل مرا لا يطاق شرابه، أما الموت فى ميدان الحروب فيرونه لذيذا لذة الخمر أو أعظم لذة. وقد أحبوا الدين الحنيف حتى إنهم ليغارون عليه غيرة العاشق على معشوقته، وإنهم لشجعان بواسل بأيديهم سيوف ماضية، ترى الأقران أن أعمارهم قصار بما تقطع من رقابهم، وإنهم لجموع تعوّدوا النصر على أعدائهم حتى ليبيدوهم عن آخرهم فيصبحوا فى عداد الأمم البائدة مثل جديس ووبار، ودائما يثقون فى نصر الله لا يخشون أحدا، وقصدهم إعلاء كلمة الله ودينه القويم دائما، ولا غنما يريدون ولا افتخارا. ويعرض فى قصيدة طويلة مذاكرته لزملاء أدباء يقفون على مذاهب الفقهاء المختلفة ومذهبى الأشعرى وإمام الحرمين الجوينى ومنازع الفرق الصوفية وأقوال الخليل وسيبوبه والكوفيين وغيرهم فى النحو، ويتدارسون شعراء الجاهلية الستة المشهورين: امرأ القيس وزهيرا والنابغة وعلقمة وطرفة وعنترة، والمرقشين الأكبر والأصغر والأعشيين: أعشى قيس وأعشى باهلة والأعميين: بشارا وأبا العلاء، وأبا نواس والمتنبى. وهى وثيقة مهمة بما كان يتدارسه الشباب الموريتانى من العلوم والشعر والشعراء جاهليين وإسلاميين وعباسيين، ثم يقول مفاخرا بشمائله:
ومن يك راغبا فى القرب منى ... يجدنى دون ماء المقلتين
ومن يؤثر قلاى فليس شئ ... يواصل بينه أبدا وبينى
ألاحظ من خليطى كلّ زين ... كما أغضبى له عن كلّ شين
ولا أصغى إلى العوراء حتى ... يرى أنّى أصمّ المسمعين (٤)
وما جهل الجهول بمستفزّى ... ومالى بالدنيّة من يدين
стр. 5181
وهو يفخر بأن من يوده يجده أقرب إليه من ماء عينيه، ومن يؤثر بغضه يقطع كل صلة تصله به، ولا أرى من صديقى إلا ما يزينه وأتغاضى عن كل ما يشينه، ولا أصغى إلى كلمة سيئة تقال عن أحد، وأرى-حين تقال-كأنى أصم لا أسمع شيئا، ولا تستفزنى حماقة الأحمق ولا أقترف عملا سيئا ولا خسيسا ذميما. وكان الشعر بتدفق على لسانه، توفى سنة ١٢٨٦ هـ/١٨٧٠ م.
(ب) شعراء الهجاء
الهجاء فن قديم منذ الجاهلية كانوا يصبونه على خصومهم وخصوم قبائلهم، ولم يكد يسلم منه شريف فى الجاهلية، لكثرة ما كان بين القبائل من حروب ومنافسات. وبمقدار شرف القبيلة وأمجادها ومآثر سادتها وفرسانها ومناقبهم يكون هجاؤها وما ينزل بها من سهامه، واتصل هذا الهجاء فى الإسلام وطوال العصور، والمظنون أنه كان كثيرا فى موريتانيا بسبب كثرة الحروب بين عشائرها وقبائلها واستخدامه سلاحا يغض من شأن القبيلة المعادية وسادتها وشيوخها. ويقول الدكتور محمد المختار إنه تجنب أن يكثر منه فى كتابه الشعر والشعراء فى موريتانيا خوفا من إثارة الحفيظة فى المجتمع الموريتانى المعاصر ولم يصرح بذلك الشنقيطى فى كتابه الوسيط فى تراجم أدباء شنقيط، غير أنه-فيما يبدو-كان يرى رأى الدكتور محمد المختار، ولذلك لم يأت منه إلا بأمثلة قليلة، حتى عند شاعر هجّاء كبير من شعراء الجيل الأول فى صدر القرن الثانى عشر الهجرى هو المصطفى بن أبى محمد المشهور بلقب بوفمين (١) المجلسى، يقول: «كان هجاء ما نجا منه أحد» ثم يذكر أنه هجا إيدا بلحسن بقصيدة طنانة مطلعها:
أيحسب أن لا يزأر الأسد الورد ... ذئاب عوت لما تغافلت الأسد (٢)
ومنها:
وعقل الذى منهم يشدّ عمامة ... كعقل الذى منهم يشدّ له المهد (٣)
ولا يضيف إليه أبياتا أخرى من القصيدة، ويذكر الشنقيطى أنه نزل يوما عند قبيلة إنتاب فى موضع يقال له إنجول فلم يكرموه ولا اكترثوا به فقال يهجوهم:
دهر الدهارير لا أقمت فيه لدى ... إنتاب يوما ولا بقرب إنجول (٤)
يوم الإقامة فيهم خلته ظمأ ... يوم القيامة إذ يحكيه فى الطول
حتى تذكرت أنّ الناس قاطبة ... إذن تسال وأنى غير مسئول
стр. 5182
وهو يقول إنه لن يقيم مدى الدهر عند قبيلة إنتاب ومنازلها فى إنجول، وقد أقام لديهم يوما خاله لطوله-وقد ظمئ فيه ظمئا شديدا-يوم القيامة، وظنّ أن الناس ذهبت تسأل وبقى وحده. وقال فى إدوداى إحدى عشائر بنى ديمان-وقد نزل عندها-يهجوها:
يا ربّ ليل بهيم أليل داج ... قد بتّ فى ضيعة لدى إدوداج (١)
حتى إذا ما دنا الإصباح نبّهنى ... وغد على لقمة فى قعر مجّاج
وقلب الياء من قبيلة إدوداج جيما محاكاة لبعض لغات العرب فى هذا القلب، وهو يقول إنه بات فى ليل بهيم مظلم أشد الظلام بضيعة عند إدوداى، حتى إذا اقترب الصباح نبهه وغد لئيم على لقمة غير سائغة فى قعر إناء يمجّ ما فيه ويلفظه لسوئه.
لئيم على لقمة غير سائغة فى قعر إناء يمجّ ما فيه ويلفظه لسوئه.
ويسوق الشنقيطى للمأمون اليعقوبى المتوفى سنة ١٢٣٨ هـ/١٨٢٣ م مقطوعة من هجائه للمختار بن بون حين وقع الشقاق بين المختار وعصابة البعقوبيين وصاروا جميعا يدا واحدة عليه كما مرّ فى ترجمته، وله يقول موهّنا علمه بمنطق أرسطو وبأحاديث الرسول (٢) ﷺ :
أكثرت حزّك لو دريت مفصله ... فادر المفاصل قبل الحزّ واستفق (٣)
ما الدين إلا الذى تسعى لتوهنه ... آى النبىّ وآثار الهدى العبق (٤)
لا كلّ خبط عن اليونان مبتدع ... قد سنّ بين أصول الدين مختلق
تحمى قواعد رسطا ليس تحسبها ... دينا لك الويل نبّهناك فاستفق
إن كنت تورد نسخا أو معارضة ... لذى الأحاديث فاذكر ما ترى وسق
وإن تكن قاصرا عن كونها ثبتت ... فيما حوى شرحه الحفّاظ فى الورق
فاعرف مقامك فى درك العلوم ولا ... تعرض لمن خاض فيها شاسع الشّقق (٥)
وهو يصفه بأنه أكثر الحزّ ولا يصيب المفصل، وينصحه أن يعرف المفاصل حتى يحسن الحزّ، ويقول له ما الدين إلا الذى تسعى فى توهينه من معجزات الرسول وآثار هداه العطر لا هذا المنطق المبتدع عن اليونان والذى تزجّون به فى أصول الدين ودراساته، لذلك تدافعون عن قواعد أرسططاليس المنطقية وتتخذونها دينا لكم وشعارا. ثم يقول إن كانت الأحاديث التى تذكرها وتدرسها للطلاب مكتوبة أو مروية فاذكر ذلك وسق أسانيدها، وإن كنت تعجز عن إثبات سندها فى كتب الأحاديث وشروحها فاعرف مقامك فى معرفة العلوم ولا تتعرض لمن تعمقها ووقف على نواحيها وجوانبها المختلفة. والمأمون تجاوز حده فى هذا الهجاء فلم يكن المختار بن بون ضعيف الأحاديث ولا كان واهن الدين، وإعجابه بمنطق أرسطو لا يشينه، فقد كانت دراسته عامة فى جميع البيئات الإسلامية. ويصفه الشنقيطى فى ترجمته بأنه «تاج
стр. 5183
العلماء. . ولا يوجد عالم بعده إلا وله عليه الفضل الجزيل بما استفاد من مصنفاته، وتلقى من مسنداته».
٤ -
شعراء الرثاء
للرثاء عند العرب-منذ الجاهلية-ثلاث صور: صورة الندب وبكاء الميت والنواح عليه من ذوى القربى، وصورة التأبين ورسم فضائل الميت لبيان خسارة القبيلة أو المجتمع فيه، وصورة العزاء وبيان أن الموت كأس يتجرعه البشر جميعا، فالكل ميت ولا بقاء لأحد، وكثيرا ما تختلط هذه الصور فى المرثية الواحدة. وفى كل عصر وفى كل قطر تلقانا عشرات المراثى بل أحيانا مئاتها، وهى كثيرة فى موريتانيا، وقد عرض منها المرحوم الشنقيطى والدكتور محمد المختار عشرات، ونعرض بعض أمثلة منها، من ذلك قول ابن رازكه يرثى أعمر آكجيل التروزى (١):
هو الموت عضب لا تخون مضاربه ... وحوض زعاف كلّ من عاش شاربه (٢)
وما الناس إلا واردوه فسابق ... إليه ومسبوق تخبّ نجائبه (٣)
يحبّ الفتى إدراك ما هو راغب ... ويدركه-لا بدّ-ما هو راهبه
وكم لابس ثوب الحياة فجاءه ... على فجأة عاد من الموت سالبه
وما صان حبرا علمه وكتابه ... ولا ملكا أعلامه وكتائبه
وهو يبدأ مرثيته بالعزاء، فالموت سيف مصلت على رقبة كل إنسان، لا تخونه مضاربه، وحوض سم قاتل، كلّ من عاش على ظهر الدنيا لا بد شاربه، والناس جميعا واردوه، سابق إليه ومسبوق تعدو به ركائبه. ويتعلق الإنسان فى دنياه بما يرغب فى تحقيقه ويدركه الموت الذى يرهبه، وكم من لابس لثوب الحياة يفجئوه عاد من الموت يسلبه عنه ويخلعه. ولا يصون العالم الجليل منه علمه وكتبه، ولا يصون الملك راياته وكتائبه. ويرثى القاضى أحمد بن يوسف البوحسنى ويقول فيه مؤبنا (٤):
فتانا ومفتينا المصيب وشيخنا ... ونبراسنا فيما يهمّ ويسدف (٥)
بصير بحلّ المشكلات كأنما ... يكاشف عن أسرارها ثم يكشف
تملّك أطراف القضاء وفقهه ... وما هو إلا مالك أو مطرّف (٦)
стр. 5184
وهو يصفه بأنه المفتى المصيب والمصباح الذى يضئ ظلمات المشكلات العلمية، وكأنما يكشف له أسرارها ويكشفها للناس، وقد امتلك فتاوى القضاء وفقهه فى أحكامه حتى لكأنه مالك مفتى المدينة أو مطرف قاضى صنعاء. ويقول محمد اليدالى الذى مرت ترجمته مؤبنا المختار بن الفاضل (١):
لهفى على لوذعىّ ذى ندى وتقى ... وهيبة تملأ الأفكار والحدقا (٢)
وذى معارف ربّانيّة وهدى ... وهمة علت العيّوق والأفقا (٣)
علم الحقيقة والشريعة اجتمعا ... له فأضحى يربّى من به التحقا
وبحر جود وعلم زاخر وإذا ... ما معتفوه أتوه فاض واندفقا (٤)
شعاره البرّ والتقوى وديدنه ... رضا الإله، خديم الضيف إن طرقا (٥)
واليدالى يتحسر على موت ابن الفاضل ويقول إنه حاد الذكاء كريم صالح، تملأ هيبته العيون والأذهان، متصوف له معارف إلهية وهدى وعزيمة تعلو الأفق والنجوم، وقد اجتمع فيه علم الشريعة والحقيقة الصوفية، وبهما كان يربى تلاميذه، وهو بحر زاخر للعلم والجود. وإذا ما أتاه سائلوه فاض عليهم بحر جوده وعلمه وتدفق من كل جانب، شعاره الإحسان والتقوى ودأبه رضا الإله، وإن ألم به ضيف كان خادمه: فرط جود وكرم. ويقول حرم بن عبد الجليل فى رثاء مولود بن أجفغ اليعقوبى (٦):
أتنعون مولودا وما انقضّ كوكب ... ولا فارق النور الغزالة والبدرا (٧)
ولا زلزلت زلزالها الأرض يومه ... وما أبدت الأشراط آياتها الكبرى (٨)
وما شغل الناس البكا عن أمورهم ... كأنّ صروف الدّهر ما أحدثت أمرا (٩)
لقد غيّبت من غاب عند مغيبه ... فواضل شتّى لا نطيق لها حصرا
وطوبى لقبر أودعوه عظامه ... فيا ليت أنّى كان صدرى له قبرا
وحرم يندب صديقه مولودا ويتفجّع عليه ويبلغ من حزنه أنه يعجب كيف لم ينقضّ كوكب ولا فارق النور الشمس والقمر ولا زلزلت الأرض ولا أبدت الساعة أشراطها وعلاماتها الكبرى جزعا على موت مولود، كما يعجب أن الناس لم يشغلهم البكاء على الميت العظيم عن شئونهم، كأن صروف الدهر ونوائبه ما أحدثت شيئا، مع أنها غيبت من لا يستطيع أحد
стр. 5185
إحصاء فواضله، وطوبى لقبر أودعوه عظامه، ويتمنى أن لو كان صدره له قبرا، وهو بيت رائع. ويقول محمد العلوى المتوفى سنة ١٢٦٤ هـ/١٨٤٨ م-وكان شيخ طريقة وعالما فى الفقه والعربية والبلاغة-راثيا الشيخ محمدا الحافظ العلوى قائلا (١):
سهرت جفونك والمصاب مسهّد ... يرثى لليلتك السليم الأرمد (٢)
ورثت لك الخنساء، بعد متمّم ... ورثى لبيد يوم فارق أربدا
لمصيبة صدمت فؤادى صدمة ... كادت بنات الجوف منها تصعد
وجرى الدموع على الخدود كأنها ... نظم جرى من سلكه متبدّد
وتصدّعت كبدى لها وكأنما ... بجوانحى منها حريق موقد
وإذا بكيت شجى عليه فإنه ... تبكى وتندبه جموع حفّد (٣)
وبكى عليه ليله ونهاره ... والصّوم يبكى والتهجّد يرعد
وبكت بقاع كان يعبد ربّه ... فيها فيركع ما يشاء ويسجد
وهو يقول إنه لم يغمض له جفن حين سمع المصاب، وكأنما كل ندب وكل تفجع فى ميت كان فيه، حتى لكأنه لدغ مرات، وكأن تفجع الخنساء على أخيها صخر، وندب متمم لأخيه مالك بن نويرة، وبكاء لبيد لأخيه أربد، كل ذلك كان رثاء حارّا للمصيبة التى نزلت به وصدمته صدمة كادت أمعاؤه منها تصعد، وجرت دموعه على خدوده كأنها سلك، تبددت حبّاته، وتشققت كبده، وكأنما فى جوانحه حريق موقد. ويقول إن الجموع من حوله تبكيه، ويبكى عليه ليله ونهاره، وصومه نهارا وتهجده ليلا، ويستمر يذكر أن كل شئ يبكيه، تبكيه صلاته ووضوءه ومسجده والكتب والأقلام والدواة والمصحف وبقاع الحرمين الطاهرة ويعددها مكانا مكانا، ثم يقول-كما فى البيت الأخير-إنه عبد ربه فيها وركع وسجد له طويلا. والمرثبة بديعة. ولمحمد وبن محمدى العلوى يرثى الشيخ مولود قال منشدا (٤):
ما لراجى الخلود نيل الخلود ... إنّ ورد المنون حتم الورود
أتطيب الحياة والشيخ أمسى ... غيّبته مغيّبات اللّحود
إنّ مالى من اصطبار تولّى ... إذ تولّى إنسان عين الوجود
طود علم ينحوه كلّ مريد ... من حماه يفرّ كلّ مريد (٥)
وإذا سدّ باب علم عويص ... كان مفتاح بابه المسدود
علم الأصل والفروع إلى أن ... ليس فى العلم يبتغى من مزيد