وهو يفخر بأن من يوده يجده أقرب إليه من ماء عينيه، ومن يؤثر بغضه يقطع كل صلة تصله به، ولا أرى من صديقى إلا ما يزينه وأتغاضى عن كل ما يشينه، ولا أصغى إلى كلمة سيئة تقال عن أحد، وأرى-حين تقال-كأنى أصم لا أسمع شيئا، ولا تستفزنى حماقة الأحمق ولا أقترف عملا سيئا ولا خسيسا ذميما. وكان الشعر بتدفق على لسانه، توفى سنة ١٢٨٦ هـ/١٨٧٠ م.
(ب) شعراء الهجاء
الهجاء فن قديم منذ الجاهلية كانوا يصبونه على خصومهم وخصوم قبائلهم، ولم يكد يسلم منه شريف فى الجاهلية، لكثرة ما كان بين القبائل من حروب ومنافسات. وبمقدار شرف القبيلة وأمجادها ومآثر سادتها وفرسانها ومناقبهم يكون هجاؤها وما ينزل بها من سهامه، واتصل هذا الهجاء فى الإسلام وطوال العصور، والمظنون أنه كان كثيرا فى موريتانيا بسبب كثرة الحروب بين عشائرها وقبائلها واستخدامه سلاحا يغض من شأن القبيلة المعادية وسادتها وشيوخها. ويقول الدكتور محمد المختار إنه تجنب أن يكثر منه فى كتابه الشعر والشعراء فى موريتانيا خوفا من إثارة الحفيظة فى المجتمع الموريتانى المعاصر ولم يصرح بذلك الشنقيطى فى كتابه الوسيط فى تراجم أدباء شنقيط، غير أنه-فيما يبدو-كان يرى رأى الدكتور محمد المختار، ولذلك لم يأت منه إلا بأمثلة قليلة، حتى عند شاعر هجّاء كبير من شعراء الجيل الأول فى صدر القرن الثانى عشر الهجرى هو المصطفى بن أبى محمد المشهور بلقب بوفمين (١) المجلسى، يقول: «كان هجاء ما نجا منه أحد» ثم يذكر أنه هجا إيدا بلحسن بقصيدة طنانة مطلعها:
أيحسب أن لا يزأر الأسد الورد ... ذئاب عوت لما تغافلت الأسد (٢)
ومنها:
وعقل الذى منهم يشدّ عمامة ... كعقل الذى منهم يشدّ له المهد (٣)
ولا يضيف إليه أبياتا أخرى من القصيدة، ويذكر الشنقيطى أنه نزل يوما عند قبيلة إنتاب فى موضع يقال له إنجول فلم يكرموه ولا اكترثوا به فقال يهجوهم:
دهر الدهارير لا أقمت فيه لدى ... إنتاب يوما ولا بقرب إنجول (٤)
يوم الإقامة فيهم خلته ظمأ ... يوم القيامة إذ يحكيه فى الطول
حتى تذكرت أنّ الناس قاطبة ... إذن تسال وأنى غير مسئول
стр. 5182
وهو يقول إنه لن يقيم مدى الدهر عند قبيلة إنتاب ومنازلها فى إنجول، وقد أقام لديهم يوما خاله لطوله-وقد ظمئ فيه ظمئا شديدا-يوم القيامة، وظنّ أن الناس ذهبت تسأل وبقى وحده. وقال فى إدوداى إحدى عشائر بنى ديمان-وقد نزل عندها-يهجوها:
يا ربّ ليل بهيم أليل داج ... قد بتّ فى ضيعة لدى إدوداج (١)
حتى إذا ما دنا الإصباح نبّهنى ... وغد على لقمة فى قعر مجّاج
وقلب الياء من قبيلة إدوداج جيما محاكاة لبعض لغات العرب فى هذا القلب، وهو يقول إنه بات فى ليل بهيم مظلم أشد الظلام بضيعة عند إدوداى، حتى إذا اقترب الصباح نبهه وغد لئيم على لقمة غير سائغة فى قعر إناء يمجّ ما فيه ويلفظه لسوئه.
لئيم على لقمة غير سائغة فى قعر إناء يمجّ ما فيه ويلفظه لسوئه.
ويسوق الشنقيطى للمأمون اليعقوبى المتوفى سنة ١٢٣٨ هـ/١٨٢٣ م مقطوعة من هجائه للمختار بن بون حين وقع الشقاق بين المختار وعصابة البعقوبيين وصاروا جميعا يدا واحدة عليه كما مرّ فى ترجمته، وله يقول موهّنا علمه بمنطق أرسطو وبأحاديث الرسول (٢) ﷺ :
أكثرت حزّك لو دريت مفصله ... فادر المفاصل قبل الحزّ واستفق (٣)
ما الدين إلا الذى تسعى لتوهنه ... آى النبىّ وآثار الهدى العبق (٤)
لا كلّ خبط عن اليونان مبتدع ... قد سنّ بين أصول الدين مختلق
تحمى قواعد رسطا ليس تحسبها ... دينا لك الويل نبّهناك فاستفق
إن كنت تورد نسخا أو معارضة ... لذى الأحاديث فاذكر ما ترى وسق
وإن تكن قاصرا عن كونها ثبتت ... فيما حوى شرحه الحفّاظ فى الورق
فاعرف مقامك فى درك العلوم ولا ... تعرض لمن خاض فيها شاسع الشّقق (٥)
وهو يصفه بأنه أكثر الحزّ ولا يصيب المفصل، وينصحه أن يعرف المفاصل حتى يحسن الحزّ، ويقول له ما الدين إلا الذى تسعى فى توهينه من معجزات الرسول وآثار هداه العطر لا هذا المنطق المبتدع عن اليونان والذى تزجّون به فى أصول الدين ودراساته، لذلك تدافعون عن قواعد أرسططاليس المنطقية وتتخذونها دينا لكم وشعارا. ثم يقول إن كانت الأحاديث التى تذكرها وتدرسها للطلاب مكتوبة أو مروية فاذكر ذلك وسق أسانيدها، وإن كنت تعجز عن إثبات سندها فى كتب الأحاديث وشروحها فاعرف مقامك فى معرفة العلوم ولا تتعرض لمن تعمقها ووقف على نواحيها وجوانبها المختلفة. والمأمون تجاوز حده فى هذا الهجاء فلم يكن المختار بن بون ضعيف الأحاديث ولا كان واهن الدين، وإعجابه بمنطق أرسطو لا يشينه، فقد كانت دراسته عامة فى جميع البيئات الإسلامية. ويصفه الشنقيطى فى ترجمته بأنه «تاج
стр. 5183
العلماء. . ولا يوجد عالم بعده إلا وله عليه الفضل الجزيل بما استفاد من مصنفاته، وتلقى من مسنداته».
٤ -
شعراء الرثاء
للرثاء عند العرب-منذ الجاهلية-ثلاث صور: صورة الندب وبكاء الميت والنواح عليه من ذوى القربى، وصورة التأبين ورسم فضائل الميت لبيان خسارة القبيلة أو المجتمع فيه، وصورة العزاء وبيان أن الموت كأس يتجرعه البشر جميعا، فالكل ميت ولا بقاء لأحد، وكثيرا ما تختلط هذه الصور فى المرثية الواحدة. وفى كل عصر وفى كل قطر تلقانا عشرات المراثى بل أحيانا مئاتها، وهى كثيرة فى موريتانيا، وقد عرض منها المرحوم الشنقيطى والدكتور محمد المختار عشرات، ونعرض بعض أمثلة منها، من ذلك قول ابن رازكه يرثى أعمر آكجيل التروزى (١):
هو الموت عضب لا تخون مضاربه ... وحوض زعاف كلّ من عاش شاربه (٢)
وما الناس إلا واردوه فسابق ... إليه ومسبوق تخبّ نجائبه (٣)
يحبّ الفتى إدراك ما هو راغب ... ويدركه-لا بدّ-ما هو راهبه
وكم لابس ثوب الحياة فجاءه ... على فجأة عاد من الموت سالبه
وما صان حبرا علمه وكتابه ... ولا ملكا أعلامه وكتائبه
وهو يبدأ مرثيته بالعزاء، فالموت سيف مصلت على رقبة كل إنسان، لا تخونه مضاربه، وحوض سم قاتل، كلّ من عاش على ظهر الدنيا لا بد شاربه، والناس جميعا واردوه، سابق إليه ومسبوق تعدو به ركائبه. ويتعلق الإنسان فى دنياه بما يرغب فى تحقيقه ويدركه الموت الذى يرهبه، وكم من لابس لثوب الحياة يفجئوه عاد من الموت يسلبه عنه ويخلعه. ولا يصون العالم الجليل منه علمه وكتبه، ولا يصون الملك راياته وكتائبه. ويرثى القاضى أحمد بن يوسف البوحسنى ويقول فيه مؤبنا (٤):
فتانا ومفتينا المصيب وشيخنا ... ونبراسنا فيما يهمّ ويسدف (٥)
بصير بحلّ المشكلات كأنما ... يكاشف عن أسرارها ثم يكشف
تملّك أطراف القضاء وفقهه ... وما هو إلا مالك أو مطرّف (٦)
стр. 5184
وهو يصفه بأنه المفتى المصيب والمصباح الذى يضئ ظلمات المشكلات العلمية، وكأنما يكشف له أسرارها ويكشفها للناس، وقد امتلك فتاوى القضاء وفقهه فى أحكامه حتى لكأنه مالك مفتى المدينة أو مطرف قاضى صنعاء. ويقول محمد اليدالى الذى مرت ترجمته مؤبنا المختار بن الفاضل (١):
لهفى على لوذعىّ ذى ندى وتقى ... وهيبة تملأ الأفكار والحدقا (٢)
وذى معارف ربّانيّة وهدى ... وهمة علت العيّوق والأفقا (٣)
علم الحقيقة والشريعة اجتمعا ... له فأضحى يربّى من به التحقا
وبحر جود وعلم زاخر وإذا ... ما معتفوه أتوه فاض واندفقا (٤)
شعاره البرّ والتقوى وديدنه ... رضا الإله، خديم الضيف إن طرقا (٥)
واليدالى يتحسر على موت ابن الفاضل ويقول إنه حاد الذكاء كريم صالح، تملأ هيبته العيون والأذهان، متصوف له معارف إلهية وهدى وعزيمة تعلو الأفق والنجوم، وقد اجتمع فيه علم الشريعة والحقيقة الصوفية، وبهما كان يربى تلاميذه، وهو بحر زاخر للعلم والجود. وإذا ما أتاه سائلوه فاض عليهم بحر جوده وعلمه وتدفق من كل جانب، شعاره الإحسان والتقوى ودأبه رضا الإله، وإن ألم به ضيف كان خادمه: فرط جود وكرم. ويقول حرم بن عبد الجليل فى رثاء مولود بن أجفغ اليعقوبى (٦):
أتنعون مولودا وما انقضّ كوكب ... ولا فارق النور الغزالة والبدرا (٧)
ولا زلزلت زلزالها الأرض يومه ... وما أبدت الأشراط آياتها الكبرى (٨)
وما شغل الناس البكا عن أمورهم ... كأنّ صروف الدّهر ما أحدثت أمرا (٩)
لقد غيّبت من غاب عند مغيبه ... فواضل شتّى لا نطيق لها حصرا
وطوبى لقبر أودعوه عظامه ... فيا ليت أنّى كان صدرى له قبرا
وحرم يندب صديقه مولودا ويتفجّع عليه ويبلغ من حزنه أنه يعجب كيف لم ينقضّ كوكب ولا فارق النور الشمس والقمر ولا زلزلت الأرض ولا أبدت الساعة أشراطها وعلاماتها الكبرى جزعا على موت مولود، كما يعجب أن الناس لم يشغلهم البكاء على الميت العظيم عن شئونهم، كأن صروف الدهر ونوائبه ما أحدثت شيئا، مع أنها غيبت من لا يستطيع أحد
стр. 5185
إحصاء فواضله، وطوبى لقبر أودعوه عظامه، ويتمنى أن لو كان صدره له قبرا، وهو بيت رائع. ويقول محمد العلوى المتوفى سنة ١٢٦٤ هـ/١٨٤٨ م-وكان شيخ طريقة وعالما فى الفقه والعربية والبلاغة-راثيا الشيخ محمدا الحافظ العلوى قائلا (١):
سهرت جفونك والمصاب مسهّد ... يرثى لليلتك السليم الأرمد (٢)
ورثت لك الخنساء، بعد متمّم ... ورثى لبيد يوم فارق أربدا
لمصيبة صدمت فؤادى صدمة ... كادت بنات الجوف منها تصعد
وجرى الدموع على الخدود كأنها ... نظم جرى من سلكه متبدّد
وتصدّعت كبدى لها وكأنما ... بجوانحى منها حريق موقد
وإذا بكيت شجى عليه فإنه ... تبكى وتندبه جموع حفّد (٣)
وبكى عليه ليله ونهاره ... والصّوم يبكى والتهجّد يرعد
وبكت بقاع كان يعبد ربّه ... فيها فيركع ما يشاء ويسجد
وهو يقول إنه لم يغمض له جفن حين سمع المصاب، وكأنما كل ندب وكل تفجع فى ميت كان فيه، حتى لكأنه لدغ مرات، وكأن تفجع الخنساء على أخيها صخر، وندب متمم لأخيه مالك بن نويرة، وبكاء لبيد لأخيه أربد، كل ذلك كان رثاء حارّا للمصيبة التى نزلت به وصدمته صدمة كادت أمعاؤه منها تصعد، وجرت دموعه على خدوده كأنها سلك، تبددت حبّاته، وتشققت كبده، وكأنما فى جوانحه حريق موقد. ويقول إن الجموع من حوله تبكيه، ويبكى عليه ليله ونهاره، وصومه نهارا وتهجده ليلا، ويستمر يذكر أن كل شئ يبكيه، تبكيه صلاته ووضوءه ومسجده والكتب والأقلام والدواة والمصحف وبقاع الحرمين الطاهرة ويعددها مكانا مكانا، ثم يقول-كما فى البيت الأخير-إنه عبد ربه فيها وركع وسجد له طويلا. والمرثبة بديعة. ولمحمد وبن محمدى العلوى يرثى الشيخ مولود قال منشدا (٤):
ما لراجى الخلود نيل الخلود ... إنّ ورد المنون حتم الورود
أتطيب الحياة والشيخ أمسى ... غيّبته مغيّبات اللّحود
إنّ مالى من اصطبار تولّى ... إذ تولّى إنسان عين الوجود
طود علم ينحوه كلّ مريد ... من حماه يفرّ كلّ مريد (٥)
وإذا سدّ باب علم عويص ... كان مفتاح بابه المسدود
علم الأصل والفروع إلى أن ... ليس فى العلم يبتغى من مزيد
стр. 5186
وهو يقول إن الخلود لا يناله أحد، إذ كلّ وارد على حوض الموت مسلم روحه إلى ربه، ويقول إن الحياة أصبحت لا تطيب وقد مات الشيخ وغيّبته اللحود، وقد تولّى عنى صبرى إذ فارقنى إنسان عين الوجود، وهى مبالغة واضحة. ويذكر أنه طود علم كان يؤمه مريدون كثيرون، ومن حماه وتقاه يفر الشيطان المريد، وإذا سدّ باب علم عويص معقد كان مفتاح بابه المسدود فما يلبث أن يفتح على مصاريعه. وقد علم الأصول والفروع علما لا يلحقه فيه لاحق. وله مرثية أخرى فى محمد الدنبج التندغى. ويقول الشيخ سيديّا الكبير المتوفى سنة ١٢٨٤ هـ/١٨٦٨ م فى رثاء الشيخ الصوفى المختار الكنتى وزوجه الصالحة (١):
جادت سحائب رأفة الرحمن ... بهوامل التكريم والرّضوان (٢)
وبوصف محض الودّ والزّلفى على ... جدثين حلّ حشاهما الشيخان (٣)
لاحا وأحلاك الجهالة فحمة ... وملابس البدع الجداد مثان (٤)
والدّين منهدم القواعد مركس ... بأخامص الطغيان والعصيان (٥)
فغدا منار الدين بعد تهدم ... ثبت الأساس مشيّد الأركان
وهو يدعو للشيخ وزوجته بأن تهمى عليهما سحائب رأفة الرحمن بمنهر التكريم والرضوان وبمحض الود والزلفى على قبريهما، ويقول إنهما ظهرا ودياجى الجهالة فحمة، وملابس البدع المحدثة لا تحصى، والدين منهدم القواعد وعاليه مركس بباطن أقدام الطغيان والعصيان، فأصبح بفضلهما منار الدين راسخ الأساس رفيع الأركان. ويقول محمد بن حنبل الحسنى فى رثاء الشيخ سيديّا الكبير (٦) المذكور آنفا:
أرى الملّة البيضاء جلّ مصابها ... ففاضت مآقيها وطال انتحابها (٧)
وقاست بفقد الشيخ وجد مصابه ... بواحدها لما تولّى شبابها
وأظلم وجه الأرض حتى كأنما ... تردّت مدادا غوطها وحدابها (٨)
وزلزل أقطار البلاد فأصبحت ... شواهقها مهتزّة وهضابها
وزعزع آطام الهدى وحصونه ... وقوّض فسطاط العلا وقبابها (٩)
وهو يقول إن وفاة الشيخ سيديّا مصاب كبير لشريعة الدين الحنيف، وكأنما قاست حزن سيدة فقدت واحدها أو ولدها الواحد ويقول إن وجه الأرض أظلم وارتدت رياضها
стр. 5187
وكثبانها مدادا أسود شديدا، وزلزلت أنحاء البلاد واهتزت جبالها وهضابها وزعزعت منازل الهدى وحصونه وهدّمت خيام العلا وقبابها. وهى مبالغات شديدة فى الرثاء تعبيرا عن مدى الحزن الذى أصاب الشاعر والناس بوفاة هذا الشيخ الصوفى. ونتوقف قليلا إزاء أحد شعراء الرثاء.
باب (١) بن أحمد بيب العلوى
كان أبوه عالما فاضلا ناسكا مشارا إليه-كما يقول الشنقيطى-فى بلده وجيله، ملحوظا بعين التعظيم فى معشره وقبيله. ويقول عن باب إنه العالم الأوحد الذى أغار ذكره وأنجد. ومرّ بنا أنه أكمل كتاب الديباج فى تراجم فقهاء المالكية من القرن الثامن الهجرى حتى القرن الثانى عشر. ولما كفّ عمه-وكان قاضيا-أنابه عنه فى قراءة الحديث للطلاب والناس حتى وفاته، واشتد الخلاف بينه وبين ابن خاله حرم الذى مرت ترجمته فى مسألة من مسائل الوقف، وانضم إلى كل منهما طائفة من العلماء والشعراء، وكان فقيها محدثا ناسكا. ويقول الشنقيطى عنه: قلما مات أحد ممن يشار إليه فى قبيلته إلا رثاه، توفى سنة ١٢٧٦ هـ/١٨٦٠ م. ومن قوله فى رثاء عبد الله بن حرمة بن الصبار العلوى:
كان عبد الإله برّا تقيّا ... نزه النفس طاهر الأثواب
صحب الصالحين وهو صغير ... لم ينل منه عنوان الشباب
كان برّا بأمّه وأبيه ... ورفيقا بجاره ذى الجناب (٢)
وهو فى لزبة الزمان ربيع ... ذو جفان كأنهنّ جوابى (٣)
كلّ يوم تراه يدرس علما ... وهو بالليل قائم المحراب
يقول باب إن عبد الله كان صالحا تقيا نزيها عن الصغائر طاهر الأثواب، صحب الصالحين ناشئا فى شبابه، وكان بارا بأمه وأبيه ورفيقا بجاره البعيد فضلا عن القريب. وفى أيام الشدة والجدب يصبح ربيعا للناس وتكتظ مائدته لهم بقصاع كالحياض مترعة بالطعام، وفى كل يوم يدرس للطلاب والناس علما وفى الليل يخلص لربه مصليا فى المحراب. ويقول فى رثاء محمد بن أحمد الحسنى:
стр. 5188
فعل الجليل جميل فارض ما فعلا ... رمى بقلبك شجوا أو رمى جذلا (١)
واذكر مصيبة خير الخلق تسل بها ... إذا عليك مصاب معضل نزلا (٢)
به تيتّم-إذ أودى-بنو حسن ... يتم ابن يومين والعافون والنّزلا (٣)
لو ساعدتنى القوافى ما تركت لمن ... يرثى مقالا ولا يشفى لى الغللا (٤)
وباب يدعو للرضا بقضاء الله وكل ما ينزله بالإنسان من حزن أو فرح، ويقول إن مصيبة الأمة فى خير الخلق رسولها الكريم يجعل كل فرد فيها يتعزّى بها عن كل ما ينزل به من مصاب فادح أو كما يقول شديد عسر. وقد أصاب باليتم من يعولهم من بنى حسن والسائلين والضيفان. ولو ساعدته القوافى ما ترك لراث أو نادب مقالا، ومهما قال فلن يستطيع شفاء ما يكنه من حرارة الحزن عليه. ويقول فى رثاء زوجته مريم بنت محمد مولود:
همّ تأوّبه من بعد ما هجعا ... قد بات منه يراعى النجم مكتنعا (٥)
أضحى الفؤاد به من لوعة خبلا ... والعين تسكب من تذرافها دفعا
يبكى على مريم يوما وحقّ له ... أن لا يزال عليها باكيا وجعا
يا ليلة بتّها جنب المليحة لم ... أهنأ وقد نام عنى القوم مضطجعا
حتى دعاها إلى المولى المهيمن ما ... يدعو الملوك ويدعو الأعصم الصّدعا (٦)
يا ربّ مريم قد وافتك وافدة ... فاجعل لها جنّة الفردوس مرتبعا
ومريم زوجة باب هصر الموت غصن شبابها فى سن الواحدة والعشرين وقد تركت ولديها فاطمة وأحمد وقلبه مشغوف بهما، وهو يقول إن همّا ظل يعاوده بعد هجوعه قليلا، وظل سهران يراعى النجوم فى غروبها وكأنما أصابه لشدة لوعته خبل، وعينه تذرف الدمع مدرارا، ويبكى على مريم بكاء حارّا ويتوجع وما كان عليه أشد من ليلتها الأخيرة وهو بجوار محبوبته يتجرع الحزن وقد نام الناس جميعا، ودعاها إلى ربها الموت الذى يدعو الملوك والوعول والوحوش الفتيّة، ويدعو لزوجته ربه أن يدخلها فراديس الجنان. ويستمر فى القصيدة ويدعو الله أن يلطف بولديها وأن تصلى عليها الملائكة وحاملو العرش والأنبياء والمسلمون فى صلاة الجمعة وحجاج بيت الله الحرام، ويسترجع مستسلما للقضاء. والمرثية مؤثرة بالغة التأثير.
стр. 5189
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
١ -
شعراء الغزل
فلما يخلو شعر شاعر موريتانى من أبيات ومقطوعات-وأحيانا قصائد-تصف تعلقه بفتاة فى شبابه، غير أن شاعرا لم يعش لوصف الحب وتباريحه، مثل شعراء الغزل العذرى فى عصر بنى أمية من أمثال قيس بن ذريح وجميل أو مثل شعراء الغزل الصريح أمثال عمر بن أبى ربيعة والعرجى، إنما هى خواطر تلم بالشاعر الموريتانى إزاء عاطفة الحب الخالدة فى الحياة الإنسانية. ودأب الشعراء على محاكاة أسلافهم من شعراء العرب فى التقديم لقصائدهم الطويلة بذكر الأطلال ووصف الأظعان وما يتخلل ذلك من النسيب. ولن نقف فى عرضنا للغزل الموريتانى عند هذا الجانب لأنه-فى واقعه-محاولة لمحاكاة القدماء وقلما حمل تصوير الموجدة الحقيقية إنما نعرض طائفة بديعة من أشعار الغزل التى انتخبها الدكتور محمد المختار ولد إباه فى كتابه الشعر والشعراء فى موريتانيا، وممن أنشد له مقطوعات وقصائد طريفة فى الغزل محمد بن محمدى وله من قصيدة بارعة (١):
فيمن أهيم بها لاموا ولو هاموا ... فيمن أهيم بها يوما لما لاموا
هام الفؤاد بمن لولا ملاحتها ... ما سفّهت من ذوى الأحلام أحلام
تلك التى من لماها مسّنى لمم ... باد ومن سقم الأجفان أسقام (٢)
نام الأخلاّء عن ليلى وأرّقنى ... شوقى وما صدق العشّاق إن ناموا
من لى بوصل وإن كان الوصال بما ... تبديه فى سنة الوسنان أحلام
إن تمنع الوصل أيام لنا فعسى ... أن تمنح الوصل للمشتاق أيّام
وهو يقول إن من حولى يلوموننى فى هيامى بصاحبتى ولو رأوا جمالها الفاتن يوما لهاموا بها مثلى وكفّوا من لومهم، وقد هام الفؤاد بها لحسنها ولولاه ما سفّهت عقول العقلاء الذين شغفوا بها حبا. وتلك هى التى مسّنى من جمال شفتيها وفتنتها ما يشبه الجنون وأصابنى من سقم أجفانها ما لا يحد من الأسقام. ويعجب أن نام الأخلاء وهو مؤرّق مسهّد لأنه عاشق،
стр. 5190
والعاشق لا يصدق فى عشقه إن نام. ويتمنى وصل صاحبته، ويقول ما أشبهه بالأحلام يراها الوسنان فى نعاسه، ويقول إن كانت أيام لنا لم تسمح بالوصال فعسى أيام أخرى تسمح باللقاء. وكان يعاصره محمد بن طلبة وسنفرد له ترجمة. ويقول المختار (١) بن محمد الحسنى من شعراء القرن الثالث عشر الهجرى:
شأن المحبين أن يبكوا وأن يقفوا ... بين المنازل فابكوا بينها وقفوا
ما فى البكاء بها عار ولا سرف ... بل البكاء على غير الهوى سرف
إن لم تكن عبرات العين واكفة ... فيها ففى أىّ دار بعدها تكف (٢)
والعين ما برحت من فيض عبرتها ... إنسانها يختفى طورا وينكشف
تصمى القلوب بسهمى لحظها عرضا ... إن القلوب لسهمى لحظها هدف (٣)
وهو يقول لصحبه إن عادة المحبين إذا ألموا بديار محبوباتهم أن يستوقفوا الركب ويبكوا فقفوا وابكوا فى منازل صاحبتى، وإن لم تسل عبراتى، ففى أى دار غير دارها تسيل وإن عبراتى لتهمى حتى ليختفى إنسان عينى وراءها تارة، وتارة ينكشف، وإنها لتصيب القلوب بسهام لحظها دون قصد حتى لكأن القلوب دائما لها هدف. ويقول محمد (٤) بن حنبل الحسنى المتوفى سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م:
اسكبى الدمع واهجرى النوم عينى ... صرمت حبل الوصل أمّ حكيم (٥)
تلك من جرّعت فؤادى كئوسا ... من هواها تبيتنى كالسّليم (٦)
لا تظنّ الظنون أنّ مقامى ... بالينيبيع لا طلاب العلوم
بل لغربيّة تهبّ عشيّا ... بشذاها فأشتفى بالشّميم
وأرى عين من رآها فأطفى ... لهب الوجد من حشاى الكليم
وهو يطلب من عينه أن تسكب الدمع مدرارا وتهجر النوم هجرانا، فقد قطعت أم حكيم ما كان بينها وبينه من وصل، ويقول إنها جرعته كئوسا من حبها جعلته يبيت طوال الليل كالملدوغ. ويذكر أنه ينبغى أن لا يظن أحد أن مقامه فى جوارها بالينبوع من أجل طلب العلوم، وكان شغوفا بها، إنما هو من أجل استرواح الريح الغربية التى تحمل عطر أم حكيم فيشتفى بها أو ليرى عين من رآها فيطفئ نار الوجد المشتعلة فى حنايا أحشائه. ونتوقف قليلا إزاء بعض شعراء الغزل.
стр. 5191
الأحول (١) الحسنى
هو عبد الله الأحول الحسنى ، كان حسن الأخلاق عالما باللغة، ولما وقعت الحرب بين قومه وبين العلويين انحاز فيها إلى قومه وسلّ معهم سيفه، ونظم فيها أشعارا كثيرة ضد العلويين، وما زال حاملا سلاحه حتى قتل فى إحدى معاركها سنة ١٢٥٠ هـ/١٨٣٥ م وأنشد له الشنقيطى والدكتور محمد المختار قصائد ومقطوعات غزلية مختلفة منها قوله:
شدّوا المهارى بأكوار وأحداج ... وأدلجوا تحت ليل أليل داج (٢)
فأصبحت دورهم قفرا معطّلة ... تبكى دواعى هديل شجوها شاج (٣)
تلوح آثار من بانوا بمعهدها ... مثل البرود وشتها كفّ نسّاج
فما علمت ولم أشعر ببينهم ... إلا بجون من الغربان شحّاج (٤)
تبّا لعيس نأت عنا بناعمة ... غيداء ريّانة الحجلين مغناج (٥)
والأحول يقول إن أهل صاحبته شدوا الإبل للرحيل ومعهن النساء فى الرحال والهوادج، وساروا فى ليل شديد الظلام وأصبحت دورهم خالية يبكى فيها الهديل وحماماته بكاء يثير الوجد والشجن، وآثارهم فى الديار وكأنها ثياب زيّنها نساج بما فيها من رسوم وخطوط. وما أعلمنى ببينهم وبعدهم إلا نعيب غراب شديد السواد. ويقول هلاكا لإبل بعدت عنا بحسناء ممتلئة الخلخالين ذات دلال يزيدها حسنا، ويقول:
أمست معاهد سعدى باللّوى درسا ... من صوب ودق الغوادى بكرة ومسا (٦)
كم حاورتنى. بها حوراء آنسة ... غرّاء من حاورته منطقا أنسا (٧)
ألهو بسعدى وسعدى لا يخبّبها ... نمّ المريدين تخبيبا من الجلسا (٨)
بيضاء من مدّ فيها العين فاقتبست ... تحت الدّجى من سناها أنكر القبسا
بل لو رآها أهالى يوسف قطعت ... منهم قلوب رجال لا أكفّ نسا
وهو يقول إن ديار سعدى صاحبته أصبحت عافية من طول ما انسكب عليها من أمطار السحب صباحا ومساء، ويذكر صاحبته اللطيفة الحسناء وأنسه بها وبأحاديثها حين كانت
стр. 5192
تلهو معه غير آبهة بكلام المعجبين النمّامين، ويقول إن من يرنو إليها طويلا يشعر كأنما قبس من جمالها المضيئ ما يفوق قبس النار حسنا وجمالا بل لو رآها رجال النسوة اللائى قطعن أيديهن حين أبصروا جمال يوسف لقطعوا قلوبهم افتتانا بها. ويقول:
غرّاء لا يرقب الراءون وجنتها ... إلا ثنى النور منهم حدّة النّظر
لم تدر هل هى من شذر مركّبة ... أم من صريف لجين أم سنا قمر (١)
كلّ تلابس إلا أن يميّزها ... من ذا ومن ذين وسم الدّلّ والخفر
فهى بيضاء لا يرمق المبصرون وجنتها النيّرة إلا صرف نورها حدة النظر إليها لشدة سطوعه كسطوع ضوء الشمس. ويقول إن مبصرها لا يدرى هل هى مركبة من قطع ذهب أم من قطع فضة أم من ضوء قمر، وكأنما كل ذلك يلتبس بها إلا ما تتميز به من الدلال والحياء اللذين يزيدانها حسنا وبهاء.
محمد (٢) بن الطلبة اليعقوبى
عشيرة اليعقوبيين أو قبيلتهم فى شنقيط ومراعى تيرس وريفها من سلالة عون بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وامتاز اليعقوبيون بالتعمق فى العلوم الفقهية واللغوية، وكانت لهم مدرسة تعنى بتدريس هذه العلوم، فتوارثوا التدريس فيها كما توارثوا القضاء، وكان أبو الشاعر وجده مدرسين، فهو من بيت علم، وعنى أبوه بتربيته، وكان يدرس للطلاب حينئذ المعلقات السبع ودواوين الشعراء الستة: امرئ القيس وزهير والنابغة وطرفة وعنترة وعلقمة، وديوان ذى الرمة. وأضاف إلى ذلك الطلاب النابهون من أمثال محمد بن الطلبة ديوان الشماخ والأعشى وغيرهما من القدماء. وتمثل ابن الطلبة الشعر الجاهلى والإسلامى تمثلا لا نكاد نجد له نظيرا بين شعراء البلاد المغربية على الأقل إن لم يكن بين شعراء العربية عامة، وتقرؤه وكأنك تقرأ لشعراء الجاهلية المفرطين فى استخدام الألفاظ الغريبة من مثل الحارث بن حلّزة والشماخ وأضرابهما من الجاهليين. وهيّأ لذلك عند محمد بن الطلبة وغيره من شعراء موريتانيا أن بيئتها كانت تشبه البيئة الجاهلية بصحاريها وبقبائلها الرّحّل وراء المراعى ومساقط الغيث، وبإبلها وأنعامها الراعية وبآبارها الآجنة وفى كل بقعة فى المراعى نجد أطلالا وآثارا لمن أقاموا بها فترة ثم زايلوها. وكما يكثر الشاعر الجاهلى من قطع المفاوز على ناقته كذلك يكثر الشاعر الموريتانى مستمدا من واقع حياته الذى لا يختلف عن واقع حياة الجاهليين، وكاد محمد بن الطلبة لا يترك موضعا
стр. 5193
فى تيرس ومراعيها وريفها إلا تغنى به. وتغنى طويلا بمسيرة الظعن، وبين الظاعنات محبوبته، كما تغنى طويلا بحيوانات الصحراء من إبل وخيل وبقر وظباء ونعام وأتن وحشية مع حمارها، فالحياة الصحراوية الجاهلية بحذافيرها يتمثلها محمد بن الطلبة وغيره من شعراء موريتانيا، وكأنما أراد أن يثبت مدى صحراويته فى شعره فاختار قصيدتين للشماخ ولحميد بن ثور الصحابيين تكتظان بالغريب وبوصف الحياة الصحراوية وحيواناتها وظعنها وعارضهما معارضة رائعة. وبالمثل عارض قصيدة للأعشى، ولن نسوق أمثلة لغزله من هذه القصائد لكثرة الغريب فيها، إنما نسوق له أمثلة من غزلياته الأخرى منحّين ما ينظمه ممتلئا بالألفاظ الصحراوية الآبدة، فمن ذلك قوله مخاطبا محبوبته التى يسميها أم المؤمنين:
كيف التجلّد لا تجلّد بعد ما ... شطّت بأمّ المؤمنين نواها (١)
عوجى قليلا ريثما أشكو الذى ... قد شفّ نفسى منكم وبراها (٢)
ما كان ضرّك لو رددت تحيّة ... فيها لنفسى-لو رددت-شفاها
واها لما أبدى لنا يوم النّوى ... منها الوداع وقلّ منّا واها (٣)
يا ليت شعرى والفراق موكّل ... بالعاشقين متى يكون لقاها
وهو يقول كيف التجلّد للأسى والصبر بعد ما أوغلت بها النّوى وبعد الدار، ويتمنى لو كانت وقفت له قليلا ليشكو لها شفوف نفسه وضنا جسمه بحبها، ويقول إنه حيّاها ولم تحيّه ولو حيته لشفت نفسه مما يضطرم فيها من الألم، ويتفجع لوداعها يوم الفراق ويتحسر متمنيا لقاءها بعد هذا الفراق. ويقول:
لا القلب عن ذكر أمّ المؤمنين سلا ... ولا أرى عاذلاتى تترك العذلا (٤)
بل لا أرى لوم من يلحو ومن عذلا ... إلا يزيد علىّ الهمّ والخبلا
ولا أرانى أرى رسما ولا طللا ... إلا وساءلت عنها الرسم والطّللا
هى التى أنا لا أبغى بها بدلا ... ونيلى الوصل منها نيلى الأملا
فهو لن يسلو صاحبته مهما لامته اللائمات، بل إن لوم من يلومه إنما يزيده هما وجنونا بحبها، ويقول إنه لا يرى رسما ولا طللا إلا سأله عنها كأنما تملأ عليه جميع البقاع، ويؤكد أنه لا يبغى بها بدلا لها إذ نيل وصلها نيل أمله فى دنياه. ويقول فيها:
стр. 5194
إن قلبى متيّم بالحسان ... من ذوات الأحساب من حسّان
كلّ بيضاء خدلة الساق رود ... تتثنّى كأنها غصن بان (١)
جعلت فوق نحرها الشّذر والدرّ ... وناطت قلائد المرجان (٢)
غير أنى ما إن وجدت كأم المؤمنين ... العروب فى النّسوان (٣)
ولها منطق لو اصغى له الرّهبان ... أصبى مشايخ الرّهبان (٤)
وهو يقول إن قلبه مشغوف بالحسان ذوات الحسب والنسب من قبيلة حسان الشنقيطية، فكل فتاة بيضاء منها ممتلئة الساق شابة فاتنة تتمايل تمايل غصن البان على شجرته، وفوق نحرها شذور الذهب واللؤلؤ وقلائده، وفاتنتهن أم المؤمنين الجميلة ذات المنطق الجميل الذى لو أرهف الرهبان السمع إليه لأصباهم ومالوا إليها إعجابا. ولابن الطلبة وراء ذلك غزليات كثيرة. وقد توفى سنة ١٢٧٢ هـ/١٨٥٦ م.
يقوى (٥) الفاضلى
ذكر الدكتور محمد المختار فى كتابه الشعر والشعراء فى موريتانيا طائفة من الشعراء الغزلين فى القرن الثالث عشر الهجرى وما لهم من قصائد ومقطوعات غزلية مثل المجدد المجلسى والمأمون اليعقوبى ومحمد بن السالم والمختار بن محمد الحسنى والهادى العلوى ومحمد بن با بكر، وقال من أفضلهم وأجودهم شعرا يقوى الفاضلى الذى ذكر عنه أنه توفى سنة ١٣٠٣ هـ/ ١٨٨٦ م وقال إنه شاعر رقيق مطبوع، وأنشد له قصيدتين غزليتين، وفى أولاهما يتغزل فى صاحبته سليمى منشدا:
زعم الجاهلون أنّ عهودا ... كنّ بينى وبينها أنساها
أو منحت الوداد غير سليمى ... لا ومن زيّن السّما وبناها
ما تغيّرت لا ولكن عدانى ... عن لقاها أجلّ مما عداها (٦)
ومهاو تهاب-إن نظرتها- ... عين مجتازها الجليد سراها (٧)
قد تجشّمت هولها أتخطّى ... لسليمى حتى دخلت حماها
стр. 5195
وهو يذكر أن من لا يعلمون مدى حبه لها ظنوا أنه نسى ما كان بينه وبينها من عهود أو أنه منح حبه لأخرى ويقسم بمن زين السماء بنجومها وكواكبها أنه ما نكث عهدا لها ولا تغير. إنما شغله عنها أخطر مما شغلها وما يقوم دون لقائها من مفازات مهلكة، يهاب الجليد الجريء الصابر السّرى والسير فيها ليلا، وقد تحمل هولها متخطّيا من مفازة إلى أخرى حتى دخل ديارها وحماها، يقول:
وتميّزتها فدلّ عليها ... فى الدّجى طيب نشرها وبراها (١)
فعلتنى مهابة ووجوم ... من لقاها وما علانى علاها
وأشارت بأنّ فى البيت ناسا ... ينشرون الحديث عمّن أتاها
قلت لأيا وصلت قالت تنحّ ... قبل دهياء معضل ألقاها (٢)
وصفا بيننا الحديث وقالت ... لا تعد مثلها وألقت عصاها (٣)
ثم بتنا بقيّة الليل نلهو ... بأحاديث لا يملّ جناها (٤)
وهو يقول إنه بحث عن سليمى ودلّه فى الليل طيب عطرها وأصوات أساورها وخلاخيلها، ويذكر أنهما حينما تلاقيا علتهما مهابة ووجوم وأشارت إليه أن فى البيت ناسا يذيعون الخبر عمن أتاها وتخشاهم، فقال لها لقد تحملت مشاقّ حتى وصلت إليك فقالت له: الزم ناحية لا تظهرك قبل أن ألقى داهية لا أستطيع النجاة منها، ونازعها الحديث وصفا بينهما وقالت له لا تكرر مثلها، وباتا بقية الليل ينعمان بأحاديث شتّى. والقصيدة سلسة مثل هذا الحوار بينه. وبين سليمى. ويقول فى قصيدته الثانية:
مغان سقانى الدهر فيها على الظّما ... كئوس المنى من كلّ أحور أهيفا (٥)
لعمرى لئن أمست عفاء لفى الحشا ... لها منزل لم يعف قطّ وما عفا
وناهدة تجلو أغرّ كأنما ... بترياقها صبّ المهيمن قرقفا (٦)
على وجنتيها قد جرى متحيّرا ... ولبّتها ماء الملاحة والصّفا (٧)
يقول إنها مغان أو منازل طالما سقاه الدهر فيها-وهو ظامئ-كئوس المنى من كل بيضاء ضامرة الخصر فاتنة، ويقسم إنها إن كانت قد عفت وأصبحت أطلالا فإن منزل صاحبته ودارها فى حشاه لا يعفو أبدا. ويصف صاحبته بأنها شابة تفترّ عن ثغر مشرق وكأنما امتزج رضاب ريقها بخمر مسكرة، ويقول إن رونق الملاحة والصفا يجرى مترقرقا على وجنتيها ولبّتها الجميلة.
стр. 5196
٢ -
شعراء التصوف
عرفت موريتانيا التصوف كما عرفته الأقاليم الإسلامية جميعا، وكان يشيع فيه مذهبان: مذهب فلسفى يؤمن أصحابه بالاتحاد مع الله والفناء فيه وأيضا بحلوله فيهم، ومذهب سنى يقف عند أداء الفرائض الدينية والنوافل والإخلاص العميق لله ومحبته محبة صادقة. وطبيعى أن لا يتعلق الموريتانيون بالمذهب الأول، لأنهم لا يتفلسفون بل يعيشون معيشة أقرب إلى الفطرة، فلم يعتنق المذهب الصوفى الفلسفى عندهم أحد، ونفس معتنقيه فى الأقاليم الإسلامية الأخرى كانوا دائما أفرادا ولم يصبح موجة عامة فى أى بيئة عربية، إنما الذى أصبح له ذلك المذهب الصوفى السنى، وأخذت تظهر فيه طرق منذ القرن السادس الهجرى ومن أهمها الطريقة القادرية لعبد القادر الجيلانى المتوفى سنة ٥٦١ هـ/١١٦٦ م وشاعت فى المغرب، ونجد شعراء موريتانيا يذكرونها ويشيدون بشيخها أحيانا. وأهم منها الطريقة الشاذلية المنسوبة إلى أبى الحسن الشاذلى المتوفى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م وقد انتشر شيوخها فى البلاد المغربية، وكانت أكثر شيوعا فى موريتانيا من الطريقة القادرية، وأوسع منهما جميعا الطريقة التيجانية المنسوبة إلى أحمد التيجانى المتوفى بفاس سنة ١٢٣٠ هـ/١٨١٥ م إذ يبدو أنها انتشرت فى موريتانيا انتشارا واسعا لكثرة من نجدهم من الشعراء يشيدون بها وبمؤسسها ويدافعون عنها دفاعا حارّا، من ذلك قول محمد بن عبد الله العلوى منوها بطريقته وولايته (١):
طالع جواهره واصحب رسائله ... وما يبثّ من الأنوار والحكم
تجد ولايته لاحت معالمها ... كما ترى فى الدّجى نار على علم
وهو يشيد برسائل له فى النزعة الصوفية ولعله يريد بجواهره ورده الذى يقرأ فى الصباح، وينوه بولايته التى شاعت له فى الآفاق كما تشيع أضواء نار على قمة جبل عال. ويقول عبد الله بن أحمد دام، وهو من أتباع طريقته مثل سالفه المعاصر له مدافعا عنه ضد خصوم طريقته (٢):
من كان فى مذهب التيجان ممتريا ... فإننى لكمال الشيخ معتقد
من ينظر الكتب التى أفاد بها ... ينظر كلام محقّ كله رشد
أما الذين تعاطوا ورده فلقد ... أعيا على العدّ حصرا منهم العدد
стр. 5197
فهو من المعتقدين فى إمامة أحمد التّيجانى الصوفية وقطبيته ويقول إن من ينظر فى رسائله ومؤلفاته يعرف روعة كلامه وصدقه وتصوفه الحق، ويذكر أن من اعتنقوا طريقته ويقرءون ورده يفوتهم العدّ والإحصاء. ويقول محمد بن عبد الجليل العلوى (١):
إنا حماة طريق أحمد شيخنا ... ونجيب عنه المنكرين ومن جفا
ونعدّ للعادى عليه صوارما ... وأسود غاب فى الكريهة زحّفا (٢)
وهو يذكر عن نفسه وشيخه التيجانى أنهم حماة طريقته يذودون عنها بالحجج الدامغة وبالسيوف القاطعة تحملها أسود غاب ضارية. ونقف قليلا بإزاء شيخين موريتانيين من شيوخ التصوف.
المختار (٣) الكنتى
من ذرية عقبة بن نافع والى المغرب ومؤسس مدينة القيروان، يقول الشنقيطى عنه: «كان من أفراد عصره علما وصلاحا، ولم نر أحدا يطعن فى ولايته سوى المختار بن بون كان يشدد النكير عليه لما بلغه من أن الشيخ الكنتى يسلبه. ورجع عن ذلك وصارت بينهما مكاتبات وملاطفات، ويقول الشنقيطى: «على أنه لا يوجد ولى إلا وتنكر عليه أشياء من العلماء» ومن نظر فى كتبه سواء كانت فى الحقائق الصوفية أو غيرها يتبين له فضله، وفيه يقول محمد بن الأمين:
وأخرجه ذو العرش للناس نائبا ... عن المصطفى والأمر فاش وذائع
ويرضع من ثدى المعارف من أتى ... مريدا ولم ترضع كذاك المراضع
وهو يقول إن الله أخرجه نائبا عن الرسول فى هداية الناس، وهى مبالغة واضحة. ويذكر أنه يغذى مريديه الكثيرين الذين يأخذون العهود عليه من المعارف الربانية غذاء لا يماثله أى غذاء لشيخ من شيوخ الطرق الصوفية. وقد توفى سنة ١٢٢٦ هـ/١٨١٢ م. وله يدعو إلى العمل الصالح استعدادا للآخرة:
أيقظ جفونك إن القلب وسنان ... وصمّم العزم إنّ العزم كسلان (٤)
وجدّ شوقا إلى أخراك مبتدرا ... إن اللبيب إلى أخراه حنّان (٥)
واعمل لدار بها اللذّات قاطبة ... روح وراح وراحات وريحان
ظلّ وماء وأزهار مفتّقة ... عن الكمائم أشكال وألوان
قيعان مسك بها الأنهار جارية ... خمر وماء وماذىّ وألبان (٦)
стр. 5198
وهو يدعو النائمين عن العمل للآخرة أن يفتحوا عيونهم ويعزموا عزما صادقا على العمل لها والجد فيه فالعاقل من بادر إلى ذلك اشتياقا للآخرة، وعمل لدار الخلد المشتملة على جميع اللذات من راحة وخمر ومسرات وريحان عطر، وظل وماء جار وأزهار عبقة أشكال وألوان وقيعان مسك تجرى من تحتها الأنهار وخمر غير مسكرة وعسل مصفى وألبان، ويسترسل فى وصف من بالجنة من الحور العين منشدا:
بيض نواعم أبكار منعّمة ... تحار فيهن ألباب وأذهان
ير فلن من سندس الفردوس فى حلل ... من فوقها حلل من تحتها بان (١)
نشأن وسط مقاصير مزخرفة ... لم يطمثها بها إنس ولا جان (٢)
ريق لذيد وأنفاس معطّرة ... ومنطق ساحر الألفاظ فتّان
مهورهنّ صلاح دائم وتقىّ ... زهد وصبر وإخلاص وإيمان
وهو يستمد فى وصفه للحور العين من سورة الرحمن فى القرآن الكريم، فيقول إنهن بيض ناعمات أبكار مترفات تحار فى جمالهنّ العقول والألباب يتبخترن فى حلل الفردوس السندسية، وقد نشأن فى غرف مزخرفة، لم يلامسهن إنس ولا جان، ريقهن لذيذ ونفحهن شذى وعطر، ويتحدثن حديثا ساحرا فتانا، ومهورهن صلاح وتقى وزهد وتقشف وإخلاص لله ودينه الحنيف وإيمان صادق.
الشيخ سيديّا (٣)
هو الشيخ سيديّا (بتشديد الياء ومدّها) بن المختار بن الهيب التندغى الأبييرىّ، يقول الشنقيطى: «هو العلم الذى رفع على أهل قطره، واستظلّ به أهل دهره. . اشتغل فى شبابه بالعلوم وبرع فيها بملازمته لأستاذه حرم بن عبد الجليل العلوى. ولما تضلع من علمه شدّ الرحال إلى الشيخ المختار الكنتى بآزواد. . ولازمه ستة أشهر، ثم مات الشيخ المختار فبقى عند ابنه محمد خليفته فى الطريق الصوفى، ولازمه عشرين سنة حتى برع فى معرفة الطريق، ورجع إلى قبيلته أولاد أبيير فتلقوه بما هو أهله واعترفوا بفضله. ولم تزل فضائله تنمو حتى أذعنت له قبائل الزوايا وحسان وصار مثل الملك بينهم فلا يرد أمره، وكان أهلا لذلك كرما وحلما وعلما، ولم تزل الدنيا تنثال عليه. وجعلت العرب منزله فى أرض شنقيط حرما آمنا،
стр. 5199
ولم يكن يمضى عليه يوم إلا وعنده آلاف من الناس يطعمهم ويكسوهم ويقضى جميع حوائجهم ومآربهم. . وكان تلاميذه ومريدوه يحاولون أن يقلّل من هذا الكرم الفياض فلا يستمع إليهم إلى أن توفى سنة ١٢٨٤ هـ/١٨٦٨ م. وكان شاعرا بارعا، وله من قصيدة:
رفعت إلى مولاى جلّ شكيّتى ... وأمّلت نشلى عنده من بليّتى
بليت وهل يبلى مريد بمثل ما ... بليت به من خبث نفس غويّة
حجاب عماها عن شهود صفاتها ... به حجبت عن مشهد الأحديّة
لذلك أفنت جدّها واجتهادها ... ومرغبها فى الفانيات الدّنيّة
صحت من سحاب الواردات سماؤها ... بعصف رياح الهاجسات الرّديّة
مددت إليك الكفّ يا خير واهب ... فلا تحرم الخير المفاض يديّتى (١)
وهو يقول إنه رفع شكواه إلى ربه ضارعا إليه أن ينقذه من بليته، وهل يبلى مريد محب ربه بمثل ما بلى به من نفس خبيثة ممعنة فى الغواية إمعانا حجبها عن مشهد الصوفى لأحديته واتحاده بربه، ويقول إنها جعلت كل همها واجتهادها فى المتاع الفانى، مما جعل الواردات الربانية تنحسر عن سمائها بهبوب رياح الخواطر الرديئة. ويضرع إلى ربه مادّا كفّيه أن لا يحرم يده من خيره الذى يفيضه على عباده، ويريد الخير الصوفى من النسك له والاتحاد به والفناء فيه. وله دعاء طويل يستهلّه بقوله:
يا واسع الرّحمات يا فتّاح ... يا من دعاه لبابه مفتاح
يا برّ يا رزّاق رزقك شامل ... تغذى به الأرواح والأشباح
يا فارج الهمّ المربّ وكاشفا ... كرب العبيد إذا دعوك وباحوا (٢)
فرّج كروب المسلمين جميعهم ... وأغث بما لهم به إصلاح
أنت المغيث وأنت ذو الرّحمى التى ... بنزولها شدد الورى تنزاح (٣)
تلك الأراضى وهدها ونجادها ... جرز بها تتخافق الأرواح (٤)
وهو يدعو ربه قائلا: اشملنى برحمتك الواسعة وافتح لى باب الرزق المغلق، يا من يستجيب للداعين، يا محسن، يا رزاق رزقا شاملا للناس وغير الناس، يا فارج الهم المقيم وكاشفا غم العبيد فرّج كروب المسلمين وأغثهم بما يصلحهم، فأنت المغيث الرحيم الذى برحمته تزول كل الشدائد. ويصور الشدائد فى شنقيط ومراعى تيرس وريفها، فالأراضى منخفضاتها ومرتفعاتها أجدبت، ولم يعد بها إلا رياح تهب يمينا وشمالا ويقول إن البهائم لا تجد ما ترعاه
стр. 5200
وأصبحت عجافا مهزولات، ويضرع إلى ربه طويلا أن يرسل على البلاد سحبا تتدفق بالأمطار، فينبت الزرع ويمتلئ الضرع، وتنشأ الرياض وتجود الأشجار ويروى الظمآن ويشبع الجائع ويعم رخاء لا يشوبه بؤس ولا شقاء.
٣ -
شعراء المدائح النبوية
بدأت هذه المدائح فى حياة الرسول ﷺ على لسان حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير وأضرابهم، وأخذت تتكاثر فى العصر العباسى على لسان أهل السنة مصورين فى الرسول المثل الأعلى للمسلم فى تقواه ونسكه ودعوته لرسالته وجهاده العظيم فى نشرها، وبالمثل على ألسنة الشيعة مرددين أن نوره المحمدى سرى فى أئمتهم. وأخذ المتصوفة-منذ الحلاّج-يشيعون فكرة الحقيقة المحمدية وأن الرسول ﷺ مبدأ الوجود الروحى للحياة البشرية، بل مبدأ النور والوجود فى الكون. ويشيد المادحون له دائما بمعجزاته المبثوثة فى كتب السيرة النبوية وبمعجزته الكبرى الخالدة: القرآن الكريم. وعادة ينهون مدائحهم بالتماس الشفاعة منه يوم القيامة وأن يغفر الله لهم ذنوبهم. ومنذ نشط الشعر فى موريتانيا نرى شعراءها-مثل شعراء الأقطار الإسلامية-يتغنون بمديح الرسول ﷺ مصورين سيرته ومعددين مناقبه ومعجزاته الباهرة وجهاده الرائع فى نشر رسالته وجهاد أصحابه، مع التوسل إليه فى غفران ذنوبهم والشفاعة يوم العرض. وتكثر هذه المدائح فى الشعر الموريتانى، ونختار بعض أمثلة مع الترجمة لبعض من برعوا فى نظمها، فمن ذلك قول محمد بن عبد الرحمن الحسنى-من شعراء القرن الثانى عشر الهجرىّ-فى مديح الرسول ﷺ (١):
فإن لم تكن لى خيمة حول رمسه ... فهذا هواه فى فؤادى خيّما (٢)
ويا ليت خدّى كان موطئ نعله ... وصدرى ضريحا جامعا منه أعظما
وما مثله البحر الخضمّ تكرّما ... ولا كثناياه البروق تبسّما (٣)
ولو قسته ضوءا وجودا وجرأة ... بشمس وضرغام ووبل متى همى (٤)
لكنت كمن قد شبّه الشمس بالسّها ... وبالطّلّ وكّافا وبالهرّ ضيغما (٥)
وهو يقول إن لم تكن لى خيمة أعيش فيها حول قبره فإن هواه خيّم فى فؤادى واستقر به، ويتمنى لو عاش فى زمنه وكان خده موطئ نعله وصدره قبرا لأعظمه العطرة، ويقول
стр. 5201
إن البحر الواسع الزاخر لا يماثله كرما ولا البروق المضيئة تماثل ثناياه تبسما وإشراقا. ولو قاسه أحد بالشمس لكان كمن يقيس الشمس بنجم السّها الضئيل، ولو قاسه بالوبل والمطر الغزير لكان كمن يقيس الطّلّ بالغيث المنهمر، ولو قاسه أيضا بأسد لكان كمن يقيس الهر بأسد شديد الضراوة. ولغالى بن المختار فال البوصادى-من شعراء النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجرى-مدحتان رائعتان فى الرسول يقول فى إحداهما (١):
محمد سيّد الكونين سيّد من ... يمشى على الأرض من حاف ومنتعل (٢)
محمد سيد الأقطار سيّد من ... حاز العلا من ذوى الأمصار والنّقل (٣)
من للعصاة شفيع للمضام حمى ... للمسنتين ربيع كالحيا الهطل (٤)
للمهتدين سنا للمرملين غنى ... علاؤه فوق كلّ المرسلين عل (٥)
بدر حلاه به الآفاق حالية ... للمشتكين منى للمرسلين ولى (٦)
وغالى يقول محمد سيد الدنيا والآخرة وسيد كل من يمشى على الأرض حافيا ومنتعلا وسيد الأقطار وسيد كل من حاز شرفا من البدو والحضر، شفيع العصاة حمى لهم، وللمجدبين ربيع كالغيث المنهمر، وهو نور مشرق للمهتدين، وغنى للفقراء المعوزين، ومنى للمشتكين السائلين وسيد الأنبياء والمرسلين، إنه بدر ازدانت بأضوائه الآفاق، وقد علا علاؤه وشرفه فوق كل المرسلين. وللأحول الحسنى مدائح متعددة للرسول ﷺ ، ومن قوله فى إحداها (٧):
قدوة الأنبياء قطب رحى الكو ... ن وإنسان مقلة الإيجاد
وسراج الورى المنير المحيّا ... وبشير الورى النذير العباد
وكتاب عليه أنزله الل ... هـ شفاء ورحمة للعباد
بشّرت آيه وأنذرت النّا ... س بوعد الثواب والإيعاد
وفنون من البلاغة تعيى ... بلغاء الجواب فى كل ناد
وهو يقول إن الرسول القدوة المثلى للأنبياء ومحور حركة الكون وإنسان عين الإيجاد والخلق. وواضح أن هذا البيت الأول يستمد من فكرة الحقيقة المحمدية وأنه مبدأ الوجود وروحه، ويقول إنه سراج البشرية ذو الوجه المنير، وقد أرسله الله بشيرا ونذيرا للناس، وأنزل عليه القرآن شفاء ورحمة لهم يبشرهم بثوابه وينذرهم بإيعاده أو عقابه، وقد حوى من فنون البلاغة ما أعجز البلغاء فى كل ناد وجماعة عن معارضته والإتيان بمثله. ويقول محمدى العلوى مولدية نبوية بديعة، منها قوله (٨):
стр. 5202
أهلا بشهر المولد ... شهر العلا والسّؤدد شهر النبىّ أحمد
شهر ربيع الأوّل ... أهلا بشهر الهادى
لمنهج الرّشاد وقائد وحاد
إلى الطريق الأمثل ... أهلا بليل اثنى عشر
فيه ويومه الأغرّ وطيب ذلك السّحر
ونور أفقه الجلى
والمدحة بديعة، وهو يرحب بشهر المولد للنبى: شهر العلا والفخر والمجد، شهر الحبيب المصطفى شهر مولده: ربيع الأول، شهر الهادى إلى الرشاد والقائد والحادى إلى الطريق المستقيم. ويرحب بليلة ميلاد الرسول ليلة اليوم الأغر الشريف الثانى عشر، وبما نشر سحرها من طيب عطر ونور منتشر فى أفقه بل فى كل الآفاق. ويقول محمد بن الشيخ سيدىّ الأبييرى خليفة أبيه فى الطريقة الصوفية والمترجم له بين شعراء الفخر مدحة مولدية بارعة، منها قوله (١):
أهلا بميلاد مولود به كملت ... بشرى البشائر للبادى وللقروى
أكرم بها ليلة غرّاء ضاحية ... فيها يتيمة سمط اللؤلؤ اللأوى (٢)
أكرم بها ليلة غراء مظهرة ... سرّ الوجود الذى فيه الوجود طوى
لولاه ما أنزل الذكر الحكيم ولا ... الدّين القويم ولا ما فى الصّحاح روى
ولا أقيمت من الإسلام قاعدة ... ولا بدا فضل سنّىّ على حشوى
ولا أبان بيانىّ معانيه ... ولا نحا النّحو نحوىّ ولا لغوى
لولاه لم يغلب الروم الغلاب ولا ... ملوك ساسان تيمىّ ولا عدوى
وهو يهلل لميلاد الرسول الذى به تمت بشرى البشائر لكل بدوى وحضرى، ويقول ما أكرمها من ليلة شريفة مضيئة بيتيمة عقد اللؤلؤ الفريد المنتمى إلى لؤى بن غالب جدّ الرسول، وما أشرفها من ليلة أظهرت سر الوجود ومبدأه الذى استمد منه الكون وجوده، إنه العلة الأولى والسر الأول فى خلق الوجود ونشوء الكون، وللرسول بذلك وجودان: وجود معنوى هو لب الوجود الكونى ووجود حسىّ مادىّ حين ولد ثم بعث للناس هاديا وسراجا منيرا. ويقول: لولاه ما أنزل القرآن الكريم ولا الدين الحنيف أو شريعته القويمة ولا رويت أحاديثه فى كتب الصحاح الستة: صحيح البخارى ومسلم وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة، ولولاه ما أقيمت قاعدة للإسلام ولا عرف الناس فضل السّنّى على
стр. 5203
الحشوى من أهل التجسيم والعقيدة الزائفة. ولولا بلاغة كتابه التى اهتدى بها البلغاء ما كان بليغ، ولولا العلوم الكثيرة التى نشأت حوله ما كان نحوى ولا لغوى، ولولا رسالته العظمى ما غلب الروم الأقوياء وملوك الفرس الساسانيين أبو بكر الصديق التيمى وعمر بن الخطاب العدوى. ويقول الشيخ محمد الشمشوى المتوفى سنة ١٢٩٢ هـ/١٨٧٦ م صادرا عن فكرة الحقيقة المحمدية (١):
ألا قد أقرّ الكون أنّ محمدا ... لكلّ فروع الفضل أصل مقدّم
فمنه استفاد الحسن كلّ يتيمة ... من الدّرّ يكساها غزال منعّم
ومنه استفاد الضوء وجه غزالة ... جنى الضوء منها زبرقان ومرزم (٢)
ومنه استفاد الاقحوان نضارة ... وحسن جمال الثّغر إذ يتبسّم
وهو يقول إن الكون أقرّ بأن الرسول ﷺ أصل كل ما فى الكون من فروع الفضل والجمال. فمنه استفادت الحسن كلّ درة يتيمة فى عقد على لبّة سيدة جميلة منعمة، ومنه استفادت الشمس ضوءها، ومنه أخذ البدر ضوءه وكذلك نجوم المطر. ومن الرسول استفاد الأقحوان نضارته واستفاد كل ثغر لسيدة من جماله حين يبتسم. ونكتفى بما قدمنا من أمثلة المديح النبوى الموريتانى، ونقف قليلا عند نفر من مجيديه.
مولود (٣) بن أحمد الجواد اليعقوبى
يقول الشنقيطى فيه «هو العلامة النحرير، واللغوى الشهير، أحد أعلام تلك البلاد، وإليه المرجع وعلى أقواله الاعتماد. . من أكابر تلاميذ العلامة المختار بن بون» المترجم له بين شعراء الفخر، ويقول الشنقيطى أيضا: «كان مدّاحا لرسول الله ﷺ ، ومن ذلك قصيدته المعروفة بالمرجانية، وفيها يقول:
أزكى صلاة وتسليم على قمر ... بدر به قد أنار الله أكوانه
يا ربّ صلّ عليه دائما أبدا ... ما حلّ أعراض هذا الكون أعيانه (٤)
دين حنيف محا الماحى به وعفا ... آثار من كان فى خسر وأديانه
أنت الذى أزلف الله الجنان لمن ... والى وأبرز للعاديه نيرانه (٥)
لو كان ذا الكون إنسانا لكنت له ... طرفا ولو كان طرفا كنت إنسانه (٦)
أنت السراج المنير الّذي أنار به ... نور السموات والأرضين أكوانه
стр. 5204
وهو يصلى ويسلم على الرسول بدر الوجود الذى أنار الله به أرجاء كونه، ويدعو الله أن يصلى عليه ما دام الكون قائما وما دامت الأعراض تتعلق بموجوداته. وينوه بالإسلام وأنه دين حنيف محا به الماحى (من أسماء الرسول) آثار الخسران والديانات الباطلة، وقد قرب الله لمن والاه الجنان وأذاق أعداءه العاصين نيرانه، ولو كان الكون إنسانا لكان عينه المبصرة، أو لو كان عينا لكان إنسانها الذى ترى به الدنيا. ويلخص فى البيت الأخير فكرة الحقيقة المحمدية وأنه مبدأ الوجود ونوره وكل نور فى السموات والأرض مستمد من سراجه، فهو منبع كل نور. ويقول:
ما سدّ باب كريم دون قارعه ... فاقرع تجد باب مولى الأنعم انفرجا
وارغب إلى ربّك الأعلى ليجعلنا ... ممّن على النهج نهج المصطفى درجا (١)
نهج الذى أنزل الله الكتاب هدى ... لنا عليه ولم يجعل له عوجا (٢)
منه استفاد النّبيّون النبوّة إذ ... مما له ما لهم منها قد اختلجا (٣)
ألا طربت ألا إنّي طربت إلى ... من حبّه مع لحمى والدّم امتزجا
من للنبيين من للرّسل أين لهم ... من قاب قوسين معراج كما عرجا (٤)
وهو يقول اقرع باب الربّ الكريم المنعم تجده قد انفتح، وادعه أن يجعلنا ممن سار على نهج المصطفى وكتابه الذى أنزله الله عليه ولم يجعل له عوجا ولا التواء، ويقول متمثلا فكرة الحقيقة المحمدية إنه مبدأ الأنبياء، منه استفادوا نبوتهم التى خالجتهم فى نفوسهم. ويذكر أن حب الرسول امتزج بلحمه ودمه، ويقول إنه ليس للأنبياء والرسل معراجه الذى خصّه الله به. ويشير إلى ما جاء فى سورة النجم: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾.
محمد (٥) بن محمد العلوى
يقول الشنقيطى عنه: «برع فى عنفوانه فى العلوم وصرف همته إلى نظم الشعر، وبلغ صيته فى قطره مبلغا لم يبلغه أحد ممن عاصره». ولما بلغ نحو الثلاثين من عمره عزم على الحج، ومر بمراكش ومدح سلطانها عبد الرحمن العلوى (١٨٣٤ - ١٨٥٩ م) واحتفى به، ثم توجه إلى الحرمين الشريفين فبدأ بالزيارة ثم قضى حجه، وفى طريقه من مكة إلى جدة توفى، يقول الشنقيطى: كان حيا بعد سنة ١٢٥٠ هـ/١٨٣٥ م ويقول الدكتور محمد المختار
стр. 5205
إنه توفى سنة ١٢٧٢ هـ/١٨٥٦ م ويذكر الشنقيطى أن ديوانه مجلد ضخم، وكان مدّاحا بارعا للرسول ﷺ ، وفى إحدى مدائحه يقول:
وجّهت وجهى إلى خير الورى وأرى ... لنفسى الفوز بالمطلوب والظّفرا
وجهت وجهى إلى مغنى الفقير ألا ... إنّي لمعروفه من أفقر الفقرا
وجّهت وجهى لذى الخلق العظيم وذى ال ... مجد الصميم عديم الشّكل والنّظرا
وجهت وجهى لمحمود المقام ومق ... صود الأنام إذا الخطب الجليل عرا
من آيه وكفى القرآن معجزة ... ما كان من خارق فى بدئه ظهرا
يكفيك أن إله العرش صوّره ... كما يشاء ومنه صوّر الصّورا
ويبدو أنه نظم القصيدة حين عزم على الحج والزيارة أو لعله كتبها فى طريقه إلى الزيارة، وهو يقول: وجهت وجهى إلى خير البشرية، وفى ذلك فوزى وظفرى بكل ما أطلب إذ وجهت وجهى إلى مغنى الفقير روحيا، وإنّي لمن أفقر الفقراء إلى معروفه. إنه صاحب الخلق الرفيع والمجد المؤثل عديم النظير، صاحب المقام المحمود والمقصود فى نوازل الخطوب، ومن معجزاته الباهرة القرآن، المعجزة الخارقة. وصور الشاعر فى البيت الأخير صورة وجوده المادى الحقيقى التى صوره الله فيها صورة رفيعة، وصورة وجوده المعنوى الذى صوّر الله منه صور الموجودات، وهو وجود يسبق خلق الكون وموجوداته. ويقوله فى مدحة مولدية:
إنسان عين الكون غرّة وجهه ... حاوى التفرّد بالمقام الأرفع
باب الإله ومصطفاه لسرّه ... وسراج حجّته الذى لم يقشع (١)
من خصّه بحلى الكمال إلهه ... والكون واقع أمره لم يوقع
يا مولد الهادى لشهرك نفحة ... أرج الزمان بنشرها المتضوّع (٢)
أكرم بمولد ذى الختام بيومه ... وبشهره وبعامه والموضع
وهو يقول إن محمدا ﷺ إنسان عين الكون وغرّة جبينه المشرقة صاحب المقام الأرفع الفريد عند ربه، باب رضاه وغفرانه ومصطفاه لسره ورسالته وسراج شريعته الذى لم تنحسر أضواؤه أبدا، وقد خصه بالكمال الأسمى قبل حدوث الكون وخلقه. والشاعر بذلك يشير إلى حقيقته المحمدية الأزلية التى خلقت قبل خلق الكون ووجوده. ويقول إن لشهر مولده نفحة روحية، تعطر الزمان بشذاها الفائح، فما أكرم مولد خاتم الرسل، وما أعظم شهره وعامه وموضع مولده.
стр. 5206
محمد (١) بن حنبل
يقول الشنقيطى فى ترجمته: «كان محمد هذا من العلماء الأعلام، واشتهر فى اللغة. وكان نحويا وله اليد الطولى فى البيان. وكان حريصا على طلب العلم، يقال إنه مكث سبع سنوات منقطعا لطلب اللغة» وأنشد الشنقيطى له قصيدة فى مديح الشيخ سيديّا حضّ فيها على طلب العلم ومدارسته حضّا شديدا، وله قصيدة يزرى فيها بأهل الجهل ومقصورة مدح بها الشيخ سيديّا عارض بها مقصورة أبى صفوان الأسدى وما تصور من حيوانات الصحراء وطيرها وما تحمل من ألفاظ بدوية آبدة مما يدل على ثقافته الأدبية واللغوية الواسعة، وأنشد له الدكتور محمد المختار نبوية طويلة فى نحو مائة وثمانين بيتا، وهى نبوية رائعة، توفى سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م ومن قوله فيها مستمدا من فكرة الحقيقة المحمدية الأزلية:
طه الصّراط المستقيم محمد ... تاج الخلائق سيد الأبرار
أصل الوجود وحليه وعتاده ... ومفيض بحر الجود والأنوار
نور السراج وكلّ نجم طالع ... من نوره والشمس والأقمار
والحور والولدان فى غرفاتها ... والدرّ والياقوت والأزهار
والعرش والكرسىّ والألواح والأ ... قلام والأفهام والأبصار
والمسك فى فاراته والندّ فى ... أحقاقه والروض ذى الأنوار (٢)
وهو يقول إن طه هو محمد الصراط المستقيم الذى لا ينحرف أبدا تاج الخلائق سيد النسّاك. ويأخذ ابن حنبل فى ذكر حقيقته الأزلية، فهو أصل الوجود وزينته وعدّته، ومفيض غيث كرمه وأضواء أنواره إنه أصل كل نور فى السراج وفى النجوم والكواكب والشمس والأقمار، وأصل كل جمال فى حور الجنان وغلمانها وفى اللؤلؤ والياقوت والأزهار، وأصل كل وجود فى العالم العلوى من عرش وكرسىّ وألواح وأقلام وفى العالم السفلى من أفهام وأبصار وهو طيب المسك فى أوعيته وطيب النّدّ فى حقاقه وشذا الأزهار فى روضها المونق. ويستمر ابن حنبل فى نفس الفكرة قائلا:
وبه نجا فى الفلك نوح وأهله ... ونجا الخليل من التهاب النّار
وأقام آدم فى الجنان وزوجه ... وبنوهما فى البدو والأمصار
وبيمنه قبل الإله متابه ... من بعد مكر الخادع الغرّار (٣)
стр. 5207
ونجا الذبيح بذبحه من بعد ما ... أنحى عليه بصارم بتّار
وبه سرى موسى الكليم بقومه ... وبه انفلاق الخضرم الزخّار (١)
وهو يردّ الخلاص من كل ما نزل بالرسل إليه وكذلك كلّ ما جرى على أيديهم من معجزات فهو سرّ الوجود وكل ما فيه وكل ما حدث للأنبياء والرسل مستمد منه، فبه نجا نوح ومن آمن به فى الفلك من الغرق، ونجا إبراهيم الخليل من النار واستحالت بردا عليه وسلاما، وبه كرّم آدم وزوجه بمقامهما فى الجنة وأغواه إبليس فقبل الله بيمنه توبته وأكرم ذريته فى البدو والحضر، ونجا إسماعيل من ذبح أبيه إبراهيم، وبيمنه سار موسى الكليم بقومه ليلا، وانفلق له ولهم البحر الواسع الزاخر فكان كل فرق كالجبل العظيم وغرق فرعون ومن معه. وعلى هذا النحو يطيل ابن حنبل فى بيان الحقيقة المحمدية الأزلية، فهو أصل كل موجود فى الكون وأصل كل نعمة أسبغت على الرسل بيمنه وفضله. ويتحدث عن القرآن معجزة الرسول الكبرى قائلا:
وأتى بكلّ مهيمن ما إن تفى ... لسن المناطق منه بالمعشار (٢)
آيات عيسى والكليم بجنبه ... كالطّلّ جنب مزمزم همّار (٣)
سور كأشباه الرياض تضوّعت ... بشذا العبير وجونة العطار (٤)
وتناسقت ألفاظها وتناسبت ... آياتها كتناسب التّقصار (٥)
وطوالها كقصارها وقصارها ... كالدرّ يبرز فى نحور جوار
فالرسول ﷺ قد جاء بمعجز من القرآن الكريم، لا يستطيع البلغاء الفصحاء الإتيان بسورة من مثله، ومعجزات عيسى من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ومعجزات موسى كليم الله من انفلاق البحر كل هذه المعجزات لموسى وعيسى بجانب معجزة القرآن الخارقة التى ليس لها سابقة ولا لاحقة كالمطر القليل بجانب السحاب المرعد الذى تنهمر أمطاره، سور كريمة مثل الرياض تفوح بشذى الطيب ووعائه لدى العطار، وألفاظها متناسقة تناسق اللآلى فى القلادة البديعة، وطوالها مثل قصارها تشبه الدرر فى نحور الجوارى الفاتنات.
٤ -
الشعراء والشعر التعليمى
عرضنا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف أن رقى الحياة العقلية حينذاك أدّى إلى استحداث فن الشعر التعليمى، وكان من السابقين إليه أبان بن عبد الحميد بترجمة كتاب كليلة ودمنة عن الفارسية إلى العربية فى نحو ١٤ ألف بيت من الشعر المزدوج المنظوم من وزن الرجز وفيه
стр. 5208
تختلف القافية من بيت إلى بيت، مع اتحاد الشطرين المتقابلين فيها بكل بيت، ونظم مزدوجات أخرى فى التاريخ والفقه. ومن حينئذ شاع هذا الفن الجديد فى العراق وإيران والبيئات الإسلامية المختلفة، وتكاثرت منظوماته فى الأندلس والمغرب، وتأخذ فى الظهور بموريتانيا فى القرن الثانى عشر الهجرى وسرعان ما تتكاثر كثرة مفرطة فى القرن الثالث عشر، ومن أمثلتها فى أواخر القرن الثانى عشر نظم المجيدرى لما ورد عن العرب من كلمات على وزن فاعول ولا مهاسين مثل طاوس وناقوس (١). ونلتقى بالمختار بن بون المتوفى حول سنة ١٢٢٠ هـ/١٨٠٦ م وله فى النحو نظم سماه الاحمرار ذكر فيه من تسهيل ابن مالك ما لم يذكره فى الألفية، ومزجه بها مزجا جيدا يدل على مهارة تامة (٢). وكان يعاصره عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوى المتوفى سنة ١٢٣٠ هـ/١٨١٤ م وقد نظم كتاب جمع الجوامع فى أصول المذهب المالكى للسبكى وسمى نظمه مراقى السعود، وألف شرحا لهذا النظم باسم نشر البنود يقول الشنقيطى: «لم يأت الزمان بمثله، ولا جاد فيما مضى بشكله» وألف فى علم البيان نظمه «نور الأقاح» ووضع له شرحا سماه «فيض الفتاح» جمع من فنون البلاغة الثلاثة: المعانى والبيان والبديع الدرّ الثمين، ألغى فيه الغث وأخذ السمين، وله فى مصطلح الحديث نظم سماه «طلعة الأنوار» وضع عليه شرحا (٣) ولابنه محمد منظومة فى الأفعال جمع فيها ما فى التسهيل لابن مالك وما فى لاميته وما فى شرح بحرق اليمانى للامية، وشرح المنظومة، وهو عمل لغوى بارع، ويقول الشنقيطى معبرا عن إعجابه بهذا العمل: ناهيك به (٤). ولعبد الله بن أحمد الغلاوى معاصر ابن الحاج وأحد أفراد زمنه فى العلم وأعلم من بأرض الحوض منظومات (٥) متعددة، منها منظومته لرسالة ابن أبى زيد القيروانى فى الفقه المالكى، أنشد الشنقيطى من فاتحتها قوله:
ولم أكن جذيل هذا الفنّ ... وما علىّ لومة لأنّى (٦)
شغلت بالنّحو وبالبيان ... و (إنّ هذان لساحران)
ويذكر الشنقيطى أنه نظم متنا فى الفقه لعبد الرحمن الأخضرى الجزائرى صاحب متن السلم المشهور فى المنطق، وبدأ نظمه بقوله:
عبد الإله الشنقطىّ يشترى ... بعقده المنظوم تبر الأخضرى
وقال إنه نظم أيضا متن الخزرجية فى العروض، واستهلّ نظمه لهذا المتن بقوله:
الحمد لله على تخريجى ... مسائل العلوم بالتدريج
стр. 5209
ويبدو أن منظوماته العلمية كانت سائغة جيدة، ويقول الشنقيطى إنه همّ بنظم مختصر خليل فى الفقه ثم صرفه عن ذلك صارف (١).
وللتجانى بن باب المتوفى حول سنة ١٢٦٠ هـ منظومة فى أزواج النبى ﷺ وأولادهن منه وما لكريماته الطاهرات من بنين وبنات، وله على هذه المنظومة كما يقول الشنقيطى شرح نفيس. وله أرجوزة نظم فيها ورقات الجوينى إمام الحرمين فى علم الأصول (٢). واشتهر أحمد البدوى المجلسى بمنظومتين (٣): منظومة فى أنساب العرب سماها عمود النسب استهلها بقوله:
حمدا لمن رفع صيت العرب ... وخصّهم بين الأنام بالنبى
والمنظومة الثانية فى غزوات الرسول ﷺ ، وينوه الشنقيطى بجودة نظمها وأنها تدل على تبحره فى السيرة النبوية، افتتحها بقوله:
حمدا لمن أرسل خير مرسل ... لخير أمة بخير الملل
وأفضل الصلاة والسلام ... على لباب صفوة الأنام
وأنشد له الشنقيطى قطعتين فى غزوة الخندق وغزوة حنين. وممن أكثروا من الشعر التعليمى فى النحو عبد (٤) الودود بن عبد ألّ من نحاة النصف الثانى من القرن الثالث عشر الهجرى وشعرائه، وله مقطوعة فى مد المقصور استهلها بقوله:
ومدّ مقصور خلافه اشتهر ... وفصّل الفرّاء تفصيلا بهر
ومضى فى المقطوعة يذكر تفصيله لأحكام مد المقصور، ويقول الشنقيطى: «له قصيدة غزلية فى المصادر الغربية، وما ترك مسألة عويصة فى النحو إلا نظمها أسلس نظم وأتقنه، وعلى شاكلته المختار بن ألمّا، يقول الشنقيطى: توفى بعد سنة ١٣١٠ هـ/١٨٩٣ م وله أنظام كثيرة فى النحو (٥)، ومثلهما الحسن بن زين تلميذ عبد الودود المتوفى قريبا من ١٣٢٠ هـ/١٩٠٣ م يقول الشنقيطى: له استدراك على لامية الأفعال لابن مالك مزجه بها ولولا أنه كتبه بالحمرة لالتبس بنظم ابن مالك، وله أنظام كثيرة مفيدة، وينشد بعض نظمه فى مسائل نحوية (٦).
стр. 5210
القسم الرابع
السودان
стр. 5211
الفصل الأوّل
الجغرافية والتاريخ
١ -
الجغرافية (١)
السودان جنوبى مصر فى القارة الإفريقية، ويمتد على جانبى نهر النيل من وادى حلفا عند خط عرض ٢٢ شمالا إلى خط عرض ٤٠ - ٣ إلى الجنوب، وهى مسافة تقدر بحوالى ألفى ميل طولا وتبلغ المسافة من الشرق إلى الغرب نحو ألف ميل عرضا. وتبلغ مساحة السودان حوالى مليون ميل مربع، وهو ثلاثة أقسام: السودان الشمالى الواقع بين وادى حلفا والخرطوم، والسودان الأوسط الواقع بين الخرطوم وحوضى نهر السوباط وبحر الغزال، والسودان الجنوبى الواقع بين هذين الحوضين والحوض الجنوبى لنهر النيل. وليس هناك حدود طبيعية بين السودان والكنغو ولا بينه وبين الحبشة، واتّفق على خطوط فاصلة بينه وبين القطرين جميعا.
والصحراء تطل على جانبى النيل فى السودان الشمالى وتتخللها تلال صخرية كثيرة، أما فى السودان الأوسط جنوبى الخرطوم فتقل التلال، ويصبح السطح أشبه بسهل، ويمتد السهل شرقا حتى مرتفعات الحبشة وجنوبا شاملا السودان الجنوبى حتى هضبة البحيرات الاستوائية. ويرفد النيل من الحبشة نهران: نهر النيل الأزرق ويصب فيه مياهه بالقرب من الخرطوم، ونهر عطبرة ويصب فيه شمالى مدينة الدامر حاملا ذخيرة كبيرة من الطمى. وأخصب أجزاء السودان أوسطه أو بعبارة أخرى السودان الأوسط، ففى شرقيه حتى تلال الحبشة سهل طميىّ خصب يحتضنه النيل الأزرق من جهة والنيل الأبيض من جهة ثانية، ويسمى أرض الجزيرة، وتبلغ مساحته نحو مليون فدان وتجود فيه الحبوب والقطن. وغربى السودان الأوسط سهول رملية تمتد حتى مرتفعات كردفان بل حتى جبل مرة فى دارفور وما وراءه وأيضا حتى جبال النوبة وخط تقسيم المياه بين حوض النيل وحوض بحيرة تشاد. وهذا الغرب كله مراع واسعة يتجول فيه أهله صيفا وراء قطعانهم من الأنعام: الإبل والأغنام ويزرعون فى بعض البقاع الذرة والدخن، ويعنى سكان جبال النوبة بالزراعة وخاصة زراعة القطن.
وفى الشرق الاقليم بين حوضى النيل الأزرق وعطبرة يسمى سهل البطانة وتكثر فيه التلال
стр. 5212
كلما اتجهنا شرقا حتى مدينة كسلا، وعندها يظهر خط الجبال الذى يفصل بين نهاية سهل البطانة وبداية جبال إريتريا. وفى هذا السهل مراع واسعة ومناطق زراعية على شواطئ النيل ونهر عطبرة ويزرعون الحبوب والقطن.
وعلى شواطئ النيل فى السودان الشمالى تزرع الذرة، وشرقى السودان الشمالى سهول تمتد شرقا حتى البحر الأحمر وشمالا حتى الصحراء الشرقية فى مصر، وتسكنه قبائل مختلفة أهمها البجّة وتكثر فيه المراعى ويعيش سكانه على الرحلة وراء أنعامهم من مرعى إلى مرعى. ويختلف فيه زمن نزول المطر ففى الصيف يسقط فى الداخل، ويتزايد من الشمال إلى الجنوب، وفى الشتاء يسقط على الساحل والتلال الشرقية. وأهل البجة الشماليون يسمون البشاريين، وأكثر عملهم فى مناجم الذهب، وأهل العشائر القريبة من ميناء بورسودان على البحر الأحمر يعمل كثيرون منهم فيها، والعشائر النازلة بين كسلا وسنكات فى الطريق إلى بورسودان يعملون فى دلتا خور القاش حيث يزرعون القطن والذرة، وأبناء عمومتهم النازلون على حدود إريتريا يزرعون القطن فى دلتا خور بركة عند طوكر.
والسودان الجنوبى الممتد جنوبى نهر السوباط وبحر الغزال تغطيه الحشائش والأدغال شمالا، ويتحول فى الجنوب إلى مستنقعات تغطّيها الغابات والبردى وحشائش مختلفة. وتؤثر هذه النباتات تأثيرا كبيرا على مياه النيل المنحدرة من بحيرة البرت إلى بحر الغزال إذ تفقد نحو نصفها بسبب سدود النباتات التى تعترض مسيرتها، كما تعترض مسيرة بحر العرب المنحدرة مياهه شرقا إلى بحر الغزال. وتجرى فى هذه المنطقة روافد عديدة للنيل وترتفع بها بعض أجزاء يبنى عليها سكانها قراهم ويرعون أنعامهم، ويزرعون بعض بقاعهم، مع ملاحظة أن المستنقعات تكثر كثرة مفرطة فى أقصى الجنوب. وبجانب الزراعة أحيانا والمراعى يصيدون من المياه الأسماك ومن الغابات المجاورة بعض الحيوانات وخاصة فى الأنحاء الغربية.
والمناخ فى السودان الشمالى شديد الحرارة صيفا. وهى شدة تظل من شهر أبريل إلى شهر أكتوبر، وتبلغ فى أكثر الأحيان ٤٠ م ويزيد الجوّ الحار قسوة وشدة ما تحمله رياح السودان المحلية المسماة بالهبوب من الرمال. والسودان الأوسط والجنوبى شديدا الحرارة أيضا إلا أن حرارتهما لا تبلغ فى الشدة مبلغ حرارة الإقليم الشمالى صيفا، وأحرّ شهور السودان الجنوبى شهور يناير وفبراير، ثم يأخذ مطر الصيف فى النزول فيقلل درجة الحرارة تدريجا. ودرجة الحرارة فى دارفور أقل منها فى كردفان والخرطوم لأنها أكثر منهما ارتفاعا فوق مستوى سطح البحر. والمطر فى السودان الجنوبى غزير، ويبدأ فصله هناك من شهر مارس، ويأخذ فى الازدياد بالأشهر التالية ويبلغ الذروة فى شهرى يولية وأغسطس، ثم يأخذ فى التناقص حتى شهر نوفمبر، وأشهر ديسمبر ويناير وفبراير هناك أشهر الجفاف.
стр. 5213
٢ -
التاريخ
(أ) السودان فى العصور (١) القديمة
يرتبط السودان فى تاريخه السحيق بمصر منذ عهد الأسرات الأولى لحضارة قدماء المصريين بعامل حفاظ تلك الأسرات على الأمن فى جنوبى مصر وعلى طريق التجارة. وفى أخبار الأسرة الرابعة أن سنفروقام بحملة فى الجنوب، لعلها كانت حملة تأديبية، وتتجدد الصلات فى عهد الدولة الوسطى بغرض السيطرة على أرض النوبة فى الجنوب وأخذت هذه الصلات تتسع فى عهد الدولة الحديثة إذ مدت سيطرتها إلى الشلال الرابع. وسميت الأراضى الممتدة إلى ذلك الشلال-منذ ذلك الحين-باسم أراضى النوبة وكانت قسمين شماليا وجنوبيا ومصرّت تماما فى عهد تلك الدولة، وسكن النوبة الجنوبية كوشيون طبعوا بطوابع الحضارة المصرية كما تدل آثارهم المكتشفة فى أراضيهم، وكان الحاكم هناك يعد نائبا لملك مصر. ويدور الزمن دورات ويدخل الليبيون مصر ويطردون منها، ويتسمى حكامهم باسم الملوك. وتلى ذلك حقبة غامضة لا نكاد نعرف عنها شيئا، وتكونت حينئذ ثلاث دول نوبية: الأولى فى الشمال وعاصمتها نوس وتسمى نوباديا بعد الشلال الأول والثانية فى الوسط بإقليم دنقلة وتسمى مقرة. والثالثة جنوبى الخرطوم مباشرة وعاصمتها سوبا وتسمى علوة.
ولما اضطهدت روما المسيحية المسيحيين فى مصر فرّ كثيرون من معتنقى المسيحية إلى نوباديا دولة النوبة الشمالية، وهناك أخذوا يدعون لدينهم المسيحى واعتنقه بعض النوبيين، ولما أصبحت المسيحية فى روما دين الدولة الرسمى فى عهد قسطنطين سنة ٣١٢ للميلاد نشطت فى نوباديا البعثات التبشيرية، وممن اشتهروا بهذا النشاط التبشيرى تيودور أسقف أسوان وفيلة ونزل نوباديا واختلط بالزعماء النوبيين فيها واعتنق كثير منهم الدين المسيحى كما اعتنقه كثير من أهل نوباديا.
واتسعت حركة التبشير للدين المسيحى فى عهد الإمبراطور جوستنيان (٥١٧ - ٥٦٥ م) وكانت الكنيسة المصرية تنادى بالطبيعة الواحدة للمسيح ضد القائلين من كنيسة روما والقسطنطينية بأن للمسيح طبيعتين. وحاول جوستنيان أن يرسل بعثة إلى نوباديا للدعوة إلى عقيدته، ووصلت إلى جزيرة فيلة مع أسقفها تيودور، فجهزها ورافقها إلى نوباديا للدعوة إلى عقيدته وسارعت الكنيسة القبطية بإرسال بعثة للدعوة إلى عقيدتها برياسة جوليان، ووصلت
стр. 5214
البعثة إلى جزيرة فيلة وجهزها ورافقها إلى نوباديا ونجحت البعثة فى مهمتها وأخفقت بعثة الإمبراطور جوستنيان، وتوفى جوليان فعيّن مكانه أسقفا لبلاد النوبة لونجنيوس سنة ٥٦٩ للميلاد، والتفوا حوله، ودعاه ملك علوة فى الجنوب، فذهب إليها وأصبحت مسيحية يعقوبية تدين بعقيدة مصر فى طبيعة المسيح الواحدة. وأخذت دولة مقرة تدخل بدورها فى المسيحية، ويقال إنها اعتنقت أولا فكرة الطبيعتين فى المسيح ثم تركتها إلى فكرة الطبيعة الواحدة مثل نوباديا وعلوة، ونظن أنها تأخرت فى التنصر بعد نوباديا وعلوة وأنها أخذت بعد ذلك فى التنصر تدريجا على مذهبهما اليعقوبى، وأنها لم تبدأ تنصرها على مبدأ الطبيعتين كما يقال. ويبدو أن مملكة نوباديا ذابت فى مملكة المقرة ولم يعد هناك سوى مملكتين: مملكة مقرة ومملكة علوة، وذلك إما قبيل الإسلام أو بعده بقليل.
(ب) السودان (١) فى العصور الإسلامية
ذكرنا فى حديثنا عن فتح العرب لدول المغرب الأقصى أنهم لم يكونوا غزاة فاتحين طلبا لمغانم مادية إنما كانوا دعاة للإسلام مجاهدين، ونرى عبد الله بن سعد بن أبى سرح والى الخليفة عثمان على مصر بعد أن يتم له فتح ليبيا وتونس يوجه حملة إلى أرض النوبة سنة ٣١ هـ/٦٥١ م تتوغل حتى دنقلة عاصمة دولة المقرة واضطرت القائمين عليها إلى عقد معاهدة جاء فيها أن على أهل مقرة حفظ المسجد الذى بناه المسلمون بدنقلة وخدمته وإسراجه وأن لا يتعرضوا لمسلم يصلى فيه، ويؤدوا لمصر سنويا ثلاثمائة وستين من شباب رقيقهم ذكرانا وإناثا، وتعهدت مصر بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس. وظلت علاقات الدول الإسلامية فى مصر بمملكة مقرة النوبية قائمة على أساس هذه المعاهدة نحو ستة قرون.
وكانت قبائل البجّة السودانية تنزل فى الصعيد بالصحراء شرقى أسوان إلى دهلك (مصوع) وقامت بغارات على أسوان فى عهد المأمون العباسى فأرسل إليهم حملة بقيادة عبد الله بن الجهم سنة ٢١٧ هـ/٨٤١ م وهزمهم وأملى عليهم معاهدة قبلوها، فيها أن يؤدى ملك البجّة أو أميرهم خراجا سنويا: مائة من الإبل أو ثلاثمائة دينار وأن يحترم البجة الإسلام ولا يقتلوا مسلما. وأهم من ذلك «أن عليهم أن لا يهدموا شيئا من المساجد التى بناها المسلمون فى سائر بلادهم طولا وعرضا» مما يدل على أنه كان قد نزل بديارهم عرب مسلمون بنوا هذه المساجد، وكانت قد نزلت بينهم-قبل هذا التاريخ فيما يبدو-قبائل أو بعبارة أدق جماعات
стр. 5215
من قبيلتى بلىّ وجهينة للرعى وللتجارة ولاستخراج الذهب فى منطقة العلاقى، وعبرت البحر الأحمر جماعات من هوازن ونزلت فى إقليم البجة ثم رحلت إلى منطقة كسلا داخل السودان. ونجد البجة فى عهد المتوكل تعود إلى العصيان وتحاول الاستيلاء على مناجم الذهب فى العلاقى من أيدى العرب، ويرسل إليهم المتوكل جيشا سنة ٢٤٠ هـ/٨٥٤ م بقيادة محمد بن عبد الله القمى ويتغلب عليهم، ويطلب ملكهم الصلح على أن لا يتعرض للعرب العاملين فى معدن الذهب ويدفع الخراج المفروض سنويا. ويزور بغداد وتبهره حضارتها.
وعند ما استولى أحمد بن طولون على زمام الحكم بمصر سنة ٢٥٥ هـ/٨٦٨ م أرسل إلى بلاد البجة والنوبة حملة بقيادة أبى عبد الرحمن عبد الله بن عبد الحميد العمرى واشترك فيها كثير من قبيلتى ربيعة وجهينة، ونزل كثير من جنوده فى النوبة وأرض البجة. ويذكر المسعودى الذى زار مصر سنة ٣٢٨ هـ/٩٤٠ م أن ربيعة اختلطت بالبجة فى أرض المناجم وأصبحوا أسرة أو قبيلة واحدة. ويذكر المقريزى أن ابن طولون جنّد من النوبيين أربعين ألفا ألحقهم بجيشه، ولا بد أنهم جميعا أسلموا أو لعل كثيرين منهم كانوا مسلمين قبل استخدامه لهم.
وبدون ريب هيّأ نزول القبائل العربية الكثيرة فى البجة والنوبة لاعتناق كثيرين منهما الإسلام، ومع ذلك ظلت الكثرة فى النوبة مسيحية. ويزور بلاد النوبة فى أوائل عهد الفاطميين ابن سليم الأسوانى، ويروى المقريزى عنه أن المسلمين هناك معزّزون وفى حالة استقرار وأنّ كثيرين من النوبيين اعتنقوا الإسلام مع تمسكهم بلغاتهم وجهلهم للعربية. ويذكر ابن سليم أن المسلمين تغلغلوا فى الأراضى السودانية حتى علوة جنوبى الخرطوم، واستطاعوا فى القرن الرابع الهجرى/العاشر الميلادى أن يبنوا لهم مسجدا فى سوبا عاصمة علوة. وكانت أم الخليفة المستنصر الفاطمى فى القرن الحادى عشر الهجرى سودانية وبلغ المجندون من النوبة فى الجيش الفاطمى-بتشجيع منها-خمسين ألفا. وأصبح للعرب من بنى ربيعة-فى العهد الفاطمى- مساكن على وادى العلاقى الممتد من أسوان إلى عيذاب على البحر الأحمر وما به من مناجم الذهب، وفى سنة ٤٧٠ هـ/١٠٧٧ م أعلن شيخهم دخوله فى طاعة الفاطميين فلقّبه الخليفة الفاطمى المستنصر بلقب كنز الدولة وعرف قومه بالكنوز، ولما استولى الأيوبيون على صولجان الحكم فى مصر من أيدى الفاطميين انسحب عرب الكنوز من حدود أسوان إلى بلاد النوبة. وكان ثغر عيذاب قد ازدهر منذ العصر الفاطمى بسبب احتلال حملة الصّليب لفلسطين وقيام مملكة بيت المقدس وتحوّل الطريق الرئيسى لحجاج مصر والبلاد المغربية إليه.
وفى سنة ٦٧٠ هـ/١٢٧٢ م أغار النوبيون على ميناء عيذاب ونهبوا متاجره وقتلوا القاضى والوالى عليه من قبل مصر لعهد الظاهر بيبرس، وأغاروا على أسوان ونهبوا أسواقها، وأرسل بيبرس فى السنة التالية حملة إلى النوبة يقودها والى قوص، ووصل إلى دنقلة وملك النوبة داود يفر أمامه. وجاء إلى القاهرة ابن أخته شكنده متظلما منه، وانتهز الفرصة بيبرس، فجهز له
стр. 5216
جيشا مع بعض قواده، ومضى الجيش حتى دنقلة، ولقى داود وجماعته وهرب، وتوج شكنده (إسكندر) ملكا على مقرة بنفوذ وقوة الجيش المصرى المملوكى مع إعلان أنه نائب للسلطان وعليه أن يرسل إليه نصف ما يجمعه من الضرائب والجزية على الشباب من غير المسلمين وكانت فى واقعها ضريبة دفاع، وبذلك عدّ أهل مقرة المسيحيين أهل ذمة. وتوفى شكنده سنة ٦٧٥ هـ/١٢٧٧ م وتولى بعده أمير من البيت المالك دون رجوع إلى السلطان قلاوون الذى خلف الظاهر بيبرس فأرسل إلى بلاد النوبة حملة قضت على الملك الجديد، ونصبت سمامون ملكا على مقرة ونائبا لقلاوون بنفس شروط شكندة السالفة غير أن سمامون لم يلبث أن أظهر عدم إخلاصه وولائه لقلاوون، فأرسل إليه حملة تأديبية بقيادة أيدمر والى قوص، وهزم سمامون وفر إلى الجنوب وأقيم مكانه ابن أخته ورأى قلاوون أن يبقى معه المملوك أيدمر.
وبعد عودة الجيش المصرى المملوكى اضطر سمامون الملك الجديد نائب قلاوون وأيدمر إلى العودة إلى القاهرة فجهز قلاوون حملة كبيرة لمنازلة سمامون سنة ٦٨٧ هـ/١٢٨٩ م ووصل الجيش دنقلة ففرّ سمامون أمامه متوغلا فى الجنوب، وكان الملك الجديد توفى فى الطريق، فنصّب ابن أخته بدنقلة ملكا على مقرة، وبقيت هناك فرقة من الجيش المصرى مع أمير مملوكى. وعاد سمامون ثانية إلى دنقلة، وقبض على الأمير المملوكى وأرسله ورجاله إلى القاهرة وقتل الملك الجديد، وأرسل إلى قلاوون متعهدا له بأداء كل الالتزامات، وقبل قلاوون منه ذلك وتوفى وخلفه ابنه خليل فامتنع سمامون عن أداء الجزية والضرائب، وجهز له السلطان خليل حملة فرّ أمامها من دنقلة، ونصّب مكانه ملك جديد، وكان الأمير عبد الله برشمبو لجأ إلى القاهرة واعتنق الإسلام ودخل فى ولاء محمد الناصر بن قلاوون، وكان من الأسرة النوبية المالكة فرأى الناصر تعيينه نائبا له فى دنقلة وملكا مسلما عليها لأول مرة سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م وأرسل معه حملة لتنفيذ ذلك، وبذلك استولى على صولجان الحكم فى مقرة المسيحية أول ملك مسلم. ولم يلبث أن نازعه الملك شيخ ربيعة الملقب بكنز الدولة، واستطاع القضاء عليه، ونصّب شيخ ربيعة نفسه ملكا على مقرة، ودخلت معه إلى أرض النوبة قبائل عربية كثيرة عملت على نشر الإسلام فيها بحيث يأخذ المسيحيون هناك فى التضاؤل، ولا يبقى منهم فى نهاية القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى إلا عدد قليل جدا. وتلك حسنة واضحة لاقتحام القبائل العربية لأرض النوبة، وهذه الحسنة رافقها توزيع أراضى النوبة بين القبائل العربية وقيام إمارات كثيرة صغرى فيها مما قضى نهائيا على مملكة المقرة.
وكانت الحدود الشمالية لمملكة علوة الواقعة جنوبى مملكة مقرة تسمى الأبواب وكان يقوم عليها حاكم يسمى ملك الأبواب، وخلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد كان يرسل لسلاطين المماليك بولائه، وحين كان يعصى ملك مقرة هؤلاء السلاطين ويفرّ إلى الأبواب كان كثيرا ما يقبض عليه ويرسل به إليهم. ومنذ قامت فى دنقلة دولة إسلامية سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م
стр. 5217
أخذت تضعف صلات مملكة علوة بالكنيسة اليعقوبية فى الإسكندرية، إذ قطع الاتصال بينهما فلم يعد يأتيهم من الإسكندرية أساقفة، وأهملت الطقوس الدينية وهجرت الكنائس. ورافق ذلك انتشار القبائل العربية من مقرة إلى أراضى علوة وسهولها وتغلبهم عدديا على سكانها وامتزاجهم بهم، كل ذلك أسرع بأهل علوة إلى اعتناق الإسلام: المسيحى منهم ومن كان لا يزال على دينه الوثنى.
ولم أتحدث عن الإسلام فى غربى السودان حتى الآن، ومرّ بنا فى حديثنا عن موريتانيا مدى نشر دولة المرابطين بقيادة أبى بكر للإسلام فى إفريقيا المدارية وتغلغله به إلى حوض النيجر وبلاد البرنو والكانم، وكان ملوك الكانم من الطوارق الملثمين المسلمين وكانوا تجارا من قديم واستطاعوا أن يبسطوا سلطان دولتهم الإسلامية من بحيرة تشاد إلى غربى السودان وأرض النوبة، وكان لتجارهم عمل عظيم فى نشر الدعوة الإسلامية غربى السودان، وأهم من ذلك الكتلة الضخمة من قبيلة زوارة البربرية المسلمة التى كانت تنزل فى إقليم فزان، إذ هاجرت إلى إقليمى واداى ودارفور غربى الخرطوم وهاجرت معها كتلة من عرب الشوا أو الشاوية أى رعاة الشاة ومنهم فى غربى السودان السلامات وخزام والجعادنة والمحاميد والدكاكير، وهاجر بعدهم من فزان أولاد سليمان حين استولى الأتراك العثمانيون على ليبيا وكوّن هؤلاء العرب ومن صحبهم من البربر مملكة إسلامية مبكرة فى إقليمى دارفور وواداى بين سنتى ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م و ٤٩١ هـ/١٠٩٧ م ومن سلاطين تلك المملكة سليمان وقد شملت سلطنته الكانم بجانب واداى وشطرا كبيرا من دارفور، وورث عنه هذه السلطنة ابنه دونامة (٦٠٧ هـ/١٢١٠ م-٦٢١ هـ/١٢٢٤ م). وهذا بالإضافة إلى ما كان يمر بالسودان الغربى من حجاج إفريقيا المدارية. وكل ذلك عجل بانتشار الإسلام فيه.
وواضح من كل ما سبق أن الإسلام انتشر فى السودان تدريجا، ويبدو أن انتشاره فى غربى السودان كان أسرع من انتشاره فى شرقيه وفى حوض نهر النيل السودانى نفسه، ولم ينتشر-كما رأينا-بالسيف، إنما انتشر بالموعظة والكلمة الطيبة.
٣ -
(ج) دولة الفونج (١)
هى أول دولة إسلامية ذات نظم سياسية وإدارية تظهر فى السودان الأوسط قاعدتها
стр. 5218
سنار على النيل الأزرق، واختلفت الآراء فى أصل الفونج، فقيل إنهم من إقليم البرنو دخلوا السودان من غربيه فى القرن الخامس عشر الميلادى، وقيل هم من الشلوك القاطنين فى جزر النيل الأبيض، وقيل هم من أعالى النيل الأزرق من إقليم فازوغلى، وكانوا هم ينسبون أنفسهم إلى العرب، ويقولون إنهم من نسل بعض بنى أمية الذين فروا من الشام أثناء مذابح العباسيين لأبناء أسرتهم فى أول استيلائهم على الحكم، وكأنهم تغلغلوا فى الفرار حتى وصلوا إلى منطقة سنار على النيل الأزرق. وكانت العربية لغة دولتهم الرسمية، وكانوا يكتبون بها وثائقهم وبذلك كانوا دولة عربية إسلامية، وأول قيام تلك الدولة يؤرخ له بسنة ٩١٠ هـ/١٥٠٤ م وكان يرأسها ملك يسمى «عمارة دونقس» وكانت مملكة علوة فى سوبا قد تضعضعت، فتحالف عمارة دونقس مع عبد الله جمّاع شيخ عرب القواسمة من جهينة وشيخ قبائل العبدلاّب، وكان يسود المنطقة من التقاء النيلين الأبيض والأزرق مع الامتداد شمالا، والتقى الحليفان مع قوات مملكة علوة وانتصرا عليها انتصارا حاسما، وفرت فلولها إلى كردفان والصحارى وذابوا فى سكان البلاد من المسلمين. وانتهت بذلك مملكة علوة واتخذ دونقس مدينة سنار عاصمة له، وأصبح عبد الله جماع نائبا له فى الجزء الشمالى من الدولة. وحين استولى العثمانيون على مصر مدّوا حدودهم المصرية إلى مدينتى سواكن ومصوع على البحر الأحمر سنة ٩٢٧ هـ/١٥٢٠ م وأقاموا فيهما حاميتين. واستطاع عمارة دونقس أن يقنع العثمانيين بأنه ملك مسلم وسكان بلاده عرب مسلمون ولا مبرّر لأن يخشاهم العثمانيون.
ويخلف عمارة دونقس فى دولة الفونج ثلاثة ملوك لا يذكر لأحدهم عمل مهم ويخلفهم الملك دكين ودنايل سنة ٩٧٦ هـ/١٥٦٩ م وفيه يقول كاتب الشونة: «هو من أفخر ملوك الفونج، رتب الدواوين أحسن ترتيب وجعل لها قوانين مضبوطة لا يتعداها أحد، وجعل لكل جهة من جهات مملكته رئيسا (حاكما) معلوما وقنّن لمن عادته الجلوس بحضرته رتبا: الأعلى فالأعلى فى جلوسهم أمامه، وما زال يعنى بتمهيد دولته إلى أن توفاه الله تعالى سنة ٩٨٥ هـ. ويتعاقب بعده ملوك لا أهمية لهم ويخلفهم عدلان وداى سنة ١٠١٩ هـ/١٦١١ م ويذكر كاتب الشونة أنه حدثت فى عهده نهضة تعليمية وكان للشيخ عجيب رئيس عرب القواسمة والعبدلاب دور مهم فى تلك النهضة. ويبدو أنه ثار على عدلان وداى، ونشبت معركة بين جيشه وجيش الفونج مات فيها وانهزم جيشه وفرت أسرته من عاصمته «قرّى» إلى دنقله، وتوسط الشيخ الصالح إدريس ود الأرباب عند عدلان وداى فأقام العجيل أكبر أبناء الشيخ عجيب مكان أبيه شيخا أو أميرا على «قرّى» وعادت إليها أسرته.
وفى نفس السنة صمم الفونج على خلع ملكهم عدلان وولوا مكانه الملك بادى سيد القوم
стр. 5219
وخلفه الملك رياط وفى عهده حدثت حرب مع الحبشة سنة ١٠٢٧ هـ/١٧١٨ م اكتفت فيها الحبشة بما استولت عليه من بعض الغنائم، وولى بعده ابنه بادى أبو دقن سنة ١٠٥٤ هـ/١٧٤٥ م ويقول عنه كاتب الشونة: «هو من ذوى الشجاعة والكرم والهمم العالية، وقد غزا النيل الأبيض وفتك بسكانه المعروفين بالشلوك وغزا جبال تقلى غربى النيل الأبيض بنحو مرحلتين، وصالح ملكها على جزية سنوية جعلته تابعا لمملكة الفونج. وبنى بعاصمته سنار جامعا وقصرا لدواوين الحكومة، وكان مكرما لأهل العلم، وكان يرسل بهدايا إلى علماء الأزهر ونظمت فيه عدة مدائح وخاصة من الشيخ عمر المغربى الأزهرى وفيه يقول من قصيدة طويلة:
هو الملك المنصور بادى الذى له ... مدائح قد جلّت عن العدّ والحصر
ودام حكمه نحو خمس وثلاثين سنة، وخلفه ابن أخيه أونسة ود ناصر، وفى عهده حدثت مجاعة، وتم لقبائل الشائقية التى كانت تنزل فى شمالى السودان بمنطقة حلفا استقلالها عن العبدلاّب وبالتالى عن سنار، وكانوا أهل بسالة وشجاعة، وكانت تقدمهم فى الحرب امرأة فاقت فى الفروسية وفنون الحرب نظراءها من الرجال وكانت تسمى عديلة، وهى التى حرضت ابنها عثمان على خلع طاعة ودعجيب أمير العبدلاّب، ونشبت بينهما الحرب وانتصر عثمان ومنح ودعجيب الشائقية استقلالها. ونشطت فرنسا فى إرسال بعثات تبشيرية إلى الحبشة تريد أن تخرجها من مذهبها اليعقوبى القبطى فى المسيحية إلى مذهبها الكاثوليكى وباءت جميعا بالإخفاق الذريع لا فى الحبشة وحدها بل أيضا بين مسيحيىّ سنار. وتتطور الظروف فى دولة الفونج، ويستولى على صولجان الملك فيها بادى أبو شلوخ سنة ١١٣٧ هـ/١٧٢٤ م وتعود الحبشة إلى الشغب على حدود مملكة سنار، وفى سنة ١١٥٧ هـ/١٧٤٤ م سار ياسوس إمبراطور الحبشة على رأس جيش متجها نحو مملكة سنار، وأمر بحرق القرى السودانية وقتل الناس وأخذ إبلهم وأنعامهم، وعسكر قسم كبير من الجيش الحبشى أمام سنار ولقيه جيشها وهزمه، وكان الإمبراطور معسكرا مع بقية الجيش بعيدا فلما بلغته الهزيمة آثر السلامة وعاد بجيشه إلى بلاده. ويقول كاتب الشونة فى حديثه عن هذه الحرب ونهايتها: «فرح الملك بادى وأهل سنار ووفّوا بنذورهم وعملوا الموالد وذبحوا الذبائح وأقاموا ولائم ونشروا الحرير وزيّنوا المسجد والسوق سبعة أيام وسمع سلطان الروم (الخليفة العثمانى) بذلك ففرح بنصرة الإسلام والدين». ولم يحاول الأحباش بعد ذلك غزو السودان ودولة الفونج. وأخذت سياسة الملك بادى تسوء سوءا شديدا وغيّر كثيرا من القوانين واستعان بأهل النوبة مفضلا لهم فى الوظائف العليا على الفونج، وغضب الشعب غضبا شديدا، غير أنه انتظر نتيجة حملة كردفان سنة ١١٦٠ هـ/١٧٤٧ م ونجحت الحملة وضمت كردفان إلى دولة الفونج، وقرر الشعب وقادة الجيش خلع بادى وتولية ابنه ناصر ملكا بعده.
стр. 5220
وأصبح ملوك الفونج-منذ هذا التاريخ-ألعوبة فى أيدى الوزراء من الهمج، وكانوا جماعة أو قبيلا واضحا فى سنار: وكان منهم الوزير الأول لبادى أبى شلوخ ثم لابنه ناصر وهو الشيخ محمد أبو لكيلك، أما جماعته وهم الهمج فيقال إنهم من الجعليين الذين كانوا ينزلون شمالى قبائل العبدلاب، ويقال بل هم من أهل النوبة الذين أسكنهم الملك بادى أبو دقن فى قرى حول سنار وجعل منهم جنده وحرسه الخاص. والأصل الذى انحدر منه الشيخ محمد أبو لكيلك يرجع إلى جعلىّ، تزرّج من نساء الأبواب. وقد مكنته مجموعة أخواله الأبواب من الاحتفاظ بإدارة الحكم وتدبيره. وعزل الملك ناصر وتولى أخوه إسماعيل، وتوفى الشيخ محمد أبو لكيلك وتولى المشيخة بادى ود رجب، وبدأ التنافس سريعا فى جماعة الهمج، إذ أخذ غير واحد يستعين بمجموعته أو عشيرته ليستولى على الحكم، وكثرت الانقسامات والحروب الأهلية فى الدولة إلى أن دخلت جيوش محمد على السودان سنة ١٢٣٦ هـ/١٨٢٠ م بقيادة ابنه إسماعيل كامل.
٤ -
محمد على والسودان-عهد إسماعيل
(أ) محمد على (١) والسوادان
ترجع بعض المغريات التى جعلت محمد على يفكر فى فتح السودان إلى ما سمعه عن شبابه من الإخلاص والطاعة وشدة البأس، فتمنى لو أتيحت لجيشه كتيبه أو كتائب سودانية بدلا ممن فيه من الترك والأرنؤوط والألبان. ومن أهم المغريات أن المماليك الذين اضطهدهم فى مصر وأوقع بهم فى مذبحة القلعة المشهورة فرّ كثيرون منهم إلى السودان وخشى أن يكوّنوا دولة هناك تحمل السلاح ضده، فرأى أن يتعقبهم ويقضى عليهم قبل استفحال أمرهم. فأصدر قرارا إلى محمد بك لا ظوغلى بتجهيز الحملة، فجمع جيشا من المغاربة والأتراك والأرنؤوط والألبان وعربان البوادى، ورحّل الجيش إلى حلفا وعيّن محمد على ابنه الثالث إسماعيل كامل قائدا له وعين معه مساعدين من كبار القواد. وسار الجيش فى أرض النوبة، وطلب إلى قبائل الشائقية تسليم خيولهم وأسلحتهم فأبوا وقالوا إنهم يدفعون ضريبة أو إتاوة فقط ولكن لا يدفعون خيولهم واسلحتهم التى نشئوا يحملونها. وصمم إسماعيل كامل على حربهم، وعلى الرغم من بسالتهم لم يستطيعوا الصمود لرصاص المدافع، فاستسلمت طائفة منهم وطائفة ولّت وجوهها