جيشا مع بعض قواده، ومضى الجيش حتى دنقلة، ولقى داود وجماعته وهرب، وتوج شكنده (إسكندر) ملكا على مقرة بنفوذ وقوة الجيش المصرى المملوكى مع إعلان أنه نائب للسلطان وعليه أن يرسل إليه نصف ما يجمعه من الضرائب والجزية على الشباب من غير المسلمين وكانت فى واقعها ضريبة دفاع، وبذلك عدّ أهل مقرة المسيحيين أهل ذمة. وتوفى شكنده سنة ٦٧٥ هـ/١٢٧٧ م وتولى بعده أمير من البيت المالك دون رجوع إلى السلطان قلاوون الذى خلف الظاهر بيبرس فأرسل إلى بلاد النوبة حملة قضت على الملك الجديد، ونصبت سمامون ملكا على مقرة ونائبا لقلاوون بنفس شروط شكندة السالفة غير أن سمامون لم يلبث أن أظهر عدم إخلاصه وولائه لقلاوون، فأرسل إليه حملة تأديبية بقيادة أيدمر والى قوص، وهزم سمامون وفر إلى الجنوب وأقيم مكانه ابن أخته ورأى قلاوون أن يبقى معه المملوك أيدمر.
وبعد عودة الجيش المصرى المملوكى اضطر سمامون الملك الجديد نائب قلاوون وأيدمر إلى العودة إلى القاهرة فجهز قلاوون حملة كبيرة لمنازلة سمامون سنة ٦٨٧ هـ/١٢٨٩ م ووصل الجيش دنقلة ففرّ سمامون أمامه متوغلا فى الجنوب، وكان الملك الجديد توفى فى الطريق، فنصّب ابن أخته بدنقلة ملكا على مقرة، وبقيت هناك فرقة من الجيش المصرى مع أمير مملوكى. وعاد سمامون ثانية إلى دنقلة، وقبض على الأمير المملوكى وأرسله ورجاله إلى القاهرة وقتل الملك الجديد، وأرسل إلى قلاوون متعهدا له بأداء كل الالتزامات، وقبل قلاوون منه ذلك وتوفى وخلفه ابنه خليل فامتنع سمامون عن أداء الجزية والضرائب، وجهز له السلطان خليل حملة فرّ أمامها من دنقلة، ونصّب مكانه ملك جديد، وكان الأمير عبد الله برشمبو لجأ إلى القاهرة واعتنق الإسلام ودخل فى ولاء محمد الناصر بن قلاوون، وكان من الأسرة النوبية المالكة فرأى الناصر تعيينه نائبا له فى دنقلة وملكا مسلما عليها لأول مرة سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م وأرسل معه حملة لتنفيذ ذلك، وبذلك استولى على صولجان الحكم فى مقرة المسيحية أول ملك مسلم. ولم يلبث أن نازعه الملك شيخ ربيعة الملقب بكنز الدولة، واستطاع القضاء عليه، ونصّب شيخ ربيعة نفسه ملكا على مقرة، ودخلت معه إلى أرض النوبة قبائل عربية كثيرة عملت على نشر الإسلام فيها بحيث يأخذ المسيحيون هناك فى التضاؤل، ولا يبقى منهم فى نهاية القرن التاسع الهجرى/الخامس عشر الميلادى إلا عدد قليل جدا. وتلك حسنة واضحة لاقتحام القبائل العربية لأرض النوبة، وهذه الحسنة رافقها توزيع أراضى النوبة بين القبائل العربية وقيام إمارات كثيرة صغرى فيها مما قضى نهائيا على مملكة المقرة.
وكانت الحدود الشمالية لمملكة علوة الواقعة جنوبى مملكة مقرة تسمى الأبواب وكان يقوم عليها حاكم يسمى ملك الأبواب، وخلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد كان يرسل لسلاطين المماليك بولائه، وحين كان يعصى ملك مقرة هؤلاء السلاطين ويفرّ إلى الأبواب كان كثيرا ما يقبض عليه ويرسل به إليهم. ومنذ قامت فى دنقلة دولة إسلامية سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م
стр. 5217
أخذت تضعف صلات مملكة علوة بالكنيسة اليعقوبية فى الإسكندرية، إذ قطع الاتصال بينهما فلم يعد يأتيهم من الإسكندرية أساقفة، وأهملت الطقوس الدينية وهجرت الكنائس. ورافق ذلك انتشار القبائل العربية من مقرة إلى أراضى علوة وسهولها وتغلبهم عدديا على سكانها وامتزاجهم بهم، كل ذلك أسرع بأهل علوة إلى اعتناق الإسلام: المسيحى منهم ومن كان لا يزال على دينه الوثنى.
ولم أتحدث عن الإسلام فى غربى السودان حتى الآن، ومرّ بنا فى حديثنا عن موريتانيا مدى نشر دولة المرابطين بقيادة أبى بكر للإسلام فى إفريقيا المدارية وتغلغله به إلى حوض النيجر وبلاد البرنو والكانم، وكان ملوك الكانم من الطوارق الملثمين المسلمين وكانوا تجارا من قديم واستطاعوا أن يبسطوا سلطان دولتهم الإسلامية من بحيرة تشاد إلى غربى السودان وأرض النوبة، وكان لتجارهم عمل عظيم فى نشر الدعوة الإسلامية غربى السودان، وأهم من ذلك الكتلة الضخمة من قبيلة زوارة البربرية المسلمة التى كانت تنزل فى إقليم فزان، إذ هاجرت إلى إقليمى واداى ودارفور غربى الخرطوم وهاجرت معها كتلة من عرب الشوا أو الشاوية أى رعاة الشاة ومنهم فى غربى السودان السلامات وخزام والجعادنة والمحاميد والدكاكير، وهاجر بعدهم من فزان أولاد سليمان حين استولى الأتراك العثمانيون على ليبيا وكوّن هؤلاء العرب ومن صحبهم من البربر مملكة إسلامية مبكرة فى إقليمى دارفور وواداى بين سنتى ٤٧٨ هـ/١٠٨٥ م و ٤٩١ هـ/١٠٩٧ م ومن سلاطين تلك المملكة سليمان وقد شملت سلطنته الكانم بجانب واداى وشطرا كبيرا من دارفور، وورث عنه هذه السلطنة ابنه دونامة (٦٠٧ هـ/١٢١٠ م-٦٢١ هـ/١٢٢٤ م). وهذا بالإضافة إلى ما كان يمر بالسودان الغربى من حجاج إفريقيا المدارية. وكل ذلك عجل بانتشار الإسلام فيه.
وواضح من كل ما سبق أن الإسلام انتشر فى السودان تدريجا، ويبدو أن انتشاره فى غربى السودان كان أسرع من انتشاره فى شرقيه وفى حوض نهر النيل السودانى نفسه، ولم ينتشر-كما رأينا-بالسيف، إنما انتشر بالموعظة والكلمة الطيبة.
٣ -
(ج) دولة الفونج (١)
هى أول دولة إسلامية ذات نظم سياسية وإدارية تظهر فى السودان الأوسط قاعدتها
стр. 5218
سنار على النيل الأزرق، واختلفت الآراء فى أصل الفونج، فقيل إنهم من إقليم البرنو دخلوا السودان من غربيه فى القرن الخامس عشر الميلادى، وقيل هم من الشلوك القاطنين فى جزر النيل الأبيض، وقيل هم من أعالى النيل الأزرق من إقليم فازوغلى، وكانوا هم ينسبون أنفسهم إلى العرب، ويقولون إنهم من نسل بعض بنى أمية الذين فروا من الشام أثناء مذابح العباسيين لأبناء أسرتهم فى أول استيلائهم على الحكم، وكأنهم تغلغلوا فى الفرار حتى وصلوا إلى منطقة سنار على النيل الأزرق. وكانت العربية لغة دولتهم الرسمية، وكانوا يكتبون بها وثائقهم وبذلك كانوا دولة عربية إسلامية، وأول قيام تلك الدولة يؤرخ له بسنة ٩١٠ هـ/١٥٠٤ م وكان يرأسها ملك يسمى «عمارة دونقس» وكانت مملكة علوة فى سوبا قد تضعضعت، فتحالف عمارة دونقس مع عبد الله جمّاع شيخ عرب القواسمة من جهينة وشيخ قبائل العبدلاّب، وكان يسود المنطقة من التقاء النيلين الأبيض والأزرق مع الامتداد شمالا، والتقى الحليفان مع قوات مملكة علوة وانتصرا عليها انتصارا حاسما، وفرت فلولها إلى كردفان والصحارى وذابوا فى سكان البلاد من المسلمين. وانتهت بذلك مملكة علوة واتخذ دونقس مدينة سنار عاصمة له، وأصبح عبد الله جماع نائبا له فى الجزء الشمالى من الدولة. وحين استولى العثمانيون على مصر مدّوا حدودهم المصرية إلى مدينتى سواكن ومصوع على البحر الأحمر سنة ٩٢٧ هـ/١٥٢٠ م وأقاموا فيهما حاميتين. واستطاع عمارة دونقس أن يقنع العثمانيين بأنه ملك مسلم وسكان بلاده عرب مسلمون ولا مبرّر لأن يخشاهم العثمانيون.
ويخلف عمارة دونقس فى دولة الفونج ثلاثة ملوك لا يذكر لأحدهم عمل مهم ويخلفهم الملك دكين ودنايل سنة ٩٧٦ هـ/١٥٦٩ م وفيه يقول كاتب الشونة: «هو من أفخر ملوك الفونج، رتب الدواوين أحسن ترتيب وجعل لها قوانين مضبوطة لا يتعداها أحد، وجعل لكل جهة من جهات مملكته رئيسا (حاكما) معلوما وقنّن لمن عادته الجلوس بحضرته رتبا: الأعلى فالأعلى فى جلوسهم أمامه، وما زال يعنى بتمهيد دولته إلى أن توفاه الله تعالى سنة ٩٨٥ هـ. ويتعاقب بعده ملوك لا أهمية لهم ويخلفهم عدلان وداى سنة ١٠١٩ هـ/١٦١١ م ويذكر كاتب الشونة أنه حدثت فى عهده نهضة تعليمية وكان للشيخ عجيب رئيس عرب القواسمة والعبدلاب دور مهم فى تلك النهضة. ويبدو أنه ثار على عدلان وداى، ونشبت معركة بين جيشه وجيش الفونج مات فيها وانهزم جيشه وفرت أسرته من عاصمته «قرّى» إلى دنقله، وتوسط الشيخ الصالح إدريس ود الأرباب عند عدلان وداى فأقام العجيل أكبر أبناء الشيخ عجيب مكان أبيه شيخا أو أميرا على «قرّى» وعادت إليها أسرته.
وفى نفس السنة صمم الفونج على خلع ملكهم عدلان وولوا مكانه الملك بادى سيد القوم
стр. 5219
وخلفه الملك رياط وفى عهده حدثت حرب مع الحبشة سنة ١٠٢٧ هـ/١٧١٨ م اكتفت فيها الحبشة بما استولت عليه من بعض الغنائم، وولى بعده ابنه بادى أبو دقن سنة ١٠٥٤ هـ/١٧٤٥ م ويقول عنه كاتب الشونة: «هو من ذوى الشجاعة والكرم والهمم العالية، وقد غزا النيل الأبيض وفتك بسكانه المعروفين بالشلوك وغزا جبال تقلى غربى النيل الأبيض بنحو مرحلتين، وصالح ملكها على جزية سنوية جعلته تابعا لمملكة الفونج. وبنى بعاصمته سنار جامعا وقصرا لدواوين الحكومة، وكان مكرما لأهل العلم، وكان يرسل بهدايا إلى علماء الأزهر ونظمت فيه عدة مدائح وخاصة من الشيخ عمر المغربى الأزهرى وفيه يقول من قصيدة طويلة:
هو الملك المنصور بادى الذى له ... مدائح قد جلّت عن العدّ والحصر
ودام حكمه نحو خمس وثلاثين سنة، وخلفه ابن أخيه أونسة ود ناصر، وفى عهده حدثت مجاعة، وتم لقبائل الشائقية التى كانت تنزل فى شمالى السودان بمنطقة حلفا استقلالها عن العبدلاّب وبالتالى عن سنار، وكانوا أهل بسالة وشجاعة، وكانت تقدمهم فى الحرب امرأة فاقت فى الفروسية وفنون الحرب نظراءها من الرجال وكانت تسمى عديلة، وهى التى حرضت ابنها عثمان على خلع طاعة ودعجيب أمير العبدلاّب، ونشبت بينهما الحرب وانتصر عثمان ومنح ودعجيب الشائقية استقلالها. ونشطت فرنسا فى إرسال بعثات تبشيرية إلى الحبشة تريد أن تخرجها من مذهبها اليعقوبى القبطى فى المسيحية إلى مذهبها الكاثوليكى وباءت جميعا بالإخفاق الذريع لا فى الحبشة وحدها بل أيضا بين مسيحيىّ سنار. وتتطور الظروف فى دولة الفونج، ويستولى على صولجان الملك فيها بادى أبو شلوخ سنة ١١٣٧ هـ/١٧٢٤ م وتعود الحبشة إلى الشغب على حدود مملكة سنار، وفى سنة ١١٥٧ هـ/١٧٤٤ م سار ياسوس إمبراطور الحبشة على رأس جيش متجها نحو مملكة سنار، وأمر بحرق القرى السودانية وقتل الناس وأخذ إبلهم وأنعامهم، وعسكر قسم كبير من الجيش الحبشى أمام سنار ولقيه جيشها وهزمه، وكان الإمبراطور معسكرا مع بقية الجيش بعيدا فلما بلغته الهزيمة آثر السلامة وعاد بجيشه إلى بلاده. ويقول كاتب الشونة فى حديثه عن هذه الحرب ونهايتها: «فرح الملك بادى وأهل سنار ووفّوا بنذورهم وعملوا الموالد وذبحوا الذبائح وأقاموا ولائم ونشروا الحرير وزيّنوا المسجد والسوق سبعة أيام وسمع سلطان الروم (الخليفة العثمانى) بذلك ففرح بنصرة الإسلام والدين». ولم يحاول الأحباش بعد ذلك غزو السودان ودولة الفونج. وأخذت سياسة الملك بادى تسوء سوءا شديدا وغيّر كثيرا من القوانين واستعان بأهل النوبة مفضلا لهم فى الوظائف العليا على الفونج، وغضب الشعب غضبا شديدا، غير أنه انتظر نتيجة حملة كردفان سنة ١١٦٠ هـ/١٧٤٧ م ونجحت الحملة وضمت كردفان إلى دولة الفونج، وقرر الشعب وقادة الجيش خلع بادى وتولية ابنه ناصر ملكا بعده.
стр. 5220
وأصبح ملوك الفونج-منذ هذا التاريخ-ألعوبة فى أيدى الوزراء من الهمج، وكانوا جماعة أو قبيلا واضحا فى سنار: وكان منهم الوزير الأول لبادى أبى شلوخ ثم لابنه ناصر وهو الشيخ محمد أبو لكيلك، أما جماعته وهم الهمج فيقال إنهم من الجعليين الذين كانوا ينزلون شمالى قبائل العبدلاب، ويقال بل هم من أهل النوبة الذين أسكنهم الملك بادى أبو دقن فى قرى حول سنار وجعل منهم جنده وحرسه الخاص. والأصل الذى انحدر منه الشيخ محمد أبو لكيلك يرجع إلى جعلىّ، تزرّج من نساء الأبواب. وقد مكنته مجموعة أخواله الأبواب من الاحتفاظ بإدارة الحكم وتدبيره. وعزل الملك ناصر وتولى أخوه إسماعيل، وتوفى الشيخ محمد أبو لكيلك وتولى المشيخة بادى ود رجب، وبدأ التنافس سريعا فى جماعة الهمج، إذ أخذ غير واحد يستعين بمجموعته أو عشيرته ليستولى على الحكم، وكثرت الانقسامات والحروب الأهلية فى الدولة إلى أن دخلت جيوش محمد على السودان سنة ١٢٣٦ هـ/١٨٢٠ م بقيادة ابنه إسماعيل كامل.
٤ -
محمد على والسودان-عهد إسماعيل
(أ) محمد على (١) والسوادان
ترجع بعض المغريات التى جعلت محمد على يفكر فى فتح السودان إلى ما سمعه عن شبابه من الإخلاص والطاعة وشدة البأس، فتمنى لو أتيحت لجيشه كتيبه أو كتائب سودانية بدلا ممن فيه من الترك والأرنؤوط والألبان. ومن أهم المغريات أن المماليك الذين اضطهدهم فى مصر وأوقع بهم فى مذبحة القلعة المشهورة فرّ كثيرون منهم إلى السودان وخشى أن يكوّنوا دولة هناك تحمل السلاح ضده، فرأى أن يتعقبهم ويقضى عليهم قبل استفحال أمرهم. فأصدر قرارا إلى محمد بك لا ظوغلى بتجهيز الحملة، فجمع جيشا من المغاربة والأتراك والأرنؤوط والألبان وعربان البوادى، ورحّل الجيش إلى حلفا وعيّن محمد على ابنه الثالث إسماعيل كامل قائدا له وعين معه مساعدين من كبار القواد. وسار الجيش فى أرض النوبة، وطلب إلى قبائل الشائقية تسليم خيولهم وأسلحتهم فأبوا وقالوا إنهم يدفعون ضريبة أو إتاوة فقط ولكن لا يدفعون خيولهم واسلحتهم التى نشئوا يحملونها. وصمم إسماعيل كامل على حربهم، وعلى الرغم من بسالتهم لم يستطيعوا الصمود لرصاص المدافع، فاستسلمت طائفة منهم وطائفة ولّت وجوهها
стр. 5221
إلى مدينة شندى وفيها سلموا له، وطمأنهم وأخذ فى استمالتهم حتى ارتضوا أن ينضموا إلى جيشه. وكان المماليك قد انسحبوا إلى شندى وآثر عدد منهم التسليم لإسماعيل كامل، وفرت طائفة منهم إلى كردفان ومنها اتجهوا إلى ليبيا، ولم يسمع عنهم بعد ذلك خبر. وطائفة اتجهت شرقا نحو الحجاز، وانقطعت أخبارها. وسلّم له الشائقية وحكام دنقلة وبربر وشندى والجعليين. وواصل إسماعيل كامل زحفه حتى نزل فى مقر أم درمان الحالية، وفيها وفد عليه أمير العبدلاّب وسلّم له فى أوائل رمضان سنة ١٢٣٦ هـ/١٨٢١ م وهرب منه بعض الناس ولقيه آخرون أعطاهم الأمان لأنفسهم وكساهم، وزحف إلى الجنوب، وكان يهدى كل من لقيه من الحكام كسوة وسيفا، ولقيه ملك الفونج فأمنه وكساه ودخل مدينة سنار فى الثانى عشر من رمضان. وبدون ريب كانت دولة سنار دولة عظيمة أدّت للإسلام والعروبة خدمات جليلة لمدة ثلاثة قرون ورثاها بعض الشعراء.
وكان إسماعيل كامل قائد الجيش وهو فى دنقله قد أعدّ حملة بقيادة محمد بك الدفتردار لفتح كردفان ولم يقبل حاكمها التسليم، والتقى بجيش الدفتردار عند مدينة الأبيض ولم تصنع شيئا السيوف والحراب إزاء الأسلحة النارية، واستسلمت إمارة كردفان. واستقر إسماعيل كامل فى سنار، وأخذ يرسل بالسرايا وتأتيه بالغنائم والأسرى. وزار إبراهيم باشا أخاه إسماعيل كامل فى سنار ليعدّ العدة معه لإرسال السودانيين إلى أبيه، وعاد سريعا. وفرض إسماعيل كامل ضرائب فادحة على السودانيين فغضبوا غضبا شديدا فاضطر إلى تخفيضها. وأحسّ بوخامة مناخ سنار فنزل واد مدنى وبنى بها ثكنات للجيش ومكاتب للحكومة، وصمم إسماعيل- بعد غيابه عن القاهرة مدة سنتين-أن يعود إليها، ومر فى عودته بنمر ملك شندى والجعليين، وطلب منه أن يقدم إليه من الأنعام والنقود ما يبلغ نحو عشرين ألف جنيه، وهو مبلغ تقصر عنه موارده أو هو مبلغ باهظ، فلما راجعه قسا عليه، فصمم نمر على الانتقام وأمر بوضع قصب جاف حول خيمته وأشعله وإسماعيل كامل نائم، فمات بالاختناق سنة ١٢٣٩ هـ/١٨٢٣ م. وأعقبت ذلك حملات انتقامية للدفتردار قتل فيها آلاف غير من أسروا. وعين محمد على لإدارة السودان عثمان بك ونزل فى مكان الخرطوم الآن واتبع سياسة التنكيل بالسودانيين وما ذنبهم؟ ولكنه كان قصير النظر مثل الدفتردار، وتوفى سريعا. وعين محمد على خورشيد أغا حاكما لإقليم سنار، وكان عليه أن يرجع الثقة للحكومة وأن يعيد إلى السودان من فرّ إلى الحبشة ملتجئا ونجح فى تحقيق الغايتين، واتبع فى سنار سياسة عمرانية رشيدة، ورأى أن تبنى الزراعة فى السودان على الرى المستديم مثل مصر وطلب عمالا منها يجيدون صناعة السواقى وطلب عمالا آخرين لحفر الترع، واستحضر من مصر أغراس بعض الأشجار المثمرة وشجع زراعة النيلة وقصب السكر، وطلب كباشا من مصر لتحسين سلالة الضأن فى السودان. ورقّى خورشيد إلى رتبة الميرميران ومنح لقب باشا. وبعد اثنى عشر عاما من حكمه
стр. 5222
عاد إلى مصر وحزن السودانيون لعودته إذ عرفوا فيه الحاكم العادل الذى أنساهم سنين الدفتردار الدموية ويقول كاتب الشونة عن عودته: «تجهز بكامل ما لديه ونزل بالمراكب فصعب ذلك على الأهالى جميعا وصاروا عند وداعه يتباكون بالدموع». وخلفه أحمد باشا أبو ودان وكان عهده استمرارا لعهد خورشيد وفيه يقول كاتب الشونة: «ضبط الحكومة أشد ضبط من غير إهمال ولا تفريط، وأبطل ما كان من تعدى العساكر على الفلاحين فى تسخيرهم فى الأشغال وتسخير بهائمهم. . وبذلك ارتاحت الأهالى وزادت العمارة وكثر الخير وخصبت الأراضى ورخصت الأسعار حتى صار أردب الذرة بخمسة قروش وصارت أيامه أحسن من أيام سلفه، وإن كانت أيام سلفه أيضا حسنة فى نفسها». وتوفى أحمد باشا أبو ودان، فرأى محمد على تقسيم السودان إلى مديريات وترجع كل مديرية رأسا إلى مصر، ويتعاون المديرون فى المصالح المشتركة، وطلب إلى الحكومة العثمانية أن تضم مينائى مصوع وسواكن إلى السودان وأجابته إلى طلبه. ومنذ ولاية ابنه إسماعيل كامل كانت ترسل له جماعات ممن يؤسرون من السودانيين فى الجبال لضمها إلى الجيش. وتبين خطأ هذه السياسة إذ كان كثيرون منهم يموتون فى الطريق أو فى معسكرات مصر. وانتظمت الإدارة منذ ولاية خورشيد بما أخذ به هو ومن جاء بعده من سياسة عمرانية قويمة وتحسين الرى والزراعة وزيادة الإنتاج الحيوانى وجلب العمال المهرة من مصر لصناعة السواقى وحفر الترع.
وخلف عباس الأول بن طوسون جده محمد على سنة ١٨٤٨ وفى عهده أنشئت القنصليات فى الخرطوم، ومع أنه أغلق فى مصر بعض المدارس أمر بفتح مدرسة كبيرة فى السودان وعين رفاعة الطهطاوى ناظرا لها. غير أن سعيدا حين خلفه أغلق هذه المدرسة، وفى عهده أبطلت تجارة الرقيق السودانى نهائيا وزار السودان وأمر بإصلاح الأداة الحكومية فى جمع الضرائب وخفّفها، ورأى أن تبقى كتائب الجند فى السودان وأن لا تسلط على الناس وأن يقف جمعها للضرائب، وأمر بتنظيم المدن والشوارع وتشجيع السودانيين على إنشاء الحدائق فى منازلهم.
(ب) عهد إسماعيل (١) (١٨٦٣ - ١٨٧٩ م)
كان أول ما عمله إسماعيل تعيين موسى باشا حمدى حكمدارا للسودان وبذلك أعاد للحكم هناك نظام المركزية أيام خورشيد، وأشرك العنصر السودانى فى الحكم فعين الشيخ أحمد أبو سن كبير قبيلة الشكرية مديرا للخرطوم وسنار وظل فى وظيفته إلى أن توفى بعد عشر سنوات وأظهر قدرة ممتازة برهنت على كفاءة السودانيين الإدارية، وطالبه إسماعيل بمعاملة السكان بالعدل والعمل على ازدياد العمران فى السودان وتوسيع نطاق تجارته، وأنشئت فى السودان
стр. 5223
زمن حكمدارية موسى حمدى خمس مدارس فى عواصم المديريات: بربر والخرطوم والأبيض وكسلا ودنقلة. وقد أمدت هذه المدارس النظامية الإدارة السودانية بحاجتها من الكتاب والمحاسبين وعمال التلغراف وأحدثت نهضة فى الثقافة والأدب بعد أن كان العلم مقصورا على خلاوى القرآن ومجالس العلوم الشرعية. وأمر إسماعيل بالإنفاق على المساجد وكتاتيب القرآن وفرض رواتب شهرية لها. وعين إسماعيل جعفر مظهر حكمدارا للسودان وكان على معرفة واسعة بالعلوم الدينية والأدبية فكان يجتمع عنده العلماء والأدباء للحوار والمناقشة وشاع فى أيامه الشغف بالعلم والأدب، وأخذ بعض الشعراء ينظمون قصائد كانت تنشر فى الوقائع المصرية، وأمر إسماعيل بالتوسع فى نطاق السودان: فى دارفور وبحر الغزال وخط الاستواء. وتطورت الظروف فى بحر الغزال وعيّن الزبير السودانى مديرا له، وساءت العلاقات بينه وبين الزريقات فحاربهم وانتصر عليهم سنة ١٢٩٠ هـ/١٨٧٤ م وفرّ مشايخهم إلى سلطان دارفور فنازله الزبير وقتل فى إحدى المعارك، ودخل الزبير عاصمته: الفاشر سنة ١٢٩٢ هـ/١٨٧٦ م وضمت دارفور إلى السودان، وكان ذلك من الزبير عملا جليلا.
أما خط الإستواء فقد ارتبط مصيره بإنجليزيين أحدهما مكتشف مهم هو صموئيل بيكر مكتشف بحيرة ألبرت الاستوائية، والثانى ضابط إنجليزى هو غوردون، وكان صموئيل بيكر زار مصر فى أوائل سنة ١٢٨٠ هـ/١٨٦٩ م بمعية ولى عهد المملكة الإنجليزية، فتعرف عليه إسماعيل واختاره للقيام بحملة على خط الاستواء وضمه لمصر، وارتضى ذلك صموئيل بكير وحرّر معه عقد لمدة أربع سنوات براتب سنوى يبلغ نحو عشرة آلاف جنيه. وهى إحدى غلطات إسماعيل الكبرى أن يعهد إلى إنجليزى بفتح منطقة خط الاستواء ظانا أنه سيخدم مضر، وأسرّ صموئيل بيكر فى نفسه أن يخدم بلاده بجعل منطقة خط الاستواء مستعمرة بريطانية لو استطاع، ووضع نصيب عينية تأليب السودانيين على مصر والمصريين، وأنفقت الحملة ثمانمائة ألف من الجنيهات، ولم تتم عملية الفتح والضم كما كان مظنونا، وكل ما جنته مصر من الحملة طوال أربع سنوات تأسيس ثلاث محطات هناك فى غندوكرو وفاتيكو وفويرا ورفع أعلام مصرية عليها. وانتهى عقد بيكر وعاد إلى بلاده، وبدلا من أن يعهد إسماعيل إلى مصرى أو سودانى بإتمام الفتح قدم إليه وزيره نوبار ضابطا إنجليزيا تعرف عليه فى السفارة الإنجليزية بالآستانة هو غوردون الذى خدم دولته فى حروب القرم وفى الصين، فارتضاه إسماعيل ليتمم ما بدأه صموئيل بيكر فى منطقة خط الاستواء، فنجح هناك فى تأسيس مجموعة من المحطات العسكرية، وكان سياسيا ماكرا فجذب قلوب الناس إليه، واضطر للدخول فى مناوشات مع أوغندة والبلدان المجاورة، وأحسّ بالإرهاق فعاد إلى مصر مصمما على عدم العودة إلى السودان، غير أن إسماعيل أقنعه بإكمال مهمته، فوعده برجوعه بعد زيارته لبلاده.
وكانت مصر استولت على سواكن ومصوع ودخلت كل المنطقة الشرقية فى السودان،
стр. 5224
وفى سنة ١٢٨٧ هـ/١٨٧١ م وصل المصريون إلى حدود الحبشة فنشبت حرب بينهم وبين الحبشة وتوفى ملكها يوحنا بعد قليل واستولى المصريون على مرتفعات إرتريا فى سنتى ١٢٩١ هـ/١٨٧٥ م و ١٢٩٢ هـ/١٨٧٦ م وبذلك اتسعت إمبراطورية إسماعيل من البحر المتوسط إلى منطقة البحيرات فى أعالى النيل: ألبرت وفيكتوريا ومن سواحل البحر الأحمر وسواكن ومصوع وزيلع إلى دارفور شرقى بحيرة تشاد، وبسطت حمايتها على خليج عدن وبوغاز باب المندب وعلى أوغندة ووصلت حدودها إلى المحيط الهندى ورأس جرفوس عليه. واعترفت إنجلترا بسلطان مصر على الصومال. ويعود غوردون ويلقى إسماعيل سنة ١٢٩٣ هـ/١٨٧٧ م بحضور وزيره شريف باشا ويجيبه إسماعيل إلى ما طلبه من تعيينه حكمدارا عامّا على السودان وأعطاه سلطات لم تعط لحكمدار قبله وينزل السودان ويبدأ بتفقد الشرق، وفى مصوع جاءه خبر بالتمرد والعصيان فى إقليم دارفور وظل يعالج الأمور هناك فترة طويلة، وشك فى إخلاص السودانيين وفكر فى الاستعانة بإنجليز وأروبيين وهى فكرة خاطئة. وجاءه خبر تنازل إسماعيل صديقه عن الحكم وان ابنه «توفيق» خلفه، فصمم على اعتزال العمل فى السودان، إذ لن يظل متمتعا بما أتاح له إسماعيل من سلطات واسعة. ومن المؤكد أن الحكم المصرى للسودان الشقيق أتاح له تقدما فى العمران وزيادة فى الإنتاج واستغلال الثروة الزراعية والحيوانية وازدهارا فى التجارة مع تأسيس المدارس للتعليم المدنى ونشر المعارف العلمية الحديثة.
٥ -
حركة المهدى-خليفته عبد الله التعايشى
(أ) حركة (١) المهدى
المهدى هو محمد بن عبد الله ولد سنة ١٢٦٠ هـ/١٨٤٤ م لأب كان يعمل نجارا فى بناء السفن بمنطقة دنقلة، وهاجر فى النيل جنوبا ونزل فى مدينة شندى وتركها إلى قرية شمالى أم درمان، وتوفى. واحترف إخوة محمد مهنة أبيهم، أما هو فكان يميل بفطرته نحو الدين ودخل خلوة حفظ فيها القرآن الكريم، وبعد حفظه له التحق بشيخ أو بشيوخ يتعلم على أيديهم الفقه والتوحيد والنحو ويتلقن التصوف. وكان إخوته بعد وفاة والدهم نزلوا الخرطوم ونزلها معهم، ولزم شيخا صوفيا من أتباع الطريقة السمانية وعنه تلقّن تلك الطريقة، وأخذ يميل إلى النسك والعزلة، واعتزل سنة ١٢٨٦ هـ/١٨٧٠ م فى جزيرة أبا فى النيل الأبيض
стр. 5225
وانصرف فى كهف بها على شاطئ النهر للنسك والعبادة، واختلف مع شيخه الصوفى الشيخ محمد شريف إذ وجده يحتفل فى ختان أحد أبنائه بصور من اللهو لم يستسغها تصوفه، وبحث عن شيخ آخر من أصحاب طريقته السمانية جدّد عليه العهد. وكانت أسرته تذكر أنها من سلالة الرسول ﷺ فأخذ يكاتب مشايخ الطرق وبعض العلماء سرا بأنه المهدىّ المنتظر الذى بشّر به الرسول، وأعلن لهم أن الله خصّه بذلك لنصرة الإسلام وأن النصر سيلازمه، وأخذ مريدوه من السودانيين يتكاثرون ويلتفون حوله، ولما اتسعت دعوته أرسلت إليه الحكومة قوة إلى جزيرة أبا فاستطاع بمن معه من الدراويش أن يقهرها ورأى المهدى أن يخرج من تلك الجزيرة لأنها مكشوفة ولا تساعده على التحصن ضد القوة الكبيرة التى سترسلها الحكومة واتجه إلى منطقة تقلى فى كردفان ونزل فى جبل قدير واستقر به، ووجّه إليه مدير فاشودة قوة لقتاله وقضى عليها، وعقب هذه الهزيمة لقوات الحكومة طلب رءوف باشا حاكم السودان إمدادات عسكرية من مصر وكان العرابيون يسيطرون على الوزارة، فرأوا إرسال عبد القادر باشا حلمى، وقبل وصوله تألف جيش بقيادة يوسف باشا الشلالى لمنازلة المهدى سنة ١٢٩٩ هـ/١٨٨٢ م فى مستقره بجبل قدير، وهزم هذا الجيش مثل الحملتين السابقتين له، وأكسبه هذا النصر أنصارا كثيرين، وثار كثيرون معه فى الجزيرة ولكن الحكومة أخمدت ثوراتهم وأعاد إلى الجزيرة عبد القادر باشا حلمى الهدوء. وفى سنة ١٣٠٠ هـ/١٨٨٣ م هاجم مدينة الأبيض واستولى عليها واتخذها مقرا له، وجاءه مريدون كثيرون من أنحاء السودان يريدون رؤية «ولى الله».
وكان الإنجليز قد احتلوا مصر فأرسلت حكومة الاحتلال عشرة آلاف جندى بقيادة هكس باشا الإنجليزى وهاجمت المهدى فى الأبيض وأبيدت إبادة تامة، وغنم الأنصار أتباع المهدى غنائم كثيرة، وأخذت الوفود تفد من جميع أنحاء السودان لمبايعة المهدى وأخذ النساء فى الأفراح وفى أعمالهن من احتطاب وغيره يتغنين بالمهدى ومناقبه، واضطربت الحكومتان المصرية والإنجليزية ورأى الإنجليز جلاء المصريين عن الخرطوم. وفى ديسمبر سنة ١٨٨٣ للميلاد استسلم للمهدى الضابط النمساوى سلاتين باشا حاكم دارفور باسم الحكومة المصرية بعد أن ظل ينازل أتباعه سنة كاملة دون جدوى. وعادت إنجلترا للضغط على مصر بالجلاء عن السودان وأصرّ شريف باشا على الاحتفاظ بالسودان، واستقال فى أوائل يناير سنة ١٨٨٤ وخلفه نوبار باشا، ورأت الحكومة فى إنجلترا أن غوردون هو الذى يمكنه إنقاذ الموقف وإجلاء الجنود المصريين عن السودان، فقبل المهمة ظانا أنه يتمتع بشخصية شعبية فى السودان ونسى أنه أغضب كثيرين منهم لمكافحته تجارة الرقيق، ولم يكن يتصور مدى الحماسة الدينية التى أشعلها المهدى فى نفوس السودانيين، ووصل الخرطوم فى فبراير سنة ١٨٨٤ وأرسل توا إلى المهدى خطابا يعينه فيه ملكا على كردفان وأعلن فيه أنه يبيح تجارة الرقيق، وأجابه
стр. 5226
المهدى طالبا منه الاستسلام والدخول فى الإسلام بينما كان هو يفكر فى منح السودان استقلالا ذاتيا تحت نفوذ الحكم الإنجليزى، وبدا أنه من غير الممكن الاتفاق بين الرجلين، ونشبت مناوشات فى الشرق عطلت الطريق إلى ميناء سواكن على البحر الأحمر وأرسلت إنجلترا حملة بقيادة جراهام لم يكتب لها النجاح، وسقطت مدينة بربر فى أيدى الأنصار أو المهديين، وأرسلت إنجلترا حملة بقيادة ولسلى وتجمعت قوة مصرية إنجليزية فى أسوان وحلفا وأخذت طريقها فى النيل وهزمت بعض قوات المهدى فى المراكز الإمامية، وأخذ المهدى يعدّ جيشه للاستيلاء على الخرطوم، وشاعره الشيخ محمد عمر البناء ينشده قصيدته:
الحرب صبر واللقاء ثبات ... والموت فى شأن الإله حياة
وتجمع أتباعه جنوبى طابية أم درمان فى أواخر أكتوبر سنة ١٨٨٤ للميلاد ولم يسرع المهدى فى فتح الخرطوم ورأى حصارها حتى تستسلم حقنا للدماء. وبلغ المهدى أن الحملة المصرية الإنجليزية وصلت المتمة فأمر بالهجوم على الخرطوم فى السادس والعشرين من يناير قبل وصولها، ودخلها الأنصار من ثغرة فى طرف الاستحكامات على النيل الأبيض وفتكوا بالحامية، وقتل غوردون فى قصره. ودان للمهدى السودان بجميع أرجائه، وانتقل بمعسكره إلى أم درمان وأذعنت له دنقلة وأخذت الحاميات المصرية تستسلم وأعلن الإنجليز إخلاء السودان من جنودهم. وما وافى اليوم الرابع من رمضان سنة ١٣٠٢ هـ/الخامس عشر من يونية سنة ١٨٨٥ م حتى أصابت المهدى حمى التيفوس ولم تمهله إذ توفى بعد أسبوع. وأثرت له تعاليم من شأنها أن تجعل لدعوته أسسا واضحة سنتحدث عنها فى الفصل المقبل وأثرت عنه بعض مواعظ مثل قوله: «إذا دخلتم فى الصلاة فادخلوها بالحضور والخشوع والخضوع والتذلل والابتهال والانكسار وانسكاب الدموع إن استطعتم مع توجه القلب إلى الله وقول لا عيش إلا فى دارك ولا نعيم إلا فى لقائك».
(ب) عبد الله التعايشى (١) خليفة المهدى
استخلف المهدى-وهو يحتضر-عبد الله التعايشى يده المنى فى دعوته، ونقل عاصمته إلى أم درمان: قلعة الخرطوم على الضفة اليسرى، وكان قد هاجر إلى المهدى مبكرا وهو لا يزال فى جزيرة أبا وبايعه، وأخذ المهدى يعتمد عليه فى الإدارة والتنفيذ، فطبيعى أن يعهد إليه بخلافته، وكان عماده على أهل الغرب وخاصة على قبيلته البقارة الذين نقلهم إلى أم درمان، ومنهم ومن الجعليين نظم قوته العسكرية. وجعل فى أول الأمر شئون الحكم والإدارة فى أيدى أسرة المهدى وسموّ الأشراف، وندب التعايشى ستة عشر قاضيا للحكم بين الناس
стр. 5227
بموجب الكتاب والسنة، وقسم السودان إلى عمالات أو أقاليم، وجعل على كل عمالة أو إقليم حاكما، يسيطر على الجيش والإدارة ومع كل حاكم عدد من الموظفين يساعدونه فى أعماله الإدارية، واستحالت العاصمة أم درمان من معسكر إلى مدينة كبيرة.
وكانت مصر قد استردت حاميتها من ميناء مصوع فاحتلها الإيطاليون واحتلوا أيضا إريتريا سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م وأسرع التعايشى وعين على مدينة القلابات عاملا ناوش الأحباش وقتل فى إحدى المعارك، ويرسل إليها قائده أبا عنجة على رأس جيش كبير يتألف من نحو ستين ألف جندى لقتال الحبشة، ولقيه جيش حبشى بقيادة الرأس عدار ومنى الأحباش بهزيمة قاصمة، وتقدم المهديون إلى قندر (غوندار) عاصمة الحبشة حينذاك وأحرقوها. ومنذ سنة ١٣٠٣ هـ/١٨٨٦ م أصبح بحر الغزال دون حاكم يشرف على شئونه، وبالمثل مديرية خط الاستواء وكانت سقطت فى أيدى أتباع المهدى سنة ١٣٠٥ هـ/١٨٨٨ م وضمّها الإنجليز إلى مستعمرتهم أوغنده. وصمم يوحنا إمبرطور الحبشة سنة ١٨٨٩ للميلاد على أن يغسل عن جيشه عار هزيمة سنة ١٨٨٦ فحشد جيشه جميعه وتقدم به إلى القلابات لحرب المهديين أو الأنصار، والتقوا به ودارت الدوائر على جيشه وجرح فى المعركة جرحا مميتا وانسحب جيشه ووراءه الأنصار يقتلون ويأسرون ويستولون على غنائم لا تحصى من العبيد والجوارى والأسلحة والخيول وتاج الإمبراطور نفسه، وهو نصر رفع الروح الحربية والمعنوية فى الأنصار إلى الذروة.
وصمم التعايشى على غزو مصر وإنقاذها من الاحتلال الإنجليزى وأعدّ لذلك فى نفس السنة جيشا بقيادة عبد الرحمن النجومى، وهو من الجعليين، وسار إلى الشمال متجها إلى أسوان ومصر ولكن حامية وادى حلفا أنزلت بجيشه خسائر فادحة، وزادتها فداحة وجسامة معركة توشكى بعدها بحيث قضى على الجيش السودانى قضاء نهائيا. وفى السنة نفسها انتشرت فى السودان مجاعة كبيرة، وكان التعايشى محاطا بالأعداء من كل جانب فلم يستطع تموين البلاد من الخارج. وفى سنة ١٣٠٧ هـ/١٨٩٠ م أخضع التعايشى قبائل الشلوك أشجع القبائل السودانية الزنجية فى الجنوب ودخلت عاصمتها فاشودة فى طاعته، وكان ذلك تعويضا له عن خسائره فى الشمال وفى المجاعة. واستطاعت قوة مصرية فى سنة ١٣٠٨ هـ/١٨٩١ م أن تهزم عثمان دقنة قائد التعايشى بالقرب من مدينة طوكر جنوبى سواكن واستردتها. وفى سنة ١٣١١ هـ/١٨٩٤ م استولى الإيطاليون على مدينة كسلا السودانية بالقرب من حدود إريتريا. ونشبت حرب بين إيطاليا مالكة مصوع وكسلا وبين الحبشة فى عهد إمبراطورها الجديد منليك سنة ١٨٩٥ للميلاد وأنزل الأحباش بالإيطاليين هزيمة ساحقة فى غرة مارس سنة ١٨٩٦ عند مدينة عدوة، وبذلك قضى على ما كان يتهدد أتباع التعايشى من خطر الطليان. غير أن خطرا أعظم أخذ يبدو فى الأفق، فقد رؤى إنشاء خط حديدى من وادى حلفا إلى مدينة أبى حمد بين الشلالين الرابع والخامس يمكن استغلاله فى نقل الجيوش سنة
стр. 5228
١٣١٣ هـ/١٨٩٦ م وصدرت الأوامر إلى سردار الجيش المصرى أو بعبارة أخرى قائده العام كتشنر لإعداد جيش لفتح السودان، ومرّ الجيش بوادى حلفا، واسترجع مديرية دنقلة. واستراح الجيش ثم وصل إلى أبى حمد فى أغسطس سنة ١٨٩٧ للميلاد، وفى هذه السنة استولى الجيش المصرى على كسلا ورفع هناك العلم المصرى، وتقدم كتشنر بالجيش وانتصر فى معركة عند عطبرة فى أبريل سنة ١٨٩٨ للميلاد، ومضى فى زحفه حتى أم درمان ونشبت معركة حامية الوطيس فى شهر سبتمبر دارت فيها الدوائر على الأنصار. واتجه التعايشى إلى الغرب يريد أن يحتمى به، وظل أشهرا يعدّ العدة للقاء كتشنر ثانية ورفع كتشنر العلمين المصرى والإنجليزى على سراى الحكم فى الخرطوم ودارت موقعة بين التعايشى وبين بعض متعقبيه من جند كتشنر فى نوفمبر سنة ١٨٩٨ وتوفى. وبموته دانت البلاد للجيش الفاتح.
٦ -
الحكم (١) الثنائى المصرى الإنجليزى فى السودان
رأينا كتشنر بمجرد دخوله الخرطوم يرفع على سراى الحكم العلمين المصرى والإنجليزى، وكان كرومر المندوب السامى البريطانى قد استطاع أن يقنع نوبار باشا فى يناير سنة ١٨٩٩ للميلاد بتوقيعه على وثيقة الحكم الثنائى المصرى الإنجليزى للسودان، وعينت الوثيقة خط العرض ٢٢ شمالا حدا فاصلا بين مصر والسودان، وأن يرفع العلمان المصرى والإنجليزى على جميع دور الحكومة وأن تكون الإدارتان العسكرية والمدنية بيد موظف ترشحه الحكومة البريطانية ويعينه خديوى مصر، ويلقب بحاكم عموم السودان ولمنشوراته حكم القانون ولا يسمح لتمثيل قنصلى فى السودان إلا بموافقة الحكومة البريطانية، ولا تمتد سلطة المحاكم المختلطة إلى أى جزء فى السودان. وواضح أن الحاكم العام يكون إنجليزيا وترشحه الحكومة الإنجليزية، ومنح سلطات كبيرة تجعله حاكما مستقلا. ورأى كرومر أن تكون مناصب المديرين والمفتشين للإنجليز، أما المصريون فلهم إدارة المراكز والمأموريات. وربما كانت الحسنة الوحيدة فى هذه الاتفاقية أن السودان أعفى من الامتيازات الأجنبية. وعيّن كتشنر أول حاكم عام للسودان وقد جمع من السودانيين تبرعات لإنشاء مدرسة ثانوية تسمى كلية ذكرى غوردون، وبلغت التبرعات مائة ألف جنيه. وافتتحت المدرسة سنة ١٩٠٣ وأنشئت فيها أقسام متخصصة: قسم للشريعة الإسلامية لتخريج القضاة، وقسم للمهندسين وقسم للمعلمين، وظلت مصر تعين السودان ماليا حتى سنة ١٩٥٤ ووضعت نظم للشئون المالية والشئون الإدارية وللتعليم
стр. 5229
والقضاء والمصالح الحكومية. وترك كتشنر السودان فى ديسمبر سنة ١٨٩٩ وخلفه وينجت حاكما عاما للسودان حتى سنة ١٣٣٤ هـ/١٩١٦ م، وأنشئ-حسب الاتفاقية الثنائية- مجلس سنة ١٩١٠ باسم مجلس الحاكم العام. وعنى الحكم الثنائى بالمواصلات والبرق (التلغراف) ومدّت سكة حديد من وادى حلفا إلى الخرطوم وأضيف خط إلى سنار والأبيض وخط من عطبرة إلى سواكن على البحر الأحمر وأنشئ خط ملاحة نهزى؟ ؟ ؟ من الخرطوم إلى بحر الغزال، ووضعت مشروعات رى كثيرة بعد الدراسة، منها مشروع الجزيرة المشهور وجرّبت زراعة القطن ونجحت نجاحا كبيرا، وأسست مدارس أولية فى المدن الكبرى، وأنشئت ورش صناعية، وكان يقوم بالتعليم فى هذه المدارس معلمون مصريون أكفاء، وأنشئت مدارس لتخريج المعلمين.
وقامت بعض ثورات محلية فى الحرب العظمى وسرعان ما كانت تخمد، وبالمثل ما حدث من بعض الثورات فى جبال النوبة. وتضطرب العلاقة بين على دينار سلطان دارفور والحكومة ويحمل السلاح ضد الحكومة ويتوفى برصاصة طائشة سنة ١٩١٦ وتضم دارفور إلى السودان نهائيا ويصبح تاريخها جزءا من تاريخ السودان. ومع الثورة المصرية سنة ١٩١٩ نشط الوعى القومى فى السودان للمطالبة بحقوقه ثم كان مقتل السير لى ستاك حاكم السودان وسر دار الجيش المصرى سنة ١٣٤٢ هـ/١٩٢٤ م وخرج الجيش المصرى-بضغط الإنجليز-من السودان فاندلعت هناك ثورة وطنية ضخمة تعد-بحق-بدء العصر الحديث فى السودان الشقيق.
стр. 5230
الفصل الثّانى
المجتمع السودانى-الثقافة
١ -
المجتمع (١) السودانى
رأينا فى الفصل الماضى كيف أن الإسلام أخذ ينتشر فى السودان وشرقيه تدريجا بفضل القبائل العربية الكثيرة التى نزلت فى حوض النيل جنوبى حلفا وفى شرقيه بقبائل البجّة واستغرق ذلك قرونا دخل فيها أهل النوبة فى الدين الحنيف وقامت فى دنقلة سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م أول دولة إسلامية وأخذت صلة مملكة علوة جنوبى دنقلة بالكنيسة اليعقوبية فى الإسكندرية تتضاءل وأخذ أهلها يعتنقون الإسلام، وكان انتشاره فى غربى السودان أسرع بفضل كثرة من نزله من قبيلة زوارة البربرية وعرب الشاوية رعاة الشاة وأيضا بفضل تجار البرنو والكانم، وتكونت سريعا فى دارفور وواداى مملكة إسلامية أواخر القرن الخامس الهجرى.
وأخذ الإسلام ينتشر تدريجا فى مملكة علوة وفى جبال النوبة وعلى شاطئ النيل الأبيض وفى جنوبى السوباط وبحر الغزال، ولا نصل إلى القرن العاشر الهجرى، حتى يصبح السودان بلدا إسلاميا وإن ظلت به بعض الجيوب المسيحية والوثنية، وتتأسس سنة ٩١٠ هـ/١٥٠٤ م دولة الفونج الإسلامية فى مدينة سنار على النيل الأزرق وتنشر سلطانها على النيل الأبيض وعلى الجزيرة بينه وبين النيل الأزرق وعلى مملكة تقلى فى جبال النوبة.
(أ) نزعة صوفية عامة
عملت دولة الفونج على نهضة دينية واسعة، وفسحت للتصوف وطرقه فى الانتشار بأنحائها وكان أول من حاول نشره فى ديارها الشيخ تاج الدين البهارى البغدادى وكان قد تعرف عليه بعض حجاج السودان فى أثناء حجه، وأقنعه بالذهاب معه إلى سنار ونشر طريقته الصوفية بها، وكان من أتباع الطريقة القادرية لعبد القادر الجيلانى الحسينى نسبا المتوفى ببغداد
стр. 5231
سنة ٥٦١ هـ/١١٦٥ م وله كتابان مطبوعان هما سر الأسرار والغنية لطالبى الحق، وطريقته إحدى طريقتين صوفيتين سنيتين والثانية الطريقة الرفاعية للشيخ أحمد الرفاعى المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/١١٨٢ م أشاعتهما بغداد فى العالم العربى، ويقول ابن تغرى بردى عن الجيلانى إنه «أحد المشايخ الذين طنّ ذكرهم فى الشرق والغرب».
ونزل الشيخ تاج الدين البهارى البغدادى مدينة سنار حوالى سنة ٩٥٢ هـ/١٥٤٥ م وأخذ يدعو للطريقة الجيلانية، وحظيت دعوته بنجاح كبير فى دولة الفونج وبخاصة فى أرض الجزيرة التى أقام بها سبع سنوات، وجاءه السودانيون من كل مكان لينظمهم فى سلك الطريقة القادرية، وأخذ العهد على كثيرين من أهمهم محمد الأمين بن عبد الصادق جد الصادقاب فى إقليم سوكى بين واد مدنى والقضارف والشيخ عجيب المانجلك جد العبدلاّب وعبد الله دفع الله العركى جد العركيين وبان النقا الضرير جد اليعقوباب ويقال إن الشيخ البهارى قلّده شعار الرياسة بعده فى دولة الفونج. وهؤلاء الأربعة سيطروا على السلطة الروحية وورّثوها أبناءهم، وارتحل الشيخ البهارى إلى تقلى وأدخل فى الطريقة عبد الله الحمال جد الشيخ حمد ولد الترابى مع جماعته. وتفرعت عن هذه الطريقة فى أواخر دولة الفونج الطريقة السمانية على يد الشيخ أحمد الطيب ود البشير المتوفى سنة ١٢٣٩ هـ/١٨٢٣ م. وكل هؤلاء وذرياتهم ظلوا قائمين على الطريقة القادرية ناشرين لها ومسيطرين على السلطة الروحية فى السودان إلى اليوم.
وبجانب الطريقة القادرية الصوفية عرف السودان فى دولة الفونج الطريقة الشاذلية الصوفية ويبدو أن معرفته بهذه الطريقة تسبق زمنيا قيام دولة الفونج. فقد نزله أحد أتباعها المغاربة- وهو حمد أبو دنانة زوج بنت الشيخ محمد بن سليمان الجزولى مؤلف دلائل الخيرات وداعية الطريقة الشاذلية فى المغرب منذ سنة ٨٤٩ هـ/١٤٤٥ م. ومعروف أن أبا الحسن الشاذلى مؤسس هذه الطريقة نزل مصر ودعا إلى طريقته وتبعه خلق كثير، وتوفى سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م وظلت طريقته إحدى الطرق الصوفية السنية الأساسية فى مصر. ومن أهم دعاتها فى السودان أيام الفونج الشيخ خوجلى عبد الرحمن المحسى المتوفى سنة ١١١٥ هـ/١٧٤٣ م واشتهر بعده بالدعوة لها الشيخ حمد المجذوب المتوفى سنة ١١٩٠ هـ/١٧٧٦ م وكان قد زار مصر والحجاز وأسس للشاذلية فرعا فى مدينة الدامر شمالى الخرطوم وسميت طريقته باسم طريقة المجاذيب، ومعروف أن الطريقة الشاذلية تقوم على التمسك بالكتاب والسنة والشريعة المحمدية بجانب النسك والعبادة وصدق القلب والشعور الباطنى الصوفى، وهاجم الشاذلى بشدة حياة الخانقاهات والتسول التى كان يعيشها الدراويش الرّحّل. وبجانب هاتين الطريقتين كان بعض السودانيين يأخذون طريقتهم الصوفية عن حجازيين فى أثناء حجهم أو عن مصريين فى أثناء دراستهم بالأزهر وأحيانا عن بعض أهل تمبكتو كما حدث للشيخ خوجلى عبد الرحمن الشاذلى المذكور
стр. 5232
آنفا، وقد جمع بين التصوف وعلم الكلام والفقه، أما التصوف فأخذه عن الشيخ أحمد التمبكتاوى نسبة إلى تمبكتو على النيجر الأوسط، وأخذ علم الكلام عن الشيخ أرباب الخشن، والفقه على الشيخ الزين بن صغيرون. وكان يلبث الثياب الفاخرة، وعلى رأسه الطربوش الأحمر، ويتعمّم بالشيشان الفاخرة، ويتبخّر بالعود الهندى ويتعطّر، ويجعل الزباد الحبشى فى لحيته وثيابه، ويقول إنه يقتدى فى ذلك بشيخ طريقته أبى الحسن الشاذلى إظهارا لنعمة الله، فقيل له إن القادرية: إنما يلبسون الجبب والمرقّعات فقال: ثيابى تقول للخلق: أنا غنية عنكم، وثيابهم تقول لهم أنا مفتقرة إليكم.
وعمت فى زمن دولة الفونج (٩١٠ هـ/١٥٠٤ م-١٢٣٦ هـ/١٨٢٠ م) النزعة الصوفية كل أنحاء السودان، وبحق ما لاحظه الدكتور عبد العزيز عبد المجيد فى كتابه: «التربية فى السودان» من أن هذه النزعة كانت تعم حينئذ الحياة الدينية فى العالم الإسلامى وإنها «سيطرت على عقائد الناس وتفكيرهم وامتزجت بالدراسات الإسلامية، وصار من العلماء من يعتقد أن علم الظاهر لا بد له من علم الباطن بل إن منهم من اعتبر أن علم الباطن هو العلم الحقيقى» ومما يدل على ذلك بوضوح ما يذكره ود ضيف الله عن الشيخ عبد الله العركى فإنه بعد أن تفقه على الشيخ عبد الرحمن بن جابر ذهب إلى غابة الهلالية وشرع فى التدريس وذاع صيته، وقدم فى أيامه الشيخ تاج الدين البهارى فحاول أن يدخله فى طريقته القادرية الصوفية، فامتنع، وحين رأى ما لأتباع الشيخ من مكانة تحركت فى نفسه الرغبة فى أن ينضم إلى الطريقة القادرية، وكان الشيخ البهارى رحل إلى مكة فسافر إليه وأخذ عنه الطريق. ومن ذلك أن نجد الشيخ المسلمى الصغير بعد أن قرأ مختصر خليل فى الفقه المالكى وتفقه فى الدين رأى أن معرفته لا تتكامل إلا إذا دخل فى طريقة صوفية فذهب إلى الشيخ دفع الله العركى وقال له: «علمى ما نفعنى، أتيتكم راغبا مددكم، فسلكه فى الطريق وأدخله خلوة سبعة أيام، وخرج منها «صوفيا» كاملا. ويذكر ود ضيف الله أيضا عن الشيخ أبى القاسم الوديانابى أنه تفقه على الشيخ صغيرون، وسلك طريق الصوفية على الشيخ إدريس. ومن ذلك ما يقوله ود ضيف الله عن الشيخ محمد البنوفرى من أنه رحل إلى مصر ليقرأ على علمائها مختصر خليل، وبعد عودته إلى السودان صحب فى التصوف الشيخ إدريس ود الأرباب. ويكثر ود ضيف الله فى طبقاته من قوله عن هذا الصوفى أو ذاك إنه جمع بين الفقه والتصوف.
ومما رفع من شأن الطرق الصوفية وأصحابها فى نظر أهل السودان وجعلهم يلتفّون حولهم التفافا لم ينله أحد من الفقهاء وعلماء الشريعة الإسلامية أنهم رأوهم لا يعملون حسابا لذوى السلطان، إذ كانوا لا يأخذون رواتب منهم، كما رأوهم يتفانون فى خدمة أتباعهم وخاصة فى أيام الضيق والعسر الشديد. ويعرض علينا ود ضيف الله فى كتابه الطبقات صورا متعددة
стр. 5233
توضح مدى ما كان ينهض به الشيخ الصوفى لأتباعه حين تحدث مجاعة كمجاعة نجيع أم لحم سنة ١٠٩٥ هـ/١٦٨٤ م فإن شيوخ الصوفية فتحوا حينئذ لأتباعهم خلواتهم وقدموا لهم فيها الطعام، وكان بعضهم يظل يقدم هذا الطعام حتى فى سنوات الخصب مثل الشيخ ود حسونه، ويقول عنه ود ضيف الله، إنه كان يعنى بالفقراء (أتباع المتصوفة) فى الخلوات فيذبح لكل خلوة من خلواته شاتين فى كل يوم، وكان عدد خلواته إحدى عشرة وقيل بل ثلاث عشرة.
ورأى أهل السودان أن هؤلاء الشيوخ لا يهابون ذووى السلطان، وإذا كان لأحد منهم شيئا عند حاكم طلب إلى شيخه الصوفى أن يقضيه له ويلبى طلبه وسرعان ما يقضيه له الحاكم، ومن ذلك أن الشيخ حمد المجذوب صاحب الطريقة الشاذلية فى مدينة الدامر اشتهر بأنه كثير الشفاعة لأتباعه عند الملوك والسلاطين وكانوا لا يردون له شفاعة. وكان كثير من الحكام يهابون هؤلاء الشيوخ هيبة شديدة، وبلغ الشيخ خوجلى من الهيبة فى نفوسهم مبلغا كبيرا، حتى قيل إن أكابر العلماء والسلاطين إذا جلسوا بحضرته كانوا كالأطفال من هيبته، لذلك كانوا لا يعصون له ولأمثاله طلبا. ويذكر ود ضيف الله عن الشيخ إدريس أنه دخل سنار مقر الملك للشفاعة فى مصالح أتباعه إحدى وسبعين مرة. ويقول ود ضيف الله عن الشيخ بدر بن سليمان العوضى إن قبائل العرب فى مدينة بربر وغيرها كانت لا ترد له شفاعة وكان له كرم وضيافة للوافدين.
وهذا وجه مهم من وجوه تعلق أهل السودان بالمتصوفة، إذ كانوا يدافعون عن حقوقهم ويردون الظلم عنهم ويشفعون لهم ويغيثونهم كلما ألمت بهم كارثة ويفتحون خلواتهم لإيواء الضعفاء منهم وإطعامهم. لذلك تعلق أهل السودان بهم وأخذوا يدخلون أفواجا فى دعوة كل شيخ وطريقته وانتهاج ما تأمر به فى العبادة والتقوى. وكان يغلب أن يختار الشيخ قرية يجعلها مركزا لدعوته ويبنى فيها مسجدا وخلواته، وما يلبث أن يلتفّ به كثير من الأتباع، ويأتيه الناس من القرى المجاورة، كما حدث فى قرية العيلفون جنوبى الخرطوم فقد أسس بها الشيخ إدريس ود الأرباب مركز دعوته الصوفية، وتوافد عليه الناس من كل فجّ سودانى، وأصبحت بعد قليل بلدة كبيرة متسعة الرقعة آهلة بالسكان ممن جاءوا يأخذون عنه الطريقة القادرية. ومن ذلك ما حدث لقرية الدامر حين اتخذها الشيخ حمد المجذوب مركزا لدعوته الشاذلية، فقد وفد إليه الناس من دارفور وكردفان وجميع أنحاء السودان، ليأخذوا عنه تعاليم طريقته. وكثيرا ما يتوقف ود ضيف الله فى كتابه الطبقات ليقول لنا إن هذا الشيخ أو ذاك شدّت إليه الرجال وضربت إليه آباط الإبل. ويذكرون عن حلقة الشيخ أرباب الخشن أنها كانت تشتمل على ألف طالب من الفونج إلى البرنو غربا. وأسهم بعض المشايخ فى توسيع دائرة جماعاتهم الصوفية مثل الشيخ عبد الله الحلنقى إذ يذكر ود ضيف الله عنه أنه كان يتنقل بين «أبو حراز»
стр. 5234
وإقليم التاكا فى شرقى السودان، وحظى عند العرب والفونج. وكان الشيخ ابو سرور الفضلى يتخذ مركز دعوته فى الحلفاية شمالى الخرطوم مدرسا العقائد فى خلواته، ثم ينتقل إلى دارفور فى أقصى الغرب ويدرس فيها لطلابه أو مريديه ثم لا يلبث أن يهاجر إلى دار صليح.
ويذكرون عن الشيخ العبيد أنه كان يتخذ قريتين مركزا لدعوته، وفيهما بنى مسجدين وخلواتهما وهما: النخيرة وأم ضبان، وكان يقيم فى الأولى فصلى الخريف والشتاء ثم ينتقل إلى أم ضبان وظل على هذه الحال إحدى وعشرين سنة. وكان للشيخ عبد الرحمن بن جابر ثلاثة مساجد: مسجد فى دار الشائقية ومسجد فى كورتى ومسجد فى الدفار، وكان يقرئ فى كل مسجد أربعة شهور. وقد يرحل الشيخ بأهله وبعض مريديه من موطنه إلى موطن آخر لبثّ دعوته الصوفية فيه، كما صنع الشيخ محمد بن دفع الله فى رحيله بأهله من أبيض ديرى شمالى الخرطوم إلى غابة رفاعة فى وسط إقليم الجزيرة، وأقام بين عرب رفاعة سبع عشرة سنة.
(ب) المرأة ومكانتها فى التصوف
لم نعرض-حتى الآن-للمرآة السودانية وصلتها بالتصوف، وكان لها غير قليل من المكانة الروحية والاجتماعية فى عهد الفونج، ويذكر ود ضيف الله أن فاطمة بنت سالم كانت واسعة الثراء وكان عبيدها تجار الهند والريف. وكان النساء فى غربى السودان يشاركن الرجال فى جميع أحوالهم ما عدا الحروب، وبالمثل فى قبيلة الرباطاب إذ كانت المرأة فيها تنوب عن الرجل فى التعزية، وكان لها نفوذ واضح فى حفلات تنصيب الملوك بغربى السودان. ويدل بصفة عامة على ما كان للمرأة من سيادة فى الأسرة استمرار انتظام الانتساب إليها فابنها ينتسب إلى خاله يقول المقريزى عن البجة شرقى السودان إنهم يورثون ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب، وكان يفضّل فى النوبة ابن الأخت على الابن فى وراثة الملك، وتأثر بهم فى ذلك عرب جهينة حين اختلطوا بهم، وكان ذلك شائعا فى بعض جهات دارفور وكردفان، وهو بقية فى السودان من طور سيادة المرأة فى الأسرة إذ كان الرجل فى بدء الحياة الإنسانية معرضا للخطر لقيامه بصيد الحيوانات الوحشية وبالحرب وكانت هى المسئولة عن الأولاد، وقد أبطل الإسلام نظام الأمومة ودعا إلى الأخذ بنظام الأبوة فى الانتساب والميراث قائلا: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾.
ولعل فى ذلك كله ما يدل على ما كانت تحظى به المرأة فى عهد الفونج من مكانة اجتماعية، ولذلك كان طبيعيا أن تحضر دروس العلماء وحلقات الشيوخ، ويدل على عنايتها بذلك عناية كبيرة ما ذكره ود ضيف الله عن حلقة الشيخ حمد ود أمريم من أن النساء اللائى كن يحضرنها وأخذ عليهن العهد وأصبحن من أتباعه كنّ أكثر من الرجال أضعافا مضاعفة، وأكثرهن من
стр. 5235
فزارة، وهى قبائل كثيرة كانت تنتمى إلى جهينة. ويكفى هذا الخبر للدلالة على أن المرأة السودانية شاركت بقوة فى انتشار التصوف فى البلاد، وكانت تحضر حلقات الذكر الصوفى، وكثيرا ما كانت تقوم امرأة-كما يقول ود ضيف الله-فتنشد والرجال يذكرون الله على إنشادها وصوتها، والنساء من خلفها وقوف يستمعن إليها وينظرن إلى أزواجهن وأقاربهن، وقد ينشد رجل والنساء يسمعن إليه مثل الرجال.
(ج) التصوف والتربية الخلقية والدينية
كان لكل طريقة صوفية «ورد» يقرؤه أتباعها صباحا ولها مجالس ذكر يجتمع له أتباعها على الأقل ليلة كل أسبوع. ويذكر الرجال الله فى صفين متقابلين ومنشد أو منشدة ينشدان أشعارا تزيد الذكر حماسة. وكان الشيخ يأخذ على من يريدون الانتماء إلى طريقته عهدا على أن يقوموا بأداء فرائض الإسلام ونوافله وعبادة الله والتمسك بتعاليم كتابه وسنة رسوله ومراقبته فى السر والعلن ومجاهدة النفس ودفعها إلى الفضيلة والعمل على كل خير. وبذلك كان التصوف نوعا من التربية الخلقية المثلى فضلا عن التربية الدينية. وكان بعض الشيوخ حين يأخذ العهد على التابع أو المريد الجديد يفصّل له المنهج الذى ينبغى أن يتقيد به ولا يعدل عن أى واجب فيه، ويعرض ود ضيف الله تفصيلا لمنهج العهد الذى كان يلزم به حمد ود أمريم أتباعه ومريديه يقول:
«كان يأمر كل من أتاه وتاب على يديه أن يصحح توبته بشروطها، وهى الندم على ما فات من تضييع فرائض الله من مثل الصلاة والصيام والزكاة وغيرها مع الإخلاص لله تعالى فيما يفعل وترك الرياء والزنا والكبر والحسد والغيبة والنميمة والعجب، ولا يسعى بقدميه فيما لا يحل له، ولا يسمع بسمعه ما لا يحل له، وينهاه عن مخالطة الخلق المغتصبين وأكل طعامهم وأكل طعام المستغرقين للذمم. ويقول إن ذلك هو السنة التى. سنها رسول الله ﷺ . وكان يأمر كل من تاب على يديه أن لا يزوج ابنته-أو من تعهد له بزواجها-من فاسق أو آثم كالحلاّف بالطلاق والمغتصب وآكل الربا وغير ذلك. ونهى عن مخالطة الرجال مع النساء، وأمر بغض البصر. . وكان إذا جاءه أحد لتلاوة القرآن يقول له لا تجوز لك قراءته وأنت جاهل بالفرائض وما فرضه الله عليك من أحكام الوضوء والصلاة. وكان يأمر كل من تاب على يديه وعنده مال مغصوب أن يتصدق به، ويأمره بالصيام حتى يذهب اللحم الذى ربّى بالحرام، ويأمر تارك الصلاة والصيام بقضاء جميع ما فاتهما. ويأمر تابعه بمواصلة ذوى الأرحام وأن لا يتكلف للأضياف بل يقدم لهم ما فضل من نفقته ونفقة عياله. وعلى مريده أن يصلى الأوقات الخمسة معه ويشترط ذلك على خدمه وعبيده ونسائه. وكان جيرانه شكر الله وعبد الكافى والفقيه محمد ولد كوريب من شدة متابعتهم له إن قال لهم: انقلوا الجبل فإنهم ينقلونه».
стр. 5236
وإنما ذكرنا هذا العهد كاملا لندل على ما أتاح التصوف لأهل السودان من تربية دينية وخلقية قويمة. وحقا لم تكن كل العهود تتشدد هذا التشدد ولكنها على كل حال كانت تلزم مريديها بسلوك دينى قويم فضلا عن الأوراد والأذكار كما كانت تلزمهم بسلوك خلقى واجتماعى سديد فى العلاقات والمعاملات. وتسربت على ألسنة بعض شيوخ التصوف بعض ما كان يردده متصوفة بعض البلدان الإسلامية من مثل القطب والأوتاد والنجباء والنقباء، وأيضا عن الولاية وكرامات الأولياء من المتصوفة، ويحكى ود ضيف الله عن الشيخ إدريس ود الأرباب أنه قال: «درجات الأولياء ثلاثة: كبرى ووسطى وصغرى، فالصغرى أن يطيروا فى الهواء ويمشوا على وجه الماء وينطقوا بالمغيبات، والوسطى أن يعطيه الله الدرجة الكونية إذا قال للشئ كن فيكون والكبرى درجة القطبانية». وهى شعوذة، وقد تكون قولا نسب إلى الشيخ ولم يقله. ويردد ود ضيف الله فى حديثه عن الصوفية ذكر الملامتية، وهى فرقة صوفية خراسانية كانت تتستر-فى زعمها-بفعل أشياء تغض من تصوفها وتجعل الناس يتلومونها وينكرون عليها ادعاء التصوف». وهى فرقة ضالة، ومن رحمة الله بأهل السودان أنه لم يظهر بينهم من اعتنق مبادئ هذه الفرقة سوى محمد الهميم الذى زاد فى زواجه بالنساء على المقدار الشرعى المسموح به وهو أربع وليس ذلك فحسب فإنه جمع بين الأختين» وهو لا يعد بذلك من الملامتية إنما يعد خارجا على الإسلام وأحكامه وأوامره ونواهيه. وربما كان ما ذكر عن إسماعيل صاحب الربابة من أنه كان من الملامتية صحيحا. على كل حال لم تشع مبادئ هذه الفرقة فى التصوف السودانى وظل تصوفا سنيا منحرفا عن شعوذات المتصوفين المتأخرين، وظل يغذى أهل السودان بتربية دينية وخلقية واجتماعية قويمة.
(د) طرق صوفية جديدة
تأخذ دولة الفونج فى الضعف منذ أواسط القرن الثامن عشر الميلادى ويرى محمد على خديو مصر الاستيلاء على السودان ويرسل إليه حملة سنة ١٢٣٦ هـ/١٨٢٠ م ويستولى عليه كما مر بنا فى الفصل الماضى، ويحول الجند قرية الخرطوم إلى مدينة كبيرة وتصبح عاصمة السودان فى العهد العلوى وعرف محمد على مدى ما للطرق الصوفية من سيطرة على الشعب السودانى وحياته، فشجع الطرق الصوفية بمصر على نزول بعض دعاتها فى السودان، من ذلك تشجيعه أصحاب الطريقة السعدية، وهى من فروع الطريقة الرفاعية البغدادية الناشئة فى القرن السادس الهجرى كما مرّ بنا، وشجع أصحاب الطريقة الرحمانية أو البدوية المنسوبة إلى أحمد البدوى وأصحاب الطريقة البرهانية المنسوبة إلى إبراهيم الدسوقى. واشتهرت بمكة حينئذ طريقة أحمد بن إدريس الفاسى المتوفى سنة ١٨٣٥ وأرسل إلى السودان قبل وفاته أحد أتباعه المسمى محمد عثمان الأمير غنى، وأخذ ينشر طريقة شيخه فى السودان الشمالى من وادى حلفا
стр. 5237
إلى دنقلة، وتمّ له ذلك فرأى أن يذهب إلى كردفان ونجحت دعوته هناك. وشاعت فى السودان الطريقة السمانية. ويبدو أن دعاة صوفيين مختلفين نزلوا فى السودان أثناء القرن التاسع عشر للدعوة إلى طرقهم، كما يقال إن الطريقة التيجانية دخلت مدينة بربر فى السودان على يد داعيتها محمد المختار.
ومن المؤكد أن هذه الطرق الصوفية وما تكوّن حول كل طريقة وشيخها من جماعات اتسعت لكثير من القبائل عملت على إضعاف العصبيات القبلية وأحلت محلها روابط الطرق الروحية الصوفية التى ربطت بقوة بين أفراد الشعب السودانى من عرب وغير عرب، ونشرت الإسلام فيما بقى من جيوب وثنية بالسودان فى جبال النوبة، وبدون ريب سادت روح الإخاء والمودة بين أبناء الطريقة الصوفية. وكانت هناك قرى تنتسب إلى شيخ واحد كقرية العيلفون التى كانت تنتسب إلى إدريس ود الأرباب، وقد نزلها وسكنها لعهده سودانيون لا يحصون من الشرق والغرب ووادى النيل بل نجد مدينة تدين بطريقة الشاذلية الصوفية هى مدينة الدامر التى دعا فيها الشيخ حمد المجذوب إليها وجاءه مريدوه من دارفور وكردفان وجميع أنحاء السودان وأصبح سكان المدينة يتألفون من هؤلاء المريدين. ومعنى ذلك أن قيام الطرق الصوفية فى زمن دولة الفونج وانتشارها فى السودان من حينئذ عمل على إضعاف ما كان به من عصبيات قبلية، وسادته روح صوفية عامة جمعت بين كل أفراد الطريقة الصوفية على البر والتعاون والرحمة والمودة. غير أنه مع مر الزمن أخذت هذه الطرق تتنافس وأخذت كل طريقة تزعم أنها خير من أختها وأنها هى وحدها التى تسير على الصراط المستقيم، وانتهى ذلك بالطرق الصوفية إلى أن تصبح من عوامل الفرقة والتشتت بعد أن كانت-طويلا-من عوامل الألفة والوحدة.
(هـ) دعوة المهدى ومبادئها الستة
لا نصل إلى سنة ١٨٧٠ للميلاد حتى يظهر المهدى محمد بن عبد الله فى جزيرة أبا فى النيل الأبيض كما مر بنا فى الفصل الماضى وأخذ يكاتب مشايخ الطرق وبعض العلماء بأنه المهدى المنتظر والتف الناس حوله واتسعت دعوته، فأرسلت إليه الحكومة قوة فقهرها، وترك جزيرة أبا ونزل فى جيل قدير بمنطقة تقلى، ووجه إليه مدير فاشودة قوة فقضى عليها كما قضى على جيش بقيادة يوسف الشلالى، وأتاحت له هذه الانتصارات أنصارا كثيرين، ولم يلبث أن استولى على مدينة الأبيض سنة ١٣٠٠ هـ/١٨٨٣ م وتعاظم شأنه وكثر أنصاره وجاءوه من كل أنحاء السودان، وأرسلت حكومة الاحتلال الإنجليزى لمصر قوة بقيادة أحد قوادها فأبيدت إبادة تامة، واستسلم له سلاتين حاكم دارفور فى نفس السنة، وحاصر الخرطوم ودخلتها جنوده فى أواخر يناير سنة ١٨٨٥ للميلاد واتخذ قرية أم درمان عاصمة، ودان له السودان
стр. 5238
جميعه، وهاجر الناس إلى أم درمان من كل الأنحاء لمبايعته وإعلان اعتناق دعوته، ولم يلبث أن توفى فى شهر يونية سنة ١٨٨٥.
ونستطيع أن نتبين مبادئ دعوته من خلال منشوراته، ومن أهم المبادئ التى دعا إليها أتباعه ومريديه الزهد فى متاع الدنيا وكان ينصّ على ذلك فى بيعة كل مبايع له، إذ يقول فى بيعته: «بايعناك على زهد الدنيا وتركها والرضا بما عند الله» ويشرح هذا المبدأ مبينا أن عدم الأخذ به عند الملوك والأغنياء يشغلهم عن الدين والاهتداء بما جاء به الرسل، يقول: «وأما الملوك والكبراء وأبناؤهم فصار شغلهم-عن الإنابة إلى الله والتلقى عن الرسل والمرشدين- بالجاه والمال والعز والثناء وحسن الصيت فلم يتركهم ذلك لأن يتنوروا بنور الحق لأن القلب صار ممتلئا بهذه الفانيات فلا محل فيه لقبول الباقيات، وصار حرمانهم من الخير فيما يظنون أنه متعة لهم، وإذا أراد الله بعبده خيرا فرغه من ذلك الخسيس».
والمبدأ الثانى فى دعوة المهدى العمل بالدين والشريعة المحمدية والخضوع لأوامر الله ونواهيه وأداء فروض الدين ونوافله والإخلاص فى عبادته يقول فى منشوراته: «لا نعمة إلا نعمة الدين، ولا كرم إلا كرم التقوى، ولا حسب إلا لامتثال لأمر الله والتواضع حتى يكون الشخص بالنسبة إلى آحاد عباد الله كواحد منهم كما كانت حالة الصحابة. . فإن المؤمنين كاليدين تغسل إحداهما الأخرى». وهذا المبدأ أهم مبادئ دعوته لأنه كان يريد إقامة مجتمع إسلامى كبير، ويصرّح بذلك لأتباعه، بل دائما يكرره كقوله لهم: «إنّي قد وليت عليكم بولاية الله ورسوله لإقامة الدين، وجئتكم داعيا إلى الله ومبلغا عنه ما حملته إليكم: اتّبعوا آثار من سلف من المهتدين السابقين على نهج سيدنا محمد ﷺ . . وإنما قصدنا منكم المعاونة فى تقويم الدين، وإنّي-فى ذلك-كواحد منكم». والمهدى-بذلك-كان يريد أن ينشئ مجتمعا إسلاميا جديدا على أساس قويم من الدين، وكأن ثورته كانت ثورة إصلاح دينى لبناء دولة إسلامية كبرى تعود بالعالم الإسلامى إلى حياته الأولى: حياة التقوى والعبادة الصحيحة والأخوة فى الدين التى هى-فى رأى المهدى-أقوى من الأخوة فى الأبوين. ولم يقم المهدى فى دعوته أى اعتبار لشئ سوى الدين الحنيف، فلا اعتبار لنزعة قومية ولا لنزعة عنصرية، ومن أكبر الأدلة على ذلك أنه أرسل إلى الضباط الإنجليز وجنودهم منشورا يقول فيه: «إنكم إذا تدبرتم بعقولكم وتفرّستم فى قدرة خالقكم. . علمتم أن مخالفته شنيعة، ولا ينبغى لكم إلا امتثال أمره واجتناب نهيه والهروب منه إليه. . فهيّا إلى ذلك فإن أسلمتم فلكم أمان الله ورسوله وأمان العبد لله وتكونوا من ضمن أنصارنا». فالمدار فى دولة المهدى إنما هو على التمسك بالدين، ولا فرق بين عربى وغير عربى ولا بين سودانى وأوربى. ومما يدل على أن الأساس الدينى فى الدعوة كان كل شئ ما يقوله نعوم شقير فى الجزء الثالث من كتابه:
стр. 5239
«تاريخ السودان القديم والحديث». من أن المهدى جعل أتباعه مراتب بحسب تاريخ دخولهم فى دعوته الدينية واعتناقهم لها، فالمرتبة الأولى لأنصاره الذين التفوا حوله قبل إعلانه المهدية، وهم أبكاره، والمرتبة الثانية لأنصاره الذين آزروه فى جزيرة أبا فى النيل الأبيض، والمرتبة الثالثة لأنصاره الذين هاجروا إليه وهو فى جبل قدير بتقلى، والمرتبة الرابعة لأنصاره الذين هاجروا إليه فى الأبيض، ثم باقى الأنصار وهم أيضا طبقات بحسب أسبقيتهم فى اعتناق دعوته.
والمبدأ الثالث فى دعوة المهدى هو الأخذ بالبساطة فى الحياة ومطاعمها ومشاربها ونبذ ما أدخله التيار التركى والأوربى فى الحياة المادية الحضارية لأهل السودان فى العادات والمأكل والمشرب والملبس والأفراح والمآتم. وهذا المبدأ يتفق فى وضوح مع مبدأ الزهد والتقشف إزاء المتاع الدنيوى، وقد أراد به أن يحمى البلاد من ترف الحضارات الأجنبية.
والمبدأ الرابع فى دعوة المهدى نبذ أتباعه لجميع الطرق الصوفية المنتشرة فى السودان، وبذلك حلّ كل الطرق الصوفية ببلاده ولم يعد لها شيوخ ولا أتباع ينتمون إليها، ولا عاد بينها تنافس مقيت، كل يزعم أن طريقته هى طريقة الهدى السديدة وأن الطريقة أو الطرق الأخرى ضالة انحرفت عن طريق الرشاد القويم، وبذلك لم تعد فى السودان طريقة ولا دعوة دينية إلا دعوة المهدى وما وضعه لها من مبادئ.
ومبدأ خامس فى دعوة المهدى هو نبذ كتب النحل الدينية وكتب فقهاء المذاهب الأربعة المشهورين لأبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل وما بها من كثرة المسائل الفرعية، مما لا يفيد فوائد مباشرة فى فهم أركان العقيدة الإسلامية، وقد استحالت هذه الكتب على مر الزمن إلى مجلدات تلو مجلدات وشروح تلو شروح يغرق المسلم فى لججها وخضمها الزاخر، ولا يكاد يتبين نور الدين، إذ حجبوا عنه الكتاب والسنة، وزجوا به فى هذا المحيط الواسع من كتب تعد بالآلاف تتناول مسائل متفرعة لا حدّ لها ولا حصر، ويقول من الواجب إهمالها ووضع مذهب اجتهادى جديد فى الفقه والعقيدة. ويشعر من يطلع على هذا المبدأ فى دعوة المهدى أنه ربما كان متأثرا فيه بدعوة المهدى ابن تومرت مؤسس دولة الموحدين فى المغرب والأندلس إلى نبذ كتب المذاهب الفقهية الأربعة الكبرى لما بها من كثرة الفروع والعلل، ولم يلبث خليفتاه يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب أن أحرقا أحمالا من هذه الكتب.
ومبدأ سادس هو دعوة المهدى إلى الهجرة إلى المواضع التى اتخذها مراكز لدعوته اقتداء بهجرة الرسول ﷺ وأصحابه، وسمّى أتباعه بالأنصار اقتداء بتسمية الرسول لأهل المدينة بالأنصار، وحرّم الطرق الصوفية كما أسلفنا وحرّم على أنصاره أن يسموا أنفسهم الدراويش.
стр. 5240
ويذكر الدكتور عبد المجيد عابدين طائفة كبيرة من السنن التى سنّها المهدى فى المجتمع السودانى، فمن ذلك إبطال الرتب والألقاب الرسمية وغير الرسمية، وأقام الحدود الشرعية على شارب الخمر والزانى والسارق، وأبطل السحر وكتابة الأحجبة والصراخ على الميت، وخفض قيمة المهر إلى عشرة ريالات وثوبين للبكر وخمسة ريالات وثوبين للثيّب، وجعل وليمة العرس طبقا من اللبن وآخر من البلح، ومنع زيارة قبور الأولياء، ووجّه الناس إلى العناية بكتاب الله والسنة النبوية.
ودان له السودان جميعه فى يناير سنة ١٨٨٥ وأعلن الإنجليز إخلاءه، وقدّر له أن يتوفى سريعا فى سن الحادية والأربعين بشهر يونية سنة ١٨٨٥ للميلاد فلم يرافق انتصاره الكبير ولا دعوته طويلا، ولم يكن لخليفته التعايشى علمه فأخذت الدعوة المهدية تضعف وقاد كتشنر حملة مصرية فى أغسطس سنة ١٨٩٧ لفتح السودان واستطاعت فتحه والقضاء على التعايشى سنة ١٨٩٨ وقام فى السودان حكم ثنائى مصرى إنجليزى، وعادت الطرق الصوفية إلى نشاطها قبل زمن المهدى بل ربما ازداد بعضها قوة، وتحول أنصار المهدى إلى طائفة دينية كبيرة تواجه الطرق الصوفية.
٢ -
الثقافة (١)
(أ) كتاتيب-زوايا-مساجد
عرفت السودان مبكرة الكتّاب كما عرفته الأقاليم الإسلامية المختلفة فى كل قرية ومدينة وتجمّع بدوى للمسلمين وقبائلهم التى نزلت السودان على مر العصور، فكانت الكتاتيب تبنى ملحقة بالمساجد أو منفصلة أو يتخذ مسلم داره لتحفيظ القرآن الكريم الذى يعد حفظه أو على الأقل حفظ آيات كثيرة منه فريضة على كل مسلم، ويطرد ذلك طوال الحقب الإسلامية. وعادة كان ذلك يستغرق من الصبى سبع سنوات أو تقل أو تزيد حسب قدرته على حفظ القرآن جميعه، وكان يكتب كل يوم ما يمليه عليه الشيخ أو ما يكتبه من مصحف، وبين يديه محبرة وعود رفيع مدبّب يكتب به واجبه اليومى، حتى إذا حفظه سمعه منه الشيخ، وقد يسمع منه جزءا مما حفظ من القرآن لتثبيته فى ذهنه.
стр. 5241
وبجانب الكتّاب كانت هناك خلوات صغرى أشبه بالكتاتيب، وقد تكون ملحقة بالمسجد وقد تكون منفردة، وهى أيضا لتحفيظ القرآن الكريم، وقد يتخذها بعض المتصوفة للعبادة والنسك، والأكثر أن تكون كتّابا، وكانت الناشئة فى دارفور تذهب إلى الكتاتيب والخلوات فى الثلث الأخير من الليل ومعها حطب توقده، وتأخذ فى قراءة القرآن وكتابته وحفظه على ضوء ناره، كما يقول عمر التونسى فى الحديث عن دارفور برحلته إلى السودان، لأن الناشئة هناك كانت تشغل نهارا برعى الغنم والبقر.
وبعد حفظ الصبى للقرآن الكريم ينتقل إلى حلقات الدراسة بالمسجد أو بالزاوية، وكانت الزاوية تعنى بجانب العلوم الدينية، بدراسات التصوف وكتب الصوفية. أما المسجد فقلما يعنى بهذه الدراسات إنما يصب عنايته على علوم الشريعة وعلوم العربية وعلم الكلام والمنطق، وعرفت السودان المسجد مبكرة، إذ ينصّ عبد الله بن سعد بن أبى سرح فى معاهدته لأهل النوبة فى عهد الخليفة عثمان على وجود مسجد بديارهم وما يجب عليهم من رعايته وخدمته وإضاءته. وفى القرن الرابع الهجرى العاشر الميلادى بنى العرب القاطنون على النيل الأزرق مسجدا فى سوبا عاصمة علوة: المملكة المسيحية. ولا بد أن مساجد كثيرة بنيت مع انتشار الإسلام فى السودان وتغلغل القبائل العربية هناك. وكانت فى دارفور مساجد كثيرة، إذ كان فى كل بلدة مسجد وقد يكون بها جامع، وكانت الناشئة تتعلم فيه الكتابة وتتلو القرآن وتحفظه، ولكل مسجد وجامع عالم يشرف على حفظ القرآن. ولصق المسجد والجامع خلوات للطلاب يحفظون فيها القرآن ويتعلمون أحيانا العلوم الشرعية ولكل مسجد وجامع مال من السلطان ينفق عليه وعلى طلابه وعلى عالمه ومدرسيه. والمسجد من قديم بجانب استخدامه لأداء الفرائض والنوافل كان يستخدم لنشر العلوم الدينية وعلوم العربية، وكان الشيخ يجلس على رأس حلقة، ويجلس التلاميذ من حوله فيما يشبه نصف دائرة. وليس هناك طريقة واحدة فى التعليم يلتزم بها الشيوخ فقد يملون من الذاكرة والطلاب يقيدون ما يملونه، وقد يقرأ الشيخ-أو أحد طلابه-فقرة فى كتاب ثم يتناولها بالشرح والتوضيح، وقد يلقى على طلابه محاضرة مكتوبة.
(ب) حركة علمية نشيطة فى عهد الفونج
تظهر فى السودان حركة علمية نشيطة طوال عهد دولة الفونج، وقد أرّخ لها ود ضيف الله المتوفى سنة ١٢٢٤ هـ/١٨١٠ م فى كتابه الطبقات فى خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء فى السودان، وفيه ترجم لأكثر من مائتين وخمسين من أعلام الشريعة والعربية والتصوف، وذكرناه مرارا وتكرارا فى حديثنا عن المجتمع السودانى وما ساد فيه من نزعة صوفية، وبالمثل يمدنا بمعلومات كثيرة عن الدراسات الدينية وما نزل
стр. 5242
ديار السودان من علماء العالم الإسلامى ومن السودانيين الذين درسوا فى الأزهر بالقاهرة وفى مكة والمدينة.
وكانت الطريقة المتبعة لتخريج الطالب إذن شيخه له برواية ما سمعه منه، وقد يكتب إجازة له فى نهاية المصنف الذى أذن له بروايته، وقد يفردها، وكانت هذه الإجازة تقوم مقام الشهادة النهائية التى يظفر بها الطالب فى عصرنا. ويسوق ود ضيف الله صورة إجازة منحها الشيخ على الأجهورى شيخ الإسلام بالقاهرة للشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم السودانى كتبها بخطه، ويقول فيها بعد حمد الله والصلاة على رسوله ﷺ : «قرأ علىّ الشاب الفاضل والنحرير الكامل الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم الكبابى نسبا البربرى بلدا عقيدتى التى ألفتها فى أصول الدين والتصوف وشرحها قراءة جيدة نافعة إن شاء الله، وحضر قراءتى فى مختصر العلامة الشيخ خليل فى فقه المالكية فى نحو نصف الكتاب المذكور قراءة بحث وتحقيق دلت على نباهته وفقهه بالكتاب المذكور. وقد استخرت الله وأجزته بما ذكر وبجميع ما يجوز لى روايته بشرطه سائلا منه أن لا ينسانى من الدعاء بسعادة الدارين. . وكتب فى آخر ذى الحجة ختام سنة ثلاثين بعد الألف». ويلى ذلك إمضاء الشيخ على بن محمد المدعو بزين بن عبد الرحمن الأجهورى المالكى.
وكان ملوك الفونج ونوابهم فى الولايات كالشيخ عجيب فى العبدلاّب وولاة علوة يغدقون على العلماء. ووثّق الملوك العلاقة بينهم وبين علماء الأزهر بما كانوا يرسلون إليهم من هدايا، واشتهر الملك بادى الأول (١٠١٩ هـ/١٦١١ م-١٠٢٤ هـ/١٦١٦) بكثرة ما كان يرسله إليهم من هدايا مع سفيره أحمد علوان، وأهدوه بدورهم قصائد مديح متعددة، أنشد منها نعوم شقير فى الجزء الثانى من كتابه «تاريخ السودان القديم والحديث» قصيدة للشيخ عمر المغربى. وكان الشيخ عجيب شديد العناية بالعلماء فى إمارته، وتشجيعا لطلاب مشيخته وطلاب دولة الفونج والسودانيين عامة حبّب إليهم أن يرحلوا فى طلب العلم إلى الأزهر، وبنى لهم فيه رواقا بجانب رواق الشام ورواق المغاربة، وبنى لهم رواقا آخر فى المدينة لينزلوا فيه ويأخذوا العلم عن الشيوخ هناك.
(ج) سودانيون أزهريون وعلماء مصريون
تخرج فى الأزهر لعهد دولة الفونج سودانيون كثيرون، ومن أعلامهم الشيخ محمود العركى فى سنار العاصمة، وكان قد رحل إلى مصر واختلف إلى شيوخ الأزهر وخاصة الشيخ شمس الدين اللقانى إمام المالكية المتوفى بالقاهرة سنة ٩٣٥ وعمل بعد عودته على نشر المذهب المالكى فى دولة الفونج، ويقول ود ضيف الله إنه اول من نشر علوم الدين فى أنحاء النيل الأبيض إذ لم يجد فيها مدرسة علم ولا قرآن. وكان الرجل يطلق زوجته ويتزوجها غيره فى
стр. 5243
نفس اليوم بدون العدّة الشرعية، فأبطل تلك العادة المحرمة، وحمل الناس على حكم الشريعة وأن تنتظر المطلقة قبل زواجها الثانى حتى توفّى عدّتها. وأنشأ الخلاوى لتحفيظ القرآن الكريم وتدريس علوم الدين، وبذلك أشبهت الخلوة عنده مدرسة، وكان له ما بين الخرطوم وأليس الكوة خمس عشرة خلوة أو مدرسة.
وممن تخرج فى الأزهر أولاد جابر الأربعة: إبراهيم وعبد الرحمن وإسماعيل وعبد الرحيم، درسوا على الشيخ المالكى البنوفرى تلميذ عبد الرحمن الأجهورى، وهو بدوره تلميذ شمس الدين اللقانى، وكانوا أيضا من أسباب انتشار المذهب المالكى فى السودان، وخاصة إبراهيم الذى نزل جزيرة ترنج ودرّس فيها مختصر خليل ورسالة ابن أبى زيد القيروانى فى الفقه المالكى، ويقول ود ضيف الله إنه أول من درس مختصر خليل ببلاد الفونج وشدّت إليه الرحال، ومن تلاميذه أربعون صاروا أعلاما، منهم الشيخ الزين ولد صغيرون. وصار كثير من تلامذته شيوخا للإسلام فى بلدان مختلفة، ويقول ود ضيف الله: فقهاء البلاد كلها إلى دار صليح تلامذته وتلامذة تلامذته، ومن تلامذته المشهورين الشيخ أرباب الخشن، وكان الطلبة فى حلقته يبلغون-كما يقول ود ضيف الله-ألف طالب ونيفا من دار مملكة الفونج إلى دار مملكة برنو على نهر النيجر. وممن تتلمذ للبنوفرى فى الأزهر أستاذ إبراهيم بن جابر المار ذكره الشيخ عبد الرحمن حموتو الخطيب ورفيقه الشيخ محمد سرحان، ويذكر ود ضيف الله أنه كان يقول «محمد يصلح للتدريس لكونه يسأل عن تحقيق نصوص المتن، وعبد الرحمن يصلح للفتوى لكونه يسأل عن معانى الشراح ويراجع آراءهم وفتاواهم. وممن تلقى العلم فى الأزهر من أعلام السودانيين الشيخ حمد المجذوب وكان فقيها صوفيا، ومر بنا أنه نشر الطريقة الشاذلية فى مدينة الدامر، وظلت أسرته تقوم بعده على الطريقة الشاذلية ودراسة العلوم الدينية.
ومن العلماء السودانيين الذين تخرّجوا فى الأزهر الشيخ عمار بن عبد الحفيظ، عنى بأن ينهل من حلقات شيوخ العربية الأزهريين، وعاد إلى السودان وأخذ يدرس لطلابه- كما يقول ود ضيف الله-علوم النحو واللغة والمنطق، وتتلمذ عليه سودانيون كثيرون كان لهم دور عظيم فى نشر علوم العربية والبلاغة فى أنحاء السودان، منهم الشيخ عبد الله بن صابون الذى اشتهر ببراعته-كما يقول ود ضيف الله-فى النحو والصرف والمعانى والبيان والبديع وعلم العروض، وكان شاعرا ماهرا، ومثله زميله الشيخ على ولد شاقعى، وكان مثله شاعرا مجيدا.
وكثيرون من علماء مصر البررة رحلوا إلى السودان لتعليم السودانيين شريعة الإسلام وممن ندب نفسه لهذه المهمة-كما يقول ود ضيف الله-محمد بن على بن قدم الكيمانى تلميذ الخطيب الشربينى إمام الشافعية بمصر المتوفى سنة ٩٧٧ هـ/١٥٧٠ م استوطن مدينة بربر إلى
стр. 5244
أن توفى بها، وقد درس عليه شيوخ كثيرون أخذوا عنه علم الفرائض والفقه الشافعى من مثل الشيخ عبد الله العركى والقاضى دشين الشافعى وإبراهيم بن عبودى الذى اشتهر ببراعته فى تدريسه لعلم الفرائض أو المواريث وفيه ألّف حاشيته المعروفة باسم الفرضية. ولم يكتب لفقه المذهب الشافعى أن يعم فى السودان، إنما الذى عم فيه فقه المذهب المالكى للفقهاء المالكية الذين ذكرناهم ممن تلقوا المذهب عن أئمته فى مصر، ولأن نزلاء السودان من الحجاز والكانم والبرنو وغربيهما ومن الليبيين والتونسيين والمغاربة فى حجهم وتجارتهم كانوا مالكية. فالمذهب المالكى هو الذى شاع وانتشر فقهاؤه بالسودان لعصر دولة الفونج.
ومن كبار فقهاء المالكية المصريين الأزهريين الذين رحلوا إلى السودان فى عصر الفونج الشيخ محمد القناوى تلميذ الزرقانى الإمام المالكى الكبير استوطن مدينة بربر بين ديار الشائقية فى الشمال ثم جزيرة سنار فى الجنوب لأوائل النصف الثانى من القرن العاشر الهجرى، وبنى فيها مسجده ودرّس فيه رسالة ابن أبى زيد الفقيه القيروانى والعقائد (فى التوحيد) وعلم النحو وسائر العلوم، وولى القضاء فنهض به فى عفة ونزاهة» ومن أحفاده الشيخ محمد إكداوى نزيل مدينة شندى جنوبى مدينتى بربر وعطبرة، وفيها درّس فى الفقه المالكى رسالة ابن أبى زيد القيروانى مثل جده، ودرّس النحو وعلم الكلام وعلم الأصول والمنطق، وكان يجتمع فى حلقته طلاب كثيرون. ومن فقهاء مصر المالكية هناك الشيخ حامد اللين وكان يشتغل بتدريس رسالة ابن أبى زيد القيروانى فى الفقه المالكى، كما كان يشتغل بتدريس العقائد وعلم التوحيد، وهو أول من أحضر شرح الزرقانى على مختصر خليل وبالمثل شرح الشبرخيتى المالكى على متن العشماوية.
ومن كبار العلماء المصريين الذين نزلوا السودان واستوطنوا مدينة بربر فيه الشيخ محمد المصرى الذى عنى بدراسة علم التوحيد أو علم الكلام حتى وفاته سنة ١٠٩٥ هـ/١٦٨٤ م وكان محمد بن يوسف السنوسى الجزائرى المتوفى سنة ٨٩٥ هـ/١٤٩٠ م ألف فى علم التوحيد أو الكلام ثلاثة أعمال: العقيدة الكبرى وشرحها والعقيدة الوسطى وشرحها والعقيدة الصغرى وشرحها، وسيطرت هذه الأعمال فى مباحث علم التوحيد أو الكلام على الباحثين منذ وضعها لا فى الجزائر وحدها بل فى بلاد المغرب ومصر والعالم الإسلامى. وكان الشيخ محمد المصرى يدرس علم التوحيد للشباب السودانى من خلال هذه الأعمال ويفيض فى شرحها، ويقول ود ضيف الله إن له كتبا شأنها أن تكتب بماء الذهب، منها شرح للعقيدة الوسطى للسنوسى، وشرح للعقيدة الصغرى، وكان السنوسى قد اختصر الصغرى وسماها أم البراهين فشرحها. وكان الشاعر أحمد بن عبد الله الجزائرى فى عصر السنوسى ألف فى العقيدة قصيدة فشرحها وشاعت باسم الجزائرية، ونجد محمدا المصرى يشرحها أيضا-كما يقول ود ضيف الله-
стр. 5245
ويشرح الأجرومية فى النحو. ولتلميذه الشيخ مكى النحوى الرباطابى شرحان على السنوسية: كبير وصغير.
وما حدث بين الطلاب السودانيين وانتظامهم فى الأزهر للتعليم وانتداب بعض خريجى الأزهر من المصريين أنفسهم لنشر الثقافة الدينية فى ربوع السودان حدث ما يماثله أو يقرب منه بين السودان والحجاز، فقد كان للسودانيين رواق فى المدينة تنفق الدولة على من ينزل فيه للأخذ عن الشيوخ هناك، وممن نزله من السودان الشيخ محمد بن عدلان الذى تتلمذ للشيخ عبد الله المغربى هناك، وعاد إلى أرض الجزيرة فى السودان، ودرّس للناس علم الكلام من خلال كتب السنوسى التى ذكرناها آنفا، ويقول ود ضيف الله إن مدار علم الكلام فى دار الجزيرة أو إقليمها على طلبته وتلامذة طلبته. ويذكر ود ضيف الله عن شيخ سودانى يسمى عمار بن شايقى أنه قرأ فى مكة علوم العربية. ويلم ود ضيف الله بأسماء علماء اليمن الذين نزلوا فى السودان واستوطنوه مثل الفقيهين حمد ولد زروق والشيخ جبارة. ويذكر ود ضيف الله طائفة من علماء المغرب الذين نزلوا فى السودان غير أنه لا يتوقف إزاءهم طويلا لنعرف ما الذى كانوا يدرّسونه للطلاب فيما عدا التلمسانى، إذ يقول إنه درّس لطلابه علم الكلام وعلوم القرآن وتجويده وترتيله. ونظن ظنا أن التلمسانى كان أحد من أشاعوا قراءة ورش المصرى فى دارفور وكردفان، إذ كانت مصر قد هجرتها من قديم وتمسكت بها البلاد المغربية والأندلس، وشاعت فيما بعد بالسودان الغربى وبرنو والكانم، فشيوعها فى السودان إنما هو عن طريق من نزلها من المغاربة أمثال التلمسانى.
وحرى بنا أن نذكر مؤرخين سودانيين مهمين هما ود ضيف الله أو محمد بن ضيف الله الجعلى المتوفى سنة ١٢٢٤ هـ/١٨١٠ م صاحب كتاب الطبقات فى خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء فى السودان وهو كتاب نفيس ترجم فيه-كما ذكرنا-لنحو مائتين وخمسين صوفيا وعالما وشاعرا فى عصر دولة الفونج بسنار، ولأهميته طبع أكثر من مرة، وعليه اعتمدت فى دراسة الحياة الصوفية والعلمية أيام الفونج وبالمثل الحياة الاجتماعية وخاصة عن المرأة. ويلى هذا المؤرخ وكتابه فى الأهمية كتاب الشيخ أحمد كاتب الشونة-والمراد بالشونة مخزن الغلال- وهو فى تاريخ السلطنة السنارية والإدارة المصرية ويبدو وأنه كان موظفا فى تلك الإدارة، فأرّخ لدولة الفونج فى سنار وللإدارة المصرية فى الخرطوم والسودان.
ولعل فى كل ما قدمت ما يدل على أن دولة الفونج أحدثت فى السودان نهضة علمية حقيقية كان عمادها القرآن الكريم وترتيله وقراءته وتفسيره والحديث النبوى والفقه وما يتصل به من علم الأصول والعربية بعلومها المختلفة. غير أن الدولة ضعفت فى عهدها الأخير مما أتاح لمحمد على ضم السودان إلى مصر، واستحالت الخرطوم إلى مدينة كبيرة، وأصبحت عاصمة
стр. 5246
للبلاد، وعرف أن السودانيين شعب متدين ويعتنق مناهج كثير من الطرق الصوفية، فشجع أصحاب الطرق الصوفية بالقاهرة على النزول به، وأرسل مع الجيش الذى وجّه به إلى السودان ثلاثة من صفوة العلماء، وهم القاضى محمد الأسيوطيّ الحنفى والشيخ أحمد البقلى الشافعى والشيخ أحمد السلاوى المالكى «ليكون-كما يقول الدكتور عبد العزيز عبد المجيد-لكل مذهب من المذاهب الفقهية الشائعة شيخ يشرف على شئونه، وحتى لا يجبر معتنق مذهب (فقهى) على أن يلجأ فى الفتاوى والأحكام إلى شيخ من غير مذهبه». وشجع محمد على علماء الأزهر على الهجرة إلى السودان خدمة للشريعة الإسلامية هناك، وفتح أبواب الأزهر على مصاريعها للطلاب السودانيين ورتبت لرواق السناريين جراية أو بعبارة أخرى خبز لهم، وأنشئ رواق لأهل دنقلة ورواق لأهل دارفور ورواق لأهل صليح. وفى أواخر عهد محمد على سنة ١٨٤٧ للميلاد أنشئ الجامع العتيق بالخرطوم، وأريد به أن يكون مثل الأزهر جامعا لأداء فرائض الصلاة ومعهدا دينيا كبيرا يدرّس فيه جلّة من العلماء، وممن ألقى دروسه ومحاضراته الدينية فيه الشيخ إبراهيم عبد الدافع مفتى الديار السودانية والشيخ الأمين الضرير والشيخ شاكر المفتى والشيخ مصطفى السلاوى والسيد حسين المجدى والشريف المحروقى الشاذلى. ولا بد أن نشير إلى أن مصر جعلت المذهب الحنفى المذهب الرسمى للدولة وعلى رأس المحاكم الشرعية قاضيا حنفيا، وعادة يكون مصريا وظل ذلك فى عهد الفترة المهدوية وبعدها إلى سنة ١٩٤٧ للميلاد.
(د) التعليم المدنى الحديث وتوقفه
أخذت تنشأ فى عهد محمد على بالسودان مدن جديدة مثل الخرطوم وبعض مستشفيات ومنشئات عصرية، وهاجر بعض الطلاب السودانيين إلى القاهرة ليلتحق بالمدارس والمعاهد الجديدة. ويذكر رفاعة الطهطاوى فى كتابه مناهج الألباب المصرية أن محمد على اختار طائفة من ناشئتهم أدخلهم فى المدارس المصرية ليتعلموا مبادئ العلوم، ثم نقلهم إلى مكتب الزراعة ثم إلى مدرسة الألسن، وكان قصده من ذلك أن يتذوقوا طعم المعارف التمدنية، حتى إذا عادوا إلى السودان نشروها فى بلادهم. ويذكر الدكتور عبد العزيز عبد المجيد أن بعثة من الطلاب السودانيين تتألف من مائة طالب سافرو إلى مصر والتحقوا بمدرسة المبتديان.
وإذا صحّ ذلك تكون مصر قد أخذت بيد السودان لتنهض فيه سريعا نهضة علمية مثل نهضتها، ومع ذلك لا يذكر لمحمد على أنه أقام مدرسة نظامية فى السودان. وأول مدرسة تنشأ فيه أقامها خليفته عباس إذ أنشأ فيه مدرسة ابتدائية فى الخرطوم وجعل ناظرها رفاعة رافع الطهطاوى، ونراه فى كتابه مناهج الألباب المصرية يشيد بالسودانيين وملكاتهم الخصبة وحسن استعدادهم للتمدن وللعلم والتعلم، يقول:
«إن للسودانيين قابلية للتمدن الحقيقى لدقة أذهانهم، فإن أكثرهم قبائل عربية، يدل على
стр. 5247
ذلك اشتغالهم بما ألفوه من العلوم الشرعية عن رغبة واجتهاد، ولهم مآثر عظيمة فى حسن التعلم والتعليم حتى إن البلدة إذا كان بها عالم شهير يرحل إليه من البلاد المجاورة من طلبة العلم العدد الكثير والجم الغفير، فيعينه أهل بلدته على ذلك بتوزيع الطلبة على البيوت بحسب الاستطاعة، فكل واحد من الأهالى يخصه واحد أو اثنان ويقومون بشئونهم مدة التعلم والتعليم». ويبدو أن هذه الطريقة كانت قديمة منذ عهد دولة الفونج.
وولى سعيد قصير النظر بعد عباس فأغلق المدرسة، وتولى بعده إسماعيل سنة ١٢٧٩ هـ/١٨٦٣ م فعيّن موسى باشا حمدى حكمدارا للسودان وأمره بإنشاء خمس مدارس فى عواصم المديريات: الخرطوم وبربر والأبيض وكسلا ودنقلة، وفتحت كل مدرسة أبوابها لاستقبال مائة تلميذ كى يحصّلوا-كما يقول الدكتور عبد العزيز عبد المجيد-العلوم والفنون النافعة، وأنشئت مدرسة سادسة فى سواكن. وأخذت-بعد ذلك-بعض الإرساليات التبشيرية تنشئ مدارس لها فى الخرطوم. وكان لهذه المدارس جميعا أثر واسع فى نشر الثقافة الحديثة بالسودان، إذ كانت تتأثر بالحضارة الغربية والأفكار الأوربية.
وليس كل ما بين هذا التعليم الحديث فى السودان وبين التعليم القديم فى الخلوات والزوايا والمساجد من فروق تأثره بما فى الغرب من حضارة وأفكار فإنه قام على مناهج محددة فى كل سنة لكل علم، وعلى مقررات واضحة فى كل مادة مع العناية بتعلم لغة أجنبية، بخلاف التعليم القديم، فليس فيه مناهج محددة وليس فيه انتقال من صف إلى صف، مما يقتضى تدرج التعليم، بحيث يكون لكل علم فى كل سنة مادة علمية تتلاءم مع سن الناشئ من الوجهة التربوية السديدة.
وعيّن إسماعيل جعفر مظهر بعد موسى حمدى حكمدارا سنة ١٨٧٣، وكان مثقفا ثقافة واسعة بالعلوم الدينية والأدبية، فبثّ فى مسائلها جميعا نشاطا واسعا، إذ فتح مجالسه للعلماء والأدباء يتحاورون معه ويتحاور بعضهم مع بعض فى المسائل العلمية والأدبية، وأحدث ذلك فى الخرطوم والسودان حركة علمية وأدبية خصبة وأخذ بعض الشعراء ينشرون قصائدهم فى الوقائع المصرية وكانت حينئذ جريدة مصر الكبرى. وبينما الحركة الثقافية الحديثة تنشط هذا النشاط وبينما المدارس الحديثة تخرّج للإدارة السودانية كل ما تحتاج إليه من الكتاب والمحاسبين وعمال التلغراف والموانئ إذا المهدى يقوم بثورته التى مرت بنا فيغلق كل المدارس، وينهى عن التعلق بأى صورة من صور الحضارة المادية الأوربية والتركية فى المأكل والملبس والأفراح والأحزان، فأنصاره ينبغى أن يرفضوا كل ما دخل على حياتهم من حضارة الغرب والترك ويعودوا إلى حياة الفطرة الأولى الإسلامية الخالصة. وبذلك ظلت السودان فى أيامه منذ سنة
стр. 5248
١٨٨١ وأيام خليفته التعايشى منذ سنة ١٨٨٥ حتى نهاية أيامه سنة ١٨٩٨ بعيدة عن كل تعليم حديث أو ثقافة حديثة تشوبها الحضارة الأوربية والتركية.
وبانتهاء العهد المهدوى وقيام الحكم الثنائى المصرى الإنجليزى فى السودان عادت الطرق الصوفية إلى نشاطها محاولة بكل ما تستطيع أن تسترد مكانتها التى كانت قد فقدتها. وأصبحت من حينئذ جماعة الأنصار المعتنقين للدعوة المهدية طائفة دينية تقف فى مواجهة الطوائف الصوفية. وعاد مع الطوائف الصوفية تعليم الخلوة والمسجد والزاوية والتحق بعض السودانيين بالتعليم الدينى فى الأزهر.
(هـ) إنشاء معهد دينى وعودة التعليم المدنى الحديث
أنشئ فى جامع أم درمان سنة ١٩٠١ معهد دينى لتدريس العلوم الدينية وعلوم العربية، وفى سنة ١٩١٢ بنى له مبنىّ مستقل بجوار مسجد جديد بأم درمان، ووضعت له نظم ومناهج كنظم ومناهج الأزهر، وجعل التعليم فيه على ثلاث مراحل وكل مرحلة أربع سنوات ومع كل مرحلة شهادة، وهى مرحلة أولى ومعها الشهادة الأولية، ومرحلة وسطى أو ثانوية ومعها الشهادة الأهلية، ومرحلة عليا ومعها الشهادة العالمية، مثل الأزهر تماما، وتفرعت من هذا المعهد معاهد أخرى فى المدن الرئيسية.
وكان لهذا المعهد أثر بعيد فى السودان إذ أخذ يزداد عدد خريجيه من حملة شهادة العالمية، وعيّن كثيرون منهم مدرسين فى وزارة أو مصلحة المعارف وسدّوا حاجة المدارس الأهلية إلى معلمين للناشئة يدرسون لهم الدين والعربية، كما سدوا حاجة المديريات من المعلمين فى معاهدها الإقليمية. ولم يكن فى السودان من المدارس النظامية سنة ١٨٩٩ سوى مدرستين حكومتين وبعض المدارس القروية، فعمل الحكم الثنائى المصرى الإنجليزى الجديد على إنشاء مدارس أولية ووسطى فنية، وتأخر إنشاء مدارس للبنات، وفى سنة ١٩١١ افتتح الشيخ با بكر البدرى المربى السودانى الفاضل مدرسة للبنات فى منطقة رفاعة بالجزيرة، وأدخل فيها كريماته واقتدت به بعض الأسر، فأدخلت معهن كريماتهن، وأخذت مدارس البنات تزداد، حتى بلغت فى آخر هذا العصر سنة ١٩٢٣ خمسا. ومنذ أواخر القرن الماضى وأوائل القرن الحاضر أخذت الإرساليات التبشيرية تنشط فى فتح المدارس.
وكان أهم حدث فى التعليم المدنى إنشاء كلية غوردون، وكان كتشنر أول حاكم عام للسودان جمع من السودانيين تبرعات لإنشاء كلية لذكرى غوردون وبلغت-كما أسلفنا- نحو مائة ألف جنيه، ووضع الحجر الأساسى لها سنة ١٨٩٩ ورؤى-فى أول الأمر-أن لا يتعدى التدريس فيها المرحلة الابتدائية، وافتتحت فى أكتوبر سنة ١٩٠٣ وتقدم لها مائة
стр. 5249
وخمسون تلميذا بينهم من المصريين والشاميين ٥٨ والباقون سودانيون، وفى سنة ١٩٠٥ أنشئ بها قسم ثانوى، مدته أربع سنوات، مع دراسات خاصة لتخريج المدرسين والمترجمين والمهندسين والقضاة الشرعيين.
وأخذت تنشأ فى الخرطوم والسودان مدارس حكومية وغير حكومية تعنى بالتعليم الحديث وتزويد الطلاب السودانيين بتعلم اللغة الإنجليزية، ويذكر الدكتور عبد المجيد عابدين عن محمد أحمد محجوب أحد الخريجين الأوائل من كلية غوردون قوله: «لم يكن بد من انتشار آداب اللغة الإنجليزية بين جمهرة المتعلمين من شباب السودان، وساعد على ذلك نشاط المطبعة الإنجليزية وكثرة إنتاجها فى شتى الفنون والعلوم وفى كثير من أغراض الحياة العامة».
ولا بد أن نلاحظ أنه بجانب عمل المدارس وكلية غوردون فى نشر الثقافة الحديثة أخذ المعهد الدينى فى أم درمان يتسع بالثقافة الدينية الإسلامية، وتخرج فيه كثيرون عنوا بالأدب العربى وإنماء دراسته فى السودان. ونشط الفكر السودانى بعامة وأخذت ترتسم أمامه مثل عليا فى الحياة والاجتماع، وتأسس بأخرة من هذا العصر سنة ١٩١٨ بأم درمان ناد للخريجين يمثل الطبقة المثقفة فى السودان، وأخذ الخطباء يعتلون منابره معبرين عن وعى جديد بشئون الأمة السودانية ومصالحها وشئون السياسة والفكر والثقافة، وأخذ غير واحد ينادى بالإصلاح الاجتماعى والسياسى، مما أعدّ لثورة سنة ١٩٢٤ وهى-فى رأينا-تعد بدء العصر الحديث فى السودان.
стр. 5250
الفصل الثالث
نشاط الشعر والشعراء
١ -
تعرّب (١) السودان
عرف السودان الجنس العربى قبل الإسلام بعدة قرون عن طريق التبادل التجارى بين الجزيرة العربية والشاطئ الإفريقى، ويظنّ أن بعض ملوك حمير استولى على أجزاء من هذا الشاطئ أو من أرض الحبشة، وتؤكد هجرة المسلمين فى بدء الدعوة الإسلامية من مكة إلى الحبشة أن أهل الحجاز كانوا يعرفون الشاطئ المقابل وسكانه من الحبشة والسودان. ولكن ليس هذا هو التعرب الذى نريده، فنحن لا نريد معرفتهم بالجنس العربى ومتى بدأت، إنما نريد تكلمهم بالعربية ومتى أصبحوا يعدّون شعبا عربيا، ولم يحدث ذلك إلا بعد إسلامهم وبعد هجرة قبائل عربية كثيرة إليهم.
وكان أول احتكاك بين العرب المسلمين وأهل السودان فى عهد الخليفة عثمان إذ أرسل إليه واليه على مصر: عبد الله بن سعد بن أبى سرح سنة ٣١ هـ/٦٥١ م حملة تغلغلت فى مملكة مقرة الشمالية إلى عاصمتها دنقلة وكانت دولة مسيحية أدخلتها مصر قديما فى الدين المسيحى مثل مملكة علوة جنوبيها والحبشة. وانتصر الجيش المصرى انتصارا حاسما وعقدت بين مصر ومقرة معاهدة كان من بنودها صيانة المسجد الذى بناه المسلمون بدنقلة وخدمته وإضاءة السراج فيه ليلا. ونسمع عن عشائر من قبيلة بلىّ وجهينة نزلت فى قبائل البجّة شرقى السودان، وبالمثل عبرت عشائر من هوازن البحر الأحمر إليها. ويحدث أن تغير قبائل البجّة على أسوان فى عهد المأمون فيرسل إليها حملة تقهرها وتعقد معها معاهدة تنصّ على أن لا تهدم البجّة شيئا من المساجد التى بناها المسلمون فى سائر ديارها طولا وعرضا. وبذلك فتحت الأبواب على مصاريعها لنزول القبائل العربية بين أهل البجّة، ونزحت إليها عشائر كثيرة من قبيلة ربيعة
стр. 5251
عملت فى مناجم الذهب بوادى العلاقى الممتد من أسوان إلى عيذاب، واستطاعوا أن يدخلوا فى الإسلام من البجة عشائر معروفة باسم الحدارب، ويقول المسعودى هم وحدهم الفئة المسلمة فى البجة لزمنه سنة ٣٢٤ هـ/٩٣٥ م ويدل على كثرتهم أن أحد زعماء ربيعة هناك بشر بن إسحاق كان يركب فى ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألفا من مقاتلة البجّة وكلهم من الحدارب. وكانت لغة أهل البجة حاميّة وتسمى التبداوية، وكانوا ينتشرون من عيذاب إلى كسلا، وأخذ الإسلام-ومعه العربية-ينتشر بينهم مع مر الزمن، ودخلت لغتهم من العربية ألفاظ كثيرة، ولا يزال بعض البجاويين وخاصة فى الغرب يحتفظون بالتبداوية مع تكلمهم بالعربية، يقول نعوم شقير عن قاطنى «سواكن» من البجة إنهم يتكلمون البجاوية فى منازلهم ومجالسهم الخاصة، ولكنهم فى المجالس العامة يتكلمون العربية.
وظلت مملكة مقرة النوبية المسيحية تقاوم الإسلام والعروبة قرونا، وتغير على ميناء عيذاب المصرى وأسوان فى عهد الظاهر بيبرس، فيرسل إليها حملة تأديبية، وتتغلغل فى ديارها حتى دنقلة، ويفرض عليها ولاءها لمصر وأن يكون ملكها نائبا فى النوبة عن بيبرس، ويولّى عليها نائبا له ملكا مسيحيا من أهلها وتظل تحاول الاستقلال عن مصر فى عهد قلاوون وتتطور الظروف فى عهد ابنه الناصر ويولّى عليها سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م ملكا مسلما من نفس الأسرة المالكة. وسرعان ما استولت على مملكة مقرة النوبية قبيلة ربيعة ونشرت بها الإسلام وبذلك انمحت مملكة النوبة المسيحية نهائيا، وظلت مملكة علوة المسيحية جنوبيها تحاول مقاومة النفوذ الإسلامى إلى أن قضت عليها نهائيا دولة الفونج الإسلامية. ومعروف أن اللغة النوبية إحدى اللغات الحامية فى السودان. ولا يزال أهل بعض مناطقها يستخدمونها فى حياتهم اليومية، ودخلها كثير من الألفاظ العربية حتى لتبلغ كما يقول الدكتور عبد المجيد عابدين ثلاثين فى المائة من مجموع ألفاظها وكانوا يستعملون معها العربية.
وعوامل متعددة جعلت غربى السودان يعتنق الإسلام، منها نزول تجار مملكة البرنو والكانم الإسلامية فى أسواق دارفور وكردفان، ومنها مرور حجاجهم بتلك المنطقة ورؤيتهم لهم وهم يفرشون سجاجيدهم ويصلون داعين الله أدعيات مختلفة، ومنها هجرة كتلة ضخمة من قبيلة زوارة المغربية المسلمة ومن عرب الشاوية (رعاة الشاة) إلى إقليمى دارفور وواداى فى القرن الخامس الهجرى، وقد كونوا مملكة إسلامية كبيرة، كان من ملوكها الملك سليمان وشملت مملكته الكانم وواداى وشطرا كبيرا من دارفور. وكانت تسود فى الغرب لغات حامية وبربرية على ألسنة المهاجرين إلى الغرب من زوارة وعربية على ألسنة الشاوية ونوبية على ألسنة التنجور المهاجرين من دنقلة إلى دارفور. واختلف أهل الغرب، منهم من يتكلم العربية إلى جانب لغته الأصلية: البربرية أو النوبية أو الحامية بجانب العربية، ومنهم من يتكلم العربية وحدها مثل سكان قبيلة القمر إلا ما كان من جماعة أبى جوخة.
стр. 5252
وواضح أننا لا نصل إلى القرن العاشر الهجرى إلا وقد أخذت أجزاء من السودان تتعرب نهائيا مثل حدارب البجة، وأجزاء أخرى أخذت تضيف العربية إلى لغتها الأصلية كما فى البجة والنوبة وبعض جوانب الغرب فى دارفور، ما عدا سكان قبيلة القمر فإنهم تكلموا العربية ونسوا لغتهم الأصلية. وتؤسّس دولة الفونج فى سنار سنة ٩١٠ هـ/١٥٠٤ م وتعلن أنها دولة إسلامية فى نظمها السياسية والإدارية وأن العربية لغتها الرسمية وكتبت بها وثائقها، وشجعت العلماء على تدريس الفقه والعلوم الإسلامية والعربية وأخذت تحدث نهضة علمية فى بلادها التى امتدت شمالا حتى الشلال الثالث وشرقا حتى حدود الحبشة والبحر الأحمر وغربا حتى بعض مناطق كردفان وجنوبا حتى منطقة نهر السوباط وبحر الغزال، فكل هذه المناطق عمت فيها دولة عربية إسلامية-هى دولة الفونج-لمدة ثلاثة قرون، بحيث نستطيع أن نقول إن السودان تعرّب فى عهد هذه الدولة. ومرّ بنا ما كان بها من طرق وتجمعات صوفية وما كان بها من نهضة ثقافية، وتأسست فى جبال النوبا غربى السودان الأوسط مملكة تقلى سنة ٩٧٧ هـ/١٥٧٠ م وظلت إلى أواخر القرن التاسع عشر وقد عملت بقوة على إتاحة الفرصة للعناصر العربية بالتوغل فى الشمال الشرقى من تلك الجبال، ووضعت نصب عينيها نشر الإسلام والعربية وشجعت القبائل العربية فى حوض النيل وشرقى السودان على الهجرة إليها. وتأسست فى دارفور سلطنة أسستها قبائل التنجور القادمة من بلاد النوبة وقبائل الكنجارة القادمة من إقليم بحيرة تشاد، ويبدو أنهم كانوا من عرب الهلالية الذين اكتسحوا تونس فى القرن الخامس الهجرى إذ كانوا ينتسبون إلى أبى زيد الهلالى. وقامت هذه السلطنة سنة ١٠٤٦ هـ/١٦٣٧ م وظلت حتى سنة ١٢٩١ هـ/١٨٧٥ م وتبعتها واداى وبرنو فى عهد ملكها الأول سليمان سلونج، وعملت هذه المملكة طوال عهدها على نشر الإسلام والعربية، ومثلها كردفان. وكان بدوى أبو صفية يأتى ببعض أهل جبال النوبا إلى مدينة الأبيض، فيحفظهم القرآن الكريم والضرورى من الفقه وعلم التوحيد، ويعيدهم إلى بلادهم لنشر الإسلام.
ويمكن القول بأننا لا نصل إلى أواخر عهد دولة الفونج فى أوائل القرن التاسع عشر الميلادى إلا وقد تعرّب السودان، ما عدا بعض الجبال الشاهقة المنعزلة التى لم يتح للقبائل العربية الاختلاط بسكانها مثل جبل مرة فى أقصى الغرب وما عدا سكان قبيلة الأمرأر من قبائل البجة بجوار الحبشة لوعورة المسالك إليها مما جعلها تتأخر فى التعرب بالقياس إلى أخواتها من قبائل البجة. ووصل التعرب إلى بيئة الغابات فى الجنوب عن طريق بعض القبائل العربية مثل البقارة فى كردفان وبنى سليم عند كاكا على النيل الأبيض، ولهم فضل تعرب الشلك ومثل اختلاط عرب الزريقات بقبائل الدينكا فى بحر العرب. وأكثر أجزاء هذا التعرب كانت تستخدم لغاتها المحلية بجانب العربية، وأخذ هذا التعرب يستقر ويتسع مع مر الزمن طوال القرن التاسع عشر.
стр. 5253
٢ -
شعراء المديح
من يقرأ كتاب الطبقات لود ضيف الله يعرف أن الشعراء كانوا يكثرون من مديح ملوك الفونج منذ قامت دولتهم فى سنار، غير أن مدائحهم لم تكن من الجودة بحيث نستطيع عرض نماذج كثيرة منها، ونجد الشيخ الصوفى فرح ودتكتوك المتوفى سنة ١٠١٧ هـ/١٦٠٩ م بعد قيام دولتهم بنحو قرن ينعى على الشعراء فى عهده وقوفهم المتكرر على أبواب ملوك الفونج أو سلاطينهم يستمنحونهم الهبات والعطايا قائلا (١):
يا واقفا عند أبواب السلاطين ... ارفق بنفسك من همّ وتحزين
إن كنت تطلب عزّا لافناء له ... فلا تقف عند أبواب السلاطين
خلّ الملوك بدنياهم وما جمعوا ... وقم بدينك من فرض ومسنون
استغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
والشيخ فرح ود تكتوك ينهى الشعراء عن الوقوف بأبواب السلاطين انتظارا لأعطياتهم ويقول لهم: رفقا بأنفسكم وما تحمّلونها من هم الانتظار لتلك الأعطيات، ومن يطلب العز الخالد لا يقف بتلك الأبواب إنما يقف بباب ربه، تاركا للملوك دنياهم وما جمعوا مع أداء فروض دينه ونوافله، مستغنيا بالله وما يرزقه عن دنيا الملوك كما استغنوا هم بدنياهم ومتاعها عن الدين. وقد أخذ شعر المديح يكثر فى السودان منذ القرن التاسع عشر الميلادى، وكان لثورة المهدى الحظ الأوفر فيه، فقد حقق للسودان استقلالا وانتصارات متعددة وكأنما أعاد إليها الروح التى كانت فقدتها وجعلها تشعر بشخصيتها فى عمق، مما جعل كثيرين من الشعراء يتغنون بمديحه وانتصارات جيوشه باثّين فى ذلك غير قليل من الحماسة الملتهبة مشيرين إلى دعوته الدينية وأنه يأخذ فيها بهدى القرآن والسنة النبوية من مثل قول عبد الغنى السلاوى قاضى دنقلة (٢):
ما هديه غير الكتاب وسنّة ... والتاركون لذاك هم كفراء
أجلى الصّدا وأزاح أنواع الرّدى ... وسمت به فوق السّما علياء
أمست به آثار طه ونورها ... يعلو ولا يعلو عليه سناء
فالمجد فيه مؤثّل والفضل من ... هـ مؤمّل والناس فيه سواء
стр. 5254
وهو يقول إن دعوته قائمة على الأخذ بالكتاب والسنة النبوية، ومن يرفض دعوته يكون كافرا ويصفه بأنه نحّى الصدأ والكدرة عن وجه الحياة فى السودان ونحّى أنواع الهلاك والبوار، ويقول إن علياءه علت به فوق السموات السبع، وأمست آثار طه تتعالى ولا يعلو عليها سناء ولا نور، ويذكر أن مجده أصيل والفضل منه مؤمل يشترك فيه السودانيون جميعا، وسنترجم عما قليل لشاعرين من شعراء المهدى هما: حسين زهراء ومحمد عمر البناء. وكان قائد جيش الأنصار عثمان دقنة فى شرقى البلاد بمدينة هندوب قرب مدينة سواكن ومعه فرق كبيرة من الجيش فبلغ التعايشى خليفة المهدى أن جيشا إنجليزيا يتقدم نحو سواكن ليفاجئ عثمان دقنة فى هندوب، فكتب إلى عثمان دقنة يأمره بالانسحاب من المدينة لاستدراج العدو إلى شعاب الجبال، ومباغتته هناك، ونكل عثمان دقنة بالجيش الإنجليزى فى هشيم، وفى ذلك يقول محمد الطاهر المجذوب كاتبه فى قصيدة حماسية (١):
هندوب تعرف صبرنا ... كيف ارتكبنا للمصاعب
وهشيم تشهد عزمنا ... كيف ادّرعنا للمصائب
يا طالما صدنا بها ... صيد الغضنفر للثعالب (٢)
نحيى لدين الله بل ... فى شأنه نلقى المعاطب (٣)
متوسلين إليه بال ... مهدىّ وجهة كلّ راغب
وخليفة المهدىّ عب ... د الله مفتاح المطالب
وهو يقول إن «هندوب» تعرف صبرنا فى الحرب وكيف نعد العدة لها، وتلك «هشيم» تشهد عزمنا المصمم وكيف أخذنا أهبتنا للحرب، وكانت حربا ضارية صاد جيشنا فيها الأعداء صيد الأسد للثعالب. وإننا لنحيى للدفاع عن دين الله معرّضين أنفسنا للموت من دونه، متوسلين لإلهنا بإمامنا المهدى وخليفته عبد الله التعايشى مفتاح كل مطلب للشعب السودانى. ويمدح المضوى عبد الرحمن الزبير باشا حاكم بحر الغزال للخديوى إسماعيل، وكان قد نزل القاهرة بعد ثورة المهدى، وكان من أنصارها وأرادت حكومة مصر محاكمته فتوسط له الزبير باشا فعفى عنه، فامتدحه بقصيدة يقول فيها (٤):
هو فخر سنّار الذى عظمت به ... وجداه عمّ بها جميع السّاح (٥)
وتواضعت عظماؤها لعلاه إذ ... علموا بما أوتى من الفتّاح
من فطنة ونزاهة وشهامة ... وشجاعة فى الغارة الملحاح
стр. 5255
يحنو على مسكينهم بتعطّف ... ويسدّ ثلمهم يخفض جناح
فلذا تراهم يلهجون بذكره ... لا يطربون بغير هذا الرّاح (١)
فالله يبقيه ويجعل سعيه ... فى كل ما يهوى قرين نجاح
والمضوى يقول إن الزبير فخر «سنار» الذى أتاح لها عظمة ومجدا، والذى عمّ جوده بها جميع الساحات، ويذكر أن عظماءها تواضعوا له لما أسبغ الله عليه من نعم: فطنة ونزاهة ومروءة. وإنه ليسد ثلمهم وكل ما ينزل بهم من خطوب مع تواضع شديد، ولذلك يولعون بذكره ولا يطربون إلا لترداد اسمه وكأنه خمر مسكرة لهم. ويدعو له بطول العمر وأن يوفق فى كل ما يسعى إليه مقترنا بالنجاح المنشود. ويمدح عبد الرحمن شوقى السيد على الميرغنى، وكان فيما يبدو رئيس الطائفة الميرغنية الصوفية-قائلا (٢):
بكم-آل طه ما حييت-متيّم ... وفيك مديحى دون غيرك يا على
ومن ذا يرى فى العمر وجهك مرّة ... تقرّ به عيناه يوما وتمتلى
فيسلو هوى آل النبىّ، وحبّهم ... جرى فيه مجرى الروح فى كل مفصل
وإنك للإسلام ركن وموئل ... لتحفظه يا خير ركن وموئل
ورثت كريم المجد عن أكرم الورى ... ونور الهدى عن وجهه المتهلّل
وهو يقول إننى متيم صبابة بحب آل طه، حبا يتعمقنى طوال حياتى، وإنّي لأقصر عليك- لهذا النسب الكريم-مديحى، وإن من يرى وجهك فى حياته مرة تقرّ به عيناه وتمتلئ فرحا ولا يستطيع سلوا عن حب آل النبى، وكيف يسلوهم وحبهم يسرى فيه مسرى الروح فى أعطاف الجسد ومفاصله، وإنك لركن للإسلام وحصن لتصونه، يا خير ركن له وحصن، وقد ورثت عظيم المجد عن أعظم الورى محمد، وورثت نور الهدى عن وجهه المتهلل المضيئ. ونتوقف قليلا لنترجم لشاعرى المهدى: حسين زهراء ومحمد عمر البناء.
الشيخ حسين (٣) زهراء
ولد الشيخ حسين إبراهيم زهراء حوالى سنة ١٢٤٨ هـ/١٨٣٣ م بقرية وادى شعير فى المسلمية جنوبى الخرطوم بنحو ١٥٠ كيلو مترا لأبوين عباسيين، وتوفى سنة ١٣١٣ هـ/١٨٩٥ م. عنى أبوه بتعليمه لما لاحظ من فطنته وذكائه، وبعد حفظه للقرآن الكريم أخذ ينهل من حلقات علماء الدين. وفى نحو العشرين من عمره رحل إلى القاهرة والتحق بالأزهر، وظل فيه سبع سنوات مكبا على حلقات شيوخه، حتى إذا اكتمل زاده العلمى عاد