← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بالغناء العربى، ثم يرحلوا إلى بلاد الفرس والروم فيأخذوا عنهما غناءهم، ويدخلوا ألحانه فى غناء العرب. ومما يدل على ما نزعم أن أكثر الآلات الموسيقية التى يتردد ذكرها فى هذا العصر تديم مثل الصّنج والمزهر والقضيب والدفّ والطبل والمزمار، وحتى آلات العود والطمبور عرفت فى العصر الجاهلى. على كل حال نهضت المدينة فى هذا العصر بفن الغناء نهضة واسعة، وشاركتها فى ذلك مكة كما سنرى بعد قليل، ولا نغلو إذا قلنا إن البلدتين جميعا لم تبقيا إلا قليلا للعصور التالية كى تضيفه إلى نظريته التى استحدثتاها. وقد أقبل أهل المدينة على هذا الغناء إقبالا شديدا، يشترك فى ذلك عامتهم وخاصتهم وعبّادهم وزهادهم (١) وقضاتهم (٢)، حتى لتؤثر عن عمر بن عبد العزيز أصوات تغنّى بها فى إمارته لهم (٣). وكان من أشرافهم من جعل داره أشبه بفندق للمغنين والمغنيات، على نحو ما هو مأثور عن عبد الله بن جعفر وقصد الناس لداره يسمعون بها ألوان الغناء (٤)، وقد تخرج فى هذه الدار كثيرون من المغنيات والمغنين المطربين. ومن كبار المغنين الذين اشتهروا بالمدينة فى هذا العصر طويس وهو أول من تغنى بها الغناء المتقن (٥) وأول من صنع الهزج والرّمل فى الإسلام (٦)، وسائب خاثر مولى ابن جعفر وهو ممن نقلوا ألحان الفرس إلى الغناء العربى (٧) ومعبد وهو إمامهم فى الغناء غير منازع، وابن عائشة ومالك الطائى وعطرّد ويونس الكاتب وينسب إليه أول كتاب فى الغناء والأغانى ونسبتها إلى أصحابها. ومن أشهر المغنيات عزة الميلاء وجميلة وسلاّمة القسّ وحبابة وسلاّمة الزرقاء. ولعل من الطريف أن نعرف أنه كانت هناك دور مخصصة للسماع يفد عليها شباب المدينة كل ليلة، وأشهر هذه الدور دار جميلة، وكانت تكتظ

стр. 562

بالمغنين والمغنيات، ويعدّ أبو الفرج منهم فى أغانيه عشرات (١)، ويقصّ علينا أخبارا كثيرة عن هذه الدار، نعرف منها ما أصاب الغناء فى المدينة من رقى وازدهار، إذ كانوا يتغنون الغناء المصحوب بالجوقات الكبيرة (٢) والآخر المصحوب بالرقص والضرب على الآلات الموسيقية الكثيرة (٣). وكانت جميلة أحيانا تقوم باستعراض كبير يضم أشهر المغنين والمغنيات لا فى المدينة فقط، بل أيضا فى مكة (٤)، ويقال إنها أرادت الحج فخرجت فى مهرجان ضخم من المغنين والمغنيات ضمّ نحو عشرين مغنيا وخمسين قينة (٥). وعلى هذا النحو عاشت المدينة فى هذا العصر لفن الغناء تنميّه وترقيه، ورقيّه إنما هو رمز لما أصاب مجتمعها من تحول وتطور وتحضر، ولما أخذ به من أسباب الرّفه والنعيم. وكان يلتقى فى هذا المجتمع كثير من الطفيليين وأصحاب الفكاهة والتندير، واشتهر من بينهم أشعب، وكان ماهرا فى إضحاك معاصريه لابنكته ونوادره فحسب، بل أيضا بإشاراته وحركاته. وتطفح كتب الأدب بدعاباته وفكاهاته (٦). ولمع فى هذا المجتمع كثيرات من النساء قدن المرح فيه والظّرف وعملن على تهذيب الأذواق، نذكر من بينهن السيدة سكينة بنت الحسين، وقد ترجم لها أبو الفرج فى أغانيه ترجمة (٧)، صور فيها جمالها وبهاءها ووقارها وأخذها بأسباب الزينة حتى إنها عرفت بتصفيف لجمّة شعرها كانت النساء يقلّدنها فيه، بل كان من الرجال من يحاكيها فى جمّتها. وكانت ظريفة مزاحة، وكثيرا ما كان يختلف إليها أشعب لإضحاكها. وكانت تفسح فى مجالسها للرجال وللمغنين والمغنيات وللشعراء، وكثيرا ما كانت تفاضل بينهم. نحن إذن بإزاء مجتمع متحضر اكتملت له كل الأسباب كى يمرح أهله مرحا بريئا، مرحا قوامه الغناء والدعابة والذوق الراقى المهذب. ولعلنا الآن نفهم

стр. 563

حزن أبى قطيفة الأموى على فراق هذا المجتمع حين نفاه ابن الزبير هو وغيره من الأمويين إلى دمشق، فقد أخذ يبكى بلدته فى شعر مؤثّر، مقارنا بينها وبين دمشق. ولا نقرأ هذا الشعر حتى نحس كأنه طرد من فردوسه الأرضى، يقول (١): القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما ... أشهى إلى القلب من أبواب جيرون ويقول (٢): أقطع الليل كلّه باكتئاب ... وزفير فما أكاد أنام إلى أشعار كثيرة (٣) تصور رقة حسه وحنينه بل لهفته على الحياة الهنيئة فى مسقط رأسه، مما جعل ابن الزبير يعفو عنه ويأذن له فى الرجوع. وفى هذا الجو الرقيق الذى زخر بالغناء والمرح نهض الشعر فى المدينة نهضة واسعة. وقد تعاونت على هذه النهضة عناصر كثيرة من الأنصار وممن هاجر إليهم من قريش وغيرهم وممن تعرّب فى بلدتهم من الموالى وأبنائهم تعربا تامّا. ويستطيع القارئ أن يرجع إلى كتاب الأغانى حيث يجد أبا الفرج يترجم لكثرة غامرة من شعراء المدينة لهذا العصر، وممن ترجم له من الأنصار عبد الرحمن ابن حسان وابنه سعيد والنعمان بن بشير والسّرىّ بن عبد الرحمن والأحوص بن محمد، وترجم من قريش لعبد الرحمن بن الحكم وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب وجعفر بن الزبير والحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وترجم من حلفائهم للفقيهين المشهورين عروة ابن أذينة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم ابن أرطاة وابن هرمة. وممن ترجم لهم من الموالى موسى شهوات وأخوه إسماعيل بن يسار النّسائى، وكان له ولدان شاعران هما محمد وإبراهيم. ووراء هؤلاء الشعراء كثيرون ذكرهم أبو الفرج عرضا.

стр. 564

وإذا أخذنا نقرأ فى شعر هؤلاء الشعراء وجدنا جمهوره يجرى فى الحب والغزل، وهو شئ طبيعى، دفعت إليه حياة الشباب المترف فى المدينة، كما دفع إليه فن الغناء الجديد. وحقّا بقيت بقية من الهجاء عند عبد الرحمن بن الحكم وعبد الرحمن بن حسان، إذ أدارا معركة هجاء عنيفة (١)، ولكن هذه المعركة تنتهى بهما، ولا تبقى بعد ذلك إلا سهام ضئيلة تظهر من حين إلى حين. وبقيت بقية أوسع من المديح، إذ كان بعض الشعراء يمدح بنى أمية طلبا لنوالهم، على نحو ما نجد عند الأحوص (٢) وموسى شهوات (٣)، وأخيه إسماعيل بن يسار (٤). والمديح والهجاء جميعا ليسا هما اللونين اللذين غلبا هناك على الشعر والشعراء. وفى الحق أن من يبحث عن هذين اللونين ينبغى أن يتجه ببصره إلى العراق أو إلى الشام، أما فى المدينة فكانا يسقطان على هامش شعر الغزل الذى كان يتفق وترف البيئة والذى كان يطلبه المغنون والمغنيات ليضعوا فيه أغانيهم الجديدة. ومن ثمّ طبع هذا الغزل بطوابع غنائية قوية، إذ كان فى حقيقته أغانى تصحب بالغناء والعزف على الآلات الموسيقية. ونستطيع أن نلاحظ هذه الطوابع فى جوانب كثيرة من حيث الكمّ ومن حيث الكيف ومن حيث الوزن، فأما من حيث الكم فهو فى مجموعه مقطوعات لا قصائد طويلة، وهو من حيث الكيف لا يقف عند الأطلال إلا نادرا إنما يقف عند حكاية الحب وتحليل خواطر الشاعر إزاءه، أما من حيث الوزن فإن الشعراء مالوا -تحت تأثير الغناء-إلى الأوزان القصيرة والمجزوءة حتى يتيحوا للمغنين والمغنيات أن يحمّلوا شعرهم ما يريدون من ألحان وأنغام جديدة. وكثيرا ما نجد مغنيا يضع لحنا ويطلب إلى شاعر أغنية يوقّعها عليه (٥)، وكان بين الشعراء من يحسّن وضع الألحان على شعره مثل عروة بن أذينة (٦) ولا نصل إلى أواخر العصر حتى نجد من بين المغنين والمغنيات من يحسن نظم الشعر مثل أبى سعيد مولى فائد وسلاّمة القسّ، وقد ترجم لهما صاحب الأغانى. وإذا تركنا المدينة إلى مكة وجدناها تتطابق معها فى كل ما وصفناه من

стр. 565

مظاهر الحياة والحضارة وفن الغناء الجديد وما اتصل بذلك من شيوع شعر الحب والغزل. وكانت مثلها تغرق فى ثراء واسع ورثه الشباب عن آبائهم، وقد ورثوا عنهم كثيرا، ورثوا ما كان فى حجورهم من أموال التجارة فى العصر الجاهلى، ومعروف أن قوافل مكة كانت تحل محل قناة السويس فى عصرنا، إذ كانت تنقل السّلع بين حوض المحيط الهندى وحوض البحر المتوسط، وانضافت إلى هذه الأموال أموال الفتوح الإسلامية وما فرض لأهلها من أعطيات ورواتب فى دواوين الخلافة وما قسم فيهم الأمويون دائما من أموال، وكان الحج يفئ عليهم كل سنة بما يسدّ خلّة كل محتاج. فمكة لم تكن تقلّ فى هذا العصر ثراء عن المدينة، وهو ثراء استتبع بناء القصور المشيدة التى تختال جمالا وبهاء، وقد بنى معاوية لنفسه فيها دورا لقّبت «بالرّقط» لاختلاف ألوانها أحضر لها بنّائين من الفرس (١)، ومع ذلك كان إذا حج وقف مبهوتا إزاء بعض قصورها الأخرى (٢). ومعروف أنه اتسع فيها بناء القصور والدور اتساعا كبيرا لعهد عبد الله بن الزبير حين اتخذها مقرّا لخلافته (٣). وقد عنى كثير من الخلفاء ومن ولاتها الذين أثروا فى الفتوح باستنباط العيون فيها وغرس النخيل والأشجار فى ضواحيها (٤) من ذلك ما يروى عن سليمان بن عبد الملك من أنه أراد أن يحج فكتب إلى خالد القسرى عامله عليها أن يجرى له عينا إلى الكعبة من الماء العذب، فصنع بركة فى أصل «ثبير» بحجارة منقوشة، وأسال منها الماء إلى المسجد الحرام فى قصب من رصاص انتهى بفوارة تسكب الماء فى نافورة رخام بين الركن وزمزم (٥). ولم تغرق مكة فى دور وقصور وعيون فحسب، بل لقد أخذت تغرق إلى آذانها فى الترف والنعيم. فإذا نفر من أهلها يأكلون ويشربون فى صحاف الذهب والفضة (٦)، ونفر يلبسون مقطعات الخزّ والسندس والديباج والحلل الموشاة

стр. 566

على كل لون (١)، والطيب وأنواع العطور تفوح منهم (٢). وبالغ النساء فى ذلك كله وفى اتخاذ الحلى وصنوف الجواهر (٣). واكتظت مكة-كما اكتظت المدينة-بالرقيق الأجنبى الذى نهض بحاجات أهلها فى مطاعمهم ومشاربهم وتوفير كل أدوات ترفهم. وكان من أهم ما نهض به الرقيق فن الغناء، ونحس ضربا من التعاون الوثيق بين أصحاب هذا الفن فى مكة وأصحابه فى المدينة، فهم دائما يلتقون، حتى ليخيّل إلى الإنسان كأنما كانت إحدى البلدتين ضاحية للأخرى. وكل مغن يحاول أن يبلغ من إتقان هذا الفن مبلغا بعيدا يستهدى فيه ذوقه وما قد يكون عرفه من ألحان الفرس والروم، ومن مقدّميهم وكبارهم فى مكة ابن مسجح الذى اشتهر بأنه أول من غنّى الغناء المتقن، وأنه «نقل غناء الفرس إلى غناء العرب، ثم رحل إلى الشام وأخذ ألحان الروم والبربطيّة والأسطوخوسيّة، وانقلب إلى فارس فأخذ بها غناء كثيرا، وتعلّم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم، وألقى منها ما استقبحه من النبرات التى هى موجودة فى نغم غناء الفرس والروم خارجة عن غناء العرب، وغنّى على هذا المذهب، فكان أول من أثبت ذلك ولحّنه وتبعه الناس بعد» (٤). وعن هذا الأستاذ المبدع أخذ المغنون والمغنيات فى مكة، ومن أنبههم وأشهرهم ابن محرز، وهو أول من غنى الرّمل (٥)، وابن سريج وقد رحل إلى المدينة فأخذ عن طويس وغيره من مغنيها (٦)، وكان أول من ضرب على العود الفارسى بالغناء العربى، والغريض وكان لا يلحق فى الندب والنياحة، والأبجر، والهذلى. ومن مغنيات مكة سميّة، وبغوم وأسماء وكانتا مولاتين لابن أبى ربيعة. ومكة إن لم تعرف بدار كبيرة كدار جميلة فى المدينة فإن دار كل مغن فيها كانت تعدّ ناديا من نوادى الغناء. وعلى نحو ما رأينا أهل المدينة يشغفون بالغناء شغفا شديدا كان أهل

стр. 567

مكة جميعا حتى فقهاؤهم من مثل عطاء (١) بن أبى رباح وابن (٢) جريج وقضاتهم من مثل الأوقص (٣) المخزومى. وتبعت ذلك موجة واسعة من المرح، ومن خير من يمثّلها شاعر يسمى الدارمى. كان خفيف الروح، وفى كتاب الأغانى ترجمة (٤) طريفة له تصور فكاهاته ودعاباته. واشتهر فى هذا المجتمع المرح فتيات وسيدات شريفات كان لهن أثر بالغ فى رقة الأذواق ورهافة الأحاسيس، مثل الثّريّا (٥) بنت على بن عبد الله بن الحارث الأموية، وكان لها قصر عظيم تعقد فيه ندوات يؤمّها المغنون والشعراء، غير من كانوا فيها فعلا، إذ كانت الثريا مولاة للغريض ويحيى قيل وسميّة. ومعنى ذلك كله أن مجتمع مكة كان على غرار مجتمع المدينة حضارة وترفا ومرحا ورقة وغناء وعزفا كلّ ليلة على أوتار العيدان والطنابير والآلات الموسيقية من كل لون. وأعدّ هذا كله شعراء مكة لأن يجرى جمهور شعرهم فى الغزل والحب، وربما كان أهم شاعر مكىّ تعلق بالهجاء والمديح عبيد الله ابن قيس الرقيات، إذ اتخذه مصعب بن الزبير فى أثناء ولايته على العراق شاعره الذى ينافح عن دعوة الزبيريين ضد بنى أمية. وبعد أن صار الأمر إلى عبد الملك أصبح من مدّاحيه ومداحى أخيه عبد العزيز والى مصر. ولكن حتى ابن قيس أكثر شعره فى الغزل، وعلى غراره العرجى. على أن هناك من عاشوا للغزل وحده حتى فاقوا فيه شعراء المدينة على نحو ما هو معروف عن عمر بن أبى ربيعة، ومن طريف ما كانوا يقولون عنه وعن تأثير غزله: «إذا أعجزك أن تطرب القرشىّ فغنّه غناء ابن سريج فى شعر عمر بن أبى ربيعة فإنك ترقصه (٦)». وكلّ ما قلناه عن تأثر غزل أهل المدينة بالغناء من حيث الكم والكيف والوزن ينصبّ انصبابا على غزل أهل مكة، وقد شاع بين الباحثين أن غزل المدينتين جميعا فى هذا العصر غلب عليه الطابع المادى الصريح، بل لقد

стр. 568

استولى عليه استيلاء بحكم ما أتيح للمجتمع فيهما من ترف ومن حرية. على أنه ينبغى أن لا نبالغ فى تصور ذلك فنظن أن الشعراء تمادوا فى صراحتهم إلى حد الإفحاش، فالصراحة شئ والفحش شئ آخر. ومن المؤكد أن غزل مكة عند عمر بن أبى ربيعة وأضرابه أقل صراحة وحرية من غزل المدينة عند الأحوص وأقرانه، إذ كانت موجة اللهو فى المدينة أكثر حدّة. وينبغى أن نلاحظ أن هذا الغزل الصريح عند الأحوص وعمر ونظرائهما كان يرافقه غزل عفيف عند الفقهاء والزهاد من أمثال عروة بن أذينة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة فى المدينة وعبد الرحمن بن أبى عمار الجشمى فى مكة، وغزلهم جميعا يمتاز بالنقاء والطهارة وسمو العاطفة. ومما لا شك فيه أنه كانت تسقط من غناء المدينتين الكبيرتين بالحجاز وما شاع فيهما من غزل آثار مختلفة فى بقية مدن الحجاز، فمن ذلك ما يروى عن العرجى الشاعر المكى من أنه كان ينزل كثيرا فى أودية الطائف، وكان يلزمه مغن يسمى الفند (١). ويلقانا هناك شاعران كلفا بالغزل هما محمد بن عبد الله النميرى ويزيد بن ضبّة. ويذكر أبو الفرج أن المغنين فى وادى القرى كانوا يفدون على مكة يتعلمون فيها الضرب والغناء والعزف، ومن أشهرهم عمر (٢) الوادى. ٢ - نجد وبوادى الحجاز ونزوح قيس إلى الشمال إذا كنا لاحظنا تحضر مدن الحجاز وخاصة المدينة ومكة فإن نجدا وبوادى الحجاز قلما سقط فيهما من الحضارة شئ ذو بال، إذ استمرت القبائل فيهما تعيش على الرّعى وطلب الكلأ، فهى تعيش-كأسلافها فى الجاهلية-معيشة متبدية فيها غير قليل من الشّظف. وفى هذه المعيشة ظلت المنافسات القبلية على المراعى، وظل تربّص القبائل

стр. 569

بعضها ببعض، وإن كان من المحقق أن ذلك لم يأخذ الشكل الحادّ الذى كان عليه القوم فى الجاهلية، بسبب نهى الإسلام عن الأخذ بالثأر وتحوّل حقه من أيدى الأفراد إلى أيدى الدولة، وكان ولاة بنى أمية فى نجد وبوادى الحجاز يقظين، وكانوا إذا تفاقم الشر من بعض الأفراد زجّوا به فى السجون. غير أن بقية من الشر والشّجار بقيت، وهى بقية استتبعت ظهور بعض قطّاع الطرق من أمثال طهمان (١) بن عمرو الكلابى الشاعر، كما استتبعت غير قليل من شعر الفخر والهجاء، على نحو ما نجد فى مهاجاة (٢) شبيب بن البرصاء الذّبيانى لعقيل بن علّفة وأرطاة بين سهيّة، ومهاجاة (٣) ابن ميّادة الذبيانى للحكم الخضرى. ودفع شظف المعيشة فى هذه البيئة البدوية كثيرين من شعرائها للوفود على الخلفاء فى دمشق والولاة فى مكة والمدينة والكوفة والبصرة يطلبون نوالهم، ومن ثمّ كانوا يترددون بين البدو والحضر. ولا نبعد إذا قلنا إن شعراء شرقىّ الجزيرة من ربيعة وتميم وعبد القيس كانوا دائمى الارتحال إلى الخلفاء والولاة والقواد والأجواد وكان منهم من تقذف به رحلاته إلى خراسان. ومرّ بنا أن كثيرا من العرب المتبدين ارتدّوا بعد وفاة الرسول ﷺ ومنعوا الزكاة، وقد قضى أبو بكر على هذه الرّدّة، واستجابت الجزيرة لهذا الغرض الدينى راضية مرضية. ويظهر أن بعض عمّال الصدقات كان يقسو فى جمعها على العرب أحيانا، ومن ثم ارتفعت أصوات فى هذا العصر الأموى تشكو منهم شكوى مرة (٤). ولا بد أن نلاحظ أن نشاط الشعر فى نجد وبوادى الحجاز لهذا العصر كان أقل مما كان عليه فى الجاهلية، بسبب ما قدمنا من إماتة الإسلام لفكرة الأخذ بالثأر التى سعرت الشعر والشعراء قديما وما انطوى فيها من عصبيات، وحقّا هو لم يمت ذلك نهائيّا ولكنه قلل من حدّته. ومن أسباب ضعف نشاط الشعر أيضا كثرة من هاجروا فى الفتوح شرقا وغربا، إذ كانت عشائر ترحل

стр. 570

برمّتها. على أن هذا أحدث حزنا فى نفوس كثيرين سبق أن وصفناه فى عصر صدر الإسلام. ضعف نشاط الشعر إذن فى هذه البيئة البدوية، ولكنه إذا كان ضعف فى مجال الفخر والهجاء فإنه قوى قوة واسعة فى مجال الغزل، إذ تكاثر شعراؤه كثرة مفرطة وتكاثرت قصصه الغرامية، وخاصة فى بنى عذرة وبنى عامر. وقد ترجم أبو الفرج فى أغانيه لكثيرين منهم مثل جميل وعروة بن حزام وقيس ابن ذريح، ووقف طويلا عند مجنون ليلى وشكّ فى حقيقته، وهو يصوّر بما يضاف إليه من قصص كثير كيف أصبح هذا الغزل شعبيّا، وكأن عرب نجد وبوادى الحجاز أفرغوا فيه وفى أفراده صور البطولة التى فقدوها فى حياتهم الإسلامية بسبب خمود حروبهم الداخلية. وغزل هؤلاء النجديين من أروع صور الغزل العربى، لما أشاعوا فيه من نبل وسمو وطهارة ونقاء. وعادة ينسبه الأدباء والمؤرخون إلى بنى عذرة، لكثرة ما أنتجت فيه، فيقولون غزل عذرى وهو غزل يمسح عليه الإسلام وما أحاط به المرأة من جلال ووقار وما حرّم من الآثام ظاهرة وباطنة. وكان مما ساعد عليه شعور الحزن الذى وصفناه فى غير هذا الموضع والذى كان يجلل أطراف الجزيرة لمن هاجروا منها عن عشائرهم وأهليهم، ودائما يصفى الحزن النفس وينقيها ويعدّها حين تتحدث عن الحب أن تشجى حقّا وأن تؤثر فى النفوس تأثيرا بالغا. وإذا تركنا نجدا وبوادى الحجاز إلى أطراف الجزيرة الشمالية على حدود الشام والجزيرة وجدنا كثيرا من عشائر قيس وبطونها وخاصة من كلاب وعامر وسليم تنزح إلى الشمال فتزاحم قبيلة كلب وأخواتها اليمنية فى الشام وقبيلة تغلب فى الجزيرة. ويكون ذلك سبب خصام قبلى واسع، تصطدم فيه المصالح الاقتصادية فى الرّعى وغير الرعى كما تصطدم المصالح السياسية، فقد كانت كلب وأخواتها اليمنية موالية لبنى أمية، وكذلك كانت تغلب، فكان طبيعيّا أن تقف قيس فى الصفوف المعادية حين تواتيها الفرصة. ولم تلبث الفرصة أن سنحت حين بدا انهيار بنى أمية عقب وفاة يزيد بن معاوية ودعوة ابن الزبير لنفسه بالخلافة،

стр. 571

وسرعان ما حطبت قيس فى حبله، معلنة ثورتها على الأمويين تحت إمرة الضحاك بن قيس فى الشام وزفر بن الحارث الكلابى فى قرقيسيا بالجزيرة. وتوالت الأحداث واتفق الأمويون وقبيلة كلب بزعامة ابن بحدل على مبايعة مروان بن الحكم بالخلافة. وثارت قيس الشام، وأوقعت بها كلب وقبائل قضاعة ومن انضم إليهم من تغلب هزيمة ساحقة فى مرج راهط، قتل فيها الضحاك بن قيس. وتمت البيعة لمروان فى الشام، وتبعته مصر. غير أن قيس الجزيرة ثبتت على موقفها بقيادة زفر بن الحارث وانضم إليه عمير بن الحباب السّلمى، وأخذ عمير يغير غارات كثيرة على كلب فى أيام متعاقبة مثل: يوم الغوير ويوم الهيل ويوم كآبة ويوم الإكليل ويوم السماوة ويوم دهمان (١). ووالت قيس غاراتها على تغلب، ونكّل بها عمير فى غير موقعة، وخاصة يوم ماكسين (٢) وكان بين من أسرته قيس فيه القطامى، فلما عرفه زفر خلّى سبيله، وأعطاه مائة من الإبل، مما جعل القطامى ينوه بمأثرته عليه طويلا (٣)، ونمضى فإذا تغلب تقتل عميرا سنة ٧٠ فى إحدى غاراته عليها بالحشّاك إلى جانب نهير الثرثار. ويثأر له زفر فى موقعة مرج الكحيل حيث فتك بتغلب فتكا ذريعا. وكان يكفّ عبد الملك فى هذه الأثناء يده عن قيس الجزيرة رجاء أن تتحول إليه، وكان الصراع مندلعا بين المختار الثقفى ومعه أهل الكوفة وبين مصعب بن الزبير ومعه أهل البصرة، فرأى عبد الملك أن ينتظر رجاء أن يفنى بعضهم بعضا، وانتصر مصعب. ولم يعاجله عبد الملك بالهجوم، ونراه يفلح فى جذب زفر إليه، حتى إذا أصبح طريقه آمنا اقتحم بجيوشه العراق وقتل مصعبا سنة ٧١ للهجرة وأرسل الحجاج إلى عبد الله بن الزبير بمكة فقضى عليه. وبذلك أنقذت تغلب من مخالب قيس، غير أن بقية بقيت لهذه الحروب الدامية إذ تصادف أن الأخطل دخل على عبد الملك وعنده الجحّاف بن حكيم السّلمىّ فسأله عبد الملك هل يعرفه؟ فقال: نعم هذا الذى أقول فيه: ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر (٤)

стр. 572

وكان الجحّاف ممن فتكوا بتغلب تحت لواء عمير بن الحباب. وقد ظل يموج به الغضب والأخطل ينشد قصيدته حتى إذا فرغ منها أجابه: نعم سوف نبكيهم بكل مهنّد ... ونبكى عميرا بالرماح الخواطر (١) ومضى الجحاف، فأغار بقومه بنى سليم سنة ٧٣ على تغلب عند موضع يسمى البشر، فنكّل بها تنكيلا فظيعا، إذ قتل رجالهم ونساءهم وبقر بطون حواملهم، وكان ممن قتله ابن للأخطل، أما الأخطل نفسه فوقع أسيرا، غير أنه موّه على بنى سليم حقيقته وقال: إنه من عبيد تغلب، فأطلقوه وهم لا يعرفونه. ولما رأى الجحاف أنه خرج بذلك على ميثاقه لعبد الملك لحق بأرض الروم خوفا منه، ولكن قيسا ما زالت تتوسل إلى عبد الملك أن يعفو عنه حتى أمّنه، غبر أنه ألزمه أن يدفع ديات قتلى البشر فلجأ إلى الحجاج فأداها له، وتألّه الجحّاف بعد ذلك ونسك (٢). وإنما سقنا هذه الأحداث، لأن العصبية الجاهلية عادت فيها جذعة بين قيس من جهة وكلب وتغلب من جهة أخرى وعاد معها الثأر، حتى أصبح فوق كل شئ، وحتى أصبحنا نسمع فى كل مكان النار ولا العار، واشتطّوا فى القتل وسفك الدماء اشتطاطا، إذ بقروا بطون الحوامل وقتلوا النساء. وعودة العصبية القبلية على هذا النحو هيأت فى قوة لعودة أشعار الفخر والهجاء، ففى كل جانب يتصايح الشعراء منذرين خصومهم بالويل والثبور، ويفيض الجزء الخامس من كتاب أنساب الأشراف للبلاذرى بأشعارهم، ونجد من ذلك آثارا فى الطبرى ينشدها مع الأحداث فى موقعة مرج راهط (٣) وغيرها. وآثارا أخرى كثيرة فى كتاب الأغانى (٤)، فقد تراصّ شعراء كلب من أمثال جوّاس ابن القعطل وعمرو بن المخلاة ومنذر بن حسان وشعراء تغلب وعلى رأسهم الأخطل، كما تراصّ شعراء قيس وعلى رأسهم زفر بن الحارث وعمير بن الحباب وجهم

стр. 573

القشيرى وابن الصفّار المحاربى، وأخذ كل فريق يريش سهامه من الوعيد والتهديد والتخويف الشديد، فالتهب الهجاء والفخر التهابا. ومضى كثير من شعراء القبائل فى هذه الأنحاء بعد أن عاد السلام إلى نصابه يمدحون الخلفاء والولاة طلبا للنوال، يتقدمهم فى ذلك الأخطل والقطامى وأعشى تغلب وأعشى بنى شيبان ونابغتهم، وكما كانوا يقصدون الولاة والخلفاء كانوا يقصدون الأجواد من الأمويين وغيرهم. ٣ - الكوفة والبصرة لما أقبل العرب من الجزيرة على العراق يفتحون وينشرون الإسلام واتسعت بهم الفتوح لعهد عمر بن الخطاب رأى أن لا يتخذوا المدن القديمة منازل لهم حتى لا يتلاشوا فيها، وأمر بثاقب بصيرته أن يبنى لهم معسكران على حدود الجزيرة الشرقية، حتى يظل اتصالهم بالجزيرة، وحتى لا ينساحوا فى البلاد المفتوحة. وهذان المعسكران اللذان كانا مادة الجيوش المحاربة فى عصر صدر الإسلام والعصر الأموى جميعا سواء فى فارس أو فى خراسان هما الكوفة والبصرة. وقد خطّطت الكوفة فى سنة سبع عشرة للهجرة، ونزلت القبائل اليمبنية فى شرقيّها والعدنانية فى غربيها، ولم تلبث أن حشدت حسب أنسابها فى سبع خطط، خطة أو سبع لكنانة وخلفائها وجديلة، وخطة أو سبع لقضاعة وغسّان وبجيلة وخثعم وكندة وحضرموت والأزد، وخطة أو سبع لمذحج وحمير وهمدان وحلفائهم، وخطة أو سبع لتميم وسائر الرّباب وهوازن، وخطة أو سبع لأسد وغطفان ومحارب والنّمر وضبيعة وتغلب، وخطة أو سبع لإياد وعكّ وعبد القيس وأهل هجر الحمراء. ولم يذكر الطبرى السبع السابع (١)

стр. 574

واستظهر ما سينيون فى كتابه عن خطط الكوفة أنه كان لقبيلة طيئ، وربما شركتها فيه قبيلة بكر، إذ لا نجد لها هى الأخرى ذكرا فى الأسباع السالفة. وظلت هذه الأسباع حتى عصر زياد بن أبيه وقد جعلها أربعة ليدخل القبائل بعضها فى بعض. وكان يكنف الكوفة من الشرق زروع ونخيل وأشجار يسقيها الفرات، وكان فى ظاهرها من الغرب الحيرة والنجف والخورنق والسّدير والغريّان ومتنزهات وديرة كثيرة (١) وبمجرد أن نزلها العرب نزلتها معهم بقايا الجيوش الساسانية التى انضمت إليهم، ويقال إنهم بلغوا أربعة آلاف، وكان نقيبهم يسمى ديلم، فنسبوا إليه، وسمّوا حمراء ديلم (٢)، ونزلها معهم أيضا رقيق الحروب التى خاضوها، وأخذ يتوافد كثير من النبط والتجار والصناع. وقد اتخذ على بن أبى طالب الكوفة حاضرة له حين ذهب إلى حرب الخارجين عليه، بينما نزلت السيدة عائشة وطلحة والزبير فى البصرة، ووقعت بين البلدتين موقعة الجمل المعروفة وفيها علت كفة على والكوفة. ويدخل أهل البصرة فى طاعة على، ولكن تظل منذ هذا التاريخ فى صدورهم إحن لأهل الكوفة. ويخرج على بجيوشه إلى لقاء معاوية فى صفّين، وتحتدم المعركة بينهما ويشتد أوارها كما يشتد أوار الشعر بين الفئتين المتحاربتين. ويكون التحكيم. ويخلص الأمر لمعاوية فيولّى على الكوفة المغيرة بن شعبة، ويأخذها بالرفق الشديد، حتى مع من كانوا يظهرون فيها التشيع ولا يخفونه من أمثال حجر بن عدى، وكذلك كان يصنع بالخوارج، وقد كفاه أهل الكوفة أمر المستورد ابن علّفة الخارجى حين ثار عليه، فانبروا لقتاله وقضوا عليه وعلى من تبعه وهم يتناشدون الشعر ويرمونه وجماعته (٣) به. ومات المغيرة سنة ٥٠ للهجرة فخلفه على الكوفة زياد بن أبيه، فأخذها أخذا شديدا، ولم يلبث أن ضيّق الخناق بها على حجر بن عدى وأصحابه من الشيعة، واضطرّ حجر وبعض من شايعه إلى حمل السلاح، فوقعت مناوشات بينه وبين أصحاب زياد،

стр. 575

ارتفع فيها صوت الشعر (١)، وتغلب زياد عليه وعلى المتمردين معه، وأرسله فى نفر منهم إلى معاوية، فقتله فى ستة من أصحابه. وكانت تلك أول شرارة أوقدت النفوس فى الكوفة ضد الحكم الأموى، واعتبر الشيعة حجرا وأصحابه شهداء، وأخذوا يتفجعون عليهم (٢). وتمضى الكوفة تحت حكم زياد مبطنة معارضة شديدة، إذ أخذ كثير من أهلها يصطبغ بصبغة التشيع لعلىّ وبنيه. ويتوفّى زياد فى سنة ٥٣ ويخلفه على الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، ثم الضحاك بن قيس الفهرى ثم عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفى ثم النعمان بن بشير، ويتوفّى معاوية ويخلفه ابنه يزيد، فيضمّها إلى عبيد الله بن زياد والى البصرة. ويأبى الحسين بن على وعبد الله بن الزبير مبايعة يزيد بالخلافة ويخرجان من المدينة إلى مكة، فيكاتب أهل الكوفة الحسين، ويرسل إليهم بابن عمه مسلم بن عقيل فيبايعه اثنا عشر ألفا منهم. ويخرج إليهم الحسين، ويعلم فى الطريق أن ابن عمه اضطرّ إلى قتال عبيد الله بن زياد وأن أهل الكوفة تخلّوا عنه وأسلموه إلى عبيد الله، فقتله، وكان أول قتيل لبنى هاشم صلبت جثته، يعلم الحسين بذلك كله، ولكنه يصمم على المضى إلى غايته فيقتل وهو يقاتل جنود عبيد الله بن زياد بكربلاء على نهر الفرات فى العاشر من المحرم سنة ٦١ للهجرة. وتتطور الحوادث. فيتوفّى يزيد بن معاوية ويضطرّ عبيد الله بن زياد أن يغادر البصرة إلى دمشق. ويتلاقى الشيعة بالتلاوم والتندم على تقصيرهم فى حق الحسين ونفورهم عن نصرته، ويرون أنه لا يغسل عارهم إلا حرب من قتلوه وإلا التوبة مما فرط منهم، فسمّوا التّوابين، وولّوا أمرهم سليمان ابن صرد. ولم يلبثوا أن جمعوا آلة الحرب واتجهوا إلى الشام يريدون أن يثأروا للحسين، فالتقوا فى عين الوردة (رأس العين) فى وسط الجزيرة بجيش أموى على رأسه عبيد الله بن زياد ودارت الدوائر عليهم، وسقط سليمان فى المعركة، وكان ذلك فى ربيع الآخر سنة ٦٥. وعادت فلول الجيش الشيعى إلى الكوفة، وانتهز المختار الثقفى الفرصة، فدعا لمحمد بن الحنفية، وانضوى الشيعة تحت لوائه، واستطاع أن يستخلص الكوفة من والى ابن الزبير ويطرده منها، وأخذ

стр. 576

ينكّل بمن كان هواهم مع بنى أمية، مما جعل شعراءهم خشية بطشه يمدحونه هو وإمامه، وكأنهم من شيعتهم على شاكلة قول عبد الله بن همّام السّلولى (١): دعا يا لثارات الحسين فأقبلت ... كتائب من همدان بعد هزيع (٢) وآب الهدى حقّا إلى مستقرّه ... بخير إياب آبه ورجوع إلى الهاشمىّ المهتدى المهتدى به ... فنحن له من سامع ومطيع ولما استجمع الأمر للمختار أعدّ جيشا بقيادة إبراهيم بن الأشتر لحرب أهل الشام، فالتقى فى سنة ٦٦ بجيش عليه عبيد الله بن زياد فى «خازر» بين الموصل وإربل، ودارت الدوائر على جيش عبيد الله وسقط فى المعركة. ويولّى ابن الزبير على البصرة أخاه مصعبا سنة ٦٧ وتنشب الحرب بينه وبين المختار، وتعلو كفة مصعب، فيقتل المختار وتدخل الكوفة فى طاعة ابن الزبير. ونمضى بعد ذلك، فنجد الكوفة تشارك فى ثورة ابن الأشعث لعهد الحجاج وهى ليست ثورة شيعية، وإنما هى ثورة أهل السيادة والشرف فى الكوفة على بنى أمية، فقد كانت الكوفة مستقر البيوتات العربية (٣). وكان سادة هذه البيوتات وأشرافها يمتعضون من ظلم ولاة بنى أمية لهم وأخذهم بالعنف والقسوة وخاصة الحجاج، وأتيحت الظروف لواحد منهم هو ابن الأشعث أن يعلن الثورة على الحجاج بل على الظلم كله، ومن ثم دعا لنفسه بالخلافة، وانضم إليه كثير من الموالى والقرّاء. ونازله الحجاج فى وقائع كثيرة أهمها وقعة دير الجماجم وانتصر عليه، وهرب ابن الأشعث إلى فارس، وأوغل فى هروبه، حتى وصل إلى ملك الترك مستجيرا، وقتل أخيرا. وما زال شيعة الكوفة ينتظرون الإمام العلوى الذى يخلّصهم من الأمويين وظلمهم، حتى ظهر بينهم زيد بن على بن الحسين، ودعا لنفسه بالخلافة منشئا نظرية شيعية جديدة نسبت إليه، هى نظرية الزيدية. وما زال به شيعته يستعدونه على بنى أمية ويدعونه للخروج، حتى خرج فى سنة ١٢١ وما كاد

стр. 577

القتال يستحرّ بينه وبين جند يوسف بن عمر حتى انفضّوا عنه إلا قليلا منهم ثبتوا معه حتى قتلوا عن آخرهم، وقتل زيد، وصلب بسوق الكناسة فى الكوفة. وهرب ابنه يحيى إلى خراسان، وخرج بناحية الجوزجان، وانتهى فى سنة ١٢٥ إلى نفس المصير. ولعل فى كل ما قدمنا ما يوضح كيف أن الكوفة كانت موثل الشيعة فى هذا العصر وأن سادتها الذين لم يعتنقوا التشيع كانوا يكنّون بغضا لبنى أمية وحكمهم. ولم يكن للخوارج شأن مذكور فى الكوفة، ومع ذلك نجد لهم فيها شاعرا مشهورا هو الطّرمّاح. وكان كثير من أهلها ينصرف عن هذه المعارضة السياسية إلى الزهد وتقوى الله، وكان بجوارهم من يقبلون على اللهو والخمر، أمثال الأقيشر الأسدى، وتكاثروا بأخرة من العصر على نحو ما هو معروف عن مطيع بن إياس وحلبته. ولم تتورط الكوفة فى العصبيات القبلية، ولذلك كان حظها فى شعر الفخر والهجاء ضعيفا، وليس معنى ذلك أن الهجاء انحسر عنها، فقد أخرجت شاعرا من أكبر الهجائين فى العصر هو الحكم بن عبدل. وقد مضى كثير من شعرائها يعنى بمديح الخلفاء والولاة والقواد والأجواد، وكان منهم من يتعصب لبنى أمية تعصبا شديدا مثل عبد الله بن الزّبير الأسدى. وإذا ولينا وجوهنا نحو البصرة وجدناها تخطّط حوالى سنة ست عشرة للهجرة معسكرا للجيوش المقاتلة فى الشرق على مقربة من مصب نهر دجلة بين إقليم البطائح الذى تكثر مستنقعاته وشاطئ خليج العرب، وقد روعى فيها كما روعى فى الكوفة أن تكون على حافة البادية، وسرعان ما توزعتها القبائل خططا، خمسا كبيرة: خطة لتميم وخطة لعبد القيس وخطة لأهل العالية وخطة لبكر وخطة للأزد، وكانت اليمن تلوذ بخطة الأزد بينما لاذت عشائر من أسد والنمر بن قاسط ببكر، ولاذ أهل هجر بخطة عبد القيس، ولاذت ضبة والرباب بخطة تميم. وقد أقاموا بجانبها سوقا كبيرة. هى سوق المربد، وقد تحولت فى هذا العصر إلى سوق أدبية يتناشد فيها الشعراء أشعارهم. ولكل شاعر حلقته. ونزلها مع العرب كثير من الرقيق الفارسى الذى جلبوه من الحروب، كما

стр. 578

نزل معهم فريق كبير من جيوش يزدجرد خرج عليه وقاتله مع المسلمين، وهو المعروف باسم الأساورة. وقد دخل فى حلف تميم، ودخل أيضا فى حلفها نفر من الهنود هم المعروفون باسم الزّط والسيابجة والإندغار، ونزل أيضا بالبصرة جماعة من الأصبهانيين وأخرى من الحبش (١). وكان وقوع البصرة بالقرب من خليج العرب مهيئا دائما لأن ينزلها كثيرون من الإفريقيين والهنود، كما كان مهيئا لازدهار التجارة بها. وكانت الزراعة مزدهرة بها هى الأخرى، ولا سيما زراعة النخيل بفضل النهيرات الكثيرة التى اشتقّت من دجلة، وخاصة نهيرى الأبلّة ومعقل. وأخذ نزلتها من العرب المجاهدين فى سبيل الله ومن انضم إليهم من الأساورة يثخنون بقيادة الأحنف بن قيس التميمى لعهد عمر بن الخطاب فى أرض فارس وتغلغلوا إلى خراسان، وتتابع الفرس على الصلح فيما بين نيسابور وطخارستان (٢). وولى البصرة لعهد عثمان عبد الله بن عامر فدفع الجيوش البصرية إلى سجستان وعامة خراسان (٣). ثم كانت فتنة عثمان وبيعة على، فانضم كثيرون من أهل البصرة إلى السيدة عائشة وطلحة والزبير، وانزوى الأحنف بقومه تميم عنهم (٤)، ونشبت موقعة الجمل، وأسلمت البصرة لعلى، يتقدّم صفوفها الأحنف، وحاربت معه بصفّين، وظلت موالية له إلى وفاته. وتدخل البصرة فى العصر الأموى، ونراها تذعن لمعاوية وابنه يزيد، بينما تأخذ فى اجترار العصبيات القبلية القديمة، وكان مما هيّأ لذلك قيام حلفين كبيرين بها، هما حلف تميم وقيس وحلف الأزد وبكر وعبد القيس. وبذلك تكتلت قبائلها فى حلفين كبيرين، وأوغر صدور الحلف الأول كثرة المهاجرين من أزد عمان إلى البصرة. ونرى زياد بن أبيه يستغلّ هذه العصبيات فى توطيد سياسته بالبصرة، إذ أخذ يضرب القبائل بعضها ببعض. ومعنى ذلك أن البصرة لم تشغل بخصومة شيعية على نحو ما شغلت الكوفة،

стр. 579

فقد كانت كثرة أهلها عثمانية الهوى، إنما الذى شغلها حقّا هو الخصومة القبلية وما طوى فيها من عصبيات، وقد كان بها كثيرون من الخوارج، غير أن زيادا أمعن فى الضرب على أيديهم. ونراه يختار من أهلها خمسة وعشرين ألفا ومن أهل الكوفة مثلهم، ويخرجهم بأسرهم إلى غزو خراسان (١)، حتى يتخلص من عناصر الشغب فى البلدتين. وتبعه ابنه عبيد الله فى سياسته من ضرب القبائل بعضها ببعض والتشديد على الخوارج. ويتوفّى يزيد بن معاوية، وتضطرب البصرة، ويبايع كثيرون منها ابن الزبير، ويضطرّ عبيد الله أن يبرحها إلى دمشق. ويستولى مسعود بن عمرو سيد الأزد على قصر الإمارة والمسجد بالقوة، يشدّ من أزره قبيلته وبكر وعبد القيس ويصعد المنبر يخطب فى الناس، فتغضب تميم وتهجم عليه مع أحلافها من الأساورة، فتنزله من فوق المنبر وتقتله. وينشب القتال بين الأزد وتميم طلبا للثأر، ويتدخل الأحنف ويستطيع بحنكته أن يعيد السلام بين القبيلتين نظير دية كبيرة يؤديها للأزد هو وقبيلته، ولكن العداوة تستمر متأججة بين الفئتين طوال العصر. وتتبع البصرة ابن الزبير، ويولّى عليها أخاه مصعبا، فيحارب المختار الثقفى فى الكوفة كما أسلفنا، ويقضى عليه قضاء مبرما، ويحارب الأزارقة، ويوجّه إليهم المهلب وغيره من القواد، ويوقعون بهم هزائم عنيفة. وتنشب ثورة صغيرة للزنج فيجهز عليها. وتعود البصرة إلى الخضوع لبنى أمية عقب مقتل مصعب، وهى تغلى بالعصبيات القبلية. ووليها الحجاج الثقفى لأكثر من عشرين عاما، وفى عهده علا شأن قيس لتعصبه لها، وكان أكبر شخصية بين أبنائها، فجنحت إليه وجنح إليها، وخاصة أنه احتاج تأييدها له فى الثورات الصغيرة التى كانت تنشب من حوله مثل ثورة قبيلة عبد القيس بزعامة ابن الجارود وثورة الزنج. وكان طبيعيّا أن يكون بين أفراد حاشيته كثير منها. وأخذ تعصبه لها يقوى مع الزمن، فإذا هو يعزل أبناء المهلب عن خراسان ويولى عليها قتيبة

стр. 580

ابن مسلم الباهلى. ونراه يولّى على الجيوش الغازية فى الهند محمد بن القاسم الثقفى. ومعروف أنه كان ينيب عنه فى حكم البصرة الحكم بن أيوب الثقفى. وولّى على أصبهان ختنه مالك بن أسماء الفزارى. ومعنى ذلك أن قيسا قوى أمرها فى البصرة لعهد الحجاج. ويتوفّى سنة ٩٥ ويتوفّى بعده الوليد بن عبد الملك، ويخلفه سليمان أخوه، فيولّى على العراق ثم خراسان يزيد بن المهلب، فيعظم شأن قبيلة الأزد. وعلى هذا النحو كان يعظم شأن كل قبيلة فى البصرة حين يتولاها شخص منها، وكان ذلك يزيد فى تنافس قبائلها واشتعال العصبيات بينها، لما يستتبع من المغانم السياسية فى تولى الوظائف وغيرها. وولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، فعزل عن البصرة يزيد بن المهلب، وولّى عليها عدىّ بن أرطاة الفزارى، فعادت إلى قيس مكانتها. ويتوفّى عمر ويخلفه يزيد بن عبد الملك، فيثور عليه يزيد بن المهلب، وتتجمع حول لوائه الأزد وربيعة بينما تقف تميم وقيس بجانب ابن أرطاة. ويظهر مسلمة بن عبد الملك بجيوش الشام على المسرح، ويقضى على ابن المهلب، ويتبع فلول جيشه هلال بن أحوز المازنى التميمى فيقضى عليها وعلى من بقى من المهالبة قضاء مبرما. ويولّى يزيد بن عبد الملك على العراق مسلمة لمدة محدودة، إذ سرعان ما ولّى عليه عمر بن هبيرة الفزارى، وكان يتعصب لقيس تعصبا شديدا، ولم يثر عليه الأزد وربيعة وحدهما، فقد أثار عليه أيضا تميما وشاعرها الفرزدق. ويلى الخلافة هشام ابن عبد الملك، فيعزل ابن هبيرة، ويولّى خالدا القسرى لنحو خمسة عشر عاما، وكان يتعصب لليمن تعصبا شديدا، فاضطرّ الخليفة آخر الأمر أن يعزله ويولّى مكانه يوسف بن عمر الثقفى، وبذلك رفعت قيس رأسها، وعادت إلى سابق مكانتها. وممن وليها بعده عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وكان آخر ولاتها يزيد بن عمر بن هبيرة القيسى. ونرى من كل ذلك أن البصرة ظلت طوال العصر تعيش للعصبيات القبلية، ومن ثمّ كانت المحور الذى دار عليه شعرها، إذ تحوّل كل شاعر يفخر بقبيلته مصوّبا سهام هجائه لمن يعادونها من القبائل. ولم يقف الشعراء عند الخصومات

стр. 581

بين الحلفين اللذين تحدثنا عنهما حلف تميم وقيس وحلف الأزد وربيعة ومن انضم إليهما من القبائل اليمنية، فقد أثاروا ما بين العشائر والبطون من حزازات قديمة وأضافوها إلى ما تكوّن من حزازات حديثة، بحيث لم تبق عشيرة إلا ولها شاعرها أو شعراؤها الذين يذودون عنها مفاخرين هاجين، واتخذ ذلك شكل معارك عنيفة، على نحو ما نعرف عن معركة الهجاء التى نشبت بين جرير والفرزدق. ولم تنمّ البصرة شعر الفخر والهجاء وحده، بل نمّت أيضا شعر المديح، فقد تحول شعراؤها إلى الخلفاء والولاة والقواد والأجواد يمدحونهم ويأخذون جوائزهم. وقلنا آنفا إن الخوارج فى البصرة كانوا كثيرين، وقد هيأت هذه الكثرة لأن يظهر من بينهم غير شاعر مثل عمران بن حطّان، أما الشيعة فكانوا قليلين، ومن ثم لم ينشط الشعر الشيعى بالبصرة، وكأنها تركته للكوفة كى تبلغ منه كل ما كانت تريد من معارضة الدولة والتشيع للبيت العلوى وبيان حقّه فى الخلافة. وإذا كنا لاحظنا فى الكوفة أن شعراء كثيرين كانوا يقفون فى صفوف بنى أمية ضد معارضيهم من الشيعة فإن البصرة هى الأخرى كان بها كثير من الشعراء الذين نافحوا عن الحكم الأموى وعلى رأسهم جرير. ويلقانا بين أعاجم البصرة غير شاعر، وطبيعى أن ينتظموا فى صورة الشعر البصرى العامة من الفخر والهجاء والمديح، وممن اشتهروا منهم يزيد بن مفرّغ الحميرى. ويلقانا أيضا شعراء يتغنون بالخمر مثل حارثة بن بدر الغدانى التميمى، وإن كان من الحق أن موجتها لم تتسع فى البصرة اتساعها فى الكوفة، فقد كانت أكثر وقارا، ومن ثمّ فسحت للزهد وشعرائه من أمثال أبى الأسود الدؤلى. ٤ - خراسان مرّ بنا أن جند البصرة هم الذين مضوا شرقا فى عهد عمر بن الخطاب حتى فتحوا خراسان، وقد توغلوا فيها لعهد عثمان، فكان طبيعيّا أن يحملوا معهم ما أخذت تستشعره القبائل البصرية من العصبيات القديمة. وكان مما زادها

стр. 582

ضراوة فى نفوسهم أن قوّاد الجيوش المحاربة كانوا يكافأون على انتصاراتهم بإسناد إدارة الجهات التى يفتحونها إليهم، وكان القائد حين تسند إليه ولاية يخصّ قبيلته بالغنم الأكبر. وكذلك كان يصنع الولاة من قبل الخليفة أو والى العراق، فانطوت النفوس على موجدة شديدة، وهى موجدة أدّت هناك دائما إلى حروب عنيفة واشتباكات دامية، كانت تعلو فيها القبيلة كما كان يعلو الثأر على كل شئ. وبذلك أصبح العرب بخراسان فى نفس الموقف الذى كان عليه أسلافهم فى الجاهلية، فهم يعيشون للمنازعات القبلية والثارات، وحقّا كانوا يشغلون أحيانا بحروب الترك، ولكنهم كانوا لا يهدءون وينصرفون قليلا عن حربهم حتى يتحاربوا فيما بينهم حربا مريرة، وهى حرب عادت فيها العصبيات جذعة. وقد بدأت هذه العصبيات تستعر هناك فى نفس الوقت الذى بدأ استعارها فيه بالبصرة، أى بعد وفاة يزيد بن معاوية فقد أخذت الأزد وأحلافها تحاول أن تستولى على السلطان هناك، وتصدت لهم قيس وتميم بزعامة عبد الله ابن خازم السّلمى القيسى. واستطاع أن يجمع السلطان فى يده هناك معلنا ولاءه لابن الزبير، حتى إذا غلب عبد الملك بن مروان على صاحبه أرسل إليه أن يدخل فى طاعته على أن يطعمه خراسان سبع سنين، وأبى ابن خازم، غير أن نائبه فى مرو: بكير بن وشاح التميمى ثار عليه، ولم يلبث ابن خازم أن قتل. ودخلت خراسان ثانية فى طاعة بنى أمية، وولّى عليها عبد الملك بكيرا، ثم ولى أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد الأموى. وضمّها إلى الحجاج، فولّى عليها فى سنة ٧٨ المهلّب الأزدى بعد قضائه على الأزارقة، فقدمها يصحبه شاعره كعب الأشقرى الذى طالما أشاد بانتصاراته على الأزارقة. ويلزمه شعراء خراسان يمدحونه ويصفون حروبه مع الترك من أمثال المغيرة بن حبناء التميمى ونهار بن توسعة اليشكرى البكرى وزياد الأعجم مولى عبد القيس. ويتوفّى المهلب سنة ٨٢، فيولّى الحجاج بعده ابنه يزيد، وكان شجاعا مقداما كما كان بحرا فياضا، وقد أشاد الشعراء هناك بحروبه فى فرغانة حوارزم وماوراء النهر إشادة رائعة. ويعزله الحجاج لعصبيته الشديدة للأزد

стр. 583

وأحلافها من اليمن وربيعة ويولّى أخاه المفضل، وسرعان ما يرى أن يتخلص من المهالبة جميعا، فيعزل المفضل ويولى قتيبة بن مسلم الباهلى فى سنة ٨٦ فتعلو كفة قيس ويعظم سلطانها. وكان قتيبة قائدا محنكا وفارسا مغوارا، فمضى يفتح فى طخارستان وأرض السّغد وخوارزم وسمرقند، والشعراء من حوله يتغنون بانتصاراته. ولم يلبث قتيبة أن سقط وهو فى أوج مجده، وذلك أن سليمان ابن عبد الملك ولى الخلافة بعد أخيه الوليد، وكان حانقا على الحجاج وعمّاله، وخشى قتيبة على مصيره، فثار عليه، وسرعان ما انفضّت عنه الأزد وأحلافها ثم تبعتهم تميم، لأنه كان قتل منها نفرا من آل الأهتم، وأساء معاملة بطلها وكيع بن أبى سود. وتزعّم وكيع حربه، وانضمت إليه الأزد، وكانت مغيظة منذ عزل المهالبة وانضمّت معها قبائل ربيعة كما انضم الموالى بقيادة حيّان النبطى، وأخيرا خذلته قيس إلا نفرا من عشيرته باهلة، فلقى حتفه سنة ٩٦ للهجرة. وولّى سليمان مكانه وكيع بن أبى سود، فأخذ الناس بالعنف، فعزله، وولّى يزيد بن المهلب، جامعا له بين خراسان والعراق، وقد مضى يتّبع سياسة قبلية جامحة، إذ رفع من شأن الأزد، وملأ بها الوظائف، وجعل لها القسطى الأكبر فى الغنائم. وتوفّى سليمان وخلفه عمر بن عبد العزيز فعزل يزيد وحبسه لتأخره فى أداء الفئ، وكان قد بالغ لسليمان فى بعض كتبه، فقال إن الفئ فى بعض حروبه كان قناطير من الذهب، وزعم أن خمسه بعد أن أخذ كل محارب حقّه منه بلغ أربعة آلاف ألف وفى رواية ستة آلاف ألف، فلما طلب منه عمر ذلك، ولم يستطع أداءه حبسه حتى يؤدى ما عليه للدولة، ولم يكتف بعزله وحده، فقد عزل كل ولاته الأزديين، وبذلك سقط أو هوى نجم الأزد، وقد ولى عمر على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمى. ودخلت فى عصر يزيد بن عبد الملك، وتولاها غير قيسى، ولا يلبث أن يظلّها عهد هشام بن عبد الملك، وفيه تصبح تابعة لخالد القسرى والى العراق، وكانت فيه عصبية شديدة لليمن، فارتفع شأن الأزد. ونراه ينيب عليها أخاه أسدا سنة ١٠٥ وكان يحاكيه فى سياسته، فالتهبت العصبيات القبلية التهابا، وامتشقت الحسام الكتلتان الكبيرتان تميم وقيس من جهة والأزد وأحلافوا

стр. 584

من جهة أخرى ووقعت بينهما وقعة معروفة باسم وقعة البروقان ببلخ سنة ١٠٦ وتوالت بينهما الوقائع، وعزل أسد سنة ١٠٩ ووليها الحكم بن عوانة الكلبى ولم يلبث أن عزل ووليها أشرس بن عبد الله السّلمى القيسى، وخلفه عليها الجنيد بن عبد الرحمن المرّى سنة ١١٢ وعزل عنها فى سنة ١١٦ وخلفه عاصم بن عبد الله الهلالى، وفى عهده نشبت ثورة الحارث بن سريج وكان يرى رأى المرجئة، كما كان يرى إسقاط الجزية عن الموالى، واتخذ جهم بن صفوان كاتبا له، وهو أشهر متكلمى هذه الفرقة. واستفحلت الثورة إذ انضم إليها كثيرون من تميم والأزد والموالى. وما زال عاصم يجاهدهم، حتى عزل فى سنة ١١٧ وولى مكانه أسد القسرى للمرة الثانية فضيّق الخناق على الحارث حتى فر هاربا. غير أن أسدا مات، وسقط أخوه خالد فى العراق، إذ صرفه هشام عن ولايتها وولّى عليها يوسف بن عمر الثقفى، جامعا له معها خراسان، فولّى عليها نصر بن سيار، وفى عهده اشتدت العصبيات اشتدادا مروّعا واشتد معها الشجار والقتال فى كل مكان، وظهر الحارث بن سريج على مسرح الحوادث ثانية وقتل. وأخيرا يظهر أبو مسلم الخراسانى. وعبثا يصيح نصر بن سيار بجنوده أن يتداركوا الأمر (١) وتكون نهاية بنى أمية. ويفيض تاريخ الطبرى بأشعار الشعراء فى هذه العصبيات التى احتدمت هناك وفى وصف حروب العرب والترك. ولعل من الطريف أن نعرف أن الشعر نشط فى خراسان نشاطا عظيما، إذ كانت الكثرة من العرب هناك مضرية، وحيثما وجدت المضريين وجدت الشعر، وكانت الأحداث كثيرة، فألهمت غير شاعر بالشعر الرائع. ومن أهم شعرائهم زياد الأعجم وكعب ابن معدان الأشقرى ونهار بن توسعة وثابت قطنة والمغيرة بن حبناء. ولعل من الطريف أن نعرف أنّ من هؤلاء الشعراء من كان فارسا مقداما مثلى ثابت قطنة وكعب بن معدان، وكان من هولاء الشعراء الفرسان من يقع فى حب بعض نساء الترك والديلم وفتياتهم، فيتغزل بهن، على نحو ما نرى عند أبى جلدة اليشكرى (٢)، وأعشى همدان (٣). وكان بين المحاربين كثيرون يحنّون إلى ديار

стр. 585

قومهم فى الجزيرة، وخاصة حين يلم بهم وهن، ويظنون أنهم ميتون، وقصيدة مالك بن الريب فى مرضه مشهورة (١). وكان يحدث أحيانا أن يخفق بعض البدو بالجزيرة العربية فى حبّهم، فيرحلوا إلى الثغور، وينظموا شعرا يضمنونه حبهم اليائس، وهو شعر يفيض باللوعة الممضّة على نحو ما نجد عند الصّمّة القشيرى (٢) الذى مات غازيا بطبرستان. ٥ - الشام لا يكاد يقاس الشعر فى الشام لهذا العصر إلى ما انبثّ منه فى خراسان والعراق والحجاز، ومرجع ذلك أن قبائل الشام كانت فى جمهورها قبائل يمنية، وهى لا تبلغ فى الشعر والشاعرية ما تبلغه القبائل المضرية، وأهم شاعر أنبتته بيئة الشام فى هذا العصر هو عدىّ بن الرقاع العاملى، وهو يتأخر خطوات عن شعراء العراق والحجاز المبرّزين أمثال جرير والفرزدق وعمر بن أبى ربيعة. على أنه ينبغى أن يلاحظ أن كثيرا من قبائل قيس نزل الشام مع الفتوح، واصطدمت مصالحه كما قدمنا بمصالح كلب والقبائل اليمنية، مما جعل الحروب تنشب بين الطرفين من جهة وأوقد نيران الهجاء والفخر بين شعرائهما من جهة ثانية، سواء فى موقعة مرج راهط أو فيما تلاها من مواقع ظلت سنوات. ولكن هذا الشعر نعده طارئا على الشام، فلولا وفود هذه القبائل المضرية ما ظهر ولا استطار. ومما يتصل بهذا الشعر الطارئ على الشام شعر الشعراء الذين كانوا يفدون على الأمويين يمدحونهم من الحجاز ونجد والعراق والجزيرة. ومن الحجازيين الذين أكثروا الوفود عليهم ابن قيس الرّقيّات ونصيب والأحوص وكثيّر وإسماعيل

стр. 586

ابن يسار النسائى وطريح الثقفى ويزيد بن ضبّة وأبو العباس الأعمى، ومن النجديين الرّاعى والعجير السّلولى وأرطاة بن سهيّة وعقيل بن علّفة وابن ميّادة ومن العراق جرير والفرزدق والأخطل ومسكين الدارمى وعبد الله بن الزّبير الأسدى وأعشى شيبان ونابغتهم وذو الرمة. وهؤلاء الشعراء جميعا كانوا وافدين، ولم يستقروا فى الشام، إنما كانوا يلمّون بها، ثم يعودون إلى ديارهم وأهليهم بجر الحقائب. وربما كان أهم عشيرة اشتهرت بالشعر فى هذه البيئة هى العشيرة الأموية نفسها، فقد اشتهر من بين أفرادها بنظم الشعر يزيد بن معاوية، ثم ابن أخته يزيد بن عبد الملك، وابنه الوليد وسنعرض له ولشعره فى موضع آخر. على أن هذه الأسرة نفسها كانت طارئة على الشام، ومن ثمّ لا نغلو إذا قلنا إن الشعر فيها لهذا العصر كان بعامة شعرا طارئا. ومن هذا الشعر الطارئ ما كان ينظمه الغزاة فى حروب الروم، وكانت كثرتهم من عرب الشام اليمنية، ولذلك لم يكثر الشعر فى هذه الحروب، غير أن نفرا من المضريين شاركوا فيها، فجرى الشعر على ألسنتهم وتصايحوا به فى بعض معاركهم، وبكوا به شهداءهم على نحو ما نجد عند أبى العيال الهذلى حين غزا مع يزيد بن معاوية الروم (١) واستشهد ابن عم له يسمى عبد بن زهرة فرثاه رثاء حارّا (٢). وعلى هذا النحو كان الشعر فى الشام لهذا العصر محدود النشاط، وكان فى جملته طارئا إما مع قبائل قيس، وإما مع الوافدين على أبواب الخلافة، وإما مع البيت الأموى القرشى نفسه، وإما مع الغزاة الذين كانوا يجاهدون الروم. ٦ - مصر والمراكز الأخرى إذا أخذنا نستقصى مراكز الشعر الأخرى لهذا العصر وجدنا العناصر اليمنية

стр. 587

تغلب عليها، وهى من حيث الشعر والشاعرية تتخلّف عن العناصر المضرية. وقد تصادف أن كان أكثر الفاتحين لمصر وبلاد المغرب والأندلس من العناصر اليمنية، وأخذت تقدم وراءهم قبائل منهم، تستقر فى تلك الديار، فكان طبيعيّا أن لا ينشط فيها الشعر، وأن يظل خامدا طوال العصر. ولعل أهم هذه المراكز المتخلفة فى الشعر والشعراء مصر، وكانت متصلة بالحضارة اليونانية والرومانية قبل الفتح. ومدرسة الإسكندرية بها مشهورة وقد ظلت منارة للعرفان حتى عصر عمر بن عبد العزيز إذ هجرها أكثر أساتذتها إلى أنطاكية. والذى لا ريب فيه أنه ظلت بمصر بقايا كثيرة من الحضارة اليونانية والرومانية. وقد أخذت تتنفس فى جو الثقافة الإسلامية العربية، وسرعان ما ظهرت بها مدرسة دينية على رأسها عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخذت تنهض فى هذا المجال. غير أننا إذا رجعنا إلى الشعر بها وجدناه متخلفا، لما قلنا من غلبة العناصر اليمنية على العرب النازلين فيها. وحقّا نجد فيها أشعارا كانت تنظم من حين إلى حين فى الأحداث التاريخية واليومية، وهى مبثوثة فى كتاب الولاة والقضاة للكندى، ولكن قيمتها الشعرية ضعيفة وأكثر من ينظمونها يعدّون مجهولين لنا، وربما كان أهمهم ابن أبى زمزمة الذى عاصر عبد العزيز بن مروان فى ولايته على مصر (٦٥ - ٨٥ هـ) وأشعاره المنسوبة إليه لا ترقى إلى أفق شاعر متوسط من شعراء المراكز الأخرى فى الحجاز ونجد والعراق وخراسان. ومن المحقق أن الشعر نشط بمصر فى ولاية عبد العزيز بن مروان، غير أنه فى جملته شعر وافد، أنشده بمصر شعراء الحجاز ونجد والعراق، الذين وفدوا على ابن مروان يمدحونه لأخذ نواله، وكان بحرا فياضا، وغيثا مدرارا، فقصده الشعراء من كل صوب أمثال كثيّر وابن قيس الرقيات ونصيب وجميل وأيمن بن خريم وعبد الله بن الحجاج الثعلبى. وبمجرد أن مات عبد العزيز خمد هذا النشاط الطارئ، إذ لم يعد يفد عليها الشعراء لأخذ الجوائز والعطايا الجزيلة. فمصر لم يكن بها نشاط قوى للشعر فى هذا العصر، وإذا تركناها إلى الغرب انبسطت أمامنا بلاد المغرب إلى مشارف المحيط الأطلسى، وكان الشعر بها

стр. 588

أكثر تخلفا، لغلبة العناصر اليمنية على من نزلها من العرب، ولأنه لم يظهر بها وال على شاكلة عبد العزيز بن مروان، يرحل إليه الشعراء ويمدحونه. وكذلك الشأن فى الأندلس المفتوحة فى عهد الوليد بن عبد الملك، فقد فتحتها قبائل يمنية، ومن ثمّ لم يزدهر الشعر بها، بل ظل ذاويا ذابلا إلى نهاية العصر. وطبيعى أن يكون النشاط الشعرى فى اليمن خامدا، لأنها لم تجلّ فيه من قديم، ولأنه لم تضطرم بها العصبيات والثورات التى تدلع ألسنة الشعراء على نحو ما مرّ بنا فى البصرة والكوفة وخراسان، ومع ذلك فقد كان ينزلها بعض الشعراء لمديح ولاتها على شاكلة أبى دهبل الجمحى الذى اشتهر بمديحه ابن الأزرق المخزومى والى ابن الزبير (١). وحين ظهر فيها نشاط الخوارج الإباضيين لأواخر هذا العصر أخذ الشعر يجرى على بعض الألسنة. ولكن على كل حال كان الشعر هناك متخلفا، وربما كان خير شعرائها خالد الزبيدى الذى ترجم له ياقوت فى معجمه (٢).

стр. 589

الفصل الثانى مؤثرات عامة فى الشعر والشعراء ١ - الامتزاج بالأمم الأجنبية وتعرّبها وأثر ذلك فى اللغة اندفع العرب من جزيرتهم ينشرون الإسلام وتعاليمه السمحة فى أقطار الأرض، ففتحوا العراق وإيران وخراسان والشام ومصر وبلاد المغرب، وعبروا رقعة الماء الضيقة فى جبل طارق، وركزوا أعلامهم على مشارف البرانس كما ركزوها فى الهند. وكانت بعض قبائلهم تنتشر قبل الإسلام وفتوحه فى العراق والشام، فساعد ذلك على تعرّب هذين القطرين سريعا، وأخذت تتعرّب الأقطار الأخرى التى لم يكن لها عهد بالعروبة من قبل. ومن حينئذ لم يعد اللسان العربى خاصّا بأبناء الجزيرة وحدهم، فقد أخذ يشيع فى شعوب قريبة وبعيدة، وسرعان ما تعربت، وكان مما هيأ لتعرّبها نظام الولاء الذى أخذ به العرب أنفسهم فى فتوحهم الواسعة، فقد أدخلوا رقيق الحروب فى ولائهم، وفتحوا الأبواب واسعة أمام من وراءه من الشعوب المفتوحة كى يدخلوا فى هذا الولاء وينتسبوا فيمن يؤثرون من القبائل العربية. وبمجرد أن تمّت الفتوح أخذ العرب والموالى جميعا يعيشون حياة مشتركة حتى فى المدن التى اختطها الفاتحون لمعسكراتهم مثل البصرة والكوفة والفسطاط، فإن العرب اختلطوا فيها وفى غيرها من المدن بالأجانب الذين قدّموا لهم خدماتهم فى الحرف؟ ؟ ؟ والتجارة، وغصّت بهم دورهم وقصورهم، إذ استخدموهم فى حاجاتهم من جهة وتزوجوا كثيرات من إمائهم من جهة ثانية، على نحو ما هو معروف عن اتخاذهم للسّرارى والجوارى. وظهر أثر ذلك فى أجيال التابعين منذ

стр. 590

جيلهم الأول فقد برز بينهم كثيرون لأمهات أجنبيات، نذكر من بينهم أبناء بنات يزدجرد: على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب والقاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وهذا الامتزاج الواسع بالموالى زواجا وولاء لم يكن تأثّر الموالى به أقل من تأثر العرب، فقد أخذوا فى التعرّب سريعا، وكانت أقطارهم تتكلم لغات مختلفة، إذ كان أهل إيران وخراسان يتكلمون الفارسية، وكان أهل العراق يتكلمون الفارسية والنبطية ولغات آرامية مختلفة، ويتكلم أهل الشام الآرامية وغيرها من اللغات السامية، بينما كان أهل مصر يتكلمون القبطية، وأهل المغرب يتكلمون البربرية. وكانت لغة السياسة والثقافة فى المغرب والأندلس اللاتينية وفى مصر والشام اليونانية والسريانية وفى العراق وإيران السريانية والفارسية. وأخذت هذه اللغات تترك أماكنها من ألسنة أصحابها لتحلّ محلها العربية، غير أن هذا لم يحدت سريعا بين عشيّة وضحاها، فقد أخذ التعرب يتدرج شيئا فشيئا. وفى أثناء ذلك كانت العربية تتطور صورا مختلفة من التطور، وكان أول ما أصابها من ذلك أن محيت إلى حد كبير-بفضل القرآن الكريم ولغته القرشية-فروق اللهجات بين القبائل، فأصبحت لغة القرآن هى اللغة العامة التى يتخاطب بها العرب مضريين ويمنيين فى كل مكان، وإن ظلت من الماضى آثار هنا وهناك. وأخذ يظهر بسبب الامتزاج بالموالى تطورثان فى لغة التفاهم، فإن العرب عمدوا إلى استخدام تعبيرات مبسّطة، حتى يفهم عنهم الموالى ويلوكوا ما يلفظونه بسهولة. وفى أثناء ذلك كانوا يستعيرون منهم بعض الكلمات الأعجمية وخاصة فى الأطعمة وأدوات الحضارة، وكانوا يعرّبونها وقد يبقونها على صورتها الأصلية. ويعرض علينا الجاحظ فى كتابه «البيان والتبيين» كثيرا من الكلمات الفارسية التى جرت على ألسنة أهل الكوفة بسبب من عاشوا معهم وخالطوهم من الفرس، فمن ذلك أنهم كانوا يسمّون المسحاة «بال» والحوك أو البقلة الحمقاء «الباذروج» وملتقى أربع طرق

стр. 591

«جهارسوك»، وكانوا يسمون السوق «وازار» والقثّاء «خيارا» والمجذوم «ويذى (١)» وكانت الفارسية شائعة فى البصرة ويتضح ذلك فى دخول مقطع «آن» الفارسى على كثير من أسماء القطائع مثل «عمران (٢)» لعمر بن عبيد الله بن معمر و «سويدان» لسويد بن منجوف السّدوسى و «خالدان» لخالد بن أسيد و «مهلّبان» لآل الملهب. ومما يدلى على شيوع الفارسية فى البصرة ما يروى من أن يزيد بن مفرّغ حين هجا أسرة عبيد الله. . زياد فى ولايته عليها سقاه نبيذا وحمله على دابة فى ثياب مهلهلة مفرونا إلى هرّة وخنزير، وأمر أن يطاف به فى الشوارع على هذه الصورة المزرية، فتجمّع حوله الصغار يسألونه بالفارسية إين جيست؟ أى ما هذا، فكان يجيبهم بلسانهم (٣): آب است نبيذ است ... عصارات زبيب است سميّه روسبى است واست: من أفعال الكينونة، وآب: ماء. وسمية: أم زياد. وروسبى: الخنزيرة. أى هذا ماء ونبيذ وعصارة زبيب وسمية الخنزيرة، ويريد البغىّ. ويلاحظ الجاحظ أن تأثير الفارسية سقط إلى داخل الجزيرة فى المدينة مع من نزلها من الفرس، ولذلك سمو البطيخ «الخربز» والسميط «الرزدق»، وطعام المصوص وهو لحم ينقع بالخردل «المزور» والشطرنج «الإشترنج» وغير ذلك من الأسماء (٤). ولم يقف استخدام هذه الألفاظ وما يشبهها عند اللغة اليومة، فقد تعداها أحيانا إلى شعر بعض الشعراء من العرب أمثال الفرزدق وجرير اللذين عاشا فى البصرة، إذ نجد أولهما يستخدم كلمة «البيذق والبياذق» المعروفة فى لعبة الشطرنج استخداما يدل على أنه كان يعرف اللعبة وما يصيب البيذق فيها حين يتقدم إلى آخر الرقعة إذ يصبح وزيرا، يقول مخاطبا جرير (٥):

стр. 592

ونحن إذا عدّت تميم قديمها ... مكان النّواصى من وجوه السوابق منعتك ميراث الملوك وتاجهم ... وأنت لدرعى بيذق فى البياذق فهو يجعله بيذقا غير متقدم؟ ؟ ؟ جريرا يستخدم فى إحدى أهاجيه للفرزدق كلمة «الرّوذق» الفارسية؟ ؟ ؟ المنتوف وبره بعد سلقه، ويستخدم معها كلمة «البيذق» الفارسية للدلالة على الشيء التافه، إذ يقول فى جعثن أخت الفرزدق (١): لا خير فى غضب الفرزدق بعدما ... سلخوا عجانك سلخ جلد الرّوذق سبعون والوصفاء مهر بناتنا ... إذ مهر جعثن مثل حرّ البيذق وبنفس هذه الصورة دخلت كلمات نبطية إلى الشعر ولغة التفاهم، وإذا كان ابن مفرّغ صاغ من الفارسية شطورا على نحو ما قدمنا فقد كان وراءه شعراء من الزنج مثل رباح (٢) ومن الهند مثل أبى عطاء السندى. وربما كان أهم من ذلك ما أصاب العربية من لكنات هؤلاء الموالى، فإن كثيرين منهم كانوا يجدون عسرا فى نطق بعض حروف العربية التى لا توجد فى لغاتهم، ويعرض علينا الجاحظ فى البيان والتبيين صورا مما كان يجرى على ألسنة عامتهم من هذه اللّكنات، حتى لتفسد العبارة العربية إفسادا، فمن ذلك أن الحجاج سأل نخاسا: أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟ فأجابه: «شر يكاننا فى هوازها وشر يكاننا فى مداينها، وكما تجئ تكون». ولم يفهم الحجاج ما يقول فقال له ويلك ما تعنى؟ فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: «شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدوابّ، فنحن نبيعها على وجوهها (٣)» ومن ذلك أن أمّ ولد لجرير قالت لبعض ولدها: «وقع الجردان فى عجان أمكم»

стр. 593

فأبدلت الذال من الجرذان دالا ونطقت العجين عجانا. وقال بعض الشعراء فى أم ولد له يذكر لكنتها: أوّل ما أسمع منها فى السّحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر والسوءة السوءاء فى ذكر القمر إذ كانت تنطقه الكمر (١). وكانت آثار من هذه اللكنات تجرى على ألسنة فصحاء الموالى ممن صعدت بهم ملكاتهم إلى أفق الشعر العربى، حتى أصبحوا لا يقلون فيه فصاحة وبلاغة عن شعراء العرب الخلّص، نذكر من بينهم زيادا الأعجم، وكان يرتضخ لكنة فارسية يذهب فيها إلى إبدال العين همزة والطاء تاء والسين شينا (٢)، ويروى أنه أنشد المهلب فى بعض مديحه: فتى زاده السّلطان فى الودّ رفعة ... إذا غيّر السلطان كل خليل فقال: «زاده الشلتان (٣)» وتكرر منه ذلك على سمع المهلب فوهبه غلاما ينشد شعره (٤). وكان أبو عطاء السندى وهو ممن عاشوا فى العصرين: الأموى والعباسى يبدل الحاء هاء والجيم زايا والشين سينا، ودفعه ذلك أن يستوهب ممدوحا له يسمى سليمان بن سليم الكلبى غلاما ينشد شعره. (٥) ولم تجر هذه اللكنات على ألسنة الموالى وحدهم، فقد تسربت منها بعض الآثار إلى ألسنة من كانوا ينشئون فيهم وخاصة من كانت أمهاتهم منهم، على نحو ما يحدّثنا الرواة عن عبيد الله بن زياد والى العراق، إذ استبقاه أبوه مع أمه «مرجانة» حين تزوجت الفارس «شيرويه» فكان يبدل الحاء هاء والقاف كافا، فإذا قال: أحرورىّ أنت؟ قال: أهرورى أنت؟ وإذا قال قلت لك قال: كلت لك (٦). وقال مرة: افتحوا سيوفكم بدلا من سلّوا سيوفكم، مما جعل ابن مفرغ يهجوه بقوله (٧):

стр. 594

ويوم فتحت سيفك من بعيد ... أضعت وكلّ أمرك للضّياع ويروى أن أباه زيادا أوفده على معاوية فكتب إليه مشيرا إلى لكنته: «إن ابنك كما وصفت ولكن قوّم من لسانه». (١) وليس بين أيدينا نصوص توضح ما حدث من ذلك فى مراكز الشعر الأخرى بالأقطار المفتوحة، ولكن لا بد أن ما كان يحدث فى العراق من هذه اللكنات كان يحدث فى المراكز القريبة والبعيدة ما يماثله. واقترن بهذه اللكنات لحن كثير بسبب ضعف السلائق من مثل قول زياد الأعجم: إذا قلت قد أقبلت أدبرت ... كمن ليس غاد ولا رائح وكان القياس أن يقول: «ليس غاديا ولا رائحا (٢)». ويظهر أن اللحن شاع على ألسنة بعض العرب أنفسهم، ومن ثم عنى خلفاء بنى أمية بتأديب أولادهم ويقال إن عبد الملك أهمل تأديب ابنه الوليد فجرى اللحن على لسانه، ومما يروون من لحنه أنه نطق يوما كلمة «لصّ» بضم اللام، وأنه قال لأبيه حين قتل أبو فديك الخارجى: «يا أمير المؤمنين قتل أبى فديك» وقال مرة: «يا غلام ردّ الفرسان الصادّان عن الميدان (٣)». واتسع هذا اللحن فى الكوفة والبصرة حتى لنرى الحجاج المعروف بفصاحته ولسنه ونشأته فى البادية يخاف على نفسه منه، فيسأل ابن يعمر: أتسمعنى ألحن؟ فقال: الأمير أفصح الناس، فقال الحجاج: عزمت عليك أتسمعنى ألحن؟ قال: حرفا، فقال الحجاج: أين؟ قال: فى القرآن، فقال: ذلك أشنع له، فما هو؟ قال ابن يعمر: تقول: ﴿(قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)﴾ بقراءة أحب بالرفع ومكانها النصب. وكأنه لما طال عليه الكلام نسى ما ابتدأ به. فقال الحجاج: لا حرم لا تسمع لى لحنا أبدا (٤). وكان خالد القسرى مع ما اشتهر به من فصاحته لحّانا، ويروى

стр. 595

أنه قال يوما: «إن كنتم رجبيّون فإنا رمضانيّون». وفيه يقول يحيى بن نوفل (١): وألحن الناس كلّ الناس قاطبة ... وكان يولع بالتّشديق فى الخطب ويروى الرواة أن عيسى بن عمر النحوى خاصم رجلا إلى بلال بن أبى بردة والى البصرة لخالد القسرى فجعل عيسى يتتبّع الإعراب وجعل الرجل ينظر إليه، فقال بلال للرجل: لأن يذهب بعض حقّ هذا أحبّ إليه من ترك الإعراب فلا تتشاغل به واقصد لحجّتك (٢)، وممن عرف فى خراسان باللحن عمرو بن مسلم أخو قتيبة بن مسلم (٣)، وكان سليمان بن عبد الملك فى دمشق يقول: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث يفخّم اللحن كما يفخم نافع بن جبير الإعراب (٤). وانتشار اللحن على هذه الشاكلة هو الذى دفع لظهور اللغويين والنحاة منذ القرن الأول للهجرة، فقد أخذت تتجرّد جماعة من العلماء وخاصة فى البصرة لتنقية العربية مما دخلها من فساد. وكان بعض هؤلاء العلماء يتعرض لفصحاء الشعراء ينقدهم نقدا نحويّا، حتى لو اضطرتهم إلى ذلك القافية، واشتهر فى هذا الجانب عبد الله بن أبى إسحق الحضرمى بمراجعاته للفرزدق فيما كان يحدثه أحيانا من بعض شاذات نحوية، وما زال يراجعه حتى قال فيه بيته المأثور: فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا فتعرض له ابن أبى إسحق قائلا: كان يحسن أن تقول: مولى موال (٥) على أن الفرزدق لم يعرف بضعف فى الحسّ اللغوى لأنه نشأ فى البادية، إنما الذى عرف بذلك بعض الشعراء الذين نبتوا فى المدن مثل الطّرمّاح والكميت. ويسجّل الرواة على الطرماح أنه كان يستخدم الألفاظ البدوية الغريبة فى شعره استخداما غير دقيق (٦) وأنه كان يكلف بإدخال ألفاظ النبط الآراميين فى شعره (٧). ولم

стр. 596

يكن الكميت يسلك فى أشعاره الألفاظ النبطية، ولكنه كان يشرك الطرماح فى ظاهرة الاستخدام غير الدقيق للألفاظ البدوية (١)، ويروى أنه أنشد ذا الرّمة يوما بعض شعره، وسأله رأيه فيه، فقال له: «إنك لتقول قولا ما يقدر إنسان أن يقول لك فيه أصبت أو أخطأت، وذلك أنك تصف الشئ فلا تجئ به ولا تقع بعيدا منه، بل تقع قريبا» واقتنع الكميت بوجهة نظره واعتلّ لذلك بأنه لا يصف شيئا رآها بعينه، إنما يصف شيئا وصف له (٢)»، ولذلك كان اللغويون لا يستشهدون بأشعاره ولا بأشعار الطرماح فى اللغة (٣). وعلى هذا النحو أخذت السلائق تضعف حتى عند العرب أنفسهم، وخاصة من نشأوا منهم فى الحضر ولم يتغذّوا بلبان البادية. وما نصل إلى العصر العباسى حتى يضع اللغويون خطّا فاصلا بين الشعر القديم الجاهلى والإسلامى والشعر العباسى الحديث الذى سموه شعر المولّدين وهو خط فصلوا به فصلا تامّا بين الشعر الفصيح الذى يمكن الاستشهاد به فى اللغة والشعر الذى لا يعتدّ به فى هذا الاستشهاد. وقد اعتدّوا بشعر الجاهليين والمخضرمين دون استثناء، أما شعر الأمويين فأخرجوا منه نفرا من العرب أمثال الطرمّاح والكميت متخذين النشأة فى الحضر مقياسا لمعرفة المشوب والمصفّى والمعيب والسليم. ٢ - الإسلام وأثره فى موضوعات الشعر طبيعى أن يؤثر الإسلام فى موضوعات الشعر الأموى، وهو تأثير يقوى ويضعف حسب نفسية الشعراء، إذ كان بينهم من تعمّقه الإسلام ومن لم يتغلغل إلى أعماقه. على أنهم جميعا كانوا يستظلون بظلاله، وكان من حولهم الوعاظ والنسّاك يذيعون فى مختلف الأجواء عبير وعظهم ونسكهم، سواء فى المساجد الجامعة أو فى مقدمات الجيوش الغازية. وكانوا ما يزالون يحدّثون الناس عن البعث

стр. 597

والثواب والعقاب ونعيم الجنة وعذاب النار داعين دعوة واسعة إلى التقوى والزهد فى متاع الدنيا. وترامت من هذه المواعظ ومن القرآن الكريم وأحاديث الرسول وأقوال الصحابة الأولين أشعة كثيرة نفذت إلى نفوس الشعراء وانعكست فى أشعارهم على اختلاف موضوعاتها. وقد أشرنا فى غير هذا الموضع إلى ما أصاب الغزل بتأثير الإسلام من براءة وطهر وصفاء ونقاء عند شعراء نجد وبوادى الحجاز وعند فقهاء المدينة ومكة. مما هيأ لظهور الغزل العذرى بل لشيوعه، وكأنما أضفى الإسلام على المرأة وعلاقاتها بالرجل عند هؤلاء الشعراء ضربا من القدسية، أحاطها بهالة من الجلال والوقار، فإذا الشاعر لا يدنو منها إلا فى احتياط، بل إذا هو يرى دونها صعابا أى صعاب، فيتحول إلى نفسه يشكو ما أصابه من تباريح الحب وأوصابه شكوى تشفّ عن ألمه وعذابه فى حبه، وهى شكوى يضرع فيها أحيانا إلى ربه على شاكلة قول جميل (١): إلى الله أشكو لا إلى الناس حبّها ... ولا بد من شكوى حبيب يروّع ألا تتقين الله فيمن قتلته ... فأمسى إليكم خاشعا يتضرّع فياربّ حبّبنى إليها وأعطنى ال ... مودّة منها أنت تعطى وتمنع ونرى الغزلين جميعا عذريين وغير عذريين يستلهمون فى غزلهم بعض الأفكار الإسلامية كفكرة العفو والغفران، يقول عمر بن أبى ربيعة (٢): فديتك أطلقى حبلى وجودى ... فإن الله ذو عفو غفور وقد مضى غير شاعر يردد فكرة الإثم فى القتل وعقاب الله لقاتل النفس المؤمنة، ونرى الفرزدق يفصّل هذه الفكرة تفصيلا فى إحدى مقطوعاته، فيقول (٣): يا أخت ناجية بن سامة إننى ... أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى فإذا حلفت هناك أنك من دمى ... لبريئة فتحلّلى لا تأثمى (٤) فلئن سفكت دما بغير جريرة ... لتخلّدنّ مع العذاب الألأم

стр. 598

ولئن حملت دمى عليك لتحملن ... ثقلا يكون عليك مثل يلملم (١) وإذا كان الفرزدق توسّع فى فكرة القتل على هذا النحو، فأضاف إليها الاستثناء من اليمين وما ينتظر القاتل فى غير جناية من عذاب الآخرة فإن وضّاح اليمن يستغل فكرة الحلال والحرام ويشفعها بفتوى الترخص فى اللّمم، يقول (٢): إذا قلت يوما نوّلينى تبسّمت ... وقالت معاذ الله من فعل ما حرم فما نوّلت حتى تضرّعت عندها ... وأعلمتها ما رخّص الله فى اللّمم وواضح أنه يقصد باللمم النظرة وما يماثلها. وكل ذلك جاء وضاحا ومن ذكرناهم بتأثير الإسلام الذى كان يخالط قلوبهم، فإذا ألفاظه وأفكاره نمتزج بمعانى الحب وألفاظه. وإذا تحولنا إلى المديح وجدناه يتحول فى كثير من جوانبه إلى تصوير الفضيلة الدينية فى الممدوح، ووثّق هذا التصوير فى مديح الخلفاء والولاة أن الحكم والدين كانا مرتبطين ارتباطا لا تنفصم عراه، فمضى الشعراء يتحدثون عن تقواهم وأنهم يقيمون ميزان العدالة السماوية بين الرعية. ونشب صراع حاد بين الأمويين من جهة والخوارج والشيعة من جهة ثانية فى الحاكم الأعلى للمسلمين وما ينبغى أن يتحلّى به من صفات دينية. ولم يلبث شعراء بنى أمية أن نفذوا من ذلك إلى تمجيد الأمويين ورسم إطار دينى لكل منهم، وكان عمر بن عبد العزيز مثالا حقّا للحاكم الأموى التقى، فأكثر الشعراء من رسم إطار التقوى الذى يطيف به وبحكمه، على شاكلة قول كثيّر (٣): وصدّقت بالفعل المقال مع الذى ... أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... تراءى لك الدنيا بكفّ ومعصم وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظّم

стр. 599

فأعرضت عنها مشمئزّا كأنما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم (١) تركت الذى يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأى مصمّم وأضررت بالفانى وشمّرت للذى ... أمامك فى يوم من الشر مظلم وهو لا يصور فى عمر التقوى فحسب، بل يصور فيه أيضا الزهد والإعراض عن الدنيا وفتنتها ومتاعها الزائل الذى يغرّ الناس من حوله. وتتسع هذه الصورة فى مديح الشيعة لأئمتهم على نحو ما نجد فى هاشميات الكميت وفى شعر أيمن بن خريم إذ يقول فى بنى هاشم (٢): نهاركم مكابدة وصوم ... وليلكم صلاة واقتراء وليتم بالقران وبالتزكّى ... فأسرع فيكم ذاك البلاء وعلى نحو ما تأثر المديح بالإسلام ومثاليته الروحية تأثر الهجاء، إذ أخذ الشعراء يهجون خصومهم بانحرافهم عن الدين، فأطالوا فى وصفهم بالفسوق والبغى والطغيان كقول جرير فى آل المهلب (٣): آل المهلب فرّطوا فى دينهم ... وطغوا كما فعلت ثمود فباروا ودائما يرمى شعراء الشيعة الأمويين بالظلم وانتهاك الحرمات وتعطيل أحكام الدين وابتداع ما لم يأت به كتاب ولا سنّة من مثل قول الكميت (٤): لهم كلّ عام بدعة يحدثونها ... أزلّوا بها أتباعهم ثم أوحلوا كما ابتدع الرهبان ما لم يجئ به ... كتاب ولا وحى من الله منزل تحلّ دماء المسلمين لديهم ... ويحرم طلع النّخلة المتهدّل واشتد لهب الهجاء-كما قدمنا فى غير هذا الموضع-بتأثير العصبيات، ولم يكد ينج منه خليفة ولا وال ولا شريف، بل حتى القرّاء كان يتعرض لهم الشعراء، وخاصة إذا رأوهم يداجون أولى الأمر، فكانوا يرمونهم بالنفاق وأنهم

стр. 600

ليسوا صادقين فيما يظهرون من تقوى وصلاح، على شاكلة قول ذى الرمة ساخرا من إحدى طوائفهم (١): أما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء قوم يوارون عما فى صدورهم ... حتى إذا استمكنوا كانوا هم الداء مشمّرين إلى أنصاف سوقهم ... هم اللصوص وهم يدعون قرّاء ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن شعر الحماسة كأن أقوى فى تأثره بالإسلام من شعر الهجاء والمديح، إذ كان ينظّم أكثره فى الجهاد، ومعروف أنه كان دائما فى صفوف المحاربين قصّاص ووعاظ يحثّونهم على الاستشهاد فى سبيل الله، حتى يفوزوا برضوانه، ومن ثمّ تحولت بعض القطع الحماسية التى نظمت فى خراسان إلى مواعظ خالصة، كقول نصر بن سيّار (٢): دع عنك دنيا وأهلا أنت تاركهم ... ما خير دنيا وأهل لا يدومونا واكثر تقى الله فى الأسرار مجتهدا ... إن التّقى خيره ما كان مكنونا واعلم بأنك بالأعمال مرتهن ... فكن لذاك كثير الهمّ محزونا وامنح جهادك من لم يرج آخرة ... وكن عدوّا لقوم لا يصلّونا فاقتلهم غضبا لله منتصرا ... منهم به، ودع المرتاب مفتونا وواضح أن نصرا يزهد فى الدنيا ومتاعها الفانى بما يذكر من هلاك الأهل، ويدعو إلى التقوى فى السر والخلفاء مذكّرا باليوم الآخر وما ينبغى أن يتّخذ له من ذخر الجهاد والذبّ عن دين الله، وبيع النفس فى محاربة أعدائه. وكانت حرب الخوارج حربا دينية خالصة، أما هم فآمنوا بأنهم على الحق وأن المسلمين من غيرهم خرجوا على حدود الله وأنه ينبغى جهادهم حتى يعودوا إلى حياض الشريعة. وبنفس الصورة كان يراهم المسلمون من خصومهم ويرون جهادهم فرضا مكتوبا. وبذلك كانت أشعار الطرفين تغمس غمسا
следующие страницы →