يكن الكميت يسلك فى أشعاره الألفاظ النبطية، ولكنه كان يشرك الطرماح فى ظاهرة الاستخدام غير الدقيق للألفاظ البدوية (١)، ويروى أنه أنشد ذا الرّمة يوما بعض شعره، وسأله رأيه فيه، فقال له: «إنك لتقول قولا ما يقدر إنسان أن يقول لك فيه أصبت أو أخطأت، وذلك أنك تصف الشئ فلا تجئ به ولا تقع بعيدا منه، بل تقع قريبا» واقتنع الكميت بوجهة نظره واعتلّ لذلك بأنه لا يصف شيئا رآها بعينه، إنما يصف شيئا وصف له (٢)»، ولذلك كان اللغويون لا يستشهدون بأشعاره ولا بأشعار الطرماح فى اللغة (٣).
وعلى هذا النحو أخذت السلائق تضعف حتى عند العرب أنفسهم، وخاصة من نشأوا منهم فى الحضر ولم يتغذّوا بلبان البادية. وما نصل إلى العصر العباسى حتى يضع اللغويون خطّا فاصلا بين الشعر القديم الجاهلى والإسلامى والشعر العباسى الحديث الذى سموه شعر المولّدين وهو خط فصلوا به فصلا تامّا بين الشعر الفصيح الذى يمكن الاستشهاد به فى اللغة والشعر الذى لا يعتدّ به فى هذا الاستشهاد. وقد اعتدّوا بشعر الجاهليين والمخضرمين دون استثناء، أما شعر الأمويين فأخرجوا منه نفرا من العرب أمثال الطرمّاح والكميت متخذين النشأة فى الحضر مقياسا لمعرفة المشوب والمصفّى والمعيب والسليم.
٢ - الإسلام وأثره فى موضوعات الشعر
طبيعى أن يؤثر الإسلام فى موضوعات الشعر الأموى، وهو تأثير يقوى ويضعف حسب نفسية الشعراء، إذ كان بينهم من تعمّقه الإسلام ومن لم يتغلغل إلى أعماقه. على أنهم جميعا كانوا يستظلون بظلاله، وكان من حولهم الوعاظ والنسّاك يذيعون فى مختلف الأجواء عبير وعظهم ونسكهم، سواء فى المساجد الجامعة أو فى مقدمات الجيوش الغازية. وكانوا ما يزالون يحدّثون الناس عن البعث
стр. 597
والثواب والعقاب ونعيم الجنة وعذاب النار داعين دعوة واسعة إلى التقوى والزهد فى متاع الدنيا. وترامت من هذه المواعظ ومن القرآن الكريم وأحاديث الرسول وأقوال الصحابة الأولين أشعة كثيرة نفذت إلى نفوس الشعراء وانعكست فى أشعارهم على اختلاف موضوعاتها.
وقد أشرنا فى غير هذا الموضع إلى ما أصاب الغزل بتأثير الإسلام من براءة وطهر وصفاء ونقاء عند شعراء نجد وبوادى الحجاز وعند فقهاء المدينة ومكة. مما هيأ لظهور الغزل العذرى بل لشيوعه، وكأنما أضفى الإسلام على المرأة وعلاقاتها بالرجل عند هؤلاء الشعراء ضربا من القدسية، أحاطها بهالة من الجلال والوقار، فإذا الشاعر لا يدنو منها إلا فى احتياط، بل إذا هو يرى دونها صعابا أى صعاب، فيتحول إلى نفسه يشكو ما أصابه من تباريح الحب وأوصابه شكوى تشفّ عن ألمه وعذابه فى حبه، وهى شكوى يضرع فيها أحيانا إلى ربه على شاكلة قول جميل (١):
إلى الله أشكو لا إلى الناس حبّها ... ولا بد من شكوى حبيب يروّع
ألا تتقين الله فيمن قتلته ... فأمسى إليكم خاشعا يتضرّع
فياربّ حبّبنى إليها وأعطنى ال ... مودّة منها أنت تعطى وتمنع
ونرى الغزلين جميعا عذريين وغير عذريين يستلهمون فى غزلهم بعض الأفكار الإسلامية كفكرة العفو والغفران، يقول عمر بن أبى ربيعة (٢):
فديتك أطلقى حبلى وجودى ... فإن الله ذو عفو غفور
وقد مضى غير شاعر يردد فكرة الإثم فى القتل وعقاب الله لقاتل النفس المؤمنة، ونرى الفرزدق يفصّل هذه الفكرة تفصيلا فى إحدى مقطوعاته، فيقول (٣):
يا أخت ناجية بن سامة إننى ... أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
فإذا حلفت هناك أنك من دمى ... لبريئة فتحلّلى لا تأثمى (٤)
فلئن سفكت دما بغير جريرة ... لتخلّدنّ مع العذاب الألأم
стр. 598
ولئن حملت دمى عليك لتحملن ... ثقلا يكون عليك مثل يلملم (١)
وإذا كان الفرزدق توسّع فى فكرة القتل على هذا النحو، فأضاف إليها الاستثناء من اليمين وما ينتظر القاتل فى غير جناية من عذاب الآخرة فإن وضّاح اليمن يستغل فكرة الحلال والحرام ويشفعها بفتوى الترخص فى اللّمم، يقول (٢):
إذا قلت يوما نوّلينى تبسّمت ... وقالت معاذ الله من فعل ما حرم
فما نوّلت حتى تضرّعت عندها ... وأعلمتها ما رخّص الله فى اللّمم
وواضح أنه يقصد باللمم النظرة وما يماثلها. وكل ذلك جاء وضاحا ومن ذكرناهم بتأثير الإسلام الذى كان يخالط قلوبهم، فإذا ألفاظه وأفكاره نمتزج بمعانى الحب وألفاظه.
وإذا تحولنا إلى المديح وجدناه يتحول فى كثير من جوانبه إلى تصوير الفضيلة الدينية فى الممدوح، ووثّق هذا التصوير فى مديح الخلفاء والولاة أن الحكم والدين كانا مرتبطين ارتباطا لا تنفصم عراه، فمضى الشعراء يتحدثون عن تقواهم وأنهم يقيمون ميزان العدالة السماوية بين الرعية. ونشب صراع حاد بين الأمويين من جهة والخوارج والشيعة من جهة ثانية فى الحاكم الأعلى للمسلمين وما ينبغى أن يتحلّى به من صفات دينية. ولم يلبث شعراء بنى أمية أن نفذوا من ذلك إلى تمجيد الأمويين ورسم إطار دينى لكل منهم، وكان عمر بن عبد العزيز مثالا حقّا للحاكم الأموى التقى، فأكثر الشعراء من رسم إطار التقوى الذى يطيف به وبحكمه، على شاكلة قول كثيّر (٣):
وصدّقت بالفعل المقال مع الذى ... أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... تراءى لك الدنيا بكفّ ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظّم
стр. 599
فأعرضت عنها مشمئزّا كأنما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم (١)
تركت الذى يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأى مصمّم
وأضررت بالفانى وشمّرت للذى ... أمامك فى يوم من الشر مظلم
وهو لا يصور فى عمر التقوى فحسب، بل يصور فيه أيضا الزهد والإعراض عن الدنيا وفتنتها ومتاعها الزائل الذى يغرّ الناس من حوله. وتتسع هذه الصورة فى مديح الشيعة لأئمتهم على نحو ما نجد فى هاشميات الكميت وفى شعر أيمن بن خريم إذ يقول فى بنى هاشم (٢):
نهاركم مكابدة وصوم ... وليلكم صلاة واقتراء
وليتم بالقران وبالتزكّى ... فأسرع فيكم ذاك البلاء
وعلى نحو ما تأثر المديح بالإسلام ومثاليته الروحية تأثر الهجاء، إذ أخذ الشعراء يهجون خصومهم بانحرافهم عن الدين، فأطالوا فى وصفهم بالفسوق والبغى والطغيان كقول جرير فى آل المهلب (٣):
آل المهلب فرّطوا فى دينهم ... وطغوا كما فعلت ثمود فباروا
ودائما يرمى شعراء الشيعة الأمويين بالظلم وانتهاك الحرمات وتعطيل أحكام الدين وابتداع ما لم يأت به كتاب ولا سنّة من مثل قول الكميت (٤):
لهم كلّ عام بدعة يحدثونها ... أزلّوا بها أتباعهم ثم أوحلوا
كما ابتدع الرهبان ما لم يجئ به ... كتاب ولا وحى من الله منزل
تحلّ دماء المسلمين لديهم ... ويحرم طلع النّخلة المتهدّل
واشتد لهب الهجاء-كما قدمنا فى غير هذا الموضع-بتأثير العصبيات، ولم يكد ينج منه خليفة ولا وال ولا شريف، بل حتى القرّاء كان يتعرض لهم الشعراء، وخاصة إذا رأوهم يداجون أولى الأمر، فكانوا يرمونهم بالنفاق وأنهم
стр. 600
ليسوا صادقين فيما يظهرون من تقوى وصلاح، على شاكلة قول ذى الرمة ساخرا من إحدى طوائفهم (١):
أما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء
قوم يوارون عما فى صدورهم ... حتى إذا استمكنوا كانوا هم الداء
مشمّرين إلى أنصاف سوقهم ... هم اللصوص وهم يدعون قرّاء
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن شعر الحماسة كأن أقوى فى تأثره بالإسلام من شعر الهجاء والمديح، إذ كان ينظّم أكثره فى الجهاد، ومعروف أنه كان دائما فى صفوف المحاربين قصّاص ووعاظ يحثّونهم على الاستشهاد فى سبيل الله، حتى يفوزوا برضوانه، ومن ثمّ تحولت بعض القطع الحماسية التى نظمت فى خراسان إلى مواعظ خالصة، كقول نصر بن سيّار (٢):
دع عنك دنيا وأهلا أنت تاركهم ... ما خير دنيا وأهل لا يدومونا
واكثر تقى الله فى الأسرار مجتهدا ... إن التّقى خيره ما كان مكنونا
واعلم بأنك بالأعمال مرتهن ... فكن لذاك كثير الهمّ محزونا
وامنح جهادك من لم يرج آخرة ... وكن عدوّا لقوم لا يصلّونا
فاقتلهم غضبا لله منتصرا ... منهم به، ودع المرتاب مفتونا
وواضح أن نصرا يزهد فى الدنيا ومتاعها الفانى بما يذكر من هلاك الأهل، ويدعو إلى التقوى فى السر والخلفاء مذكّرا باليوم الآخر وما ينبغى أن يتّخذ له من ذخر الجهاد والذبّ عن دين الله، وبيع النفس فى محاربة أعدائه.
وكانت حرب الخوارج حربا دينية خالصة، أما هم فآمنوا بأنهم على الحق وأن المسلمين من غيرهم خرجوا على حدود الله وأنه ينبغى جهادهم حتى يعودوا إلى حياض الشريعة. وبنفس الصورة كان يراهم المسلمون من خصومهم ويرون جهادهم فرضا مكتوبا. وبذلك كانت أشعار الطرفين تغمس غمسا
стр. 601
فى العقيدة الدينية، فهم إنما يحاربون من أجلها وفى سبيلها، ونحس كأنما غاية كل خارجى أن يقتل حتى يكتب فى سجل المستشهدين.
وكان شعر من حاربوهم يسيل بالدعوة للاستبسال فى الحرب وجهاد هذه الفرقة التى زاغت فى رأيهم عن طريق الهدى، ومن خير ما يصور ذلك قول كعب الأشقرى فى ملحمته الطويلة التى وصف فيها قتال المهلب للأزارقة وقضائه عليهم (١):
إنا اعتصمنا بحبل الله إذ جحدوا ... بالمحكمات ولم نكفر كما كفروا
جاروا عن القصد والإسلام واتبعوا ... دينا يخالف ما جاءت به النّذر
وكان كثيرون يقتلون فى هذه الحروب، فكان الشعراء يندبونهم ندبا حارّا، مازجين ندبهم بما ينتظرهم من نعيم الخلد. كقول الضحاك بن قيس يرثى بهلولا الصّفرىّ الذى خرج لعهد هشام بن عبد الملك وقتل (٢):
يا عين أذرى دموعا منك تهتانا ... وابكى لنا صحبة بانوا وإخوانا
خلّوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها ... وأصبحوا فى جنان الخلد جيرانا
وتعمّ هذه الروح الدينية فى مراثى من قتلوا من العلويين منذ على بن أبى طالب، وقد تحوّل مقتل الحسين منذ حدوثه إلى عويل وتفجع رهيب. وكان من يرثون الأمويين يستشعرون هذه الروح فى مراثيهم، كقول جرير فى عمر بن عبد العزيز (٣):
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
بل لقد طبع الرثاء عامة بطوابع هذه الروح وما يطوى فيها من التسليم لله والرضا بقضائه، فكلّ نفس ذائقة الموت، وهو حتم فى رقاب العباد، وعليهم أن يتذرّعوا إزاءه بالصبر الجميل.
стр. 602
وعلى هذه الشاكلة كان الإسلام يؤثر فى نفسية الشعراء، وانعكس هذا التأثير على الموضوعات المختلفة التى نظموا فيها حتى وصف الصحراء، فإننا إذا قرأنا هذا الوصف عند ذى الرمة أحسسنا أن قلبه يمتلئ بالرحمة والشفقة والعطف البالغ على الحيوانات.
وليس هذا كله جميع ما أثّر به الإسلام فى الشعر الأموى، فإنه فجّر ينبوعا، كان قد أخذ يسيل منذ ظهور الإسلام على ألسنة بعض الشعراء، ولكن سيله لم يبلغ ما بلغه فى هذا العصر، ونقصد ينبوع الزهد وما يطوى فيه من الدعوة للعمل الصالح. وسنرى فى غير هذا الموضع كثرة الشعراء الذين تدفق على لسانهم هذا الينبوع الغزير، بحيث أصبح موضوعا قائما بنفسه، وبحيث أخذ فريق من الشعراء الذين لم يعرفوا بزهد يستظهرون صورا إسلامية كثيرة فى شعرهم، بل حتى نجد الفرزدق المستهتر ينظم قصيدة فى إبليس الرجيم (١). ولم يصطبغ الشعر وحده بالمثالية الدينية وما يرتبط بها من معان، فقد جاراه الرجز فى هذا الاصطباغ حتى لنجد رجازا كثيرين يبدءون أراجيزهم بحمد الله، وقد يمضون فيتحدثون عن خلق السموات والأرض، وكثيرا ما يضيفون أدعية وابتهالات لربهم.
والحق أن الإسلام أثّر أثرا واسعا فى نفوس الشعراء، وهو أثر ما زال يتعمق نفرا منهم حتى انقلبوا وعاظا يعظون الناس ويذكّرونهم باليوم الآخر وما ينتظرهم من الثواب والعقاب، وهم فى أثناء ذلك يتحدثون عن الموت وما تخرّم من قرون بعد قرون، كما يتحدثون عن الدنيا ومتاعها الزائل مصوّرين طريق النجاة وأنه يقوم على التقوى والعمل الصالح ومجانبة كل خلق ردئ من مثل الكبر والبخل والخيانة، والتحلى بكل خلق كريم من مثل التواضع والجود والأمانة.
٣ - السياسة
قام الإسلام على تقرير السيادة الإلهية وسيطرتها على أمور المسلمين الدينية والدنيوية سيطرة تنهض على مبادئ الحق والعدل والأمر بالمعروف والنهى عن
стр. 603
المنكر. وبذلك فرض الإسلام على كل مسلم أن يشترك فى الحياة العامة للجماعة ونشاطها السياسى، وهو نشاط ينبغى أن يقوم على مبادئ الدين ومقاصده السامية.
وقد رأينا-فى غير هذا الموضع-كيف أن الحوادث تطورت بعد مقتل عثمان، فولى علىّ، ونشبت بينه وبين السيدة عائشة وطلحة والزبير موقعة الجمل، ثم نشبت معركة صفّين بينه وبين معاوية. وكان التحكيم، فخرج جمع كبير من جيشه ثائرين ضده، ولم يلبث أن قتل، فتحولت الخلافة إلى معاوية وبيته الأموى وأصبحت وراثية فى هذا البيت. وكان الأمويون فى نظر كثيرين لا يمثّلون الحكام الجديرين بالدولة الإسلامية، لأنهم عادوا الإسلام فى أول ظهوره، وبذلك كانوا يعدّون مغتصبين للخلافة. وزاد فى الحنق عليهم أن سيرة يزيد بن معاوية وابن أخته يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد لم تكن سيرة مرضية. وأيضا فإن عمّالهم ظلموا الناس. ومن أجل ذلك سخط عليهم جمهور من القرّاء أهل التقوى والورع، غير أن هذا الجمهور لم يكوّن حزبا لمعارضتهم معارضة إيجابية، فقد اكتفى بإشاعة السخط فى الناس، واشترك منه نفر فى بعض الثورات عليهم، لكنه على كل حال لم يقم بثورة منظمة. على أنه ينبغى أن نشير إلى ثورة المرجئة فى خراسان بقيادة الحارث بن سريج، وسنعرض لها فى حديثنا عن الثقافة وأصحاب المقالات الكلامية.
والحجاز والعراق هما أهم المراكز التى نشأت فيها المعارضة لبنى أمية، وقد بدأت معارضة الحجاز لهم منذ حاول معاوية إسناد ولاية العهد لابنه يزيد وأخذه البيعة على ذلك من أهل الأمصار، فإن فريقا من أبناء كبار الصحابة مثل الحسين بن على وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر أبوا أن يبايعوا ليزيد. فلما ولى الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة أن يشدّد على هؤلاء الثلاثة فى أخذ البيعة تشديدا ليس فيه رخصة، فبايع عبد الله بن عمر، وفرّ الحسين وعبد الله بن الزبير إلى مكة. ولم يلبث أهل الكوفة أن استدعوا الحسين لبيعته، فخرج وقتل بكربلاء على حدود العراق. أما ابن الزبير فعاذ بالبلد الحرام الذى لا يحلّ فيه القتل وسفك الدم، ولما يئس يزيد من بيعته له أرسل إلى عامل المدينة أن يأخذها منه كرها، فبعث
стр. 604
إليه بأخيه عمرو بن الزبير على رأس جيش، وكان بينهما مغاضبة، ولم يفلح هذا الجيش فى مهمته، وقبض عبد الله على أخيه وقتله تحت السياط.
وفى هذه الأثناء رأى عامل المدينة أن يبعث إلى يزيد بطائفة من أشرافها، ولما مثلوا بين يديه أكرمهم وأعظم جوائزهم، غير أنهم رجعوا يثيرون عليه الناس ويقولون:
«إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين ويشرب الخمر ويعزف بالطنابير وتضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب ويسامر الخرّاب والفتيان (١)». وثار أهل المدينة وبايعوا عبد الله بن حنظلة، فأرسل إليهم يزيد جيشا بقيادة مسلم بن عقبة المرّى ونشبت بين الفريقين معركة الحرّة المشهورة التى استبيحت فيها مدينة الرسول ﷺ ثلاثة أيام، وقد بكاها من الشعراء كثيرون (٢). وولّى بعد ذلك جيش مسلم وجهه نحو مكة، وسمع بذلك بعض الخوارج فنفروا لمساعدة ابن الزبير، وحدث أن توفّى مسلم فى طريقه، فخلفه الحصين بن نمير السّكونى، ومضى حتى حاصر مكة وابن الزبير، غير أن الأنباء جاءته بوفاة يزيد سنة ٦٤ للهجرة، ففكّ الحصار وعاد إلى الشام.
وهيّأ ذلك لأن تتسع دعوة ابن الزبير، فإن الأمصار اضطربت على ولاة بنى أمية حتى الشام، إذ بايع بعض ولاتها ابن الزبير ودعمته هناك قبائل قيس.
ولم تلبث مصر أن دخلت فى طاعته كما دخلت الكوفة والبصرة وخراسان، غير أن المختار الثقفى دعا لابن الحنفية (أحد أبناء على من سيدة من بنى حنيفة) فى الكوفة وأخرج منها عبد الله بن مطيع عامل ابن الزبير، الذى انتقم منه بحبس ابن الحنفية فى سجن عارم بمكة، وولّى على البصرة بدلا من عبد الله بن الحارث الملقب بالقباع أخاه مصعبا، فنازل المختار الثقفى وقضى عليه، وبذلك عادت الكوفة إلى الدخول فى طاعة ابن الزبير. وتلقانا فى هذه الأحداث أشعار كثيرة مبثوثة فى الطبرى.
ومنذ أول الأمر تدور الدوائر على قيس فى موقعة مرج راهط بالشام، ويخلص هذا الإقليم لمروان بن الحكم، وتتبعه مصر، وسرعان ما يخلفه ابنه
стр. 605
عبد الملك. فيتريث فى القدوم على مصعب بجيوشه، حتى يرى ما يكون من أمره مع المختار الثقفى. ويشغل مصعب بعد المختار بالخوارج، ويقدم عبد الملك فيقضى عليه، ويرسل الحجاج إلى ابن الزبير بمكة، فيهزمه ويقتله فى سنة ٧٣. وكان ابن الزبير شحيحا، ومن ثم هجاه فضالة بن شريك هجاء مرّا (١). أما مصعب فكان جوادا ممدّحا، ولذلك مدحه ورثاه غير شاعر (٢):
وبمجرد القضاء على ابن الزبير فى مكة دخل الحجاز فى طاعة بنى أمية، ولم يعد للثورة عليهم طوال العصر. أما العراق فكان موطن الخصومة الحقيقية لهم، إذ كان فيه الخوارج وخاصة فى البصرة لأول هذا العصر، وكان فيه الشيعة وخاصة فى الكوفة، وكان فيه كثير من أشراف العرب الذين كانوا يعدّون بنى أمية غاصبين للخلافة. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع انتقاض عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عليهم وكذلك انتقاض يزيد بن المهلب.
وكان هناك كثير من الرقيق الذين كانت تعاملهم الدولة فيما يظهر معاملة قاسية، مما جعلهم يثورون مرارا، مرة فى عهد المغيرة بن شعبة والى الكوفة (٣)، ومرة ثانية فى عهد مصعب، ومرة ثالثة فى عهد الحجاج، وكان الزنج هم الذين أشعلوا الثورتين الأخيرتين، وسجّل ذلك بعض الشعراء فى أشعارهم (٤).
على أن هذه الثورات الجانبية لا تقاس فى شئ إلى ثورات الخوارج التى امتدّ لهبها إلى أركان كثيرة فى العراق والموصل وإيران واليمامة وحضرموت وعمان. وكان أول ظهورهم عقب التحكيم بين على ومعاوية وما كان من رضا على به، فقد تنادى فريق من جيشه: لا حكم إلا لله، وبذلك شقّوا عصا الطاعة عليه، ولم يلبثوا أن عدّوه ومن معه ضالين وتجب الهجرة عنهم كما هاجر رسول الله ﷺ عن أهل مكة، وفعلا هاجروا إلى حروراء بالقرب من الكوفة، ولذلك سموا الحرورية. وسمّوا أيضا الخوارج، لأنهم خرجوا على الجماعة، أو لعلهم هم الذين سمّوا أنفسهم بذلك أخذا من قوله ﵎:
стр. 606
﴿(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ).﴾ وسمّوا أنفسهم الشّراة أخذا من قوله جلّ وعز: ﴿(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ).﴾ وكان الذى أثارهم أنهم رأوا عليّا ومعاوية يقتتلان على الخلافة، كأن الأمر ليس أمر الله إنما هو أمر أشخاص، فثاروا على ذلك ثورة عنيفة اعتبروها جهادا فى سبيل الله وسبيل دينه الذى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وجاهدوا عليّا، ولكنه نكّل بهم فى موقعة النهروان. ولم يلبث ابن ملجم المرادى أن قتله لينال رضا امرأة منهم (١). وتحولت مقاليد الخلافة إلى معاوية فرأوا فيه إماما زائفا، وأخذت تتكوّن عقيدتهم بسرعة حول محور ثابت هو أن الخلافة ينبغى أن لا تحتجزها قريش لنفسها من دون المسلمين، فهى ليست حقّا لقريش، إنما هى حق لله وينبغى أن يتولاها أكفأ المسلمين لها وخيرهم تقوى وورعا ولو كان عبدا حبشيّا. ومضوا يعتقدون أنهم وحدهم الجديرون بوصف الإسلام، مؤمنين بأنه لا يتجاوز حدود معسكراتهم، ومؤمنين أيضا بأن من واجبهم أن يجاهدوا الجماعة التى ارتضت الأمويين وما ثبّتوه من نظام الوراثة للخلافة فى بيتهم. وكانت آراؤهم تعمل عمل السّحر فى كثير من النفوس، فانضم إليهم كثير من العرب والموالى والأتقياء. ونراهم يغمدون سيوفهم لأول عهد معاوية، ولكن لا تلبث طائفة منهم أن تخرج فى الكوفة بقيادة المستورد بن علّفة سنة ٤٣ وسرعان ما يقضى عليهم. وتهدأ الكوفة حتى سنة ٥٨ فتثور منهم جماعة بقيادة حيان بن ظبيان وينتظرهم نفس المصير، ولا يعودون بعد ذلك إلى الظهور فى الكوفة، إذ لم يكن بها جمهورهم الكبير.
بل كان فى البصرة، وهى لذلك تعدّ مهد نشاطهم الأول. وقد تولّى أمرها زياد ابن أبيه، فأخذهم أخذا عنيفا اضطرّوا معه إلى الاستتار. وخلفه ابنه عبيد الله فمضى فى سياسته، وعنف بهم، فأكثر من حبسهم وقتلهم، وكان ممن قتله من رجالهم عروة بن أديّة ومن نسائهم البلجاء، ولم يلبث أبو بلال مرداس أخو عروة أن خرج فى أربعين رجلا إلى الأهواز سنة ٥٨ فبعث إليه ابن زياد جيشا عليه ابن حصن التميمى عداده ألفان، غير أن الجيش هزم هزيمة نكراء عند «آسك» فقال رجل من بنى تيم الله بن ثعلبة (٢):
стр. 607
أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويقتلهم بآسك أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم ... ولكنّ الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا
وأرسل إليه ابن زياد جيشا آخر بقيادة زرعة بن أسلم العامرى، فلم يكن حظه خيرا من حظ سابقه، حتى إذا كانت سنة ٦١ بعث إليه عباد بن علقمة فهزمه وقضى عليه. وقد تطايرت مع معاركه أشعار كثيرة.
وعاد الجيش المنتصر إلى البصرة، فتصدى عبيدة بن هلال الخارجى ونفر معه لقائده فقتلوه غيلة، وأخذ كثير من الخوارج يدعو للاقتداء بأبى بلال فى خروجه شعرا (١) وغير شعر. وسمع فريق منهم بأن جيشا سيسيّر لابن الزبير فى مكة، فخرجوا إليه ليعينوه ضدّ من سيهاجمونه هو والبلد الحرام.
وتوفّى يزيد فرجع أهل الشام إلى ديارهم، وانفضّ الخوارج من حول ابن الزبير، إذ رأوه لا يرى رأيهم، وفى مقدمتهم نجدة بن عامر الحنفى ونافع بن الأزرق وعبد الله بن الصفّار وعبد الله بن إباض. وذهبوا إلى البصرة، وأخذوا يدعون لمحاربة السلطان، وساعدهم فى شغبهم فرار عبيد الله بن زياد عقب وفاة يزيد إلى الشام وانتقاض تميم وحلفائها على الأزد ومن آزرها. وانتهز نافع بن الأزرق الفرصة فخرج بجمع كبير من الخوارج إلى الأهواز، وطرد منها عمّال ابن زياد، وتخلّف عنه نجدة بن عامر وابن الصفار وابن إباض، إذ رأوه يغلو فى آرائه، وذلك أنه كان يرى دار المسلمين دار كفر يجب الخروج عنها كما يجب تحريم ذبائحهم وميراثهم والتزوج منهم، وأيضا يجب قتلهم وقتل نسائهم وأطفالهم، وسلك ابن الأزرق معهم القعدة من الخوارج. وخالفه فى كل ذلك الثلاثة الذين سميناهم فقد ذهبوا إلى أن المسلمين ليسوا كفار دين لتمسكهم بالتوحيد والقرآن السنة، إنما هم كفار نعمة، ومن ثمّ بحل التزوج منهم كما يحل التوارث بينهم وبين الخوارج، وحقّا يجب جهادهم ولكن لا يصحّ قتل أطفالهم، وأجمعوا
стр. 608
على أن القعدة منهم ليسوا كفارا (١). ومضى نجدة بأصحابه الذين يسمون بالنّجدات نسبة إليه فنزل اليمامة، وأعلن هناك الجهاد، أما عبد الله بن الصفّار الذى تنسب إليه الصّفرية، لصفرة وجوههم من أثر العبادة (٢) فإنه لم يعلن الخروج، ومن أجل ذلك شاع القعود عن الجهاد بين أنصاره (٣).
وقد انضمّ إلى نافع بن الأزرق كثير من جموع الخوارج الذين دانوا برأيه، وهم يسمون الأزارقة نسبة إليه، وكان من بنى حنيفة، إلا أن أكثر أنصاره كانوا من بنى تميم، ولم يلبث أن جهّز جيشا كبيرا اتجه به إلى البصرة فخرج إليه مسلم بن عبيس فى جيش ضخم، وما زال يدافعه حتى كانت وقعة دولاب على نهر دجيل فى الأهواز وفيها قتل نافع ومسلم معا، وتوالت وقائع أخرى قتل فيها عبد الله بن الماحوز خليفة نافع. وتصدّى لهم المهلب فى سولاف ثم فى سلّى وسلّبرى، وانسحب الخوارج إلى الجبال بقيادة الزبير بن الماحوز، وهزمهم عمر بن عبيد الله بن معمر عند سابور، فانسحبوا إلى أصفهان وكرمان وتعقبهم هناك عتّاب بن ورقاء وقتل أميرهم الزّبير فولّوا عليهم قطرىّ بن الفجاءة وتقدّم بهم إلى العراق، فوجّه إليهم مصعب المهلب، فصدهم وما زال يناوشهم حتى قتل مصعب، وتحوّل الأمر إلى بنى أمية، فأرسلوا إليهم قوادا حالفتهم الهزائهم، حينئذ وجّه إليهم بشر بن مروان المهلب عدوّهم اللدود، وما زال يخضد من شوكتهم فى رامهرمز وسابور وكرمان، وتعقبهم إلى جيرفت، ولم يلبث أن دبّ الخلاف بينهم، وتحاربوا، إذ خرج على قطرىّ جماعة كبيرة من صفوفه بزعامة ابن عبد ربّ، وكان أكثرهم من الموالى. ورأى قطرى أن ينسحب بجموعه إلى طبرستان، وبذلك قضى المهلب سنة ٧٨ على عبد رب وأصحابه قضاء مبرما، وتعقبت جيوش أخرى قطريّا وصاحبه عبيدة بن هلال، وكللت جهودها بالنجاح،
стр. 609
وبذلك انتهت حروب الأزارقة التى استمرت نحو أربعة عشر عاما، وقد تطاير فيها شعر كثير (١).
وقد قلنا إن نجدة خرج بمن معه إلى اليمامة، فأخضعها، كما أخضع البحرين وعمان، وساعده اضطراب شئون الدولة فى عهد ابن الزبير على أن يتسع نفوذه فى اليمن وجزيرة العرب. غير أن خلافا نشب بينه وبين بعض أنصاره، فولّوا عليهم أبا فديك سنة ٧٢ وقد هاجم البصرة مرارا، غير أنه هزم فى سنة ٧٣ هزيمة ساحقة قضت على دولة النجدات قضاء مبرما.
وشاع مذهب الصّفرية فى الموصل، وشاع معه القعود عن الخروج إلى أن ظهر فيهم صالح بن مسرّح، وكان من وعّاظهم، فما زال يدبر للأمر حتى اجتمع حوله كثيرون، فخرج بهم فى سنة ٧٦ وأنزل بجيوش الحجاج هزائم متوالية، غير أنه لم يلبث أن قتل فى إحدى الوقائع، فنهض خليفته شبيب بن يزيد ومعه زوجته غزالة وأمه جهيزة بمقارعة الحجاج مقارعة عنيفة حتى لقد قتل خمسة قواد أرسلهم إليه واحدا بعد واحد. ودخل فى بعض غاراته مع زوجته غزالة على الحجاج فى الكوفة، فهرع إلى قصره، وتحصّن به منه، وبذلك جلّله بالعار. وفى إحدى حروبه نفر به فرسه فغرق فى نهر دجيل سنة ٧٧ غير أن ذكراه بقيت خالدة فى ذاكرة الخوارج. وظل صفرية الموصل بعده لا يهدءون فقد تجدد خروجهم فى عهد يزيد بن عبد الملك بقيادة شوذب، وقضت عليه جيوش الشام، وخرج بعده فى عهد هشام بهلول بن بشر، وقضت عليه جيوش خالد القسرى، وكان آخر ثوّارهم الضحاك بن قيس الذى استولى على العراق فى سنة ١٢٧ وبايعه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز واليها وسليمان بن هشام وصلّيا خلفه فقال شبيل بن عزرة الضّبعى (٢):
ألم تر أن الله أظهر دينه ... وصلّت قريش خلف بكر بن وائل
وأرسل إليه مروان بن محمد ابنه عبد الله ثم نازله بنفسه فقضى على ثورته.
стр. 610
وظل أنصار عبد الله بن إباض المسمون بالإباضية نسبة إليه لا يتحركون، حتى ظهر من أتباعه فى سنة ١٢٩ عبيد الله بن يحيى الملقب بطالب الحق فى حضرموت فاستولى عليها وعلى اليمن، وجهّز جيشا بقيادة أبى حمزة للاستيلاء على مكة والمدينة، واستولى عليهما غير أن جيشا أمويّا لقيه فى وادى القرى وهزمه هزيمة ماحقة فرّ على إثرها إلى مكة، وهناك لحقه الجيش وقتله، وتقدم هذا الجيش فقضى على عبيد الله بن يحيى وعاد الأمر إلى نصابه.
وكان الشيعة طوال العصر يعارضون بنى أمية جهرا وسرّا، وكان مركزهم الكوفة كما قدمنا، ويضطرّ زياد بن أبيه إلى العنف بهم كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع حتى إذا وجد أهلها الفرصة بعد وفاة معاوية كاتبوا الحسين ليذهب إليهم لأخذ البيعة، ويقبل الحسين فلا يخفّوا إلى نجدته، ويقتل فى كربلاء، ويتحوّل قتله فى نفوس الشيعة نارا حامية لا تزال تسيل عويلا وحرقا لاذعة (١). ثم تكون حركة التوّابين بزعامة سليمان بن صرد، ويقضى عليها، ويبكيهم أعشى همدان فى قصيدة طويلة كانت من المكتّمات فى أيام بنى أمية (٢).
ويتولى المختار بعد سليمان بن صرد قيادة الشيعة فى الكوفة، فيخرج عنها والى ابن الزبير، ويدعو دعوة صريحة لابن الحنفية، وهو-كما أسلفنا-ابن لعلى بن أبى طالب من امرأة من بنى حنيفة. وسرعان ما أخذت تتكون حول دعوته نظرية شيعية تسمى الكيسانية نسبة لمولى يسمى كيسان، وقيل بل كيسان هو المختار نفسه.
وتشترك هذه النظرية فى الأسس التى قام عليها التشيع، وهى أن الرسول ﷺ أوصى بالخلافة من بعده لعلى، فهى ليست مفوّضة للأمة، بل هى تنتقل بالوصية فى على وأبنائه المعصومين من الأئمة انتقالا طريقه النص. وزادت الكيسانية أفكارا غالية استمدتها من السبئية المنسوبين إلى عبد الله بن سبأ، وكان
стр. 611
يغلو فى تصور علىّ، حتى لقد زعم أن به قبسا إلهيّا ورثه عن الرسول، وهو ينتقل من بعده فى الأئمة واحدا تلو الآخر، وبذلك أشاع فكرتى الحلول والتناسخ، وأيضا فقد زعم أن عليّا سيعود فيملأ الأرض عدلا وعلما ونورا، وبذلك وضع أسس فكرة الرّجعة. ومضى يزعم أن الإمام لا يعلم علم الظاهر فحسب، بل هو يعلم أيضا علم الباطن لاطلاعه على أسرار الكون وخفايا المغيبات.
وكل هذه الأفكار انزلقت إلى الكيسانية (١) وزاد المختار عليها شعوذات (٢) كثيرة، من ذلك أنه كان يقول بالبداء على الله أى أن له أن يعدّل فى الأحكام كلما بدا له التعديل، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وإنما اعتنق هذا القول لأنه كان يدّعى علم ما يحدث من الأحوال بوحى يوحى إليه، فكان إذا وعد أصحابه بحدوث شئ، فإن حدث جعله دليلا على صدق دعواه، وإن لم يحدث يقول:
قد بدا لربكم. وكان يزعم أن محمد بن الحنفية هو المهدى المنتظر الذى يخلّص العالم من شروره، وكان يتكهن بالأسجاع، واتخذ لأشياعه كرسيّا غشّاه بالديباج وقال لهم: إنه من ذخائر أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وهو منكم بمنزلة التابوت فى بنى إسرائيل. وكان يكثر من إرسال حمامات بيضاء على جيوشه زاعما أنها ملائكة تنزل عليهم من السماء، وفى ذلك يقول سراقة (٣) البارقى وقد فرّ عنه (٤):
ألا أبلغ أبا إسحاق أنى ... رأيت البلق دهما مصمتات (٥)
كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... علىّ قتالكم حتى الممات
стр. 612
ويقول أعشى همدان (١).
شهدت عليكم أنكم سبئيّة ... وأنى بكم يا شرطة الكفر عارف
وأقسم ما كرسيّكم بسكينة ... وإن كان قد لفّت عليه اللفائف (٢)
وإن لبّس التابوت فتنا وإن سمت ... حمام حواليه وفيكم زخارف (٣)
ولعل أهم فرقة شيعية بعد فرقة الكيسانية لهذا العصر هى فرقة الزيدية أتباع زيد بن على الذى ثار فى الكوفة سنة ١٢١ لعهد هشام بن عبد الملك، وقتل كما مرّ فى غير هذا الموضع، وكان يؤمن بحقوق بيته فى الخلافة غير أنه لم يكن يؤمن بالنص فى الإمامة ولا ببقية الآراء الغالية عن الكيسانية وأشباههم، وكان يجوّز إمامة المفضول مع وجود الأفضل وبذلك جوّز إمامة أبى بكر وعمر مع وجود على، وذهب إلى أن كل فاطمى عالم زاهد سخى شجاع قادر على القتال فى سبيل الحق يخرج للمطالبة به يصح أن يكون إماما. وبكل ذلك كانت فرقة الزيدية-فى نشأتها-من أكثر فرق الشيعة اعتدالا (٤)، وشاعرها الأول الذى عاش يردّد نظريتها الكميت، وهاشمياته مطبوعة ومشهوره. وخرج بعد زيد ابنه يحيى ولكنه قتل سنة ١٢٥ دون غايته. وخرج من بعده عبد الله بن معاوية ابن عبد الله بن جعفر سنة ١٢٧ وانضم إليه كثيرون من أهل الكوفة، وانتهى أمره بخروجه إلى بلاد الجبل ثم فراره وقتله. غير أن رايات الشيعة لا تلبث أن تقدم من خراسان، وتكون نهاية بنى أمية.
ومن المحقق أن هذه الإنقسامات العنيفة فى صفوف الأمة العربية لعصر بنى أمية وما جرّت إليه بين أبنائها من تطاحن ومعارك دامية جعلها تنتكس صورتين من الانتكاس: صورة سياسية إذ ظلت طوال هذا العصر مشغولة بفتن وحروب داخلية لو لم تشغل بها لفتحت أكثر العالم ولتغيّر وجه التاريخ.
وصورة اجتماعية إذ انقسم الشعب أحزابا وصفوفا تتحارب وتتناحر فى سبيل
стр. 613
الحكم ومطامعه، ولو أنصفت الأمة لأخذت بنظرية الخوارج فأحقّ الناس بحكمها أصلحهم سواء أكان من البيت الهاشمى أو من البيت الأموى أو من أى بيت من بيوت العامة، فخير الأمة أنفعهم لإدارة شئونها ولو كان أبوه نجارا أو حدّادا أو راعيا من الرعاة. ومن الغريب أنهم أهملوا التفكير فى المصلحة العامة للشعب وما ينبغى أن يسوده من عدالة اجتماعية ومضوا يفكرون فى الخلافة ومن أحقّ بها من سواه، وكأنما انقلبت الوسيلة غاية، تسفك من أجلها الدماء.
وفى كل الأحداث التى قدمناها سواء منها ما يتصل بالشيعة والخوارج وثوراتهما وما يتصل بأشراف العرب وثوراتهم على الأمويين تروى كتب التاريخ أشعارا كثيرة، إذ كان الشعر يجرى على كل لسان، واتخذه الأمويون وخصومهم أداة للتعبير عن آرائهم السياسية المختلفة.
٤ - الحضارة
رأينا فى الفصل السابق كيف أن المدينة ومكة غرقتا فى نعيم الحضارة، بما صبّ فيهما من أموال ورقيق أجنبى وجوار وإماء. وبمجرد أن هاجر العرب من الجزيرة ومصّروا الأمصار ونزلوا فى بلدان الأمم المفتوحة أخذوا يتأثرون تأثرا واسعا بالحضارات الأجنبية، إذ كانت تحت أعينهم، وكانت حجورهم تمتلئ بأموال الفيئ وغنائم الحرب وما رسم لهم فى دواوين الدولة من رواتب ثابتة. وسرعان ما تحضروا، بل سرعان ما أترفوا، إذ ابتنوا القصور، وطعموا فى أوانى الذهب والفضة مختلف الأطعمة، ولبسوا الثياب الحريرية المزركشة، وتعطّروا بالمسك وغيره من أنواع الطّيب. وكان الموالى من ورائهم يهيّئون لهم جميع الأسباب لينعموا بكل ألوان الترف، إذ اكتظّت بهم قصورهم، يقول ابن خلدون:
«لما ملك العرب فارس والروم استخدموا بناتهم وأبناءهم، ولم يكونوا لذلك العهد فى شئ من الحضارة، فقد حكى أنه قدّم لهم المرقّق فكانوا يحسبونه رقاعا، وعثروا
стр. 614
على الكافور فى خزائن كسرى فاستعملوه فى عجينهم. فلما استعبدوا أهل الدول قبلهم واستعملوهم فى مهنهم وحاجات منازلهم، واختاروا منهم المهرة فى أمثال ذلك والقومة عليه، أفادوهم علاج ذلك والقيام على عمله والتفنن فى أحواله، فبلغوا الغاية من ذلك، وتطوّروا بطور الحضارة والترف فى الأحوال واستجادوا المطاعم والمشارب والملابس والمبانى والأسلحة والفرش والآنية وسائر الماعون والخرثىّ (١) فأتوا من ذلك وراء الغاية (٢)».
وقد ورث العرب فى الشام المدن هناك ولم يمصّروا أمصارا جديدة، وبذلك عاشوا فى نفس المدن والدور والقصور التى كانت قبل الفتوح تتنفّس الحضارة اليونانية الرومانية. وكان ذلك سببا فى سرعة تحضرهم، إلا من آثر منهم العيش فى البادية. وكانت هناك دمشق حاضرة الدولة التى أخذت تسيل إليها سيول الذهب والفضة من كل قطر، ثم توزّعها فى الناس من أهل الشام أولا ثم من أهل البلدان الأخرى، واستنّ لهم ذلك معاوية الذى كان يرد بالناس على أرجاء واد رحب (٣)، ويؤثر عنه أنه كان يقول إننا تمرغنا فى نعيم الدنيا تمرغا (٤). ويظهر إثم هذا النعيم فى ابنه يزيد الذى عرف عنه كما قدمنا أنه كان «يشرب الخمر ويعزف بالطنابير وتضرب عنده القيان ويلعب بالكلاب». ويخلفه مروان ابن الحكم وأبناؤه الذين أحاطوا أنفسهم بكل ما يمكن من أبهة الملك لا فى قصورهم التى كانت تزدان بالطنافس وتلمع على حيطانها الفسيفساء وصفائح الذهب وتترامى فى أفنيتها النافورات فحسب، بل أيضا فى بيوت الله، وعناية عبد الملك بالمسجد الأقصى وقبّته التى تعد إحدى عجائب الدنيا مشهورة، وكذلك عناية الوليد ابنه بالجامع الأموى فى دمشق وزخرفته بالرخام والفسيفساء والزجاج الملون أشهر من أن نقف عندها (٥)، ولا تزال من ذلك بقية إلى اليوم. وقد بسط هذه العناية على المسجد الحرام فى مكة، فأحاله تحفة رائعة (٦). ومما يذكر له من مآثر أنه عمّ بعطائه المجذّمين وقال لهم: لا تسألوا
стр. 615
الناس، وأعطى كل مقعد خادما وكل ضرير قائدا (١). وتفنّن الناس لعهده فى بناء الدور والقصور، وخلفه سليمان فصبّ عنايته على الملابس والمطاعم وتأثّره الناس لعهده تأثرا واسعا (٢). وتظهر ضريبة هذا الترف عند يزيد بن عبد الملك الذى وصفه أبو حمزة الإباضى، فقال: إنه «يشرب الخمر ويلبس الحلّة قوّمت بألف دينار. . . حبابة عن يمينه وسلاّمة عن يساره تغنيانه حتى إذا أخذ الشراب منه كل مأخذ قدّ ثوبه، ثم التفت إلى إحداهما فقال: ألا أطير» (٣) وقد أرسل فى طلب مغنى الحجاز، فجاءه منهم كثيرون.
ولم تكن حمول الذهب والفضة تحمل وحدها إلى بنى أمية من الآفاق، فقد كانت تحمل معها حمول الجواهر واللآلئ كما يحدثنا الجهشيارى (٤)، ويروى الطبرى أن يوسف بن عمر حمل إلى هشام بن عبد الملك لآلئ حبّها أعظم ما يكون وحجرا من الياقوت يخرج طرفاه من الكف، قوّم بثلاثة وسبعين ألف دينار (٥). وقد بلغ الترف أقصاه فى عهد الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذى عاش للهو والغناء، حتى تحوّل قصر الخلافة فى عهده إلى ما يشبه دارا كبيرة من دور اللهو، ويقولون إنه «كان يلبس حول عنقه قلائد ذهبية مرصّعة بالأحجار الكريمة، ويغيّرها فى اليوم مرارا كما تغيّر الثياب شغفا (٦)».
ومن المؤكد أن أفراد العرب فى الشام لم يتحولوا جميعا إلى مثل الوليد بن يزيد ولا إلى مثل أبيه فى هذا الترف الآثم، إنما المؤكد أنهم تحضروا وأن نفرا منهم أترفوا، بعضهم من أمراء البيت الأموى وبعضهم من الرعية. وبالمثل تحضّر من نزلوا فى الفسطاط والقيروان والأندلس، وكانت كثرتهم من عرب الشام، الذين أصابوا حظّا من الحضارة قبل الفتوح لنزولهم قديما فى تلك البيئة المتحضرة.
стр. 616
وإذا ولّينا وجوهنا نحو البصرة والكوفة وجدنا العرب هناك يتحضرون تحضرا واسعا رغم احتفاظهم بعصبياتهم القبلية، إذ ساكنوا الفرس وبقايا الآراميين وخالطوهم، وتحوّلت إليهم كنوز العراق وإيران وما كانوا يفتحونه من خراسان، حتى كان يقسم للفارس الواحد فى بعض الغزوات ثلاثون ألفا من الذهب (١)، ومن يرجع إلى ما كتبه البلاذرى فى فتوح البلدان عن تمصير الكوفة والبصرة تهوله كثرة القطائع التى تملّكها الناس هناك من عرب وموال أمثال مسمار مولى زياد وفيروز حصين وحسّان النبطى. وكانت الحمامات تدرّ فى البصرة لهذا العصر أموالا كثيرة، حتى ليروى أن بعضها كان يغلّ يوميّا ألف درهم، ولم يكن يتملكها العرب وحدهم، بل كان يتملكها أيضا الموالى. ومما يذكره البلاذرى من حماماتهم حمام أعين مولى سعد بن أبى وقاص وحمام فيل مولى زياد وحمام سباه الأسوارى.
ونرى العرب والموالى جميعا يتنافسون بالبصرة فى بناء القصور الفخمة، ويذكر البلاذرى منها قصر زربى مولى عبد الله بن عامر وقصر أبى نافع مولى عبد الرحمن بن أبى بكرة وقصر ابن الأصبهانى وقصر شيرويه الأسوارى الذى سمّى «هزار در» لأنه اتخذ فيه ألف باب. ومما يدلّ على مبلغ التأنق فى بناء هذه القصور ما يروى عن بعض التميميين بالبصرة من أنه طلب إلى معاوية أن يعينه فى بناء داره باثنى عشر ألف جذع (٢)، وكذلك ما يروى من أن عبيد الله بن زياد أنفق على داره هناك التى سماها البيضاء ألف ألف درهم وأنه ملأها بالرياش والطنافس وزخرف حيطانها بتصاوير الحيوانات (٣)، وفى نصوص كثيرة أنهم كانوا يحيطون قصورهم بالحدائق والبساتين (٤).
وتبع ذلك كله الرّفه والترف فى المطعم والملبس، حتى لنرى نفرا من الأتقياء يلبس الديباج والقلانس (٥)، ونراهم يكنون عن هذا التحول فى حياتهم بأنهم
стр. 617
طعموا الجردق ولبسوا النّمرق (١). وكانت الثياب والأطعمة تحمل إليهم من البلدان القريبة والبعيدة، ويروى عن الحجاج أنه كتب إلى عامل له بفارس «ابعث إلى بعسل من عسل خلاّر (٢)، من النّحل الأبكار، من الدّستفشار (٣)، الذى لم تمسّه النار (٤)». ومما يصور هذا الرفه فى العيش والتنعم ما يروى من أن عبيد الله بن زياد هيأ لأبيه حين توفّى ستين ثوبا ليكفنه فيها (٥)، فلم يعد الثوب ولا الثوبان ولا الثياب القليلة تكفى الكفن الواحد.
وطبيعى أن يعنوا فى ثنايا هذه الحياة الرّغدة بكثير من أسباب اللهو كسباق الخيل (٦) والصيد (٧) والقنص ولعبتى (٨) الشطرنج والنرد وسنرى أن كثيرين تورطوا فى إثم الخمر. وقد أخذت الكوفة تعنى بالغناء ولم تكتف بمن نشأوا فيها من أمثال حنين (٩) الحيرى وأحمد (١٠) النّصبى، فقد أخذت تستقدم المغنين والمغنيات من الحجاز، وتفتح لهم دورا يختلف إليها الناس كدار (١١) ابن رامين.
وسقط هؤلاء المغنون إلى كل بلد عربى، إذ نجد فى الفسطاط ابن أبجر (١٢) مغنى المدينة.
ونعم العرب فى خراسان بكثرة ما أصابوا من الأموال وفيئ الغنائم، وفى كتب التاريخ والأدب أخبار من ذلك تكاد تشبه الأساطير، منها أن عبد الرحمن بن زياد الذى ولاه معاوية أعمال خراسان سئل فى أثناء ولايته عما صار إليه من أموال فقال: إنى قدّرت ما عندى لمائة سنة، فإذا هو يبلغ فى كل يوم ألف درهم (١٣)، ويروى أن مصعب بن الزبير فى ولايته على العراق جاءه من هناك نخلة مصنوعة من الذهب، عثاكيلها من لؤلؤ وجوهر وياقوت أحمر
стр. 618
وأخضر، وقد قوّمت بألفى ألف دينار (١). ويروى أن الإصبهبذ فى طبرستان صالح يزيد بن المهلب فى بعض حروبه هناك على سبعمائة ألف درهم وأربعمائة ألف نقدا ومائتى ألف، وأربعمائة حمل زعفران وأربعمائة رجل، على كل رجل برنس، وعلى البرنس طيلسان ولجام من فضة وسرقة (شقّة) من حرير (٢). ويقال إن الجراح الحكمى واليها لعهد عمر بن عبد العزيز كان يتخذ تحت بساطه نقرا يملؤها ذهبا وفضة ويوزّعها على من يدخل عليه من أصحابه (٣). وكان الأمراء والدهاقين يقدمون على ولاة خراسان بالهدايا النفيسة، وقد قوّمت إحدى هداياهم لأسد بن عبد الله القسرى بألف ألف، وكانت قصرين: قصرا من فضة وقصرا من ذهب، وأباريق وصحافا من ذهب وفضة (٤). وكان الولاة بدورهم يرسلون بالهدايا إلى الخلفاء، ويروى أن نصر بن سيار أعدّ للوليد بن يزيد هدية من الجوارى والبراذين الفارهة وأباريق الذهب والفضة وتماثيل الظباء والسباع وأنه أرسل له بكثير من آلات الطرب (٥).
ووسط هذه الأمواج من الأموال تحضّر العرب فى خراسان، بل أترفوا ترفا شديدا، حتى لنرى بعض الولاة يقول إن فيئ خراسان لا يفى بمطبخى (٦)! ويقال إن يزيد بن المهلب كان يتخذ ألف خوان يطعم عليها الناس (٧). وتدل نصوص كثيرة على أن العرب تأقلموا هناك، فلبسوا السراويل والطيالسة والقلانس القصيرة والطويلة (٨)، واحتفلوا بعيد النيروز والمهرجانات، واختلفوا إلى سماع الطبول والمزامير (٩)، وشرب كثير منهم النبيذ حتى اضطرّ بعض الولاة لتفشيه فى الجند إلى أن يعاقب عليه بالقتل (١٠).
وفى كل مكان نجد آثار هذا الترف. وفى كتاب الأغانى تراجم كثيرة لمن كانوا يسرفون على أنفسهم فى شراب الخمر لا فى خراسان فقط، بل أيضا
стр. 619
فى العراق وفى الحجاز، ولم تكن الخمر وحدها ضريبة هذا الترف، فقد ظهرت فى المدينة طائفة من المخنّثين، كانوا يتشبّهون بالنساء فى ثيابهن وعاداتهن من مثل تضفير الشعر وتصفيفه وصبغ الأظافر بالحنّاء، مما اضطر سليمان بن عبد الملك أن ينزل بهم عقابا صارما (١).
وطبيعى أن يمتد هذا الترف إلى النساء العربيات فقد كان الجوارى يزاحمنهنّ فى قلوب الرجال، فتفنّنّ فى زينهن تفننا واسعا، على نحو ما حكينا ذلك فيما أسلفنا عن السيدة سكينة بنت الحسين. ويروى أن مصعب بن الزبير أهدى زوجته عائشة بنت طلحة بن عبيد الله ثمانى حبّات من اللؤلؤ، قيمتها عشرون ألف دينار، ولما دخل عليها بهديته وجدها نائمة فأيقظها ليقدّمها إليها، فلما رأتها قالت له غير آبهة: لقد كان النوم أحبّ إلىّ (٢). ويروى الأغانى أن عاتكة بنت يزيد ابن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان استأذنته فى الحج فقال لها: ارفعى حوائجك واستظهرى فإن عائشة بنت طلحة تحجّ، ففعلت، وجاءت بهيئة جهدت فيها. فلما كانت بين مكة والمدينة إذا موكب قد جاء فضغطها وفرّق جماعتها، فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة، فسألت عنها، فقالوا:
هذه خازنتها، ثم جاء موكب آخر أعظم من ذلك، فقالوا: عائشة، عائشة، فضغطهم، فسألت عنه، فقالوا: هذه ماشطتها. ثم جاءت مواكب على هذه الهيئة إلى سننها، ثم أقبلت كوكبة فيها ثلاثمائة راحلة، عليها القباب والهوادج، فقالت عاتكة: ما عند الله خير وأبقى (٣).
٥ - الثقافة
إذا أخذنا نحلل عناصر الثقافة العربية فى هذا العصر وجدناها تعود إلى ثلاثة جداول مهمة: جدول جاهلى وجدول إسلامى وجدول أجنبى. فأما الجدول الجاهلى فيبدو فى الشعر والأيام ومعرفة أنساب القبائل وتقاليد الجاهلية، وقد
стр. 620
أقبل العرب يعبّون من هذا الجدول عبّا، وكأنما صفّوا عليه صفوفا، وسرعان ما ظهر من بينهم علماء كثيرون يتخصصون بمعرفة الشعر وروايته والأنساب وتشعباتها وأخبار الجاهلية وأيامها مثل عبيد بن شريّة راوية الأخبار اليمنية، ودغفل بن حنظلة النّسّابة والنّخّار بن أوس العذرى وزيد بن الكيّس النّمرى وشهاب بن مذعور وبنى الكّواء وغيرهم كثيرون. وفى أهل هذه الطبقة يقول مسكين الدارمى (١):
وحكّم دغفلا وارحل إليه ... ولا ترح المطىّ من الكلال
تعال إلى بنى الكّواء يقضوا ... بعلمهم بأنساب الرجال
هلمّ إلى ابن مذعور شهاب ... ينبّئ بالسّوافل والعوالى
وعند الكيّس النّمرىّ علم ... ولو أضحى بمنخرق الشّمال
وأما الجدول الإسلامى فيبدو فى القرآن الكريم وحديث الرسول ﷺ وسيرته وغزواته. ثم فى الفتوح الإسلامية وأحداثها وحروب على وخصومه.
وقد أخذ هذا الجدول يتشعب شعبتين كبيرتين: شعبة تاريخية تعنى بتاريخ الإسلام على نحو ما يصور لنا ذلك أبان بن عثمان بن عفان وعروة بن الزبير فى اهتمامهما بمغازى الرسول، وكان هناك من عنوا بجمع أخبار أهل الكتب السماوية مثل وهب بن منبّه. وشعبة دينية تعنى بقراءات القرآن وبالحديث النبوى وما يتصل بهما من تشريع وفقه، وقد ألّف أصحاب هذه الشعبة فى كل بلد إسلامى مدرسة كبيرة يأخذ فيها الخلف عن السلف، واشتهر من بينهم بمكة تلاميذ ابن عباس وعلى رأسهم عطاء وعكرمة وبالمدينة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومولاه نافع وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن أذينة والزّهرى وباليمن طاووس وبالكوفة تلاميذ ابن مسعود وعلى رأسهم الشّعبى وسعيد بن جبير وشريح بن الحارث القاضى وبالبصرة ابن سيرين والحسن البصرى وقتادة وإياس بن معاوية ومالك بن دينار وبخراسان الضحاك بن مزاحم وبالشام شهر بن حوشب ومكحول والأوزاعى وبمصر الصابحى ويزيد بن عبد الله البربى.
стр. 621
وهذان الجدولان الإسلامى والجاهلى أخذت تنشأ حولهما طبقة من المعلمين العامين الذين كانوا يعلمون الناشئة القرآن والشعر وما يتصل بهما. وكان منهم معلمون لأولاد الخاصة (١) من خلفاء بنى أمية وأمرائهم وولاتهم مثل عبد الصمد ابن عبد الأعلى، ومعلمون لأولاد العامة فى كتاتيب القرى، وقد اشتهر الحجاج الثقفى بأنه هو وأباه كانا معلّمين بالطائف. ومن هؤلاء المعلمين الكميت بن زيد وكان يعلم الصبية بالكوفة، وكان يقابله فى مكة عطاء بن أبى رباح وفى خراسان الضحاك بن مزاحم وفى الرّىّ الطرماح، وفيه يقول بعض من شاهدوه هناك: «لقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده وكأنهم قد جالسوا العلماء (٢)».
وكان يلتقى بهذين الجدولين الإسلامى والجاهلى جدول ثالث أجنبى جاء العرب من ملابستهم للأمم الأجنبية فقد اندفعوا يطلبون كل ما لدى هذه الأمم من معارف تطبيقية نافعة، فتعرّفوا على تخطيط المدن وعمارة المبانى وطريقة استغلال الأرض وشق التّرع والقنوات، كما تعرفوا على طرق جباية الخراج وضبط الدواوين، ونقلوا فى ذلك عن الفرس والروم كثيرا. وكانوا فى أول الأمر يستعينون بالأولين فى دواوين العراق وفارس وخراسان وبالأخيرين فى دواوين مصر والشام، وظلوا على ذلك إلى عصر عبد الملك، إذ عرّبت تلك الدواوين.
وقد دفعتهم حروبهم مع الروم لإنشاء الأساطيل واقتباس بعض أساليبهم الحربية.
ولم يقف العرب فى تأثرهم بالأجانب عند المعارف التطبيقية النافعة، فقد تحولوا إلى المعارف النظرية البحتة يدرسونها، وكانت تنتشر فى البلاد التى فتحوها الثقافة الهيلينية، وهى مزيج من الثقافة اليونانية وثقافات شرقية مختلفة دينية وغير دينية. وكانت تعنى بهذه الثقافة مدرسة جنديسابور فى إيران ومدارس أخرى فى الرّها ونصيبين وأنطاكية وقنّسرين وحرّان والإسكندرية كما كانت تع؟ ؟ ؟ بعض الأديرة فى العراق والشام ومصر. وكان المعلمون
стр. 622
فى هذه الأديرة والمدارس يعتمدون غالبا على مصادر سريانية ويونانية، وممن اشتهر منهم فى هذا العصر «سويرس سيبوخت» أسقف دير قنسرين وتلميذه يعقوب الرهاوى وجورجيس أسقف حوران، وكانوا جميعا يعنون بالمنطق الأرسططاليسى والفلسفة اليونانية (١).
وطبيعى أن يتصل العرب بهذه الفلسفة وذلك المنطق، إذ كانوا ناشرين لدينهم، وكانوا يجادلون النصارى وغيرهم من أصحاب الملل، وقد اشتهر يوحنا الدمشقى الذى كان يشرف على الشئون المالية لغير خليفة أموى بأنهم كانوا يكثرون من جداله، وله مصنفات مختلفة، منها محاورة مع بعض المسلمين فى ألوهية المسيح ونظرية حرية الإرادة (٢). وقد مضى العرب يطلبون الوقوف على ما عند القوم من وجوه الاستدلال المنطقى، حتى يستعينوا على دحض الشّبه، ويدعموا جدالهم بالحجج القاطعة. وينبغى أن نلاحظ أن كثيرين من حملة هذه الثقافة الهيلينة المتشعبة أسلموا، وتحولوا يدافعون عن الإسلام ويردون على خصومه.
وبذلك لم تنتظر طويلا هذه الثقافة وما يتصل بها من المنطق حتى تترجم، فقد كان أهلها يعرّبون تعريبا تامّا، ومن ثم انتقلوا بها إلى العربية. وبين أيدينا أخبار تدل على أن العرب اهتموا بالترجمة منذ هذا العصر، فمن ذلك ما يروى عن خالد بن يزيد بن معاوية من أنه استعان براهب رومى يسمى ماريانس ليعلمه الكيمياء (٣)، كما استعان بأصطفن القديم، ويقول الجاحظ: «هو أول من ترجمت له كتب النجوم والطب والكيمياء (٤)» ويذكر ابن النديم بعض كتبه فى ذلك (٥).
وفى أخبار عمر بن عبد العزيز أنه أمر ماسرجويه البصرى أن يترجم من السريانية إلى العربية كتابا فى الطب للقس أهرن بن أعين (٦)، وقد ذكر الحكم بن
стр. 623
عبدل الكوفى أهرن وطبّه فى بعض شعره (١). ويروى أن سالما مولى هشام بن عبد الملك ترجم بعض رسائل لأرسطاليس (٢). كما يروى أنه نقل لهشام كتاب عن الفارسية يتحدث عن الدولة الساسانية ونظمها السياسية. (٣)
وهذه الأخبار القليلة عن الترجمة فى عصر بنى أمية إنما هى رمز للحقيقة الكبيرة، حقيقة تحول الثقافة الهيلينية إلى حجور العرب بكل ما كان فيها من منطق يونانى ومعارف مختلفة، ومن المؤكد أن هذا التحول لم يتأخر إلى العصر العباسى كى يتم، أو كى تتم دورته، فقد كان كل شئ فى هذا العصر الأموى يدفع إلى تمامه، لا عن طريق الترجمة فحسب، بل أيضا كما قلنا آنفا عن طريق المشافهة وانتقال الشعوب المفتوحة إلى الإسلام والعربية بكل كنوزها الفكرية ومعارفها العقلية.
ومعنى هذا كله أن العقل العربى دعم فى هذا العصر بمواد ثقافية كثيرة، وهو دعم نجد آثاره فى ازدهار العلوم الإسلامية الخالصة: علوم الفقه والتفسير والحديث، كما نجد هذه الآثار فى كثرة المناظرات التى نشبت بين الآراء المختلفة فى السياسة والدين وغير السياسة والدين. وارجع إلى أخبار الخوارج فستجدهم يثيرون الجدال فى كل مكان، وجدالهم مع على بن أبى طالب وعبد الله بن عباس مشهور، ويروى أن عبد الملك بن مروان أتى برجل منهم، فجعل يبسط له من قولهم ويزين له من مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة، حتى قال عبد الملك: لقد كاد يوقع فى خاطرى أن الجنة خلقت لهم وأنى أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثبّت الله علىّ من الحجة وقرّر فى قلبى من الحق (٤). وهذا رجل من عامتهم فما بالنا بزعمائهم، ويشيد المبرد فى كتابه «الكامل» بقدرتهم على الجدل واستظهار الأدلة والبراهين (٥)، وقد جعلهم
стр. 624
ذلك يختلفون ويتوزعون فرقا من أزارقة ونجديّة وصفرية وإباضية، وشكا زيد بن جندب من هذا الاختلاف بينهم، فقال (١):
كنّا أناسا على دين ففرّقنا ...؟ ؟ ؟ الجدال وحلط الجدّ باللّعب
ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الخطب
وكان الشيعة على شاكلتهم ينافحون عن عقيدتهم، واختلفوا هم الآخرون وتجادلوا فيما بينهم، وجادلوا أصحاب الفرق التى عاصرتهم، وممن اشتهر بإحسانه للجدال منهم زيد بن على بن الحسين مؤسس مذهب الزيدية الشيعى، وقد تحول شاعره الكميت بأشعاره الملقّبة بالهاشميات إلى تقرير نظرية هذا المذهب وكأننا لا نقرأ عنده شعرا، وإنما نقرأ مقالة فى المذهب الزيدى تبسط أصوله وتدافع عنه بالحجج والبراهين.
وإذا انتقلنا من السياسة إلى الدين وجدنا الفقهاء يتجادلون طويلا فى مسائلهم الفقهية بين أيدى الخلفاء وفى مجالسهم العامة والخاصة، وتروى من ذلك مناظرة (٢) بين قتادة والزّهرى فى مجلس سليمان بن عبد الملك وأخرى (٣) بين ابن شبرمة وإياس بن معاوية، تناولا فيها نحو سبعين مسألة. ويروى أن الشّعبى الكوفى كان يجلس فى مجالسه وحوله تلاميذه يناظرونه (٤). وقد كثرت هذه المناظرات حتى نشأ عنها علم الاختلاف أى اختلاف الفقهاء. وكان أيوب السّختيانى يقول: «لا يعرف الرجل خطأ معلمه حتى يسمع الاختلاف (٥)»، وأداهم ذلك إلى تحكيم العقل فى آرائهم والتدقيق فى مسالك أدلتهم حتى نشأ بينهم من سمّوا أهل الرأى لغلبة القياس على فقههم (٦).
وقد تجادلوا طويلا فى مسائل العقيدة، وسرعان ما أخذ علم الكلام فى الظهور وتكونت فيه مذاهب القدرية والجبرية والمرجئة والمعتزلة، وكان من أهم المسائل التى أثيرت بينهم مسألة حرية الإرادة، وهل الإنسان حر مختار فى أفعاله أو هو
стр. 625
مجبر مسيّر؟ ووقف القدرية وعلى رأسهم الحسن البصرى يدافعون عن الرأى الأول، إذ لو كان الإنسان مسيّرا بقضاء لازم وقدر محتوم لبطل الثواب والعقاب وسقط وعد الله ووعيده.
واصطفّ أمام القدرية أصحاب مذهب الجبر يناضلون عن مذهبهم وأن كل شئ بقضاء وقدر. وكان هذا المذهب يرضى الأمويين، لأنه يصرف الناس عن التفكير فى ولايتهم وتدبيرهم لشئونهم، مؤمنين بأن خلافتهم قدر مقدور يجب عليهم التسليم به، ومن ثم نرى شعراءهم يردّدون هذه الفكرة طويلا على شاكلة قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان (١):
الله طوّقك الخلافة والهدى ... والله ليس لما قضى تبديل
وانبثقت من هذا المذهب ومذهب القدرية شعبة المرجئة فكان هناك جبرية مرجئة وقدرية مرجئة، وكانوا يرون الفصل بين الإيمان والعمل، فالمؤمن مسلم وإن لم يؤدّ الفروض الدينية، إذ المعوّل فى الإيمان على التصديق بالقلب. وكانوا يرون أيضا إرجاء الحكم على أعمال الناس وتركه إلى الله ﷻ ، ومن ثمّ رأوا إرجاء الحكم فى أمر على وعثمان ومعاوية حتى يحكم الله بينهم. وجعلهم ذلك يصطدمون بالدولة، لما تنتهى إليه دعوتهم من تعطيل أحكام الدين وأوامره ونواهيه، ويلقانا منهم أبو رؤبة سنة ١٠٢ فى نفر من أصحابه يحارب مع يزيد ابن المهلب فى ثورته على الأمويين (٢). وفى أخبار عمر بن عبد العزيز أنه طلب أئمتهم فى الكوفة من أمثال عون بن عبد الله بن عتبة الهذلى، وناظرهم فى آرائهم (٣). ونرى عونا يرجع من عنده، فيبرأ منهم، وينضم إلى الشيعة، مصورا ذلك فى أبيات تنسب إليه تجرى على هذا النمط (٤):
وأول ما نفارق غير شكّ ... نفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من أهل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا
وقالوا مؤمن دمه حلال ... وقد حرمت دماء المسلمينا
стр. 626
وواضح أنه يصف المرجئة بأنهم يستحلّون دماء المسلمين مما كان سببا فى تعقب الأمويين لهم، وقتلهم أحيانا على نحو قتل هشام بن عبد الملك لغيلان (١) الدمشقى.
ولم يعرف هذا المذهب فى العراق والشام فحسب، فقد كان له أنصار فى خراسان، ومن قدماء أنصاره هناك ثابت قطنة وهو من مرجئة الجبرية، وله قصيدة طويلة يصور فيها عقيدته، يقول فى تضاعيفها (٢):
المسلمون على الإسلام كلّهم ... والمشركون أشتّوا دينهم قددا (٣)
ولا أرى أن ذنبا بالغ أحدا ... م الناس شركا إذا ما وحّدوا الصّمدا
وما قضى الله من أمر فليس له ... ردّ وما يقض من شيء يكن رشدا
كلّ الخوارج مخط فى مقالته ... ولو تعبّد فيما قال واجتهدا
أما علىّ وعثمان فإنهما ... عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا
ويتوفّى ثابت، ويظهر هناك جهم بن صفوان أحد رءوس الإرجاء (٤) ويضع يده فى يد الحارث بن سريج ويشعلان ثورة عنيفة على الأمويين، ويقضى عليها بعد صراع مرير.
وقد انبثق من مذهب القدرية مذهب جديد هو مذهب الاعتزال، وكانت المشكلة الأولى التى انبثق عنها هذا المذهب هى مشكلة مرتكب الكبيرة، إذ كان الخوارج يرون أنه كافر، بينما كانت المرجئة ترى أنه مؤمن، وكان الحسن البصرى ومن تابعوه من القدرية يرون أنه مؤمن فاسق فأظهر واصل بن عطاء القول بأنه غير مؤمن ولا كافر، بل هو فى منزلة بين المنزلتين. وأثار ذلك جدالا عنيفا بينه وبين أصحابه من القدرية، ودفع الحسن عمرو بن عبيد ليجادله فيه، فأقنعه واصل برأيه (٥)، وبذلك فارقا معا مذهب الحسن، وسميّا هما ومن
стр. 627
تابعهما باسم المعتزلة. وقد اجتذبا إلى آرائهما كثيرا من الأتباع والدعاة، تسندهما فى ذلك دراسة مستفيضة لآى القرآن الكريم وعقل دعماه بالمنطق وأدلته الدقيقة. ومضى أتباعهما على شاكلتهما يجمعون بين الدين والفلسفة، فازدهر الاعتزال وأصبح فى العصر العباسى الأول أهم مذاهب المتكلمين،
وإنما أطلنا فى هذا الجانب لندل على أن العقل العربى فى عصر بنى أمية أمدّته روافد كثيرة، دعمته دعما، مما كان له آثار بعيدة فى أشعار الشعراء، إذ كانوا مندمجين فى الفرق السياسية والعقيدية وما نشب بينها من مجادلات، ويسوق الرواة من ذلك مجادلة بين ذى الرّمّة ورؤبة فى القدر، وكان أولهما قدريّا وثانيهما جبريّا (١). وبتأثير هذه المجادلات تحوّل جرير والفرزدق يتجادلان جدالا عنيفا فى عشيرتيهما من جهة وفى قيس وتميم من جهة ثانية على نحو ما هو معروف فى نقائضهما، وكأنهما يتحولان بشعر الهجاء والعصبيات القديم إلى ما يشبه مقالات أهل النّحل. وكلّ ذلك من آثار هذا التطور الذى أصاب العقل العربى، والذى جعله يندفع فى البحث والمناظرة والتدرب على جمع البراهين والأدلة فى أى موضوع يعرض له.
وكان من ثمار هذا التطور أيضا أن رأينا بعض الشعراء يسعى بشعره إلى غاية تعليمية، إذ أخذ بعض الشعراء المعلمين من أمثال الكميت والطّرمّاح يحشدون فى أشعارهم أوابد اللغة وشواردها، ليعينوا الناشئة على معرفتها. ولم يلبث الرّجّاز وعلى رأسهم العجّاج ورؤبة أن قدّموا من ذلك مادة وفيرة للناشئة ولعلماء اللغة.
٦ - الاقتصاد وموقف العرب من الموالى
لا ريب فى أن للمؤثرات الاقتصادية أثرا كبيرا فى حياة الإنسان، وبالتالى فى كل ما ينتج من أعمال وآثار. وإذ أخذنا ننظر فى حياة الشعراء لهذا العصر وجدنا للاقتصاد أثره العميق فى اتجاهاتهم، وهل نستطيع تفسير شيوع الغزل
стр. 628
المادى الصريح فى مدن الحجاز وانتشار الغزل العذرى العفيف فى نجد وبيئات البوادى إلا بردّ ذلك إلى نعومة العيش وما كان ينعم به سكان تلك المدن من ثراء عريض ثم ما كان فيه سكان نجد والبوادى من شظف العيش وخشونته، ولا ننكر أثر الإسلام فى نفوسهم، غير أننا لا ننكر أيضا أثر نظام الحياة الاقتصادى ومدى عمله فى النفوس. وبالمثل نحن لا نستطيع تفسير شيوع المديح فى العراق وخراسان وما كان يهبط منه إلى دمشق إلا بردّ ذلك إلى ظهور طبقة ضخمة من الأثرياء كانت أخلاطا من الحكام الذين أداروا شئون الدولة فى الخراج وغير الخراج ومن الأغنياء الذين ملكوا الإقطاعات، بينما ظل وراءهم جميعا جمهور كبير، يتلقى منهم رزقه إما بالعمل لهم وإما بما يقدّم لهم من مديح، يقول ذو الرّمّة (١):
وما كان مالى من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كلّ رحلة ... إلى كل محجوب السّرادق خضرم (٢)
وقد مضى كثيرون من أصحاب الثراء العريض يحققون لأنفسهم كل ما تصبو إليه نفوسهم من صور الترف مما أدّى، وخاصة فى أواخر العصر، إلى ذيوع شعر الخمر والمجون وانتشاره.
وإذا ذهبنا نتعمّق النزاع السياسى الحادّ الذى نشب طوال العصر وتكونت بسببه فرق الزبيريين والشيعة والخوارج رأيناه يعود فى كثير من جوانبه إلى بواعث اقتصادية، فقد كانت هذه الفرق ترى الأمويين متسلطين على أموال الدولة ينثرونها على أنصارهم ومن يلوذون بهم دون نظر إلى مصلحة الجماعة. وذهب الزبيريون إلى أنه لا يمكن تحقيق هذه المصلحة إلا بعودة الخلافة من دمشق إلى الحجاز وتحرير الناس من تحكم القبائل اليمنية التى جعل لها الأمويون معظم السلطان، وذهبت الشيعة إلى أن هذه المصلحة لا يمكن أن تتحقق إلا على يد علوية تحمل الناس على الجادّة، بينما ذهب الخوارج إلى أنه لا يمكن أن تتحقق إلا بردّ الأمر إلى الأمة لتختار أولياءه الصالحين، ومضوا يجاهدون الأمويين جهادا عنيفا.
стр. 629
وتدل دلائل كثيرة على أن ولاة بنى أمية ومن كانوا يقيمونهم على شئون الخراج والزكاة كانوا يستغلون وظائفهم فى جمع ثروات ضخمة، غير مراعين فى ذلك إلاّ ولا ذمة، فالمهلّب مثلا حين صرفه الحجاج عن الأهواز وجده قد احتجن لنفسه من بيت المال ألف ألف درهم (١)، بينما احتجن ابنه يزيد حين صرف عن خراسان لنفسه من بيت المال ستة آلاف ألف درهم (٢)، ويقال إن راتب خالد القسرى فى ولايته على العراق كان عشرين ألف ألف درهم، ولم يكن يكفيه كل هذا الراتب، إذ كان يستصفى لنفسه-بوسائل غير مشروعة-ما يزيد على مائة ألف كل عام، وقد استخرج منه ومن موظفيه يوسف الثقفى حين ولى بعده العراق سبعين ألف ألف (٣). وكأنما أصبحت الولاية على الناس السبيل غير الشريف للثروة الضخمة والغنى العريض، حتى لنرى أنس بن أبى أناس يقول لحارثة بن بدر الغدانى التميمى حين ولى على سرّق إحدى كور الأهواز (٤):
أحار بن بدر قد وليت إمارة ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وعلى هذا النحو أصبحت الولاية على الأقاليم والكور مقترنة بالخيانة والسرقة، وعمّ هذا الفساد، حتى بين السعاة الذين كانوا يجمعون الزكاة فى نجد داخل الجزيرة العربية، على نحو ما تصوّر ذلك شكوى الراعى التى وجّه بها إلى عبد الملك بن مروان، وفيها يصف سنة مجدبة أصابت قومه بنى نمير. ومع ذلك فرض عليهم السعاة فروضا ثقيلة، فلما لم يؤدوها صبّوا عليهم السّياط وأرهقوهم من أمرهم عسرا، ومن قوله فى تلك الشكوى المريرة (٥):
أخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
إن السّعاة عصوك يوم أمرتهم ... وأتوا دواهى لو علمت وغولا
فادفع مظالم عيّلت أبناءنا ... عنا وأنقذ شلونا المأكولا (٦)
стр. 630
وإذا كان هذا يحدث فى نجد والبوادى فما كان يحدث فى العراق وخراسان أدهى وأمرّ، فقد مضى الولاة وجباة الخراج يعتصرون الناس بفرض ضرائب استثنائية كثيرة، مما ملأ عليهم القلوب غيظا وحنقا والنفوس سخطا ووجدا، فارتفعت الأصوات تطالب بالأمانة فى الحكم لا فى عهد بنى أمية فحسب، بل أيضا فى عهد الزبيريين، ومن خير ما يصور ذلك قصيدة طويلة لابن همّام السّلولىّ وجّه فيها لابن الزبير شكوى عنيفة من عمّاله فى العراق ومن أقامهم هناك على الخراج، وهو يستهلها بقوله (١):
يابن الزّبير أمير المؤمنين ألم ... يبلغك ما فعل العمّال بالعمل
باعوا التّجار طعام الأرض واقتسموا ... صلب الخراج شحاحا قسمة النّفل (٢)
وقد مضى يسميهم واحدا واحدا مصورا لخيانتهم فى الحكم ومطالبا بمحاسبتهم على ما استخلصوا من أموال لأنفسهم ظلما وعسفا.
ويظل الناس متحمّلين من هذا العسف والظلم ما يطاق وما لا يطاق إلى أن ولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، فأمر برفع المظالم عنهم وإلغاء كل لون من ألوان الضرائب الاستثنائية، كما أمر بحطّ الجزية عمن أسلموا من الموالى.
وبعث على العراق وخراسان عمّالا جددا ينفذون سياسته العادلة، ومع ذلك ظلت الشكوى قائمة، فقد قام إليه رجل وهو على المنبر فقال (٣):
إن الذين بعثت فى أقطارها ... نبذوا كتابك واستحلّ المحرم
طلس الثياب على منابر أرضنا ... كلّ يجور وكلّهم يتظلّم (٤)
ويناديه كعب الأشقرى من خراسان (٥):
إن كنت تحفظ ما يليك فإنما ... عمّال أرضك بالبلاد ذئاب
لن يستجيبوا للذى تدعو له ... حتى تجلّد بالسيوف رقاب
стр. 631
ويتوفّى عمر بن عبد العزيز سريعا، ويعود العسف والظلم. ويثور الحارث ابن سريج بخراسان فى العقد الثانى من القرن الثانى مطالبا برفع الجزية عمن أسلموا من الموالى، ويتولّى هناك نصر بن سيار فى العقد الثالث، ويرفع الجزية عن الموالى مثبّتا للخراج على الأرض.
ولا بد أن نفرق هنا بين معاملة العرب للموالى ومعاملة الدولة لهم فإن الدولة إذا كانت قد تعسفت معهم أحيانا فإن العرب ظلوا يرعون لهم أخوتهم فى الإسلام.
ويسوق المستشرقون دليلا قويّا على سوء معاملة الدولة لهم ما حدث فى أيام الحجاج إذ هاجر كثير من موالى السّواد فى العراق إلى البصرة والكوفة، فأمر بردّهم إلى قراهم ونقش أسمائهم على أيديهم حتى لا يبرحوها (١) وظاهر الحادث عنف شديد فى الظلم ولكن قد يكون الحجاج اضطرّ إلى ذلك لتعطل الزراعة فى السواد وبالتالى تعطل الخراج الذى كان ينفق منه على تجهيز الجيوش إلى خراسان وغير ذلك من شئون ولايته.
ولم ينكر عمر بن عبد العزيز وحده الجزية التى كانت مفروضة على مسلمى الموالى، فقد كان ينكرها جماعة الأتقياء والقرّاء، لأنها تخالف نصوص الإسلام، وأنكرتها جميع الفرق المعارضة للدولة من خوارج وشيعة ومرجئة، وما زالت الأمة تلح فى إنكارها إلحاحا حتى رفعت عنهم بأخرة من العصر.
وقد عقد ابن عبد ربه فصلا فى العقد الفريد، صوّر فيه العرب يسيئون فى المعاملة إلى الموالى لعصر بنى أمية إساءة بالغة (٢). غير أن بين أيدينا أخبارا كثيرة تشهد بأنهم لم يكونوا يضطهدون أحرارهم ولا أرقاءهم، فقد ذكر ابن حبيب أن نحو ثلاثين من الرقيق فى الكوفة والبصرة نبه شأنهم حتى أصبحوا من أرباب السيادة والشرف (٣). أما ما يلاحظه قلهوزن من أنهم كانوا يحاربون فى جيش المختار رجالة لا فرسانا (٤) فلعل ذلك حدث اتفاقا، وقد اشتهر من بينهم غير قائد فى خراسان مثل حريث بن قتبة وأخيه ثابت وحيّان النبطى وابنه مقاتل، ومن قوادهم المشهورين فى الغرب طارق بن زياد فاتح الأندلس.
стр. 632
وقد مرّ بنا فى حديثنا عن الحضارة ما كان لهم من إقطاعات وقصور وحمامات تستغلّ فى البصرة. فهم لم يكونوا فى مرتبة متخلفة بالقياس إلى العرب، ولعل مما يدل على ذلك أن نجد الفرزدق المعروف بغطرسته حتى على الخلفاء يمدح طائفة منهم مثل عبد الله (١) بن عبد الأعلى مولى خالد بن الوليد ومسلمة (٢) ابن سنان مولى بنى مسمع وكثير (٣) بن سيار مولى بنى سعد ومسلم (٤) بن المسيب مولى بنى بجيلة. ومن يرجع إلى ديوان جرير يجده فى إحدى قصائده يفتخر بمعدّ مدخلا فيها قضاعة كما يفتخر بالموالى ذاكرا أنهم ينتسبون إلى إسحق بن إبراهيم ﵉. يقول (٥):
أنا ابن الثّرى أدعو قضاعة ناصرى ... وآل نزار ما أعزّ وأكثرا (٦)
وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... محامل موت لابسين السّنوّرا (٧)
فيوما سرابيل الحديد عليهم ... ويوما ترى خزّا وعصبا منيّرا (٨)
إذا افتخروا عدّوا الصّبهبذ منهم ... وكسرى وآل الهرمزان وقيصرا (٩)
ويصرّح بأن الموالى أبناء إسحق يجمعهم مع العرب أبناء إسماعيل أب واحد، يقول:
أبونا أبو إسحق يجمع بيننا ... أب كان مهديّا نبيّا مطهّرا
ولا تهمنا صحة الأسطورة التى ردّدها جرير فى هذه الأبيات، والتى تجعل الفرس والروم من أبناء إسحق، إنما تهمنا دلالتها على ما كان يسود بين العرب من الإحساس بأنهم والموالى شعب واحد، تفرّق، ثم عاد إلى الاجتماع
стр. 633
على الإسلام والعروبة، ونرى جريرا فى نفس القصيدة ينوّه بمولى من البربر يسمى وضّاحا، يقول:
لقد جاهد الوضاح بالحق معلما ... فأورث مجدا باقيا أهل بربرا
والحق أن العرب اندمجوا فى الموالى منذ الأيام الأولى فى الفتوح، فقد ساكنوهم وتزوجوا منهم، وعرّبوهم عن طريق نظام الولاء الذى شرعه الإسلام، إذ أدخلوهم فى عداد قبائلهم، وكأنما أردوا بذلك أن يلغوا جنسياتهم إلغاء، فهم عرب ولاء. واستشعر الموالى ذلك فى عمق حتى إذا أحسن نفر منهم نظم الشعر وجدناهم يقفون فى صفوف قبائلهم ذائدين عنها ومفاخرين بنفس روح أبنائها الأصيلين، ومن خير ما يصور ذلك زياد الأعجم مولى عبد القيس فقد عاش لقبيلته يحامى عنها ويصول (١)، ومثله هرون (٢) مولى الأزد وثروان (٣) مولى بنى عذرة وشقران (٤) مولى بنى سلامان. وكانت القبائل تبادلهم نفس التعصب، فإذا جنى أحدهم جناية كبيرة وزجّ به فى السجن لم يقر قرار لقبيلته حتى تردّ له حريته، على نحو ما يقصه الرواة من موقف اليمانية من ابن مفرّغ حين زجّ به عبّاد بن زياد فى سجن سجستان، فإنها ما زالت تتشفع فيه عند الخليفة وتتوسّل حتى أمر بإطلاق سراحه (٥).
ومعنى ذلك أن نظام الولاء أقام أواصر بين العرب والموالى كأواصر الرحم، أما ما يلقانا عند إسماعيل بن يسار النسائى شاعر المدينة من أشعار تمجد الفرس (٦) فإنه يعد شذوذا فى العصر، وهو شذوذ ربما ساقه إلى نفسه كثرة الأشعار التى كان يفتخر فيها كل عربى بقبيلته ممجدا لها ومشيدا بها محاولا الغضّ من القبائل التى تعاديها، وكأن ذلك نبّه إسماعيل للإشادة بجنسه الفارسى، وقد لقى جزاءه عند هشام بن عبد الملك، فإنه غضب عليه غضبا شديدا حين رآه يفخر بأصله الفارسى.
стр. 634
ومهما يكن فإن إسماعيل كان شذوذا على الموالى أنفسهم فى هذا العصر، وأكبر الدلالة على ذلك أننا نجد بشار بن برد الذى أعلن النزعة الشعوبية فى عهد العباسيين إعلانا قويّا يفتخر فى هذا العصر بمواليه من قيس افتخارا عنيفا (١). ولعل من الطريف أننا نجد بعض الشعراء من العرب يفتخرون بأمهاتهم الأعجميات مثل ابن ميّادة (٢)، ومثل أبى نخيلة الذى يقول (٣):
أنا ابن سعد وتوسّطت العجم ... فأنا فيما شئت من خال وعمّ
ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل دلالة واضحة على بطلان ما يذهب إليه بعض المستشرقين من أن العرب والموالى كانوا يستشعرون العداء بعضهم لبعض فى هذا العصر (٤)، فقد كانوا بنعمة الإسلام إخوانا، وكان كل منهم ينصر صاحبه كلما هتف به أو استغاث، وقد أخذوا ينهضون بجميع صور الحياة نهوضا مشتركا. وحقّا كانت الدولة عربية وكانت تتخذ ولاتها من العرب، ولكنها فسحت للموالى فى شئون الخراج وفى الدواوين حتى بعد أن ترجمت وعرّبت، على نحو ما هو معروف عن سالم مولى هشام وكان رئيس دواوينه، ومثله عبد الحميد الكاتب وكان على رأس دواوين مروان بن محمد.
وربما كان أهم جانب يوضح علاقة العرب بالموالى لهذا العصر وأنها كانت تقوم على البر والتعاون الوثيق نهضتهم جميعا بالدراسات الدينية وما انطوى فيها من وعظ وإمامة للمسلمين فى المساجد، فإننا حين نستعرض هذا الجانب نجدهم لا يقفون مع العرب فيه على قدم المساواة فحسب، بل إنهم يبزّونهم، حتى لتصبح منهم الكثيرة الكثيرة من علماء الدين ودارسيه. وواضح من ذلك كله أن الموالى شاركوا فى الحياة العربية لهذا العصر مشاركة قوية، إذ كانوا يعدّون فعلا عربا، وقد أخذوا ينهضون بالأدب العربى، على أنه أدبهم، فهجروا آدابهم المختلفة من فارسية وغير فارسية، وأخذوا يعبّرون عن عواطفهم ومشاعرهم بلغة القرآن الكريم التى ملكت أزمة قلوبهم واستولت منهم على الضمائر استيلاء.
стр. 635
الفصل الثالث
شعراء المديح والهجاء
١ - شعراء المديح
تعوّد العرب منذ العصر الجاهلى أن ينوّهوا فى أشعارهم بأشرافهم وذوى النباهة منهم ويتحدثوا عن خصالهم النبيلة من الكرم والشجاعة والحلم والوفاء وحماية الجار، وكان لا يعدّ السيد فيهم كاملا إلا إذا تغنى بنباهته ومناقبه غير شاعر. ومضوا على هذه السنّة فى الإسلام، فكل سيد فيهم وكل ذى مكانة يودّ لو يحظى بشاعر يشيد به، حتى يسير الركبان بذكره. وتستطيع أن ترجع إلى كتب الأدب والتاريخ مثل الأغانى والطبرى لترى مصداق ذلك واضحا، وكأنه لم يعد للشعراء من شاغل يشغلهم سوى مديح الخلفاء والولاة والقواد والأجواد، وسنعرض لمدّاح الأولين فى الفصل التالى. أما الولاة فإنه لا يوجد من بينهم من لم يتعلق الشعراء بمديحه ونثر ورود الثناء فى طريقه.
وأول من يلقانا من الولاة البارزين فى العراق لهذا العصر زياد بن أبيه ممدوح حارثة (١) بن بدر الغدانى التميمى ومسكين (٢) الدارمى، وقد شغف عبد الله بن الزّبير الأسدى بمدح ابنه عبيد الله (٣). ويخضع العراق لابن الزبير، ويولّى عليه أخاه مصعبا، وكان جوادا سمحا، فالتفّ حوله كثير من الشعراء يمدحونه من أمثال ابن قيس الرقيات وأعشى (٤) همدان ودكين الفقيمى (٥).
ويدخل العراق فى طاعة عبد الملك بن مروان فيولّى عليه خالد بن عبد الله بن أسيد الأموى وهو من الأجواد الممدحين (٦) ولا يلبث أن يعزله ويولى أخاه بشرا «وكان من فتيان قريش سخاء ونجدة، وكان ممدّحا «مدحه جرير والفرزدق والأخطل