← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ويتوفّى عمر بن عبد العزيز سريعا، ويعود العسف والظلم. ويثور الحارث ابن سريج بخراسان فى العقد الثانى من القرن الثانى مطالبا برفع الجزية عمن أسلموا من الموالى، ويتولّى هناك نصر بن سيار فى العقد الثالث، ويرفع الجزية عن الموالى مثبّتا للخراج على الأرض. ولا بد أن نفرق هنا بين معاملة العرب للموالى ومعاملة الدولة لهم فإن الدولة إذا كانت قد تعسفت معهم أحيانا فإن العرب ظلوا يرعون لهم أخوتهم فى الإسلام. ويسوق المستشرقون دليلا قويّا على سوء معاملة الدولة لهم ما حدث فى أيام الحجاج إذ هاجر كثير من موالى السّواد فى العراق إلى البصرة والكوفة، فأمر بردّهم إلى قراهم ونقش أسمائهم على أيديهم حتى لا يبرحوها (١) وظاهر الحادث عنف شديد فى الظلم ولكن قد يكون الحجاج اضطرّ إلى ذلك لتعطل الزراعة فى السواد وبالتالى تعطل الخراج الذى كان ينفق منه على تجهيز الجيوش إلى خراسان وغير ذلك من شئون ولايته. ولم ينكر عمر بن عبد العزيز وحده الجزية التى كانت مفروضة على مسلمى الموالى، فقد كان ينكرها جماعة الأتقياء والقرّاء، لأنها تخالف نصوص الإسلام، وأنكرتها جميع الفرق المعارضة للدولة من خوارج وشيعة ومرجئة، وما زالت الأمة تلح فى إنكارها إلحاحا حتى رفعت عنهم بأخرة من العصر. وقد عقد ابن عبد ربه فصلا فى العقد الفريد، صوّر فيه العرب يسيئون فى المعاملة إلى الموالى لعصر بنى أمية إساءة بالغة (٢). غير أن بين أيدينا أخبارا كثيرة تشهد بأنهم لم يكونوا يضطهدون أحرارهم ولا أرقاءهم، فقد ذكر ابن حبيب أن نحو ثلاثين من الرقيق فى الكوفة والبصرة نبه شأنهم حتى أصبحوا من أرباب السيادة والشرف (٣). أما ما يلاحظه قلهوزن من أنهم كانوا يحاربون فى جيش المختار رجالة لا فرسانا (٤) فلعل ذلك حدث اتفاقا، وقد اشتهر من بينهم غير قائد فى خراسان مثل حريث بن قتبة وأخيه ثابت وحيّان النبطى وابنه مقاتل، ومن قوادهم المشهورين فى الغرب طارق بن زياد فاتح الأندلس.

стр. 632

وقد مرّ بنا فى حديثنا عن الحضارة ما كان لهم من إقطاعات وقصور وحمامات تستغلّ فى البصرة. فهم لم يكونوا فى مرتبة متخلفة بالقياس إلى العرب، ولعل مما يدل على ذلك أن نجد الفرزدق المعروف بغطرسته حتى على الخلفاء يمدح طائفة منهم مثل عبد الله (١) بن عبد الأعلى مولى خالد بن الوليد ومسلمة (٢) ابن سنان مولى بنى مسمع وكثير (٣) بن سيار مولى بنى سعد ومسلم (٤) بن المسيب مولى بنى بجيلة. ومن يرجع إلى ديوان جرير يجده فى إحدى قصائده يفتخر بمعدّ مدخلا فيها قضاعة كما يفتخر بالموالى ذاكرا أنهم ينتسبون إلى إسحق بن إبراهيم ﵉. يقول (٥): أنا ابن الثّرى أدعو قضاعة ناصرى ... وآل نزار ما أعزّ وأكثرا (٦) وأبناء إسحاق الليوث إذا ارتدوا ... محامل موت لابسين السّنوّرا (٧) فيوما سرابيل الحديد عليهم ... ويوما ترى خزّا وعصبا منيّرا (٨) إذا افتخروا عدّوا الصّبهبذ منهم ... وكسرى وآل الهرمزان وقيصرا (٩) ويصرّح بأن الموالى أبناء إسحق يجمعهم مع العرب أبناء إسماعيل أب واحد، يقول: أبونا أبو إسحق يجمع بيننا ... أب كان مهديّا نبيّا مطهّرا ولا تهمنا صحة الأسطورة التى ردّدها جرير فى هذه الأبيات، والتى تجعل الفرس والروم من أبناء إسحق، إنما تهمنا دلالتها على ما كان يسود بين العرب من الإحساس بأنهم والموالى شعب واحد، تفرّق، ثم عاد إلى الاجتماع

стр. 633

على الإسلام والعروبة، ونرى جريرا فى نفس القصيدة ينوّه بمولى من البربر يسمى وضّاحا، يقول: لقد جاهد الوضاح بالحق معلما ... فأورث مجدا باقيا أهل بربرا والحق أن العرب اندمجوا فى الموالى منذ الأيام الأولى فى الفتوح، فقد ساكنوهم وتزوجوا منهم، وعرّبوهم عن طريق نظام الولاء الذى شرعه الإسلام، إذ أدخلوهم فى عداد قبائلهم، وكأنما أردوا بذلك أن يلغوا جنسياتهم إلغاء، فهم عرب ولاء. واستشعر الموالى ذلك فى عمق حتى إذا أحسن نفر منهم نظم الشعر وجدناهم يقفون فى صفوف قبائلهم ذائدين عنها ومفاخرين بنفس روح أبنائها الأصيلين، ومن خير ما يصور ذلك زياد الأعجم مولى عبد القيس فقد عاش لقبيلته يحامى عنها ويصول (١)، ومثله هرون (٢) مولى الأزد وثروان (٣) مولى بنى عذرة وشقران (٤) مولى بنى سلامان. وكانت القبائل تبادلهم نفس التعصب، فإذا جنى أحدهم جناية كبيرة وزجّ به فى السجن لم يقر قرار لقبيلته حتى تردّ له حريته، على نحو ما يقصه الرواة من موقف اليمانية من ابن مفرّغ حين زجّ به عبّاد بن زياد فى سجن سجستان، فإنها ما زالت تتشفع فيه عند الخليفة وتتوسّل حتى أمر بإطلاق سراحه (٥). ومعنى ذلك أن نظام الولاء أقام أواصر بين العرب والموالى كأواصر الرحم، أما ما يلقانا عند إسماعيل بن يسار النسائى شاعر المدينة من أشعار تمجد الفرس (٦) فإنه يعد شذوذا فى العصر، وهو شذوذ ربما ساقه إلى نفسه كثرة الأشعار التى كان يفتخر فيها كل عربى بقبيلته ممجدا لها ومشيدا بها محاولا الغضّ من القبائل التى تعاديها، وكأن ذلك نبّه إسماعيل للإشادة بجنسه الفارسى، وقد لقى جزاءه عند هشام بن عبد الملك، فإنه غضب عليه غضبا شديدا حين رآه يفخر بأصله الفارسى.

стр. 634

ومهما يكن فإن إسماعيل كان شذوذا على الموالى أنفسهم فى هذا العصر، وأكبر الدلالة على ذلك أننا نجد بشار بن برد الذى أعلن النزعة الشعوبية فى عهد العباسيين إعلانا قويّا يفتخر فى هذا العصر بمواليه من قيس افتخارا عنيفا (١). ولعل من الطريف أننا نجد بعض الشعراء من العرب يفتخرون بأمهاتهم الأعجميات مثل ابن ميّادة (٢)، ومثل أبى نخيلة الذى يقول (٣): أنا ابن سعد وتوسّطت العجم ... فأنا فيما شئت من خال وعمّ ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل دلالة واضحة على بطلان ما يذهب إليه بعض المستشرقين من أن العرب والموالى كانوا يستشعرون العداء بعضهم لبعض فى هذا العصر (٤)، فقد كانوا بنعمة الإسلام إخوانا، وكان كل منهم ينصر صاحبه كلما هتف به أو استغاث، وقد أخذوا ينهضون بجميع صور الحياة نهوضا مشتركا. وحقّا كانت الدولة عربية وكانت تتخذ ولاتها من العرب، ولكنها فسحت للموالى فى شئون الخراج وفى الدواوين حتى بعد أن ترجمت وعرّبت، على نحو ما هو معروف عن سالم مولى هشام وكان رئيس دواوينه، ومثله عبد الحميد الكاتب وكان على رأس دواوين مروان بن محمد. وربما كان أهم جانب يوضح علاقة العرب بالموالى لهذا العصر وأنها كانت تقوم على البر والتعاون الوثيق نهضتهم جميعا بالدراسات الدينية وما انطوى فيها من وعظ وإمامة للمسلمين فى المساجد، فإننا حين نستعرض هذا الجانب نجدهم لا يقفون مع العرب فيه على قدم المساواة فحسب، بل إنهم يبزّونهم، حتى لتصبح منهم الكثيرة الكثيرة من علماء الدين ودارسيه. وواضح من ذلك كله أن الموالى شاركوا فى الحياة العربية لهذا العصر مشاركة قوية، إذ كانوا يعدّون فعلا عربا، وقد أخذوا ينهضون بالأدب العربى، على أنه أدبهم، فهجروا آدابهم المختلفة من فارسية وغير فارسية، وأخذوا يعبّرون عن عواطفهم ومشاعرهم بلغة القرآن الكريم التى ملكت أزمة قلوبهم واستولت منهم على الضمائر استيلاء.

стр. 635

الفصل الثالث شعراء المديح والهجاء ١ - شعراء المديح تعوّد العرب منذ العصر الجاهلى أن ينوّهوا فى أشعارهم بأشرافهم وذوى النباهة منهم ويتحدثوا عن خصالهم النبيلة من الكرم والشجاعة والحلم والوفاء وحماية الجار، وكان لا يعدّ السيد فيهم كاملا إلا إذا تغنى بنباهته ومناقبه غير شاعر. ومضوا على هذه السنّة فى الإسلام، فكل سيد فيهم وكل ذى مكانة يودّ لو يحظى بشاعر يشيد به، حتى يسير الركبان بذكره. وتستطيع أن ترجع إلى كتب الأدب والتاريخ مثل الأغانى والطبرى لترى مصداق ذلك واضحا، وكأنه لم يعد للشعراء من شاغل يشغلهم سوى مديح الخلفاء والولاة والقواد والأجواد، وسنعرض لمدّاح الأولين فى الفصل التالى. أما الولاة فإنه لا يوجد من بينهم من لم يتعلق الشعراء بمديحه ونثر ورود الثناء فى طريقه. وأول من يلقانا من الولاة البارزين فى العراق لهذا العصر زياد بن أبيه ممدوح حارثة (١) بن بدر الغدانى التميمى ومسكين (٢) الدارمى، وقد شغف عبد الله بن الزّبير الأسدى بمدح ابنه عبيد الله (٣). ويخضع العراق لابن الزبير، ويولّى عليه أخاه مصعبا، وكان جوادا سمحا، فالتفّ حوله كثير من الشعراء يمدحونه من أمثال ابن قيس الرقيات وأعشى (٤) همدان ودكين الفقيمى (٥). ويدخل العراق فى طاعة عبد الملك بن مروان فيولّى عليه خالد بن عبد الله بن أسيد الأموى وهو من الأجواد الممدحين (٦) ولا يلبث أن يعزله ويولى أخاه بشرا «وكان من فتيان قريش سخاء ونجدة، وكان ممدّحا «مدحه جرير والفرزدق والأخطل

стр. 636

وكثيّر وأعشى بنى شيبان (١)» كما مدحه نصيب (٢) والأقيشر (٣) الأسدى وأيمن (٤) بن خريم وغيرهم كثير. ويخلف بشرا الحجاج الثقفى، ويظل نحو عشرين عاما، والشعراء يتوافدون على بابه من مثل جرير والفرزدق وأعشى (٥) بنى شيبان وحميد (٦) الأرقط وليلى (٧) الأخيلية، وكانت فيه قسوة جعلت من يقترفون بعض الجنايات حين يقعون فى يده يمدحونه مدحا مسرفا على شاكلة قول العديل بن الفرخ العجلىّ فيه (٨): خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكلّ إمام مصطفى وخليل بنى قبّة الإسلام حتى كأنما ... هدى الناس من بعد الضلال رسول ولعل من الطريف أن نجد محمد بن عبد الله النميرى الثقفى (٩) يهوى أخته زينب، وينظم فيها غزلا كثيرا يملؤه موجدة عليه، فيطلبه ويهرب منه إلى اليمن ويركب البحر هناك، ثم يعود إليه، وقد ضاقت به الأرض، متوسلا بمدائح كثيرة، تجعله يعفو عنه. ويتولّى العراق لسليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب، وسنعرض لمدّاحه عما قليل. وقد عزله عمر بن عبد العزيز ونراه يثور فى عهد يزيد بن عبد الملك ويقضى على ثورته أخوه مسلمة ويوليه العراق لفترة محدودة، ومن مدّاحه أبو نخيلة (١٠) وأعشى (١١) تغلب. وخلفه على العراق عمر بن هبيرة الفزارى، وللفرزدق

стр. 637

فيه مدائح (١)، لعله أراد أن يغسل بها هجاءه المقذع فيه، ومثلها مدائحه فى خالد القسرى الذى ولى بعده (٢)، وكأنه يكفر عن هجائه لهما ببعض المدائح. وممن مدحوا خالدا القسرى جرير (٣)، وأبو الشّغب وفيه يقول حين عزل وسجن: (٤) فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه فى القبائل وكان الذى ولى العراق بعده يوسف الثقفى. ونرى الكميت يمدحه تقية وخوفا من بطشه (٥). وآخر ولاة هذا الإقليم يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان جوادا معطاء، وهو ممدوح أبى عطاء (٦) السّندى وبشار (٧) بن برد وخلف (٨) بن خليفة. ولم يمدح الشعراء فى العراق هؤلاء الولاة وحدهم، فقد كانوا يمدحون أيضا نوّابهم وأصحاب شرطتهم وعمالهم على الخراج وعلى البلدان من مثل الحكم بن أيوب الثقفى نائب الحجاج على البصرة، وهو ممدوح الفرزدق (٩) وجرير (١٠) ومثل مالك بن المنذر بن الجارود صاحب شرطة البصرة لخالد القسرى، ومن مدّاحه الفرزدق (١١)، ومثل بلال بن أبى بردة، نائب القسرى على البصرة، وهو ممدوح ذى الرمة (١٢) والفرزدق (١٣) وحمزة (١٤) بن بيض، وكان منقطعا إليه، ومثل أبان بن الوليد البجلى صاحب الخراج فى عهد القسرى، ومن مدّاحه الفرزدق (١٥)، ومثل قطن بن مدركة الكلابى والى البحرين، وقد خصه الفرزدق

стр. 638

ببعض مدائحه (١)، وكان المهاجر بن عبد الله والى البحرين جوادا ممدّحا، ومن مدّاحه جرير (٢) وأبو نخيلة (٣) وذو الرمة (٤). ومن ولاة فارس الذين طار ذكرهم على ألسنة الشعراء عمر بن عبيد الله بن معمر، وله أحاديث كثيرة فى جوده (٥) وهو ممدوح كثيرين، منهم زياد الأعجم (٦) وأبو حزابة (٧) ومن ولاة الرّىّ الممدّحين خالد بن عتّاب بن ورقاء ممدوح أعشى همدان (٨). وإذا ولينا وجوهنا نحو خراسان وسجستان وجدنا الولاة والعمال هناك يكيلون الأموال والعطايا للشعراء كيلا، وهم بدورهم ينثرون عليهم رياحين مديحهم نثرا. ولعل أسرة لم تحظ هناك بما حظيت به أسرة المهلب بن أبى صفرة الأزدى الذى قضى على الأزارقة فى فارس، ثم ولى للحجاج خراسان سنة ٧٨ وظلّ بها إلى أن توفّى سنة ٨٢ فأقام الحجاج ابنه يزيد مقامه إلى أن صرفه عنها وولّى عليها أخاه المفضل، ولم يلبث أن عزله هو الآخر. وما نصل إلى سنة ٩٦ حتى يعود نجم المهالبة إلى البزوغ. إذ ولّى سليمان بن عبد الملك يزيد على العراق، وجمع له مع ولايتها خراسان، فأصبح حاكما للشرق. ويتولى عمر بن عبد العزيز، فيعزله ويسجنه فى أموال خراج خراسان، ولا نصل إلى عصر يزيد بن عبد الملك حتى يعفو عنه، غير أنه لم يلبث أن قاد ضده مع إخوته وآله ثورة عنيفة، قضى عليها مسلمة بن عبد الملك يؤازره هلال بن أحوز المازنى. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن هذه الأسرة تقوم فى عصر بنى أمية مقام أسرة البرامكة فى عصر بنى العباس، إذ كان أفرادها بحورا فياضة، فنوّه بهم الشعراء طويلا فى خراسان والعراق جميعا، ويؤثر عن المهلب أنه كان يقول: «عجبت لمن يشترى المماليك بماله ولا يشترى الأحرار بمعروفه (٩)» ونرى الشعراء مصطفين

стр. 639

ببابه يمدحونه مدائح رائعة، وفى مقدمتهم كعب (١) الأشقرى وزياد (٢) الأعجم وحمزة (٣) بن بيض والمغيرة (٤) بن حبناء التميمى ونهار (٥) بن توسعة، وله يرثيه حين توفى بمرو الروذ: ألا ذهب الغزو المقرّب للغنى ... ومات النّدى والحزم بعد المهلّب أقاما بمرو الرّوذ رهن ضريحه ... وقد غيّبا عن كل شرق ومغرب وكان ابنه المغيرة على شاكلته جودا ونوالا غمرا، وتوفّى قبله بقليل، فبكاه الشعراء طويلا على شاكلة قول زياد الأعجم فى مرثية بديعة له (٦): إن السماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح ولا يكاد يوجد شاعر فى العراق وخراسان لأيام أخيه يزيد إلا مدحه ونوه به تنويها بعيدا، ومن مدّاحه الفرزدق (٧) ونهار (٨) بن توسعة وحمزة (٩) بن بيض وحاجب (١٠) الفيل والعديل بن الفرخ العجلىّ وفيه يقول (١١): يداه: يد بالعرف تنهب ماحوت ... وأخرى على الأعداء تسطو وتجرح وكان كعب الأشقرى وثابت قطنة لا يفارقان مجلسه (١٢)، وفيه يقول ثابت حين خذله أهل العراق فى ثورته على بنى أمية وفرّ واعنه، فقتل قعصا بالرماح (١٣): إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن ... عارا عليك وبعض قتل عار

стр. 640

وكان أخوه المفضل ممدّحا وممن أشادوا به كعب (١) الأشقرى وثابت (٢) قطنة، وكذلك كان مخلد بن يزيد بن المهلب وكان يخلف أباه على خراسان، هو ممدوح حمزة (٣) بن بيض والكميت (٤). وفى المهالبة وكرمهم الفياض يقول بكير بن الأخنس (٥): نزلت على آل المهلّب شاتيا ... فقيرا بعيد الدار فى سنة محل (٦) فما زال بى إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهم أهلى (٧) ومن ولاة خراسان الممدّحين قتيبة بن مسلم الذى وليها للحجاج بعد المهالبة سنة ٨٦، وهو أكبر قائد تولى لبنى أمية حرب الترك، وقد فتك بهم فتكا ذريعا، وشقّ الطريق إلى بلاد الشاش وسمرقند. وقد تغنّى كثير من شعراء خراسان بانتصاراته الباهرة من أمثال المغيرة (٨) بن حبناء وكعب (٩) الأشقرى ونهار بن توسعة وفيه يقول (١٠): وما كان مذ كنّا ولا كان قبلنا ... ولا كائن من بعد مثل ابن مسلم أعمّ لأهل الشّرك قتلا بسيفه ... وأكثر فينا مغنما بعد مغنم ووليها لعهد عمر بن عبد العزيز الجرّاح بن عبد الله الحكمىّ ممدوح الفرزدق (١١). ومن الأجواد الممدّحين الذين ولوها لخالد القسرى الجنيد بن عبد الرحمن المرّى ممدوح جرير (١٢)، وأسد القسرى وكان بحرا فياضا، وقد نوه

стр. 641

به الفرزدق طويلا (١). ووليها ليوسف بن عمر الثقفى نصر بن سيار، وكان شاعرا وبطلا مغوارا وغيثا مدرارا، وهو آخر ولاتها للأمويين، وممن مدحوه قبل ولايته عليها الفرزدق (٢) وثابت (٣) قطنة ومن مدّاحه فى ولايته أبو عطاء (٤) السّندى. ومن قوّاد الجيوش فى خراسان هلال بن أحوز المازنى الذى أبلى فى حرب المهالبة مع مسلمة بن عبد الملك وهو قاتل جهم بن صفوان متكلم المرجئة فى ثورتهم بخراسان، وممن أشادوا به طويلا الفرزدق (٥) وجرير. (٦) ويلقانا فى سجستان من الممدّحين عبد الله بن الحشرج، وكان واسع العطاء وفيه يقول زياد الأعجم (٧): إن السّماحة والشجاعة والنّدى ... فى قبّة ضربت على ابن الحشرج ومنهم طلحة بن عبد الله الخزاعى الملقب بطلحة الطلحات، وهو أجود أهل البصرة فى عصره غير مدافع، وممن مدحوه أبو حزابة (٨) وعويف (٩) القوافى والمغيرة (١٠) بن حبناء، ونوّه به ابن قيس الرقيات طويلا حتى إذا توفّى رثاه بقصيدة بديعة (١١) ومنهم عبيد الله بن أبى بكرة ممدوح الفرزدق (١٢) وابن مفرّغ (١٣)، ومسمع بن مالك بن مسمع ممدوح أبى جلدة اليشكرى، وفيه يقول حين وافاه الموت (١٤): كنت الشهاب الذى يرمى العدوّ به ... والبحر منه سجال الجود نغترف ومن ولاة الحجاز الممدّحين سعيد بن العاص والى معاوية على المدينة، وكان ينحر

стр. 642

فى كل يوم جزورا يطعمه الناس (١)، وممن نوهوا به الحطيئة (٢) والفرزدق (٣). وكان ابن الأزرق المخزومى والى ابن الزبير على اليمن جوادا معطاء، وهو ممدوح أبى دهبل (٤) الجمحى. ولعل واليا لم يمدح كما مدح عبد العزيز بن مروان فى ولايته على مصر، وكان بحرا سيالا من بحور العرب، ومن مدّاحه نصيب (٥) وابن قيس (٦) الرقيات وكثيّر (٧) وعبد الله (٨) بن الحجاج والأحوص (٩) وأيمن (١٠) بن خريم وأمية (١١) بن أبى عائذ. ومن ولاتها بعده عبد الله بن عبد الملك ممدوح الحزين (١٢) الكنانى. ويلمع بجانب هؤلاء الولاة والعمال أسماء كثيرين من الأجواد، وفى مقدمتهم عبد الملك بن بشر بن مروان ممدوح ابن عبدل (١٣)، وعبد الواحد بن سليمان ممدوح القطامى (١٤)، وعبد الرحمن بن محمد بن مروان ممدوح عويف (١٥) القوافى ومعاوية بن هشام بن عبد الملك ممدوح جرير (١٦)، وأسماء بن خارجة ممدوح القطامى (١٧) وأعشى شيبان (١٨)، وعكرمة بن ربعىّ الفياض ممدوح الأخطل (١٩) والعديل (٢٠) بن الفرخ العجلى، والمنذر بن الجارود ممدوح الفرزدق (٢١) وأبى الأسود (٢٢) الدؤلى، وزكريا بن طلحة الفياض ممدوح الأقيشر (٢٣) الأسدى. ومالك بن مسمع ممدوح العديل (٢٤)، وكانت قبائل ربيعة فى البصرة تجتمع عليه

стр. 643

فى الإسلام اجتماعها على كليب فى الجاهلية. وممن كان لا يبارى فى جوده عبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وله فى كرمه أخبار وأحاديث يقصها الرواة، ومن مدّاحه ابن (١) قيس الرقيات. وكان يجرى على مثاله فى الجود بالمدينة عروة ابن الزبير ممدوح إسماعيل (٢) بن يسار النسائى، وحمزة بن عبد الله بن الزبير ممدوح موسى (٣) شهوات، وفيه يقول (٤): حمزة المبتاع بالمال الثّنا ... ويرى فى بيعه أن قد غبن وهو إن أعطى عطاء فاضلا ... ذا إخاء لم يكدّره بمنّ وطلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ممدوح الحزين (٥) الكنانى. ولعل من الخير أن نقف عند نفر من الشعراء الذين أحسنوا فن المديح لهذا العصر، وقد اخترنا من بينهم نصيب ا من الحجاز والقطامى من الجزيرة وكعبا الأشقرى وزيادا الأعجم من خراسان. نصيب (٦) شاعر حجازى نوبى الأبوين كان شديد السواد، وجعله ذلك يحتجّ للونه كثيرا على شاكلة قوله فى بعض شعره: فإن يك من لونى السّواد فإننى ... لكالمسك لا يروى من المسك ذائقه وكان مسترقّا لرجل من كنانة من أهل ودّان بالقرب من مكة، وتيقظت فيه موهبة الشعر مبكرة، فكاتب مولاه، وفزع إلى عبد العزيز بن مروان بمصر، فردّ إليه حريته، وكان لذلك أثر عميق فى نفسه. فدبّج فيه مدائح رائعة من مثل قوله:

стр. 644

فبشّر أهل مصر فقد أتاهم ... مع النّيل الذى فى مصر نيل يقول فيحسن القول ابن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول (١) وقوله: لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن غامره فبابك أسهل أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره وكفّك حين ترى السائل ... ين أندى من الليلة الماطره وما زال مع عبد العزيز حتى توفى سنة ٨٥ للهجرة، فبكاه بكاء حارّا، وأوصى به من بعده سليمان بن عبد الملك، فلزمه، ومن قوله فيه: قفوا خبّرونى عن سليمان إننى ... لمعروفه من أهل ودّان طالب فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب (٢) وله مدائح فى يزيد بن عبد الملك وأخيه هشام مما يدل على أنه عاش إلى أوائل القرن الثانى، وله مدائح فى بعض ولاة الحجاز من مثل إبراهيم بن هشام المخزومى والى مكة وعبد الواحد النصرى والى المدينة، وبعض ولاة العراق وقواده مثل بشر بن مروان وعمر بن عبيد الله بن معمر. وكان يعنى بثيابه وطيبه، وكان كبير النفس، فلم يتورط فى هجاء، كما كان عفيفا، وله غزل نقى طاهر، وهو لذلك يسلك فى العذريين. القطامى (٣) لقب غلب على عمير بن شييم التغلبى، وهو من بنى الفدوكس عشيرة الأخطل، ومن ثمّ نشأ نصرانيا، غير أنه فيما يظهر دخل فى الإسلام. وقد اشترك فى الحروب التى نشبت بين قبيلته تغلب وقيس فى أثناء فتنة ابن الزبير،

стр. 645

وأسره أحد القيسيين فى يوم ماكسين، غير أن زفر بن الحارث حين عرفه افتكّه من الأسر، وردّ عليه ما سلب منه، وأعطاه مائة من الإبل مما جعله ينوّه به وبصنيعه معه طويلا، على شاكلة قوله: ومن يكن استلام إلى ثوىّ ... فقد أحسنت، يا زفر، المتاعا (١) أأكفر بعد ردّ الموت عنّى ... وبعد عطائك المائة الرّتاعا (٢) ولم أر منعمين أقلّ منّا ... وأكرم عندما اصطنعوا اصطناعا (٣) من البيض الوجوه بنى نفيل ... أبت أخلاقهم إلا اتساعا (٤) وفى هذه القصيدة يأسى للحروب الناشبة بين تغلب وقيس على ما بينهما من صلات وأسباب، ويدعو مخلصا للصلح ووقف هذه الحروب المبيرة التى لا تتوقف رحاها حينا إلا لتعود أشد التهاما لأبناء القبيلتين، يقول: ألم يحزنك أن حبال قيس ... وتغلب قد تباينت انقطاعا وكنّا كالحريق أصاب غابا ... فيخبو ساعة ويشبّ ساعا أمور لو تدبّرها حليم ... إذن لنهى وهيّب ما استطاعا ووفد على الوليد بن عبد الملك، وقيل على عمر بن عبد العزيز، فقيل له إن الشعر لا ينفق عنده، وهذا عبد الواحد (٥) بن سليمان سيبرّك إن مدحته، فمدحه، وأضفى عليه كثيرا من برّه ونواله. وكان أول ما مدحه به قصيدته: إنا محيّوك فاسلم أيها الطّلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطّيل (٦)

стр. 646

ونراه يضمّنها نظرات فى الحياة وفى الناس وأخلاقهم، وهو يقترب فى ذلك من ذوق المتنبى فى مدائحه كما نرى فى مثل قوله: والعيش لا عيش إلا ما تقرّ به ... عين، ولا حال إلا سوف تنتقل والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى ولأمّ المخطئ الهبل قد يدرك المتأنى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل ويشيد فى القصيدة بقريش ونصرتها للرسول ﷺ وتثبيتها لدعائم الدين الحنيف مما يدل أكبر الدلالة على أن الله أتمّ عليه نعمة الإسلام، يقول: قوم هم ثبّتوا الإسلام وامتنعوا ... قوم الرسول الذى ما بعده رسل وممن أشاد بهم ونوّه بذكرهم أسماء بن خارجة الفزارى، وله فيه أمداح رائعة على شاكلة قوله: إذا مات ابن خارجة بن حصن ... فلا هطلت على الأرض السماء ولا رجع البريد بغنم خير ... ولا حملت على الطّهر النّساء ومن أهم ما يميزه فى شعره صفاء موسيقاه وحلاوة ألفاظه وعذوبة أنغامه وتمكن قوافيه وجودة مطالعه والمظنون أنه توفّى فى أوائل القرن الثانى للهجرة. كعب (١) بن معدان الأشقرى الأزدى من شعراء خراسان الذين برعوا فى المديح، وهو فارس شجاع له آثار فى حروب المهلّب للأزارقة فى فارس وللترك فى خراسان. وله فى المهلّب ووصف حروبه قصائد كثيرة، منها قصيدة طويلة فى حروبه للأزارقة تشبه أن تكون ملحمة، وقد روى منها أبو الفرج أطرافا، وروى منها الطبرى ثلاثة وثمانين بيتا (٢) وهو فى شعره يحسن حوك اللفظ والمعنى جميعا على شاكلة قوله يمدح المهلب وأبناءه:

стр. 647

براك الله حين براك بحرا ... وفجّر منك أنهارا غزارا (١) بنوك السابقون إلى المعالى ... إذا ما أعظم الناس الخطارا (٢) كأنهم نجوم حول بدر ... درارىّ تكمّل فاستدارا (٣) ملوك ينزلون بكل ثغر ... إذا ما الهام يوم الرّوع طارا (٤) رزان فى الأمور ترى عليهم ... من الشّيخ الشّمائل والنّجارا (٥) نجوم يهتدى بهم إذا ما ... أخو الظّلماء فى الغمرات جارا وتوفّى المهلب، فلزم ابنه يزيد يمدحه ويصف حروبه مع الترك وبرّه ونائله الجزل، ومن بديع ما قاله فيه: يداك إحداهما تسقى العدوّ بها ... سمّا وأخرى نداها لم يزل ديما ولما عزل يزيد عن خراسان لعهد الحجاج ووليها قتيبة بن مسلم الباهلى وانتصر على الترك انتصاراته الرائعة مضى يشيد به وبانتصاراته بمثل قوله (٦): دوّخ السّغد بالكتائب حتى ... ترك السّغد بالعراء قعودا فوليد يبكى لفقد أبيه ... وأب موجع يبكّى الوليدا وجرّه ذلك إلى التخلص من عصبيته لقبيلته وصاحبها يزيد بن المهلب، ويقال إنه نال منه وثلبه. وكان قبل هذه الفترة من حياته يستشعر عصبية حادة للأزد، وهى عصبية جعلته يتهاجى هجاء مريرا مع شعراء قبيلة عبد القيس وعلى رأسهم زياد الأعجم، كما تهاجى مع شعراء ربيعة. وكان موقفه مع قتيبة سببا فى غضب يزيد بن المهلب عليه غضبا شديدا، فلما ولى العراق وخراسان لعهد سليمان بن عبد الملك طلبه، فهرب إلى عمان، وظلّ بها إلى أن ثار يزيد على الأمويين سنة ١٠٢ فأتبعه من قتله.

стр. 648

زياد (١) الأعجم مولى لقبيلة عبد القيس، أصله ومولده ومنشؤه بأصبهان، وكانت فيه لثغة شديدة سبق أن تحدثنا عنها، وكان يحسن فنّ المديح إحسانا رائعا، وممن ظلّ يمدحهم طويلا عمر بن عبيد الله بن معمر والى فارس، وفيه يقول: سألناه الجزيل فما تأبّى ... وأعطى فوق منيتنا وزادا وأحسن ثم أحسن ثم عدنا ... فأحسن ثم عدت له فعادا أخ لك لا تراه الدهر إلا ... على العلاّت بسّاما جوادا ويروى أن ابن معمر عدّ أبيات هذه القصيدة، فأعطاه على كل بيت ألفا. وما زال يلزمه حتى توفّى، فولى وجهه نحو خراسان، فمدح عبد الله بن الحشرج والى سجستان، وتوفّى فرثاه رثاء حارّا، تمثلنا فيما سلف ببيت منه، وحدث أن مدح المهلّب وعنده كعب الأشقرى والمغيرة بن حبناء، فأمر لهم بجوائز، وفضّل زيادا، ولاحظ-كما أسلفنا-لكنته فى قوله: فتى زاده السّلطان فى الخير رفعة ... إذا غيّر السّلطان كلّ خليل إذ نطق السلطان «الشلتان» بإبدال السين شيئا والطاء تاء، فوهب له غلاما فصيحا ينشد شعره. وغاظ صنيع المهلب بزياد المغيرة بن حبناء وكعبا، وانتدب له المغيرة، فتهاجيا طويلا. ولم يلبث أن تهاجى مع كعب، وتفوق عليه فى عدة قصائد يقول فى إحداها هاجيا قبيلته: قبيّلة خيرها شرّها ... وأصدقها الكاذب الآثم وضيفهم وسط أبياتهم ... وإن لم يكن صائما صائم وهاجى قتادة بن مغرّب اليشكرى، وفى قبيلته هو الآخر يقول: ويشكر لا تستطيع الوفاء ... وتعجز يشكر أن تغدرا

стр. 649

وكان مغرى بهجاء الوعاظ والفقهاء والنّسّاك، ويقال إن الفرزدق همّ بهجائه حين رآه يكثر من هجاء المغيرة بن حبناء وقبيلته تميم، فبادره بقوله: وما ترك الهاجون لى إن هجوته ... مصحّا أراه فى أديم الفرزدق وإنا وما تهدى لنا إن هجوتنا ... لكا لبحر مهما يلق فى البحر يغرق فتوسل الفرزدق إليه أن يكفّ عنه. وفى ذلك ما يدل على أنه كان يتقن الهجاء كما كان يتقن المديح والرثاء، ومرثيته للمغيرة بن المهلب من روائعه. وقد توفّى فى حدود المائة الأولى للهجرة. ٢ - شعراء الهجاء احتدم الهجاء فى هذا العصر احتداما شديدا، بتأثير العصبيات القبلية التى اشتعلت-كما مرّ بنا-نيرانها فى كل مكان، ومعروف أن الإسلام دعا إلى نبذ هذه العصبيات وحاربها حربا عنيفة، غير أن هذا-فيما يظهر-كان مثلا أعلى لم يستطع العرب تحقيقه إلا إلى فترة محدودة، فلم تكد نيرانها تتحول إلى رماد، حتى عادت إلى الظهور، إذ نشبت حرب الرّدّة وأشرع فيها الشعراء ألسنتهم صادرين عن روحهم القبلية، على نحو ما يروى عن أبى شجرة السّلمى وانتصاره للمرتدين من قبيلته سليم، وكأن من دخلوا هذه الحرب أرادوا أن يخلعوا عنهم سلطان قريش. وقضى أبو بكر الصديق قضاء مبرما على هذه الفتنة، ودفع العرب إلى الفتوح، ولكنهم لا يكادون يهدأون، حتى تحدث فتنة عثمان وتنشب الحروب بين علىّ وخصومه: طلحة والزبير وعائشة ثم معاوية. وكانت كثرة جيشه من اليمانية وربيعة، ونراهما تتنافسان فى قيادة حربه بموقعة الجمل، كما تتنافسان فى موقعة صفّين ضد معاوية، ويتبادل شعراؤهما الطعن والتجريح كلّ يصور حسن بلاء قومه فى الحرب. والتقت بهذه الأصوات أصوات مضريّة كثيرة. وحدث هذا نفسه فى صفوف خصومه، مما نجد آثاره فى الطبرى وفى

стр. 650

وقعة صفّين لنصر بن مزاحم. وعبثا حاول علىّ أن يعلى كلمة الإسلام الذى حاول أن يمحو الدعوات الجاهلية وما اتصل بها من عصبيات، إذ لم تلبث طائفة كبيرة فى جيشه بعد قبوله للتحكيم أن نظرت فى تولّى قريش تدبير الأمور فى الأمة، وأن من حقها جميعا أن يكون لها الحكم والسلطان. وبسرعة تكونت جماعة الخوارج وشهرت سيوفها فى وجهه مما اضطره أن يحاربها ويذيقها وبال انتكاسها وخروجها على الجماعة. ومما لا شك فيه أن موقف معاوية كان سببا قويّا من أسباب استشعار جماعته للعصبية القبيلة، فقد مضى يطالب بحق عشيرته الأموية فى الأخذ بثأر عثمان، وكأنه أحيى قاصدا أو غير قاصد الفكرة القديمة التى كانت تجعل حق الثأر للقبيلة والعشيرة. ومعروف أن الإسلام هدم هذا الحق وحوّله من القبائل والأفراد إلى الدولة، فهى التى تعاقب عليه بما يفرضه دستور القرآن الكريم. وزاد فى استشعار العصبية فى صفوفه أنه كان يعتمد على قبيلة كلب اليمنية، وكان بينها وبين الأمويين مصاهرات مختلفة، فإن عثمان تزوج منها بنائلة بنت الفرافصة. وتزوج معاوية من ميسون بنت بحدل، وهى أم ابنه يزيد، وكذلك تزوج مروان بن الحكم ليلى بنت زبّان بن الأصبغ الكلبية، وهى ابنة عم نائلة. وقد استغل معاوية فى حربه لعلى ذلك، لأن الصّهر عند العرب كالنسب، ووسّع استغلاله، إذ ضمّ تحت لوائه جميع القبائل اليمنية الشامية. وعلى هذا النحو كانت العصبية القبلية تسرى فى أحداث هذه الفترة، وهدأت الأمور نحو ربع قرن، حتى إذا توفّى يزيد وجدنا العصبية تستعر بين القبائل فى الشام والجزيرة وفى البصرة وخراسان. أما فى الشام والجزيرة فاندلعت بسبب نزول قيس فيهما واصطدامها فى أولاهما بكلب والقبائل اليمنية وفى ثانيتهما بتغلب الرّبعية. وكانت وفاة يزيد بن معاوية إشارة الوقت لهذا. الاندلاع، فقد بايعت قيس ابن الزبير وبايعت اليمنية وتغلب مروان بن الحكم، وسلّ الطرفان سيوفهما فى معارك حامية تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع، وانبعث شعراء كل طرف يفتخرون ويهجون، بالضبط، كما كان يفتخر آباؤهم فى الجاهلية ويهجون.

стр. 651

وفى نفس الوقت نجد الحلفين الكبيرين فى البصرة: حلف تميم وقيس من جهة وحلف الأزد وربيعة واليمنية من جهة أخرى يستشعران العصبية القبلية استشعارا حادّا. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع كيف اصطدم الحلفان بعد فرار عبيد الله بن زياد عن العراق، وكيف أفضى الاصطدام إلى القتال، لولا أن تدارك الأمر الأحنف بن قيس فرتق الفتق. وقد ظلت نفوس الحلفين تغلى طوال العصر، وظل الشعراء يتصايحون صياحهم القبلى حتى لنجد أبا نخيلة، وهو ممن أدركوا الدولة العباسية ينظم أرجوزة طويلة يذكر فيها حرب قومه التميميين مع الأزد وربيعة مفاخرا بانتصارهم على شاكلة قوله (١): نحن ضربنا الأزد بالعراق ... والحىّ من ربيعة المرّاق ضربا يقيم صعر الأعناق ... بغير أطماع ولا أرزاق (٢) إلاّ بقايا كرم الأعراق ولم تحتدم العصبيات القبلية فى البصرة فحسب، فقد انتقلت إلى خراسان لسبب طبيعى، وهو أن أكثر جيوشها كانت تتألف من جند البصرة، إذ هم الذين ابتدءوا فتحها منذ عهد عمر، وتوالت بعد ذلك كتائبهم وفرقهم هناك، فكان طبيعيا أن تنعكس بها نيران هذه العصبيات، وقد أخذت تزداد تأججا واشتعالا بعامل المنافسة على قيادة الجيوش وولاية الثغور، إذ كان الوالى هناك يولّى عماله وقواده من قبيلته وأحلافها، فإذا تولّى المهالبة مثلا قدّموا رجال الأزد وربيعة واليمن وانتكست قيس وتميم، وإذا تولى قتيبة بن مسلم الباهلى مثلا رفعت قيس وتميم رءوسهما وانتكست الأزد وأحلافها. ولم تقف المسألة عند ذلك فإن القبائل فى الحلف الواحد كثيرا ما اختلفت وتحاربت وتطاحنت بسبب الاختلاف على المغانم وطمعا فى اكتنازها، واقرأ فى أى شاعر ممن عاشوا هناك وترجم له صاحب الأغانى فستراه دائما يذود عن قبيلته بلسانه، سواء كان من أصولها أو من مواليها، على نحو ما مرّ بنا من استعار الهجاء بين زياد الأعجم مولى

стр. 652

عبد القيس وكعب الأشقرى الأزدى، وكان زياد يهاجى أيضا المغيرة بن حبناء التميمى وقتادة بن مغرّب اليشكرى وابن عمه أبا جلدة (١). وقد يرتفع صوت فى أثناء هذا الضجيج باعتزال هذه الحرب اللسانية وما تطوى من عصبيات عنيفة على شاكلة قول نهار بن توسعة (٢): أبى الإسلام لا أب لى سواه ... إذا هتفوا ببكر أو تميم ولكن مثل هذا الصوت كان يضيع فى غمار هذه العصبيات التى استعلى سلطانها فى العصر استعلاء شديدا، وهو استعلاء سقطت منه آثار مختلفة فى جميع البيئات. وقد قلنا فيما أسلفنا إن الكوفة شغلت عن العصبيات القبلية بتشيعها وخصومتها للأمويين، ومع ذلك فإننا نجد هناك الكميت بن زيد الأسدى يثير معركة حامية مع حكيم (٣) بن عياش الكلبى وهرون (٤) مولى الأزد، وكثيرا ما كانت تثار معارك بين شعراء العشائر والبطون، ولكنها على كل حال لم تحتدم هناك على نحو ما احتدمت فى خراسان والبصرة. وإذا ولّينا وجوهنا نحو المدينة وجدنا عبد الرحمن بن حسان بن ثابت يتهاجى مع عبد الرحمن بن الحكم الأموى هجاء مريرا (٥)، ويقال إنه هجا يزيد بن معاوية وشبّب بأخته رملة تشبيبا أحفظه، فأغرى الأخطل بهجائه، فجهاه وهجا قومه الأنصار، وأغضب ذلك النعمان ابن بشير، فتعرض للأخطل بهجاء عنيف (٦): ويلقانا فى نجد هجاء كثير دار على ألسنة شعراء القبائل، ولعل من خير ما يمثله تهاجى المرّار بن منقذ الأسدى ومساور بن هند العبسى. ومن طريف ما للمرار قوله (٧):

стр. 653

شقيت بنو عبس بشعر مساور ... إن الشقىّ بكل حبل يخنق ومرّ بنا ما كان من مهاجاة شبيب بن البرصاء الذبيانى وابنى عمه عقيل بن علّفة وأرطاة بن سهيّة ومهاجاة ابن ميّادة والحكم الخضرى، وكان فى ابن ميّادة (١) شر كثير جعله يهاجى كثيرين من مثل عقبة بن كعب بن زهير وعقال بن هاشم اليمنى وشقران مولى بنى سلامان. وعملت بجانب هذه العصبيات أسباب شخصية كثيرة على اندلاع نيران الهجاء، فمن ذلك أن ينتصر أحد الشعراء لزميل فى تهاجيه مع زميل آخر، حينئذ يرميه بسهام هجائه، على نحو ما هو معروف عن جرير فى تهاجيه مع الفرزدق إذ كان كثير من الشعراء يقفون مع خصمه ضده. فكان ينصبّ عليهم شواظ نار. وقد يفاضل أحد الولاة أو الأجواد بين من يمدحونه من الشعراء فيزيد شاعرا فى جائزته على زميله أو زملائه، فيغضب المفضول، ويسقط بغضبه على من فضله كما مر بنا فى تهاجى المغيرة بن حبناء، وزياد الأعجم. وقد يبطئ الممدوح على مادحه بمكافأته، فيتحول إلى هجائه على نحو ما هجا الحزين الكنانى عمرو بن عمرو بن الزبير بقوله (٢): مواعيد عمرو ترّهات ووجهه ... على كل ما قد قلت فيه دليل جبان وفحّاش لئيم مذمّم ... وأكذب خلق الله حين يقول وقد يحرم ممدوح مادحا له من نواله فيسرع إلى هجائه على نحو ما كان من عكرمة بن ربعى مع المتوكل (٣) الليثى، وقد لا تقوم مكافأة الممدوح فى

стр. 654

رأى المادح بما قدّم له من مديحه. فيهجوه ويسرف فى هجوه على نحو ما صنع الشّمردل بهلال (١) بن أحوز المازنى فارس تميم فى عصره غير مدافع. وقد يحجب الممدوح مادحه فلا يأذن له بلقائه، فيصبّ عليه نار هجائه، على نحو ما روى الرواة عن حجب مقاتل بن مسمع بن مالك لأبى جلدة الشكرى، فقد تولّى يهجوه بمثل قوله (٢): قرى ضيفه الماء القراح ابن مسمع ... وكان لئيما جاره يتذلّل وقد يمتدح الشاعر أحد العمال ويطلب إليه حاجة فلا يقضيها، حينئذ ينتقم منه بهجائه، على نحو ما كان من زياد الأعجم مع عبّاد بن الحصين، وكان على شرطة القباع والى ابن الزبير على البصرة، فسأله حاجة فازوّر عنه فهجاه وهجا عشيرته الحبطات طويلا، وفيها يقول (٣): رأيت الحمر من شرّ المطايا ... كما الحبطات شرّ بنى تميم وعلى هذا النحو أصبحنا نجد الأجواد والقواد والولاة الذين مرت بنا أسماؤهم والذين طالما مدحهم الشعراء يهجون كثيرا أو قليلا، فزياد وبنو زياد يهجوهم ابن مفرّغ، والحجاج يهجوه العديل (٤) بن الفرخ العجلى ومالك (٥) بن الريب التميمى. وفيه يقول (٦): ولولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد زمان هو العبد المقرّ بذلّه ... يراوح صبيان القرى ويغادى وكان الفرزدق مولعا بهجاء كثير من الولاة والعمّال عصبية لقبيلته تميم

стр. 655

أو لأسباب شخصية، وممن أكثر من هجائهم عمر (١) بن هبيرة الفزارى وخالد القسرىّ (٢)، وفيهما يقول إسماعيل بن عمار (٣): بكت المنابر من فزارة شجوها ... فالآن من قسر تضجّ وتجزع وكان المهالبة ممدّحين كما قدمنا. ومع ذلك لم يسلموا من هجاء الشعراء وعلى رأسهم الفرزدق (٤). ومن ولاة الشرق الذين هجاهم غير شاعر قتيبة بن مسلم الباهلى والى خراسان، وسنرى عما قليل هجاء ثابت قطنة له، ومنهم عبد الله العبشمى مهجوّ أبى حزابة (٥). ونرى أعشى همدان يهجو خالد بن عتّاب بن ورقاء والى الرّىّ وأصبهان حين جفاه بمثل قوله (٦): ويركب رأسه فى كل وحل ... ويعثر فى الطريق المستقيم ويهجو أبو نخيلة المهاجر بن (٧) عبد الله والى اليمامة. وفى الحجاز نجد الأحوص مشغوفا بهجاء ابن (٨) حزم والى المدينة لعمر بن عبد العزيز كما نجد العرجى مشغوفا بهجاء محمد بن هشام المخزومى والى مكة لهشام بن عبد الملك. ونحن نقف قليلا عند ثلاثة من الهجائين هم ابن مفرّغ البصرى والحكم بن عبدل الكوفى وثابت قطنة الخراسانى. ابن (٩) مفرّغ هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميرى نشأ بالبصرة، ويقال إنه كان حليفا لقريش، وقيل بل كان مسترقّا للضحاك الهلالى فأعتقه. وكان يتقن الفارسية كما أسلفنا فى غير هذا الموضع، ولعل فى ذلك ما يدل على أنه يرجع إلى أصول إيرانية، أما لقبه الحميرى فلعل منشأه أنه كان من حفدة الفرس الذى نزلوا اليمن قبل الإسلام، أو لعله يرجع إلى وضعه سيرة لتبّع.

стр. 656

ويظهر أن موهبة الشعر تيقظت عنده مبكرة، وطبيعى وهو قد نشأ فى البصرة أن يتجه بشعره إلى المديح والهجاء اللذين كانا شائعين فيها على ألسنة الشعراء من حوله، غير أن الهجاء هو؟ ؟ ؟ غلب عليه، وقد صبه صبّا على أسرة زياد بن أبيه، وكان الذى؟ ؟ ؟ فيها أن سعيد بن عثمان والى معاوية على خراسان أراد استصحابه فآثر عليه عبّاد بن زياد والى سجستان، وصحبه فلم يحمده، وكان عباد طويل اللحية عريضها، فركب ذات يوم وابن مفرغ يسير معه فى موكبه، فهبّت ريح، فنفشت لحيته. فقال ابن مفرغ توا: ألا ليت اللّحى كانت حشيشا ... فنعلفها دوابّ المسلمينا وعلم عباد بما قال، فأخذ يجفوه ويتنكر له، وأخذ ابن مفرغ يظهر ندمه على صحبته وتركه لسعيد بن عثمان، وفى ذلك يقول: إن تركى ندى سعيد بن عثما ... ن فتى الجود ناصرى وعديدى واتّباعى أخا الوضاعة واللّؤ ... م لنقص وفوت شأو بعيد وكان على ابن مفرغ دين، فاستعدى عليه دائنوه عبّادا، فأمر ببيع ماله فى دينه. وكان فيما بيع عليه عبد يقال له برد وجارية تسمى أراكة، فبكاهما طويلا بمثل قوله: وشريت بردا ليتنى ... من بعد برد كنت هامه (١) يا هامة تدعو صدى ... بين المشقّر فاليمامه (٢) الريح تبكى شجوه ... والبرق يلمع فى الغمامه (٣) وأخذ يهجو عبّادا وأخاه عبيد الله والى العراق وأباهما زيادا هجاء مقذعا، وكان مما وقف عنده طويلا استلحاق معاوية بزياد، معلنا نكيره على هذا الاستلحاق بمثل قوله:

стр. 657

ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة عن الرجل اليمانى أتغضب أن يقال أبوك عفّ ... وترضى أن يقال أبوك زانى وأشهد أن إلكّ من زياد ... كإلّ الفيل من ولد الأتان (١) وكان أهل البصرة يتغنّون بهجائه لتلك الأسرة، مما أثار عليه حفيظة عبيد الله، فطلبه وألحّ فى طلبه. وحدث أن قدم البصرة وعبيد الله غائب عنها فى وفادة على معاوية أو على ابنه يزيد، فاستجار بالمنذر بن الجارود، وكان عبيد الله مصهرا إليه، فأجاره. وعاد عبيد الله فلم يرع جوار المنذر، وأخذ ابن مفرّغ وسجنه. ورأى أن ينكّل به، فأمر-كما مر بنا فى غير هذا الموضع- أن يسقى نبيذا ويحمل على بعير مقرونا إلى هرّة وخنزير ويطاف به فى أزقة البصرة بتلك الصورة المزرية، واجتمع الصبية حوله فى طوافه يخاطبونه بالفارسية ما هذا، وهو يرد عليهم بلغتهم هاجيا عبيد الله وجدته سميّة هجاء مقذعا. وردّ إلى السجن، ويقال بل أرسله عبيد الله إلى أخيه عباد لينزل به عقابا أليما، فألقى به فى غيابات السجون. وشفعت فيه اليمنية عند يزيد بن معاوية، وألحت فى شفاعتها، حتى أمر بإطلاقه، وقد مضى يهجو عبّادا وأخاه عبيد الله، وخاصة حين خلا له الجوّ بفرار عبيد الله إلى الشام عقب وفاة يزيد بن معاوية، فقد ظلّ يسقط عليه بهجاء مرير.، وقد توّفى سنة تسع وستين. الحكم (٢) بن عبدل من بنى أسد، نشأ بالكوفة، يمدح ويهجو، وكان هواه مع بنى أمية، فلما دخل العراق فى طاعة ابن الزبير أمر بنفيه إلى الشام، فقدمها على عبد الملك وحظى عنده، وله فى تحريضه على قتال مصعب بن الزبير وهجائه هو وأسرته أشعار كثيرة من مثل قوله: يا ليت شعرى وليت ربما نفعت ... هل أبصرنّ بنى العوّام قد شملوا بالذلّ والأسر والتشريد إنهم ... على البريّة حتف حيثما نزلوا

стр. 658

ولما دخلت العراق فى طاعة عبد الملك رجع إلى وطنه وأخذ يمدح بشر بن مروان وابنه عبد الملك وكثيرا من أجواد بلدته، وكانت فيه فكاهة جعلته يتصعلك فى بعض مدائحه، إذ نراه يصف لممدوحيه بؤسه وما يملأ بيته من عناكب وحشرات وجرذان (١). وبذلك كان مقدمة للأدباء الصعاليك الذين ظهروا فى العصر العباسى، وكانوا سببا فى نشوء فن المقامات عند بديع الزمان ثم الحريرى. وكان هجّاء خبيث اللسان، وممن هجاهم طويلا محمد بن حسان بن سعد، وكان يتولّى خراج الكوفة، فكلمه فى شخص ليضع عنه ثلاثين درهما من خراجه فرده ردّا قبيحا جعله يسلّ لسانه عليه بقصيدة طويلة يقول فيها: رأيت محمدا شرها ظلوما ... وكنت أراه ذا ورع وقصد يقول: أماتنى ربّى خداعا ... أمات الله حسّان بن سعد وذاعت القصيدة على ألسنة الكوفيين، حتى كان المكارى يسوق بغله أو حماره فيقول: عدّ، أمات الله حسان بن سعد. وحدث أن خطب ابن حسان فتاة من ولد قيس بن عاصم وسمع بذلك ابن عبدل، فأخذ يعمل على إفساد هذه الخطبة بأشعار كثيرة من مثل قوله: وما كان حسان بن سعد ولا ابنه ... أبو المسك من أكفاء قيس بن عاصم (٢) خذى دية منه تكن لك عدّة ... وجيئى إلى باب الأمير فخاصمى وكان ذلك سببا فى نقض هذا الصّهر، إذ أنفت للفتاة عشيرتها وردت ابن حسان ردّا قبيحا. وممن هجاهم ابن عبدل عمر بن يزيد الأسدى صاحب شرطة الحجاج، وله يصف شحّه وتقتيره: جئنا وبين يديه التّمر فى طبق ... فما دعانا أبو حفص ولا كادا وولى إمارة الكوفة لمسلمة بن عبد الملك فى ولايته على العراق عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وكان أعرج، وتصادف أن كان صاحب شرطته مثله أعرج، فدخل عليه الحكم، وكان هو الآخر أعرج، فأنشده فى أبيات:

стр. 659

ألق العصا ودع التخامع والتمس ... عملا فهذى دولة العرجان (١) فأعطاه عبد الحميد مائتى درهم وسأله أن يكف عنه، ويقول الجاحظ: «لما شاع هجاء الحكم بن عبدل الأسدى لمحمد بن حسان بن سعد وغيره من الولاة والوجوه هابه أهل الكوفة، واتقى لسانه الكبير والصغير، وكان الحكم أعرج لا تفارقه عصاه، فترك الوقوف بأبوابهم، وصار يكتب على عصاه حاجته. ويبعث بها مع رسوله، فلا يحبس له رسول وتأتيه الحاجة على أكثر مما قدّر وأوفر مما أمل، فقال يحيى بن نوفل (٢): عصا حكم فى الدار أول داخل ... ونحن على الأبواب نقصى ونحجب (٣) وللحكم هجاء فكه فى زوجة همدانية كرهها ونفر منها، ونراه يصورها متغضنة الجلد قبيحة قبحا شديدا. والمظنون أنه توفّى فى مطالع القرن الثانى للهجرة. تابت (٤) قطنة هو ثابت بن كعب من بنى العتيك الأزديين، وقيل بل هو مولى لهم، ولقّب قطنة لأن سهما أصابه فى إحدى عينيه فى بعض حروب الترك، فذهب بها، فكان يجعل عليها قطنة. وهو من فرسان المهلب المبرّزين وقد علا نجمه فى ولاية يزيد بن المهلب الأزدى على خراسان إذ كان يولّيه أعمالا فى الثغور، فيحسنها وتظهر كفايته وبسالته. وكان قوم من المرجئة هناك يجتمعون ويتجادلون فمال إلى قولهم واعتنقه أشد اعتناق، وقد مرت بنا أبياته فى الإرجاء فى تضاعيف حديثنا عن الثقافة.

стр. 660

ويلتئم فى ثابت هجاء العصبيات وهجاء الأسباب الشخصية، إذ كان يتعصب لقومه من الأزد تعصبا شديدا. وكان أقل حادث يثيره. ونراه مع المهلب فى حروب الأزارقة، ويتعرض بعض بنى الكوّاء اليشكريين للمهلب والأزد بالهجاء، فينبرى هاجيا له ولعشيرته بمثل قوله: كل القبائل من بكر نعدّهم ... واليشكريّون منهم ألأم العرب ويمضى مع المهلب إلى خراسان، فيظل بها بقية حياته غازيا مجاهدا فى سبيل الله. ولما وليها يزيد بن المهلب أخلص له ودّه، فكان يمدحه، وكلما شغبت عليه قبيلة صبّ عليها هجاءه. وكانت قبائل ربيعة لما حالفت الأزد فى البصرة كما قدمنا تعينها وتشدّ من أزرها لا فى البصرة فقط، بل أيضا فى فى خراسان حين وليها المهلب ثم ابنه يزيد، ولكن حدث أن استبطأت يزيد فى بعض الأمر، وهى تنزل مع الأزد حواليه، فشغبت عليه حتى أرضاها، وأغضب ذلك ثابت، فهجاها بأشعار كثيرة يقول فيها: عصافير تنزو فى الفساد وفى الوغى ... إذا راعها روع جماميح بروق (١) وأنتم على الأدنى أسود خفيّة ... وأنتم على الأعداء خزّان سملق (٢) وحين ولى قتيبة بن مسلم الباهلى خراسان بعد عزل الحجاج ليزيد بن المهلب أخذ يزورّ عنه امتعاضا لابن المهلب. ولم يلبث أن هجاه هو وقبيلته باهلة حين هزمت فى بعض حروب الترك وثبتت تميم، فقال: توافت تميم فى الطّعان وعرّدت ... بهيلة لما عاينت معشرا غلبا (٣) تسامون كعبا فى العلا وكلابها ... وهيهات أن تلقوا كلابا ولا كعبا وأهمّ شاعر اصطدم به حاجب بن ذبيان المازنى التميمى، وكان قد أعطاه يزيد بن المهلب جائزة كبيرة لبعض مديحه فيه، فغبطه عليها، وأساء له

стр. 661

ببعض القول، فهجاه حاجب، وبادله الهجاء، ولقّبه فى هجائه بالفيل، فأصبح ذلك علما عليه فسمّاه الناس حاجبا الفيل، وله يقول فى بعض أهاجيه: أحاجب! لولا أن أصلك زيّف ... وأنك مطبوع على اللؤم والكفر وأنى لو أكثرت فيك مقصّر ... رميتك رميا لا يبيد يد الدهر وله أشعار كثيرة فى مدح المهالبة ورثائهم، وقد بكى يزيد حين قتل فى معاركه مع بنى أمية طويلا، وهو فى مديحه ورثائه لهم يستشعر عصبية القبيلة استشعارا قويّا. وأكبر الظن أنه توفى قبل نهاية العقد الأول من القرن الثانى. ٣ - شعراء النقائض هيأ استعار العصبيات فى البصرة وخراسان لاشتعال الهجاء طوال هذا العصر، كما هيأ لنمو فن النقائض نموّا واسعا، وقد أعدّت لهذا النمو أسباب كثيرة، يرجع بعضها إلى عوامل اجتماعية وبعضها إلى عوامل عقلية. أما العوامل الاجتماعية فمردّها إلى حاجة المجتمع العربى خاصة فى البصرة إلى ضرب من الملاهى يقطع به الناس أوقاتهم الطويلة. ودائما حين تنشأ المدن تنشأ معها أوقات فراغ تبعث أهلها على أن يملئوها إما بالدرس والنظر العقلى وإما بلهو يختلفون إليه. وفعلا نهضت-كما رأينا فى غير هذا الموضع-دراسات دينية وعقلية مختلفة، وكان لا بد أن ينشأ بجانبها نوع من أنواع الملاهى يجد فيه الفارغون من العمل تسليتهم، وقد رأينا المدينة ومكة تقبلان على الغناء وتجدان فيه حاجة أهلهما من التسلية واللهو. ولم تتجه قبائل العراق هذا الاتجاه، إذ كانت شديدة الصلة بحياتها البدوية القديمة، وأخذت نيران الهجاء تشتعل فيها اشتعالا شديدا. حينئذ انبرى الهجّاءون يملأون أوقات الناس هناك بأهاجيهم، وسرعان ما تحولوا بها إلى نقائض مثيرة، فشاعر قبيلة من القبائل ينظم قصيدة من القصائد فى الفخر بقبيلته وأمجادها ويتعرض لخصّومها من القبائل الأخرى فينبرى له شاعر

стр. 662

من شعراء تلك القبائل يرد عليه بقصيدة على وزن قصيدته ورويّها، وكأنه يريد أن يظهر تفوقه عليه من ناحية المعانى ومن ناحية الفن نفسه، ويتجمّع الناس من حواليهما يصفّقون ويهتفون ويصيحون (١). وبذلك تحولت النقائض من غاية الهجاء الخالص إلى غاية جديدة هى سدّ حاجة الجماعة الحديثة فى البصرة إلى ضرب من ضروب الملاهى. وتدخلت فى صنع النقائض بجانب هذه العوامل الاجتماعية عوامل عقلية مردّها إلى نمو العقل العربى ومرانه الواسع على الحوار والجدل والمناظرة فى النّحل السياسية والعقيدية وفى الفقه وشئون التشريع. وعلى ضوء من ذلك كله أخذ شعراء النقائض يتناظرون فى حقائق القبائل ومفاخرها ومثالبها، وكل منهم يدرس موضوعه دراسة دقيقة ويبحث فى أدلته ليوثّقها وفى أدلة خصمه لينقضها دليلا دليلا، وكأننا أصبحنا بإزاء مناظرات شعرية، وهى مناظرات كانت تتخذ سوق المربد مسرحا لها، فالشعراء يذهبون هناك، ويذهب إليهم الناس ويتحلّقون من حولهم، ليروا من تكون له الغلبة على زميله أو زملائه. وأهمّ من وقفوا حياتهم على تنمية تلك النقائض القبلية مستلهمين فيها ظروف العصر وأحداثه السياسية جرير والفرزدق التميميان (٢). وكان أولهما من عشيرة كليب اليربوعية، والثانى من عشيرة مجاشع الدارمية، وقد ظلا يتناظران نحو خمسة وأربعين عاما فى عشيرتيهما من جهة وفى قيس وتميم من جهة ثانية، فإن ظروفا كثيرة جعلت جريرا يقف فى صفوف قيس محاميا عنها ضد خصومها، وذلك أن عشيرته اليربوعية أسرعت بالبيعة لابن الزبير، فاتفق هوى عشيرته مع هوى قيس، وتصادف أن كان قد قتل مجاشعىّ الزبير بن العوام حين لجأ بعد موقعة الجمل إلى مجاشع، وأيضا تصادف أن لجأت النّوار زوج الفرزدق حين غاضبته إلى ابن الزبير، فأعانها عليه، مما جعل الفرزدق يهجوه (٣).

стр. 663

ونحن لا نصل إلى حكم القباع والى ابن الزبير على البصرة سنة ٦٦ حتى نجد الشاعرين التميميين ملتحمين فى تلك المناظرة، يدل على ذلك أننا نجدهما فى نقيضتين لهما يعلنان نكيرهما على هذا الوالى، إذ أمر بهدم بيتهما لما يثيران من ضغائن بين القبائل (١). ويقول الرواة إن سبب التحامهما أن شاعرا من عشيرة سليط اليربوعية يسمى غسّانا هجا جريرا فسقط عليه بهجاء مرير، فاستغاث منه بالبعيث (٢) المجاشعى، فأغاثه بمثل قوله فى جرير وعشيرته: أترجو كليب أن يجئ حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها فانصبّ جرير عليه وعلى مجاشع شواظ نار، وأفحش بنسائهم إفحاشا شديدا جعلهن يستغثن منه بالفرزدق. وكان معروفا بإقذاعه فى الهجاء، وقصته مع زياد بن أبيه وهربه منه لهجائه بنى فقيم التميميين معروفة، ووجدنه عاكفا على حفظ القرآن الكريم، يريد أن يبدأ سيرة جديدة، فما زلن به يستثرنه قائلات إن جريرا هتك عورات نسائك، وظللن يوردن عليه ذلك حتى أحفظنه، فهجا جريرا، واستطار الهجاء بينهما وامتدا به لا إلى عشيرتيهما فحسب، بل أيضا إلى قيس وتغلب وتميم. وبذلك تكاملت حلقات هذه المناظرة العنيفة بين الشاعرين. وكان كثير من الشعراء ينزلق فيها متحيزا للفرزدق على جرير، فكان يشوى وجوههم ووجوه عشائرهم بنيران هجائه، فينسحبون منهزمين على شاكلة الرّاعى (٣)، وكان من سوء حظّه أن فضّل الفرزدق على جرير بقوله: يا صاحبىّ دنا الرّواح فسيرا ... غلب الفرزدق فى الهجاء جريرا وهجاه بقصيدة بائية، فنظم جرير قصيدة هجاه بها كما هجا الفرزدق، ويقول الرواة إنه ما زال يعدّها «حتى عرف أن الناس قد جلسوا مجالسهم

стр. 664

بالمربد، وكان له مجلس، وللفرزدق مجلس، فدعا بدهن (طيب) فادّهن وكفّ (١) رأسه، وكان حسن الشّعر، ثم قال: يا غلام أسرج لى، فأسرج له حصانا، ثم قصد مجلس الفرزدق والراعى، فتوجه للراعى يقول له: أبعثك نسوتك تكسبهن المال بالعراق، أما والذى نفس جرير بيده لترجعن إليهن بميسر (٢) يسوءهن ولا يسرّهن (٣)، ثم اندفع فأنشد قصيدته، وفيها يقول للراعى بيته المشهور: فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا ولم يلبث الراعى أن انصرف من مجلس الفرزدق يعلوه الخزى والصّغار، واتجه توا إلى منازل قبيلته نمير فى نجد، وهو يردّد: فضحنا والله جرير، وهم يقولون: هذا شؤمك. وإنما أطلنا فى هذا الخبر لنعطى صورة عن شاعر النقائض فى المربد، وكيف كان بحتفل بثيابه وزينته، وكيف كان له مجلس يتحلق فيه الناس من حوله ليستمعوا إلى شعره بين الصياح والتهليل، وأيضا لندل على قدرة جرير فى الهجاء وكيف كان يفضح من يتعرضون له فضيحة الأبد. ويقال إنه أسقط فى الهجاء ثلاثة وأربعين شاعرا، ويقال بل ثمانين ونيفا، كانت أقواسهم أضعف من أن ترميه بمثل سهامه المصمية، وممن ثبت له قليلا ثم اندحر عمر بن لجأ التّيمىّ (٤)، وله يقول: أتوعدنا ونمنع ما أردنا ... ونأخذ من ورائك ما نريد ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود لئام العالمين كرام تيم ... وسيّدهم-وإن رغموا-مسود

стр. 665

وقد جعله دفاعه عن قيس يصطدم بالأخطل شاعر تغلب، وسنعرض لذلك عما قليل. وفى الحق أن الفرزدق أهم شاعر اشتبك معه، إذ كان على شاكلته يعرف كيف يبرى نبال الهجاء المصمية، وقد تبادل معه نقائض كثيرة، وظلا سنين طويلة يتحاوران ويتجادلان وكل منهما يغترف من نبع لا ينضب فى نفسه. ومن يرجع إلى شرح أبى عبيدة لنقائضهما يجده يستعين على شرحه لها بأيام العرب، ذلك لأن الشاعرين لم يتركا يوما للقبائل التى يتحدثان عنها دون أن يذكراه. فجرير يتحدث عن أيام يربوع وقيس، والفرزدق يتحدث عن أيام مجاشع وتميم، وقد يضيف إلى ذلك حديثا عن أيام تغلب انتصارا للأخطل. وهما لا يتحدثان عن أيام الجاهلية فحسب، بل يتحدثان أيضا عن أيام الإسلام، وخاصة ما كان بين تميم وقيس فى خراسان، إذ دفعت تميما الحوادث هناك لكى تنكّل بعبد الله بن خازم السّلمى والى ابن الزبير حين ثار على عبد الملك بعد قتل مصعب، كما نكلت بعد ذلك بقتيبة بن مسلم الباهلى حين ثار على سليمان ابن عبد الملك. ومعنى ذلك أن جريرا والفرزدق درسا دراسة عميقة تاريخ القبائل العربية فى الجاهلية والإسلام واستلهما هذا التاريخ فى نقائضهما، بحيث تعدّ وثائق تاريخية طريفة. وكان ذلك من غير شك يصعّب عمل النقيضة، لأنها لم تكن هجاء فحسب، بل كانت أيضا دراسة، ولم يكن الشاعر يدرس تاريخ القبائل التى كان يحامى عنها فحسب، بل كان يدرس أيضا تاريخ القبائل التى يهجوها ليقف على الأيام التى انهزمت فيها، حتى ينشر مخازيها فى الناس. وواضح أن أساس الهجاء فى النقائض كان يقوم على العصبيات القبلية، وقد مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن هذه العصبيات اختلطت فى العصر الأموى بالسياسة، وهيأ ذلك النقيضة لأن تخوض فى مديح الخلفاء والولاة، بحيث أصبحت لا تحتوى فخرا وهجاء فحسب، بل تحتوى كذلك مديحا، كما تحتوى نسيبا وغزلا. والشاعر فى كل هذه الموضوعات يستلهم الإسلام فى معانيه، كما يستلهم قدرة العقل العربى الجديدة على الجدال ونقض الدليل بالدليل، وقدرته أيضا على التوليد فى المعانى. وبذلك كله أصبحت النقيضة

стр. 666

عند الفرزدق وجرير عملا فنيّا معقدا. ولعل من الخير أن نقف عند نقيضتين للشاعرين نرى فيهما جملة ما كانا يعرضان له من المعانى، ونحن نختار للفرزدق نقيضته: تحنّ بزوراء المدينة ناقتى ... حنين عجول تبتغى البوّ رائم (١) وهو فى غزلها يستشعر الإسلام خائفا وجلا من يوم الحساب. ونراه يعتذر مما قد بدر منه من أشعار تصوّره فاسقا، ويدعوها لغوا من القول، وإنه ليقول: ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم وهو يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿(لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ)﴾ ويمضى فيمدح سليمان بن عبد الملك بمثل قوله: جعلت لأهل الأرض نورا ورحمة ... وعدلا وغيث المغبرات القواتم (٢) وكان الحجاج لجّ فى البيعة لعبد العزيز بن الوليد من دون سليمان، وتوفّى قبل خلافته، فنكّل بمن لجّوا معه من ولاته على المشرق. ونرى الفرزدق يهجو الحجاج هجاء مرّا صوّره فيه طاغيا باغيا، لقى جزاء بغيه وطغيانه من ربه، فأصابه بما أصاب به ابن نوح حين ارتقى إلى جبل فغرق مع الغارقين وما أصاب به أصحاب الفيل إذ ترميهم طير أبابيل. ولم يزل به حتى جعله من أهل النار. وممن يتلقون كتابهم بالشمال. وخرج الفرزدق من ذلك إلى قتيبة بن مسلم الباهلى وثورته على سليمان بخراسان، وافتخر بأن تميما بزعامة وكيع بن أبى سود هى التى قضت عليه، ومضى يكيل لقيس وشاعرها جرير هجاء مريرا، متعرضا لثورة ابن خازم وقضاء تميم عليه ولأيام تغلب على قيس فى الجزيرة. ويتجسّم له جرير كأنه قيس نفسها فيقول:

стр. 667

وألقيت من كفّيك حبل جماعة ... وطاعة مهدىّ شديد النّقائم (١) ويسمّى أصحاب قتيبة مشركين، يضربون فيهم بسيف سليمان الذى ضرب الله به مشركى قريش فى يوم بدر. ويعيّر جريرا بما يأخذ من هدايا قيس، ويعتذر عن حادث نبوّ السيف فى يده مما سنعرض له عما قليل. ويفتخر على صاحبه فخرا عارما بتميم وأيامها فى الجاهلية وأمجادها العريقة فى الحروب، ويهجو عشيرته برعيها الحمير، ومن ثم يسميه ابن المراغة (الأتان) فهم ليسوا فرسانا ولا أهل خيل وحروب، ويقول: فيا عجبا حتى كليب تسبنى ... وكانت كليب مدرجا للشتائم ودائما يصف كليب باللؤم والدناءة، ويفحش فى النّيل من نسائها ومن أم جرير خاصة، ولا يترك مذمة إلا ويلفح بها جريرا وعشيرته، وفيها يقول من نقيضة أخرى: ولو ترمى بلؤم بنى كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسار ولو يرمى بلؤمهم نهار ... لدنّس لؤمهم وضح النهار وما يغدو عزيز بنى كليب ... ليطلب حاجة إلا بجار ووقف جرير فى الصف المقابل يردّ عليه نقيضته التى لخصناها آنفا، فمضى بعد غزلها يتحدث عن الفرزدق وفسقه الذى اشتهر به، يقول: لقد ولدت أمّ الفرزدق فاجرا ... وجاءت بوزواز قصير القوائم (٢) وما كان جار للفرزدق مسلم ... ليأمن قردا ليله غير نائم أتيت حدود الله مذ أنت يافع ... وشبت فما ينهاك شيب الّلهازم (٣) تتبّع فى الماخور كلّ مريبة ... ولست بأهل المحصنات الكرائم (٤)

стр. 668

ومضى يصمه بأخته جعشن، وكانت سيدة طاهرة، ولكنه الهجاء، كما وصمه بأنه قين ابن قين، فهو ليس شريف الأصل كما يزعم. وكان لجده قيون، فرمى جدّته بهم، كى يغيظه ويحفظه. ودائما يردد له جرير ذلك كما يردد قذفه فى أخته، وأيضا فإنه كان يردد كما فى هذه النقيضة أن مجاشعا لم تحفظ للزبير حق جواره، ولو أنه كان جارا لقيس أو ليربوع لحفظا له جواره، كل ذلك ليضرب من حواليه نطاقا من الذل. وكان الذى قتل قتيبة بن مسلم الباهلى وكيع بن أبى سود اليربوعى، فهو ليس مجاشعيا؛ إنما هو من قوم جرير، ومن ثمّ يقول له: فغيرك أدّى للخليفة عهده ... وغيرك جلّى عن وجوه الأهاتم (١) فإن وكيعا حين خارت مجاشع ... كفى شعب صدع الفتنة المتفاقم لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا ... وريش الذّنابى تابع للقوادم (٢) وبذلك استلّ منه الفخر بحادثة وكيع، وجعلها لقومه اليربوعيين، لا لمجاشع وشاعرها الفرزدق. وأخذ يفخر بباهلة قبيلة قتيبة القيسية وأيامها فى الجاهلية، وعمّم الفخر بقيس وأيامها ضد تغلب فى الجزيرة، وعيّر تغلب بمسيحيتها وما تدفع من خراج لخليفة المسلمين، وكان عمر قبل منها أن تدفع صدقة كالعرب لا جزية، ولكن جريرا يأبى إلا أن يسمّى ما تدفعه جزية، ثلبا وتعييرا. ويعود إلى أيام قيس فى الجاهلية، يعددها، ويعدد مالها من انتصارات على تميم وخاصة على دارم. وتصادف أن كان جرير والفرزدق يصحبان سليمان بن عبد الملك فى أثناء حجّة له. وجاءوه بأسرى من الروم، فأمر بحزّ حلاقمهم، وأعطى لبعض من صحبوه أسياف يضربون بها رءوس هؤلاء الروم، وعرف بعض القيسيين أن سيطلب إلى الفرزدق أن يضرب أحدهم، فدسّوا له سيفا كليلا لا يقطع، فلما ضرب به لم يصنع شيئا فى الرومىّ. وانتهزها جرير، فكان يكرر له هذا

стр. 669

الحادث ليضحك أهل المربد عليه، بما يصور من خوره وجبنه، ومن ثمّ يقول له الفرزدق فى نقيضته السالفة: فهل ضربة الرومىّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم ونرى جريرا يردّ عليه بمثل قوله: بسيف أبى رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم (١) ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم ضربت به عرقوب ناب بصوأر ... ولا تضربون البيض تحت الغماغم (٢) عنيف بهزّ السيف قين مجاشع ... رفيق بأخرات الفئوس الكرازم (٣) وكان الفرزدق كثير الافتخار بيوم صوءر، وهو يوم نحر فيه أبوه غالب للناس مائة بعير وقيل أربعمائة، فجلّل له جرير هذه المكرمة بعار الجبن، فأبوه وهو إنما يضربان، بمثل هذا السيف الذى نبا فى يده، عراقيب الإبل لا صدور الفرسان. ويقول له إنك قين لا تحسن الضرب بالسيف، بل تفزع وتهلع حين تمسك به، إنما تحسن الإمساك بالفئوس فهى صناعتك. وواضح أن جريرا لم يقف بنبوّ السيف فى يد الفرزدق ووصفه بأنه قين ابن قين عند حد الثّلب، بل لقد تحول بهما إلى عنصرين من عناصر الإضحاك على الفرزدق. واستخرج من الوصف الأخير أبياتا مضحكة كثيرة تدل أبلغ الدلالة على ما أصاب العقل العربىّ عند جرير من قدرة على التوليد فى المعانى، كما نرى فى مثل قوله: إذا آباؤنا وأبوك عدّوا ... أبان المقرفات من العراب (٤) فأورثك العلاة وأورثونا ... رباط الخيل أفنية القباب (٥)

стр. 670

وقوله: هو القين وابن القين لا قين مثله ... لفطح المساحى أو لجدل الأداهم (١) وقوله: ورقّع لجدّك أكياره ... وأصلح متاعك لا تفسد وأدن العلاة وأدن القدوم ... ووسّع لكيرك فى المقعد وكان جرير يعرف كيف يستخرج من كل شئ هذا العنصر من عناصر الإضحاك، وقد غاظه من الفرزدق انضمامه إلى الأخطل النصرانى ضده، فأخذ يضحك عليه سامعيه فى المربد بمثل قوله: وإنك لو تعطى الفرزدق درهما ... على دين نصرانيّة لتنصّرا وقوله: يحبّك يوم عيدهم النّصارى ... ويوم السّبت شيعتك اليهود ولعل فى هذا ما يدل أكبر الدلالة على أن النقائض عند الشاعرين الكبيرين: جرير والفرزدق إنما كان يقصد بها قبل كل شئ إلى تسلية الجماعة العاطلة التى تكونت فى المدينتين الكبيرتين: البصرة والكوفة. وقد بدأت بأسباب قبلية، ولكنها تطورت إلى مناظرة يراد بها ملء أوقات العاطلين، وهى مناظرة كانت تقاطع بالتهليل والتصفيق. ومن ثم لم تأخذ شكلا جادّا من أشكال الهجاء المعروفة عند العرب. ولو أنها أخذت شكلا من هذه الأشكال لشهرت معها السيوف، وخاصة حين يأخذ جرير والفرزدق فى قذف نساء العشائر والأمهات والأخوات. إنها لم تعد هجاء بالمعنى القديم، بل أصبحت فنّا يقصد به إلى إمتاع الناس فى البصرة وقطع أوقات فراغهم. ولذلك كان الخلفاء والولاة يستقدمون شاعريها المبرزين، ليتناشدا أمامهم ابتغاء اللهو والتسلية (٢). وكل الأخبار تؤكد أن جريرا والفرزدق كانا متصافيين متوادّين لا متخاصمين متباغضين، فهما يجتمعان
следующие страницы →