عند الفرزدق وجرير عملا فنيّا معقدا. ولعل من الخير أن نقف عند نقيضتين للشاعرين نرى فيهما جملة ما كانا يعرضان له من المعانى، ونحن نختار للفرزدق نقيضته:
تحنّ بزوراء المدينة ناقتى ... حنين عجول تبتغى البوّ رائم (١)
وهو فى غزلها يستشعر الإسلام خائفا وجلا من يوم الحساب. ونراه يعتذر مما قد بدر منه من أشعار تصوّره فاسقا، ويدعوها لغوا من القول، وإنه ليقول:
ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم
وهو يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿(لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ)﴾ ويمضى فيمدح سليمان بن عبد الملك بمثل قوله:
جعلت لأهل الأرض نورا ورحمة ... وعدلا وغيث المغبرات القواتم (٢)
وكان الحجاج لجّ فى البيعة لعبد العزيز بن الوليد من دون سليمان، وتوفّى قبل خلافته، فنكّل بمن لجّوا معه من ولاته على المشرق. ونرى الفرزدق يهجو الحجاج هجاء مرّا صوّره فيه طاغيا باغيا، لقى جزاء بغيه وطغيانه من ربه، فأصابه بما أصاب به ابن نوح حين ارتقى إلى جبل فغرق مع الغارقين وما أصاب به أصحاب الفيل إذ ترميهم طير أبابيل. ولم يزل به حتى جعله من أهل النار.
وممن يتلقون كتابهم بالشمال. وخرج الفرزدق من ذلك إلى قتيبة بن مسلم الباهلى وثورته على سليمان بخراسان، وافتخر بأن تميما بزعامة وكيع بن أبى سود هى التى قضت عليه، ومضى يكيل لقيس وشاعرها جرير هجاء مريرا، متعرضا لثورة ابن خازم وقضاء تميم عليه ولأيام تغلب على قيس فى الجزيرة. ويتجسّم له جرير كأنه قيس نفسها فيقول:
стр. 667
وألقيت من كفّيك حبل جماعة ... وطاعة مهدىّ شديد النّقائم (١)
ويسمّى أصحاب قتيبة مشركين، يضربون فيهم بسيف سليمان الذى ضرب الله به مشركى قريش فى يوم بدر. ويعيّر جريرا بما يأخذ من هدايا قيس، ويعتذر عن حادث نبوّ السيف فى يده مما سنعرض له عما قليل. ويفتخر على صاحبه فخرا عارما بتميم وأيامها فى الجاهلية وأمجادها العريقة فى الحروب، ويهجو عشيرته برعيها الحمير، ومن ثم يسميه ابن المراغة (الأتان) فهم ليسوا فرسانا ولا أهل خيل وحروب، ويقول:
فيا عجبا حتى كليب تسبنى ... وكانت كليب مدرجا للشتائم
ودائما يصف كليب باللؤم والدناءة، ويفحش فى النّيل من نسائها ومن أم جرير خاصة، ولا يترك مذمة إلا ويلفح بها جريرا وعشيرته، وفيها يقول من نقيضة أخرى:
ولو ترمى بلؤم بنى كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسار
ولو يرمى بلؤمهم نهار ... لدنّس لؤمهم وضح النهار
وما يغدو عزيز بنى كليب ... ليطلب حاجة إلا بجار
ووقف جرير فى الصف المقابل يردّ عليه نقيضته التى لخصناها آنفا، فمضى بعد غزلها يتحدث عن الفرزدق وفسقه الذى اشتهر به، يقول:
لقد ولدت أمّ الفرزدق فاجرا ... وجاءت بوزواز قصير القوائم (٢)
وما كان جار للفرزدق مسلم ... ليأمن قردا ليله غير نائم
أتيت حدود الله مذ أنت يافع ... وشبت فما ينهاك شيب الّلهازم (٣)
تتبّع فى الماخور كلّ مريبة ... ولست بأهل المحصنات الكرائم (٤)
стр. 668
ومضى يصمه بأخته جعشن، وكانت سيدة طاهرة، ولكنه الهجاء، كما وصمه بأنه قين ابن قين، فهو ليس شريف الأصل كما يزعم. وكان لجده قيون، فرمى جدّته بهم، كى يغيظه ويحفظه. ودائما يردد له جرير ذلك كما يردد قذفه فى أخته، وأيضا فإنه كان يردد كما فى هذه النقيضة أن مجاشعا لم تحفظ للزبير حق جواره، ولو أنه كان جارا لقيس أو ليربوع لحفظا له جواره، كل ذلك ليضرب من حواليه نطاقا من الذل. وكان الذى قتل قتيبة بن مسلم الباهلى وكيع بن أبى سود اليربوعى، فهو ليس مجاشعيا؛ إنما هو من قوم جرير، ومن ثمّ يقول له:
فغيرك أدّى للخليفة عهده ... وغيرك جلّى عن وجوه الأهاتم (١)
فإن وكيعا حين خارت مجاشع ... كفى شعب صدع الفتنة المتفاقم
لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا ... وريش الذّنابى تابع للقوادم (٢)
وبذلك استلّ منه الفخر بحادثة وكيع، وجعلها لقومه اليربوعيين، لا لمجاشع وشاعرها الفرزدق. وأخذ يفخر بباهلة قبيلة قتيبة القيسية وأيامها فى الجاهلية، وعمّم الفخر بقيس وأيامها ضد تغلب فى الجزيرة، وعيّر تغلب بمسيحيتها وما تدفع من خراج لخليفة المسلمين، وكان عمر قبل منها أن تدفع صدقة كالعرب لا جزية، ولكن جريرا يأبى إلا أن يسمّى ما تدفعه جزية، ثلبا وتعييرا. ويعود إلى أيام قيس فى الجاهلية، يعددها، ويعدد مالها من انتصارات على تميم وخاصة على دارم.
وتصادف أن كان جرير والفرزدق يصحبان سليمان بن عبد الملك فى أثناء حجّة له. وجاءوه بأسرى من الروم، فأمر بحزّ حلاقمهم، وأعطى لبعض من صحبوه أسياف يضربون بها رءوس هؤلاء الروم، وعرف بعض القيسيين أن سيطلب إلى الفرزدق أن يضرب أحدهم، فدسّوا له سيفا كليلا لا يقطع، فلما ضرب به لم يصنع شيئا فى الرومىّ. وانتهزها جرير، فكان يكرر له هذا
стр. 669
الحادث ليضحك أهل المربد عليه، بما يصور من خوره وجبنه، ومن ثمّ يقول له الفرزدق فى نقيضته السالفة:
فهل ضربة الرومىّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم
ونرى جريرا يردّ عليه بمثل قوله:
بسيف أبى رغوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم (١)
ضربت به عند الإمام فأرعشت ... يداك وقالوا محدث غير صارم
ضربت به عرقوب ناب بصوأر ... ولا تضربون البيض تحت الغماغم (٢)
عنيف بهزّ السيف قين مجاشع ... رفيق بأخرات الفئوس الكرازم (٣)
وكان الفرزدق كثير الافتخار بيوم صوءر، وهو يوم نحر فيه أبوه غالب للناس مائة بعير وقيل أربعمائة، فجلّل له جرير هذه المكرمة بعار الجبن، فأبوه وهو إنما يضربان، بمثل هذا السيف الذى نبا فى يده، عراقيب الإبل لا صدور الفرسان. ويقول له إنك قين لا تحسن الضرب بالسيف، بل تفزع وتهلع حين تمسك به، إنما تحسن الإمساك بالفئوس فهى صناعتك.
وواضح أن جريرا لم يقف بنبوّ السيف فى يد الفرزدق ووصفه بأنه قين ابن قين عند حد الثّلب، بل لقد تحول بهما إلى عنصرين من عناصر الإضحاك على الفرزدق. واستخرج من الوصف الأخير أبياتا مضحكة كثيرة تدل أبلغ الدلالة على ما أصاب العقل العربىّ عند جرير من قدرة على التوليد فى المعانى، كما نرى فى مثل قوله:
إذا آباؤنا وأبوك عدّوا ... أبان المقرفات من العراب (٤)
فأورثك العلاة وأورثونا ... رباط الخيل أفنية القباب (٥)
стр. 670
وقوله:
هو القين وابن القين لا قين مثله ... لفطح المساحى أو لجدل الأداهم (١)
وقوله:
ورقّع لجدّك أكياره ... وأصلح متاعك لا تفسد
وأدن العلاة وأدن القدوم ... ووسّع لكيرك فى المقعد
وكان جرير يعرف كيف يستخرج من كل شئ هذا العنصر من عناصر الإضحاك، وقد غاظه من الفرزدق انضمامه إلى الأخطل النصرانى ضده، فأخذ يضحك عليه سامعيه فى المربد بمثل قوله:
وإنك لو تعطى الفرزدق درهما ... على دين نصرانيّة لتنصّرا
وقوله:
يحبّك يوم عيدهم النّصارى ... ويوم السّبت شيعتك اليهود
ولعل فى هذا ما يدل أكبر الدلالة على أن النقائض عند الشاعرين الكبيرين:
جرير والفرزدق إنما كان يقصد بها قبل كل شئ إلى تسلية الجماعة العاطلة التى تكونت فى المدينتين الكبيرتين: البصرة والكوفة. وقد بدأت بأسباب قبلية، ولكنها تطورت إلى مناظرة يراد بها ملء أوقات العاطلين، وهى مناظرة كانت تقاطع بالتهليل والتصفيق. ومن ثم لم تأخذ شكلا جادّا من أشكال الهجاء المعروفة عند العرب. ولو أنها أخذت شكلا من هذه الأشكال لشهرت معها السيوف، وخاصة حين يأخذ جرير والفرزدق فى قذف نساء العشائر والأمهات والأخوات.
إنها لم تعد هجاء بالمعنى القديم، بل أصبحت فنّا يقصد به إلى إمتاع الناس فى البصرة وقطع أوقات فراغهم. ولذلك كان الخلفاء والولاة يستقدمون شاعريها المبرزين، ليتناشدا أمامهم ابتغاء اللهو والتسلية (٢). وكل الأخبار تؤكد أن جريرا والفرزدق كانا متصافيين متوادّين لا متخاصمين متباغضين، فهما يجتمعان
стр. 671
عند الخلفاء والولاة، وهما يرحلان إلى دمشق سويّا، وإذا نزلت بأحدهما شدة أو حزبه أمر وقف الآخر معه يمدّ له يد العون، فإذا طلب جرير لحرب الأزارقة تشفّع له الفرزدق (١)، وإذا هجا الفرزدق خالدا القسرىّ وحبسه تشفع له جرير عنده (٢)، وما يزال به يستعطفه ويسترحمه، لعله يلين له قلبه ويطلقه (٣). ونراه حين يلبّى القدر قبله يرثيه رثاء حارّا بمثل قوله:
ولا حملت بعد الفرزدق حرّة ... ولا ذات حمل من نفاس تعلّت (٤)
هو الوافد المحبوّ والراتق الثّأى ... إذا النّعل يوما بالعشيرة زلّت (٥)
فلم تكن المسألة مسألة هجاء حادّ إنما كانت مسألة مناظرة فنية بالشعر فى عصبيات القبائل والعشائر، على نحو ما كان يتناظر فى عصرنا أصحاب الصحافة الحزبية فى آرائهم السياسية مدافعين مهاجمين، وتظل لهم فى أثناء ذلك صداقتهم.
وواضح مما قدمنا أن نقائض جرير والفرزدق نشأت تلبية لحاجة أهل البصرة إلى ما يسدّ فراغهم ويشغل أوقاتهم، ولم يلبث الشاعران أن حققا لهم كل ما كانوا يبغون من ذلك، إذ تحولا بفن الهجاء القديم إلى هذه النقائض الجديدة التى استضاءا فيها بقدرة العقل العربى الحديثة على الجدال والتوليد فى المعانى. وارجع إلى أى فكرة عندهما كفكرة أن الفرزدق قين أو فكرة ذل بنى كليب فسترى كلا منهما يعرض الفكرة التى يقف عندها فى صور كثيرة، إذ ما يزال يولّد فيها، وما يزال يستنبط ويفرّع ويشعّب، وكأنما يريد أن لا يبقى فيها بقية. وانظر فى أى نقيضة يردّ بها أحدهما على خصمه، فستراه يقف بإزاء كل بيت قاله صاحبه ويردّ عليه صنع المتناطرين من أهل اللّدد والخصومة فى المسائل العقيدية، فهو يحاول جاهدا أن يبطل كل فكرة اعتمد عليها صاحبه فى هجائه وأن ينقضها نقضا. ومن ثمّ كنا نرى أن نقائض جرير والفرزدق فن جديد، وهى ككل فن يتصف بهذه الصفة، سبقتها مقدمات فى العصور
стр. 672
السالفة، ولكنها استوت عند الشاعرين فى صورة جديدة، وهى صورة معقدة، إذ اعتمدت على دراسة التاريخ القديم والحديث للقبائل ودراسة مفاخرها ومثالبها.
كما اعتمدت على استيحاء روح الإسلام وما شاع فى العصر من قدرة على الجدال والحوار، وأخذت تظهر فيها ظاهرة لم تكن شائعة فى الهجاء القديم، وهى ظاهرة التندير على المهجوّ وقبيلته، حتى تضحك المستمعين فى المربد، وحتى تمدهم بما يريدون من التسلية ومن التهليل والصياح والصفير والتصفيق.
ومن ثمّ لم يترك كل من الشاعرين شيئا يثير الضحك فى خصمه إلا أثاره، كأن يقول الفرزدق فى جرير:
يهدى الوعيد ولا يحوط حريمه ... كالكلب ينبح من وراء الدار
أو يقول فى كليب عشيرته:
يستيقظون إلى نهاق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار (١)
أو يقول:
أتعدل أحسابا لئاما أدقّة ... بأحسابنا إنى إلى الله راجع
وكان جرير يلقاه بمثل قوله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
وقوله:
خذوا كحلا ومجمرة وعطرا ... فلستم يا فرزدق بالرجال
وهو يتفوق على الفرزدق فى هذا الجانب تفوقا واضحا، ومن ثم كان هجاؤه أكثر مرارة وأشد نكاية.
وساقت الظروف الأخطل شاعر تغلب ليصطدم بجرير شاعر قيس ومحاميها المناضل عنها. وكان الأخطل-كما قدمنا-يهاجى قيسا فى الحروب التى
стр. 673
نشبت بينها وبين قبيلته منذ موقعة مرج راهط سنة ٦٥ وكان شعراؤها يردّون عليه، فيفجمهم بأهاجيه المقذعة.
وشاءت المقادير أن يلمّ بالعراق فى ولاية بشر بن مروان، فاصطدم هناك بجرير، ويقول الرواة إنه أحفظه إذ فضل الفرزدق عليه (١) وطبيعى أن يفضل الأخطل الفرزدق وينحاز له ضد شاعر قيس بل يجلب عليه، فلم يكن منشأ التفضيل الحكم الفتى من حيث هو، إنما كان منشؤه الخصومة العنيفة بين تغلب وقيس. وسرعان ما استطار الهجاء بين الشاعرين. وإذا هما يخلّفان طائفة كبيرة من النقائض، جمعها أبو تمام (٢). وقد ظلا ينظمانها منذ سنة ٧٣ إلى أن توفّى الأخطل حوالى سنة ٩٢. وهو يعدّ مع جرير والفرزدق فحول الشعر فى هذا العصر. يقول الجاحظ: «والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوا، وهجاهم قوم فردوا عليهم، فأفحموهم، وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم، وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم، وهم إسلاميون، جرير والفرزدق والأخطل» (٣)
وجميع الظواهر التى لاحظناها فى نقائض جرير والفرزدق نجدها مجسمة فى نقائض جرير والأخطل، فهما جميعا يعنيان بتاريخ القبائل فى الجاهلية والإسلام، وهما يخلطان العصبيات بالسياسة. وقد ساقت الظروف تغلب لتقف فى صفوف بنى أمية ضد قيس، على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، كما ساقت الأخطل التغلبى ليكون شاعر بنى أمية منذ عصر معاوية ولسانهم الناطق فى الجزيرة والعراق. وربما كانت قصيدة «خفّ القطين» للأخطل أروع نقائضه مع جرير، ونراه يستهلها بالنسيب ووصف حزنه لفراق أحبته، وهو يتبعهم طرفه مولّها، حتى ليشبّه نفسه بالسكران المنتشى، ويصف الخمر وصفا قصيرا، وهو موضوع لم يكن جرير ولا الفرزدق يلمّان به، لتحريم الإسلام للخمر، وكان الأخطل نصرانيا، فانفرد بهذا الموضوع فى شعره.
стр. 674
على أنه لم يطنب فيه هنا، فقد تركه إلى وصف ظعن الحبيبة، مستلهما زهيرا فى هذا الوصف ومضيفا إليه تصويرا لأخلاق النساء، وإقبالهن على الشباب وانصرافهن عن الشيوخ. وخرج من ذلك إلى مديح عبد الملك، فمدحه من حيث هو خليفة، منوّها بجوده، ومشبها له فى هذا الجود بالفرات، وهى صورة يتأثر فيها تأثرا واضحا بصورة النابغة للنعمان بن المنذر فى معلقته. ويمضى فيفصّل الحديث عن حربه لمصعب بن الزبير ومهارته فى قيادة الجيوش والظفر بخصومه.
ويمدح أسرته الأموية منوها بشرفها العريق وأنفتها وحمايتها عن الحقوق وبأسها وقوة مراسها وحلمها وصلابتها. ويشيد بوقوفه فى صفوف بنى أمية ونضاله أعداءهم، كما يشيد بنصر قبيلته لهم، ويحمل على زفر بن الحارث زعيم قيس، وكان قد دخل فى طاعة عبد الملك، وكأنه يبغى أن يحفظه عليه وعلى قبيلته، يقول:
بنى أمية إلى ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
ويستطرد إلى انتصارات تغلب على قيس فى حروبهما بالجزيرة، ويزعم أنه لولا هذه الانتصارات ما دخلت قيس فى طاعة بنى أمية! وقد مرّ بنا أنها نكلت بتغلب بعد موقعة الحشّاك التى قتل فيها فارسها عمير بن الحباب وأن زفر بايع عبد الملك قبل قدومه بجيوشه لحرب مصعب، لا قهرا من تغلب، ولكن بعد نظر. ومضى الأخطل يهجو قيسا حتى إذا بلغ من ذلك كل ما يريد انتقل إلى جرير وعشيرته كليب، فأقذع فى هجائها إقذاعا شديدا بمثل قوله:
أما كليب بن يربوع فليس لهم ... عند التفارط إيراد ولا صدر (١)
مخلّفون ويقضى الناس أمرهم ... وهم بغيب وفى عمياء ما شعروا (٢)
ملطّمون بأعقار الحياض فما ... ينفكّ من دارمىّ فيهم أثر (٣)
قوم أنابت إليهم كلّ مخزية ... وكل فاحشة سبّت بها مضر (٤)
على العيارات هدّاجون قد بلغت ... نجران أو حدّثت سوءاتهم هجر (٥)
стр. 675
ويأخذ فى هجاء جرير هجاء عنيفا يقذع فيه إقذاعا شديدا. وعلى هذه الشاكلة لا يزال الأخطل فى نقائضه لجرير يذمّ عشيرته. راميا لها بكل ما يستطيع من نبال الذل والخسّة والدناءة، وهو يتحدث فيها عن مواقع تغلب مع قيس فى الإسلام وما حققت من بعض الانتصارات، وكثيرا ما يضمّ إلى ذلك فخرا بأيامها فى الجاهلية، كما يضم انتصارا للفرزدق وعشيرته دارم، حتى يبلغ من جرير كل ما يريد من هجاء مرير.
وكان جرير ينقضّ عليه كالصّقر الجارح، فيضع تحت عينه مخازى تغلب وهزائمها فى حروبها مع قيس سواء فى يوم ماكسين الذى نكّل بها فيه عمير بن الحباب أو فى يوم الكحيل الذى نكل بها فيه زفر بن الحارث أو فى يوم البشر الذى نكّل بها فيه الجحّاف السّلمىّ، ضامّا إلى ذلك انتصارات قبيلته: يربوع فى الجاهلية وملججا فى هزائم تغلب قبل الإسلام، مفتخرا عليه افتخارا عنيفا بمثل قوله يردّ عليه نقيضته السالفة:
نحن اجتبينا حياض المجد مترعة ... من حومة لم يخالط صفوها كدر (١)
لم يخز أول يربوع فوارسهم ... ولا يقال لهم كلا إذا افتخروا
هل تعرفون بذى بهدى فوارسنا ... يوم الهذيل بأيدى القوم مقتسر (٢)
خابت بنو تغلب إذ ضلّ فارطهم ... حوض المكارم إن المجد مبتدر (٣)
الظاعنون على العمياء إن ظعنوا ... والسائلون بظهر الغيب ما الخبر (٤)
الآكلون خبيث الزاد وحدهم ... والنازلون إذا واراهم الخمر (٥)
إنى رأيتكم والحقّ مغضبة ... تخزون أن يذكر الجحّاف أوزفر
كانت وقائع قلنا لن ترى أبدا ... من تغلب بعدها عين ولا أثر
حتى سمعت بخنزير ضغا جزعا ... منهم فقلت أرى الأموات قد نشروا (٦)
стр. 676
وواضح أنه يردّ على معانيه معنى معنى، وقد لقبه فى البيت الأخير بأنه خنزير إشارة إلى أنه نصرانى، وكان يسقط عليه من هذا الجانب دائما، وهو يمضى فى نفس هذه النقيضة، فيقول.
رجس يكون إذا صلّوا، أذانهم ... قرع النواقيس لا يدرون ما السّور (١)
وما لتغلب إن عدّت مساعيها ... نجم يضيئ ولا شمس ولا قمر
الضاحكين إلى الخنزير شهوته ... يا قبّحت تلك أفواها إذا كشروا (٢)
والمقرعين على الخنزير ميسرهم ... بئس الجزور وبئس القوم إذ يسروا (٣)
جاء الرسول بدين الحق فانتكثوا ... وهل يضير رسول الله أن كفروا
وكان الأخطل إذا سمعه يقول ذلك وشبهه انجحر، ولم يستطع له جوابا، ومن ثم كان جرير يقول إننى أعنت عليه بكفره. وأعين عليه أيضا بمهارته فى التندير على خصمه، ومما يجمع الجانبين جميعا قوله فى نقيضة ثانية:
قبح الإله وجوه تغلب كلما ... شبح الحجيج وكبّروا إهلالا (٤)
عبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمد ... وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا
المعرسين إذا انتشوا ببناتهم ... والدّائبين إجارة وسؤالا (٥)
والتغلبىّ إذا تنبّح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا (٦)
ولو انّ تغلب جمّعت أحسابها ... يوم التفاضل لم تزن مثقالا
نبّئت تغلب ينكحون رخالهم ... وترى نساؤهم الحرام حلالا (٧)
لا تطلبنّ خؤولة فى تغلب ... فالزّنج أكرم منهم أخوالا
стр. 677
ويقول فى نقيضة ثالثة:
إن الذى حرم المكارم تغلبا ... جعل الخلافة والنبوة فينا
مضر أبى وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا (١)
هذا ابن عمىّ فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا (٢)
وما زالا يتهاجيان حتى حضر الأخطل الموت، فقيل له ألا توصى؟ فقال توّا:
أوصّى الفرزدق عند الممات ... بأمّ جرير عيارها (٣)
ولم يكد يسمع بذلك جرير، حتى نظم فيه هجاء عنيفا من وزن هذا البيت وقافيته يقول فيه:
وزار القبور أبو مالك ... فأصبح ألأم زوّارها (٤)
والحق أن جريرا كان يتفوق على خصميه جميعا فى الهجاء، وقد شهد له الأخطل بذلك، إذ قال للفرزدق فيما يروى الرواة: «إن جريرا أوتى من سير الشعر ما لم نؤته، قلت أنا بيتا ما أعلم أن أحدا قال أهجى منه، قلت:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولى على النار
فلم يروه إلا حكماء أهل الشعر، وقال هو:
والتغلبىّ إذا تنبّح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فلم تبق سقاة ولا أمثالها إلا رووه (٥)». ولعل من الخير أن نلمّ بحياة هؤلاء الشعراء الثلاثة وأشعارهم، إذ عدّهم الرواة والنقاد فحول هذا العصر ومبرّزيه فى الهجاء والمديح جميعا.
стр. 678
٤ - الأخطل (١)
واضح مما قدمنا أن الأخطل من قبيلة تغلب، وهى إحدى القبائل العربية الكبيرة التى كانت تكوّن مجموعة قبائل ربيعة، وكانت تنزل فى الجزيرة، وتمتدّ بعض عشائرها جنوبا إلى الحيرة وغربا إلى الشام، وشرقا إلى أذربيجان.
وكان لها قديما حروب مع أختها بكر جلّى فيها المهلهل. وأخرى مع أمراء كندة وأمراء الحيرة، وقصة قتل فارسها وشاعرها عمرو بن كلثوم لعمرو بن هند صاحب الحيرة مشهورة. وقد اعتنق جمهورها فى الجاهلية النصرانية على مذهب اليعاقبة، ولما فتحت الفتوح لجّت فى أول الأمر مع الفرس والروم، وسرعان ما اضطرّت إلى الدخول فى طاعة الخلافة الإسلامية لعهد عمر بن الخطاب، واستغاثت به أن يضع عنها الجزية، فوضعها عنها، وقبل منها أن تؤدّى الصدقة أسوة ببقية العرب. ودخلت طائفة منها فى الإسلام، ولكن كثرتها ظلت نصرانية.
ونرى فريقا منها يعين معاوية فى حروبه مع على بصفّين، ويلمع من بينهم اسم كعب بن جعيل، وهو شاعر مجيد، اعتنق الإسلام، وكان أحدّ الألسنة فى جيش معاوية على خصومه (٢):
وقد مضت تغلب بعد صفّين تحطب فى حبل الأمويين، من سفيانيين ومروانيين، فإن قبائل قيسية كما قدمنا نزحت إلى منازلها مع الفتوح وزاحمتها فى
стр. 679
مواردها الاقتصادية، ولم تلبث بعد وفاة يزيد بن معاوية أن بايعت ابن الزبير فاصطدمت مصالح الطرفين الاقتصادية والسياسية. ولم تكد تتقدم بهما الأيام فى أثناء فتنة ابن الزبير، حتى سلاّ سيوفهما، واحتدمت المواقع بينهما، إلى أن دخلت قيس فى طاعة عبد الملك وتكافّت القبيلتان عن المغازى فى الجزيرة.
وفى هذه القبيلة وفى فرع منها يسمى جشم بن بكر وفى عشيرة من هذا الفرع تسمى بنى الفدوكس ولد الأخطل فى بادية الحيرة حوالى سنة ٢٠ للهجرة.
وكانت أمه مثل أبيه نصرانية، وهى من قبيلة إياد، ومن ثمّ نشأ نصرانيّا، وظل حياته على دينه، فلم يدخل فى الإسلام. وفى أخباره أنه كان يكثر الشّجار فى صباه مع زوج أبيه فلقبته دوبلا، والدوبل الحمار الصغير. وتزوج أبيه بامرأة غير أمه مخالفا بذلك العقيدة المسيحية يدل على أن نصرانيته كانت رقيقة، وكذلك كانت نصرانية ابنه، فإننا نراه يطلّق زوجته، ويتزوج بأخرى، كما نراه يتردد على دور القيان. وقد استيقظت فيه موهبة الشعر مبكرة، واقترن بها سفه شديد، فكان يكثر من هجاء الناس، ولذلك لقبوه أو لقبه شاعر عشيرته كعب بن جعيل الأخطل ومعناه السفيه. أما اسمه فغياث، وكان يكنى بأبى مالك وهو أكبر أبنائه.
ويحاول الاتصال بمعاوية وابنه يزيد، لينال جوائزهما وتواتيه الفرصة، فإن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت كان يهاجى عبد الرحمن بن الحكم الأموى ويتعرّض لنساء بنى أمية. وكان ممن تعرض لهن رملة بنت معاوية إذ تغزل بها غزلا مفحشا، وبذلك كان أول من اتخذ الغزل سلاحا للهجاء السياسى، ومعروف أن الأنصار كانوا مغاضبين لبنى أمية منذ وقوفهم مع على فى صفّين.
وحاول يزيد بن معاوية نفسه أن يردّ عليه، فاستعلاه ابن حسان، فقال يزيد لكعب بن جعيل: أجبه عنى واهجه، فقال: «أرادّى أنت إلى الإشراك بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول الله ﷺ ، ولكنى أدلك على غلام منا نصرانى، كأن لسانه لسان ثور، يعنى الأخطل». فأرسل إليه يزيد، فقدم عليه، فقال له: اهجهم، فقال له كيف أصنع بمكانهم وسابقتهم
стр. 680
فى الإسلام؟ أخافهم على نفسى، فقال يزيد: لك ذمة أمير المؤمنين وذمتى، فنظم فى هجائهم قصيدته التى يقول فيها:
ذهبت قريش بالمكارم والعلا ... واللّؤم تحت عمائم الأنصار
وغضب النعمان بن بشير الأنصارى، وكان ممن صحبوا معاوية فى حروبه ضد على وولاّه الولايات وأكرمه، فجاء إليه يشكو له هجاء الأخطل لقومه، فقال ما حاجتك؟ قال لسانه، فقال معاوية ذلك لك. وعلم الأخطل، فاستغاث بيزيد، فدخل على أبيه، وقال له: إنى جعلت له ذمتك وذمتى، إذ ردّ عنى، فقال معاوية للنعمان: لا سبيل إلى ذمة يزيد. وردّ النعمان على الأخطل -كما أسلفنا-ولكن الهجاء لم يستطر بينهما، وكأن الأخطل انسحب من المعركة سريعا خوفا على نفسه. ومنذ هذا التاريخ يصبح الأخطل شاعر بنى أمية، فهو يعيش لهم يمدحهم، وهم يغدقون عليه. وليس فى ديوانه مديح لمعاوية، ويظهر أن مديحه له سقط من الديوان، فإن المرتضى فى أماليه روى له فيه هذين البيتين (١):
إذا متّ مات العزّ وانقطع الغنى ... فلم يبق إلا من قليل مصرّد (٢)
وردّت أكفّ الراغبين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلف مجدّد (٣)
وفى ديوانه مدائح مختلفة ليزيد وأخيه عبد الله ولابنه خالد، ونحسّ فى قصائد الأولين ضربا من الدعوة السياسية لبنى أمية، إذ لا ينسى أن ينوّه بانتصار معاوية فى صفّين وأن الله اختار بيتهم للخلافة، على شاكلة قوله:
تمّت جدودهم والله فضّلهم ... وجدّ قوم سواهم خامل نكد
ويوم صفّين والأبصار خاشعة ... أمدّهم-إذ دعوا من ربهم-مدد
وأنتم أهل بيت لا يوازنهم ... بيت إذا عدّت الأحساب والعدد
стр. 681
ويظهر أنه لم يكن يقيم بدمشق طويلا، فقد كان يفد عليها وفودا، وسرعان ما يعود إلى منازل قومه فى الجزيرة، يدلّ على ذلك أكبر الدلالة أننا نجده فى الفترة التى احتدمت فيها المعارك بين تغلب وقيس واقفا فى صفوف قومه يناضل عنهم الراعى وابن الصّفّار المحاربى وابن الصّعق وغيرهم من شعراء قيس.
ومرّ بنا أن القبائل اليمنية فى الشام وعلى رأسها كلب بايعت مروان بن الحكم. بينما نشزت عليه القبائل القيسية إذ كان هواها مع ابن الزبير، وسرعان ما اصطدم الطرفان فى موقعة مرج راهط. وانتصرت كلب وأخواتها انتصارا حاسما. وكانت تغلب قد أعانتها فى تلك الموقعة، ومضت تعلن ولاءها لمروان ثم لابنه عبد الملك، وأخذت تتحرش بها قيس فى الجزيرة، فنشبت بينهما سلسلة معارك حمى فيها وطيس الحرب، وأشرعت فيها ألسنة الشعراء على نحو ما أشرعت أسنة الشجعان، وكان الأخطل أهم لسان أشرع فى تغلب على نحو ما أسلفنا فى الحديث عن نقائضه.
وما زال عبد الملك يستنزل زفر بن الحارث وغيره من زعماء قيس، ليأمن طريقه إلى مصعب بن الزبير. ويذعنون ويدخلون فى طاعته، فتهدأ الحروب الناشبة بين قيس وتغلب، وتمر بهما فترة سلام. ويعود عبد الملك إلى دمشق مظفّرا، ويحاول فى سنة ٧٣ أن يصلح بين الفئتين، فيستقدم زعماءهما إلى دمشق ويختصمون عنده، ويلمع اسم الأخطل فى هذا الاختصام، إذ يدخل على عبد الملك بن مروان وعنده الجحّاف السّلمىّ، فينشد:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
أجحاف إن نهبط عليك فتلتقى ... عليك بحور طاميات الزواخر
ووثب الجحاف يجرّ مطرفه غضبا، وذهب توّا إلى قومه فى الجزيرة، فجمع فرسانهم وأغار بهم على تغلب ليلا فقتل فيها مقتلة عظيمة، وبقر من النساء من كانت حاملا. ومن كانت غير حامل قتلها. وتسمى تلك المعركة معركة «البشر» باسم جبل وقعت بجواره. وقد قتل فيها ابن للأخطل، ووقع هو نفسه أسيرا، غير أنه ضلّل من أسروه إذ قال لهم إنه عبد، فأطلقوه. وهرب
стр. 682
الجحاف بعد تلك الوقعة إلى الروم، إلى أن سكن غضب عبد الملك وأمّنه، فعاد على أن يؤدّى الحمالات عما سفك من دماء. ونرى الأخطل يتضوّر من هذه الوقعة تضورا شديدا، حتى لنراه يهدد بنى أمية بانصراف تغلب عنهم، إن لم يأخذوا لهم بثأرهم، يقول:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فسائل بنى مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف لا يزال يوصّل
فإلا تغيّرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستراد ومزحل (١)
واستطاع عبد الملك أن يرمّ الفتق ويحكم الصلح بين الفئتين. ويعود الأخطل إلى رحابه ويحلّ منه منزلا عليّا، إذ يصبح شاعره الأثير على الرغم من نصرانيته، ويقول الرواة إنه كان يمثل بين يديه «وعليه جبة خزّ وحرز خزّ، فى عنقه سلسلة ذهب، فيها صليب ذهب، تنفض لحيته خمرا (٢)»
وعصر عبد الملك يعدّ العصر الذهبى للأخطل، فقد نزل منه منزلة الشاعر الرسمى للدولة، وآثره على جميع معاصريه من الشعراء، وأمر من يعلن بين الناس أنه شاعر بنى أمية وشاعر أمير المؤمنين، وفى الأغانى أخبار كثيرة تصور ذلك. ونرى مدائح الأخطل لعبد الملك حينذاك تمتلئ بالفخر بقومه وما قدّموا من خدمات لبنى أمية، كما تمتلئ بالدعوة السياسية للأمويين، وهى دعوة ينال فيها من خصومهم أمثال الزبيريين، كما ينال من قيس وشاعرهم جرير، ومن خير ما يصور ذلك قصيدته «خفّ القطين» التى أسلفنا الحديث عنها، وقد أحكم نسجها حتى لتتوهج بعض أبياتها توهجا على مثال قوله فى الأمويين:
حشد على الحق عيّافو الخنا أنف ... إذا ألمّت بهم مكروهة صبروا
وإن تدجّت على الآفاق مظلمة ... كان لهم مخرج منها ومعتصر (٣)
стр. 683
أعطاهم الله جدّا ينصرون به ... لا جدّ إلا صغير بعد محتقر (١)
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا (٢)
والأخطل فى مديحه لا يقل براعة ومهارة عن الفرزدق وجرير، بل لا شك فى أنه يتقدم أولهما إذ كانت نفسه صلبة، وكان يعتز بآبائه اعتزازا شديدا، فلم يبرع فى المديح، إنما برع فى الفخر. أما جرير فكانت نفسه لينة، ومن ثمّ يعدّ هو والأخطل فى المديح فرسى رهان. وإن كنا نلاحط فى الوقت نفسه أن مدائح جرير أكثر عذوبة، إذ كان يتفوق على خصميه جميعا فى حلاوة الألفاظ وجمال النغم ورشاقة اللفظ ونعومته. أما الأخطل فيمتاز برصانة الألفاظ وفخامتها وجزالتها، ومدائحه فى عبد الملك تعدّ درره الشعرية، وهو فيها يكثر من أن الله اصطفاه لأمته على شاكلة قوله:
وقد جعل الله الخلافة فيكم ... بأبيض لا عارى الخوان ولا جدب
ولكن رآه الله موضع حقّها ... على رغم أعداء وصدّادة كذب (٣)
ونراه يلمّ فى هذه الفترة من حياته بالكوفة والبصرة كثيرا يمدح ولاتهما وأجوادهما من مثل خالد بن عبد الله بن أسيد الأموى، وبشر بن مروان والحجاج، وسماك الأسدى، وهو من أجواد الكوفة. ونراه ينوّه بمصقلة بن هبيرة الشيبانى أحد قواد طبرستان، كما ينوه بعكرمة بن ربعى الفياض وجوده الغمر، ومن قوله فيه:
إن ابن ربعىّ كفانى سيبه ... ضغن العدوّ وعذرة المحتال (٤)
وإذا عدلت به رجالا لم تجد ... فيض الفرات كراشح الأوشال (٥)
وممن نوّه بهم جرير بن عبد الله البجلى وجدار بن عتّاب التغلبى وهمام بن مطرف.
стр. 684
وتطوى صفحة حياته الزاهية إذ يتوفّى عبد الملك، ويخلفه ابنه الوليد، فيأفل نجمه، إذ يقصيه عنه، ويقرّب منه شاعرا شاميّا مسلما هو عدى بن الرّقاع العاملى، وبذلك انزوى الأخطل، ولم يعد له كبير شأن. وقد مدح الوليد، ومدائحه فيه فاترة.
وعلى نحو ما كان الأخطل يجيد المديح كان يجيد نعت الخمر ودنانها ونداماها، ويطيل المديح فى عتقها والسرور بشربها، يقول:
صهباء قد كلفت من طول ما حبست ... فى مخدع بين جنّات وأنهار (١)
عذراء لم يجتل الخطّاب بهجتها ... حتى اجتلاها عبادىّ بدينار (٢)
واقرأ له القصيدة الأولى فى ديوانه، فستراه يصور فيها زقاق الخمر تصويرا بديعا، إذ يقول،
أناخوا فجرّوا شاصيات كأنها ... رجال من السّودان لم يتسربلوا (٣)
ويصف تمشيها فى دمه وجسمه وعظامه، فيقول:
تدبّ دبيبا فى العظام كأنه ... دبيب نمال فى نقا يتهيّل (٤)
ويرسم صورة المنتشى بها نشوة تفقده حسه ووعيه، على هذا النحو:
صريع مدام يرفع الشّرب رأسه ... ليحيا وقد ماتت عظام ومفصل
نهاديه أحيانا وحينا نجرّه ... وما كاد إلا بالحشاشة يعقل (٥)
إذا رفعوا صدرا تحامل صدره ... وآخر مما نال منها مخبّل
وكان الأخطل شغوفا بالخمر شغفا شديدا، حتى لنراه يذكر فى حديث له مع عبد الملك أنها هى التى تمنعه من إعلان إسلامه (٦). وفى أخباره وأشعاره ما يدل على انصياعه لدينه أحيانا، فقد كان يتمسّح بالقساوسة تبركا، وكانوا إذا أنزلوا به عقابا خضع لهم واستكان. ونراه يذكر الصليب فى ديوانه كما يذكر قديس قبيلته مار سرجيس، ويقسم بالمسيح والرهبان. وقد ظل يهاجى جريرا إلى أن توفّى سنة اثنتين وتسعين للهجرة.
стр. 685
٥ - الفرزدق (١)
شاعر تميمى، وكانت تميم تنزل فى الجاهلية بشرقى الجزيرة، وتمتد عشائرها وبطونها من اليمامة إلى شواطئ الفرات، وتتغلغل فى نجد. مما جعلها تصطدم بالقبائل اليمنية والمضرية والربعية فى أيام كثيرة، كما اصطدمت بالحيرة وملوكها المناذرة. وتعدّ أكبر القبائل المضرية، وهى فى حقيقتها مجموعة من القبائل، تنتسب إلى أب واحد. وعلى نحو ما كانت تصطدم بجيرانها كانت تصطدم قبائلها بعضها ببعض، ومن أشهر هذه القبائل دارم ويربوع ومازن ومنقر وبنو الهجيم وبنو أنف الناقة. ويفيض كتاب شرح نقائض جرير والفرزدق فى الحديث عن أيامها وحروبها القديمة، ومن أهمها «أوارة» بين دارم وعمرو بن المنذر ملك الحيرة و «الرّحرحان» بين دارم وعامر و «ذو نجب» بين يربوع وعامر و «النّباج» بين منقر وبكر و «إراب» بين يربوع وتغلب و «جبلة» بين تميم ومعها ذبيان، وعامر ومعها عبس و «طخفة» بين دارم ويربوع.
وكانت وثنية إلا نفرا قليلا تنصروا، وهم يسمّون فى الحيرة بالعباديين. ومن أشهر شعرائها الجاهليين أوس بن حجر وسلامة بن جندل وعلقمة الفحل وعدى بن زيد العبادى، ومن شعرائها فى صدر الإسلام عبدة بن الطبيب ومتمم
стр. 686
ابن نويرة. وقد دخلت فى الإسلام بعد فتح مكة، وكانت من أسرع القبائل إلى الردة، إذ ظهرت فيها متنبئة تسمى سجاح. وتبعها كثيرون، فجمع لها أبو بكر الجموع بقيادة خالد بن الوليد. وسرعان ما عادت تميم إلى الإسلام، مستضيئة بنوره، وشاركت مشاركة ضخمة فى فتوح إيران وخراسان. ونجدها بارزة فى معارك صفّين، كما نجد فئات كثيرة منها تنضم إلى الخوارج فى زمن على بن أبى طالب، ثم فيما تلاه من أزمنة، وخاصة فى صفوف الأزارقة. وقد مرّ بنا أنها تحالفت فى البصرة مع قيس ضد الأزد وربيعة، وظهرت نتيجة هذا الحلف عقب وفاة يزيد بن معاوية، فقد اصطدمت بالأزد، وظلتا متنافرتين طول العصر لا فى البصرة فحسب، بل أيضا فى خراسان.
وكانت دارم تتشعّب شعبا أهمها بنو فقيم وبنو نهشل وبنو مجاشع، وفى بيت نبيل من بيوت العشيرة الأخيرة ولد الفرزدق وهو لقب لقّب به لجهامة وجهه وغلظه، فإن الفرزدقة الخبزة الغليظة التى يتخذ منها النساء الفتوت. واسمه همّام ابن غالب بن صعصعه بن ناجية بن عقال، وجميعهم فى ذروة الشرف والسيادة من دارم. وقد اشتهر جده صعصعة بأنه كان ممن فدى الموءودات فى الجاهلية وتنهى عن قتلهن، ويقال إنه فدى أربعمائة منهن، وقيل دون ذلك، ونوّه الفرزدق فى شعره بهذه المكرمة لجده طويلا، من مثل قوله:
أبى أحد الغيثين صعصعة الذى ... متى تخلف الجوزاء والنّجم يمطر
أجار بنات الوائدين ومن يجر ... على القبر يعلم أنه غير مخفر
وكان لصعصعة قيون منهم جبير ووقبان وديسم، ومن ثمّ جعل جرير مجاشعا قيونا كذبا وبهتانا. وصعصعة أحد من أتوا النبىّ ﷺ فى وفد تميم. وعلى نحو ما كان صعصعة عظيم القدر فى الجاهلية كان ابنه غالب فى الإسلام وأمه ليلى أخت الأقرع بن حابس، وكان بحرا فياضا، ومما يروى من جوده السّيّال أن نفرا اختاروه بين طائفة من الأجواد يسألونهم ليعرفوا مدى جودهم، فما كاد يسمع مسألتهم حتى أعطاهم مائة ناقة دون أن يعرفهم. ويروى أن دارما ويربوعا أصابتهما سنة مجدبة، فعقر لعشيرته ناقة، وبادر سيد يربوع سحيم بن وثيل فصنع صنعه، فنحر عشرا من الإبل، فنحر سحيم مثله عشرا.
стр. 687
فلما رآه ينافسه نحر إبله كلها فى مكان يسمى صوءر، وقيل إنها كانت مائة، وقيل بل كانت أربعمائة. وافتخر الفرزدق بالحادثين كثيرا فى شعره. ولم يكن يتلفع بالشرف من قبل أبيه وحده فقد كانت أمه من أسرة شريفة من قبيلة ضبة. وكانت له أخت تسمى جعثن، وتصادف أن أحد أشرار بنى منقر رآها فضرب بيده على نحرها. فصرخت ومضى، وقد عيّر جرير الفرزدق بذلك كثيرا حتى لنراه يرميها بالفحشاء افتراء، إذ كانت سيدة فاضلة.
وليس بين أيدينا ما يدل على السنة التى ولد فيها الفرزدق، وأغلب الظن أنه ولد حوالى سنة عشرين للهجرة، ففى أخباره أنه قال «: كنت أهاجى شعراء قومى وأنا غلام فى خلافة عثمان» وخلافته امتدت من سنة ثلاث وعشرين إلى خمس وثلاثين للهجرة. وفى أخباره أيضا أن أباه قدّمه إلى على بن أبى طالب بعد موقعة الجمل سنة ٣٦، وقال له إن ابنى هذا شاعر، فنصحه أن يعلّمه القرآن.
وواضح مما قدمنا أن الفرزدق نشأ فى بيت كريم، مآثره ومفاخره لا تدفع، وكان لذلك أثر عميق فى نفسيته إذ كان يعتدّ بآبائه اعتدادا شديدا، كما كان يعتد بعشيرته وقبيلته، حتى إنه يعدّ أضخم صوت لتميم فى هذا العصر، وجعله ذلك يتمسك بمآثر أهله وكرمهم المسرف، فإذا باع إبله نثر أموالها على الناس، لينتسب فيهم، وظل يجير على قبر أبيه غالب، على نحو ما كان أجداده يجيرون. ولما توفّى صديقه بشر بن مروان نحر ناقته على قبره كما كان يصنع الجاهليون. وأخلاق الفرزدق من هذه الناحية تتصل بالأخلاق الجاهلية، وبكل ما ينطوى فى هذه الأخلاق من إثم، فقد عرف بفسقه وشربه للخمر التى حرّمها الإسلام، وأيضا بكل ما ينطوى فى هذه الأخلاق من عصبية وغلظة.
وهو من هذه الناحية يمثّل البدوى التميمى شديد الشكيمة الذى لا يدين بالطاعة للسلطان، ولعله من أجل ذلك ظل طويلا بعيدا عن قصر بنى أمية فى دمشق، وكأنه كان يحسّ أنه من أسرة لا تقل عن أسرة بنى أمية شرفا وسيادة. ونرى هذا الإحساس واضحا حين ألمّ عم له يسمى الحتات بمعاوية مع وفد من تميم، فقد تصادف أن توفّى قبل مغادرة الوفد دمشق، فأمر معاوية بأخذ ما كان أعطاه من مال، ولم يكد يسمع بذلك الفرزدق حتى نظم قصيدة فى معاوية يقول فيها:
стр. 688
فما بال ميراث الحتات أخذته ... وميراث حرب جامد لك ذائبه (١)
فلو كان هذا الأمر فى جاهليّة ... علمت من المرء القليل حلائبه (٢)
ويقول بعض الرواة إن أول شعر قاله الفرزدق نظمه فى ذئب ذهب بكبش من غنم لأهله، وهو يستهلّه بقوله:
تلوم على أن صبّح الذئب ضأنها ... فألوى بكبش وهو فى الرّعى راتع
وهى أبيات جيدة الصياغة. وفى أخباره كما مر بنا ما يدل على أنه نشأ حديد اللسان محبا للخصومات، يهجو من حوله من قومه وغير قومه، وكان ممن هجاهم وأسرف فى هجائهم بنو فقيم وذلك أنهم خرجوا يطلبون دما لهم فى قوم، فصالحوا منه على دية، فقال حين رجعوا:
لقد آبت وفود بنى فقيم ... بآلم ما تؤوب به الوفود
ومضى يهجوهم هجاء كثيرا، فاستغاثوا منه بالأشهب بن رميلة النّهشلى، واستعر الهجاء والتفاخر بينهما، حينئذ رفعوا أمره إلى زياد بن أبيه. وكان ذلك فى سنة خمسين للهجرة، فطلبه، وخافه الفرزدق، فهرب منه متجها نحو البادية، وأخذ يستجير ببعض شيوخ القبائل، فأجاره قوم من بكر بن وائل، وأعانوه على الفرار، فولّى وجهه نحو المدينة وعليها سعيد بن العاص من قبل معاوية، وكان سيدا ممدّحا، فأمّنه وأجاره، ومدحه مدائح رائعة من مثل قوله:
ترى الغرّ الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر فى الحدثان غالا (٣)
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
وسمعه الحطيئة وهو ينشد سعيدا هذه القصيدة. فقال: هذا والله الشعر لا ما نعلّل به منذ اليوم. وبلغه أن زيادا رقّ له وقال: لو أتانى لآمنته وأعطيته، فقال فى كلمة:
دعانى زياد للعطاء ولم أكن ... لآتيه، ما ساق ذو حسب وفرا (٤)
стр. 689
ومضى فى المدينة ينفق أيامه ولياليه فى اللهو والاختلاف إلى دور القيان، وذكر ذلك فى شعره بمثل قوله:
إذا شئت غنّانى من العاج قاصف ... على معصم ريّان لم يتخدّد (١)
وقوله:
هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز أقتم الرّيش كاسره
وقد أتاه جرير كثيرا من هذه الثّغرة فى خلقه وسلوكه. وكان معاوية يجعل المدينة تارة لسعيد بن العاص وتارة لمروان بن الحكم، فولى مروان، وكانت فيه شدة على أصحاب اللهو، فترك الفرزدق المدينة إلى مكة، وفى طريقه إليها أتاه نعى زياد فثابت إليه نفسه، ومضى إلى البصرة، وهناك وجد ابن عمه مسكينا الدارمىّ يتفجّع على زياد بمثل قوله:
رأيت زيادة الإسلام ولّت ... جهارا حين ودّعها زياد
فحنق عليه حنقا شديدا، وهجاه بقصيدة يقول فيها:
أمسكين! أبكى الله عينك إنما ... جرى فى ضلال دمعها فتحدّرا
وهجاه مسكين، وأمسك الفرزدق عنه، حتى لا يهدم شطر حسبه. ونراه يمدح عبيد الله بن زياد ويوسع له فى مجالسه. ولا يفارقه شره، فيهجو بنى منقر، ويغضب لهم مرّة بن محكان (٢) شاعر بنى ربيع التميميين وسيدهم، فيهجوه وعشيرته بكلمة يقول فى تضاعيفها:
ترجّى ربيع أن يجئ صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
ويشتعل بينهما الهجاء. وندخل فى فترة فتتة ابن الزبير، وتتبعه العراق كما تبعته الحجاز، ويحدث أن يقتل مصعب ابن محكان. ونرى الفرزدق فى هذه الأثناء
стр. 690
يدخل-كما مر بنا-مع جرير فى معركة الهجاء التى استمر شررها يتطاير حتى توفّى، والتى أورثتنا نقائضهما آنفة الذكر. وينشب شجار بين الفرزدق وبين زوجه النّوار وهى ابنة أعين بن ضبيعة المجاشعى، وكان قد تزوجها راغمة، إذ خطبها خاطب من قريش فجعلته وليّها، فانتهز الفرصة، وأشهد أنها جعلت أمرها إليه وأنه يتزوجها على مائة ناقة حمراء سوداء الحدق. فغضبت من ذلك وما زالت تغاضبه، وادّعت عليه طلاقا، ونازعته، وخرجت إلى عبد الله بن الزبير ونزلت على زوجته خولة بنت منظور بن زبّان الفزارى، وتشفّعت إليها. وتبعها الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير، فكان حمزة إذا أصلح شيئا من أمر الفرزدق قلبته عليه خولة، فقال الفرزدق:
أما البنون فلم تقبل شفاعتهم ... وشفّعت بنت منظور بن زبّانا
ليس الشفيع الذى يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذى يأتيك عريانا
وأمرهما ابن الزبير أن يحتكما إلى عامله فى العراق فمضت معه النوار مغاضبة له، ويقال: بل اصطلحا فى مكة، غير أنها ظلت تشارّه وتشاجره، إذ كانت تكره كثيرا من أمره، وكانت صالحة حسنة الدين. وخطب حدراء بنت زيق بن بسطام الشيبانية وكانت نصرانية وأخذ يمدحها ويعرّض بالنوار، فاستغاثت منه بجرير، فأغاثها وأخذ يهجو حدراء وقومها معها، وتصادف أن ماتت حدراء قبل أن يبنى بها، ويظهر أنه كان مزواجا، فقد تزوج زنجية أعقب منها ابنته مكية، وتزوج رهيمة النمرية وطيبة المجاشعية، ونشزتا منه فطلقهما، وما زالت النوار تغاضبه حتى طلقها وندم ندما شديدا، يقول فى كلمة له يصور ندمه:
ندمت ندامة الكسعىّ لما ... غدت منى مطلّقة نرار (١)
وكانت جنّة فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضّرار (٢)
ويذكر ابن قتيبة أنه ولد له لبطة وسبطة وخبطة وركضة من النوار وولد له أيضا زمعة. وكان شاعرا وإن لم يبلغ مبلغ أبيه فى الشعر. وفى تسميته
стр. 691
لأبنائه هذه الأسماء ما يدل من بعض الوجوه على غلظ نفسه ولا شك فى أن فشله المبكّر فى حياته الزوجية يدل على جفوته. ونراه مقربا من بشر بن مروان الذى ولى العراق لأخيه عبد الملك، حتى ليستثير الشعراء لمناقضة جرير وهجائه، وفيه يقول:
يا بشر إنك سيف الله صيل به ... على العدو وغيث ينبت الشّجرا
وولى العراق الحجاج، وكانت فيه قسوة، فخشى بطشه ومضى يمدحه مدائح رائعة من مثل قوله:
إن ابن يوسف محمود خلائقه ... سيان معروفه فى الناس والمطر
هو الشهاب الذى يرمى العدوّ به ... والمشرفىّ الذى تعصى به مضر (١)
ونوّه طويلا بسيرته وقضائه على الرشوة والثوار وإقامته لموازين العدل، حتى إذا توفّى رثاه رثاء حارّا، يقول فيه:
ومات الذى يرعى على الناس دينهم ... ويضرب بالهندىّ رأس المخالف (٢)
وسرعان ما نجده يثوب إلى نفسه وعصبيته التميمية ضد قيس وزعيمها الحجاج وخاصة حين رأى سليمان بن عبد الملك يلى الخلافة، وكان أخوه الوليد حاول أن يخلعه من ولاية العهد، ولجّ معه الحجاج وولاته فى المشرق، وتصادف أن توفّى الحجاج قبل خلافة سليمان، فلما ولى لم يكن له هم إلا عمّال الحجاج وثار عليه قتيبة بن مسلم الباهلى القيسى بخراسان، فقتلته تميم وردّت الأمر إلى نصابه. حينئذ نرى الفرزدق يهجو الحجاج ويقذع فى هجائه، مستشعرا عصبية عنيفة لتميم. وكان يستشعر هذه العصبية دائما إلا أن يضطرّ اضطرارا للنزول عنها. وبتأثيرها نجده يشذ على ذوق مواطنيه، فيهجو المهلب الأزدى السيد الجواد والفارس الشجاع الذى لهج الشعراء باسمه، ويحاول ابنه يزيد حين صار إليه الأمر بعد أبيه أن يستقدمه إليه فى جرجان، ليضفى عليه من نواله، فيأبى قائلا:
стр. 692
دعانى إلى جرجان والرّىّ دونه ... لآتيه، إنى إذن لزءور (١)
سآبى وتأبى لى تميم وربما ... أبيت فلم يقدر علىّ أمير
حتى إذا ولى يزيد العراق لعصر سليمان بن عبد الملك مضى يمدحه مسرفا فى مديحه على شاكلة قوله:
إنى رأيت يزيد عند شبابه ... لبس التّقى ومهابة الجبّار
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرّقاب نواكس الأبصار
ودار الزمن فثار ابن المهلب على يزيد بن عبد الملك، وقضى على ثورته مسلمة تعينه تميم وفارسها المغوار هلال بن أحوز المازنى الذى تعقب آل المهلب فى قندابيل وقضى عليهم قضاء مبرما، حينئذ نجد الفرزدق يفتخر بهلال وصنيع تميم، هاجيا يزيد بن المهلب وأسرته هجاء مرا (٢).
وقد قلنا آنفا إنه ظل طويلا لا يفد على قصر بنى أمية فى دمشق، وأول من وفد عليه من خلفائهم سليمان بن عبد الملك، وله يقول:
تركت بنى حرب وكانوا أئمة ... ومروان لا آتيه والمتخيّرا
أباك وقد كان الوليد أرادنى ... ليفعل خيرا أو ليؤمن أوجرا (٣)
فما كنت عن نفسى لأرحل طائعا ... إلى الشام حتى كنت أنت المؤمّرا
ومنذ هذا التاريخ يصبح من شعراء بنى أمية الذين يدعون لهم ويدافعون عن خلافتهم، مضفين عليهم هالة قدسية من التقوى والبرّ، تحفّها المبالغة المسرفة من مثل قوله فى سليمان:
أنت الذى نعت الكتاب لنا ... فى ناطق التوراة والزّبر
كم كان من قسّ يخبّرنا ... بخلافة المهدىّ أو حبر
جعل الإله لنا خلافته ... برء القروح وعصمة الجبر
стр. 693
وقوله فى يزيد بن عبد الملك، ولهوه ومجونه معروف:
ولو كان بعد المصطفى من عباده ... نبىّ لهم منهم لأمر العزائم
لكنت الذى يختاره الله بعده ... لحمل الأمانات الثّقال العظائم
ورثتم خليل الله كل خزانة ... وكلّ كتاب بالنبوة قائم
ولعل فى هذه الأبيات ما ينقض قول من زعموا أنه كان شيعيّا مائلا إلى بنى هاشم وإنهم ليسترسلون فى ذلك فينسبون إليه قصيدة فى على بن الحسين وهى القصيدة ذات البيت المشهور:
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
وقد أنكر أبو الفرج الأصبهانى نسبة القصيدة إليه (١)، والذى لا شك فيه أنها تخالف نسجه كما تخالف نفسيته إذ كان لا يتعصب لشئ سوى قبيلته وآبائه، وقد مدح بنى أمية بأخرة، أما ولاة العراق فكان إذا خاف بطشهم مدحهم، فإذا اطمأن وسكن روعه هجاهم، وخاصة إذا أظهروا عصبية ضد تميم، وممن أسرع إلى هجائه منهم عمر بن هبيرة الفزارى والى يزيد بن عبد الملك، وفيه يقول:
أمير المؤمنين وأنت عفّ ... كريم لست بالطّبع الحريص (٢)
أوليت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص (٣)
وولى بعده خالد القسرى لهشام بن عبد الملك، وكان شديد العصبية لليمنية، وكانت أمه مسيخية، فبنى لها كنيسة بالكوفة، وسخّر الناس فى شق نهر المبارك، وانتهز الفرصة الفرزدق، فأخذ يهجوه بالعملين جميعا، يقول:
بنى بيعة فيها الصليب لأمّه ... وهدّم من كفر منار المساجد
ويقول
أهلكت مال الله فى غير حقّه ... على نهرك المشئوم غير المبارك
стр. 694
وأمر خالد صاحب شرطته مالك بن المنذر بن الجارود أن يحبسه، فألقى به فى السجن، فانقلب يستعطف مالكا وخالدا وهشام بن عبد الملك وبعض مقربيه من الكلبيين بمدائح كثيرة، واستعان بخصومه من القيسية وأعانه شاعرهم جرير. وتصادف أن حجّ خالد وأناب عنه أخاه أسدا، فردّ إليه حريته، ومن ثم نراه يمدحه مدائح كثيرة.
وكل شئ يؤكد أنه أناب إلى ربه فى سنيه الأخيرة فقد أخذ يندم على ما اقترف من آثام، ومن خير ما يصور ذلك قصيدته فى إبليس، وفيها يقول:
أطعتك يا إبليس سبعين حجّة ... فلما انتهى شيبى وتمّ تمامى
فررت إلى ربى وأيقنت أننى ... ملاق لأيام المنون حمامى
وأخيرا وافاه القدر سنة ١١٤ للهجرة.
وواضح مما قدمنا أن الفرزدق أمضى حياته فى المديح والهجاء، وهو فى مديحه يتخلف عن الأخطل وجرير جميعا لما قدمناه من خشونة نفسه وصلابتها، وهو كذلك يتخلف عن جرير فى الهجاء، لأن نفس جرير كانت محملة بمرارة مسرفة. إذ لم يكن له ما للفرزدق من شرف المحتد، فكان ينصبّ عليه وعلى غيره من مهجويه كالصقر الجارح. وهذه النفس الخشنة الصلبة للفرزدق جعلته لا يبرع فى الغزل، يقول الجاحظ: «وهذا الفرزدق وكان مستهترا بالنساء وكان زير غوان وهو فى ذلك ليس له بيت واحد فى النسيب مذكور، ومع حسده لجرير. وجرير عفيف لم يعشق امرأة قط وهو مع ذلك أغزل الناس شعرا» (١). وكان جرير يتقدمه كذلك فى الرثاء، إذ كانت نفسه لينة رقيقة. والموضوع الذى يتفوق فيه الفرزدق على الأخطل وجرير، بل على جميع شعراء عصره، هو الفخر، إذ كان يعتدّ بآبائه وقبيلته اعتدادا لاحد له، ومن ثم بلغ فى الافتخار بهما الغاية القصوى على شاكلة قوله:
وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع (٢)
стр. 695
وقوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا (١)
وقوله:
إن الذى سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول (٢)
حلل الملوك لباسنا فى أهلنا ... والسّابغات إلى الوغى نتسربل (٣)
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنّا إذا ما نجهل (٤)
فادفع بكفّك-إن أردت بناءنا- ... ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل (٥)
والحق أن الفرزدق كان نبعا كبيرا من ينابيع الشعر، وهو نبع كان يتدفق من نفس صلبة، ولعل ذلك ما جعل الالتواء والشذوذ يكثر فى أساليبه، من مثل قوله المشهور فى مديح إبراهيم بن هشام المخزومى خال هشام بن عبد الملك:
وما مثله فى الناس إلا مملّكا ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه
فإن البيت لا يفهم إلا إذا رتبنا كلماته ترتيبا طبيعيّا على هذا النحو:
«وما مثله (الممدوح) فى الناس حىّ يقاربه إلا مملكا أو ملكا (هو هشام بن عبد الملك) أبو أمه أبوه. وكان يضيف إلى ذلك شواذ نحوية كقوله:
وعضّ زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجرّف (٦)
وكان القياس أن يقول مجرفا بالنصب، ولكنه رفع على الاستئناف تمشيا مع روىّ قصيدته. وكان ابن أبى إسحق الحضرمى يراجعه فى ذلك ومثله كثيرا، فكان يسخر منه. وقد عدّه اللغويون أحد مصادر اللغة، حتى قالوا: «لولا شعره لذهب ثلث لغة العرب» ومن ثمّ دارت أشعاره فى كتب اللغويين والنحاة كما دارت فى كتب التاريخ والأخبار لحديثه عن أيام العرب ومناقبهم ومثالبهم
стр. 696
حتى قالوا: «لولا شعره لذهب نصف أخبار الناس». وواضح مما قدمنا أن شعره لا يشتبك بأحداث البصرة وحدها. بل يشتبك أيضا بأحداث الخوارج وأحداث خراسان، وله مدائح وأهاج مختلفة فى ولاتها وولاة فارس، أمثال عبيد الله بن أبى بكرة والجرّاح الحكمى وعمر بن عبيد الله بن معمر والجنيد ابن عبد الرحمن المرّىّ. وقد نوّه طويلا بأسد بن عبد الله القسرى وهلال بن أحوز المازنى. وأشعاره رغم فسقه مطبوعة بروح الإسلام، فهو يكثر فيها من ذكر الصلاة والتقوى والبعث والحساب، كما يكثر من الإشارة إلى قصص الأنبياء، وهو يضمن ذلك مدائحه وأهاجيه جميعا. وتمتاز أساليبه بجزالة اللفظ وقوة الرصف، مما جعل تراكيبه ضخمة، وهو ضخم ناشئ من طوايا نفسه الضخمة الصلبة التى قلما تعرف الرقة واللين
٦ - جرير (١)
شاعر تميمى من عشيرة كليب اليربوعية، ولم يكن لآبائه ولا لعشيرته ما لآباء الفرزدق وعشيرته مجاشع من المآثر والأمجاد، أما العشيرة فعرفت بأنها كانت ترعى الغنم والحمير. وقد دعا ذلك جريرا إلى أن يرتفع بفخره إلى يربوع وكان لها أيام كثيرة فى الجاهلية، فأشاد بأيامها وفرسانها طويلا.
وكان أبوه عطية متخلفا فى المال مبخّلا، أما جدّه الخطفى فكان كثير المال من الغنم والحمير، وقد أتاه من قبله الشعر، ومما يروى من شعره قوله:
عجبت لإزراء العيىّ بنفسه ... وصمت الذى قد كان بالقول أعلما
وفى الصمت ستر للعيىّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
стр. 697
وكانت أمه تسمى أم قيس، وهى من نفس عشيرته، وقد ولدت جريرا فى بادية اليمامة حوالى سنة ثلاثين للهجرة، وكان له أخوان هما عمرو وأبو الورد، كانا ينظمان الشعر.
فجرير إن لم يكن نشأ فى بيت مجد فقد نشأ فى بيت شعر، وظل الشعر يتوارث فى أبنائه، وأشعرهم بلال. وحفيده عمارة من الشعراء المشهورين فى العصر العباسى، وعنه أخذ الرواة شعر جدّه وأكثر أخباره، ويقول ابن قتيبة كان لجرير عشرة من الولد فيهم ثمانية ذكور.
ويظهر أن موهبة جرير الشعرية تفتحت مبكرة، وقد وجد فى جدّه الخطفى خير من يلقّنه الشعر، ويقال إن من أوائل ما نظمه مما رواه له الرواة أبياتا عاتبه بها، وذلك أنه كان ذا مال كثير، وكان ينحل أبناءه وأحفاده من ماله، فاستنحله جرير، فأعطاه بعض ماله، ثم رجع فيه، وقيل بل أعطاه قليلا فاستزاده فلم يزده، فتسخّطه، ونظم فيه طائفة من الأبيات يعاتبه بها، وقد وصلها بعد ذلك بسنوات بأبيات نظمها فى الفرزدق وغسّان السليطى، وفيها يقول معاتبا جدّه:
وإنى لمغرور أعلّل بالمنى ... ليالى أرجو أنّ مالك ماليا
وإنى لعفّ الفقر مشترك الغنى ... سريع-إذا لم أرض دارى-انتقاليا
ويقال إنه وفد بعد ذلك إلى يزيد بن معاوية وهو خليفة، فأنشده هذه الأبيات، فقال له: كذبت إنها لجرير، فقال له: أنا جرير. ومن قوله فيها:
وليست لسيفى فى العظام بقيّة ... وللسّيف أشوى وقعة من لسانيا
وواضح أنه يجعل لسانه أقطع من السيف، فالسيف إنما يقطع الشّوى أى الأطراف، فيبقى على من طعنه، أما لسانه فلا يبقى بقية فيمن يطعنه.
وهو استهلال لحياته الشعرية، يدل على أنه مقتحم بها فن الهجاء، وقد ظل يجول ويصول فى هذا الفن منذ خلافة يزيد إلى وفاته سنة ١١٤ إذ توفى بعد الفرزدق بنحو ستة أشهر. ونراه يهاجى غسّانا السّليطى، ويعينه البعيث، فيطعنه ويطعن نساء عشيرته مجاشع طعنات نجلاء، فيضطرّ الفرزدق أن ينازله،
стр. 698
ويحتدم بينهما الهجاء طوال حياتهما، ويقال إنه ظل يهجوه وهو مقيم بالمروّت من بادية اليمامة بضع سنوات، فأرسلت بنو يربوع إليه: إنك مقيم بالمروت، ليس عندك أحد يروى عنك، والفرزدق بالعراق قد ملأها عليك، فانحدر إلى العراق، فأقام بالبصرة، منشدا:
وإذا شهدت لثغر قومى مشهدا ... آثرت ذاك على بنىّ ومالى
ويظهر أن إقامته بالبصرة بدأت مع دخول العراق فى طاعة ابن الزبير إذ نجد واليه الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة الملقب بالقباع (٦٥ - ٦٦ هـ) يأمر-حين رآه يتواقف مع الفرزدق بالمربد-صاحب شرطته عبّاد بن الحصين بهدم داريهما، فيهدم الدارين جميعا ويطلبهما، وفى ذلك يقول الفرزدق:
أحارث دارى مرّتين هدمتها ... وكنت ابن أخت لا تخاف غوائله
ويقول جرير:
وما فى كتاب الله هدم بيوتنا ... كتهديم ماخور خبيث مداخله
ولم يتهاج جرير مع الفرزدق وحده، فقد تهاجى-كما أسلفنا-مع كثير من الشعراء، ويقول صاحب الأغانى نقلا عن الأصعمى إنه كان ينهشه ثلاثة وأربعون شاعرا، فينبذهم وراء ظهره، ويرمى بهم واحدا واحدا، ويقول فى موضع آخر إنه كان يهاجيه ثمانون شاعرا غلبهم جميعا وكان يقول: إنهم يبدءوننى ثم لا أعفو، كما كان يقول: إننى لا أبتدئ ولكن أعتدى، ويروى أن الراعى سمع راكبا يتغنى:
وعاو عوى من غير شئ رميته ... بقافية أنفاذها تقطر الدّما (١)
خروج بأفواه الرّواة كأنها ... قرا هندوانىّ إذا هزّ صمّما (٢)
стр. 699
فسأل عن صاحب البيتين، فقيل له جرير، فقال: والله لو اجتمع الجن والإنس على صاحب هذين البيتين ما أغنوا فيه شيئا، هل ألام على أن يغلبنى مثل هذا الشاعر؟ . وكان لا يزال بخصومه يطعنهم طعنات مسمومة فى نساء عشائرهم، كقوله فى نساء عشيرة سراقة البارقى، وكان ممن رفعوا الفرزدق عليه:
يعطى النساء مهورهن كرامة ... ونساء بارق مالهن مهور
ولم يثبت له-كما أسلفنا-سوى الفرزدق والأخطل، وثبت له عمر بن لجأ التّيمى إلى حين ويقال إنهما وفدا على المدينة، وعليها عمر بن عبد العزيز، وقيل ابن حزم، وتصادف أن حجّ الوليد بن عبد الملك، فسمع بأنهما يتهاجيان، فأمر بأن يضربا تأديبا، فضربا وأقيما على السلس (١) مقرونين. وعادا إلى العراق، وجرير يرميه وعشيرته بمثل قوله:
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب
واستغاثت تيم بجرير وتوسلت إليه وتضرّعت أن يكفّ عنها، فكفّ بعد أن ثلبها وشاعرها ثلبا قبيحا. وويل للعشيرة التى كانت تتعرض له، روى الرواة أن الفرزدق أتى مجلس بنى الهجيم فى مسجدهم، فأنشدهم، وبلغ ذلك جريرا، فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق، فتعرض له شيخ منهم قائلا له:
اتّق الله، فإن هذا المسجد بنى لذكر الله والصلاة، فانصرف عنهم مغضبا، وهو يقول:
إن الهجيم قبيلة ملعونة ... حصّ اللّحى متشابهو الألوان (٢)
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان
متوركين بنيهم وبناتهم ... صعر الأنوف لريح كلّ دخان (٣)
стр. 700
وظل جرير إلى أوائل عصر الحجاج (٧٥ - ٩٥ هـ) لا يعرف من الشعر سوى الفخر والهجاء وما يقدّم لهما من الغزل ووصف الصحراء، حتى إذا أظلّه هذا العصر، وصار حكم العراق لقيس وصاحبها الحجاج رأيناه يقدم على صهره وابن عمه الحكم بن أيوب الثقفى نائبه على البصرة، فيمدحه برجز، يقول فيه:
خليفة الحجّاج غير المتّهم ... فى معقد العزّ وبؤبؤ الكرم (١)
واستنطقه فأعجبه ظرفه وشعره، فكتب إلى الحجاج يخبره عنه، فكتب إليه أن ابعث به إلىّ، فقدم عليه، فأكرمه. وسرعان ما عاش له جرير يمدحه مدائح رائعة من مثل قوله:
من سدّ مطّلع النفاق عليكم ... أم من يصول كصولة الحجّاج (٢)
أم من يغار على النّساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج (٣)
إنّ ابن يوسف فاعلموا وتيقّنوا ... ماضى البصيرة واضح المنهاج
ماض على الغمرات يمضى همّه ... والليل مختلف الطرائق داجى (٤)
منع الرّشا وأراكم سبل الهدى ... والّلصّ نكّله عن الإدلاج (٥)
وإذا رأيت منافقين تخيّروا ... سبل الضّجاج أقمت كل ضجاج (٦)
داويتهم وشفيتهم من فتنة ... غبراء ذات دواخن وأجاج (٧)
ولقد كسرت سنان كلّ منافق ... ولقد منعت حقائب الحجّاج
وهو يمدحه بالصفات التى يجلّها العرب من قديم، وبصفات أخرى تتصل بسياسته وولايته للعراق، إذ يقول إنه سد ثغور النفاق، مع شجاعة فائفة ومحافظة على الذمام. ويقول إنه نافذ البصيرة واضح السياسة، يعرف كيف يخرج من الغمرات والشدائد، ويصوّر كيف أقام العدل فى الناس ومنع
стр. 701
الرشوة وقضى على اللصوص وقطّاع الطريق فى الليل المدلهم. ويقول إنه قوّم كل مائل وباطل، وإنه داوى النفوس المريضة وحطم أسنة المنحرفين عن الدولة ولم يعد هناك أحد ممن يعيثون فى الأرض فسادا. ويقضى الحجاج على ثورة ابن الأشعث سنة ٨٢ فينوّه بانتصاره عليه قائلا:
دعا الحجّاج مثل دعاء نوح ... فأسمع ذا المعارج فاستجابا (١)
صبرت النفس يابن أبى عقيل ... محافظة فكيف ترى الثّوابا
ولو لم يرض ربّك لم ينزّل ... مع النّصر الملائكة الغضابا
إذا سعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجّاج أثقبها شهابا
وكان عبد الملك بن مروان فى دمشق يفسح فى مجالسه للأخطل شاعر تغلب النصرانى. وينقل إليه شعر جرير فى الحجاج فيغبطه عليه لروعة شعره ومهارته فى المديح. ورأى الحجاج أن يهديه إليه، ووجد عند جرير رغبة صادقة فى أن يمثل بمديحه بين يديه، فصحبه معه فى وفادته التى وفدها على عبد الملك، ويقال: بل بعث به إليه مع ابنه محمد، فأذن له فى النشيد، فبدأ فأنشد مدائحه فى الحجاج واحدة بعد واحدة، ثم أنشده قصيدته التى يقول فى استهلالها:
تعزّت أمّ حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوى لقاح (٢)
تعلّل، وهى ساغبة، بنيها ... بأنفاس من الشّبم القراح (٣)
سأمتاح البحور فجنّبينى ... أذاة اللوم وانتظرى امتياحى (٤)
وخرج من ذلك إلى مديح عبد الملك، فقال
وإنى قد رأيت علىّ حقّا ... زيارتى الخليفة وامتداحى
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح (٥)
стр. 702
ولم يلبث أن أخذ يهاجم من ثار على عبد الملك مثل عمرو الأشدق بن سعيد بن العاص. ووقف عند عبد الله بن الزبير يصوّر فتنته وكيف قضى عليه عبد الملك قضاء مبرما. ومضى يمدح عبد الملك وأسرته وأنهم الجديرون من بين القرشيين بالخلافة، منوها بانقياد الأمة له واجتماعها تحت لوائه، يقول:
وقوم قد سموت لهم فدانوا ... بدهم فى ململمة رداح (١)
أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شئ حميت بمستباح (٢)
دعوت الملحدين أبا خبيب ... جماحا، هل شفيت من الجماح (٣)
فقد وجدوا الخليفة هبرزيّا ... ألفّ العيص ليس من النواحى (٤)
فما شجرات عيصك فى قريش ... بعشّات الفروع ولا ضواحى (٥)
رأى الناس البصيرة فاستقاموا ... وبيّنت المراض من الصّحاح (٦)
وأعجب عبد الملك بجرير إعجابا شديدا فأعطاه مائة من الإبل وثمانية من الرعاة ومحلبا من فضة. وجرير فى هذه القصيدة ليس مادحا فحسب، بل هو محام عن عبد الملك وحكمه، يدافع عن حقه فى الخلافة، ويهاجم خصومه هجوما عنيفا، وقد مضى بقية حياته يقرر فى مدائحه لعبد الملك ومن خلفوه حقهم فى الخلافة على الناس، وهو من هذه الناحية يعدّ شاعرا سياسيا بالمعنى التام، شاعرا يحامى عن نظرية الأمويين فى الحكم ويناضل عنهم وما يزال يسدّد سهامه إلى خصومهم، وهو فى تضاعيف ذلك يحفّهم بإطار رائع من التقوى والعمل الصالح، مقررا أن شيعتهم على الحق، وأن من يخالفهم من الشّيع أهل باطل وضلال وأهواء وبدع، يقول فى عبد الملك:
لولا الخليفة والقرآن نقرؤه ... ما قام للناس أحكام ولا جمع
стр. 703
أنت الأمين أمين الله لا سرف ... فيما وليت ولا هيّابة ورع (١)
أنت المبارك يهدى الله شيعته ... إذا تفرّقت الأهواء والشّيع
فكلّ أمر على يمن أمرت به ... فينا مطاع ومهما قلت مستمع
يا آل مروان إن الله فضّلكم ... فضلا عظيما على من دينه البدع
وواضح أنه يزرى على أصحاب الأهواء الذين يحادّون بنى أمية من الزبيريين والخوارج والشيعة، ويسميهم أهل بدع وضلالة. ويتوفّى عبد الملك، فيلزم ابنه الوليد، ويظهر أنه كان يجفوه فى أول الأمر، فقد مرّ بنا أنه أمر واليه على المدينة أن ينزل به وبابن لجأ عقوبة صارمة. غير أن هذا لم يصرف جريرا عنه، فقد كان يلمّ به فى دمشق، وكان يراه يقرّب عدىّ بن الرّقاع، فهجاه، وحاول أن يستثيره، ولكن عديا آثر العافية. واستطاع جرير أن ينفذ إلى الوليد وأن يقع منه بعد ذلك موقعا حسنا بما دبّجه فيه من مدائح رائعة على شاكلة قوله:
إنّ الوليد هو الإمام المصطفى ... بالنّصر هزّ لواؤه والمغنم
ذو العرش قدّر أن تكون خليفة ... ملّكت فاعل على المنابر واسلم
ونراه يلزم ابنه عبد العزيز، ويقدم له مدائح كثيرة، حتى إذا عزم الوليد على تنحية سليمان أخيه عن ولاية العهد وتوليتها عبد العزيز رأيناه يحطب فى حبله بمثل قوله:
إذا قيل أىّ الناس خير خليفة ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع
وسرعان ما تتطور الظروف، ويتوفّى الوليد ويتولى سليمان، فيفد عليه مادحا، محاولا أن يستنزل عطفه عليه، بما يصوّر من تقواه ومن عدله وكيف أطلق من سجنهم الحجاج وكيف ردّ مظالمه عن أهل العراق وأحسن
стр. 704
إلى الناس، وهو فى تضاعيف ذلك ينوّه بأن الله اختاره للأمة ناعتا له بأنه المهدى المنتظر، يقول (١):
سليمان المبارك قد علمتم ... هو المهدىّ قد وضح السبيل
أجرت من المظالم كلّ نفس ... وأدّيت الذى عهد الرسول
صفت لك بيعة بثبات عهد ... فوزن العدل أصبح لا يميل
وتدعوك الأرامل واليتامى ... ومن أمسى وليس به حويل (٢)
ويدعوك المكلّف بعد جهد ... وعان قد أضرّ به الكبول (٣)
ونراه يمدح ابنه أبوب، ويرشحه لولاية العهد. غير أن سليمان رأى أن يصرفها إلى عمر بن عبد العزيز، وكان يتأله فى دينه ويزهد فى الدنيا، فأوصد أبوابه من دون الشعراء سوى جرير، وكأنه قرّبه لما عرف فيه من عفته وحسن دينه، ومعرفته به ترجع إلى أيام ولايته على المدينة، وله فيه مدائح مختلفة، يصوّر فيها تقواه وأن الله اصطفاه للناس من مثل قوله:
أنت المبارك والمهدىّ سيرته ... تعصى الهوى وتقوم الليل بالسّور
نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر
ويشير إلى سياسة عمر فى طرح العشور عن الرعية وكل ما كان يجبى منها غير الخراج (٤)، فيقول فى مدحة أخرى:
إن الذى بعث النبىّ محمّدا ... جعل الخلافة فى الإمام العادل
ولقد نفعت بما منعت تحرّجا ... مكس العشور على جسور الساحل (٥)
стр. 705
وسرعان ما توفّى عمر، فندبه ندبا حارّا، يصور فجيعة الأمة فيه حتى ليقول إن الشمس تبكيه مدى الدهر:
تنعى النّعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا
فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكى عليك نجوم الليل والقمرا (١)
ويتولّى يزيد بن عبد الملك، ويثور عليه فى العراق يزيد بن المهلب، ويقضى على ثورته مسلمة، ويصيح به جرير مرارا فى قصائد مدح بها يزيد ابن عبد الملك، بنفس الصورة المثالية التى صور بها سابقيه من الخلفاء، من مثل قوله:
زان المنابر واختالت بمنتجب ... مثبّت بكتاب الله منصور
ويصفه بالعدل وأنه ورث الملك عن آبائه بعهد منهم. ودائما ينوّه فى مديحه لهم بهذا العهد، فليست الخلافة عامة فى الأمة ولا فى قريش، بل هى وراثية فى بنى أمية تتوالى فيهم بعهود موثقة. وآخر من مدحهم منهم هشام بن عبد الملك، وفيه يقول فى آخر قصيدة مدحه بها، وقد أرسلها إليه مع ابنه عكرمة:
إلى المهدىّ نفزع إن فزعنا ... ونستسقى بغرّته الغماما
وحبل الله يعصمكم قواه ... فلا نخشى لعروته انفصاما (٢)
ومدح جرير بجانب الخلفاء كثيرا من أبنائهم، فهو يمدح مسلمة بن عبد الملك وعبد العزيز بن الوليد وأخاه العباس وأيوب بن سليمان ومعاوية بن هشام، ودائما ينوّه بالأسرة وأن الله اختارها للأمة، فإذا قلنا بعد ذلك إنه عاش منذ عرف عبد الملك داعية للأمويين لم نكن مبالغين. وليس له فى سواهم إلا مدائح قليلة فقد مدح الحجاج وصهره الحكم بن أيوب كما قدمنا، ومدح خالدا القسرى مستشفعا للفرزدق كى يطلقه، ومدح بعض أشراف قيس وتميم مثل المهاجر بن