← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الرشوة وقضى على اللصوص وقطّاع الطريق فى الليل المدلهم. ويقول إنه قوّم كل مائل وباطل، وإنه داوى النفوس المريضة وحطم أسنة المنحرفين عن الدولة ولم يعد هناك أحد ممن يعيثون فى الأرض فسادا. ويقضى الحجاج على ثورة ابن الأشعث سنة ٨٢ فينوّه بانتصاره عليه قائلا: دعا الحجّاج مثل دعاء نوح ... فأسمع ذا المعارج فاستجابا (١) صبرت النفس يابن أبى عقيل ... محافظة فكيف ترى الثّوابا ولو لم يرض ربّك لم ينزّل ... مع النّصر الملائكة الغضابا إذا سعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجّاج أثقبها شهابا وكان عبد الملك بن مروان فى دمشق يفسح فى مجالسه للأخطل شاعر تغلب النصرانى. وينقل إليه شعر جرير فى الحجاج فيغبطه عليه لروعة شعره ومهارته فى المديح. ورأى الحجاج أن يهديه إليه، ووجد عند جرير رغبة صادقة فى أن يمثل بمديحه بين يديه، فصحبه معه فى وفادته التى وفدها على عبد الملك، ويقال: بل بعث به إليه مع ابنه محمد، فأذن له فى النشيد، فبدأ فأنشد مدائحه فى الحجاج واحدة بعد واحدة، ثم أنشده قصيدته التى يقول فى استهلالها: تعزّت أمّ حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوى لقاح (٢) تعلّل، وهى ساغبة، بنيها ... بأنفاس من الشّبم القراح (٣) سأمتاح البحور فجنّبينى ... أذاة اللوم وانتظرى امتياحى (٤) وخرج من ذلك إلى مديح عبد الملك، فقال وإنى قد رأيت علىّ حقّا ... زيارتى الخليفة وامتداحى ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح (٥)

стр. 702

ولم يلبث أن أخذ يهاجم من ثار على عبد الملك مثل عمرو الأشدق بن سعيد بن العاص. ووقف عند عبد الله بن الزبير يصوّر فتنته وكيف قضى عليه عبد الملك قضاء مبرما. ومضى يمدح عبد الملك وأسرته وأنهم الجديرون من بين القرشيين بالخلافة، منوها بانقياد الأمة له واجتماعها تحت لوائه، يقول: وقوم قد سموت لهم فدانوا ... بدهم فى ململمة رداح (١) أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شئ حميت بمستباح (٢) دعوت الملحدين أبا خبيب ... جماحا، هل شفيت من الجماح (٣) فقد وجدوا الخليفة هبرزيّا ... ألفّ العيص ليس من النواحى (٤) فما شجرات عيصك فى قريش ... بعشّات الفروع ولا ضواحى (٥) رأى الناس البصيرة فاستقاموا ... وبيّنت المراض من الصّحاح (٦) وأعجب عبد الملك بجرير إعجابا شديدا فأعطاه مائة من الإبل وثمانية من الرعاة ومحلبا من فضة. وجرير فى هذه القصيدة ليس مادحا فحسب، بل هو محام عن عبد الملك وحكمه، يدافع عن حقه فى الخلافة، ويهاجم خصومه هجوما عنيفا، وقد مضى بقية حياته يقرر فى مدائحه لعبد الملك ومن خلفوه حقهم فى الخلافة على الناس، وهو من هذه الناحية يعدّ شاعرا سياسيا بالمعنى التام، شاعرا يحامى عن نظرية الأمويين فى الحكم ويناضل عنهم وما يزال يسدّد سهامه إلى خصومهم، وهو فى تضاعيف ذلك يحفّهم بإطار رائع من التقوى والعمل الصالح، مقررا أن شيعتهم على الحق، وأن من يخالفهم من الشّيع أهل باطل وضلال وأهواء وبدع، يقول فى عبد الملك: لولا الخليفة والقرآن نقرؤه ... ما قام للناس أحكام ولا جمع

стр. 703

أنت الأمين أمين الله لا سرف ... فيما وليت ولا هيّابة ورع (١) أنت المبارك يهدى الله شيعته ... إذا تفرّقت الأهواء والشّيع فكلّ أمر على يمن أمرت به ... فينا مطاع ومهما قلت مستمع يا آل مروان إن الله فضّلكم ... فضلا عظيما على من دينه البدع وواضح أنه يزرى على أصحاب الأهواء الذين يحادّون بنى أمية من الزبيريين والخوارج والشيعة، ويسميهم أهل بدع وضلالة. ويتوفّى عبد الملك، فيلزم ابنه الوليد، ويظهر أنه كان يجفوه فى أول الأمر، فقد مرّ بنا أنه أمر واليه على المدينة أن ينزل به وبابن لجأ عقوبة صارمة. غير أن هذا لم يصرف جريرا عنه، فقد كان يلمّ به فى دمشق، وكان يراه يقرّب عدىّ بن الرّقاع، فهجاه، وحاول أن يستثيره، ولكن عديا آثر العافية. واستطاع جرير أن ينفذ إلى الوليد وأن يقع منه بعد ذلك موقعا حسنا بما دبّجه فيه من مدائح رائعة على شاكلة قوله: إنّ الوليد هو الإمام المصطفى ... بالنّصر هزّ لواؤه والمغنم ذو العرش قدّر أن تكون خليفة ... ملّكت فاعل على المنابر واسلم ونراه يلزم ابنه عبد العزيز، ويقدم له مدائح كثيرة، حتى إذا عزم الوليد على تنحية سليمان أخيه عن ولاية العهد وتوليتها عبد العزيز رأيناه يحطب فى حبله بمثل قوله: إذا قيل أىّ الناس خير خليفة ... أشارت إلى عبد العزيز الأصابع وسرعان ما تتطور الظروف، ويتوفّى الوليد ويتولى سليمان، فيفد عليه مادحا، محاولا أن يستنزل عطفه عليه، بما يصوّر من تقواه ومن عدله وكيف أطلق من سجنهم الحجاج وكيف ردّ مظالمه عن أهل العراق وأحسن

стр. 704

إلى الناس، وهو فى تضاعيف ذلك ينوّه بأن الله اختاره للأمة ناعتا له بأنه المهدى المنتظر، يقول (١): سليمان المبارك قد علمتم ... هو المهدىّ قد وضح السبيل أجرت من المظالم كلّ نفس ... وأدّيت الذى عهد الرسول صفت لك بيعة بثبات عهد ... فوزن العدل أصبح لا يميل وتدعوك الأرامل واليتامى ... ومن أمسى وليس به حويل (٢) ويدعوك المكلّف بعد جهد ... وعان قد أضرّ به الكبول (٣) ونراه يمدح ابنه أبوب، ويرشحه لولاية العهد. غير أن سليمان رأى أن يصرفها إلى عمر بن عبد العزيز، وكان يتأله فى دينه ويزهد فى الدنيا، فأوصد أبوابه من دون الشعراء سوى جرير، وكأنه قرّبه لما عرف فيه من عفته وحسن دينه، ومعرفته به ترجع إلى أيام ولايته على المدينة، وله فيه مدائح مختلفة، يصوّر فيها تقواه وأن الله اصطفاه للناس من مثل قوله: أنت المبارك والمهدىّ سيرته ... تعصى الهوى وتقوم الليل بالسّور نال الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر ويشير إلى سياسة عمر فى طرح العشور عن الرعية وكل ما كان يجبى منها غير الخراج (٤)، فيقول فى مدحة أخرى: إن الذى بعث النبىّ محمّدا ... جعل الخلافة فى الإمام العادل ولقد نفعت بما منعت تحرّجا ... مكس العشور على جسور الساحل (٥)

стр. 705

وسرعان ما توفّى عمر، فندبه ندبا حارّا، يصور فجيعة الأمة فيه حتى ليقول إن الشمس تبكيه مدى الدهر: تنعى النّعاة أمير المؤمنين لنا ... يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا حمّلت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكى عليك نجوم الليل والقمرا (١) ويتولّى يزيد بن عبد الملك، ويثور عليه فى العراق يزيد بن المهلب، ويقضى على ثورته مسلمة، ويصيح به جرير مرارا فى قصائد مدح بها يزيد ابن عبد الملك، بنفس الصورة المثالية التى صور بها سابقيه من الخلفاء، من مثل قوله: زان المنابر واختالت بمنتجب ... مثبّت بكتاب الله منصور ويصفه بالعدل وأنه ورث الملك عن آبائه بعهد منهم. ودائما ينوّه فى مديحه لهم بهذا العهد، فليست الخلافة عامة فى الأمة ولا فى قريش، بل هى وراثية فى بنى أمية تتوالى فيهم بعهود موثقة. وآخر من مدحهم منهم هشام بن عبد الملك، وفيه يقول فى آخر قصيدة مدحه بها، وقد أرسلها إليه مع ابنه عكرمة: إلى المهدىّ نفزع إن فزعنا ... ونستسقى بغرّته الغماما وحبل الله يعصمكم قواه ... فلا نخشى لعروته انفصاما (٢) ومدح جرير بجانب الخلفاء كثيرا من أبنائهم، فهو يمدح مسلمة بن عبد الملك وعبد العزيز بن الوليد وأخاه العباس وأيوب بن سليمان ومعاوية بن هشام، ودائما ينوّه بالأسرة وأن الله اختارها للأمة، فإذا قلنا بعد ذلك إنه عاش منذ عرف عبد الملك داعية للأمويين لم نكن مبالغين. وليس له فى سواهم إلا مدائح قليلة فقد مدح الحجاج وصهره الحكم بن أيوب كما قدمنا، ومدح خالدا القسرى مستشفعا للفرزدق كى يطلقه، ومدح بعض أشراف قيس وتميم مثل المهاجر بن

стр. 706

عبد الله الكلابى والجنيد بن عبد الرحمن المرّى وهلال بن أحوز المازنى الذى نكّل بآل المهلب فى ثورتهم. ويظل أضخم صوت فى ديوانه تغنّى به مادحا صوته فى الأمويين. ولعل فيما قدمنا ما يدل على أنه لم يكد يلم بهذا الفن من فنون الشعر حتى برّز فيه على أقرانه، وبدون شك كان يسبق فيه الفرزدق، وفى رأينا كما قدمنا أنه كان فيه مع الأخطل فرسى رهان، بل لقد كان يتقدمه فى كثير من الأحيان بعذوبة لفظه، وأيضا بما كان يضع حول ممدوحيه من إطار الإسلام ومثاليته الكريمة. ودائما يتقدم جرير الأخطل والفرزدق جميعا فى الموضوعات التى تتطلب دقة فى الإحساس ورقة فى الشعور، إذ كان الأخطل متكلفا يصطنع الوقار، وكان الفرزدق-كما أسلفنا-صاحب نفس خشنة صلبة، ولذلك تفوق فى الفخر وساعده أن وجد مادة غزيرة من مناقب عشيرته وآبائه هيأته ليرسل كلماته كأنها العواصف القاصفة والصواعق المدمّرة. أما جرير فلم يكن لعشيرته ولا لآبائه شئ من المآثر الحميدة، فانطوت نفسه على حزن عميق صفىّ جوهرها، وزاد فى هذا الصفاء تأثره بالإسلام إذ كان ديّنا عفيفا طاهر النفس. واقرأ رثاءه لزوجته أم حزرة، إذ يقول: لولا الحياء لعادنى استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار ولّهت قلبى إذ علتنى كبرة ... وذوو التمائم من بنيك صغار ولقد أراك كسيت أجمل منظر ... ومع الجمال سكينة ووقار صلّى الملائكة الذين تخيّروا ... والصالحون عليك والأبرار فإنك تحس تفجعه المرير، لقيام سور الموت الصفيق بينها وبينه هو وأولادها، وهو يدعو لها دعاء المسلم المؤمن قلبه، محيّيا فيها جمالها وخلقها الرفيع. وتدل دلائل كثيرة على أن علاقاته بزوجاته: أم حزرة هذه وأمامة التى أهداها إليه الحجاج وأم حكيم الديلمية أم ابنيه بلال ونوح، كانت علاقات ودّ ومحبة. ولم تنشز عليه سوى جارية اشتراها بأخرة، وقد عابت عليه عيشه وكبرة سنه، ففارقها راضيا. أما زوجاته المذكورات فكن يبادلنه ودّا بود، وقد اتخذهن

стр. 707

موضوعا لغزله الرقيق الذى كان يقدّم به بين يدى قصائده ونقائضه. وأتاح له صفاء نفسه وانطواؤها على الحزن أن يبلغ من هذا الغزل كل ما يريد من تصوير الحب الخالص الطاهر، إذ ما يزال فيه يتلطف ويستعطف ويشكو ويتضرّع على شاكلة قوله: بنفسى من تجنّبه عزيز ... علىّ ومن زيارته لمام (١) ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقنى إذا هجع النّيام وقوله: لقد كتمت الهوى حتى تهيّمنى ... لا أستطيع لهذا الحب كتمانا إن العيون التى فى طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا أتبعتهم مقلة إنسانها غرق ... هل ما ترى تارك للعين إنسانا (٢) وكان إذا هجا نساء من يهجونه أصبح سما ذعافا لا يطاق، فإذا أشاد بنساء عشيرته أو بنساء عشيرة النّوار زوجة الفرزدق إغاظة له وكيدا نثر فوقهن زهور شعره، واصفا خلقهن الكريم وجمالهن الباهر الذى يشغف القلوب، ومن بارع قوله فى نساء عشيرة النّوار: وهنّ كماء المزن يشفى به الصّدى ... وكانت ملاحا غيرهن المشارب (٣) ولعل شاعرا قديما لم يستطع أن يصف عواطف الأبوة وحنانها تلقاء الولد على نحو ما صوّر ذلك فى هذه المقطوعة التى يصوّر فيها حبه لابنه بلال: إن بلالا لم تشنه أمّه ... يشفى الصّداع ريحه وشمّه (٤) ويذهب الهموم عنى ضمّه ... ينفح ريح المسك مستحمّه يمضى الأمور وهو سام همّه ... بحر البحور واسع مجمّه (٥) يفرّج الأمر ولا يغمّه ... فنفسه نفسى وسمّى سمّه (٦)

стр. 708

وواضح أن جريرا كان لا يبارى فى جميع الموضوعات التى تتصل بدقة الأحاسيس ورقة المشاعر، وهو لذلك يسبق الأخطل والفرزدق فى الرثاء والغزل وعواطف الزوجية والأبوة، وهو كذلك يسبقهما فى الهجاء الخالص إذ كان يعرف كيف يريش سهامه ويسدّدها إلى نحور خصومه، محمّلا لها كل ما يمكن من سموم. وليس لأحدهما موضوع يتقدم به عليه سوى ما كان من فخر الفرزدق إذ لم يكن لجرير مادة يبنى منها فخره، إلا أن يرتفع عن عشيرته إلى يربوع أو إلى تميم عامة، حينئذ تندّ عنه أبيات رائعة كقوله: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا ولكنه على كل حال يقصر عن الفرزدق فى هذا المجال. ومن الحق أن الفرزدق كان نبعا ثرّا من ينابيع الشعر، ولذلك استطاع الصمود لجرير، والأخطل-مع أنه استطاع أن يثبت له-يأتى دون الشاعرين جميعا، إلا ما يسوقه فى النّدرة من قطع مديح متوهجة. وساق نفس هذا الحكم عليهم قديما بشار، فقال حين سأله سائل عنهم: «لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه» ومضى بفضل جريرا على الفرزدق فقال: «كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النّوار (زوجه) فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير؛ إذ لم يجدوا للفرزدق شعرا يصلح. فقال له السائل: وأى شئ لجرير من المراثى إلا التى رثى بها امرأته: أم حزرة، فأورد عليه بشار مرثيته فى ابنه سوادة التى يقول فيها: فارقتنى حين كفّ الدّهر من بصرى ... وحين صرت كعظم الرّمّة البالى فاقتنع سائله (١). وإذا رجعنا إلى أساليب الثلاثة وجدنا الأخطل يعنى أشد العناية بصقل ألفاظه وتنقيحها، وكأنه من ذوق مدرسة زهير الجاهلية، ولم يكن الفرزدق يعنى بصقل ألفاظه كل هذه العناية، ومن ثم ظهر فيها كثير من صور الانحراف والشذوذ على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وقد أتاه ذلك-كما أسلفنا-من

стр. 709

خشونة نفسه وصلابتها ومن تمرده الطاغى. ومما لا شك فيه أنه كان قوى البصيرة فى نقد الشعر وتمييز جيده من رديئه، حتى قالوا إنه كان يسطو على بعض أبيات معاصريه، حين يبهره حسنها ويفرط بها إعجابه. وهو بعامة يمتاز فى شعره بجزالة لفظه وشدة أسره. أما جرير فإنه لا يبارى فى عذوبة كلمه وحلاوة نغمه، فإذا قرأته أحسست الذوق المهذب الصافى، وقد جاءه ذلك من تأثره بالقرآن الكريم وأساليبه، وكانت نفسه لينة رقيقة لا تشوبها شوائب من تمرد، فجرت أشعاره صافية، كأنها الجدول الرقراق، أشعار تلذّ الأذن بكمال جرسها وتلذ النفوس والأفئدة.

стр. 710

الفصل الرابع شعراء السياسة ١ - شعراء الزبيريين رأينا فى غير هذا الموضع كيف أخذت تظهر فى صفوف الأشراف من أبناء كبار الصحابة معارضة حادة لأخذ معاوية البيعة لابنه يزيد بولاية العهد واستخلافه له من بعده، وكيف قاد الحسين بن على بن أبى طالب وعبد الله بن الزبير هذه المعارضة. وحدث أن دعا بعض أهل الكوفة الحسين ليبايعوه، ومضى إليهم غير أنه قتل دون غايته، فخلا الجوّ لابن الزبير الذى عاذ بمكة، وقد اتخذ من قتل الحسين أداة للتشنيع على يزيد وعمّاله، وثارت المدينة، وأوقع بها يزيد وقعة الحرّة المشهورة. فاتسعت الجروح فى الحجاز، وبدا للعيان أن الأمويين، وإن كانوا قرشيين، يحكمون بسيوف كلب وغيرها من قبائل الشام اليمنية، وكأنه لم يعد لقريش ولا للحجاز عامة شئ فى الحكم. وحقّا أن الأمويين قرشيون ولكنهم حولوا الخلافة عن المدينة حاضرتها فى الحجاز إلى دمشق، ولم يعودوا يستندون فى حكمهم على قريش، بل أصبحوا يستندون على قبائل الشام اليمنية ويحكّمونها فى رقاب الناس، بل لقد استباحوا بها مدينة الرسول ﷺ . وقد مضوا يلون الخلافة كما وليها يزيد، لا بسلطان شرعى، وإنما بسلطان السيف والقوة، إذ أن يزيد لا يأتى أولا بين أبناء كبار الصحابة فبينهم من يفضلونه بسابقة آبائهم فى الإسلام وبسيرتهم الفاضلة. واتجه الجيش الذى نكب المدينة فى وقعة الحرّة إلى مكة حيث يعوذ ابن الزبير، وهبّ كثير من العرب حتى من الخوارج للذوّد عن البلد الحرام. وضرب من حوله حصار،

стр. 711

غير أن الأنباء جاءت بموت يزيد، فرفع الحصار، وعاد الجيش أدراجه. وبدا حينئذ كأن ابن الزبير هو القرشى الذى اختير للجماعة، فأبوه من كبار الصحابة المقدّمين وأمه أسماء أخت السيدة عائشة زوج الرسول ﷺ . وكان قوىّ الشخصية تقيا وشارك فى فتوح إفريقية، وسرعان ما انضمت تحت لوائه قيس فى الشام والجزيرة وتبعته العراق ومصر، وكذلك تبعته خراسان بقيادة عبد الله بن خازم السّلمى القيسى. وولى بعد يزيد ابنه معاوية بعهد منه، ولكنه توفّى سريعا، وبدا كأن حكم بنى أمية قد انتهى، حتى ليقول ابن عرادة بخراسان (١): أبنى أميّة إنّ آخر ملككم ... جسد بحوّارين ثمّ مقيم (٢) طرقت منيّته وعند وساده ... كوب وزقّ راعف مرثوم (٣) ومرنّة تبكى على نشوانه ... بالصّنج تقعد تارة وتقوم (٤) وظل ابن الزبير يقود الولايات التى تبعته من مكة، ولم يلبث مروان بن الحكم أن ظهر بالشام تسنده كلب والقبائل اليمنية، وأوقع بقيس الشام وقعة مرج راهط المشهورة، فخلصت له الشام، ولم تلبث مصر أن استجابت له، وولّى عليها ابنه عبد العزيز. وبذلك تحولت الخلافة من بيت السفيانيين إلى بيت المروانيين، فإن مروان لم يلبث أن توفّى وخلفه ابنه عبد الملك، وكان سياسيّا أريبا، يعرف كيف يستخدم المال فى جمع الناس من حوله، وكان فى ابن الزبير بخل وحرص شديد جعل كثيرا من العرب ينصرفون عنه، ويضرب الرواة لذلك مثلا هو أن فضالة بن شريك الأسدى، وقيل بل ابنه، وفد عليه (٥)

стр. 712

فقال له: إن ناقتى قد نقبت (١) ودبرت (٢)، فقال: ارقعها بجلد (٣)، واخصفها بهلب (٤)، وسر البردين (٥) بها تصحّ، فقال فضالة: إنى أتيتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتنى إليك، فقال له ابن الزبير: إنّ (٦) وراكبها. وانصرف فضالة من عنده، وهو يقول: شكوت إليه أن نقبت قلوصى ... فردّ جواب مشدود الصّفاد (٧) يضنّ بناقة ويروم ملكا ... محال، ذلكم غير السّداد ومضى يشيد ببنى أمية وكرمهم الفياض، ويقول إنه صائر إليهم. ولعل فى هذا الحادث ما يفسر السبب فى قلة الشعراء الذين صدروا عن رأى ابن الزبير فى الخلافة مدافعين عنه بنبال شعرهم، وكأنما لم تكن تعنيه هذه النبال. وليس معنى ذلك أنه لم يكن هناك شعراء يقفون فى صف ابن الزبير، وإنما معناه أنه رغب بنفسه عن هذا اللون من الدعاية، أو قل رغب به شحّه عنه، ومع ذلك فقد وقف فى صفّه كثير من الشعراء، لا فى الحجاز حيث كان يدعو لنفسه بل بين قيس فى الشام والجزيرة ولدن أخيه مصعب واليه على العراق. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن العصبيات والوقائع الحربية اشتعلت بين القبائل القيسية من جهة والقبائل اليمنية وتغلب من جهة ثانية، وأن الشعراء فى الطرفين جميعا سلّوا ألسنتهم مدافعين عن قبائلهم ومهاجمين، أو بعبارة أخرى مفاخرين ومتهاجين هجاء مريرا. ولم يكن الطرفان يتناقضان فى العصبية القبيلية فحسب، بل كانا أيضا يتناقضان فى السياسة، إذ كان هوى قيس مع ابن الزبير وهوى القبائل اليمنية وتغلب مع بنى أمية، ومن ثم اختلطت فى أشعارهم العصبية بالسياسة، ومن خير ما يمثل ذلك قصيدة «خفّ القطين» التى ضمنها الأخطل هجاء قيس ومديح عبد الملك مصورا موقف قبيلته من الخلافة الأموية وما قدمته لها من

стр. 713

مساعدات حربية ولسانية. وحين نتصفح أشعار زفر بن الحارث نجدها تقطر عصبية (١) عنيفة، فهو دائما يتهدد تغلب وكلبا وأخواتها من القبائل اليمنية، وهو فى تهديده لا ينسى ابن الزبير وأنه يقف من دونه ضد قبيلة كلب وزعيمها ابن بحدل الذى يناصر بنى أمية، يقول (٢): أفى الله أما بحدل وابن بحدل ... فيحيى وأما ابن الزبير فيقتل كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يوم أغرّ محجّل (٣) ولما يكن للمشرفيّة فوقكم ... شعاع كقرن الشمس حين ترجّل (٤) وعلى هذا النحو كانت تختلط فى أشعار الطرفين الذحول والثارات بالسياسة. وظلوا يجترّون ذلك طويلا، إذ نرى جريرا لسان قيس ومحاميها يشنّ هجوما قاسيا على تغلب وشاعرها الأخطل الذى انبرى له يردّ كيده على نحو ما مرّ بنا فى النقائض. وكان مصعب بن الزبير من فتيان قريش شجاعة وسخاء، فلما ولى العراق لأخيه انهلّت غيوثه على الشعراء، فمدحه منهم كثيرون مثل أعشى همدان ودكين الفقيمى، ولكن المدح من حيث هو لا يهمنا، إنما يهمنا الشعر السياسى الذى كان يدافع عن نظرية ابن الزبير فى الخلافة، هاجيا لبنى أمية مؤلبا عليهم القبائل. ولعل شاعرا لم يبلغ من ذلك ما بلغه ابن قيس الرقيات ، فهو شاعر الزبيريين ونظريتهم السياسية غير مدافع، ومن ثمّ ينبغى أن نقف عنده قليلا. ابن (٥) قيس الرقيات اختلف الرواة فى اسمه هل هو عبيد الله أو عبد الله، والأول أرجح، لأن فى أخباره أنه كان له أخ يسمى عبد الله. وعلى نحو ما اختلفوا فى اسمه اختلفوا فى

стр. 714

سبب نعته بالرّقيّات، وأصوب الآراء أنه كان يشبّب بغير فتاة تسمى رقية، فنعت بالرقيات إشارة إلى ذلك. وهو قرشى من بنى عامر بن لؤى، ولد بمكة فى العقد الثالث للهجرة لقيس ابن شريح بن مالك بن ربيعة (النويعم) بن أهيب بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤى. وأقدم أخباره تشير إلى ملازمته لبعض المغنين وتصفحه لبعض النساء فى الحج، ولم تكد تقع عينه على رقية بنت عبد الواحد بن أبى سعد أحد أفراد عشيرته الذين هاجروا مع طائفة منها إلى الجزيرة سنة سبع وثلاثين حتى شغف بها، وسرعان ما أخذ ينظم فيها أشعاره. ويظهر أنه تحول عن مكة إلى المدينة وأقام بها طويلا، ولعل الذى دفعه إلى ذلك تعلقه بالمغنين والمغنيات. ويسوق صاحب الأغانى أخبارا له مع سائب خاثر وبديح وفند، وهم من مغنى المدينة المشهورين، ونراه يذكر فى بعض شعره دارا له بها (١)، ويبدو أنه لم ينزلها وحده، بل نزلها مع أخيه عبد الله ونفر من عشيرته. وفى اختلاطه بالمغنين ما يدل على أنه كان يحيا حياة لاهية فى المدينة، ونراه يشكو من مروان بن الحكم الذى كان يعقب معاوية بينه وبين سعيد بن العاص فى حكمها، إذ كان كل منهما يليها فترة وكانت فى مروان شدة وغلظة فكان إذا ولى يأخذ المغنين ودورهم بالضبط الشديد، ومن ثمّ تعرّض له ابن قيس يصف شدته وقسوته (٢)، وهو فى أثناء ذلك ينظم مقطوعاته فى الغزل، ويترنّم بها المغنون والمغنيات، ويستحسنها الناس استحسانا شديدا. ونراه يرحل إلى الجزيرة فى أثناء حكم يزيد بن معاوية، ويظهر أنه أراد الابتعاد عن المدينة فى تلك الفترة التى ثارت فيها على يزيد. وهناك جاءته الأنباء بموقعة الحرّة وأن طائفة من أهل بيته قتلوا فيها من بينهم أسامة وسعد ابنا أخيه عبد الله، فهزته تلك الأنباء هزّا عنيفا، فإذا هو يبكى من ماتوا من أهله بكاء حارّا، يقطر بالتورة على يزيد وبنى أمية، يقول: إن الحوادث بالمدينة قد ... أوجعننى وقرعن مروتيه (٣)

стр. 715

ينعى بنو عبد وإخوتهم ... حلّ الهلاك على أقاربيه (١) ونعى أسامة لى وإخوته ... فظللت مستكّا مسامعيه (٢) تبكى لهم أسماء معولة ... وتقول ليلى: وارزبّتيه والله أبرح فى مقدّمة ... أهدى الجيوش، علىّ شكّتيه (٣) حتى أفجّعهم بإخوتهم ... وأسوق نسوتهم بنسوتيه ولم يلبث يزيد أن توفى، وتحولت الجزيرة إلى ميادين حروب بين قيس وتغلب على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، واصطدمت عشيرته بعمير بن الحباب بطل قيس فى بعض حروبه، مما جعله يؤثر التحول عن الجزيرة إلى فلسطين، ولم يلبث أن تركها إلى العراق، حيث مصعب بن الزبير. وكان طبيعيّا أن يجذبه إليه، فقد رأيناه حنقا على بنى أمية منذ موقعة الحرّة، يريد أن يقود الجيوش ضدهم، فيثأر لابنى أخيه، ويسبى نساءهم. وجعله ذلك يستشعر عقيدة الزبيريين، فالخلافة ينبغى أن تكون فى قريش روحا وواقعا عمليّا، بحيث تكون حاضرتها فى الحجاز، وبحيث تعتمد على القرشيين لا على كلب وأخواتها من قبائل الشام اليمنية التى أوقعت بأهل المدينة وقعة الحرة المشئومة. وهو يصدر فى ذلك عن قرشيته من جهة وعن الكلوم التى أصابت فؤاده من أهل الشام من جهة أخرى، ومن ثمّ كان اعتناقه للعقيدة الزبيرية اعتناقا مخلصا، وهو اعتناق يشوبه الحقد على بنى أمية والرغبة الشديدة فى أن ينقضّ حكمهم فى الشام انقضاضا، ولعل خير ما يصور ذلك قصيدته الهمزية التى يفتتحها بقوله: أقفرت بعد عبد شمس كداء ... فكدىّ فالرّكن فالبطحاء (٤) ومضى يطيل فى ذكر الأماكن التى هجرها الأمويون إلى دمشق وربوع

стр. 716

الشام منوّها برجالهم وحسانهم من النساء، وكأنه يأسى لهذا المصير الذى انتهت إليه قريش، فقد تفرقت بلدانا وشيعا، حتى طمع فيها الطامعون، ويصرّح بذلك فيقول: حبّذا العيش حين قومى جميع ... لم تفرّق أمورها الأهواء قبل أن تطمع القبائل فى مل ... ك قريش وتشمت الأعداء ويمضى فيرد على الخوارج وأشباههم ممن كانوا يرون أن تنزع الخلافة من قريش وتردّ إلى العرب، بل إلى المسلمين جميعا، يقول: أيها المشتهى فناء قريش ... بيد الله عمرها والفناء (١) إن تودّع من البلاد قريش ... لا يكن بعدهم لحىّ بقاء فقريش هى عمود الخلافة، ولو أنها زالت عنها لسقط ركنها سقوطا لا يرتفع بعده. ولا يلبث أن يتوجّه بخطابه إلى عبد الملك هاجيا: قد عمرنا فمت بدائك غيظا ... لا تميتنّ غيرك الأدواء (٢) ويأخذ فى الفخر بقريش وفضلها على الإسلام والخلافة، فيذكر الرسول ﷺ وخلفاءه الراشدين وحمزة عم الرسول وجعفرا الطيار والزبير بن العوّام حوارىّ النبىّ وأبا عبد الله ومصعبا. ويشير إلى انتصار مصعب على المختار الثقفى، ويعرض لما كان يزعم من أنه يوحى إليه، ويمدح مصعبا، فيقول: إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء ملكه ملك قوّة ليس فيه ... جبروت ولا به كبرياء ويعود إلى الافتخار بقريش ورجالاتها فى الجاهلية والإسلام، ويفتخر ببيتها الحرام الذى يحجّ إليه الناس من كل فجّ عميق، ويأسى لحرق جيوش الشام هذا البيت حين حصارها لابن الزبير بعد موقعة الحرّة، ويشيد ببناء ابن الزبير له بعد هذا الحصار، ولا يلبث أن يدعو دعوة عنيفة لحرب عبد الملك

стр. 717

وبنى أمية الذين استتباحوا المدينة والبيت الحرام، وقتلوا الحسين فى كربلاء يقول: كيف نومى على الفراش ولمّا ... تشمل الشّام غارة شعواء تذهل الشّيخ عن بنيه وتبدى ... عن براها العقيلة العذراء (١) أنا عنكم بنى أمية مزو ... رّ وأنتم فى نفسى الأعداء إنّ قتلى بالطّفّ قد أوجعتنى ... كان منكم لئن قتلتم شفاء (٢) وهذه هى الأنغام السياسية التى كان يوقّعها على قيثارته الشجية، وكان يضيف إليها مديحا لعبد الله بن الزبير وبيان أنه أحق قرشى بالخلافة. وكان لا يزال يذكر وقعة الحرة مضيفا إليها وقعة مرج راهط التى هزم فيها أنصار ابن الزبير من القبائل القيسية متوعدا عبد الملك بالغارات المبيرة، ومشيدا بمصعب وشجاعته وكرمه وتقواه. وكان قد رأى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت حين لجّ الهجاء بينه وبين يزيد بن معاوية يتخذ الغزل الفاضح برملة أخته وسيلة إلى الهجاء المقذع، فحاكاه فى هذا الاتجاه بغزله بعاتكة زوجة عبد الملك وأم البنين زوجة ابنه الوليد. وفى الوقت نفسه كان يشبب بزوجتى مصعب: عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين تشبيبا كله وقار، وكأنه أزهار ثناء، يريد أن يرضى بها مصعبا. ونحن لا نقرن الصورتين من الغزل بعضهما إلى بعض حتى نرى خبثه ومكره، وكيف استطاع أن يتخذ من الغزل أداة لشعره الزبيرى السياسى ومن قوله فى عائشة، وقد بعث به مصعب إليها وهى غاضبة عليه ليترضّاها (٣): جنّيّة برزت لتقتلنى ... مطليّة الأصداغ بالمسك عجبا لمثلك لا يكون له ... خرج العراق ومنبر الملك (٤) ترمى لتقتلنا بأسهمها ... ونزنّها بالحلم والنّسك (٥)

стр. 718

وواضح أنه يحوطها بالنسك والطهارة والعفاف، واقرن هذه الصورة إلى غزله بعاتكة وأم البنين الذى كان يسوقه فى مقدمة مدائحه لمصعب، فإنك ستراه يعرضهما فى صورة تؤذيهما كقوله فى عاتكة: بدت لى فى أترابها فقتلننى ... كذلك يقتلن الرجال كذلكا وقالت لو انّا نستطيع لزاركم ... طبيبان منا عالمان بدائكا (١) ويتخيل أم البنين جاءته فى الحلم، فنال منها كل ما أراد، وكأنها امرأة مبتذلة، لا يمسكها طهر ولا عفاف، فهى تمعن معه فى اللهو إلى طلوع الفجر، يقول: أتتنى فى المنام فقل ... ت هذا حين أعقبها (٢) فلما أن فرحت بها ... ومال علىّ أعذبها (٣) شربت بريقها حتى ... نهلت وبتّ أشربها (٤) وبتّ ضجيعها جذلا ... ن تعجبنى وأعجبها (٥) وأيقظنا مناد فى ... صلاة الصبح يرقبها (٦) وظل على هذا النحو يصول ويجول بشعره ضد عبد الملك وبنى أمية ونسائهم، معلنا أن صلاح الأمة لا يتم إلا باجتماعها على ابن الزبير الذى يمثّل الحكم القرشى الصحيح. وما نصل إلى سنة ٧١ للهجرة حتى يقدم عبد الملك بجيش ضخم إلى العراق لحرب مصعب، فيلقاه فى دير الجاثليق، وقد انفضّ عنه أكثر أنصاره، ولم تبق معه منهم سوى بقية قليلة بينها ابن قيس. ويقتل مصعب ويفرّ ابن قيس إلى الكوفة متفجّعا على صاحبه آسيا لانفضاض العراقيين عنه، ويطلبه عبد الملك، فيستتر منه عند امرأة أنصارية تسمى كثيرة نحو عام، ونظن ظنّا

стр. 719

أنها زوجة (١) على بن عبد الله بن العباس، وكان ممن يجيرون على عبد الملك، ولكن يظهر أنه لم يستطع أن يطلب العفو منه على ابن قيس الرقيات لأن ذنبه كان عظيما. ومن ثمّ رأيناه يخرج من مخبئه، ميمّما وجهه شطر عبد الله بن جعفر فى المدينة، ويقال إنه راسل عبد العزيز بن مروان كى يشفع له عند أخيه، ولبّاه عبد العزيز، فأرسل إلى ابنته أم البنين، وكان عبد الملك لا يردّ لها طلبا، أن تشفع فيه، وقبلت شفاعتها، وقيل بل راسلها ابن جعفر وفى رواية أن ابن جعفر هو الذى شفع له عند عبد الملك، ولم يلبث أن مثل بين يديه ينشده بائيته التى يقول فيها: ما نقموا من بنى أمية إ ... لاّ أنهم يحلمون إن غضبوا وأنهم معدن الملوك فلا ... تصلح إلا عليهم العرب إن الفنيق الذى أبوه أبو ال ... عاصى عليه الوقار والحجب (٢) خليفة الله فوق منبره ... جفّت بذاك الأقلام والكتب يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذّهب ويظهر أن عبد الملك لم يطب نفسا له، ومن ثم نرى ابن قيس يولّى وجهه شطر العراق فيمدح أخاه بشرا، ويعطيه الجزيل. ويعود من لدنه إلى الحجاز فيعيش فى ظل ابن جعفر يغدق عليه من برّه ونواله، ويجذبه جود عبد العزيز بن مروان بمصر، فيرحل إليه، ويمكث عنده طويلا، حتى إذا فكر عبد الملك فى صرف ولاية العهد عنه إلى ابنه الوليد رأيناه يثور معه على أخيه، إذ يقول فى بعض مدائحه له، مبشرا له بالخلافة وأنها ستصير إليه وإلى بنيه: لتهنه مصر والعراق وما ... بالشام من بزّه ومن ذهبه (٣) يخلفك البيض من بنيك كما ... يخلف عود النّضار فى شعبه (٤) نحن على بيعة الرسول وما ... أعطى من عجمه ومن عربه

стр. 720

وبلغت القصيدة عبد الملك فتوعّده، وعرف ذلك ابن قيس، فلم يقرّ له قرار وضاقت الدنيا فى عينيه فنظم قصيدة بديعة يذمّ فيها من يغتابونه عند عبد الملك رياء له ونفاقا افتتحها بقوله بشّر الظّبى والغراب بسعدى ... مرحبا بالذى يقول الغراب وهو فيها يصور ما يلزمه من نحس رمز له بالغراب. ويظهر أنه كان يفد على عبد الملك من حين إلى حين ففى ديوانه مدائح له مختلفة، والطريف أنه يستهلّ بعضها بغزله بأم البنين لا على شاكلة غزله القديم الذى كان يريد به أن يؤذى عبد الملك، ولكن على شاكلة غزله بعائشة بنت طلحة، فهو يصف جمالها ووقارها متلطفا. وليس فى ديوانه مدائح فى الوليد مما يدل على أنه إن كان لحق عصره فإنه لم يعش فيه طويلا. وفى ديوانه قصائد مختلفة مدح بها عبد الله بن جعفر، وهو يشيد به وبجوده إشادة رائعة على شاكلة قوله: أتيناك نثنى بالذى أنت أهله ... عليك كما يثنى على الروض جارها إذا متّ لم يوصل صديق ولم تقم ... طريق من المعروف أنت منارها وممن مدحهم ونوّه بهم طويلا طلحة الطلحات الخزاعى والى سجستان، وهو يثنى على كرمه وشجاعته، وفيه يقول حين توفّى بيته المشهور من مرثية فيه بديعة: نضّر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات وليس له وراء هجائه السياسى سوى قطعة هجا بها عبد العزيز بن عبد الله ابن خالد حين هزم فى حربه للأزارقة، وهو لا يقسو فيها قسوة الهجّائين فى عصره. وحتى الآن لم نتحدث عن غزله، وهو فى الطليعة من شعراء الغزل المكيين، ولو أنه لم يشغل نفسه بالمديح والدعاية للزبيريين وخلص للغزل على شاكلة عمر بن أبى ربيعة لما قصّر عنه فى هذا الفن، وقد رأيناه فى مطلع حياته يلزم

стр. 721

المغنين والمغنيات، وكان لذلك أثر واسع فى موسيقى شعره، إذ تمتاز بالنقاء والصفاء والعذوبة حتى فى مدائحه ومراثيه. وليس ذلك فحسب، فإنه من أكثر الحجازيين عناية بالأوزان المجزوءة والأخرى القصيرة، وهو من هذه الناحية يطبع شعره بطوابع الغناء التى عاصرته، إذ نجد عنده حلاوة النغم وخفة الأوزان بحيث تحمل كل ما يريد المغنون والمغنيات من أنغام وترنيمات على مثال قوله: رقىّ بعيشكم لا تهجرينا ... ومنّينا المنى ثم امطلينا عدينا فى غد ما شئت إنّا ... نحبّ-وإن مطلت-الواعدينا فإما تنجزى عدتى وإما ... نعيش بما نؤمل منك حينا وقوله: رقيّة تيّمت قلبى ... فواكبدى من الحبّ وقالوا اداؤه طبّ ... ألا بل حبّها طبى وقوله: حبّ ذاك الدّلّ والغنج ... والتى فى عينها دعج (١) والتى إن حدثت كذبت ... والتى فى وعدها خلج (٢) خبّرونى هل على رجل ... عاشق فى قبلة حرج ودائما يجرى غزله على هذه الصورة من عذوبة الألفاظ ورشاقة الألحان. وهو لا يتغزل بمن سمّين باسم رقية فحسب، إذ نراه يتغزل بكثيرات، غزلا يملؤه بالصبابة واللوعة. وخاصة حين يكون غزله صادقا لا يريد به سياسة ولا ما يشبه السياسة.

стр. 722

٢ - شعراء الخوارج رأينا فى غير هذا الموضع كيف أن الخوارج بفرقهم المختلفة من أزارقة وصفرية ونجدات وإباضية ظلوا يحاربون الجيوش الأموية طوال العصر، وكلما قضوا على جماعة منهم هبّت جماعة أخرى تطلب الاستشهاد فى سبيل عقيدتها فى ولاية الأمة وأنه ينبغى أن لا تكون قاصرة على قريش، بل يتولاها خير المسلمين ورعا وتقوى ولو كان عبدا حبشيّا. وقد أخذوا يتصورون الجماعة الإسلامية ضالة عن الطريق الدينى الصحيح، ومضوا يرون جهادها فريضة دينية. وعلى هذا النحو عاش الخوارج فى هذا العصر للحرب، مستحلّين دماء إخوانهم المسلمين، وهى معيشة طبعت شعرهم بطوابع ميزته من شعر الفرق السياسية الأخرى، فهو شعر ثوّار ترافقهم السيوف فى غدوهم ورواحهم وفى استقرارهم وترحالهم. وقد استعذبوا الموت غير آبهين بالحياة الدنيا، ومن ثمّ كان شعرهم فى جملته حماسيّا، وهى حماسة لا تحركها العصبيات القديمة، عصبيات القبيلة التى كانت تقوم على الأخذ بالثأر، وإنما تحركها عصبية حديثة لعقيدتهم السياسية التى تعمقتهم مؤمنين بأنها تطابق تعاليم الدين الحنيف وأن عليهم أن يجاهدوا فى سبيلها مخلصين، حتى يفوزوا برضا الله وثوابه. وكان إخلاصهم لدينهم عظيما، غير أنهم ضلوا عن المحجة، إذ مضوا يشرعون سيوفهم ويسلّونها على المسلمين، كأن الإسلام لا يحيا إلا فى معسكراتهم، وبذلك مزّقوا الجماعة الإسلامية، إذ ظلوا ثائرين، وظلت عقيدتهم كأنها مبدأ ثورى يدعوهم دائما إلى الحرب والقتال. وكانوا أتقياء، ولكنهم من غير شك كانوا غالين فى نضالهم، فقد رفضوا الدنيا واستحلوا دماء إخوانهم المسلمين، وأخذوا يجاهدونهم جهادا عنيفا موطّنين أنفسهم على طلب الشهادة فى ميدان هذا الجهاد، حتى كان بينهم من إذا طعن فأنفذه الرمح جعل يسعى فيه إلى

стр. 723

قاتله، وهو يقول: (وعجلت إليك ربّ لترضى) (١) وكأنما وهبوا أنفسهم للموت. ولهم فى ذلك أخبار وأشعار كثيرة يستصغرون فيها الحياة ويهوّنون من شأنها. من ذلك أن رجلا منهم قدّمه الحجاج إلى القتل، فأنشد (٢): ما رغبة النفس فى الحياة وإن ... عاشت قليلا فالموت لاحقها وأيقنت أنها تعود كما ... كان براها بالأمس خالقها (٣) يوشك من فرّ من منيّته ... فى بعض غرّاته يوافقها من لم يمت عبطة يمت هرما ... والموت كأس والمرء ذائقها (٤) وعلى هذه الشاكلة كان الموت أمنية كل خارجى، الموت قعصا بالرماح، حتى يفوز بالاستشهاد وبما عند الله من الثواب، يقول يزيد بن حبناء وكان من الأزارقة: أبيت وسربالى دلاص حصينة ... ومغفرها والسيف فوق الحيازم (٥) أريد ثواب الله يوما بطعنة ... غموس كشدق العنبرىّ بن سالم (٦) فهم يطلبون الموت ويستعذبونه ابتغاء ثواب الله والفوز برضوانه وجناته، وإنهم يستعجلونه تعجلا، يقول قطرى بن الفجاءة (٧): إلى كم تعارينى السيوف ولا أرى ... معاراتها تدعو إلىّ حماميا (٨) أغارع عن دار الخلود ولا أرى ... بقاء على حال لمن ليس باقيا ولو قرّب الموت القراع لقد أنى ... لموتى أن يدنو لطول قراعيا (٩)

стр. 724

فهو يريد أن يتخلص من الحياة الزائلة وينزح عنها إلى الحياة الباقية التى لا تزول، وهو لذلك يستبطئ الموت، وكأنما ملّ دنياه. وتصوّر لنا هذا الملل إحدى نسائهم المقاتلات، وهى أم حكيم، إذ تقول (١): أحمل رأسا قد سئمت حمله ... وقد مللت دهنه وغسله ألا فتى يحمل عنى ثقله وكأنما أصبح الموت شعارهم، بل قل الاستشهاد، حتى يلحقوا بالملأ الأعلى وبمن سبقوهم إلى جنات ربهم ونعيمه، يقول أبو بلال مرداس فى خروجه (٢): أبعد ابن وهب ذى النّزاهة والتّقى ... ومن خاض فى تلك الحروب المهالكا أحبّ بقاء أو أرجّى سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا فياربّ سلّم نيتى وبصيرتى ... وهب لى التّقى حتى ألاقى أولئكا فهو يخرج طلبا للاستشهاد حتى يلحق بعبد الله بن وهب الراسبى والسابقين من رفاقه، وهو يدعو ربه صادقا أن ينيله طلبته، فيقتل فى سبيل عقيدته، وكأن الحياة حجاب صفيق يريد أن يجتازه إلى ربه وإلى رفاقه. وقد جعلهم ذلك لا يبكون قتلاهم ولا يرثونهم بالصورة التى نجدها عند شعراء الفرق الأخرى، إذ كان قتلهم يحقق فى رأيهم السعادة المنشودة، وهى سعادة يطلبها كل خارجى لنفسه، لذلك مضوا يمجدون قتلاهم على شاكلة قول أم عمران الرّاسبى حين قتل ابنها فى يوم دولاب (٣): الله أيّد عمرانا وطهّره ... وكان عمران يدعو الله فى السّحر يدعوه سرّا وإعلانا ليرزقه ... شهادة بيدى ملحادة غدر (٤) ودائما نجد هذه الصورة من الرثاء، إذ يصوّرون استشهاد قتلاهم زلفى إلى الله راسمين فيهم مثلا أعلى للتقوى والصلاح والانكباب على عبادة الله خوفا من

стр. 725

عذاب ربهم، يقول عمرو بن الحصين فى رثاء عبد الله بن يحيى وقائده أبى حمزة ومن قتل من أصحابهما (١): يا ربّ أسلكنى سبيلهم ... ذا العرش واشدد بالتّقى أزرى فى فتية صبروا نفوسهم ... للمشرفيّة والقنا السّمر (٢) متأهّبين لكل صالحة ... ناهين من لاقوا عن النّكر وما يزال يصور خشوعهم وخشيتهم من النار وانكبابهم على العبادة انكبابا لا ينامون فيه إلا اختلاسا وآونة بعد آونة إلى أن يقول: كم من أخ لك قد فجعت به ... قوّام ليلته إلى الفجر متأوّه يتلو قوارع من ... آى القران مفزّع الصّدر ويمضى فيصور انصرافهم عن الدنيا ولذاتها واحتسابهم أنفسهم لربهم حتى إذا أشرعت الرماح وسلّت السيوف ورعدت الحرب بصواعق الموت تهافتوا على الموت شوقا إلى الجنة. ولا ريب فى أن هذه صورة جديدة فى الرثاء، تخالف ما نألفه عند غيرهم من الشعراء، فهم لا يبكون فيمن يرثونهم خلال الكرم والمروءة، وإنما يبكون فيهم المثل الأعلى للخارجى من التقوى ورفض الحياة الدنيا وزهرتها ومتاعها، مصورين إقبالهم على الموت الذى يتمنونه لأنفسهم، الموت الذى يفتح لهم أبواب الفراديس والجنان، فهو موت موصول بآمالهم فى حياة الخلد والرضوان. وهو رثاء حماسى، فيه دعوة قوية لمنازلة خصومهم رثاء يفيض بالحنين إلى القتال والمضى قدما حتى تفيض أرواحهم على أعناق أفراسهم، وتتخضب بالدماء صدورها وصدورهم. وعلى هذه الشاكلة دائما رثاؤهم وحماستهم، فهم يتعطشون للموت، حتى القعدة منهم، فقد كانت فرقهم سوى الأزارقة تجيز القعود عن الحرب. ولكن نحسّ دائما كأن هذا القعود هدنة مسلّحة إلى حين، وبذلك نفسر كثرة ثورات الصفرية بالموصل، مع أنهم كانوا أكثر الخوارج تحمسا للقعود، فهم يقعدون

стр. 726

انتظارا للحوادث وتهيؤا للقتال، إلا نفرا منهم، أبوا حمل السلاح وتعلقوا بالحياة، وهو تعلق يردّ فى أكثر الأمر إلى إشفاقهم على بناتهم وأبنائهم أن يقلب لهم الدهر المجنّ من بعدهم، وكان لا يزال ثوّارهم يحمسونهم، ويدعونهم إلى الخروج عن دار المسلمين الباغين فى رأيهم، ويصور ذلك ما رواه المبرد (١) من أن أبا خالد القنانى استحبّ القعود، فلامه قطرىّ بن الفجاءة بمثل قوله: أبا خالد يا انفر فلست بخالد ... وما جعل الرّحمن عذرا لقاعد (٢) أتزعم أن الخارجىّ على الهدى ... وأنت مقيم بين لصّ وجاحد فكتب إليه أبو خالد. لقد زاد الحياة إلىّ حبّا ... بناتى إنهن من الضّعاف أحاذر أن يرين الفقر بعدى ... وأن يشربن رنقا بعد صافى (٣) ولا يتحول مثل هذا الاختلاف فى الرأى بينهم إلى هجاء حاد، بل يقف عند هذا اللون من اللوم والاعتذار. وكانوا يحسون حقّا بتعاطف وتراحم قويين بينهم، فهم أصحاب مقالة واحدة، وجمهورهم يدافع عنها بأرواحه حتى الذّماء الأخير. وعلى نحو ما يقطر شعرهم تعاطفا وحماسة يقطر زهدا فى الدنيا ورفضا لها طلبا لما عند الله من حسن المثوبة. ومن المحقق أنهم أوغلوا فى مقالتهم دون رفق ودون تفكير عميق فى المصلحة الحقيقية للأمة وأن من الخير لها أن تجتمع لا أن تتنابذ فرقا وتتقطع شيعا ويسفك الأخ دم أخيه. وملاحظة أخيرة فى أشعارهم، هى أنهم يبدئون ويعيدون فى معانيهم التى صورناها، ولولا ما يلقانا فيها دائما من صدق العاطفة وحرارة الشعور لأحسسنا فى أثناء قراءتها بغير قليل من الملل والسأم. ولعل هذا هو السبب فى أن شخصياتهم الشعرية قلما تمايزت أو تباينت، وكأنما هى صور متعددة من نمط واحد، صور متشابهة، ومن ثمّ أشكلت نسبة كثير منها إلى أصحابها الحقيقيين على الرواة، فتارة ينسبونها إلى هذا الخارجى أو ذاك. وارجع إلى يوم «دولاب»

стр. 727

فى الأغانى فسترى فيه مقطوعة حماسية رائعة من مقطوعاتهم، اختلف الرواة فى ناظمها، أما المبرد فنسبها إلى قطرى بن الفجاءة، ونسبها المدائنى إلى صالح بن عبد الله العبشمىّ. وقال خالد بن خداش: بل قائلها عمرو القنا، وقال وهب بن جرير: بل هو حبيب بن سهم (١). ونقف الآن عند شاعرين من شعرائهما هما عمران بن حطّان والطّرمّاح. عمران (٢) بن حطّان بصرىّ سدوسىّ من شيبان، نشأ على الفقه والورع، وقد أدرك صدرا من الصحابة وروى عنهم، وروى عنه أصحاب الحديث قبل أن يدخل فى مقالة الخوارج. ونلقاه فى عصر زياد خطيبا يروع من يستمعون إليه (٣). ولا يلبث قلبه أن يتعلق بابنة عم له تسمى جمرة، كانت خارجية، فتزوجها، وأراد أن يردها عن مذهبها فأغوته وأدخلته فيه، ويقال إنها كانت ذات جمال، وكان قبيحا دميما، ويروى أنها قالت له يوما: أنا وأنت فى الجنة، قال: ومن أين علمت ذلك؟ قالت: لأنك أعطيت مثلى فشكرت، وابتليت بمثلك فصبرت، والشاكر والصابر فى الجنة. وقد تعمقته مقالة الخوارج حتى أصبحت جزءا من نفسه، فهو يعيش لها ويعيش بها، ويشيد بأصحابها حتى بأشقاهم عبد الرحمن بن ملجم قاتل على بن أبى طالب، وفى طعنته له يقول (٤): يا ضربة من تقىّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذى العرش رضوانا إنى لأذكره حينا فأحسبه ... أوفى البريّة عند الله ميزانا ونراه يتأثر تأثرا بليغا حين قتل أبو بلال مرداس سنة ٦١ للهجرة، حتى ليفكر فى الخروج وامتشاق الحسام، يقول:

стр. 728

لقد زاد الحياة إلىّ بغضا ... وحبّا للخروج أبو بلال أحاذر أن أموت على فراشى ... وأرجو الموت تحت ذرى العوالى (١) ولو أنى علمت بأن حتفى ... كحتف أبى بلال لم أبال فمن يك همّه الدنيا فإنى ... لها والله ربّ البيت قالى (٢) فهو يخشى أن يموت على فراشه حتف أنفه، ولا يموت ميتة الخوارج الشريفة قعصا بالرماح، ميتة أبى بلال، وقد ظلت ذكراه عالقة بنفسه طويلا، حتى ليقول: أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس وكأن الناس جميعا ما توافيه. ولم يخرج عمران، فقد كان يؤمن بالقعود، ومن ثمّ اعتنق مذهب الصّفرية ودعا إلى القعود، حتى عدّ رئيس قعدتهم. ولم تقعد به بناته على نحو ما رأينا عند أبى خالد (٣)، إنما قعد به-فى أغلب الظن- حبه لزوجته جمرة، فقد كان يشغف بها شغفا شديدا، ويعلّل أبو الفرج ذلك علة أخرى فيقول إنه إنما صار من القعدة، لأن عمره طال وعجز عن الحرب وحضورها، وكأنه يرى أنه اعتنق المذهب فى سن عالية. على أنه إن كان قعد فقد مضى فى شعره يصور كرهه للحياة وأنها عبء ثقيل كما مضى يحسّن لغيره الخروج ويزيّنه، وكذلك كان قعدتهم فهم لا يشتركون فى الحروب ويغرون بها رفاقهم. ويظهر أنه تمادى فى ذلك لعهد الحجاج، فطلبه، ولم يلبث شبيب الصّفرى وزوجته غزالة أن هجما على الكوفة فى بعض أصحابهما، فهلع الحجاج وتحصّن فى قصره، فكتب إليه عمران: أسد علىّ وفى الحروب نعامة ... ربداء تنفر من صفير الصافر (٤) هلا برزت إلى غزالة فى الضّحى ... بل كان قلبك فى جناحى طائر (٥)

стр. 729

وغضب الحجاج واشتد فى طلبه بعد قضائه على شبيب وصاحبته سنة ٧٧ للهجرة ففرّ منه على وجهه يتنقّل فى القبائل منتسبا فى كل حى نسبا يقرب منه، وما زال يتنقل شاعرا بمرارة الحياة وما يحتمل فى سبيل عقيدته من خطوب حتى انتهى إلى روح بن زنباع الجذامى بالشام. فانتسب له أزديا فأنزله منزلا آمنا نحو عام وبالغ فى إكرامه، وكان روح سميرا لعبد الملك أثيرا عنده، فذكر له صاحبه وحسن حديثه وروى له بعض أشعاره، فرأى عبد الملك فيها ما شككه فى أن صاحبه هو عمران، وذكر ذلك لروح وطلب منه أن يجيئه به، ونقل روح إليه رغبة عبد الملك، فقال له: ذلك ما كنت أريد، وإنى تابعك إليه على الأثر، ولم يلبث أن ارتحل مخلفا لروح رقعة يقول فيها: قد كنت جارك حولا ما تروّعنى ... فيه روائع من إنس ومن جان (١) حتى أردت بى العظمى فأدركنى ... ما أدرك الناس من خوف ابن مروان ومضى حتى نزل بزفر بن الحارث فى قرقيسيا، فانتسب له أوزاعيّا، وتصادف أن رآه رجل عنده كان قد رآه من قبل عند روح، فلما قال له زفر هل تعرفه؟ قال: نعم أزدى رأيته عند روح، حينئذ قال له زفر يا هذا أزديّا مرة وأوزاعيّا أخرى؟ إن كنت خائفا آمناك وإن كنت فقيرا جبرناك، فلما أمسى هرب وخلّف فى منزله رقعة كتب فيها مقطوعة بديعة يستهلها بقوله: إن التى أصبحت يعيى بها زفر ... أعيت عياء على روح بن زنباع وارتحل حتى أتى عمان، وهناك أخذ يثير الناس للخروج والثورة على الحجاج، فطلبه، فارتحل حتى أتى قوما من الأزد فى روزميسان بالقرب من الكوفة، فأقام بينهم حتى توفى سنة ٨٤. ولعمران أشعار كثيرة ترويها كتب الأدب والتاريخ، وهو فيها جميعا يصدر عن إيمان عميق بمقالة الخوارج، إيمان جعله يزدرى الحياة ويزهد فيها لولا جمرة، ومن ثم نشأ فى نفسه صراع عنيف بين الرغبة فى الحياة الكريهة التى يحياها

стр. 730

وما يحتمل فيها من أذى ومكروه وبين الرغبة فى الموت، وعبر عن ذلك فى صور مختلفة، كأن يصوّر تهالك الناس على الدنيا، وهى ليست بدار قرار، على شاكلة قوله: أرانا لا نملّ العيش فيها ... وأولعنا بحرص وانتظار ولا تبقى، ولا نبقى عليها ... ولا فى الأمر نأخذ بالخيار كركب نازلين على طريق ... حثيث رائح منهم وسارى (١) ويقف كثيرا عند هذا المعنى، فالناس يتعلقون بالدنيا حتى جياعهم وعراتهم فأفّ لهم من أشقياء لم يتبينوا الطريق السوىّ. ولا يخفى أنه يسير على كره منه فى نفس الركب، وأن قلبه هو الآخر ينطوى منها على شئ من الحب والحرص، وحرى به أن يرفضها رفضا، يقول: أرى أشقياء النّاس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجوّع أراها وإن كانت تحبّ فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع (٢) وعلى هذا النحو كان لا يزال يردد أن الموت سيأتى على كل الأحياء وأن لا مفر منه لكائن، فالكل فان حتى الموت نفسه، يقول: لا يعجز الموت شئ دون خالقه ... والموت فان إذا ما ناله الأجل وكلّ كرب أمام الموت متّضع ... للموت، والموت فيما بعده جلل (٣) فالموت سيموت فى النهاية. وهو بذلك كله يعبر عن فكرة الموت التى تلقانا دائما فى شعر الخوارج، إنه موت ينقل إلى دار الخلود، ولذلك ينتظره هائنا به مغتبطا. وهذا هو شعر عمران دائما فليس فيه سوى عقيدته. وكان لا يزدرى شيئا ازدراءه المديح، وقد سمع الفرزدق مرة ينشد بعض مدائحه، فتعرض له يقول: أيها المادح العباد ليعطى ... إن لله ما بأيدى العباد

стр. 731

إنه لا يسأل ولا يمدح سوى ربه، ولا يفكر إلا فى عقيدته، فهو مثال دقيق للخارجى الذى تعمقته مقالته حتى الشغاف. الطّرمّاح (١) شاعر طائى نشأ فى الشام، وانتقل إلى الكوفة مع من صار إليها من جيوش الشام. فنزل فى بنى تيم اللات بن ثعلبة، وكان فيهم شيخ من الخوارج له سمت وفيه وقار، فكان الطرماح يجالسه ويسمع منه، فرسخ كلامه فى قلبه، ودعاه الشيخ إلى مذهبه، فقبله واعتقده أشد اعتقاد وأصحّه حتى مات عليه. واختلف الرواة فى الفرقة التى دخل فيها، فقال أبو الفرج إنه دخل فى فرقة الأزارقة، وقال الجاحظ: هو من الصّفرية، وقول الجاحظ هو الصحيح، لأنه كان من القعدة ولو كان من الأزارقة ما استحل القعود، إذ كانوا يحرّمونه ولا يجيزونه. ولم يمض قعوده فى مقاومة المسلمين والدعوة إلى الخروج ضدهم على نحو ما صنع عمران بن حطان. فهو صفرىّ مسالم. ويظهر أنه كان يمضى فى السلم إلى أبعد حد، فلم يكن يكفّر المسلمين كمتطرفة الخوارج، بل كان يعاشرهم ويوادّهم ويصادقهم، حتى لنراه يعقد صداقة شديدة بينه وبين الكميت، يقول الجاحظ: «لم ير الناس أعجب حالا من الكميت والطّرمّاح، كان الكميت عدنانيّا عصبيّا، وكان الطرماح خارجيّا من الصّفرية، وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، وكان الطرماح يتعصب لأهل الشام، وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض ولا شئ مما تدعو هذه الخصال إليه». وأكبر الظن أن الذى وثّق بينهما هذه الصلة احترافهما مهنة واحدة، هى تعليم الناشئة، فقد كانا معلمين، يعلمان أولاد العامة، وكانا خطيبين كما كانا شاعرين. ويروى عن الطرماح أنه ترك الكوفة حينا إلى الرّى بفارس حيث عنى بتأديب الناشئة

стр. 732

فيها، ويروى الجاحظ عن عبد الأعلى أنه قال: «رأيت الطرماح مؤدبا بالرّىّ فلم أر أحدا آخذ لعقول الرجال ولا أجذب لأسماعهم إلى حديثه منه، ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده، وكأنهم قد جالسوا العلماء». ويظهر أنه لم يكن يكفيه ما تدرّه عليه هذه المهنة، إذ نراه يحمل مديحه إلى أبواب الأمراء والولاة، ففى أخباره أنه قدم مع الكميت على مخلد بن يزيد ابن المهلب، وأراد أن يمدحه قاعدا، فنحّاه مخلد، ودعى الكميت فأنشده قائما فأمر له بخمسين ألف درهم، فلما خرجا شاطره الكميت ما أخذه. وفى أخباره أيضا أنه مدح خالد بن عبد الله القسرى الذى ولى العراق سنة ١٠٥ للهجرة، فأعطاه كل ما بعث به إليه واليه على سجستان، وهو من هذه الناحية يختلف عن عمران اختلافا بعيدا، إذ يطلب الدنيا والمال ملحّا فى طلبه، وأيضا فإننا نراه يستشعر عصبية شديدة لقبيلته، بل لكل أخواتها من القبائل القحطانية وخاصة الأزد قبيلة المهلب بن أبى صفرة، ودفعه ذلك إلى أن يدخل فى معركة حادة مع الفرزدق شاعر تميم عدوة الأزد والقبائل القحطانية عامة. ومرّ بنا حديثنا عن هذه العداوة وكيف احتدمت فى البصرة وخراسان. ونعجب للطرماح حين تتعمقه هذه العداوة وما يطوى فيها من عصبية وهو خارجى، والخوارج لا يعتدون بالعصبيات القبلية، إنما يعتدون بالعصبية المذهبية، وكأنما كان مذهبه الخارجى يأتى على هامش حياته. ونعجب حين نقرأ هجاءه للفرزدق ولغيره من شعراء القبائل الذين اصطدم بهم إذ نراه يقذع فيه إقذاعا شديدا، ومن طريف هجائه قوله فى تميم: لو حان ورد تميم ثم قيل لها ... حوض الرسول عليه الأزد لم ترد أو أنزل الله وحيا أن يعذّبها ... إن لم تعد لقتال الأزد لم تعد لا تأمننّ تميميّا على جسد ... قد مات ما لم تزايل أعظم الجسد ونراه يسوق بجانب هجائه مديحا مفرطا بنفسه، لا يتحدث فيه عن بلائه فى الحروب على شاكلة قطرى إنما يتحدث فيه عن خلقه معتدّا بشمائله اعتدادا مسرفا، يقول:

стр. 733

لقد زادنى حبّا لنفسى أننى ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل (١) وأنى شقىّ باللئام ولا ترى ... شقيّا بهم إلا كريم الشمائل والطرماح بذلك كله يبتعد عن روح الخارجى الذى ازدرى الدنيا وكل ما فيها من منازعات قبلية ومفاخرات شخصية فهو يعيش معيشة الناس من حوله، ويضطرب فيما يضطربون فيه من خصومات ومن طلب للدنيا، ولعله من أجل ذلك أكثر التنقل فى العراق وفى فارس وخراسان. ومع ذلك فقد كان يستشعر عقيدته أحيانا، حتى ليتمنى الخروج، يقول: وإنى لمقتاد جوادى وقاذف ... به وبنفسى العام إحدى المقاذف لأكسب مالا أو أؤول إلى غنى ... من الله يكفينى عدات الخلائف (٢) فياربّ إن حانت وفاتى فلا تكن ... على شرجع يعلى بخضر المطارف (٣) ولكن أحن يومى سعيدا بعصبة ... يصابون فى فجّ من الأرض خائف فوارس من شيبان ألّف بينهم ... تقى الله نزّالون عند التزاحف إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما فى المصاحف فهو يسأل ربه أن يموت فى ميدان الحرب مستشهدا، غير أنه يسوق فى تضاعيف أبياته ما يدل على أنه لم يكن خالص النية فى أمنيته، إذ نراه فى البيت الثانى يفكر فى الدنيا والمال، فهو يحارب إما ليقتل شهيدا وإما ليصبح غنيّا مثريا. ومن طريف وصفه للخوارج قوله: لله درّ الشّراة إنهم ... إذا الكرى مال بالطّلا أرقوا (٤) يرجّعون الحنين آونة ... وإن علا ساعة بهم شهقوا خوفا تبيت القلوب واجفة ... تكاد عنها الصّدور تنفلق

стр. 734

كيف أرجىّ الحياة بعدهم ... وقد مضى مؤنسىّ فانطلقوا قوم شحاح على اعتقادهم ... بالفوز مما يخاف قد وثقوا وعلى قبس من زهد الخوارج فى الدنيا ومتاعها الزائل وما جاء فى القرآن الكريم من ذم الشحيح الذى يجمع مالا ويدّخره دون أن ينفقه على المحتاجين والمساكين، وما جاء فيه أيضا من أن كل إنسان مسئول يوم القيامة عما قدمت يداه يوم لا ينفع مال ولا بنون، يوم تشهد عليه جوارحه بما عمل، فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، يقول: كلّ حىّ مستكمل عدّة العم ... ر ومود إذا انقضى عدده (١) عجبا ما عجبت للجامع الما ... ل يباهى به ويرتفده (٢) ويضيع الذى يصيّره الل ... هـ إليه فليس يعتقده يوم لا ينفع المخوّل ذا الثر ... وة خلاّنه ولا ولده (٣) يوم يؤتى به وخصماه وسط ال ... جنّ والإنس رجله ويده خاشع الصّوت ليس ينفعه ث ... مّ أمانيهّ ولا لدده وكل من يقرأ شعر الطرماح يلاحظ أنه لا يجرى على وتيرة لغوية واحدة، فهو حين يصدر عن عقيدته، أو يمدح أو يهجو لا يغرب على سامعيه، ولكن حين يصف الصحراء يحاول بكل ما يستطيع أن يجمع أوابد الألفاظ ووحشيّها، وهو جانب دفعه إليه تعليمه الناشئة، وكأنما شعره ينقسم قسمين: قسما أراد به أن يدور فى أفواه الناس، وقسما أراد به أن يدور فى أفواه المتأدبين حتى يقفوا على الألفاظ اللغوية الغريبة، فهو قسم تعليمى محض. ويصوّر اللغويون مدى إغرابه فى شعره، فيقولون إن ابن الأعرابى العالم اللغوى المشهور سئل عن ثمانى عشرة كلمة آبدة فى أشعاره، فلم يستطع تفسيرها، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن حسّه اللغوى لم يكن دقيقا وأنه كان مشغوفا بإدخال الألفاظ النبطية فى كلامه. وقد مات حوالى سنة ١٠٥ للهجرة.

стр. 735

٣ - شعراء الشيعة رأينا التشيع ينمو فى الكوفة منذ اتخذها على حاضرة لخلافته. وقد مضى كثير من أهلها بعد وفاته يؤمنون بأن أبناءه وأحفاده أهل الخلافة الحقيقيون وأصحابها الشرعيون، وأن الأمويين اغتصبوها منهم، وينبغى أن تردّ عليهم. وتكوّنت فى أثناء ذلك فرقة الكيسانية التى دعت لابن الحنفية، وقد تأثرت بغير قليل من آراء ابن سبأ، فذهبت تزعم أن ابن الحنفية هو المهدى المنتظر، وأنه ورث عن علىّ علم الباطن وأن به قبسا من روح الله، وهو قبس يتنقل فى أئمة الشيعة إماما بعد إمام، حتى إذا توفّى قالوا برجعته، وأنه سيعود فيملأ الأرض علما ونورا. ونمضى إلى أواخر العصر الأموى فتظهر فرقة الزّيدية، ولم تكن غالية غلو فرقة الكيسانية، وقد صورنا ذلك فى حديثنا عن السياسة. وعلى نحو ما كثر شعراء الخوارج فى هذا العصر كثر شعراء الشيعة يتقدمهم كثيّر شاعر الكيسانية والكميت شاعر الزيدية، ولعل من الطريف أننا نجد عند أولهما عقيدة الكيسانية ماثلة فى أشعاره بكل ما أوغلت فيه من تطرف فى العقيدة الشيعية، كما نجد عند ثانيهما عقيدة الزيدية بكل أصولها المذهبية. وإذا أخذنا نقرأ فى أشعارهما وأشعار غيرهما من شعراء الشيعة وجدناهم محزونين على أئمتهم الذين سفك الأمويون دماءهم، لا يرعون فيهم إلاّ ولا ذمّة، وقد تحولوا يبكونهم ويندبونهم بدموع لا ترقأ ولا تجفّ. وربما كان هذا الطابع أهمّ ما يميّز الشعر الشيعىّ فى هذا العصر، فهو دموع وبكاء وزفرات على الحسين أولا ثم على زيد بن على وابنه يحيى، زفرات ودموع سخينة من مثل قول سليمان بن قتّة يرثى الحسين (١):

стр. 736

مررت على أبيات آل محمّد ... فلم أرها كعهدها يوم حلّت وكانوا رجاء ثم صاروا رزيّة ... وقد عظمت تلك الرزايا وجلّت ألم تر أن الشمس أضحت مريضة ... لفقد حسين والبلاد اقشعرّت وقد أعولت تبكى السماء لفقده ... وأنجمها ناحت عليه وصلّت ولم يكونوا يرثونه ويبكونه فقط، إذ كان كثير منهم يضيف إلى رثائه وبكائه تحريضا على الأخذ بثأره وثأر من دافعوا عنه من رفاقه، وهو تحريض يتحول إلى رغبة شديدة فى سفك الدماء، حتى يغسل الشيعة عنهم عار القعود عن نصرته. ويتحول ذلك عند طائفة منهم إلى ما يمكن أن نسميه غريزة الدم المسفوح ومن خير من يصورها عوف (١) بن عبد الله بن الأحمر الأزدى، وله فى الحسين قصيدة طويلة رثاه بها وحضّ الشيعة على الطلب بدمه، وفيها يقول: ليبك حسينا كلما ذرّ شارق ... وعند غسوق الليل من كان باكيا ويا ليتنى إذ كان كنت شهدته ... فضاربت عنه الشانئين الأعاديا ودافعت عنه ما استطعت مجاهدا ... وأعملت سيفى فيهم وسنانيا ومرّ بنا أن كثيرين أخذوا يتلاومون فى الكوفة على خذلانه، وهم جماعة التوابين، ومن خير من يمثلهم عبيد الله بن الحرّ، ويروى أنه خرج فى جماعة من أصحابه حتى أتى كربلاء، فنظر إلى مصرع الحسين ورفاقه فاستغفر لهم، ثم مضى وهو ينشد (٢): ويا ندمى أن لا أكون نصرته ... ألا كلّ نفس لا تسدّد نادمه وإنى لأنى لم أكن من حماته ... لذو حسرة ما إن تفارق لازمه ويقتل زيد بن على بن الحسين، فيبكيه الشيعة معولين منذرين لبنى أمية ومهددين من مثل قول المفضّل المطّلبى (٣):

стр. 737

ألا يا عين لا ترقى وجودى ... بدمعك ليس ذا حين الجمود (١) وكيف تضنّ بالعبرات عينى ... وتطمع بعد زيد فى الهجود (٢) وكيف لها الرّقاد ولم ترائى ... جياد الخيل تعدو بالأسود بأيديهم صفائح مرهفات ... صوارم أخلصت من عهد هود بها نسقى النفوس إذا التقينا ... ونقتل كلّ جبار عنيد ونحكم فى بنى الحكم العوالى ... ونجعلهم بها مثل الحصيد (٣) وعلى هذا النحو كان كل شاعر شيعى يطوى فى نفسه حزنا عميقا على أئمته المستشهدين ورغبة عنيفة فى سفك دماء من قتلوهم، ولكن أنّى ذلك وسيوف بنى أمية بالمرصاد لكل من يخرج عليهم. وإنهم ليتعقبون هم وولاتهم أحياءهم ويعدّون أنفاسهم عدّا. ومن ثم نشأت بين الشيعة نظرية مشهورة هى نظرية التقية، فمن حق الشيعى أن يخفى عقيدته ويكتمها، حتى لا يعرّض نفسه للخطر بل لا مانع من مصانعة خصومه أحيانا على نحو ما سنرى عند كثيّر والكميت عما قليل، إذ مدحا بنى أمية، وهما يكنّان لهم العدواة والبغضاء. وهذان المنزعان من بكاء الشهداء والتحريض على قتل من قتلوهم كان ينطوى فيهما حقد شديد على الأمويين، وهو حقد ينتهى أحيانا إلى دعوة الناس شيعيين وغير شيعيين للثورة عليهم على نحو ما نجد عند الكميت حين ولىّ خالد القسرى أخاه أسدا على خراسان سنة ١١٧ فإنه أرسل إلى أهل مرو يستحثهم على الثورة بأبيات، يقول فيها (٤): ألا أبلغ جماعة أهل مرو ... على ما كان من نأى وبعد رسالة ناصح يهدى سلاما ... ويأمر فى الذى ركبوا بجدّ فلا تهنوا ولا ترضوا بخسف ... ولا يغرركم أسد بعهد وإلا فارفعوا الرايات سودا ... على أهل الضّلالة والتعدّى

стр. 738

وإذا كانت قلوب الشيعة على هذا النحو تمتلئ بالحقد والغيظ على بنى أمية فقد كانت تمتلئ بالحبّ لآل البيت حبّا يملك على نفوسهم أهواءها وعواطفها وإحساساتها ومشاعرها، على شاكلة قول أبى الأسود الدّؤلى وقد عابه قوم بتشيعه: (١) أحبّ محمدا حبّا شديدا ... وعبّاسا وحمزة والوصيّا (٢) أحبهم لحب الله حتى ... أجئ إذا بعثت على هويّا (٣) هوى أعطيته منذ استدارت ... رحى الإسلام لم يعدل سويّا (٤) بنو عم النبىّ وأقربوه ... أحبّ الناس كلّهم إليّا فإن يك حبّهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيّا ويقول عبد الله بن كثيّر السّهمى فى نفس المعنى (٥): إن امرءا أمست معايبه ... حبّ النبىّ لغير ذى ذنب وبنى أبى حسن ووالدهم ... من طاب فى الأرحام والصّلب أيعدّ ذنبا أن أحبّهم ... بل حبّهم كفّارة الذنب فهم يحبون آل البيت لجدهم صلوات الله عليه، وهو حب دفعهم دفعا إلى استشعار التقوى وعبادة الله حق عبادته، بل لقد دفع نفرا منهم إلى الزهد فى الحياة ومتاعها الزائل، على نحو ما سنرى عند أبى الأسود الدؤلى فى حديثنا عن شعراء الزهد، ومما يصور ذلك قول حرب بن المنذر بن الجارود، وكان بتشيع، فى كلمة له (٦): فحسبى من الدنيا كفاف يقيمنى ... وأثواب كتّان أزور بها قبرى (٧) وحبّى ذوى قربى النبىّ محمّد ... فما سالنا إلا المودّة من أجر (٨)

стр. 739

وواضح من كل ما سبق أن الشيعة كانت تستغرق أشعارهم فى عصر بنى أمية منازع قوية من حب آل البيت حبّا قد ينتهى إلى الزهد فى الدنيا، ومنازع أخرى من الثورة على بنى أمية، ثورة تطوى فى داخلها رغبة شديدة فى أن تسفك دماؤهم كما سفكت دماء شهدائهم: الحسين وزيد بن على، ومن قبلهما على نفسه. ودائما يبكون هؤلاء الشهداء الذين استأثروا بهم وملكوا عليهم كل شئ، وإنهم ليدلعون فى قلوبهم نارا لا تطفأ من الأسى والحزن العميق. ويحسن بنا أن نقف قليلا عند كثيّر شاعر الكيسانية، والكميت شاعر الزيدية. كثيّر (١) هو كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة، شاعر حجازى من خزاعة كان ينزل المدينة كثيرا، وكان قميئا شديد القصر محمّقا وفى الأغانى أخبار كثيرة عن حمقه وعبث الناس به لهذا الحمق. وكان أول ما ساق فيه شعره الغزل، إذ كان راوية لجميل بن معمر العذرى، وهو فى جمهور غزله يترنّم بعزّة بنت حميل الضّمرية، وقد اشتهر بغزله فيها حتى سمّى كثير عزّة، وأروع أشعاره فيها تائيته التى يقول فى تضاعيفها: هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت وهو يلتزم فى رويها التاء واللام جميعا، مما يدل من بعض الوجوه على أنه كان متكلفا فى غزله، ويقول ابن سلام: إنه كان يتقول ولم يكن عاشقا ولا صادق الصبابة. ولا نصل إلى سنة ٦٥ للهجرة ودعوة المختار الثقفى لابن الحنفية، وتكوينه حوله نظرية الكيسانية، حتى يصبح أكبر بوق لهذه النظرية، فهو يعتنقها اعتناقا بكل ما يداخلها من غلو ومن أفكار متطرفة، كفكرة التناسخ وأن

стр. 740

قبس النبوة لا يزال يتنقل فى على وأبنائه، وكفكرة أن ابن الحنفية هو المهدى المنتظر وفيه يقول: هو المهدىّ خبّرناه كعب ... أخو الأحبار فى الحقب الأوالى (١) ونراه يمتلئ حقدا على ابن الزبير حين رآه ينزل غضبه على إمامه ويحبسه فى سجن عارم بمكة، لدعوة المختار الثقفى له فى الكوفة وإخراجه واليه منها. وكان ابن الزبير كما مرّ بنا قد عاذ بالبيت الحرام لعهد يزيد بن معاوية، فتوجه إليه كثيّر يقول: تخبّر من لا قيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم فى سجن عارم وصىّ النبىّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال ونفّاع غارم أبى فهو لا يشرى هدى بضلالة ... ولا يتّقى فى الله لومة لائم ونحن بحمد الله نتلو كتابه ... حلولا بهذا الخيف خيف المحارم (٢) بحيث الحمام آمن الرّوع ساكن ... وحيث العدوّ كالصديق المسالم وما فرح الدنيا بباق لأهله ... ولا شدّة البلوى بضربة لازم وواضح أنه يسجّل على ابن الزبير خرقه لما فرض الإسلام من أمن لكل من لاذ بالحرم، حتى الحمام فإنه لا يحل صيده ولا التعرض له، ومع ذلك يتعرض ابن الزبير لابن الحنفية وصى على أو بعبارة أخرى وصى الرسول الكريم الذى يأخذ بأيدى العناة، والذى يتقى الله حق تقواه. ويردّ ابن الزبير لابن الحنفية حريته، فيخرج عن جواره، ويلحق بعبد الملك فى دمشق، وكثيّر فى ركابه، فيكرمه وينزله منزلا عليّا هو وشاعره. ومن هنا نفهم الصلة التى انعقدت بين كثير وعبد الملك، فقد أصبح من مداحه،
следующие страницы →