مررت على أبيات آل محمّد ... فلم أرها كعهدها يوم حلّت
وكانوا رجاء ثم صاروا رزيّة ... وقد عظمت تلك الرزايا وجلّت
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة ... لفقد حسين والبلاد اقشعرّت
وقد أعولت تبكى السماء لفقده ... وأنجمها ناحت عليه وصلّت
ولم يكونوا يرثونه ويبكونه فقط، إذ كان كثير منهم يضيف إلى رثائه وبكائه تحريضا على الأخذ بثأره وثأر من دافعوا عنه من رفاقه، وهو تحريض يتحول إلى رغبة شديدة فى سفك الدماء، حتى يغسل الشيعة عنهم عار القعود عن نصرته. ويتحول ذلك عند طائفة منهم إلى ما يمكن أن نسميه غريزة الدم المسفوح ومن خير من يصورها عوف (١) بن عبد الله بن الأحمر الأزدى، وله فى الحسين قصيدة طويلة رثاه بها وحضّ الشيعة على الطلب بدمه، وفيها يقول:
ليبك حسينا كلما ذرّ شارق ... وعند غسوق الليل من كان باكيا
ويا ليتنى إذ كان كنت شهدته ... فضاربت عنه الشانئين الأعاديا
ودافعت عنه ما استطعت مجاهدا ... وأعملت سيفى فيهم وسنانيا
ومرّ بنا أن كثيرين أخذوا يتلاومون فى الكوفة على خذلانه، وهم جماعة التوابين، ومن خير من يمثلهم عبيد الله بن الحرّ، ويروى أنه خرج فى جماعة من أصحابه حتى أتى كربلاء، فنظر إلى مصرع الحسين ورفاقه فاستغفر لهم، ثم مضى وهو ينشد (٢):
ويا ندمى أن لا أكون نصرته ... ألا كلّ نفس لا تسدّد نادمه
وإنى لأنى لم أكن من حماته ... لذو حسرة ما إن تفارق لازمه
ويقتل زيد بن على بن الحسين، فيبكيه الشيعة معولين منذرين لبنى أمية ومهددين من مثل قول المفضّل المطّلبى (٣):
стр. 737
ألا يا عين لا ترقى وجودى ... بدمعك ليس ذا حين الجمود (١)
وكيف تضنّ بالعبرات عينى ... وتطمع بعد زيد فى الهجود (٢)
وكيف لها الرّقاد ولم ترائى ... جياد الخيل تعدو بالأسود
بأيديهم صفائح مرهفات ... صوارم أخلصت من عهد هود
بها نسقى النفوس إذا التقينا ... ونقتل كلّ جبار عنيد
ونحكم فى بنى الحكم العوالى ... ونجعلهم بها مثل الحصيد (٣)
وعلى هذا النحو كان كل شاعر شيعى يطوى فى نفسه حزنا عميقا على أئمته المستشهدين ورغبة عنيفة فى سفك دماء من قتلوهم، ولكن أنّى ذلك وسيوف بنى أمية بالمرصاد لكل من يخرج عليهم. وإنهم ليتعقبون هم وولاتهم أحياءهم ويعدّون أنفاسهم عدّا. ومن ثم نشأت بين الشيعة نظرية مشهورة هى نظرية التقية، فمن حق الشيعى أن يخفى عقيدته ويكتمها، حتى لا يعرّض نفسه للخطر بل لا مانع من مصانعة خصومه أحيانا على نحو ما سنرى عند كثيّر والكميت عما قليل، إذ مدحا بنى أمية، وهما يكنّان لهم العدواة والبغضاء.
وهذان المنزعان من بكاء الشهداء والتحريض على قتل من قتلوهم كان ينطوى فيهما حقد شديد على الأمويين، وهو حقد ينتهى أحيانا إلى دعوة الناس شيعيين وغير شيعيين للثورة عليهم على نحو ما نجد عند الكميت حين ولىّ خالد القسرى أخاه أسدا على خراسان سنة ١١٧ فإنه أرسل إلى أهل مرو يستحثهم على الثورة بأبيات، يقول فيها (٤):
ألا أبلغ جماعة أهل مرو ... على ما كان من نأى وبعد
رسالة ناصح يهدى سلاما ... ويأمر فى الذى ركبوا بجدّ
فلا تهنوا ولا ترضوا بخسف ... ولا يغرركم أسد بعهد
وإلا فارفعوا الرايات سودا ... على أهل الضّلالة والتعدّى
стр. 738
وإذا كانت قلوب الشيعة على هذا النحو تمتلئ بالحقد والغيظ على بنى أمية فقد كانت تمتلئ بالحبّ لآل البيت حبّا يملك على نفوسهم أهواءها وعواطفها وإحساساتها ومشاعرها، على شاكلة قول أبى الأسود الدّؤلى وقد عابه قوم بتشيعه: (١)
أحبّ محمدا حبّا شديدا ... وعبّاسا وحمزة والوصيّا (٢)
أحبهم لحب الله حتى ... أجئ إذا بعثت على هويّا (٣)
هوى أعطيته منذ استدارت ... رحى الإسلام لم يعدل سويّا (٤)
بنو عم النبىّ وأقربوه ... أحبّ الناس كلّهم إليّا
فإن يك حبّهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيّا
ويقول عبد الله بن كثيّر السّهمى فى نفس المعنى (٥):
إن امرءا أمست معايبه ... حبّ النبىّ لغير ذى ذنب
وبنى أبى حسن ووالدهم ... من طاب فى الأرحام والصّلب
أيعدّ ذنبا أن أحبّهم ... بل حبّهم كفّارة الذنب
فهم يحبون آل البيت لجدهم صلوات الله عليه، وهو حب دفعهم دفعا إلى استشعار التقوى وعبادة الله حق عبادته، بل لقد دفع نفرا منهم إلى الزهد فى الحياة ومتاعها الزائل، على نحو ما سنرى عند أبى الأسود الدؤلى فى حديثنا عن شعراء الزهد، ومما يصور ذلك قول حرب بن المنذر بن الجارود، وكان بتشيع، فى كلمة له (٦):
فحسبى من الدنيا كفاف يقيمنى ... وأثواب كتّان أزور بها قبرى (٧)
وحبّى ذوى قربى النبىّ محمّد ... فما سالنا إلا المودّة من أجر (٨)
стр. 739
وواضح من كل ما سبق أن الشيعة كانت تستغرق أشعارهم فى عصر بنى أمية منازع قوية من حب آل البيت حبّا قد ينتهى إلى الزهد فى الدنيا، ومنازع أخرى من الثورة على بنى أمية، ثورة تطوى فى داخلها رغبة شديدة فى أن تسفك دماؤهم كما سفكت دماء شهدائهم: الحسين وزيد بن على، ومن قبلهما على نفسه. ودائما يبكون هؤلاء الشهداء الذين استأثروا بهم وملكوا عليهم كل شئ، وإنهم ليدلعون فى قلوبهم نارا لا تطفأ من الأسى والحزن العميق. ويحسن بنا أن نقف قليلا عند كثيّر شاعر الكيسانية، والكميت شاعر الزيدية.
كثيّر (١)
هو كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة، شاعر حجازى من خزاعة كان ينزل المدينة كثيرا، وكان قميئا شديد القصر محمّقا وفى الأغانى أخبار كثيرة عن حمقه وعبث الناس به لهذا الحمق. وكان أول ما ساق فيه شعره الغزل، إذ كان راوية لجميل بن معمر العذرى، وهو فى جمهور غزله يترنّم بعزّة بنت حميل الضّمرية، وقد اشتهر بغزله فيها حتى سمّى كثير عزّة، وأروع أشعاره فيها تائيته التى يقول فى تضاعيفها:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وهو يلتزم فى رويها التاء واللام جميعا، مما يدل من بعض الوجوه على أنه كان متكلفا فى غزله، ويقول ابن سلام: إنه كان يتقول ولم يكن عاشقا ولا صادق الصبابة.
ولا نصل إلى سنة ٦٥ للهجرة ودعوة المختار الثقفى لابن الحنفية، وتكوينه حوله نظرية الكيسانية، حتى يصبح أكبر بوق لهذه النظرية، فهو يعتنقها اعتناقا بكل ما يداخلها من غلو ومن أفكار متطرفة، كفكرة التناسخ وأن
стр. 740
قبس النبوة لا يزال يتنقل فى على وأبنائه، وكفكرة أن ابن الحنفية هو المهدى المنتظر وفيه يقول:
هو المهدىّ خبّرناه كعب ... أخو الأحبار فى الحقب الأوالى (١)
ونراه يمتلئ حقدا على ابن الزبير حين رآه ينزل غضبه على إمامه ويحبسه فى سجن عارم بمكة، لدعوة المختار الثقفى له فى الكوفة وإخراجه واليه منها.
وكان ابن الزبير كما مرّ بنا قد عاذ بالبيت الحرام لعهد يزيد بن معاوية، فتوجه إليه كثيّر يقول:
تخبّر من لا قيت أنك عائذ ... بل العائذ المظلوم فى سجن عارم
وصىّ النبىّ المصطفى وابن عمّه ... وفكّاك أغلال ونفّاع غارم
أبى فهو لا يشرى هدى بضلالة ... ولا يتّقى فى الله لومة لائم
ونحن بحمد الله نتلو كتابه ... حلولا بهذا الخيف خيف المحارم (٢)
بحيث الحمام آمن الرّوع ساكن ... وحيث العدوّ كالصديق المسالم
وما فرح الدنيا بباق لأهله ... ولا شدّة البلوى بضربة لازم
وواضح أنه يسجّل على ابن الزبير خرقه لما فرض الإسلام من أمن لكل من لاذ بالحرم، حتى الحمام فإنه لا يحل صيده ولا التعرض له، ومع ذلك يتعرض ابن الزبير لابن الحنفية وصى على أو بعبارة أخرى وصى الرسول الكريم الذى يأخذ بأيدى العناة، والذى يتقى الله حق تقواه.
ويردّ ابن الزبير لابن الحنفية حريته، فيخرج عن جواره، ويلحق بعبد الملك فى دمشق، وكثيّر فى ركابه، فيكرمه وينزله منزلا عليّا هو وشاعره. ومن هنا نفهم الصلة التى انعقدت بين كثير وعبد الملك، فقد أصبح من مداحه،
стр. 741
وأخذ يثيره على ابن الزبير متمنيا لو انتصر عليه وأزال سلطانه عن الحجاز والعراق جميعا، حتى إذ ارآه يعدّ جيشه لحرب مصعب أخذ يحثه على المبادرة لحربه بمثل قوله:
إذا ما أراد الغزو لم تثن همّه ... حصان عليها عقد درّ يزينها (١)
نهته فلما لم تر النّهى عاقه ... بكت فبكا مما شجاها قطينها (٢)
وظل يمدح عبد الملك. وارتحل إلى مصر يمدح أخاه عبد العزيز واليها وظن بعض المعاصرين فى مديحه لبنى أمية ضربا من النفاق (٣)، وهو لم يكن فى مديحه لهم منافقا، إنما كان تابعا فى ذلك لإمامه الذى رآه يمنح عبد الملك ولاءه. وحتى لو لم يدخل ابن الحنفية فى بيعة عبد الملك لكان مدحه له تقية لا نفاقا، ومرّ بنا أن الشيعة كانوا يجيزون التقية خشية على أنفسهم، وبين أيدينا أخباره مع عبد الملك وهى تقطع بأنه كان يكرمه مع معرفته بتشيعه وأنه يصر عليه إصرارا. على أنه كان يحمّل مديحه له كثيرا من السموم، كتصويره له بأنه حية ما تزال تلدغ، يقول:
يقلّب عينى حيّة بمحارة ... إذا أمكنته شدّة لا يقيلها (٤)
ونراه حين يعرض لخلافته يسلكه من طرف خفى فى مجموعة الخلفاء الذين لا تقر غالبية الشيعة خلافتهم وترى أنهم اغتصبوها اغتصابا من ورثتها الشرعيين، إذ كان يجعله سابع الخلفاء مسقطا خلافة على، لأنها الخلافة الصحيحة فى رأيه بين تلك الخلافات الظالمة، يقول:
وكنت المعلّى إذ أجيلت قداحهم ... وجال المنيح وسطها يتقلقل
والمعلّى هو القدح السابع من قداح الميسر، وهو أعلاها نصيبا، أما المنيح فلا نصيب له. وواضح أنه لم يرد أن عبد الملك أعلى الخلفاء الذين سبقوه كعبا، بل موّه بذلك فى الظاهر، وعنى فى الباطن أنه السابع بين الخلفاء الذين لا
стр. 742
ترتضى الشيعة إمامهم. ومن ثمّ يقابل عبد الملك فى ترتيب هؤلاء الخلفاء القدح السابع بين القداح وهو المعلى، وقد صرح بذلك فى مدحة له أخرى، إذ يقول
وكان الخلائف بعد الرسو ... ل لله كلهم تابعا
شهيدان من بعد صدّيقهم ... وكان ابن حرب لهم رابعا (١)
وكان ابنه بعده خامسا ... مطيعا لمن قبله سامعا
ومروان سادس من قد مضى ... وكان ابنه بعده سابعا
وعلى هذا النحو لم يتخلّ عن عقيدته فى مديحه لعبد الملك. وربما كان عمر بن عبد العزيز أهم من أخلص له فى مديحه لبنى أمية، وهو إخلاص مرجعه فى رأينا إلى موقفه من آل البيت فإنه بالغ فى إكرامهم ومنع عماله منعا باتّا من سبّهم على المنابر، وكان صالحا تقيّا، وفيه يقول كثيّر مشيرا إلى هذه المكرمة:
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف ... بربّا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدّقت بالفعل المقال مع الذى ... أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم
وقد لبست لبس الهلوك ثيابها ... تراءى لك الدّنيا بكفّ ومعصم (٢)
وتومض أحيانا بعين مريضة ... وتبسم عن مثل الجمان المنظّم (٣)
فأعرضت عنها مشمئزّا كأنما ... سقتك مدوفا من سمام وعلقم (٤)
تركت الذى يفنى وإن كان مونقا ... وآثرت ما يبقى برأى مصمّم
وأضررت بالفانى وشمّرت للذى ... أمامك فى يوم من الهول مظلم
والحق أن كثيرا ظل مخلصا لعقيدته الشيعية، وهو إخلاص لا يقف عند إشادته بابن الحنفية ووصفه بأنه مهدىّ أو وصىّ، أوصى له على، بل يتجاوز ذلك إلى استشعاره ما كان يؤمن به الكيسانية من رجعة أئمتهم بعد
стр. 743
مماتهم، فهم لا يموتون، بل يغيبون مدة من الزمن ثم يعودون، يقول فى ابن الحنفية حين لبىّ نداء ربه:
ألا إن الأئمّة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
علىّ والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا تراه العين حتى ... يقود الخيل يقدمها اللّواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء
فالأئمة الحقيقيون أصحاب الولاية الشرعية على المسلمين هم على والحسن والحسين وابن الحنفية، وهم متساوون فى هذه الولاية. ويأبى إلا أن يسمى قتل الحسين فى كربلاء غيبة، أما ابن الحنفية فهو غائب بجبل رضوى يطعم العسل والماء، وسيعود فى جيش كثيف يقوّض الحكم الأموى ويرد الأمر إلى نصابه. وما زال يؤمن بعقيدته حتى إذا حضرته الوفاة سنة ١٠٥، وقيل سنة ١٠٧، رفع صوته ينشد:
برئت إلى الإله من ابن أروى ... ومن دين الخوارج أجمعينا (١)
ومن عمر برئت ومن عتيق ... غداة دعى أمير المؤمنينا (٢)
وواضح أنه يجعل لعلى وبنيه وحدهم الحق فى لقب أمير المؤمنين، أما من حملوا هذا اللقب قبلهم من الخلفاء الراشدين فهم فى رأيه يعدّون مغتصبين.
وعلى هذا النحو كان يغلو فى تشيعه غلوّا قبيحا حتى أنفاسه الأخيرة.
الكميت (٣)
هو الكميت بن زيد الأسدى، ولد بالكوفة سنة ٦٠ للهجرة، ولم يكد
стр. 744
يشبّ حتى أخذ يختلف إلى دروس العلماء يتلقن الفقة والحديث النبوى وأنساب العرب وأيامها، ولم يلبث أن تحوّل معلما، يعلم الناشئة فى مسجد الكوفة. ونراه يشدو الشعر، وتنعقد مودة بينه وبين الطّرمّاح على نحو ما تحدثنا عن ذلك آنفا.
ولا يلبث أن يبرع فى الشعر، فيطلب به جوائز الأشراف والولاة والخلفاء ففى أخباره أنه وفد على مخلد بن يزيد بن المهلب حين كان أبوه يوليه أعمالا فى مدة إمارته على خراسان لعهد سليمان بن عبد الملك، ويقال إنه لقى على بابه أربعين شاعرا، كلهم ينتظر الإذن له، وتروى كتب الأدب له مدائح مختلفة فيه. ونراه فى مطالع القرن الثانى يفد على يزيد بن عبد الملك.
ويظهر أن صلته بالهاشميين بدأت مبكرة، ففى أخباره أنه امتدح على بن الحسين الملقب بزين العابدين، ومعروف أنه توفّى سنة تسع وتسعين. ونمضى معه إلى ولاية خالد القسرى على العراق (١٠٥ - ١٢٠ هـ) فنجده قد أصبح شيعيّا خالصا، وقد استخلصه لنفسه زيد بن على بن الحسين إمام فرقة الزيدية فإذا هو يناضل عنه ويدافع، ويعيش لهذا النضال والدفاع، إذ أشرب قلبه حبّه وحب الهاشميين، حتى لينكر من نفسه مديحه القديم، وحتى ليقول:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا منّى وذو الشّيب يلعب
ولم تلهنى دار ولا رسم منزل ... ولم يتطرّبنى بنان مخضّب
ولكن إلى أهل الفضائل والنّهى ... وخير بنى حوّاء والخير يطلب
بنى هاشم رهط النبىّ فإننى ... بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب
فلم يعد فيه شئ للغزل ولا للحب سوى حب بنى هاشم، وينصرف إلى هذا الحب، وينقطع له، ويشتهر بإحسانه فيه، حتى ليقول الفرزدق المتوفّى سنة ١١٠ وقد ذكر له: إنه وجد آجرّا وجصّا فبنى، أى أنه وجد مادة غنية لأشعاره، فأحسن فى نظمه. ونراه فى تصويره لهذا الحب ثائرا ثورة عنيفة على بنى أمية وواليهم خالد القسرى. إذ كان ما بنى يؤلّب عليه وعليهم الناس.
داعيا لزيد دعوة صريحة، حتى لنراه يكتب-كما أسلفنا-إلى أهل مرو أن يثوروا فى وجه أسد القسرى حين ولاه أخوه خالد على خراسان.
стр. 745
وكانت أشعاره الثائرة لا تصل إلى سمع خالد فحسب، فقد وصلت إلى سمع هشام بن عبد الملك، فأمر خالدا بحبسه، فألقاه فى غياهب السجن. وكانت امرأته تدخل عليه فى ثياب وهيئة حتى عرفها الحرّاس، فدخلت فى غفلة منهم يوما، فلبس ثيابها وتهيأ بهيئتها، ومضى على وجهه إلى الشام، فضرب قبّته على قبر معاوية بن هشام فجاءه أولاده، فربطوا ثيابه بثيابهم، حتى دخلوا به على جدهم، فاستعطفوه حتى ألانوا قلبه وعفا عنه. ويقال بل الذى توسط له بالشفاعة مسلمة بن هشام، وله فيه وفى بنى أمية مدائح نظمها حينئذ، من مثل قوله:
الآن صرت إلى أميّ ... ة والأمور لها مصائر
أهل التجاوب فى المحا ... فل والمقاول بالمخاصر (١)
أنتم معادن للخلا ... فة كابرا من بعد كابر
وهى مدائح تحمل على التقيّة، إذ اضطر إلى مديحهم مداراة لهم. وعاد إلى الكوفة وقد ردّت إليه حريته، فعاد إلى نضاله مع إمامه زيد. ونعجب إذ نراه على هاشميته وتشيعه يفسح لأشعار، يفخر فيها بمضريته ويهجو اليمن هجاء شديدا، ولكن إذا عرفنا السبب زال العجب كما يقولون، فقد تصدى له شاعر يمنى هو حكيم بن عيّاش الكلبى كان يتعصب للأمويين ويهجو الهاشميين وزيد بن على هجاء (٢) مرّا، فرأى الكميت أن يصرفه عن ذلك بفتح معركة معه فى اليمنية والمضرية. وبذلك دفعه عن هجاء بنى هاشم وشغله بقومه والنضال عنهم. ويقول الرواة إنه كان يمكر به فيفخر عليه ببنى أمية المضريين حتى يسكته ويغلبه، وقد ظهر عليه فعلا لا بذلك فحسب، بل بما نظم فى عصبيته لمضر وهجائه لليمن من قصائد دوّت بعيدا، وعلى رأسها مذهّبته (٣): (ألا حيّيت عنا يا مدينا) ويقال إنها بلغت ثلاثمائه بيت لم يترك فيها مثلبة لليمن إلا سجّلها ووصمه بها وصما.
стр. 746
وحتى الآن لم نتحدث عن هاشمياته، وهى تمتاز بصدق العاطفة وبراعة الحجاج والاستدلال فى بيان حق الهاشمين الشرعى فى الخلافة، وهو استدلال وحجاج جعل الأقدمين يلاحظون أنه فى شعره وفى هاشمياته خاصة يخرج على المألوف من ذوق الشعراء، إذ كانوا لا يعرفون فى الشعر هذه الصورة من الجدل، إنما كانوا يعرفونها للخطباء وأصحاب المقالات، ومن ثمّ قالوا إن شعره أشبه بالنثر، كما قالوا إنه خطيب وليس بشاعر. ومن غير شك كان شاعرا مبدعا، فقد نهج بشعره نهجا جديدا، إذ أخضعه لصورة المقالة المعاصرة له وما تشفع به من براهين وأدلة. وهو فى ذلك يعدّ صدى قويّا لما شاع فى عصره من الجدال بين المتناظرين فى مسائل العقيدة، فقد مثّل هذا الجدال تمثيلا باهرا. ومن غير شك كان يختلف إلى حلقات هذا الجدال، فقد كان إمامه زيد يتتلمذ لواصل بن عطاء رأس المعتزلة، وتبعه الكميت فى هذه التلمذة، فهو الآخر تلميذ لواصل، تلقّن منه الكلام والجدل فى المسائل العقيدية، وتحول يستخدمه فى هاشمياته، فإذا هى ليست أشعارا فى مديح زيد إمامه، إنما هى مقالة الزيدية بكل أصولها العقيدية، وبكل ما تستخدمه من أسلحة العقل فى دعم هذه الأصول. ومرت بنا أبياته التى يعلن فيها أنه لن يقف بالرسوم والأطلال يتحدث عن حبه، فحبه جميعه منصبّ على بنى هاشم، وبذلك كان أول شاعر دعا إلى نبذ الوقوف على الديار سنّة من سبقوه، وهو يمضى، فيسوق الأدلة الناصعة على حق البيت الهاشمى من سلالة فاطمة رضى الله عنها فى الخلافة على شاكلة قوله متحدثا عن اغتصاب الأمويين لهذا الحق الشرعى:
بخاتمكم غصبا تجوز أمورهم ... فلم أر غصبا مثله يتغصّب
وجدنا لكم فى آل حاميم آية ... تأوّلها منا تقىّ ومعرب
وفى غيرها آيا وآيا تتابعت ... لكم نصب فيها لذى الشّك منصب
وقالوا ورثناها أبانا وأمّنا ... وما ورّثتهم ذاك أمّ ولا أب
ولكن مواريث ابن آمنة الذى ... به دان شرقىّ لكم ومغرّب
يقولون لم يورث ولولا تراثه ... لقد شركت فيه بكيل وأرحب (١)
стр. 747
وعكّ ولخم والسّكون وحمير ... وكندة والحيّان بكر وتغلب
وما كانت الأنصار فيها أذلّة ... ولا غيّبا عنها إذ الناس غيّب
فإن هى لم تصلح لحىّ سواهم ... فإن ذوى القربى أحقّ وأقرب
وواضح أنه بنى احتجاجه على أقيسة عقلية، فهو يستدل بآى القرآن الحكيم فى سور «حاميم» وغيرها التى تشيد بأهل البيت وقرابتهم من الرسول، مقررة حقّ ذوى القربى من مثل: ﴿(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ)﴾ ومثل: ﴿(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)﴾ ويناقش الأمويين فى نظامهم الوراثى، وأنهم لا يدلون للرسول كما يدلى آل بيته، فهم ورثته الشرعيون، وإلا لورثته القبائل جميعا وعلى رأسها الأنصار الذين أعز الله بهم الإسلام. وهو يستدل بالنضوص القرآنية تارة ويحكّم العقل تارة أخرى.
ودائما يعرض هذه الأدلة مجادلا محاولا الظفر بخصومه، فإن ترك ذلك لجّ فى عقيدته الزيدية وأصولها المذهبية، ومعروف أنها كانت-فى أصلها-من أكثر العقائد الشيعية اعتدالا وإن داخلها فيما بعد التطرف والمغالاة، إذ كان زيد بن على لا يؤمن بتناسخ ولا ببداء ولا برجعة على نحو ما كان يؤمن الكيسانية، وكان لا يدخل فى عقيدته أى شعوذة أو غلو مسرف، إنما كان يثبت نظرية الوصاية، وما تؤمن به الشيعة جميعا من أن الرسول ﷺ أوصى لعلى يوم غدير خمّ، وفى ذلك يقول الكميت:
ويوم الدّوح دوح غدير خمّ ... أبان له الولاية لو أطيعا (١)
وكان زيد كما قدمنا يرى جواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل وبذلك صحّح خلافة أبى بكر وعمر ولم يطعن فيهما، ولا دفع إلى شتمهما كما تصنع الرافضة، وفى هذا يقول الكميت:
أهوى عليّا أمير المؤمنين ولا ... أرضى بشتم أبى بكر ولا عمرا
ومعروف أن زيدا كان يشترط فى الإمام أن يكون من أبناء فاطمة، ويحتّم أن يكون عالما زاهدا شجاعا سخيّا (٢)، ويردّد الكميت فى هاشمياته هذه الصفات، يقول فى مدح الأئمة من الهاشميين:
стр. 748
الحماة الكفاة فى الحرب إن ل ... فّ ضراما وقودها بضرام
والغيوث الذين إن أمحل النّا ... س فمأوى حواضن الأيتام
غالبيّين هاشميين فى العل ... م ربوا من عطية العلاّم (١)
وهم الآخذون من ثقة الأم ... ر بتقواهم عرى لا انفصام (٢)
ويضيف الكميت إلى هذه الصفات صفة العدل، فهم عدول إن حكموا الناس لم يظلموهم نقيرا. وكثيرا ما يقف فى تقريره لهذه الصفة عند جور بنى أمية وظلمهم للناس، وأنهم لا يتقون الله فى رعايتهم لهم، بل يعاملونهم كأنهم أغنام، مبتدعين دائما بدعا لم يجئ بها الإسلام، يقول
لهم كلّ عام بدعة يحدثونها ... أزلّوا بها أتباعهم ثم أوحلوا
ودائما يجأر لربّه أن يكشف غمّتهم عن صدر الأمة، فقد بغوا فيها وطغوا، وساموها كل ما استطاعوا من ألوان الخسف والعذاب، وإنه ليسأل الله أن يحلّ الأسرة الهاشمية محلهم، يقول:
أجاع الله من أشبعتموه ... وأشبع من بجوركم أجيعا
بمرضىّ السياسة هاشمىّ ... يكون حيا لأمته ربيعا (٣)
ووقف الجاحظ عند أبيات مدح بها الرسول، فقال: «ومن غرائب الحمق المذهب الذى ذهب إليه الكميت فى مديح النبى ﷺ حيث يقول:
إلى السّراج المنير أحمد لا ... تعدلنى رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع ال ... نّاس إلىّ العيون وارتقبوا
وقيل أفرطت بل فصدت ولو ... عنّفنى القائلون أو ثلبوا
стр. 749
فمتى رأى شاعرا مدح النبى ﷺ فاعترض عليه واحد من جميع أصناف الناس، حتى يزعم هو أن ناسا يعيبونه ويثلبونه ويعنّفونه (١)».
ويقول المرتضى إن ظاهر الخطاب للنبى والمقصود أهل بيته (٢). وقد مضى الكميت يناضل عن إمامه مؤيدا مقالته إلى أن رأى الخروج، فقعد عن نصرته، وفى هاشمياته ما يدل على أنه كان يكره الخروج ولا يراه، من مثل قوله:
تجود لهم نفسى بما دون وثبة ... تظلّ لها الغربان حولى تحجل
وخرج زيد وقتل، فجزع الكميت، وذهب يبكيه معلنا سخطه على الأمويين وعاملهم يوسف الثقفى محمّسا الناس أن ينفضّوا عنه وعنهم. وضيّق عليه يوسف الخناق، وظلّ يتحين له الفرص، حتى إذا وفد عليه مادحا سنة ١٢٦ للهجرة يريد أن يستلّ ضغنه دسّ إليه من قتله.
٤ - شعراء ثورة ابن الأشعث
مرّ بنا فى حديثنا عن الكوفة أن أشرافها كانوا يضطغنون على بنى أمية منذ قوّضوا دولتها، واتخذوا دمشق حاضرة للخلافة، بل لقد كان العراقيون جميعا يشعرون بهذا الضغن والحقد، سواء منهم الكوفيون وغير الكوفيين، فإنهم فقدوا السيادة، وأصبحوا خاضعين لعرب الشام، ولم يعد لهم من الأمر شئ.
وسلّط عليهم الأمويون ولاة يعنفون بهم عنفا شديدا، وكان ذلك يزيد فى حقدهم وألمهم، فتعلقوا بكل ثائر على الأمويين. وسرعان ما كانت جيوش أهل الشام تغلب عليهم، فيخضعون على مضض، ويمضون منتظرين للحوادث.
ويتولى؟ ؟ ؟ يأخذهم بسياسة قاسية لا رحمة فيها ولا شفقة، ويحسّ كثير منهم، وخاصة أشرافهم أنه يستذلهم، فيأنفون لأنفسهم أنفة شديدة،
стр. 750
ويودون لو استطاعوا نقض هذا الضيم والخلوص من هذا الذل. وكان ممن تجسّدت فيه هذه المشاعر من أشراف الكوفة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذى يرجع فى نسبه إلى ملوك كندة الأقدمين، وكان من أشد العرب إحساسا بشرفه وإعجابا بنفسه وتيها وخيلاء. وواتته الفرصة كى يقود هذه الثورة التى كانت تغلوبها نفوس الأشراف فى الكوفة، ذلك أن عبيد الله بن أبى بكرة عامل سجستان أخفق فى حملة قادها إلى زنبيل ملك الترك، إذ استدرجه إلى داخل بلاده ثم أطبق عليه فنكل بجيشه حتى يقال إنه مات كمدا.
وفكر الحجاج فى قائد محنك يوليه سجستان، ويقود الحرب فيها، وهداه تفكيره إلى عبد الرحمن، وكان فى كرمان، فأمده بجيش عظيم كان يسمى «جيش الطواويس، لتمام أهبته وعدّته. والتقى بجيوش الترك وانتصر عليها انتصارات عظيمة ملأت يده بالغنائم، غير أنه رأى-خشية على جيشه-أن لا يتوغل وراء الترك، حتى لا يصنعوا به ما صنعوه بابن أبى بكرة. ولم يكد يعرف الحجاج ذلك حتى كتب إليه يتهمه بالخور والضعف، وهدّده إن لم يمض فى القتال بعزله. فثار عبد الرحمن لكرامته، وجمع قادة الجيش، وحدّثهم بكتب الحجاج وكانوا مثله ينطوون على بغضه، ويتمنون لو عادوا إلى أهليهم، فأظهروا الثورة عليه، وقالوا إنه لا يبالى بموتنا، ويريد أن يعرّضنا للخطر، حتى نسوق له ولخليفته الغنائم. ولم يلبثوا أن بايعوا عبد الرحمن، وصمموا على حرب الحجاج حتى يخرج من العراق.
ووادع عبد الرحمن ملك الترك وعاهده أنه إن ظفر بالحجاج لم يسأله خراجا أبدا، وإن هزمه الحجاج لجأ وأصحابه إليه، فمنعهم. واتجه بجيشه إلى العراق، وانضم إليه فى طريقه كثير من جند الكوفة والبصرة المقيمين بحاميات الأمصار، ولما صار فى فارس خلع عبد الملك بن مروان وخلعه جنده، وبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأقبل الجيش «مثل السيل المنحطّ من عل، ليس يرده شئ حتى ينتهى إلى قراره» وأعشى همدان وأبو جلدة اليشكرى فى مقدمته يثيران الناس ويحمّسانهم للقاء الحجاج ومن يستعين بهم من عرب الشام، الذين نزلوا منازلهم وحلّوا دورهم بينما أخرجوا منها
стр. 751
للحرب والموت فى سجستان وخراسان على نحو ما نرى فى قول أبى جلدة (١):
أيا لهفى ويا حزنى جميعا ... ويا غمّ الفؤاد لما لقينا
تركنا الدّين والدّنيا جميعا ... وخلّينا الحلائل والبنينا (٢)
فما كنا أناسا أهل دين ... فنصبر للبلاء إذا بلينا
ولا كنا أناسا أهل دنيا ... فنمنعها وإن لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عكّ ... وأنباط القرى والأشعرينا (٣)
وتقدّم الحجاج بجيشه، فالتقى بجيش ابن الأشعث على نهر دجيل فى ذى الحجة سنة ٨١ وانتصر ابن الأشعث وتقدم بجنوده، فاستولى على البصرة، ومضى الحجاج فنزل بجيشه فى ضاحية من ضواحيها تسمى الزاوية، وحدثت فيها بين الطرفين معركة عنيفة كان فيها أبو جلدة يحرض على قتال الحجاج بمثل قوله (٤):
نحن جلبنا الخيل من زرنجا ... مالك يا حجّاج منا منجى (٥)
لتبعجنّ بالسيوف بعجا ... أو لتفرّنّ فذاك أحجى (٦)
وما زال أبو جلدة يحمس الجنود ويبث الغيرة فيهم لنسائهم، حتى شدّوا على عسكر الحجاج شدة ضعضعته، وثبت الحجاج وصاح بأهل الشام، فتراجعوا وثبتوا، وكانت الدائرة له. وانسحب ابن الأشعث بمن معه إلى الكوفة وهناك حدثت بينه وبين الحجاج موقعة دير الجماجم، وفيها هزم هزيمة ساحقة.
ولم يلبث أن جمع للحجاج جموعا جديدة، والتقى به فى «مسكن» فحالفته الهزيمة، فولّى وجهه نحو المشرق إلى أن وصل إلى سجستان، فالتجأ إلى زنبيل، وبعد محاولات منه لرجع سلطانه أسلمه الزنبيل لجيوش الحجاج، وقطعت رأسه، وقيل بل مات انتحارا. ويلقانا بجانب أبى جلدة شعراء كثيرون لجّوا فى هذه الثورة لعل أهمهم أعشى همدان، وهو بحق يعد شاعر هذه الثورة.
стр. 752
أعشى (١) همدان
هو عبد الرحمن بن عبد الله الهمدانىّ القحطانىّ، نشأ فى الكوفة، وعنى فى أول نشأته بالفقه وقراءة القرآن؟ ؟ ؟ فقيه الكوفة المشهور يصهر إليه، فيتزوج أخته ويزوّجه أخته.؟ ؟ ؟ وتيقت؟ ؟ ؟ فيه موهبة الشعر فترك القرآن ورواية الحديث النبوى، وأقبل عليه، وآخى أحمد النّصبى مغنى بلده، فكان إذا قال شعرا غنّى له فيه. وأول ما بين أيدينا من أشعاره يتصل بمديح النعمان بن بشير الأنصارى الذى ولى على الكوفة سنة تسع وخمسين، وفيه يقول:
متى أكفر النعمان لم ألف شاكرا ... وما خير من لا يقتدى بشكور
وله أشعار ينزع فيها منزع زهد فى الدنيا، فهو ينفّر منها ومن التعلق بمتاعها، وأكبر الظن أنه كان ينظم هذه الأشعار فى أول عهده بالنظم حين كان يختلف إلى مجالس صهره الشعبى وغيره من وعّاظ الكوفة، ومن أطرفها قوله:
وبينما المرء أمسى ناعما جذلا ... فى أهله معجبا بالعيش ذا أنق (٢)
غزّا، أتيح له من حينه عرض ... فما تلبّث حتى مات كالصّعق
فما تزوّد مما كان يجمعه ... إلا حنوطا وما واراه من خرق (٣)
وغير نفحة أعواد تشبّ له ... وقلّ ذلك من زاد لمنطلق
ونراه حين هزم التوابون بقيادة سليمان بن صرد سنة خمس وستين يبكيهم بقصيدة كانت إحدى المكتّمات التى كتمت فى ذلك الزمان (٤). ويتولّى مصعب البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير فيلزمه فى سلمه وحربه للمختار الثقفى ناظما أشعارا كثيرة، رواها الطبرى، يصوّر فيها شعوذة المختار الثقفى وما كان يتخذ من
стр. 753
كرسى وحمامات بيضاء تمويها على جنده (١). ويدال للبصرة من الكوفة، ويفتخر البصريون بانتصارهم، فيغضب لبلدته، ويتوجه إليهم بالخطاب قائلا:
وإذا فاخرتمونا فاذكروا ... ما فعلنا بكم يوم الجمل (٢)
ونراه يخرج مع جيوش مصعب لحرب الخوارج محاربا تحت لواء المهلب وغيره من القواد أمثال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ويظهر أنه ظل يشهر سيفه ضدهم حتى عهد بشر بن مروان على العراق إذ نراه فى موقعة جلولاء، وقد انتصر الخوارج، فمضى يهجو قائد الحملة هجاء مرا. ويتولى خالد بن عتاب بن ورقاء أصبهان، وكان صديقه، فيمدحه مدائح رائعة، غير أنه يجفوه، فيهجوه. ونراه فى شعره يتحدث عن طلاقه لامرأة من قومه بسبب بذائها، ويشكو من أخرى تنكرها له، مع شغفه بها.
ويبعث به الحجاج مع بعض جيوشه إلى مكران، فيمرض هناك، وينظم قصيدة طويلة يصور فيها حنينه إلى بلدته وأهله وأنه خرج إلى الحرب على رغمه، خوفا من سيف الحجاج وبطشه. ويتوغل مع بعوث الحجاج فى بلاد الديلم، فيقع أسيرا، وتهواه بنت للعلج الذى أسره وتحلّ قيوده، وتأخذ به طرقا تعرفها، وبذلك تخلّصه وتهرب معه. ويظهر أنه لم يولّ وجهه إلى العراق، بل اتجه إلى سجستان حيث كان ينازل عبيد الله بن أبى بكرة زنبيل ملك الترك، ولما دارت على جيشه الدوائر بكى هذا الجيش مضمنا بكاءه هجاء شديدا لابن أبى بكرة سواء فى قيادته غير الحكيمة أو فى إهداره لمسئولياته، إذ انتهز ما كان فيه جيشه من ضيق، فباع القفيز من الشعير بدرهم، كما باع لهم العنب الحصرم، وهم يتساقطون جوعا، يقول:
أسمعت بالجيش الذين تمزّقوا ... وأصابهم ريب الزمان الأعوج
حبسوا بكابل يأكلون جيادهم ... بأضرّ منزلة وشرّ معرّج (٣)
لم يلق جيش فى البلاد كما لقوا ... فلمثلهم قل للنوائح تنشج
стр. 754
ثم اتجه بخطابه إلى عبيد الله فقال:
ولّيت شأنهم وكنت أميرهم ... فأضعتهم والحرب ذات توهّج
وتبيعهم فيها القفيز بدرهم ... فيظلّ جيشك بالملامة ينتجى (١)
ومنعتهم ألبانهم وشعيرهم ... وتجرت بالعنب الذى لم ينضج
ومات ابن أبى بكرة كما قدمنا، فولى سجستان ابن الأشعث، فسأله أن يزيد فى عطائه، فلم يلبّ سؤاله، فمضى يعاتبه فى قصيدة طويلة، يقول له فى تضاعيفها:
مالك لا تعطى وأنت امرؤ ... مثر من الطّارف والتّالد
تجبى سجستان وما حولها ... متّكئا فى عيشك الراغد
وتتطور الظروف، ويثور ابن الأشعث على الحجاج، فيضع الأعشى يده فى يده وكأنه صدر فى ثورته عن أمنيته، فقد وقف من قديم فى صفوف المعارضة الأموية، وقف كما قدمنا مع التوابين من الشيعة ثم وقف مع مصعب بن الزبير. وكان دائما لا يرضى عن ولاة بنى أمية، ويراهم ظالمين للرعية يسومونها العذاب على نحو ما رأينا فى هجائه لابن أبى بكرة. وهذا الحجّاج على العراق قد بغى وطغى، ولا يعرف أحد طغيانه وبغيه مثله، فقد أمره بالخروج فى بعوث الشرق، وخرج كارها مرغما، لا يعرف متى يأذن له فى العودة لتقرّ عينه بأهله وولده. لذلك حين أعلن ابن الأشعث الثورة على الحجاج لزمه ينظم الشعر محمّسا لجنده، فلما توجه مقبلا إلى العراق سار بين يديه على فرس وهو يقول:
إنا سفونا للكفور الفتّان ... حين طغى فى الكفر بعد الإيمان (٢)
بالسيد الغطريف عبد الرحمن ... سار بجمع كالدّبى من قحطان (٣)
أمكن ربّى من ثقيف همدان ... يوما إلى الليل يسلّ ما كان
إن ثقيفا منهم الكذّابان ... كذّابها الماضى وكذاب ثان
стр. 755
وأخذ ينظم أشعارا كثيرة، يثير بها الجند ويحرّضهم على القتال، ونجده فى هذه الأشعار يتحدث عن مجد ابن الأشعث القديم، وما كان لآبائه من ملك وشرف وسيادة فى الجاهلية، وهو بذلك يضع فى يدنا وثيقة سياسية لهذه الثورة، فهى كما قدمنا ثورة أشراف الكوفة الذين انحدروا من أسر العصر الجاهلى النبيلة، يقول:
يأبى الإله وعزة ابن محمّد ... وجدود ملك قبل آل ثمود (١)
أن تأنسوا بمذمّمين عروقهم ... فى الناس إن نسبوا عروق عبيد
كم من أب لك كان يعقد تاجه ... بجبين أبلج مقول صنديد (٢)
ما قصرّت بك أن تنال مدى العلا ... أخلاق مكرمة وإرث جدود
وانتهت الحرب وانتصر الحجاج، وأتى إليه بأعشى همدان أسيرا، فأخذ يستعطفه ويسترحمه ويحاول أن يلين قلبه له بقصيدة رائعة يقول فيها مشيدا بانتصاره:
أبى الله إلا أن يتمّم نوره ... ويطفئ نار الفاسقين فتخمدا
وينزل ذلاّ بالعراق وأهله ... لما نقضوا العهد الوثيق المؤكّدا
وما نكثوا من بيعة بعد بيعة ... إذا ضمنوها اليوم خاسوابها غدا (٣)
وما أحدثوا من بدعة وعظيمة ... من القول لم تصعد إلى الله مصعدا
وما زاحف الحجّاج إلا رأيته ... معانا ملقّى للفتوح معوّدا
ليهنئ أمير المؤمنين ظهوره ... على أمة كانوا بغاة وحسّدا
ولكن ذنبه عند الحجاج كان عظيما فاربدّ وجهه واهتزّ منكباه، وأمر الحرسىّ فضرب عنقه سنة ٨٣ للهجرة.
стр. 756
٥ - شعراء بنى أمية
لا نريد هنا أن نتحدث عن مدّاح بنى أمية، فالمديح شئ والشعر السياسى شئ آخر. المديح ثناء يقدمه الشاعر ابتغاء النوال والعطاء، أما الشعر السياسى فنضال عن الحكم وعن نظرية معينة فيه، فهو ليس مجرد مديح، إنما هو دفاع من جهة وهجوم من جهة ثانية، دفاع عن نظرية، تعتنقها جماعة من الجماعات أو فرقة من الفرق، وهجوم على خصومها ومن يقفون فى الصفوف المعارضة لها.
وأول صورة تلقانا للشعر السياسى المناصر لبنى أمية ما أخذ ينظمه الأمويون أنفسهم من مثل الوليد بن عقبة عقب مقتل عثمان، إذ مضوا يهاجمون الثوار، الذين قتلوه، جاعلين أنفسهم أصحاب الحق فى الثأر من قتلته، فهم أهله الأقربون، ومن ثمّ فهم أولياء دمه. وكان علىّ قد بويع بالخلافة وانشق عليه طلحة والزبير والسيدة عائشة، كما انشق زعيم بنى أمية معاوية أمير الشام يسنده جيش يمنى موال له تمام الولاء. وبذلك انقسمت الجماعة الإسلامية شيعا، وأخذت كل شيعة تحاول أن تفرض رأيها السياسى باللجوء إلى السيف والقوة.
ومضى الثلاثة الأولون إلى العراق ونزلوا البصرة فتبعهم على ونزل الكوفة، وبذلك خرجت الخلافة من المدينة، ولم يلبث طلحة والزبير أن سقطا فى وقعة الجمل، فخلا الجو لمعاوية ومطالبته بالثأر من قتلة ابن عمه عثمان. وأسرع على بعد أن بايعه أهل العراق جميعا قاصدا معاوية فالتقى به عند صفّين على حدود الفرات.
ونشبت معركة عنيفة كاد ينتصر فيها علىّ انتصارا حاسما لولا ما لجأ إليه معاوية من رفع المصاحف وطلب الاحتكام إلى القرآن لا إلى السيف. وفى هذه الموقعة نظم شعر كثير تبادل فيه الفريقان الهجاء، وكل منهم يدافع عن نظريته فى الحكم وعن إمامه الذى ارتضاه مستلهما خصومة الشام والعراق فى الجاهلية وما كان من تنافس على سلطان القبائل العربية بين الغساسنة والمناذرة، على شاكلة قول كعب بن جعيل التغلبى:
стр. 757
أرى الشام تكره ملك العراق ... وأهل العراق لهم كارهونا
وقالوا علىّ إمام لنا ... فقلنا رضينا ابن هند رضينا
وردّ عليه بعض شعراء العراق، فقال ينقض ما زعمه، مشيرا إلى ما بين الطرفين من عداوات قديمة:
أتاكم علىّ بأهل العراق ... وأهل الحجاز فما تصنعونا
فإن يكره القوم ملك العراق ... فقدما رضينا الذى تكرهونا (١)
وتطورت الظروف وقتل على بعد التحكيم، وبايع الناس معاوية، ودخلت العراق فى طاعته وطاعة من خلفوه من الأمويين، ولكنها ظلت تعارضهم خفية، وكلما استطاعت أن تجهر بمعارضتها نهضت إلى ذلك تارة مع الخوارج، وتارة مع الشيعة، وتارة مع ابن الأشعث أو يزيد بن المهلب. وعارضهم الحجاز فى عهد يزيد بن معاوية وتجسمت معارضتها فى عبد الله بن الزبير.
وقد رأينا شعراء مختلفين يقفون فى هذه الصفوف المعارضة يناضلون عن نظرياتهم السياسية، وكان الأمويون يستظهرون عليهم بشعرائهم طوال العصر.
وكان أول ما استخدموا فيه هؤلاء الشعراء هجاء عبد الرحمن بن حسان والأنصار حين اشتبك مع يزيد بن معاوية، وفى رواية مع عبد الرحمن بن الحكم، فاستعان عليه يزيد بالأخطل النصرانى التغلبى، على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، ومنذ هذا التاريخ أصبح الأخطل شاعرا أمويّا يناضل عن السياسة الأموية. ويحاول معاوية أن يجعل الخلافة وراثية فى بيته، وأن يأخذ البيعة لابنه يزيد فى حياته. وكان ذلك فى رأى كثيرين بدعة منكرة، إذ تخرج الخلافة به عن الشورى وتصبح إرثا من الأب لابنه، على نحو ما هو معروف عند الروم وما كان معروفا عند الفرس، وعرف معاوية نفور المسلمين من ذلك، فدفع بعض الخطباء إلى الدعوة لفكرته، كما دفع بعض الشعراء، وكان أسرع من لبّاه منهم مسكين الدارمى فأنشأ يقول فى كلمة له (٢):
стр. 758
بنى خلفاء الله مهلا فإنما ... يبوّئها الرحمن حيث يريد (١)
إذا المنبر الغربىّ خلّى مكانه ... فإن أمير المؤمنين يزيد
على الطائر الميمون والجدّ صاعد ... لكلّ أناس طائر وجدود (٢)
ويقال إن معاوية أقبل عليه، فقال: ننظر فيما قلت يا مسكين ونستخير الله، ووصله هو وابنه يزيد وأجزلا صلته.
ومن شعراء آل أبى سفيان المتوكل (٣) الليثى وعبد الله (٤) بن همّام السلولىّ «وكان مكينا حظيّا فيهم وهو الذى حدا يزيد بن معاوية على البيعة لابنه معاوية» فى أشعار يرويها الرواة، كان يرثى فيها أباه ويحضه على البيعة لابنه من مثل قوله (٥):
اصبر يزيد فقد فارقت ذامقة ... واشكر حباء الذى بالملك حاباكا
لا رزء أعظم فى الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا
أصبحت راعى أهل الدين كلّهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا
وفى معاوية الباقى لنا خلف ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
ونمضى إلى عصر المروانيين، وأول من نلقاه من شعرائهم أبو العباس (٦) الأعمى الشاعر المكى مولى بنى الدّئل يقول أبو الفرج الأصبهانى: «كان من شعراء بنى أمية المعدودين المقدّمين فى مدحهم والتشيع لهم وانصباب الهوى إليهم» ونراه حين غلب ابن الزبير على الحجاز ونفى عنه الأمويين وعلى رأسهم مروان ابن الحكم يبكيهم بأشعار كثيرة من مثل قوله:
ولم أر حيّا مثل حىّ تحمّلوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت (٧)
أعزّ وأمضى حين تشتجر القنا ... وأعلم بالمسكين حيث يبيت
стр. 759
إذا مات منهم سيّد قام سيد ... بصير بعورات الكلام زميت (١)
وقوله:
ليت شعرى أفاح رائحة المس ... ك وما إن أخال بالخيف أنسى (٢)
حين غابت بنو أميّة عنه ... والبهاليل من بنى عبد شمس
خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس
لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس
وبلغ ابن الزبير نبذ من كلامه وأنه يمدح عبد الملك ويرسل له بجوائزه وصلاته، فنفاه إلى الطائف، وهناك أخذ يهجوه وآله هجاء مرّا، محرضا عبد الملك على حربه، وعلى نحو ما كان ينحرف عن ابن الزبير كان ينحرف عن بنى هاشم، وفى ذلك يقول لأبى الطفيل عامر بن واثلة وكان شيعيّا:
لعمرك إننى وأبا طفيل ... لمختلفان والله الشهيد
لقد ضلّوا بحب أبى تراب ... كما ضلّت عن الحق اليهود
ويقال إنه أدرك دولة بنى العباس، وتروى له أشعار مختلفة-إن صحت-فى بكاء الأمويين، يتفجع فيها عليهم ويتحسر تحسرا شديدا من مثل قوله:
خلت المنابر والأسرّة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
وممن كان يلهج بهم ويقف فى صفوفهم نابغة بنى شيبان (٣) عبد الله بن المخارق، ويستظهر أبو الفرج أنه كان نصرانيّا، لحلفه بالإنجيل والرهبان والأيمان التى يحلف بها النصارى، وفى ديوانه أشعار كثيرة تدل أنه اعتنق الإسلام من مثل قوله:
ويزجرنى الإسلام والشّيب والتّقى ... وفى الشّيب والإسلام للمرء زاجر
стр. 760
وكان منقطعا إلى عبد الملك، فلما همّ بخلع أخيه عبد العزيز وتولية ابنه الوليد العهد مثل بين يديه ينشده قصيدة طويلة يقول فى تضاعيفها:
لابنك أولى بملك والده ... ونجم من قد عصاك مطّرح
فعلم الناس أن هذا هو رأى عبد الملك. وظل من بعده يمدح أبناءه، وله تهنئة طويلة ليزيد حين قضى أخوه مسلمة على ابن المهلب. ولزم بعده ابنه الوليد، وله فيه مدائح كثيرة، وكان من هواه فى الخمر والشراب، وله فيها أشعار طريفة.
وعلى شاكلته فى الانتصار لبنى مروان أعشى قبيلته عبد (١) الله بن خارجة، وكان شديد التعصب لهم، وله فى عبد الملك مدائح كثيرة، يحضه فيها على حرب ابن الزبير والقضاء عليه من مثل قوله:
آل الزبير من الخلافة كالتى ... عجل النّتاج بحملها فأحالها (٢)
قوموا إليهم لا تناموا عنهم ... كم للغواة أطلتم إمهالها
إن الخلافة فيكم لا فيهم ... ما زلتم أركانها وثمالها (٣)
أمسوا على الخيرات قفلا مغلقا ... فانهض بيمنك فافتتح أقفالها
ومن شعراء بنى أمية أبو عطاء (٤) السّندىّ مولى بنى أسد، وكانت فيه لكنة سبق أن تحدثنا عنها وكان من شعراء يزيد بن عمر بن هبيرة آخر ولاة الأمويين على العراق، ولما قتله العباسيون رثاه مراثى بديعة. وقد عاش إلى أيام المنصور، ونراه يبكى بنى أمية حين سقطت دولتهم هاجيا العباسيين فى أشعار كثيرة من مثل قوله:
يا ليت جور بنى مروان عاد لنا ... وأنّ عدل بنى العباس فى النار
وقوله:
بنى هاشم عودوا إلى نخلاتكم ... فقد قام سعر التّمر صاعا بدرهم
فإن قلتم رهط النبىّ وقومه ... فإن النصارى رهط عيسى بن مريم
стр. 761
وبجانب هؤلاء الشعراء كثيرون كانوا لا ينقطعون لبنى أمية، ولكنهم كانوا يمدحونهم من حين إلى حين، منوهين بأن الأمة لا تصلح إلا عليهم، ولا تتم لها سعادتها إلا بهم، وكانوا لا يزالون يقولون إنهم المختارون للأمة على شاكلة قول الأحوص فى الوليد بن عبد الملك (١):
تخيّره ربّ العباد لخلقه ... وليّا وكان الله بالناس أعلما
وقد يصعدون بهم فيشهونهم بالأنبياء، يقول يزيد بن الحكم فى سليمان (٢):
سمّيت باسم امرئ أشبهت شيمته ... عدلا وفضلا سليمان بن داودا
أحمد به فى الورى الماضين من ملك ... وأنت أصبحت فى الباقين محمودا
وكان فى زهد عمر بن عبد العزيز مدد لهم لا ينفد فى تصوير تقواه وانصرافه عن الدنيا ومتاعها الزائل على نحو ما أسلفنا عند كثيّر، ويقول العبلى فى هشام بن عبد الملك وأسلافه (٣):
يقطعون النهار بالرأى والحز ... م ويحيون ليلهم بالسجود
والغريب أن نجد هذا التصوير يمتدّ حتى إلى من عرفوا منهم بالمجون مثل الوليد بن يزيد، وفيه يقول يزيد بن ضبّة (٤):
إمام يوضح الحقّ ... له نور على نور
ولما اضطربت الدولة فى عهده وعهد خلفائه، وأخذوا يحتربون ويقتل بعضهم بعضا، وبدت فى الأفق النّذر بزوال حكمهم كتب نصر بن سيار واليهم على خراسان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة واليهم على العراق يستنصره وينبئه عن تحرك الشيعة فى دياره قائلا (٥):
أرى خلل الرّماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون له اضطرام
فقلت من التعجب ليت شعرى ... أأيقاظ أميّة أم نيام
فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد طال المنام
стр. 762
ولم تلبث الثورة عليهم أن اندلعت، وقوّضت حكمهم سنة ١٣٢ للهجرة بين عويل كثير من الشعراء وبكائهم، على نحو ما أسلفنا عند أبى عطاء السندى ونقف الآن عند شاعرين مهمين من شعرائهم.
عبد الله (١) بن الزّبير
كوفى المنزل والمنشأ من بنى أسد «كان من شيعة بنى أمية وذوى الهوى فيهم والتعصب والنصرة على عدرهم» ونراه يلهج بالشعر منذ خلافة معاوية، وحدث أن فسد ما بينه وبين عبد الرحمن بن أم الحكم واليه على الكوفة فأخذ يهجوه، ويقال إن يزيد بن معاوية هو الذى كان يغريه على ذلك، إذ كان يبغض ابن أم الحكم، ولما طلبه استجار منه بمروان بن الحكم وهو على المدينة فأجاره، ومدحه. ونراه يمدح عمرو بن عثمان مديحا رائعا، إذ يقول:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت
رأى خلّتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت (٢)
ويمدح أسماء بن خارجة، ويقال إنه شفع له عند ابن أم الحكم، فعفا عنه، ولم يكتف أسماء بذلك فقد وصله وجعل له ولعياله عطاء دائما، مما جعله يشيد به بمثل قوله:
ولا مجد إلا مجد أسماء فوقه ... ولا جرى إلا جرى أسماء فاضله
فتى لا يزال الدهر ما عاش مخصبا ... ولو كان بالموماة تخدى رواحله (٣)
وعزل ابن أم الحكم عن الكوفة وضمّت إلى عبيد الله بن زياد مع البصرة، فلزمه يمدحه وينوّه به فى قصائد كثيرة، ومن قوله فيه:
تصافى عبيد الله والمجد صفوة ال ... حليفين ما أرسى ثبير ويثرب (٤)
وأنت إلى الخيرات أولّ سابق ... فأبشر فقد أدركت ما كنت تطلب
стр. 763
ويتوفى يزيد بن معاوية، وتموج الفتنة بالعراق، فيفر ابن زياد إلى الشام وتخلص الكوفة للمختار الثقفى فيتحول إليه ابن الزّبير يتوعده ويتهدّده بكتائب المروانيين. ويغلب مصعب على الكوفة ويؤتى به أسيرا، فيمنّ عليه ويصله ويحسن إليه، فيمدحه، ولكنه لا ينتقل بولائه إلى أخيه عبد الله، إذ نراه يهجوه حين يبلغه قتله لبعض شيعة بنى أمية، وله يقول:
أيها العائذ فى مكة كم ... من دم أهرقته فى غير دم
أيد عائذة معصمة ... ويد تقتل من حلّ الحرم
ولما قضى عبد الملك على مصعب، وخلص له العراق، وأرسل الحجاج للقضاء على ابن الزبير بمكة مضى ينذره بسوء المصير قائلا:
كأنى بعبد الله يركب ردعه ... وفيه سنان زاعبىّ محرّب (١)
وقد فرّ عنه الملحدون وحلّقت ... به وبمن آساه عنقاء مغرب (٢)
تولّوا فخلّوه فشال بشلوه ... طويل من الأجذاع عار مشذّب (٣)
بكفّى غلام من ثقيف نمت به ... قريش وذو المجد التّليد معتّب
ويلزم بشر بن مروان فى ولايته على العراق، ويمدحه مدائح كثيرة وقد توفّى فى خلافة عبد الملك، ويظهر أنه لم يعش طويلا بعد بشر، ويقال إنه عمى بأخرة، ويقول أبو الفرج إنه كان هجاء يرهب شره.
عدى (٤) بن الرّقاع
من عاملة إحدى قبائل قضاعة، كان منزله بدمشق، وهو بذلك يسلك فى حاضرة الشعراء. وكان مقدّما عند بنى أمية-كما يقول أبو الفرج مدّاحا
стр. 764
لهم، خاصّا منهم بالوليد بن عبد الملك. ونراه يشترك فى مخاصمات أشراف قبيلته لعهد يزيد بن معاوية. ولما أشرعت الأسنة بين القبائل اليمنية وقيس فى الشام ناصر قومه وبنى أمية. ونراه مع عبد الملك فى حربه لمصعب بن الزبير، وله يمدحه مفاخرا بنصرتهم له:
لعمرى لقد أصحرت خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب (١)
يهزّون كلّ طويل القنا ... ة ملتئم النّصل والثّعلب (٢)
تقدّمنا واضح وجهه ... كريم الضرائب والمنصب (٣)
أعين بنا ونصرنا به ... ومن ينصر الله لم يغلب
ولا نكاد نمضى فى عصر الوليد بن عبد الملك حتى نجده يقربه منه ويتخذه شاعره الرسمى، حتى ليعليه على جرير فى بعض مجالسه، ويثور جرير، ويهجوه، فيتدخل الوليد ويتهدده إن عاد إلى هجائه. ويظل فى رعايته يصفيه مدائحه، ويتغنى له فيها المغنون، ومما غنّى له ابن سريج فيه قوله:
صلّى الذى الصّلوات الطيّبات له ... والمؤمنون إذا ما جمّعوا الجمعا
هو الذى جمع الرحمن أمّته ... على يديه وكانوا قبله شيعا
إن الوليد أمير المؤمنين ... ملك عليه أعان الله فارتفعا
وقوله:
صلّى الإله على امرئ ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها
أولا ترى أن البريّة كلّها ... ألقت خزائمها إليه فقادها (٤)
ولقد أراد الله إذ ولاّكها ... من أمّة إصلاحها ورشادها
أعمرت أرض المسلمين فأقبلت ... ونفيت عنها من يروم فسادها
стр. 765
وأصبت فى أرض العدوّ مصيبة ... عمّت أقاصى غورها ونجادها
ظفرا ونصرا ما تناول مثله ... أحد من الخلفاء كان أرادها
وإذا نشرت له الثناء وجدته ... جمع المكارم طرفها وتلادها (١)
وعلى هذا النحو كان يمدح الوليد مدحا مبالغا فيه مفرطا، محاولا بكل ما يستطيع أن يخلع عليه هالة من القداسة، فهو قد اصطفاه الله للأمة واختاره لسياستها وصلاح شئونها ورشاد أمورها والتئام شعثها، وقد انقادت إليه بأزمتها، والله يتم عليه نعمته، وهى تصلى له وتدعو بالتوفيق بل إن الله فى علاه ليصلى عليه كما يصلى على نبيه محمد المصطفى. ويصور حسن سياسته الداخلية، وكيف أعمر أرض المسلمين حتى ازدهرت وآتت أكلها، وإنه ليحوطها بجنده منزلا على أعدائها صواعقه، فتمحقهم محقا.
وفى أشعاره ما يدل على أنه كان يعنى بها عناية شديدة إذ ما يزال يصقلها ويشذبها حتى تلين له متونها، مرددا فيها نظره مجيلا عقله، يقول:
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها (٢)
نظر المثقّف فى كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها (٣)
واشتهر بين القدماء بأنه كان يحسن وصف الإبل وحمر الوحش والظباء، ومن بديع وصفه لظبية ترتعى ومعها شادنها أو ابنها قوله:
تزجى أغنّ كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها (٤)
ويشبه امرأة بجؤذر، فيقول:
وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم (٥)
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت ... فى عينه سنة وليس بنائم (٦)
стр. 766
ونراه يصف سنابك حمارى الوحش حين يعدوان فى الصحراء ويثيران من حولهما الغبار وصفا طريفا إذ يقول:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها
تطوى إذا علوا مكانا ناشزا ... وإذ السنابك أسهلت نشراها
وله فى النسيب أبيات تدل على دقة حسّه من مثل قوله:
ولقد تبيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا يسرى يدىّ وسادها
ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل على أنه كان شاعرا بارعا، وأنه كان يطلب فى شعره أن يأتى بالصور الطريفة والأخيلة المبتكرة والأحاسيس الدقيقة.
стр. 767
الفصل الخامس
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغزل الصريح
رأينا فى حديثنا عن مراكز الشعر لهذا العصر كيف تحضرت المدينة ومكة وغرقتا إلى آذانهما فى الرّفه والنعيم، بتأثير ما صبّ فيهما من أموال الفتوح والرقيق الأجنبى، وكيف أخذ هذا الرقيق يسدّ حاجة الشباب المتعطّل من اللهو بما كان يقدّم له من غناء وموسيقى، وقد استطاع من خلال ملاءمته بين الغناء العربى القديم وما ثقفه من غناء الفرس والروم أن ينفذ إلى نظرية جديدة وضع على أساسها الألحان والأنغام التى وقّع عليها الشعر، وظلت هذه النظرية مسيطرة على غنائنا العربى قرونا طويلة.
ويخيّل إلى الإنسان كأنما فرغت المدينتان الكبيرتان فى الحجاز للغناء، فالناس يختلفون فيهما إلى المغنين والمغنيات، حتى النّسّاك والفقهاء، فليس هناك من لا ينعم بالغناء، حتى النساءكن يتخذن الأسباب لسماعه فى مجالسهن. وفى كتاب الأغانى أخبار كثيرة تصور كلف سكان المدينتين به وأنه أصبح شغلهم الشاغل (١). وقد شاعت فى هذا الجو المعطرة أنفاسه بالموسيقى موجة واسعة من المرح، ورقيت الأذواق ودقت الأحاسيس وعاش الشعراء للحب والغزل فهو الموضوع الذى كان يطلبه المغنون والمغنيات ويستهوى الناس من رجال ونساء.
وبذلك كادت تختفى من المدينتين الموضوعات الأخرى للشعر، فقلما نجد فيهما مديحا أو هجاء، إنما نجد الغزل يشيع على كل لسان. وأخذ يتطور بتأثير الغناء الذى عاصره تطورا واسعا، إذ أصبحت كثرته مقطوعات قصيرة، وعدل الشعراء إلى الأوزان الخفيفة من مثل الرّمل والسريع والخفيف والمتقارب والهزج
стр. 768
والوافر، كما عدلوا إلى مجزوءات الأوزان الطويلة من مثل الكامل والبسيط والرجز، بل لقد مالوا إلى تجزئة الأوزان الخفيفة من مثل الخفيف والرمل والمتقارب، حتى يعطوا للمغنين والمغنيات الفرصة كاملة كى يلائموا بين أشعارهم وألحانهم وأنغامهم التى يوقّعونها على آلاتهم الوترية وطبولهم الموسيقية، فيطيلوا أو يقصروا ويجهروا فى مواضع الجهر ويهمسوا فى مواضع الهمس. وليس ذلك فقط ما أثّر به الغناء الأموى فى الغزل الذى عاصره، فقد دفع الشعراء إلى اصطناع الألفاظ العذبة السهلة، حتى يرضوا أذواق المستمعين فى هذا المجتمع المتحضر الذى يخاطبونه. وكانت هذه أول دفعة قوية نحو تصفية الشعر العربى من ألفاظه البدوية الجافية.
ولم يختلف هذا الغزل الجديد عن الغزل الجاهلى القديم فى صورته الموسيقية والأسلوبية فحسب، فقد أخذ يختلف أيضا فى صورته المعنوية، إذ لم يعد تشبيبا بالديار وبكاء على الأطلال، كما كان الجاهليون يصنعون فى جمهور غزلهم، بل أصبح غالبا تصويرا لأحاسيس الحب التى سكبها المجتمع الجديد فى نفوس الشعراء. وهو مجتمع ظفرت فيه المرأة العربية بغير قليل من الحرية، فكانت تلقى الرجال وتحادثهم، وكانت-شأن المرأة فى كل عصر-تعجب بمن يصف جمالها وتعلق القلوب بها. وينبغى أن نفرق بين الحرية والإباحية، ففى الأولى يبقى للمرأة وقارها وعفافها، وفى الثانية تصبح ممتهنة تقبل على اللهو والعبث والمجون، لا يردّها وقار ولا حشمة ولا خلق.
وحقّا برزت المرأة فى مكة والمدينة للشباب فى هذا العصر، ولكنها ظلت تحتفظ بحجاب من الوقار، كانت فيه لا تضيق بما يقال فيها من غزل، بل لعلها كانت تحبّ فيه أن يحظى بغير قليل من الحرارة. وبذلك نفهم إقبال الثّريّا بنت على بن عبد الله الأموية فى مكة وسكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة فى المدينة على هذا الغزل، بل لقد مرّ بنا أن ابن قيس الرقيات كان يتغنى بنساء ممدوحه مصعب بن الزبير، وتغنّى بأم البنين فى مدائحه لعبد الملك، ولم يجد أحدهما فى ذلك حرجا.
وعلى هذا النحو كان الناس رجالا ونساء فى مكة والمدينة يقبلون على شعر
стр. 769
الغزل، وأخذ الشعراء يخضعون ملكاتهم وعواطفهم له، منهم من يتحفظ، فيكظم حبه فى نفسه، فإذا هو حب عذرى نقى طاهر، وهم أصحاب التقوى والورع مثل عبد الرحمن بن أبى عمّار الجشمىّ ناسك مكة وعروة بن أذينة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة فقيهى المدينة. ومنهم من لا يتحفظ، بل يصرح بحبه وزياراته لمحبوباته، وهم الجمهور الأكثر، وعلى رأسهم عمر بن أبى ربيعة والأحوص والعرجىّ، فهم جميعا يطلبون المرأة ويلحون فى الطلب، وهم جميعا يلقون من حولها شباك الإغراء، ولا بأس أحيانا من أن يستفزوا أهلها بما يثيرون فى نفوسهم من ريبة، وبلغ من تيه عمر فى ذلك أن رأيناه يصورها متهالكة عليه تتضرع إليه وتستعطفه، ونحن نقف قليلا عنده وعنده صاحبيه، لتتضح لنا صورة هذا الغزل الصريح.
عمر (١) بن أبى ربيعة
فى بيت قرشى واسع الثراء، هو بيت بنى مخزوم، ولد عمر فى سنة ٢٣ للهجرة، لأبيه عبد الله بن أبى ربيعة، ولأم يمنية أو حضرمية تسمى مجدا. وكان أبوه فى الذروة من قومه ثراء، واستعمله الرسول ﷺ واليا على إقليم من اليمن يسمى الجند، وظل عليه فى عهد عمر وعثمان، حتى إذا حصر الأخير جاء لينصره فسقط عن راحلته قرب مكة فمات سنة خمس وثلاثين.
وهو أحد من نزل بأهله فى مكة بعد هجرتهم (٢)، وفيها ولد له عمر، وبها نشأ، ترعاه عين أمه الغريبة، وكان جميلا فدللته، يؤازرها فى ذلك ما ورثه عن أبيه من أموال وفيرة.
وإذن فعمر شاعر مكى، وليس بصحيح أنه من أهل المدينة كما توهم
стр. 770
بعض المعاصرين، وبنوا دراستهم له على هذا الوهم (١)، وفى الكامل للمبرد إشارات لذلك كثيرة تنقض هذا الوهم نقضا (٢) ومما يشهد لذلك شهادة قاطعة قوله:
وأنا امرؤ بقرار مكّة مسكنى ... ولها هواى فقد سبت قلبى
وقد عاش حياته للغزل الصريح، ويسّر له ثراؤه هذه المعيشة، فالدنيا دائما مشرقة باسمة من حوله، والمغنون والمغنيات من أهل مكة مثل ابن سريج وابن مسجح والغريض يلزمونه ويغنونه فى شعره، حتى لنظن أنهم كانوا يقاسمونه حياته، فضلا عما كان يعطيهم من عطايا جزيلة (٣). ويقول الرواة إنه كان ببيته مغنيتان تغنيانه فى أشعاره هما بغوم وأسماء. وسرعان ما يطير غزله إلى المدينة، فإذا مغنوها ومغنياتها من مثل معبد وجميلة يغنون فيه، ويلم بالمدينة كثيرا، ويصبح أكبر غزل فى عصره، ولهذا لم يكن غريبا أن يخلّف أضخم ديوان لا فى عصره فحسب، بل فى جميع العصور العربية.
وهو فى غزله يخضع ملكاته لفن الغناء الذى عاصره، إذ يستخدم الأوزان الخفيفة والمجزوءة، حتى يحمّلها المغنون والمغنيات ما يريدون من ألحان وإيقاعات كما يستخدم لغة سهلة، فيها عذوبة وحلاوة، حتى تفسح لهم فى روعة النغم.
ونراه لا يصطنع أى ثوب من ثياب التكلف، بل يظهرنا على حقيقته فى غزله وأنه لا يزال يتخذ الشباك لكل امرأة جميلة فى مكة، وتحوّل إلى مواسم الحج، يعلن حبه إعلانا لكل امرأة ذات حسن يلقاها، يقول:
يقصد الناس للطواف احتسابا ... وذنوبى مجموعة فى الطّواف
وتذهب مواسم الحج، فيتصدّى لكل فتاة جميلة بمكة، وخاصة الثريا بنت على الأموية. وينزل المدينة فيتصدى للقرشيات الجميلات بها من مثل سكينة بنت الحسين وزينب الجمحيّة. وعلى هذا النحو كان لا يزال يتغزل فى فتيات قريش النبيلات، ومن ثم وصف ترفهن وما كنّ فيه من نعيم، وديوانه من خير الدواوين التى تصوّر ما غرقت فيه القرشيات لهذا العصر من حضارة
стр. 771
وحلىّ وطيب، على نحو ما نرى فى قوله:
قالت ثريّا لأتراب لها قطف ... قمن نحيّى أبا الخطّاب من كثب (١)
فطرن طيرا لما قالت وشايعها ... مثل التماثيل قد موّهن بالذهب
يرفلن فى مطرفات السّوس آونة ... وفى العتيق من الدّيباج والقصب (٢)
ترى عليهن حلى الدّرّ متّسقا ... مع الزبرجد والياقوت كالشهب
ونراه أحيانا يلهج بصبابته وحبه وما يذوق من وجد وألم، متلطفا لصاحبته، ملحّا على أن تواصله بودها، مستعطفا، متضرعا، بمثل قوله:
ما كنت أشعر إلا مذ عرفتكم ... أن المضاجع تمسى تنبت الإبرا
قد لمت قلبى وأعيانى بواحدة ... فقال لى: لا تلمنى وادفع القدرا
ولكن هذا يأتى نادرا فى غزله، إذ قلما يشكو من هجر أو يتألم لصدّ، فقد تحول بشعره يملؤه تيها بنفسه. ويقال إنه كان جميلا، وكأنما انعكست فيه صورة الحب، فهو لا يشكو الغرام والعشق، بل محبوبته هى التى تشكو من ذلك، فهى التى تحيطه بشباك التضرع والاستعطاف، وهى التى ما تنى مسهّدة تتعذب فى حبه وتتمنى لو تراه. واسمعه يقول على لسان إحدى صواحبه:
تقول إذ أيقنت أنى مفارقها ... يا ليتنى متّ قبل اليوم يا عمرا
ويقول على لسان ثانية:
ما وافق النفس من شئ تسرّ به ... وأعجب العين إلا فوقه عمر
ويقول عن ثالثة:
قد حلفت ليلة الصّورين جاهدة ... وما على المرء إلا الحلف مجتهدا (٣)
لأختها ولأخرى من مناصفها ... لقد وجدت به فوق الذى وجدا (٤)
لو جمّع الناس ثم اختير صفوهم ... شخصا من الناس لم أعدل به أحدا
стр. 772
ويصور شغل ثلاث أخوات به، فيقول:
قالت الكبرى أتعرفن الفتى ... قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصّغرى وقد تيّمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر
ولم يقف بإعجاب المرأة به عند ذلك الحد، فقد أخذ يصور كلفها به وتصدّيها له، وأنها تدور حوله لعلها تجد سبيلا إليه، وهو فى أثناء ذلك يتدلل ويتمنع، وهى تسعى إلى الوصول منتهزة كل فرصة، حتى بين مشاعر الحج، يقول:
قالت لترب لها تحدّثها ... لنفسدنّ الطّواف فى عمر
قومى تصدّى له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرّت تسعى على أثرى (١)
وعلى هذا النحو نراه فى غزله، يوقد قلوب الفتيات حبّا، وهن يتمنين عطفه وحنانه، وبذلك يعكس الصورة المألوفة فى الغزل العربى، إذ لا يزال الشاعر يطلب ويأمل ويتضرع ويرجو العطف والحنان، بل لا يزال يعلن العشق والهيام مسترحما مستعطفا، أما عند عمر فهذا كله موجود ولكن لا فى تصوير حبه هو وإنما فى تصوير حب الفتيات والنساء له وما يوقد به قلوبهن من العشق والصبابة.
فعمر فى غزله معشوق لا عاشق، أو على الأقل فى جمهور هذا الغزل، ويستتمّ خطوط هذه الصورة لا بإعلان الفتيات والنساء حبهن له فحسب، بل أيضا بما يصفن من خطوب هذا الحب، فهن يتحدثن عن هجرانه، وهن يذقن مرارة الغيرة ويصطلين بنارها المحرقة، وهن يتألمن من الوشاة ومن فقدهن لعطفه وأنهن لا يجدن عنده إلا الإعراض والصّدوف، يقول على لسان إحداهن:
أمن أجل واش كاشح بنميمة ... مشى بيننا صدّقته لم تكذّب
وأتاح له ذلك أن يصور عواطف المرأة ونفسيتها وما يتعمقها من دقائق الحب وما يثير فى قلبها من المشاعر الرقيقة، وكيف تتخذ الأسباب لاسترضاء عاشقها حين تراه ينصرف عنها، وكيف تتقدم لها بعض صديقاتها تحاول أن تعيد الصفاء بينهما، يقول:
стр. 773
قالت على رقبة يوما لجارتها ... ما تأمرين فإن القلب قد شغلا (١)
فجاوبتها حصان غير فاحشة ... برجع قول وأمر لم يكن خطلا
اقنى حياءك فى ستر وفى كرم ... فلست أول أنثى علّقت رجلا (٢)
لا تظهرى حبّه حتى أراجعه ... إنى سأكفيكه إن لم أمت عجلا
وترضى خطّتها وتوصيها أن تكذّب عنده الوشاة، وتتوسل إليها أن لا تسرف فى لومه وعذله:
فإن عهدى به والله يحفظه ... وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا
وتكثر الرسل بينه وبين محبوباته فى ديوانه. ونراه يعمد إلى مراسلة بعضهن، على شاكلة هذه الرسالة التى أرسل بها إلى الثريا، وقد سار عنها أو سارت عنه:
كتبت إليك من بلدى ... كتاب مولّه كمد
كئيب واكف العين ... ين بالحسرات منفرد (٣)
يؤرّقه لهيب الشّو ... ق بين السّحر والكبد (٤)
فيمسك قلبه بيد ... ويمسح عينه بيد
وتردّ عليه الثريا شعرا (٥)، وهو يعد أول من اتخذ هذا الأسلوب من تبادل الرسائل بينه وبين صواحبه، وقد تبعه فيه العباسيون.
ومن أهم ما يطبع غزله هذا الحوار القصصى الذى رأيناه على لسان محبوباته يصفن فيه لجاراتهن وأخواتهن وجواريهن حبهن له وهيامهن به. ونراه يعمد أحيانا إلى تصوير اقتحامه لليل والأهوال والأحراس على بعض صواحبه على نحو ما نعرف فى قصيدته:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر (٦)
стр. 774
ويمضى فيصور قضاءه الليل فى الحديث معها حتى تباشير الصباح، وكأنه فى ذلك يحاكى امرأ القيس فى معلقته إذ يصف بعض مغامراته، ولكن خلافا واضحا يقوم بينهما، فامرؤ القيس يغامر مع نساء متزوجات، أما عمر فيغامر مع فتيات نبيلات، وهى عنده مغامرات لا تتعدى اللقاء والمتعة بالحديث.
وعمر من هذه الناحية صريح ولكنها صراحة لا تنتهى إلى إباحية ولا إلى إثم. ومن ثمّ كنا ننفى القصص التى تزعم أن بعض الخلفاء حين حج نفاه إلى الطائف أو إلى دهلك إحدى جزر البحر الأحمر، ونظن ظنّا أن هذا من انتحال الرواة.
ويقولون إنه مات وقد قارب السبعين أو جاوزها (١)، وإذا صح ذلك يكون قد توفّى حوالى سنة ثلاث وتسعين للهجرة.
الأحوص (٢)
أوسى من الأنصار من أهل المدينة، اسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم ابن ثابت، وجده عاصم حمىّ الدّبر أى النّحل، إذ بعثه الرسول ﷺ إلى بنى لحيان فى نفر، فحاربوهم فى يوم يسمى يوم الرّجيع. ولما قتلوه أرادوا أن يصلبوه، فحمته الدبر منهم نهارا حتى إذا جنّ الليل أمطرت السماء فاحتمله السّيل، فسمّى حمىّ الدبر. وخال أبيه حنظلة بن أبى عامر الذى قتل يوم أحد وقال عنه الرسول إن الملائكة لتغسله، وقد افتخر بهما الأحوص جميعا، فقال:
غسّلت خالى الملائكة الأبرار ... ميتا طوبى له من صريع
وأنا ابن الذى حمت لحمه الدّبر ... قتيل الّلحيان يوم الرّجيع
وإنما لقب الأحوص لحوص كان فى عينيه، وهو ضيق فى مؤخرهما.
ويقال إنه كان أحمر شديد الحمرة. وهو مثل ابن أبى ربيعة عاش للحب
стр. 775
والغزل، غير أنه فيما يظهر لم يكن ثريّا، ومن ثمّ كان يرحل كثيرا إلى دمشق يمدح خلفاء بنى أمية وينال عطاياهم الجزيلة، يقول:
وما كان مالى طارفا من تجارة ... وما كان ميراثا من المال متلدا
ولكن عطايا من إمام مبارك ... ملا الأرض معروفا وجودا وسؤددا
وله مدائح مختلفة فى الوليد بن عبد الملك وعبد العزيز بن مروان وعمر ابنه ويزيد بن عبد الملك. وأخباره تدل على أنه كان فيه طيش شديد، ولعله من أجل ذلك كان يصطدم بكثير من معاصريه، فيهجوهم هجاء قبيحا. وهو فى غزله شديد الصبابة، يستأثر الحب بقلبه ويملك عليه كل شئ، حتى ليقول:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
فالحب الحياة ومن لم يعشق عدّ من الأموات، بل من الجماد، بل من الحجارة أو أشد قسوة. وهو يعلن حبه إعلانا، يعلن صبوته وثورة نفسه. وكان فاسد الخلق، فانصرفت الفتيات والنساء عنه، إذ رأينه يذهب بعيدا فى التصريح، على شاكلة قوله:
تعرّض سلماك لما حرم ... ت ضلّ ضلالك من محرم (١)
تريد به البرّ يا ليته ... كفافا من البرّ والمأثم (٢)
وأشعاره فى أم جعفر الأوسية أنقى غزلياته، وكانت تدفعه عنها دفعا شديدا، وكذلك كان يدفعه عنها أخوها أيمن، حتى ليروى أنه أصلاه يوما سياطا حامية، وفيها يقول:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور
أزور البيوت اللاصقات ببيتها ... وقلبى إلى البيت الذى لا أزور
وما كنت زوّارا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بد أن سيزور