← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وحلىّ وطيب، على نحو ما نرى فى قوله: قالت ثريّا لأتراب لها قطف ... قمن نحيّى أبا الخطّاب من كثب (١) فطرن طيرا لما قالت وشايعها ... مثل التماثيل قد موّهن بالذهب يرفلن فى مطرفات السّوس آونة ... وفى العتيق من الدّيباج والقصب (٢) ترى عليهن حلى الدّرّ متّسقا ... مع الزبرجد والياقوت كالشهب ونراه أحيانا يلهج بصبابته وحبه وما يذوق من وجد وألم، متلطفا لصاحبته، ملحّا على أن تواصله بودها، مستعطفا، متضرعا، بمثل قوله: ما كنت أشعر إلا مذ عرفتكم ... أن المضاجع تمسى تنبت الإبرا قد لمت قلبى وأعيانى بواحدة ... فقال لى: لا تلمنى وادفع القدرا ولكن هذا يأتى نادرا فى غزله، إذ قلما يشكو من هجر أو يتألم لصدّ، فقد تحول بشعره يملؤه تيها بنفسه. ويقال إنه كان جميلا، وكأنما انعكست فيه صورة الحب، فهو لا يشكو الغرام والعشق، بل محبوبته هى التى تشكو من ذلك، فهى التى تحيطه بشباك التضرع والاستعطاف، وهى التى ما تنى مسهّدة تتعذب فى حبه وتتمنى لو تراه. واسمعه يقول على لسان إحدى صواحبه: تقول إذ أيقنت أنى مفارقها ... يا ليتنى متّ قبل اليوم يا عمرا ويقول على لسان ثانية: ما وافق النفس من شئ تسرّ به ... وأعجب العين إلا فوقه عمر ويقول عن ثالثة: قد حلفت ليلة الصّورين جاهدة ... وما على المرء إلا الحلف مجتهدا (٣) لأختها ولأخرى من مناصفها ... لقد وجدت به فوق الذى وجدا (٤) لو جمّع الناس ثم اختير صفوهم ... شخصا من الناس لم أعدل به أحدا

стр. 772

ويصور شغل ثلاث أخوات به، فيقول: قالت الكبرى أتعرفن الفتى ... قالت الوسطى نعم هذا عمر قالت الصّغرى وقد تيّمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر ولم يقف بإعجاب المرأة به عند ذلك الحد، فقد أخذ يصور كلفها به وتصدّيها له، وأنها تدور حوله لعلها تجد سبيلا إليه، وهو فى أثناء ذلك يتدلل ويتمنع، وهى تسعى إلى الوصول منتهزة كل فرصة، حتى بين مشاعر الحج، يقول: قالت لترب لها تحدّثها ... لنفسدنّ الطّواف فى عمر قومى تصدّى له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرّت تسعى على أثرى (١) وعلى هذا النحو نراه فى غزله، يوقد قلوب الفتيات حبّا، وهن يتمنين عطفه وحنانه، وبذلك يعكس الصورة المألوفة فى الغزل العربى، إذ لا يزال الشاعر يطلب ويأمل ويتضرع ويرجو العطف والحنان، بل لا يزال يعلن العشق والهيام مسترحما مستعطفا، أما عند عمر فهذا كله موجود ولكن لا فى تصوير حبه هو وإنما فى تصوير حب الفتيات والنساء له وما يوقد به قلوبهن من العشق والصبابة. فعمر فى غزله معشوق لا عاشق، أو على الأقل فى جمهور هذا الغزل، ويستتمّ خطوط هذه الصورة لا بإعلان الفتيات والنساء حبهن له فحسب، بل أيضا بما يصفن من خطوب هذا الحب، فهن يتحدثن عن هجرانه، وهن يذقن مرارة الغيرة ويصطلين بنارها المحرقة، وهن يتألمن من الوشاة ومن فقدهن لعطفه وأنهن لا يجدن عنده إلا الإعراض والصّدوف، يقول على لسان إحداهن: أمن أجل واش كاشح بنميمة ... مشى بيننا صدّقته لم تكذّب وأتاح له ذلك أن يصور عواطف المرأة ونفسيتها وما يتعمقها من دقائق الحب وما يثير فى قلبها من المشاعر الرقيقة، وكيف تتخذ الأسباب لاسترضاء عاشقها حين تراه ينصرف عنها، وكيف تتقدم لها بعض صديقاتها تحاول أن تعيد الصفاء بينهما، يقول:

стр. 773

قالت على رقبة يوما لجارتها ... ما تأمرين فإن القلب قد شغلا (١) فجاوبتها حصان غير فاحشة ... برجع قول وأمر لم يكن خطلا اقنى حياءك فى ستر وفى كرم ... فلست أول أنثى علّقت رجلا (٢) لا تظهرى حبّه حتى أراجعه ... إنى سأكفيكه إن لم أمت عجلا وترضى خطّتها وتوصيها أن تكذّب عنده الوشاة، وتتوسل إليها أن لا تسرف فى لومه وعذله: فإن عهدى به والله يحفظه ... وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا وتكثر الرسل بينه وبين محبوباته فى ديوانه. ونراه يعمد إلى مراسلة بعضهن، على شاكلة هذه الرسالة التى أرسل بها إلى الثريا، وقد سار عنها أو سارت عنه: كتبت إليك من بلدى ... كتاب مولّه كمد كئيب واكف العين ... ين بالحسرات منفرد (٣) يؤرّقه لهيب الشّو ... ق بين السّحر والكبد (٤) فيمسك قلبه بيد ... ويمسح عينه بيد وتردّ عليه الثريا شعرا (٥)، وهو يعد أول من اتخذ هذا الأسلوب من تبادل الرسائل بينه وبين صواحبه، وقد تبعه فيه العباسيون. ومن أهم ما يطبع غزله هذا الحوار القصصى الذى رأيناه على لسان محبوباته يصفن فيه لجاراتهن وأخواتهن وجواريهن حبهن له وهيامهن به. ونراه يعمد أحيانا إلى تصوير اقتحامه لليل والأهوال والأحراس على بعض صواحبه على نحو ما نعرف فى قصيدته: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجّر (٦)

стр. 774

ويمضى فيصور قضاءه الليل فى الحديث معها حتى تباشير الصباح، وكأنه فى ذلك يحاكى امرأ القيس فى معلقته إذ يصف بعض مغامراته، ولكن خلافا واضحا يقوم بينهما، فامرؤ القيس يغامر مع نساء متزوجات، أما عمر فيغامر مع فتيات نبيلات، وهى عنده مغامرات لا تتعدى اللقاء والمتعة بالحديث. وعمر من هذه الناحية صريح ولكنها صراحة لا تنتهى إلى إباحية ولا إلى إثم. ومن ثمّ كنا ننفى القصص التى تزعم أن بعض الخلفاء حين حج نفاه إلى الطائف أو إلى دهلك إحدى جزر البحر الأحمر، ونظن ظنّا أن هذا من انتحال الرواة. ويقولون إنه مات وقد قارب السبعين أو جاوزها (١)، وإذا صح ذلك يكون قد توفّى حوالى سنة ثلاث وتسعين للهجرة. الأحوص (٢) أوسى من الأنصار من أهل المدينة، اسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم ابن ثابت، وجده عاصم حمىّ الدّبر أى النّحل، إذ بعثه الرسول ﷺ إلى بنى لحيان فى نفر، فحاربوهم فى يوم يسمى يوم الرّجيع. ولما قتلوه أرادوا أن يصلبوه، فحمته الدبر منهم نهارا حتى إذا جنّ الليل أمطرت السماء فاحتمله السّيل، فسمّى حمىّ الدبر. وخال أبيه حنظلة بن أبى عامر الذى قتل يوم أحد وقال عنه الرسول إن الملائكة لتغسله، وقد افتخر بهما الأحوص جميعا، فقال: غسّلت خالى الملائكة الأبرار ... ميتا طوبى له من صريع وأنا ابن الذى حمت لحمه الدّبر ... قتيل الّلحيان يوم الرّجيع وإنما لقب الأحوص لحوص كان فى عينيه، وهو ضيق فى مؤخرهما. ويقال إنه كان أحمر شديد الحمرة. وهو مثل ابن أبى ربيعة عاش للحب

стр. 775

والغزل، غير أنه فيما يظهر لم يكن ثريّا، ومن ثمّ كان يرحل كثيرا إلى دمشق يمدح خلفاء بنى أمية وينال عطاياهم الجزيلة، يقول: وما كان مالى طارفا من تجارة ... وما كان ميراثا من المال متلدا ولكن عطايا من إمام مبارك ... ملا الأرض معروفا وجودا وسؤددا وله مدائح مختلفة فى الوليد بن عبد الملك وعبد العزيز بن مروان وعمر ابنه ويزيد بن عبد الملك. وأخباره تدل على أنه كان فيه طيش شديد، ولعله من أجل ذلك كان يصطدم بكثير من معاصريه، فيهجوهم هجاء قبيحا. وهو فى غزله شديد الصبابة، يستأثر الحب بقلبه ويملك عليه كل شئ، حتى ليقول: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا فالحب الحياة ومن لم يعشق عدّ من الأموات، بل من الجماد، بل من الحجارة أو أشد قسوة. وهو يعلن حبه إعلانا، يعلن صبوته وثورة نفسه. وكان فاسد الخلق، فانصرفت الفتيات والنساء عنه، إذ رأينه يذهب بعيدا فى التصريح، على شاكلة قوله: تعرّض سلماك لما حرم ... ت ضلّ ضلالك من محرم (١) تريد به البرّ يا ليته ... كفافا من البرّ والمأثم (٢) وأشعاره فى أم جعفر الأوسية أنقى غزلياته، وكانت تدفعه عنها دفعا شديدا، وكذلك كان يدفعه عنها أخوها أيمن، حتى ليروى أنه أصلاه يوما سياطا حامية، وفيها يقول: أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور أزور البيوت اللاصقات ببيتها ... وقلبى إلى البيت الذى لا أزور وما كنت زوّارا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بد أن سيزور

стр. 776

ويقول: وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب لك الله إنى واصل ما وصلتنى ... ومثن بما أوليتنى ومثيب أبثّك ما ألقى وفى النفس حاجة ... لها بين جلدى والعظام دبيب ومضى ينظم فيها أشعاره، وهى تزداد كرها له وازورارا عنه. ونراه مشغوفا بجميلة المغنية وناديها المشهور فى المدينة ومن كنّ فيه من الإماء مثل الذّلفاء وعقيلة وسلاّمة القس وله فيهن غزل كثير، كن يغنين فيه، من مثل قوله فى الذلفاء: إنما الذلفاء همّى ... فليدعنى من يلوم حبّب الذّلفاء عندى ... منطق منها رخيم حبّها فى القلب داء ... مستكنّ لا يريم (١) وكانت سلامة القس أكثرهن عطفا عليه وبرّا به، فنظم فيها غزلا كثيرا، يصوّر كلفه بها أشد الكلف وتهالكه عليها أشد التهالك على شاكلة قوله: يا دين قلبك منها لست ذاكرها ... إلا ترقرق ماء العين أو دمعا (٢) لا أستطيع نزوعا عن محبّتها ... أو يصنع الحبّ بى فوق الذى صنعا وزادنى كلفا فى الحب أن منعت ... وحبّ شئ إلى الإنسان ما منعا وهو فى هذا الغزل بالإماء والجوارى يختلف عن ابن أبى ربيعة الذى كان لا يتغزل كما مرّ بنا إلا بالحرائر النبيلات من القرشيات والعربيات. وهو يختلف عنه أيضا فى بعده فى التصريح، إذ كان لا يتحرج أحيانا من إباحة، ومن ثمّ شكاه أهل المدينة لأبى بكر بن حزم عامل سليمان بن عبد الملك، فأقامه على البلس للناس. ولما ولى عمر بن عبد العزيز أمر بنفيه إلى دهلك، فظل بها طوال خلافته، وولى يزيد بن عبد الملك، فشفعت له سلاّمة-وقد صارت إليه- عنده فعفا عنه. ولما ردّت إليه حريته زار دمشق، وتغنّى بيزيد وانتصاراته على ابن المهلب طويلا. ويقال إنه توفّى حوالى سنة ١١٠ للهجرة.

стр. 777

العرجى (١) لقّب هذا اللقب لضيعة له قرب الطائف تسمى العرج كان ينزل بها، وهو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، من أهل مكة. ويقول الرواة إنه كان أشقر جميل الوجه، وإنه شهر بالغزل ونحا فيه نحو عمر بن أبى ربيعة وتشبّه به فأجاد. وهو يختلف عنه من وجوه كثيرة، إذ لم تكن له نباهته فى أهله، وكان مشغوفا باللهو والصيد، وكانت فيه فتوة وفروسية، حتى عدّ فى الفرسان، ومن ثمّ اجتذبته حروب مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، فأبلى فيها بلاء حسنا، إذ كان من أفرس الناس وأرماهم وأبراهم لسهم. وهو لا يختلف فى ذلك عن عمر فحسب، بل هو يختلف معه أيضا فى أنه كان يسرف فى فتوته، حتى ليخرج إلى شئ من الإباحية، على شاكلة قوله: قالت رضيت ولكن جئت فى قمر ... هلاّ تلبّثت حتى تدخل الظّلم وقوله: باتا بأنعم ليلة حتى بدا ... صبح تلوّح كالأغرّ الأشقر فتلازما عند الفراق صبابة ... أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر (٢) وهو لا يقف بمثل هذه المعانى عند نفسه، بل يرمى بها حتى الحواج الناسكات، يقول فى إحداهن وقد سفرت عن وجه جميل: أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها ... وأدنت على الخدّين بردا مهلهلا من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفّلا ونجده يختلف إلى دار جميلة فى المدينة، ويبدو منه ما يجعلها تقسم أن لا تدخله منزلها لكثرة عبثه وسفهه، ويشفع له الأحوص عندها، فتستقبله وتغنيه فى قوله:

стр. 778

ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا ... فلم تلفه إلا مشوبا ممذّقا (١) وما من حبيب يستزير حبيبه ... يعاتبه فى الودّ إلا تفرّقا لقد سنّ هذا الحبّ من كان قبلنا ... وقاد الصّبا المرء الكريم فأعنقا (٢) وكان يمضى فى التغنى بهذا الغزل لا يخجل ولا يستحيى من الجموح فيه، إذ كان جريئا، بل كان عنيفا، وهو عنف نراه فى تتبعه للنساء المتزوجات يتغزل بهن، كما نراه فى ظلمه لمولى لأبيه قتله وسلط عبيده على امرأته، وأيضا فإننا نرى هذا العنف فى هجائه لمحمد بن هشام المخزومى، إذ أخذ يتغزل بزوجه جبرة المخزومية وأمه جيداء بنت عفيف ليفضحه بمثل قوله: عوجى علىّ فسلّمى جبر ... فيم الصّدود وأنتم سفر وقوله: عوجى علينا ربّة الهودج ... إنك إن لا تفعلى تحرجى أيسر ما نال محبّ لدى ... بين حبيب قوله عرّج نقض إليكم حاجة أو نقل ... هل لى مما بى من مخرج فلما ولى محمد إمارة مكة لهشام بن عبد الملك أقامه على البلس وحبسه، وظل فى سجنه تسع سنوات إلى أن مات، وله أشعار كثيرة يأسى فيها على ما صار إليه من عذاب السجن، يقول فيها بيته المشهور: أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر (٣) ومما يستجاد له قوله: ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه ... إن التخلّق يأتى دونه الخلق ويقال إن الوليد بن يزيد اقتصّ للعرجى من محمد بن هشام المخزومى حين صارت الخلافة إليه، إذ لم يرع حرمة قرشيته ونسبه فى بنى أمية.

стр. 779

٢ - شعراء الغزل العذرى الغزل العذرى غزل نقى طاهر ممعن فى النقاء والطهارة، وقد نسب إلى بنى عذرة إحدى قبائل قضاعة التى كانت تنزل فى وادى القرى شمالى الحجاز، لأن شعراءها أكثروا من التغنّى به ونظمه، ويروى أن سائلا سأل رجلا من هذه القبيلة ممن أنت؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا، ويروى أيضا أن سائلا سأل عروة بن حزام العذرى صاحب عفراء: أصحيح ما يروى عنكم من أنكم أرق الناس قلوبا؟ فأجابه: نعم والله لقد تركت ثلاثين شابّا قد خامرهم الموت وما لهم داء إلا الحب. ولم تقف موجة الغزل العذرى لهذا العصر عند عذرة وحدها، فقد شاع فى بوادى نجد والحجاز، وخاصة بين بنى عامر، حتى ليصبح ظاهرة عامة تحتاج إلى تفسير، ولا شك فى أن تفسيرها يرجع إلى الإسلام الذى طهر النفوس، وبرّأها من كل إثم. وكانت نفوسا ساذجة لم تعرف الحياة المتحضرة فى مكة والمدينة ولا ما يطوى فيها من لهو وعبث ومن تحلل أحيانا من قوانين الخلق الفاضل على نحو ما مرّ بنا عند الأحوص والعرجى، وهى من أجل ذلك لم تعرف الحب الحضرى المترف ولا الحب الذى تدفع إليه الغرائز، فقد كانت تعصمها بداوتها وتديّنها بالإسلام الحنيف ومثاليته السامية من مثل هذين اللونين من الحب، إنما تعرف الحب العفيف السامى الذى يصلى المحب بناره ويستقر بين أحشائه، حتى ليصبح كأنه محنة أو داء لا يستطيع التخلص منه ولا الانصراف عنه. وفى كتاب الأغانى من هذا الغزل مادة وفيرة نقرأ فيها لوعة هؤلاء المحبين وظمأهم إلى رؤية معشوقاتهم ظمأ لا يقف عند حد، ظمأ نحس فيه ضربا من التصوف، فالشاعر لا ينى يتغنى بمعشوقته، متذللا متضرعا متوسلا، فهى ملاكه السماوى، وكأنها فعلا وراء السحب، وهو لا يزال يناجيها مناجاة شجية، يصور فيها وجده الذى ليس بعده وجد وعذابه الذى لا يشبهه

стр. 780

عذاب. وتمضى به الأعوام لا ينساها، بل يذكرها فى يقظته ويحلم بها فى نومه، وقد يصبح كهلا أو يصير إلى الشيخوخة، ولكن حبها يظل شابّا فى قلبه، لا يؤثر فيه الزمن ولا يرقى إليه السلوان، حتى ليظل يغشى عليه، بل حتى ليجنّ أحيانا جنونا. وتقترن بأشعار هذا الغزل أسماء كثيرة، كما يقترن به قصص غزير، وهو قصص فيه بساطة وسذاجة حلوة، قصص يصور لنا حياة هؤلاء العشاق العذريين المتبدين، وقد أحكم الرواة نسجه، إذ مضوا يلفقون فيه عقدة نفسية، خيّلوا لسامعيهم أنها عقدة حقيقية، وذلك أنهم زعموا أنه كان من تقاليد العرب أن لا يزوجوا فتياتهم ممن يتغزلون بهن، لما يجلبن لهن من فضيحة بين العرب. وهو تقليد لم يعرف فى جاهلية ولا إسلام. وقد مضوا يقولون إن السلطان كان يهدر دماء هؤلاء الغزلين، كأنهم أتوا جناية عظيمة، ولو قتل السلطان فى الغزل لقتل أمثال الأحوص، لا هؤلاء المتعففين أصحاب الحب الطاهر الشريف، وقد حرّم القرآن الكريم والحديث النبوى قتل النفس بغير حق. ولا شك فى أن هذا كله قصص لفقه الرواة كى يوجدوا لهذا الغزل عقدة، بعثت على ما أحسوه عند هؤلاء العشاق من إحساس بالحرمان الشديد. وإذا كان خيال الرواة لعب فى أخبارهم فإنه لعب أيضا فى أسمائهم، إذ اخترع من لدنه لبعض هذه الأخبار وما طوى فيها من أشعار أشخاصا لعلهم لم يوجدوا أبدا. وارجع إلى أخبار مجنون بنى عامر وأشعاره التى احتلت فى الجزء الثانى من كتاب الأغانى تسعين صحيفة ونيفا فستجد الأصمعى يقول: «رجلان ما عرفا فى الدنيا قط إلا بالاسم: مجنون بنى عامر وابن القرّيّة وإنما وصفهما الرواة»، ويقول ابن الكلبى: «حدّثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بنى أمية كان يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون، وقال الأشعار التى يرويها الناس له ونسبها إليه». وقد يكون اسم العاشق من هؤلاء العذريين حقيقيّا، غير أن الرواة أضافوا إليه أشعارا وأخبارا كثيرة، ومن خير من يمثل ذلك قيس بن ذريح، يقول أبو الفرج فى ترجمته لمجنون بنى عامر نقلا عن الجاحظ: «ما ترك الناس شعرا مجهول القاتل فى ليلى إلا

стр. 781

نسبوه إلى المجنون، ولا شعرا هذه سبيله قيل فى لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح». وقد تفصح القصة المضافة إلى بعض هؤلاء العشاق عن انتحالها وأنها من صنع الرواة وإن لم ينصّ على ذلك القدماء، وخير ما يمثل ذلك قصة (١) وضّاح اليمن التى تذهب إلى أنه عشق أم البنين زوجة الوليد، وأنها هويته، فكانت تدخله عندها وتخفيه فى صندوق، وعرف ذلك زوجها، فحفر بئرا عميقة، رماه فيها، وهيل عليه التراب وسوّيت الأرض. وعلى هذا النحو تلقانا فى هذا الغزل العذرى أسماء وأخبار خيالية من صنع الرواة، غير أن وراءها أسماء وأخبارا كثيرة، لا يرقى إليها الشك. والمهم أن الظاهرة صحيحة، فقد وجد هذا الغزل العذرى فى العصر الأموى بنجد وبوادى الحجاز، وكثر أصحابه وكثرت أشعاره، حتى غدت لونا شعبيّا عامّا، ولعل شعبيتها هى التى أكثرت من القصص حولها، كما أبهمت بعض من نظموها. وقد اختار الرواة أشخاصا، جعلوا منهم أبطالا ونسبوا إليهم كثيرا من تلك الأشعار. وخاصة إذا اتفق أن كان فيها اسم محبوبة هذا البطل، على نحو ما صنعوا بالأشعار التى وجدوا فيها اسم لبنى، فإنهم أضافوها-كما لاحظ الجاحظ-إلى قيس ابن ذريح. ومن الأشخاص الحقيقية فى هذا الغزل عروة بن حزام العذرى وصاحبته عفراء، وقد ترجم له صاحب (٢) الأغانى وروى له أشعارا رقيقة من مثل قوله: وإنى لتعرونى لذكراك رعدة ... لها بين جلدى والعظام دبيب فو الله لا أنساك ما هبّت الصّبا ... وما أعقبتها فى الرياح جنوب ومنهم الصّمّة (٣) القشيرى، وكان من فتيان بنى عامر وشجعانهم، وأحب ابنة عم له تسمى ريّا، وخطبها من أبيها فآثر عليه شابّا موسرا، فزاد

стр. 782

شغفه بها، وأخذ ينظم الأشعار فيها. ثم رأى أن يغزو فى طبرستان لعله ينساها، فخرج وذكراها لا تفارقه حتى قتل فى غزوة واسمها على شفتيه، ومن قوله فى عينية له بديعة: وأذكر أيّام الحمى ثم أنثنى ... على كبدى من خشية أن تصدّعا ومنهم كثيّر عزّة، وقد مضت ترجمته، وذو الرمة وسنترجم له فى شعراء الطبيعة. ويدخل فيهم جماعة من أتقياء مكة والمدينة، على رأسهم عبد الرحمن ابن أبى عمّار الجشمى وعروة بن أذينة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكان عبد (١) الرحمن من نسّاك مكة، ولقب بالقسّ لنسكه، وتصادف أن استمع يوما إلى سلاّمة، فشغف بها، وشاع ذلك، فلقبها الناس بلقبه وسموها سلامة القسّ، وفيها يقول: سلاّم هل لى منكم ناصر ... أم هل لقلبى عنكم زاجر قد سمع الناس بوجدى بكم ... فمنهم اللائم والعاذر وكان عروة (٢) من فقهاء المدينة ومحدّثيها، ومن الطريف أنه كان يوقّع شعره ويضع له الألحان بنفسه، وبذلك نفهم وفرة الموسيقى فى غزله، فهو ألحان وأنغام على شاكلة قوله: إن التى زعمت فؤادك ملّها ... جعلت هواك كما جعلت هوى لها فبك الذى زعمت بها وكلاكما ... يبدى لصاحبه الصّبابة كلها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها منعت تحيّتها فقلت لصاحبى ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها أما ابن (٣) عتبة فكان أحد الفقهاء السبعة المقدّمين فى المدينة الذين حمل عنهم الفقه والحديث، وكان ضريرا، كما كان رقيقا مرهف الإحساس، وله

стр. 783

غزل كثير فى زوجته عثمة بعد طلاقه لها يصور فيها حبه وندمه وألمه من مثل قوله: لعمرى لئن شطّت بعثمة دارها ... لقد كدت من وشك الفراق أليح (١) أروح بهمّ ثم أغدو بمثله ... ويحسب أنى فى الثياب صحيح ومن طريف ما يلقانا فى هذا الحب العذرى بكاء المعشوقات لمن حرموا منهن، وماتوا على حبهن، ولعل أكثرهن بكاء على معشوقها ليلى (٢) الأخيلية الخفاجية العامرية، وكان قد تعلق بها من قومها فتى شاعر شجاع يسمى توبة ابن الحميّر، وشغف بها شغفا، والتاع قلبه، وهام بها هياما شديدا، حتى ليقول: ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... علىّ ودونى تربة وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح (٣) وظل يلهج باسمها إلى أن قتل فى بعض الغارات سنة ٨٥ للهجرة فبكته ليلى بقصائد كثيرة تصوّر ما أوقده فى فؤادها من جذوة الحب، من مثل قولها: أيا عين بكّى توبة بن حميّر ... بسحّ كفيض الجدول المتفجّر لتبك عليه من خفاجة نسوة ... بماء شئون العيرة المتحدّر وقولها: وآليت لا أنفك أبكيك ما دعت ... على فنن ورقاء أو طار طائر وكل شباب أو جديد إلى بلى ... وكل امرئ يوما إلى الله صائر

стр. 784

ويقال إنها ماتت فى إحدى زياراتها لقبره، فدفنت إلى جنبه. ونقف قليلا عند بطلين من أبطال هذا الحب العذرى، هما: قيس بن ذريح عاشق لبنى وجميل عاشق بثينة. قيس (١) بن ذريح من قبيلة كنانة، كانت عشيرته تسكن فى ضواحى المدينة، وعرف بأنه رضيع الحسين بن على، ولا نعرف شيئا عن نشأته، بل تساق لنا قصة حبه، كأنها هى كل حياته. وهى قصة محبوكة الأطراف، إذ يروى أنه مر فى رحلاته بديار لبنى الخزاعية، فرآها، ووقعت فى قلبه ووقع فى قلبها. وذهب إلى أبيه، وكان كثير المال موسرا، يعرض عليه أن يخطبها له، فأبى، وحاول أن يجد عند أمه معونة على أبيه، فلم يجد عندها ما أراد، فلجأ إلى رضيعه الحسين بن على، فتوسط له عند أبيه وأبى لبنى، وأعظما هذه الوساطة، وتزوج العاشقان، غير أنهما لم يرزقا الولد، وداخلت أمّ قيس الغيرة من كلف ابنها بلبنى. ومرض قيس، فأوعزت إلى أبيه أن يغريه بطلاقها والزواج من أخرى، رجاء أن يرزقه الله الولد. وأخذ الأبوان يلحّان عليه بعد شفائه من علّته أن يفارقها وصدع لمشيئتهما. وتولاه جزع شديد، حتى قبل أن تبرح دارها إلى دار أبيها، فقد تصادف أن نعق غراب قبل رحيلها، فتشاءم تشاؤما شديدا، ونظم فى نعيقه أشعارا كثيرة، من مثل قوله: لقد نادى الغراب ببين لبنى ... فطار القلب من حذر الغراب وقال: غدا تباعد دار لبنى ... وتنأى بعد ودّ واقتراب فقلت: تعست ويحك من غراب ... وكان الدهر سعيك فى تباب ورحلت لبنى، فاضطرمت جذوة الحب فى نفس قيس اضطراما، ووجد بلبنى وجدا ليس مثله وجد، ومضى لا ينعم بطعام ولا بشراب، يذكرها

стр. 785

مستيقظا ويطوف به خيالها نائما، ويقول فى غرامه بها الشعر من مثل قوله: لقد لاقيت من كلفى بلبنى ... بلاء ما أسيغ به الشرابا إذا نادى المنادى باسم لبنى ... عييت فما أطيق له جوابا وقوله: وإنى لأهوى النوم فى غير حينه ... لعل لقاء فى المنام يكون تحدّثنى الأحلام أنى أراكم ... فياليت أحلام المنام يقين وكانت لبنى تسمع بوجده وشعره، فلا يهنأ لها عيش، وتبكى مصيرها ومصيره. ويروى أن غلاما أتاها يوما بأربعة غربان، فذكرت أشعار قيس فى غراب البين، وأخذت تنتف ريشها وهى تصيح بأشعار مختلفة من مثل قولها: ألا يا غراب البين لونك شاحب ... وأنت بلوعات الفراق جدير فلا زلت مكسورا عديما لناصر ... كما ليس لى من ظالمىّ نصير ولما أضنى الحب قيسا رقّ له بعض رفاقه، فواعدوه أن يخرجوا معه إلى ديار لبنى لعله يحظى برؤيتها، فمضى معهم وهو ينشد: لقد عذّبتنى يا حبّ ليلى ... فقع إما بموت أو حياة فإن الموت أروح من حياة ... تدوم على التباعد والشّتات ووقعت عينه عليها، فخر مغشيّا عليه. وعادوا به، وهو لا يكاد يفيق من غشيته. وأشار عليه نفر أن يحجّ لعله يسلوها، فحج ورآها هناك، فعاوده فتونه، وأخذت تسيل عبراته، وهو ينشد فيها أشعاره. ولقيها فعرف أنها ما زالت تحفظ له العهد، وعاد من الحج يتغنى بحبه، على شاكلة قوله: تعلّق روحى روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفى المهد فزاد كما زدنا فأصبح ناميا ... وليس إذا متنا بمنصرم العهد ولكنه باق على كل حادث ... وزائرنا فى ظلمة القبر واللّحد

стр. 786

وما زال به أبوه يلحّ عليه أن يتزوج من أخرى، لعله ينسى صاحبته. وتمضى القصة فتزعم أنه رأى فى بعض أحياء العرب فتاة تسمى لبنى فيها مخايل صاحبته، فتزوجها، ولكن حنينه إلى صاحبته الأولى عاوده. وكأنما لم يكن هناك سبيل إلى إطفاء جذوة هذا الحب. وتزعم القصة أيضا أن أباها شكاه إلى معاوية فأهدر دمه إن تعرّض لها، وأرسلت إلى حبيبها بالخبر مشفقة عليه، ويروون أنها تزوجت من غيره، عله ينساها، ولكن أنّى له؟ لقد أمضه الغرام، ومضى إلى ديار قومها فوجدها قد رحلت مع زوجها، فوضع خده على التراب، وبكى أحرّ بكاء منشدا: وإن تك لبنى قد أتى دون قربها ... حجاب منيع ما إليه سبيل فإن نسيم الجوّ يجمع بيننا ... ونبصر قرن الشمس حين تزول وأرواحنا بالليل فى الحىّ تلتقى ... ونعلم أنا بالنهار نقيل (١) وتجمعنا الأرض القرار وفوقنا ... سماء نرى فيها النجوم تجول واشتدت به المحنة، واشتد به الوجد والهيام، والحياة من حوله وحول معشوقته تمعن فى القسوة، وهو لا يزال ينشد فيها الأشعار من مثل قوله: إلى الله أشكو ما ألاقى من الهوى ... ومن حرق تعتادنى وزفير ومن ألم للحب فى باطن الحشا ... وليل طويل الحزن غير قصير وقوله: وبين الحشا والنّحر منى حرارة ... ولوعة وجد تترك القلب ساهيا تمرّ الليالى والشهور ولا أرى ... ولوعى بها يزداد إلا تماديا وقوله: ألا ليت أياما مضين تعود ... فإن عدن يوما إننى لسعيد

стр. 787

وظل قيس على هذا النحو يشكو حبه وندمه على فراق صاحبته، حتى رأى رضيعه الحسين بن على ونفر من قريش تعمّقهم التأثر له أن يكلموا زوج لبنى فى شأنه لعله يردها عليه. وصدع لمشيئتهم راضيا، فعادت لبنى إلى قرة عينها وظلت عنده حتى ماتت، فأكبّ على القبر يبكيها، ولم يزل عليلا إلى أن لحق بها، فدفن إلى جنبها. جميل (١) بن معمر لعل حياة جميل أوضح حياة بين الشعراء العذريين، فقد نشأ فى منازل عذرة بوادى القرى، وأخذ يختلف إلى المدينة، وربما إلى مكة، فقد كان يلقى ابن أبى ربيعة كثيرا ويتناشدان الشعر، ويقال إنه حدا يوما بمروان بن الحكم. ويظهر أنه كان يتصل ببنى أمية كثيرا، ففى أخباره أنه رحل إلى عبد العزيز بن مروان بمصر ولقيه لقاء كريما. وكان كثيّر عزّة راوية له. وشعره لذلك أوثق شعر العذريين، وفى أخباره أنه تلقن الشعر عن هدبة بن الخشرم تلميذ الحطيئة، ونعرف أن الحطيئة تلميذ زهير، وكأنه يمتّ بأسباب قوية إلى هذه المدرسة التى كانت تعنى بصقل الشعر وتجويده. ونجد له أخبارا أخرى تتصل بتهاجيه مع بعض الشعراء الحجازيين مثل الحزين الكنانى. نحن إذن أمام شاعر واضح الشخصية، عنى الرواة والناس بأشعاره، كما عنى بها مغنو المدينة ومكة، وهى أشعار يمضى جمهورها فى التغنى ببثينة معشوقته، إحدى نساء قبيلته، تحابّا صغيرين، ولم تلبث أن ألهمته الشعر، إذ أحبها حبّا انتهى به إلى الهيام بها، وعرفت ذلك فمنحته حبها وعطفها، وأخذت تلتقى به حين شبّا فى غفلات من قومهما، وخشى أهلها مغبة هذا اللقاء، فضيّقوا عليها الخناق، على الرغم مما عرفوا من أن الحب بينها وبين جميل حب نقى برئ،

стр. 788

وأخذت الألسنة فى الحى لا تكفّ عن التعريض بالمتحابين، فهجرته، واحتجبت من دونه راغمة، وهو على ذلك لا يسلوها، يقول: وإنى لأرضى من بثينة بالذى ... لو ابصره الواشى لقرّت بلابله (١) بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجوّ قد خاب آمله وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضى ... أواخره لا نلتقى وأوائله وكانت تلتمس فرصة من أهلها أحيانا فتلقاه، فتشرق الدنيا فى عينه، ويسعد سعادة لا حد لها. وخطبها من أبيها فردّه، لكراهة العرب أن يزوّجوا فتياتهم ممن يتغزلون بهم، هكذا تزعم القصة! . ويزوجها أبوها من فتى فى القبيلة يسمى نبيها، فتسودّ الدنيا فى عين جميل، ويلتاع لوعة شديدة، ويصبح حبها كل حياته، فهو يملك عليه كل شئ، ويأخذ عليه كل طريق، يقول: ولو تركت عقلى معى ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى فلا تقتلينى يا بثين فلم أصب ... من الأمر ما فيه يحلّ لكم قتلى ويقول: لها فى سواد القلب بالحب ميعة ... هى الموت أو كادت على الموت تشرف (٢) وما ذكرتك النّفس يا بثن مرّة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف وإلا اعترتنى زفرة واستكانة ... وجاد لها سجل من الدمع يذرف (٣) وما استطرفت نفسى حديثا لخلّة ... أسرّ به إلا حديثك أطرف ويمضى يشكو حبه، ويحاول أن يلقاها، وتنيله فى بعض الأحايين أمنيته فيثور به أهلها ويتوعدونه. ويعنف به حبها، ويشقى به. ويرحل إلى

стр. 789

المدينة وغير المدينة يتغنى باسمها وحبها متحملا من الجهد فى عشقها ما يطيق وما لا يطيق، وتمضى الأعوام وصبوته إليها تزداد به حدة وعنفا، وذكراها لا تبرح مخيلته، بل تعيش فى قلبه كأنها دينه، وهو يرتل غزله كأنه صلوات يودعها عبادته على شاكلة قوله: ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بوادى القرى إنى إذن لسعيد وهل ألقين فردا بثينة مرة ... تجود لنا من ودّها ونجود علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد وأفنيت عمرى فى انتظار نوالها ... وأبليت فيها الدهر وهو جديد إذا قلت ما بى يابثينة قاتلى ... من الحبّ قالت ثابت ويزيد وإن قلت ردّى بعض عقلى أعش به ... مع الناس قالت ذاك منك بعيد فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبّها فيما يبيد يبيد يموت الهوى منّى إذا ما لقيتها ... ويحيا إذا فارقتها فيعود وشعر جميل كله فى بثينة على هذا النحو يمتاز بصدق اللهجة وحرارة العاطفة. وقد ظلت بثينة تحفظ له حبه، إلى أن وافاه القدر بمصر فى ولاية عبد العزيز بن مروان عليها، فبكته، ويقول الرواة إنها ظلت تبكيه إلى أن لحقت به. ٣ - شعراء الزهد تتردّد فى القرآن الكريم دائما الدعوة إلى الزهد فى الحياة الدنيا ومتاعها الزائل، وهى دعوة تحمل فى تضاعيفها الحثّ على التقوى والعمل الصالح، فالمسلم الحق من عاش للآخرة، ورفض عرض الدنيا، فلم يأخذ منه إلا بحظ محدود، حظ يقيم أوده، ويعدّه للكفاح فى سبيل الله، ومن ثمّ كان زهد

стр. 790

الإسلام لا يعنى الانقطاع تماما عن الدنيا كزهد الرهبانية، بل هو زهد معتدل، زهد فيه قوة ودعوة إلى العمل والكسب، يقول جلّ وعز: ﴿(وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا)﴾ وهو نصيب ينبغى أن لا يصرف المسلم عن الآخرة ونعيمها الخالد. وزاهد الأمة الأول محمد ﷺ ، ويروى أن رجلا جاءه فقال: يا رسول الله دلّنى على عمل إذا عملته أحبّنى الله وأحبنى الناس، فقال: «ازهد فى الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس (١)». وقد اندفع وراءه كثير من الصحابة يحيون حياة زاهدة متقشفة، وعلى رأسهم أهل الصّفّة، وهم نفر من فقراء المسلمين اتخذوا صفّة (٢) المسجد منزلا لهم، وعاشوا على صدقات الرسول والمثرين يعبدون الله حق عبادته مرتلين آى الذكر الحكيم. وكان وراءهم كثيرون أخلصوا أنفسهم لتقوى الله حق تقواه، وعلى رأسهم أبو بكر وعلى وعمر وعبد الله ابن عمر وأبو الدرداء وأبو ذرّ، وعبد الله بن عمرو بن العاص وكان يقطع النهار صائما والليل قائما يصلى لربه. وفى ابن سعد وغيره صور كثيرة من هذه المجاهدات والرياضات للنفس (٣). وجاء عصر الفتوح وجاءت معه الغنائم الوفيرة، فاقتنى العرب الضّياع وشيدوا القصور، وهم فى ذلك لا ينسون تعاليم الإسلام، بل إننا نجد بينهم فى كل مصر كثيرين يعيشون للحياة التقية الصالحة، وسرعان ما تكونت فى كل بلد أقاموا فيه جماعات القرّاء الأتقياء، بالإضافة إلى من كان منهم يعيش فى مكة والمدينة، وأخذ كثير منهم يعيش حياته للنّسك والعبادة. وأكبر إقليم نلتقى فيه بهؤلاء النّسّاك والقراء إقليم العراق، وربما كان لكثرة الحروب فيه أثر فى ذلك، وكأن قوما انصرفوا عن الفتن، خشية على أنفسهم من التورط فى الإثم، إلى النسك والعبادة، كما انصرف إلى ذلك كثيرون ممن لم يستطيعوا الانتصار على الأمويين، فتركوهم ودنياهم، ومضوا يتعبّدون، وكان الخوارج فى

стр. 791

جملتهم جماعة كبيرة من الأتقياء، ضلّت فى اجتهادها وما زعمته من كفر الأمويين وجمهور المسلمين، ولكنها لم تضل يوما فى تقواها. لذلك كله عمّت فى العراق موجة واسعة من التقوى والزهد فى الدنيا ونعيمها المادى زهدا كثيرا ما تطرّفوا فيه، إذ أخذت تدخل فى ثنايا هذا الزهد تأثيرات مسيحية وغير مسيحية، بحكم ما دخل فى الإسلام من الموالى والشعوب الأجنبية. على أن المصدر الأساسى لهذا الزهد كان الإسلام نفسه وما دعا إليه من رفض الدنيا والابتهال إلى الله وانتظار ما عنده من النعيم الحق. وسرعان ما وجدنا طائفة كبيرة من الوعاظ، تعيش حياتها تعظ الناس وتدعوهم إلى أن يجعلوا العبادة والنسك قرة أعينهم، وهى لذلك ماتنى تحدثهم -مستلهمة القرآن الكريم-عن قدرة الله فى خلقه السموات والأرض، وعن الموت وما ينتظرهم من الحساب يوم القيامة. والحسن البصرى أشهر هؤلاء الوعاظ وهو فى وعظه دائما يذكر الموت، ويذكر النار حتى لكأنه يشاهدها بين عينيه، ويحض حضّا قويّا على الزهد فى الدنيا وحطامها. وكان هو وغيره من الوعاظ لا يزالون يستشهدون فى وعظهم بأشعار لبيد والنابغة الجعدى وغيرهما تلك التى تدعو إلى خشية الله وتقواه، بل ربما استشهدوا بأبيات لبعض الجاهليين، وخاصة تلك التى تصور فناء الدول أو تدعو إلى خلق فاضل. وطبيعى أن تترك مواعظهم أثرا عميقا فى نفوس الشعراء الذين كانوا يختلفون إلى مجالسهم، وقد مرّ بنا فى غير هذا الموضع مدى تأثير الإسلام ومثاليته الروحية فى الشعراء، كما مرت بنا فى مواضع مختلفة من هذا الكتاب أشعار زاهدة لنفر منهم. ولعل من الطريف أننا نجد بعض الرجاز مثل أبى النجم العجلى والعجّاج يبدءون أراجيزهم بالحمد لله والثناء عليه، وكثيرا ما تتحول الأرجوزة عند ثانيهما إلى موعظة خالصة. وتلقانا عند بعض الشعراء أدعية وابتهالات لله من مثل قول ذى الرمة يناجى ربه قبل موته (١): يا ربّ قد أشرفت نفسى وقد علمت ... علما يقينا لقد أحصيت آثارى يا مخرج الروح من جسمى إذا احتضرت ... وفارج الكرب زحزحنى عن النار

стр. 792

وتريد الآن أن نقف عند نفر منهم تمثلوا فى أشعارهم فكرة رفض الحياة داعين للتفرغ إلى العبادات وإلى الأخلاق الرفيعة التى يدعو إليها الإسلام. وأول من نقف عنده عروة بن أذينة فقيه المدينة الذى رويت له-كما أسلفنا-مقطوعات فى الغزل العفيف، وله أبيات تصور مبدأ مهما شاع بين الزهاد فى هذا العصر، وهو مبدأ التوكل على الله والثقة فى أنه لا يترك أحدا بدون رزق يكفيه، وبلغ من مبالغة بعضهم فى هذا المبدأ أن رأوا فى السعى والكد نقصا فى التوكل والثقة بربهم. ولا شك فى أن هذا المبدأ يفضى إلى طمأنينة نفسية قوية، كما يفضى إلى طرح الدنيا طرحا تامّا، وفى تقريره يقول عروة: لقد علمت وما الإسراف من خلقى ... أن الذى هو رزقى سوف يأتينى أسعى له فيعنّينى تطلّبه ... ولو قعدت أتانى لا يعنّينى خيمى كريم ونفسى لا تحدّثنى ... إن الإله بلا رزق يخلّينى وممن اشتهروا بكثرة أشعارهم فى الزهد عبد الله بن عبد الأعلى، ويظهر أنه كان يستمد فى زهده من منابع بعيدة عن الإسلام، إذ نرى من كتبوا عنه يتهمونه فى دينه، ويقولون إنه كان سيئ العقيدة (١)، وهو فى أشعاره يقف كثيرا عند فكرة الفناء من مثل قوله: يا ويح هذى الأرض ما تصنع ... أكلّ حىّ فوقها تصرع تزرعهم حتى إذا ما أتوا ... عادت لهم تحصد ما تزرع وقوله: من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشّين والشّعثا ويألف الظّلّ كى تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا (٢) وفى تضاعيف هذا الشعر الزاهد تلقانا دعوة إلى مكارم الأخلاق يستضئ أصحابها بما جاء فى الذكر الحكيم من مثالية خلقية نبيلة، وأكثر من لهجوا بهذه

стр. 793

الدعوة مسكين (١) الدارمى القائل: وسمّيت مسكينا وكانت لحاجة ... وإنى لمسكين إلى الله راغب ويقول صاحب الخزانة إن له قصيدة، ذكر فيها طائفة من الشعراء، ناسبا قبر كل منهم إلى بلده ومسقط رأسه، متخذا من ذلك العبرة، ومصغرا أمر الدنيا ومهونا من شأنها، وقد ذكر له منها عشرة أبيات. ومما يتردد فى كتب الأدب من شعره قوله يعلن رضاه بالقضاء وما قدّر له، وأن الله لا بد أن يكشف غمته: ما أنزل الله من أمر فأكرهه ... إلا سيجعل لى من بعده فرجا ومن مستحسن شعره قوله: ولست إذا ما سرّنى الدهر ضاحكا ... ولا خاشعا ما عشت من حادث الدّهر أعفّ لدى عسرى وأبدى تجمّلا ... ولا خير فيمن لا يعفّ لدى العسر وإنى لأستحيى إذا كنت معسرا ... صديقى وإخوانى بأن يعلموا فقرى ومن يفتقر يعلم مكان صديقه ... ومن يغن لا يعدم بلاء من الدهر وهو القائل: أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح وله أشعار طريفة فى الغيرة (٢) وأن على الزوج أن لا يبالغ فى اتهام زوجته، حتى لا يغريها بما يخاف منه. على أننا نلاحظ عنده أنه كان يستشعر عصبيته القبلية فى فخره بخصاله؛ وقد مرّ بنا موقفه من تولية معاوية لابنه يزيد، وما نظمه فى ذلك من شعر. وهو فى الحق لم يكن زاهدا بالمعنى الدقيق لكلمة زاهد، إنما كان متأثرا تأثرا عميقا بالروح الإسلامية، ومن ثم استلهمها فى إشادته بشيمه، ونحن نتركه إلى أبى الأسود الدؤلى وسابق البربرى.

стр. 794

أبو الأسود الدّؤلى (١) اسمه ظالم بن عمرو من بنى كنانة، ولى قضاء البصرة فى ولاية عبد الله ابن عباس عليها لعلى بن أبى طالب، ولما خرج على إلى العراق لزمه فى حروبه، ودخل بعد وفاته فيما دخل فيه الناس من بيعة معاوية، ولكنه ظل يعلن تشيعه لآل البيت. وهو أول من وضع النقط فى المصاحف لتصوير حركات الإعراب. وهو يعدّ من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدّثيهم. وله مدائح وأهاج فى معاصريه وأشعار فى أزواجه، ويقال إنه كان بخيلا شحيحا، وهو مع ذلك كان تقيّا صالحا، وله أشعار كثيرة فى الزهد من مثل قوله: وإذا طلبت من الحوائج حاجة ... فادع الإله وأحسن الأعمالا فليعطينّك ما أراد بقدرة ... فهو اللطيف لما أراد فعالا ودع العباد ولا تكن بطلابهم ... لهجا تضعضع للعباد سؤالا (٢) إن العباد وشأنهم وأمورهم ... بيد الإله يقلّب الأحوالا وهو فى زهده لا يدعو إلى الخمول بل يدعو إلى السعى فى الدنيا والمشى فى مناكبها، حتى يكسب المرء لنفسه ما يحيا به حياة كريمة، يقول لابنه: وما طلب المعيشة بالتمنى ... ولكن ألق دلوك فى الدّلاء تجئك بملئها يوما ويوما ... تجئك بحمأة وقليل ماء (٣) ولا تقعد على كسل تمنّى ... تحيل على المقادر والقضاء

стр. 795

وكثيرا ما يتحدث عما ينبغى من الربط بين العلم الدينى والعمل، فالعلم إن لم يقرن بالعمل لم يكن علما، بل كان لهوا وعبثا، بل كان خيانة للعهد ونقضا، يقول: وما عالم لا يقتدى بكلامه ... بموف بميثاق عليه ولا عهد ونراه ساخطا سخطا شديدا على من يتعلقون بالدنيا محيطين أنفسهم بمظاهر الثراء متناسين الشريعة الغراء، على شاكلة قوله: قد يجمع المرء مالا ثم يحرمه ... عمّا قليل فيلقى الذّلّ والحربا (١) وحامع العلم مغبوط به أبدا ... ولا يحاذر منه الفوت والسّلبا وتوفى أبو الأسود سنة ٦٩ للهجرة، وقيل بل سنة تسع وتسعين، والقول الأول هو الصحيح. سابق (٢) البربرى ليس بين أيدينا أخبار كثيرة عن سابق، وكل ما نعرف عنه أنه كان قاضى الرّقة بالموصل وإمام مسجدها وأنه كان يفد على عمر بن عبد العزيز يعظه. فهو من وعاظ العصر، وشعره يفيض تقوى وورعا ودعوة إلى التقشف والفرار إلى الله من الدنيا ومتاعها الزائل، ونراه يثور على الأغنياء الذين يعيشون لجمع المال ثورة عنيفة، يقول: فحتى متى تلهو بمنزل باطل ... كأنك فيه ثابت الأصل قاطن وتجمع ما لا تأكل الدهر دائبا ... كأنك فى الدنيا لغيرك خازن ويقول: أموالنا لذوى الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها

стр. 796

وكان لا يزال يكثر من حديث الموت، وأنه نازل عما قريب، فينبغى لكل إنسان أن يعدّ العدّة للرحيل، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من عمل عملا صالحا، ومن قوله فى ذلك: إذا الجسد المعمور زايل روحه ... خوى وجمال البيت يا نفس آهله وقد كان فيه الروح حينا يزينه ... وما الغمد لولا نصله وحمائله إذا الأرض خفّت بعد ثقل جبالها ... وخلّى سبيل البحريا نفس ساحله فلا يرتجى عونا على حمل وزره ... مسئ وأولى الناس بالوزر حامله ونراه يدعو إلى الرضا بقضاء الله، فلا معدى عنه، ولا منصرف إلا إليه، وأولى بنا أن نصبر وأن لا نجزع، وهو يردد ذلك فى أشعاره على شاكلة قوله: وإن جاء مالا تستطيعان دفعه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا ويظهر أنه كان شاعرا مكثرا، يدل على ذلك قول الجاحظ واصفا زهدياته: «لو أن شعر سابق البربرى كان مفرقا فى أشعار كثيرة لصارت تلك الأشعار أرفع مما هى عليه بطبقات. . ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر. ومتى لم يخرج السامع من شئ إلى شئ لم يكن لذلك عنده موقع». ٤ - شعراء اللهو والمجون رأينا فى غير هذا الموضع كيف تحضر العرب فى هذا العصر، وكيف أن كثيرين منهم أترفوا ترفا شديدا، إذ أحاطوا أنفسهم بكل مظاهر النعيم من قصور باذخة ومطاعم وملابس أنيقة، وجوار ورقيق. ودائما حين تغرق الأمم فى الترف يتورط كثير من أبنائها فى آثام مختلفة من اللهو والمجون، وإذا كنا لاحظنا فيما أسلفنا انتشار موجة من الزهد فى العصر كان لها آثار عميقة فى

стр. 797

الشعر والشعراء فإن هذه الموجة انحسرت عن كثير من الأفراد إذ الناس ليسوا سواسية، منهم من يجد فى الدين ومثاليته الروحية متاعه، ومنهم من ينحرف عن الدين إلى حياة ماجنة يتهالك فيها على اللهو والخمر. ومعروف أن الإسلام حرّم الخمر، وأن عمر شدّد فى عقابها حين وجد بعض المسلمين يقترفونها من مثل أبى محجن الثقفى، وقصة صلاة الوليد بن عقبة والى الكوفة لعثمان بالناس وهو سكران مشهورة. غير أن أمثاله وأمثال أبى محجن فى عصر الخلفاء الراشدين كانوا قليلين. ونحن لا نمضى فى عصر بنى أمية، حتى تظهر آثار الفتوح وما حملت من أموال وحضارات وصور من الترف إلى العرب، فتحضرت مكة والمدينة، بل أترفتا، وتحضر العرب الذين خرجوا فى الفتوح واستقروا فى البيئات الجديدة، وأخذ كثير منهم يندفع فى الاستمتاع بالحياة، وبالغ نفر فى هذا الاستمتاع، متحررا من قوانين الدين. وكلما تقدمنا فى العصر ازداد ذلك قوة وحدة، وخاصة فى البيئات. البعيدة التى رحل إليها العرب، وظهروا على ما فيها من خمور، وأقصد بيئة خراسان، حيث كانت تزخر بالخمر وبالطبول والمزامير، وقد مرّ بنا كيف أن واليا عليها-هو قتيبة بن مسلم-اضطرّ حين وجد تفشى الخمر فى جنده أن يعاقب على احتسائها بالقتل. والحق أنها كانت تنتشر فى كل البيئات، وقلما نجدها فى مكة والمدينة حيث كانت تنتشر دور الغناء. ومن الشعراء الذين نهلوا من كئوسها فى هذه البيئة لعهد معاوية ابن أرطاة (١)، وعبثا حاول مروان بن الحكم والى المدينة أن يردّه عنها، وفيها يقول: إنا لنشربها حتى تميل بنا ... كما تمايل وسنان بوسنان ومنهم عبد الرحمن بن الحكم (٢) الذى كان يهاجى عبد الرحمن بن حسان، وفيها يقول:

стр. 798

ترى شاربيها حين يعتورانها ... يميلان أحيانا ويعتدلان وممن كانوا يحتسونها فى هذه البيئة لأواخر العصر ابن ميّادة (١) مادح الوليد ابن يزيد بن عبد الملك ونديمه، وهو من مخضرمى الدولتين، وفيها يقول: ومعتّق حرم الوقود كرامة ... كدم الذّبيح تمجّه أوداجه (٢) ضمن الكروم له أوائل حمله ... وعلى الدّنان تمامه ونتاجه (٣) ومثله ابن هرمة (٤)، وكان مشغوفا بها كلفا، وهو القائل: أسأل الله سكرة قبل موتى ... وصياح الصّبيان يا سكران وإذا تركنا الحجاز إلى العراق وجدنا كثيرين يقبلون على الخمر فى غير حياء ولا استخفاء، وكأنما كانت الفتن هناك وما حمّلتهم من الخطوب باعثا لهم على المجون، حتى ينسوا به عناءهم، ومن ثم مضى نفر منهم يعلن معاقرته لها، وأنه لن ينصرف عنها، على شاكلة سحيم (٥) بن وثيل الرياحى التميمى، وكان فيه غير قليل من بقايا الجاهلية، وأكبر الدلالة على ذلك معاقرته لغالب أبى الفرزدق التى مرت بنا، والتى مضى فيها ينافسه فى نحر إبله لقومه، ويظهر أنه كان يكثر من الشراب كثرة جعلت امرأته حدراء تراجعه وتكثر من مراجعته، فقال: تقول حدراء ليس فيك سوى ال ... خمر معيب يعيبه أحد فقلت: أخطأت بل معاقرتى ال ... خمر وبذلى فيها الذى أجد

стр. 799

هو الثناء الذى سمعت به ... لا سبد مخلدى ولا لبد (١) ويحك لولا الخمور لم أحفل ال ... عيش ولا أن يضمّنى لحد (٢) هى الحيا والحياة واللهو لا ... أنت ولا ثروة ولا ولد ويقف السرادق الذّهلى هذا الموقف نفسه من ابنته، فيعلن أنه لن يكف عنها، إذ صارت له غذاء لا يستطيع الصبر عنه (٣). ويلقانا فى عهد زياد بن أبيه حارثة (٤) بن بدر أحد عماله وخلصائه ومدّاحه، كلفا بها كلفا شديدا، وله فيها أشعار كثيرة رواها أبو الفرج فى ترجمته يجاهر فيها بأنه لن يكفّ عنها، مهما أكثر لائموه، على شاكلة قوله: يعيب علىّ الرّاح من لو يذوقها ... لجنّ بها حتى يغيّب فى القبر علام تذمّ الراح والراح كاسمها ... تريح الفتى من همّه آخر الدهر فلمنى فإنّ اللوم فيها يزيدنى ... غراما بها إن الملامة قد تغرى وكان يذهب مذهبه فى الإدمان عليها مالك بن أسماء صهر الحجاج الثقفى وواليه على أصبهان، وله فيها أشعار ساقها أبو الفرج فى ترجمته (٥). ولعل عراقيّا لم يشتهر بها كما اشتهر الأقيشر (٦) الأسدى وكان كوفيّا خليعا ماجنا، وفيها يقول: أفنى تلادى وما جمّعت من نشب ... قرع القواقيز أفواه الأباريق (٧) ويقول: كميت إذا فضّت وفى الكأس وردة ... لها فى عظام الشاربين دبيب

стр. 800

وإذا مضينا إلى خراسان وسجستان وجدنا كثيرين يتورطون فيها، وكأنما كان تغلغلهم فى الشرق دافعا لهم إلى الإمعان فى المجون والتحرر من قوانين الدين، أو لعلهم كانوا يريدون أن يزيحوا بها عن كواهلهم ما كانوا يحسون به من آلام الغربة وعناء الحروب. ويروى البلاذرى أن ثلاثة نفر من أهل الكوفة كانوا فى جيش الحجاج الذى وجهه إلى الديلم، وكانوا يتنادمون، فمات أحدهم، فدفنه صاحباه، ومضيا يشربان عند قبره، فإذا بلغته الكأس أراقاها على القبر، وبكيا. ومات الثانى فدفنه صاحبه، وظل عند قبرهما يشرب ويبكى إلى أن لحق بهما، وقبورهم هناك تعرف بقبور الندماء (١). ومن الشعراء الذين اشتهروا بمعاقرتها والنظم فيها هناك الشّمردل (٢) بن شريك، وكان قد خرج للغزو فى تلك الديار مع ثلاثة من إخوته. فماتوا جميعا ورثاهم رثاء حارّا، وكأنه كان يغرق فيها حزنه. ومنهم أبو جلدة اليشكرى الذى سبق أن عرضنا له فى شعراء ثورة ابن الأشعث، وكان يدمنها إدمانا ثم تاب عنها، فقال (٣): سأركض فى التقوى وفى العلم بعد ما ... ركضت إلى أمر الغوىّ المشهّر ونحن لا نصل إلى أواخر هذا العصر حتى تشتد موجة المجون فى خراسان والعراق جميعا، وخاصة الكوفة، حيث تنشأ جماعة كبيرة من المجان على رأسها مطيع وحماد الراوية وحماد عجرد ويحيى بن زياد، وهم جميعا ممن عاشوا فى الدولتين الأموية والعباسية، وهم من هذه الناحية أكثر صلة بالعصر العباسى منهم بالعصر الأموى، ولذلك رأينا أن نؤخر الحديث عنهم. على أنهم يلفتوننا فى قوة إلى تهالك الناس على المجون فى الكوفة فى أواخر العصر، تهالكا تحرروا فيه من كل خلق وعرف ودين. ولعل مما هيأ لهذا الانحلال الخلقى على الأقل عند بعض الأفراد فى هذا العصر أن بعض خلفاء بنى أمية المتأخرين جعلوا يقبلون على اللهو، يتقدمهم فى ذلك يزيد بن عبد الملك، وابنه الوليد الذى أكبّ على الخمر والمجون إكبابا، كما اكبّ على نظم الخمريات وهو وأبو الهندى شاعر سجستان أهم من عاشوا هذه الحياه الاجنة.

стр. 801

الوليد (١) بن يزيد ولد لأبيه يزيد بن عبد الملك فى سنة ٨٨ للهجرة، فتفتحت عينه على النعيم والترف، بل على اللهو والمجون، إذ كان أبوه كلفا بالخمر والغناء، حتى فى خلافته. إذ كان يستقدم مغنىّ مكة والمدينة ومغنياتهما، واشترى سلاّمة القس وحبابة، وانصرف عن شئون الدولة إليهما وإلى الغناء والطرب والقصف. وقد نشأ ابنه الوليد على مثاله، بل لقد أخذ يسرف فى المجون واللهو إسرافا شديدا، حتى فكر هشام بن عبد الملك الذى خلف أباه أن يصرف ولاية العهد عنه لفساد خلقه، ولكنه توفّى سنة ١٢٥ قبل أن يحقق فكرته. واستوى الوليد على عرش الخلافة. فإذا هو يحوّل قصره ببادية شرقى الأردن مقصفا كبيرا للخمر والعزف والغناء، إذ لم يترك مغنيا فى مكة والمدينة دون أن يستقدمه، وأخذ يعبّ من كئوس المجون عبّا، جعل أهله يتنكرون له، ويقتله ابن عمه يزيد بن الوليد فى جمادى الآخرة سنة ١٢٦ تؤازره اليمانية ثأرا لخالد القسرى وما كان من تعذيبه له وقتله. وعلى هذا النحو يذهب ضحية مجونه، ومما لا شك فيه أنه كان ماجنا يعكف على الخمر والغناء، ويعيش للهو والصيد والقنص، حتى بعد خلافته، فقد ظل فى نفس الجو الماجن، الذى كان يتنفسه قبل اعتلائه عرش الخلافة، ومن ثم آثر قصره ببادية شرقى الأردن على دمشق مستقر الخلافة الأموية، ومضى يجلب إليه المغنين والمغنيات وآلات اللهو والطرب لا من الحجاز فقط. بل أيضا من خراسان، فقد أسلفنا فى غير هذا الموضع أنه كلّف نصر بن سيار أن يبعث إليه بما فى ولايته الخراسانية من الخيل والبراذين الفارهة وآلات الصيد، ومن أباريق الذهب والفضة وتماثيل السباع والظباء، ومن البرابط والطنابير والوصيفات والصنّاجات، فجمع له نصر من ذلك أشياء

стр. 802

كثيرة، كانت موضع التندر بين الشعراء والأتقياء. وينبغى أن لا نمضى مع الرواة فى كل ما تحدثوا به عن مجونه، إذ نراهم يجعلونه مانويّا زنديقا، يسخر بالقرآن الكريم بل يمزقه تمزيقا (١)، وفى الوقت نفسه تذكر بعض الروايات أنه قتل وهو يقرأ القرآن ويقول: يوم كيوم عثمان (٢). وفى الحق أن أبناء عمه من الأمويين كانوا أول من بالغ فى وصفه بالمجون، ثم جاء العباسيون بعدهم، فاستغلوه فى التشنيع على خلفاء بنى أمية، وأنهم انزلقوا إلى الدرك الأسفل من انتهاك ما حرّم الله ومن شرب الخمر وإتيان الفسق، بل الكفر جملة والخروج من حدود الدين. ونحن مع تنحيتنا لهذه المبالغات التى لعبت فيها السياسة دورا كبيرا نحتفظ للوليد بمجونه وعكوفه على اللهو والصيد والقنص وإدمانه للخمر ولهجه بالغناء لهجا مسرفا. وكان الوليد شاعرا مبدعا، فأنفق شعره فى الخمر، وله أشعار فى الغزل والحب، ولكنها دون أشعار الخمر فى الإبداع والروعة، ويظهر أنه ثقف كل ما نظم فيها قديما، وخاصة عند عدى (٣) بن زيد العبادى، وقد مضى ينميّه ويضيف إليه من مواهبه ومشاعره وملكاته ما أتاح لفن الخمريات أن يأخذ طريقه إلى الظهور، إذ لم تعد أشعار الخمر عنده توضع فى ثنايا قصيدة أو فى مقدمتها كما كان الشأن عند عدى وعند الأعشى، بل أصبحت تنظم فى مقطوعات، لها وحدتها الموضوعية والمعنوية، تنبض بالحياة وتخفق بالجذل والسرور، لسبب طبيعى، هو أن ناظمها عاشق للخمر، وهو ينظمها فى غمرة عشقه، وكأنما تفجّر له ينابيع الفرح تفجيرا. واقرأ له هذه الخمرية: اصدع نجىّ الهموم بالطّرب ... وانعم على الدّهر بابنة العنب واستقبل العيش فى غضارته ... لا تقف منه آثار معتقب من قهوة زانها تقادمها ... فهى عجوز تعلو على الحقب

стр. 803

أشهى إلى الشّرب يوم جلوتها ... من الفتاة الكريمة النّسب فقد تجلّت ورقّ جوهرها ... حتى تبدّت فى منظر عجب كأنها فى زجاجها قبس ... تذكو ضياء فى عين مرتقب فهى فرحة الحياة ونعيمها، بل هى قبس سماوى يهبط بردا وسلاما على قلوب المحزونين، فيزيل ما فيها من أحزان وهموم، ويردها إلى نشوة الفرح والمسرة. واقرأ أيضا هذه الخمرية: علّلانى واسقيانى ... من شراب أصبهانى من شراب الشيخ كسرى ... أو شراب القيروان إن فى الكأس لمسكا ... أو بكفّى من سقانى أو لقد غودر فيها ... حين صبّت فى الدّنان كلّلانى توّجانى ... وبشعرى غنّيانى إنما الكأس ربيع ... يتعاطى بالبنان وحميّا الكأس دبّت ... بين رجلى ولسانى وهى تجرى أيضا فى نطاق الفرحة العميقة بالخمر، بل لعلها أقوى من سابقتها تعبيرا عن فرحته بها، فهى فى رأيه عطر الوجود بل ربيعه، وهو يتلظى بنشوتها التى تسرى فى جسده من فرعه إلى قدمه. وهو بحق يعدّ رائد العباسيين من أمثال أبى نواس فى هذا الفن من فنون الشعر، ولاحظ ذلك النقاد قديما فقال أبو الفرج: «وللوليد فى ذكر الخمر وصفتها أشعار كثيرة، قد أخذها الشعراء فأدخلوها فى أشعارهم، وسلخوا معانيها، وأبو نواس خاصة، فإنه سلخ معانيه كلها وجعلها فى شعره». ولم تستتم الخمرية عنده وحدتها الموضوعية والمعنوية وهذا الحب الذى يجعلها كاللهب المندلع فحسب، فإنها استتمت عنده أيضا التفاعل الحميم بين المعانى والألفاظ، بل بين المعانى والإيقاعات إذ كان عازفا محسنا، يحسن اللعب على أوتار العيدان والتوقيع على الطبول والدفوف، وله أصوات

стр. 804

مأثورة فى بعض أشعاره (١). ومن ثمّ اجتمع للخمرية عنده طرافة المعنى وحلاوة النغم، وقد مضى يؤثر الأوزان الخفيفة والمجزوءة من مثل الهزج والرّمل، بل لقد هداه ذوقه الموسيقى إلى اكتشاف وزن المجتثّ، فكان أول من نظم فيه (٢) وإذا صحت الخطبة الشعرية التى يقال إنه خطب بها فى يوم جمعة-وهى موعظة (٣) طويلة-كان أول من أعدّ لصورة المزدوجات التى شاعت بين أصحاب الشعر التعليمى فى العصر العباسى أبو الهندى (٤) هو غالب بن عبد القدوس بن شبث بن ربعىّ الرياحى التميمى، وقيل اسمه عبد الله وقيل بل عبد المؤمن، أدرك دولة بنى العباس ومات فى خلافة المنصور. وكان رحل إلى خراسان واستوطن فى أواخر عمره سجستان، واشتهر منذ مطالع حياته بالفسق وفساد الأخلاق ومعاقرته الشراب. ويقال إنه كان بخراسان يشرب على قارعة الطريق، فمرّ به نصر بن سيار واليها للأمويين، فقال له: ويحك يا أبا الهندى ألا تصون نفسك؟ قال: لو صنتها لما وليت أنت خراسان. ولما انتقل إلى سجستان نزل بموضع يقال له بالفارسية: «كوى زيان» وتفسيره بالعربية سكة الخسران، كانت تباع فيه الخمر وتقترف الفواحش. وكان شاعرا بارعا، وقد وهب شعره جميعه للخمر، وهو من هذه الناحيه يعد متمما للوليد بن يزيد، إذ دفع معه الشعر العربى إلى تمثل الخمرية بكل شياتها المعنوية والموسيقية، وشهد له بذلك غير ناقد، حتى لنرى إسحق الموصلى يقول إن معانى أبى نواس وطبقته فى الخمر مستمدة من أشعاره فيها، ويقول ابن المعتز: «كان جماعة مثل أبى نواس والخليع وأبى هفّان وطبقتهم إنما اقتدروا على وصف الخمر بما رأوا من شعر أبى الهندى وبما استنبطوا من معانيه». وله فى مداومة سكره وعدم إفاقته منه قصة تشبه قصة أبى نواس مع والبة. إذ يقال إنه

стр. 805

شرب عند خمار ونام، ودخل جماعة فسألوا عنه، فعرفوا خبره، فشربوا وناموا وانتبه، فرآهم، فسأل عنهم، فعرف أنهم مصرّعون من الخمر، فشرب، حتى سكر ونام، وانتبهوا فصنعوا صنيعه، وأقاموا جميعا كذلك عشرة أيام، يفيقون ثم يشربون وينامون، وروى قصته معهم فى بعض شعره. إنه يعيش للخمر ويعيش بالخمر، يصف سقاتها ودنانها وأباريقها وزقاقها مثل قوله: يمجّ سلافا من زقاق كأنها ... شيوخ بنى حام تحنّت ظهورها وقوله: وإذا صبّت لشرب خلتها ... حبشيّا قطعت منه الرّكب ونراه يصف القيان اللائى يسمعهن فى أثناء شربها، كما يصف من تصرعهم وصفا فيه براعة، فقد أخلص لها نفسه، ووجد فيها طمأنيته، بل فرحته ومسرته حتى ليتمنى أن يضمها إلى صدره فى قبره، فلا تزايله حيّا ولا ميتا، يقول: اجعلوا-إن متّ يوما-كفنى ... ورق الكرم وقبرى معصره وادفنونى وادفنوا الرّاح معى ... واجعلوا الأقداح حول المقبره وعلى هذا النحو مضى أبو الهندى فى سكة الخسران إلى الأنفاس الأخيرة من حياته، يصدح بخمرياته، ويتخذ الخمر وحى إلهامه. ٥ - شعراء الطبيعة لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الطبيعة دائما كانت ملهما بالغ التأثير فى نفسية الشاعر العربى، وقد مضى أسلافه فى الجاهلية يصدرون عنها فى أشعارهم، فلم يتركوا كبيرة ولا صغيرة فى صمتها ولا فى حركتها دون أن يرسموها فى أشعارهم، فهم يصورون فلواتها بكثبانها ورمالها وغدرانها وغيثها وسيولها وخصبها وجد بها ونباتاتها وأشجارها وحيوانها وطيرها وزواحفها وهواجرها وما قد ينزل ببعض مرتفعاتها وأطرافها من البرد وقوارصه.

стр. 806

ومضى شعراء العصر الأموى-على سنّة آبائهم-يستلهمون صحراءهم، مزاوجين على شاكلتهم بين حب الطبيعة وحب المرأة، إذ يفتتح الشاعر غالبا مطولاته بوصف أطلال الديار التى قضى بها شبابه مع بعض صواحبه، ويسترسل فى الحديث عن ذكريات حبه. ولا يلبث أن يتحدث عن رحلته فى الصحراء، وما قطع فيها من مفاوز على ناقته التى يسهب فى وصفها لما لها من جمال فى نفسه، كما يسهب فى وصف فرسه إن كان فارسا، وهو فى ثنايا ذلك يحدّثنا عن كل ما تقع عليه عينه فى صحرائه ويخلّف أثرا فى ذهنه من طير وحيوان فى الأرض ونجوم وكواكب فى السماء. وعلى الرغم من أن جمهور الشعراء لهذا العصر عاش فى بيئات متحضرة، فإن الصحراء لم تجفّ ينابيعها فى نفوسهم، بل لقد ظلت ملهمهم الأول فى أشعارهم، على نحو ما نجد عند مبرّزيهم من أمثال الفرزدق والأخطل وجرير، ومن خير ما يصور ذلك أبيات للفرزدق يوازن فيها بين طبيعة الصحراء ونهير دجيل وما يجرى فيه من سفن، موازنة يعلى فيها الطبيعة الأولى علوّا كبيرا، يقول (١): لفلج وصحراواه لو سرت فيهما ... أحبّ إلينا من دجيل وأفضل (٢) وراحلة قد عوّدونى ركوبها ... وما كنت ركّابا لها حين ترحل (٣) قوائمها أيدى الرجال إذا انتحت ... وتحمل من فيها قعودا وتحمل (٤) إذا ما تلقّتها الأواذىّ شقّها ... لها جؤجؤ لا يستريح وكلكل (٥) إذا رفعوا فيها الشّراع كأنها ... قلوص نعام أو ظليم شمردل (٦) وواضح أنه يؤثر الطبيعة الصحراوية البدوية على طبيعة البيئات الجديدة وما فيها من أنهار وسفن تحمل الناس فى رحلات نهرية ممتعة. وهو يعبّر بذلك

стр. 807

عن شعوره وشعور من حوله من الشعراء الذين فتنوا مثله بالصحراء ومناظرها الطبيعية أمثال ذى الرّمّة، وسنعرض له عما قليل. وكان يعاصره العجّاج وغيره من الرجّاز. أمثال رؤبة الذى يقول (١): إن الرّدافى والكرىّ الأرقبا ... يكفيك درء الفيل حتى تركبا (٢) فهو يفضل ركوب الإبل على ركوب الفيل الذى يحتاج إلى الدفع قبل اعتلائه. وليس معنى ذلك أن الشاعر الأموى لم يفسح لطبيعة البيئات الجديدة فى شعره، إنما معناه أن الطبيعة الصحراوية هى التى كانت تستولى على ملكاته، أما بعد ذلك فقد كانت تنفذ طبيعة الأقاليم الجديدة إلى حواسه، فيصور ما يراه بها من جبال وثلوج. وقد صور الفرزدق نفسه فى بعض رحلاته إلى دمشق ما كان ينزل عليه وعلى صحبه فى طريقه شتاء من نثير الثلج، يقول (٣): مستقبلين شمال الشام تضربهم ... بحاصب كنديف القطن منثور (٤) على عمائمنا يلقى، وأرحلنا ... على زواحف نزجيها محاسير (٥) وكان جرير على شاكلته لا يزال يبدئ ويعيد فى وصف المناظر الصحراوية ومع ذلك تلقانا فى ديوانه قطعة صوّر فيها نهيرات شقّها هشام بن عبد الملك من نهر الفرات، وخاصة نهير الهنئ، وما نبت على ضفافها من زرع وزيتون وأعناب ونخيل ومن كل الثمرات، وهى تطّرد على هذا النمط (٦): شققت من الفرات مباركات ... جوارى قد بلغن كما تريد وسخّرت الجبال وكنّ خرسا ... يقطّع فى مناكبها الحديد

стр. 808

بلغت من الهنئ فقلت شكرا ... هناك، وسهّل الجبل الصّلود (١) بها الزّيتون فى غلل ومالت ... عناقيد الكروم فهنّ سود (٢) فتمّت فى الهنئ جنان دنيا ... فقال الحاسدون هى الخلود يعضّون الأنامل أن رأوها ... بساتينا يؤازرها الحصيد (٣) ومن أزواج فاكهة ونخل ... يكون لحمله طلع نضيد (٤) وجرير يحدثنا عن شق الطرق للنهيرات فى الجبال وتحطيم ما يعترض من الصخور، كما يحدثنا عن المناظر الطبيعية فى تلك البيئة وما حفّ بها من أشجار فاكهة وغير فاكهة وزروع مختلفة. فالشاعر الأموى مع استغراق مناظر الصحراء له لم يغمض عينيه عن مناظر البيئات الجديدة، فقد كان يسجلها من حين إلى حين، وخاصة منهم من كانوا يلهجون بالصيد وكلابه وصقوره وفهوده، وسنعرض لذلك فى حديثنا عن الرّجّاز، وقد تعرضت طائفة منهم لوصف الفيل، على شاكلة قول رؤبة يصفه (٥): أجرد كالحصن طويل النّابين ... مشرّف اللّحى صغير الفقمين (٦) عليه أذنان كفضل الثّوبين واشتهر فى هذا المجال هرون مولى الأزد (٧). فالطبيعة الجديدة المتحركة والصامتة ألهمتهم كثيرا من الشعر والرجز، ولكن من الحق أن بيئتهم الصحراوية كانت ملهمهم الأول فى هذا العصر.

стр. 809

ذو الرّمّة (١) هو غيلان بن عقبة من بنى عدى بن عبد مناة، لقّب بذى الرمة لقوله فى بعض شعره يصف الوتد: «أشعث باقى رمّة التقليد» والرّمة: القطعة البالية من الحبل، وأضيفت إلى التقليد لأن الوتد يتقلد بها. وقيل: لقّب بذى الرمة لأنه كان-وهو غلام-يتفزّع، فأتت به أمه مقرئ قبيلته، فكتب له معاذة فى جلد غليظ، وعلّقتها أمه على يساره برمّة من حبل فسمّى ذا الرمة. وقيل إن مية التى شغفت قلبه حبّا هى التى لقّبته بذلك حين ألمّ بخبائها وطلب منها أن تسقيه ماء، وكان على كتفه رمة، فلما أتته بالماء، وكانت لا تعرفه، قالت له: اشرب يا ذا الرمة. وقد ولد بصحراء الدهناء بالقرب من بادية اليمامة، لأم من بنى أسد تسمى ظبية. وكان له ثلاثة إخوة كلهم شعراء، هم مسعود وأوفى وهشام، وفى بعض الروايات أن أوفى ابن عمه، أما أخوه الثالث فاسمه جرفاس. وقد ولد حوالى عام ٧٧ للهجرة، وتلقّن الكتابة، وليس بين أيدينا أخبار كثيرة عن نشأته الأولى، ونراه ينظم الشعر فى خلاف نشب بين قبيلته وعتيبة بن طرثوث بسبب بئر كانت لقومه، ومن ثم مضى يمدح المهاجر بن عبد الله والى اليمامة مثنيا على حكومته العادلة فى هذا الخلاف. ومن أخباره المتصلة بقبيلته أيضا أنه نزل مع نفر منها على عشيرة امرئ القيس بن عبد مناة، فلم يكرموهم، فانطلق يهجوهم، وكان ذلك سببا فى اصطدامه بشاعرهم المسمى هشاما المرئى، ولم يستطع هشام أن يثبت له لضعف شاعريته، على الرغم مما أمدّه به جرير من بعض الأشعار. وتدل أخباره على أنه كان ينزل الكوفة والبصرة-ويطيل النزول فيهما-منذ مطالع القرن الثانى للهجرة مادحا رجالاتهما، وأول ما نستقبله من ذلك مديحه

стр. 810

لهلال بين أحوز المازنى فى انتصاراته على المهالبة سنة ١٠٢ وقضائه على من بقى منهم بعد معارك مسلمة بن عبد الملك قضاء مبرما. وقد مدح عبد الملك بن بشر بن مروان نائب مسلمة على البصرة. وتولّى على العراق فى سنة ١٠٣ عمر بن هبيرة الفزارى فاتصل به ومدحه، حتى إذا خلفه خالد الفسرى منذ سنة ١٠٥ رأيناه يمدح نوابه ومن ولاهم الشرطة والأحكام، وعلى رأسهم نائبه أبان بن الوليد البجلى، ومالك بن المنذر بن الجارود صاحب شرطته. وأهم من مدحهم بلال ابن أبى بردة الأشعرى الذى ولى شئون الشرطة لخالد فى البصرة سنة ١٠٩، ثم ولى منذ سنة ١١٠ أمور البصرة كلها: القضاء والصلاة والأحداث، وظل يليها إلى أن توفى الشاعر. وقد امتدت رحلاته فى طلب النوال إلى دمشق وخاصة فى عهد هشام بن عبد الملك، فله فيه غير قصيدة، كما امتدت إلى مكة حيث مدح واليها إبراهيم بن هشام المخزومى، ولما ولى فارس أبان بن الوليد قصده ومدحه. وقد هجا فى بعض شعره حكيم بن عياش الكلبى الكوفى الذى كان يتعصب لليمن تعصبا مسرفا. والعناصر الإسلامية واضحة فى شعر ذى الرمة، فهو يمدح بالتقوى ويهجو بالضلال، ودائما يذكر فى رحلاته الصحراوية التيمم والقصر فى الصلاة وتلاوة آى الذكر الحكيم، ويظهر أنه كان كثير الاختلاف إلى مجالس الوعّاظ والمتكلمين فى عصره، حتى لنراه يعتنق مذهب القدرية فى العدل على الله ﷻ وفى حرية الإرادة، ويناقش رؤبة فى ذلك ويعلو عليه فى نقاشه (١)، ومما صدر فيه عن مذهبه قوله فى الغزل: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر وقد تعرض له بعض من سمعوه ينشده، يقول: هلا قلت: فعولين، وكأنه لم يلتفت إلى أنه يتحرز بذلك من القول بخلاف العدل وأن عمل الإنسان وعمل جوارحه بإرادته. ويجمع معاصروه على أن كان ذكيّا ذكاء حادّا وأنه كان كنزا من كنوز الفطنة وذخائرها الدقيقة، كما كان كنزا من كنوز العلم بالشعر القديم واللغة، وقد شغف بشعر الراعى، حتى قالوا إنه كان راويته
следующие страницы →