← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ومضى شعراء العصر الأموى-على سنّة آبائهم-يستلهمون صحراءهم، مزاوجين على شاكلتهم بين حب الطبيعة وحب المرأة، إذ يفتتح الشاعر غالبا مطولاته بوصف أطلال الديار التى قضى بها شبابه مع بعض صواحبه، ويسترسل فى الحديث عن ذكريات حبه. ولا يلبث أن يتحدث عن رحلته فى الصحراء، وما قطع فيها من مفاوز على ناقته التى يسهب فى وصفها لما لها من جمال فى نفسه، كما يسهب فى وصف فرسه إن كان فارسا، وهو فى ثنايا ذلك يحدّثنا عن كل ما تقع عليه عينه فى صحرائه ويخلّف أثرا فى ذهنه من طير وحيوان فى الأرض ونجوم وكواكب فى السماء. وعلى الرغم من أن جمهور الشعراء لهذا العصر عاش فى بيئات متحضرة، فإن الصحراء لم تجفّ ينابيعها فى نفوسهم، بل لقد ظلت ملهمهم الأول فى أشعارهم، على نحو ما نجد عند مبرّزيهم من أمثال الفرزدق والأخطل وجرير، ومن خير ما يصور ذلك أبيات للفرزدق يوازن فيها بين طبيعة الصحراء ونهير دجيل وما يجرى فيه من سفن، موازنة يعلى فيها الطبيعة الأولى علوّا كبيرا، يقول (١): لفلج وصحراواه لو سرت فيهما ... أحبّ إلينا من دجيل وأفضل (٢) وراحلة قد عوّدونى ركوبها ... وما كنت ركّابا لها حين ترحل (٣) قوائمها أيدى الرجال إذا انتحت ... وتحمل من فيها قعودا وتحمل (٤) إذا ما تلقّتها الأواذىّ شقّها ... لها جؤجؤ لا يستريح وكلكل (٥) إذا رفعوا فيها الشّراع كأنها ... قلوص نعام أو ظليم شمردل (٦) وواضح أنه يؤثر الطبيعة الصحراوية البدوية على طبيعة البيئات الجديدة وما فيها من أنهار وسفن تحمل الناس فى رحلات نهرية ممتعة. وهو يعبّر بذلك

стр. 807

عن شعوره وشعور من حوله من الشعراء الذين فتنوا مثله بالصحراء ومناظرها الطبيعية أمثال ذى الرّمّة، وسنعرض له عما قليل. وكان يعاصره العجّاج وغيره من الرجّاز. أمثال رؤبة الذى يقول (١): إن الرّدافى والكرىّ الأرقبا ... يكفيك درء الفيل حتى تركبا (٢) فهو يفضل ركوب الإبل على ركوب الفيل الذى يحتاج إلى الدفع قبل اعتلائه. وليس معنى ذلك أن الشاعر الأموى لم يفسح لطبيعة البيئات الجديدة فى شعره، إنما معناه أن الطبيعة الصحراوية هى التى كانت تستولى على ملكاته، أما بعد ذلك فقد كانت تنفذ طبيعة الأقاليم الجديدة إلى حواسه، فيصور ما يراه بها من جبال وثلوج. وقد صور الفرزدق نفسه فى بعض رحلاته إلى دمشق ما كان ينزل عليه وعلى صحبه فى طريقه شتاء من نثير الثلج، يقول (٣): مستقبلين شمال الشام تضربهم ... بحاصب كنديف القطن منثور (٤) على عمائمنا يلقى، وأرحلنا ... على زواحف نزجيها محاسير (٥) وكان جرير على شاكلته لا يزال يبدئ ويعيد فى وصف المناظر الصحراوية ومع ذلك تلقانا فى ديوانه قطعة صوّر فيها نهيرات شقّها هشام بن عبد الملك من نهر الفرات، وخاصة نهير الهنئ، وما نبت على ضفافها من زرع وزيتون وأعناب ونخيل ومن كل الثمرات، وهى تطّرد على هذا النمط (٦): شققت من الفرات مباركات ... جوارى قد بلغن كما تريد وسخّرت الجبال وكنّ خرسا ... يقطّع فى مناكبها الحديد

стр. 808

بلغت من الهنئ فقلت شكرا ... هناك، وسهّل الجبل الصّلود (١) بها الزّيتون فى غلل ومالت ... عناقيد الكروم فهنّ سود (٢) فتمّت فى الهنئ جنان دنيا ... فقال الحاسدون هى الخلود يعضّون الأنامل أن رأوها ... بساتينا يؤازرها الحصيد (٣) ومن أزواج فاكهة ونخل ... يكون لحمله طلع نضيد (٤) وجرير يحدثنا عن شق الطرق للنهيرات فى الجبال وتحطيم ما يعترض من الصخور، كما يحدثنا عن المناظر الطبيعية فى تلك البيئة وما حفّ بها من أشجار فاكهة وغير فاكهة وزروع مختلفة. فالشاعر الأموى مع استغراق مناظر الصحراء له لم يغمض عينيه عن مناظر البيئات الجديدة، فقد كان يسجلها من حين إلى حين، وخاصة منهم من كانوا يلهجون بالصيد وكلابه وصقوره وفهوده، وسنعرض لذلك فى حديثنا عن الرّجّاز، وقد تعرضت طائفة منهم لوصف الفيل، على شاكلة قول رؤبة يصفه (٥): أجرد كالحصن طويل النّابين ... مشرّف اللّحى صغير الفقمين (٦) عليه أذنان كفضل الثّوبين واشتهر فى هذا المجال هرون مولى الأزد (٧). فالطبيعة الجديدة المتحركة والصامتة ألهمتهم كثيرا من الشعر والرجز، ولكن من الحق أن بيئتهم الصحراوية كانت ملهمهم الأول فى هذا العصر.

стр. 809

ذو الرّمّة (١) هو غيلان بن عقبة من بنى عدى بن عبد مناة، لقّب بذى الرمة لقوله فى بعض شعره يصف الوتد: «أشعث باقى رمّة التقليد» والرّمة: القطعة البالية من الحبل، وأضيفت إلى التقليد لأن الوتد يتقلد بها. وقيل: لقّب بذى الرمة لأنه كان-وهو غلام-يتفزّع، فأتت به أمه مقرئ قبيلته، فكتب له معاذة فى جلد غليظ، وعلّقتها أمه على يساره برمّة من حبل فسمّى ذا الرمة. وقيل إن مية التى شغفت قلبه حبّا هى التى لقّبته بذلك حين ألمّ بخبائها وطلب منها أن تسقيه ماء، وكان على كتفه رمة، فلما أتته بالماء، وكانت لا تعرفه، قالت له: اشرب يا ذا الرمة. وقد ولد بصحراء الدهناء بالقرب من بادية اليمامة، لأم من بنى أسد تسمى ظبية. وكان له ثلاثة إخوة كلهم شعراء، هم مسعود وأوفى وهشام، وفى بعض الروايات أن أوفى ابن عمه، أما أخوه الثالث فاسمه جرفاس. وقد ولد حوالى عام ٧٧ للهجرة، وتلقّن الكتابة، وليس بين أيدينا أخبار كثيرة عن نشأته الأولى، ونراه ينظم الشعر فى خلاف نشب بين قبيلته وعتيبة بن طرثوث بسبب بئر كانت لقومه، ومن ثم مضى يمدح المهاجر بن عبد الله والى اليمامة مثنيا على حكومته العادلة فى هذا الخلاف. ومن أخباره المتصلة بقبيلته أيضا أنه نزل مع نفر منها على عشيرة امرئ القيس بن عبد مناة، فلم يكرموهم، فانطلق يهجوهم، وكان ذلك سببا فى اصطدامه بشاعرهم المسمى هشاما المرئى، ولم يستطع هشام أن يثبت له لضعف شاعريته، على الرغم مما أمدّه به جرير من بعض الأشعار. وتدل أخباره على أنه كان ينزل الكوفة والبصرة-ويطيل النزول فيهما-منذ مطالع القرن الثانى للهجرة مادحا رجالاتهما، وأول ما نستقبله من ذلك مديحه

стр. 810

لهلال بين أحوز المازنى فى انتصاراته على المهالبة سنة ١٠٢ وقضائه على من بقى منهم بعد معارك مسلمة بن عبد الملك قضاء مبرما. وقد مدح عبد الملك بن بشر بن مروان نائب مسلمة على البصرة. وتولّى على العراق فى سنة ١٠٣ عمر بن هبيرة الفزارى فاتصل به ومدحه، حتى إذا خلفه خالد الفسرى منذ سنة ١٠٥ رأيناه يمدح نوابه ومن ولاهم الشرطة والأحكام، وعلى رأسهم نائبه أبان بن الوليد البجلى، ومالك بن المنذر بن الجارود صاحب شرطته. وأهم من مدحهم بلال ابن أبى بردة الأشعرى الذى ولى شئون الشرطة لخالد فى البصرة سنة ١٠٩، ثم ولى منذ سنة ١١٠ أمور البصرة كلها: القضاء والصلاة والأحداث، وظل يليها إلى أن توفى الشاعر. وقد امتدت رحلاته فى طلب النوال إلى دمشق وخاصة فى عهد هشام بن عبد الملك، فله فيه غير قصيدة، كما امتدت إلى مكة حيث مدح واليها إبراهيم بن هشام المخزومى، ولما ولى فارس أبان بن الوليد قصده ومدحه. وقد هجا فى بعض شعره حكيم بن عياش الكلبى الكوفى الذى كان يتعصب لليمن تعصبا مسرفا. والعناصر الإسلامية واضحة فى شعر ذى الرمة، فهو يمدح بالتقوى ويهجو بالضلال، ودائما يذكر فى رحلاته الصحراوية التيمم والقصر فى الصلاة وتلاوة آى الذكر الحكيم، ويظهر أنه كان كثير الاختلاف إلى مجالس الوعّاظ والمتكلمين فى عصره، حتى لنراه يعتنق مذهب القدرية فى العدل على الله ﷻ وفى حرية الإرادة، ويناقش رؤبة فى ذلك ويعلو عليه فى نقاشه (١)، ومما صدر فيه عن مذهبه قوله فى الغزل: وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر وقد تعرض له بعض من سمعوه ينشده، يقول: هلا قلت: فعولين، وكأنه لم يلتفت إلى أنه يتحرز بذلك من القول بخلاف العدل وأن عمل الإنسان وعمل جوارحه بإرادته. ويجمع معاصروه على أن كان ذكيّا ذكاء حادّا وأنه كان كنزا من كنوز الفطنة وذخائرها الدقيقة، كما كان كنزا من كنوز العلم بالشعر القديم واللغة، وقد شغف بشعر الراعى، حتى قالوا إنه كان راويته

стр. 811

ولعله هو الذى ألهمه عنايته بالصحراء ووصف مناظرها الطبيعية، وقد مضى يتغناها إلى أن دفن فى أحضانها سنة ١١٧ للهجرة. وذو الرمة يتخلف فى المديح والهجاء جميعا عن فحول عصره أمثال الفرزدق وجرير، وكأن الطبيعة وما اقترن بها من حبه لم يبقيا فيه بقية. وملهمته الأولى فى الديوان ميّة بنت طلبة بن قيس بن عاصم، فقد رآها فى بعض رحلاته، فشغفت قلبه حبّا، وظل يتغنى باسمها وحبها فى كل مكان. وفى الديوان أخرى تسمى خرقاء، ولعله كان يكنى بها عن مية، وإن كان من الرواة من زعم أنها امرأة أخرى. وحبّ ذى الرمة حب عفيف كله أنين وزفرات ودموع وحنين بالغ من مثل قوله: وقفت على ربع لميّة ناقتى ... فما زلت أبكى عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثّه ... تكلّمنى أحجاره وملاعبه (١) وقوله: وحبّها لى سواد الليل مرتعدا ... كأنها النار تخبو ثم تلتهب وقوله: أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق (٢) وقوله: أجل عبرة كادت لعرفان منزل ... لميّة لو لم تسهل الماء تذبح ولعل شاعرا عربيّا لم يكثر من وصف دموعه كما أكثر ذو الرمة، وعبثا كان يطفئ بها نيران الحب المندلعة فى قلبه لمية، وقد مضى يتعزّى عنها بمحرابها الذى كانت تعيش فيه، فإذا هو أكبر شاعر يتغنى بالصحراء العربية، وحقّا كان الشعراء قبله وحوله يصفونها، ولكنه امتاز منهم بأنه عشقها، عشق أيامها ولياليها ورمالها وكثبانها وآجامها وأعشابها وأشجارها وحيوانها الأليف والوحشى

стр. 812

وكل ما يطوى فيها من آبار وسمائم وسراب وطير ورياح وكل ما يلمع فى سمائها من كواكب ونجوم وسحاب وغيوم. وكأنما وجد ذو الرمة عشقه الحقيقى فى الصحراء، فإذا هو ينقل مناظرها إلى شعره فى لوحات رائعة، وارجع إلى القصيدة الأولى فى ديوانه التى يفتتحها بوصف دموعه التى تسيل دائما ولا تفتر، إذ يقول: ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفريّة سرب (١) فإنك ستراه يخص محبوبته بنحو عشرين بيتا، ثم يمضى فى نحو مائة بيت يصور ثلاثة مشاهد رائعة من مشاهد الصحراء التى كانت تبهج نفسه، أولها مشهد أتن الوحش وحمارها، وهو يقودها فى يوم حارّ إلى ماء بعيد، تصل إليه، وتهوى عليه تريد أن تشفى غلّتها، فيتعرض لها صائد مختف وراء الأشجار بسهامه، فتفرّ على وجهها، وتطيش سهامه، ودائما تطيش هذه السهام فى شعر ذى الرمة حبّا للحيوان. والمشهد الثانى مشهد ثور الوحش فى كناسه مكتنّا من المطر، وقد ترامت حوله حنادس الليل ووساوسه، وتتفلت أضواء الصباح فيخرج من كناسه للرعى وإذا بصائد قد أرسل عليه كلابه، فيمزقها إربا، وينكشف عنه همه وروعه. والمشهد الثالث مشهد الظليم وصاحبته يرعيان بعيدا عن أفراخهما، ويكفهرّ الجو، فيسرعان إليها خيفة أن يسقط عليها برد السماء أو بعض السباع. وذو الرمة فى المشاهد الثلاثة يشبه الرسامين الذين يحشدون فى لوحاتهم جميع الجزئيات والتفاصيل، فهو يجسّم صورة الحيوان وصورة الصحراء من حوله برمالها ومفازاتها وأعشابها ونباتاتها وغدرانها، وهو إلى ذلك يبثّ فى الحيوان مشاعر الإنسان وما يعتريه من وساوس وهواجس. وقد صور فى الثور حين هاحمته الكلاب شعوره بعزته وكأنه يمثّل فيه البدوى وإحساسه بكرامته، كما صور فى الظليم وصاحبته عاطفة الأبوة والأمومة الرحيمة. ولعل هذه أهم خاصة تميّز وصف الحيوان الوحشى عند ذى الرمة إذ يحمّله

стр. 813

عواطف الإنسان ومشاعره، ومن أروع ما يصور ذلك عنده قوله فى ظبية وابنها أو خشفها: إذا استودعته صفصفا أو صريمة ... تنحّت ونصّت جيدها بالمناظر (١) حذارا على وسنان يصرعه الكرى ... بكل مقيل عن ضعاف فواتر (٢) وتهجره إلا اختلاسا نهارها ... وكم من محبّ رهبة العين هاجر حذار المنايا رهبة أن يفتنها ... به وهى إلا ذاك أضعف ناصر (٣) وواضح أنه صور محبة الظبية لابنها وكيف تخشى عليه السباع، فهى تبعد عنه حتى لا تدلّها عليه، وعينها مشدودة إليه، وقد امتلأ قلبها بالحنان والحب والشفقة. وعلى هذا النحو كان يبثّ فى الحيوان مشاعر الإنسان وأحاسيسه. وبجانب هذه الخاصة فى وصف الطبيعة الحية نجد خاصة أخرى فى وصف الطبيعة الصامتة، إذ ملأها بالحياة والحركة، ولكن كيف يأتى بذلك فى خمود الصحراء وهمودها؟ لقد استعان فى النهار بالسراب، فإذا ذرى الجبال تتحرك كأنها خيل ظالعة أو إبل تهدى للنّحر عند البيت الحرام، أو لعلها سفن تجرى فى الفرات، أما إذا جنّه الليل فحسبه النجوم التى يرى فيها صورة بقر الوحش والظباء. وجعله هذا التمثل لما يجرى فى الأرض والماء والسماء يقع على صور فريدة من مثل قوله فى وصف ظباء تبدو له من آفاق بعيدة: كأنّ بلادهن سماء ليل ... تكشّف عن كواكبها الغيوم وقوله فى ظباء أخرى: كأن أدمانها والشمس جانحة ... ودع بأرجائها فضّ ومنظوم (٤) وقوله فى وصف الإبل ورحلتها فى الصحراء: كأنّ مطايانا كل؟ ؟ ؟ مفازة ... قراقير فى صحراء دجلة تسبح (٥)

стр. 814

وفى الحق أن مخيلته كانت حالمة، إذ ما تزال تبدو له الطبيعة فى رؤى غريبة، وهى رؤى ملأت جوانب ديوانه بتجسيمات وتشخيصات بديعة من مثل قوله: وريح الخزامى رشّها الطّلّ بعدما ... دنا الليل حتى مسّها بالقوادم (١) وقوله: ألا طرقت مىّ هيوما بذكرها ... وأيدى الثّريّا جنّح فى المغارب (٢) ومن صوره الطريفة صورته للحرباء ووصفه لما اشتهر به من استقبال الشمس لاجئا بظهره إلى بعض العيدان ماداّ يديه كأنه مصلوب، يقول: إذا جعل الحرباء يغبرّ لونه ... ويخضرّ من لفح الهجير غباغبه (٣) ويشبح بالكفّين شبحا كأنه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه (٤) وعنى طويلا بوصف همس الفلوات وما يسمع فى حنادسها من أصوات مدوية كانوا ينسبونها إلى الجن، ونراه يشبّهها بتراطن الروم وتضراب الطّبل وصياح الضرائر وأصوات السمر (٥). ومن أهم ما يميزه عنصر المفاجأة فى صوره، وهو عنصر جعله يقرن الأشياء المتباعدة بعضها إلى بعض، فنصبح وكأننا حقا فى عالم من عوالم الرؤى والأحلام. ٦ - الرّجّاز الرّجز من البحور القديمة فى الشعر العربى، فقد كان يستخدم بكثرة فى العصر الجاهلى، وهى كثرة توكد أنه كان الوزن الشعبىّ العام الذى يدور على

стр. 815

كل لسان، ومن ثمّ قلما وجدنا شعراءهم المبرزين ينظمون فيه وكأنما تركوه للجمهور يتعهده ويرعاه. وليس ذلك كل ما نلاحظ فى شعبيته الجاهلية، فقد دخلت فيه صور كثيرة من الزّحاف، لا تلقانا فى أى وزن آخر، فكثر فيه المشطور والمنهوك، وأيضا فإنه لم يطل إذ كان لا يتجاوز البيتين والثلاثة إلا نادرا، فهو مقطوعات قصار، ينظمها كثيرون معروفون ومجهولون، حين يحدون ببعير وحين يجولون فى ميادين الحروب، وحين يتناولون أى عمل كحفر بئر أو متح منها. وعلى هذا النحو كان أبياتا قليلة تنظم بديهة وارتجالا مقترنة بأعمالهم وحركاتهم السريعة والبطيئة، ومن ثمّ قيل إنهم حاكوا به وقع أقدام إبلهم فى سيرها وسراها، وهيّأه ذلك لأن يكون من أكثر الأوزان وأوفرها لحنا ونغما لاقترانه بالحركة الدائبة. وأول من أطاله وجعله كالقصيد شاعر مخضرم استشهد بموقعة نهاوند سنة ٢١ للهجرة هو الأغلب (١) العجلىّ، ولا نتقدم فى عصر بنى أمية، حتى يتكاثر من يحاكونه. وحتى يقصر بعض الشعراء النابهين حياتهم على تجويده وتحبيره، وهم فى ذلك فريقان: فريق يجمع بينه وبين القصيد، وفريق لا يجاوزه، ولسنا نقصد بالفريق الأول من نظموا بعض أراجيز قليلة مثل جرير وذى الرمة، إنما نقصد من أكثروا منها. ونظموا بين الحين والحين بعض القصيد. وقد أخذت الأرجوزة-حين طالت-تتناول كل أغراض القصيدة وتجرى على نمطها من الحديث عن الأطلال ووصف الرحلة فى الصحراء والمديح والهجاء والفخر، فهى لا تختلف غالبا عنها فى النظام وسرد الموضوعات المتنوعة. ومضت تزحمها حتى غلبتها فى باب الصّيد بالجوارح، إذ نجد غير شاعر ينظم فى هذا الباب أراجيز كثيرة، منهم الشّمردل بن شريك التميمى الذى عرضنا له بين شعراء اللهو والمجون وفيه يقول صاحب الأغانى: «كان الشّمردل صاحب قنص وصيد بالجوارح وله فى الصّقر والكلب أراجيز سيرة (٢)» ويسوق له أرجوزة يستهلها على هذا النمط:

стр. 816

قد أغتدى والصبح فى حجابه ... والليل لم يأو إلى مآبه وقد بدا أبلق من منجابه ... متوّجىّ صاد فى شبابه (١) معاود قد ذلّ فى إصعابه ... فخرّق الضّفار من جذابه (٢) وعرف الصوت الذى يدعى به ... ولمعة الملمع فى أثوابه (٣) ويلقانا بأخرة من العصر أبو نخيلة (٤)، وهو مثل الشمردل كان يجمع بين الرجز والقصيد، ويقول ابن المعتز: «له فى الطّرد أراجيز كثيرة مشهورة. . وأعاجيبه فى القنص وغيره كثيرة» وقد ساق له أطرافا من تلك الأراجيز، ولعل فى هذا ما يصحح الفكرة التى كانت تزعم أن أبا نواس أول من فتح هذا الباب. وربما كان أهمّ من جمع بين الرجز والقصيد فى هذا العصر أبو النجم العجلى، وسنعرض له عما قليل. ويلقانا كثيرون لا يتجاوزون الرجز إلى القصيد، منهم دكين (٥) بن رجاء الفقيمى ودكين (٦) بن سعيد الدارمى، وقد خلط بينهما ابن قتيبة كما لاحظ ياقوت فى معجمه، ومنهم الزّفيان (٧) السعدى التميمى، وأبرزهم جميعا العجّاج وابنه رؤبة اللذان انتهت إليهما صناعة الرجز، ونقول صناعة، لأن الرجز تحول عندهما إلى صناعة لغوية، فلم يعد يقصد به إلى التعبير عن الأغراض الوجدانية وحدها، بل أصبح يقصد به أيضا إلى التعبير عن غرائب اللغة، وشركهما فى ذلك من بعض الوجوه أبو النجم، ولكنه لم يبعد فى الإغراب إبعادهما.

стр. 817

ونحن نجد هذه الرغبة فى العناية بالغريب عند كثير من الشعراء، مثل الطّرمّاح والكميت، وقد عرضنا لهما فى غير هذا الموضع. واشتهر شبيل بن عزرة الضّبعىّ بأشعار له بناها على اللفظ الغريب (١). وهو اتجاه تعليمى نظن ظنّا أن الذى دعا إليه عناية الأجانب بتعلم العربية ونهوض طائفة من العلماء بجمع اللغة وشواردها، وقد انبرى العجّاج وابنه رؤبة يجمعان لهم فى شعرهما هذه الشوارد حتى تحوّل ديواناهما إلى معجمين للغرائب اللغوية، وهما بحق يعدّان أهم من هيّأ لتحول الرجز من شعبيته القديمة إلى بيئة المثقفين، وسرعان ما استغله العباسيون فى شعرهم التعليمى الذى صنفوا فيه أهل المقالات وتحدثوا عن عجائب الخلق وقصّوا وساقوا الحكم والأمثال (٢). أبو النجم (٣) العجلىّ من أهل الكوفة، وكانت فيه فكاهة، فقرب من نفوس الولاة والأمراء والخلفاء، وله فيهم أمداح كثيرة، إذ نراه يمدح الحجاج وغيره من ولاة العراق كما يمدح سليمان بن عبد الملك وهشاما، وقد أقطعه الأخير بالكوفة أرضا تسمى الفرك، كان ينزل بها. وفى أخباره أنه قدم على زياد بن أبيه فرهبه رهبة شديدة، وخرج من عنده، وهو يقول (٤): أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاى بخطّ مختلف تكتّبان فى الطريق لام ألف وفى ذلك ما يدل على أنه كان كاتبا. ويجمع الرواة على أنه كان سريع البديهة فى صنع الشعر ونظمه، ومن ثمّ كان يغلب الشعراء والرجّاز حين

стр. 818

يستبقون فى موضوع يطرحه خليفة أو وال، ويظفر بالجائزة من دونهم، ويقول ابن سلام: إنه أبلغ فى النّعت من العجاج. وأمّ أراجيزه لاميته التى يستهلها بقوله (١): الحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخّل والأرجوزة بعد ذلك تفيض بالغريب فى وصف الإبل ومراعيها، وكان رؤبة يسميها أمّ الرجز استحسانا لها وإعجابا بها. ويروى أن العجّاج غدا على الناس بالمربد ينشدهم أرجوزته المشهورة «قد جبر الدين الإله فجبر (٢)» وقد ضمنها هجاءه لربيعة، فاستعدت عليه راجزها أبا النجم، فبادره ينشد أرجوزته «تذكّر القلب وجهلا ما ذكر» حتى إذا بلغ إلى قوله: «شيطانه أنثى وشيطانى ذكر» تعلّق الناس هذا الشّطر وهرب العجاج عنه. ومن طريف ما يروى من أراجيزه أرجوزته فى وصف فهود عبد الملك بن بشر بن مروان، وهو يستهلها بقوله: إنا نزلتا خير منزلات ... بين الحميرات المباركات فى لحم وحش وحباريات ... وإن أردنا الصيد ذا اللذّات (٣) جاء مطيعا لمطاوعات ... علّمن أو قد كنّ عالمات فهى ضوار من مضرّيات ... تريك آماقا مخطّطات سودا على الأشداق سائلات ... تلوى بأذناب موقّفات وكثير من رجزه على هذا النحو لا يبعد فيه ولا يغرب، وإن كان من الحق أنه «كان يتوسع فى الكلام ويحمل بعضه على بعض ويشتق بعضه من بعض (٤)»، ولكنه يظل قريبا منا فى جمهور رجزه، وخاصة حين يعمد إلى التندر والدعابة، على شاكلة قوله يوصى ابنته «برّة» عند زواجها:

стр. 819

أوصيت من برّة قلبا حرّا ... بالكلب خيرا والحماة شرّا لا تسأمى ضربا لها وجرّا ... حتى ترى حلو الحياة مرّا وإن كستك ذهبا ودرّا ... والحىّ عمّيهم بشرّ طرّا وكان بمثل هذه الدعابة يخف على قلوب الولاة والخلفاء، فيفسحون له فى مجالسهم ويجزلون له العطاء. العجّاج (١) هو عبد الله بن رؤبة التميمى، نشأ فى البادية ونزل البصرة، وكان دائب الرحلة إلى منازل قومه فى الصحراء، وقد سخّر أراجيزه منذ يزيد بن معاوية فى مديح الخلفاء، وخاصة سليمان. ونراه ينظم بلسان قومه فى خصومتهم للأزد عقب وفاة يزيد بن معاوية، ولما ولى مصعب العراق لأخيه عبد الله بن الزبير لزمه ومدحه وهجا المختار الثقفى، حتى إذا قتله عبد الملك بن مروان رأيناه يسارع إلى صفوف المروانيين، فيمدح بشر بن مروان والى العراق وأخاه عبد العزيز والى مصر، كما يمدح عمر بن عبيد الله بن معمر مشيدا بانتصاره على أبى فديك زعيم النّجدات من الخوارج، ويمدح أيضا الحجاج ويهجو خصومه من مثل ابن الأشعث. وكانت فيه عصبية لقومه جعلته يضطرب فيما يضطربون فيه من خصومات قبلية، ومرّ بنا وقوفه بالمربد يهجو ربيعة، وكيف اقتصّ منه أبو النجم. واشتهر بأنه لا يحسن الهجاء، وسئل فى ذلك فقال: هل فى الأرض صانع إلا وهو على الإفساد أقدر. وأراجيزه مليئة بأوابد اللغة وشواردها التى ينثرها، بل يضمها بعضها إلى بعض، فى وصف الطبيعة الصحراوية بمناهلها وغدرانها ورمالها وكثبانها ونباتاتها وحيوانها الوحشى والأليف، وكل ما يجرى فى أرضها من رياح وسموم وطير وفى

стр. 820

سمائها من كواكب ونجوم. وهو يعدّ بحق أول من فسح طاقة الرجز وجعله يخوض فى كل ما تخوض فيه القصيدة العربية الطويلة. وهو أيضا أول من دفعه بقوة من الميادين الشعبية إلى ميدان الغرابة اللفظية، ولم يكتف بذلك، فقد أخذ يقيس فى اللغة ويكثر من القياس، ويتصرف حسب ذوقه وإرادته الفنية. ولم يقف فى ذلك عند ألفاظ اللغة العربية وحدها، إذ كان يعمد إلى بعض الألفاظ الفارسية فيعرّبها، وقد يصرّف منها أفعالا، على نحو ما صنع فى أرجوزته الجيمية، إذ يلقانا فيها هذا الشطر: «كما رأيت فى الملاء البردجا» يريد الرقيق، وقال: «كالحبشى التفّ أو تسبّجا» يريد لبس قميصا، وهو بالفارسية شبى، فعرّبه بسبيجة، ثم صرّف منه فعلا فى بعض أبياته (١). ونراه يلتزم فى أراجيزه الموقوفة أو المختومة بالسكون أن يكون موضع الروىّ فى الإعراب واحدا، بحيث لو أطلقت قوافيها تحركت جميعا بحركة واحدة، على نحو ما يلاحظ ذلك فى أرجوزته الطويلة «قد جبر الدين الإله فجبر»، وهى فى نحو ما ئتى بيت، ولو أطلقت قوافيها كانت كلها منصوبة (٢). ومن طريف ما كان يأخذ به نفسه أحيانا أن نراه يعدل عن افتتاح بعض أراجيزه بذكر الأطلال ووصف الصحراء إلى الحمد والثناء على الله، وقد يسترسل فى ذلك استرسالا، فتصبح الأرجوزة موعظة تامة، على شاكلة أرجوزته: الحمد لله الذى استقلّت ... بإذنه السماء واطمأنّت وقد تحدّث فيها عن خلق السموات والأرض، والبعث والنشور، وما أفاء الله عليه من نعمه، وقلقه على مصيره ورجائه فى ثوابه. وهو فى ذلك يتأثر مباشرة بمواعظ الوعاظ من حوله أمثال الحسن البصرى وغيره وقد توفى سنة ٩٧ للهجرة. وتنسب له أرجوزة فى مديح يزيد بن عبد الملك، وإن صحت يكون قد لحق أوائل القرن الثانى حين كان يزيد خليفة، وهو على كل حال مات عن سن

стр. 821

عالية، ونراه فى أراجيزه يكثر من بكاء الشباب وتصوير شيخوخته وضعفه، من مثل قوله: إمّا ترينى أصل القّعّادا ... وأتقى-أن أنهض-الإرعادا (١) من أن تبدلت بآدى آدا ... لم يك ينآد فأمسى انآدا (٢) وقصبا حثّى حتى كادا ... يعود بعد أعظم أعوادا (٣) والجناس واضح فى البيت الثانى، وهو يشيع فى أراجيزه، لكثرة ما كان يعنى به من الإتيان بالمصادر وأفعالها ومشتقاتها، على نحو ما صنع هنا فى الآد وانآد، وقد جانس فى البيت الثالث بين يعود وأعواد. وكثيرا ما نراه يشتق من الأسماء الجامدة أفعالا ومشتقات، أو يأتى ببعض المزيدات من الحروف، وكل ذلك بقصد الإغراب، كأن الإغراب أصبح عنده يقصد لذاته، فإن فاته فى اللفظ نفسه أتى به فيما يضعه من صيغ جديدة. رؤبة (٤) سمّاه أبوه العجاج باسم جدّه، وقد ولد له حوالى عام ٦٥ للهجرة، ويظهر أنه عنى به منذ صغره، وأنه ما زال به حتى استيقظت شاعريته مبكرة، إذ نراه يفد معه على الوليد بن عبد الملك (٨٦ - ٩٦ هـ)، ونراه فى رفقة الشعراء الذين حجوا مع سليمان بن عبد الملك سنة سبع وتسعين (٥). ويظهر أنه كان يولع بالرحلة منذ شبابه إلى الشرق، فينزل تارة السند وتارة خراسان.

стр. 822

ومنذ أوائل القرن الثانى يلزم ولاة العراق يمدحهم، يمدح أولا مسلمة بن عبد الملك ويشيد بانتصاراته على الأزد وصاحبهم يزيد بن المهلب، ويجترّ فى هذه الإشادة عصبية عنيفة لقومه تميم، وقد مضى يمدح هريم بن أبى طحمة المجاشعى أحد قوادهم الذين أبلوا فى القضاء على يزيد وثورته. وتلقانا فى ديوانه أراجيز كثيرة فى مديح خالد القسرى وولاته وفى مديح كثير من رجالات العراق أمويين وغير أمويين، نذكر منهم المهاجر بن عبد الله والى اليمامة، وبلال بن أبى بردة الأشعرى نائب خالد على البصرة، وأبان بن الوليد البجلى نائبه فى شئون الخراج ثم والى فارس، والحكم بن عبد الملك بن بشر بن مروان، وحرب بن الحكم بن المنذر بن الجارود، وعمرو بن عنبسة بن سعيد بن العاص. ويقدم على الوليد بن يزيد بن عبد الملك فيمدحه، ويمدح مروان ابن محمد آخر خلفائهم ويلجّ فى هجاء خصومه المارقين. وينزل خراسان. فيمدح نصر بن سيار ويحذّره من أبى مسلم الخراسانى فى غير أرجوزة. وجعله هذا الموقف من مناصرة الأمويين يستشعر غير قليل من الخوف والوجل حين تحولت مقاليد الأمور إلى العباسيين، ويحاول أبو مسلم الخراسانى أن يذهب عنه روعه. وكذلك يصنع أبو العباس السفاح، وله فى مديحه أرجوزة طويلة إذ امتدت إلى أربعمائة بيت، ويمدح من بعده أبا جعفر المنصور. وهو فى أثناء ذلك كله مقيم بالبصرة، حتى إذا ثار بها إبراهيم بن عبد الله بن الحسن رأيناه يخاف على نفسه، ويخرج إلى البادية، ليتجنب الثورة، وسرعان ما يلبّى نداء ربه سنة ١٤٥ للهجرة. ومرّ بنا أنه كان جبريّا، يؤمن بأن عمل الإنسان قدر مقدور عليه لا مفر منه، مما جعله يناقش ذا الرمة فى مذهبه القدرىّ على نحو ما أسلفنا. والروح الإسلامية قوية فى شعره، ويقول بعض من ترجموا له إنه كان يتألّه. وعنده انتهى فن الرجز إلى كل ما كان ينتظره من وعوثة وصعوبة لغوية، إذ تحوّل به يرضى اللغويين من حوله ويقدّم لهم كل ما كانوا يطلبونه من الشواذ اللغوية فى الألفاظ وأبنيتها وهيئاتها وما قد يحدث فى بعض الحروف كالهمزة من إعلال، وكأنما تحوّل معينا لا ينفد للأوابد والشوارد، ومن ثمّ غدت الأرجوزة

стр. 823

عنده وكأنها متن لغوى معقد، أو قل مستغلق، تستغلق ألفاظه، إذ يختارها من وحشى الكلام، بحيث لا يفهمها إلا خاصة الخاصة من اللغويين الذين كانوا يأخذون عنه أمثال يونس وأبى عبيدة وخلف الأحمر وأبى عمرو بن العلاء. وهو لا يكتفى باستغلاق اللفظ من حيث وحشيته وغرابته، فقد كان يضيف إلى ذلك زوائد تزيده استغلاقا، زوائد من تغيير فى الحركات أو إعلال فى الحروف أو إتيان بصيغ جديدة فى التصريف بواسطة المصادر والجموع والأفعال، كأن يقول فى مطلع قافيته المشهورة: وقاتم الأعماق خاوى المخترق ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفق (١) فقد حرك فاء الخفق الساكنة وجعلها مفتوحة للإتباع. ومن ذلك إضافة النون الساكنة إلى بعض قوافيه مثل «يا أبتا علك أو عساكن» والإتيان بصيغة فيعل بفتح العين فى قوله: «ما بال عينى كالشّعيب العيّن» والقياس العيّن بكسر الياء مع التشديد (٢). واقرأ قوله فى وصف الليل: وجلّ ليل يحسب السّدوسا ... يستسمع السّارى به الجروسا (٣) هماهما يسهرن أو رسيسا ... علوت حين يخضع الرّعوسا (٤) قرع يد اللّعابة الطّسيسا (٥) ... فإنك تراه يجمع جرسا على جروس، فيغرب شيئا ما، ويعمد عمدا إلى ألفاظ غريبة يحشو بها وصفه من نحو السدوس والرسيس والرعوس، وجاء بالطست لا بصيغته المألوفة، وإنما بصيغة الطسيس. وعنى بأن يلائم بين الرّوىّ

стр. 824

والكلمات الداخلية فى البيت، إذ اختارها من ذوات السين. وهو مثل أبيه كان يعنى بالجناس كثيرا فى نظمه، وخاصة جناس الاشتقاق. واقرأ فى أراجيزه فإنك لا تستطيع أن تخرج من بيت إلى بيت إلا بعد أن تعكسه على فهمك مرارا، وتعود إلى معاجم اللغة تكرارا، وتنظر فى سيبويه وغيره ممن عنوا بتوجيه الصيغ فى شعره. ومن المؤكد أن أباه هو الذى فتح له هذا الباب، ولكنه هو الذى انتهى به إلى هذه الصورة المتعمقة فى الإغراب، إذ كان يكثر من القياس فى اللغة والتصرّف فيها بالتفريع والتوليد، محاولا أن يأتى بكل شاذة. وبذلك تحولت أراجيزه إلى متون لغوية كاملة، وأخذ يفزع إليه الشعراء الذين كانوا يعنون بإدخال الغريب من مثل الطّرمّاح والكميت، يأخذون منه الشئ بعد الشئ ليدحلوه فى أشعارهم (١). وتحوّل إليه يونس وأضرابه من علماء النحو يسجّلون رجزه وما يأتى به من مستغلقات لغوية، كان يحشدها فى أراجيزه من أجلهم، ونراه يصرّح بذلك، إذ يقول فى أرجوزة له «يلتمس النحوىّ فيها قصدى». وعلى هذه الشاكلة اقترنت الأرجوزة عند رؤبة بغاية تعليمية واضحة، وهى غاية لم تلبث أن تحولت بها كما قدمنا إلى الشعر التعليمى الذى أخذ ينظمه الشعراء فى العصر العباسى، وكأنهم وجدوا فى وفرة موسيقاها ما يتلافون به نقص المعانى الشعرية فى هذا الضرب الجاف من ضروب الشعر. ومضى العباسيون يولّدون من اتحاد مصاريعها صورا جديدة من المزدوج والمخمس. ونرى الأندلسيين حين يخترعون الموشحات ويزاوجون فيها بين الأوزان ويخالفون بين القوافى يعتمدون فى هذا الصنيع على نظام الأرجوزة فى التصريع، فيجعلون الشطر وحدة فى الموشحة، على نحو ما صنع رؤبة ورجّاز هذا العصر فى أراجيزهم. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن الأراجيز وخاصة عند رؤبة هى التى ألهمت ابن دريد حكاياته فى تعليم اللغة كما ألهمت بعد ذلك بديع الزمان الهمذانى والحريرى صنع مقاماتهم المعروفة.

стр. 825

الفصل السادس الخطابة والخطباء ١ - ازدهار الخطابة أسهمت عوامل كثيرة فى ازدهار الخطابة لعصر بنى أمية، إذ كانت لا تزال للعرب سلائقهم اللغوية ولم تفسد ألسنتهم بمجاورة الأمم الأجنبية والاختلاط بشعوبها، وكانوا من بلاغة المنطق وحسن البيان وجودة الإفصاح والإفهام بحيث يستطيع متكلمهم أن يبلغ ما يريد من استمالة الأسماع مع الديباجة الرائعة والرونق البديع. وقد وقف الجاحظ طويلا فى كتابه البيان والتبيين يشيد بقدرتهم الخطابية، وبلغ من إشادته بهذه القدرة أن رفعهم فى الخطابة على جميع الأمم، حتى الفرس واليونان، وهو محق فى تقديمه لهم على الفرس، أما اليونان فمن المعروف أن الخطابة بأنواعها السياسية والقضائية والحفلية نشطت عندهم نشاطا واسعا، وأنه اشتهر بينهم غير خطيب مثل ديموستين، وتوّج هذا النشاط بكتاب الخطابة لأرسططاليس. ويظهر أن الجاحظ لم يكن يعرف شيئا من ذلك، ومن ثم مضى يقدم الفرس على اليونان فى الخطابة، ومما لا شك فيه أنهم يتخلّفون عنهم وعن العرب جميعا فى مضمار هذا الفن من فنون النثر القولى. وعوامل مختلفة هيأت للخطابة العربية أن تبلغ فى هذا العصر كل ما كان ينتظر لها من نشاط وازدهار، بالإضافة إلى ما ذكرناه من مواهبهم البيانية، ومن الممكن أن نردها إلى السياسة والمحافل والدين، فأما من حيث السياسة فإن هذا العصر امتاز بظهور معارضة حادة فيه للدولة الأموية، وهى معارضة كانت تدور كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع على الخلافة وهل تقصر على بنى أمية أو

стр. 826

تكون حقّا شائعا للمسلمين جميعا، أو تردّ إلى بنى هاشم وأبناء على خاصة، أو تكون حقّا للعرب، فلا تختص بها قريش. وكان الأمويون وولاتهم من مثل زياد والحجاج لا يزالون يقرّرون أنها حق لهم وأن الله اصطفاهم ليقودوا العرب والمسلمين ويحكموهم بشريعته. وانبرى لهم الخوارج يصيحون منذ خروجهم على على بن أبى طالب بأن الخلافة حق عام للمسلمين، يتولاّها خيرهم زهدا وتقوى وورعا، ولو كان غير قرشى، بل لو كان غير عربى. ومضوا يحاجّون فى أول الأمر عليّا وابن عباس، ثم أخذوا يحاجون ابن الزبير، واختلفوا فيما بينهم وانقسموا فرقا وطرائق قددا، فكان منهم الأزارقة والنّجدات والصّفرية والإباضية، وأخذ كل فريق يحتج لرأيه مستعينا بدقة مداخله فى حجته. ومنذ قيام على بالكوفة ظهرت من حوله جماعة ترى أنه هو وأبناءه أصحاب الحق الشرعى فى الخلافة. ويتوفّى على، فيدعون للحسن، ويخيب ظنهم فيه حين يتنازل عن الخلافة لمعاوية. ولا تهدأ ثائرتهم، فيطلبهم زياد بن أبيه، وقصته مع حجر بن عدى مشهورة. ويتوفّى معاوية، فتكتب شيعة الكوفة إلى الحسين، ويتجه إليهم، ولكنه يقتل بكربلاء دون غايته. ويتوفّى يزيد ابن معاوية، فتنشب حركة التوابين، يقودها سليمان بن صرد، وتبوء بالخذلان. حينئذ يتولى قيادة الشيعة هناك المختار الثقفى، وما يزال يخطب ويدعو حتى يجتمع عليه خلق كثير، ويتجرد له مصعب بن الزبير، فيقضى عليه قضاء مبرما. ونمضى إلى القرن الثانى فيظهر زيد بن على بن الحسين، ويثور، وسرعان ما يقضى عليه. ويتكون فى هذه الأثناء حزب عبد الله بن الزبير، ويظل نحو ثمانى سنوات، وكان هذا الحزب يدعو إلى عودة الخلافة إلى الحجاز وأن يتولاها أحد أبناء كبار الصحابة من قريش، لا هؤلاء الأمويون الذين حولوا الخلافة إلى دمشق وأخذوا هناك يحكمون الناس مستندين إلى القبائل اليمنية الشامية. وبذلك ضاع الحكم من قريش ومن الحجاز جميعا.

стр. 827

وكان كثير من سادة العرب وأسرها النبيلة يرى أن الخلافة ينبغى أن لا تقصر على قريش وأن تردّ إلى العرب قاطبة، وبلغ هذا الشعور قمته فى الكوفة، فانبرى عبد الرحمن بن الأشعث الكندى يعبّر عنه فى ثورته على الحجاج، تؤيده بلدته، ولكن ثورته باءت بالفشل. ولا نصل إلى أوائل القرن الثانى حتى يثور نفس الثورة يزيد بن المهلب، وتدور عليه الدوائر. ودائما تلقانا فى صفوف هذه المعارضة خطابة كثيرة، إذ يمتشق الخطباء ألسنتهم فى تصوير مذاهبهم السياسية، يدعون لها، كما يدعون للانتقاض على بنى أمية. وكان يلقاهم أنصار الأمويين بخطابة ملتهبة، يصورون فيها خروجهم على الجماعة وشغبهم وأنهم يضلون الطريق. وكل ذلك هيأ فى قوة لنشاط الخطابة السياسية، ومن الممكن أن نضيف إلى هذا الجانب خطابة القواد فى الجيوش الغازية شرقا وغربا، إذ قلما احتدمت معركة إلا احتدم معها الشعر والخطابة. ومن الممكن أيضا أن نضيف ما احتدم بين القبائل من خصومات قبلية جعلتهم يقتتلون كما جعلتهم يخطبون متوعدين منذرين على نحو ما مرّ بنا فى خصومات قيس من جهة وتغلب والقبائل اليمنية من جهة ثانية سواء فى الشام أو فى الجزيرة، وكذلك خصومات تميم والأزد فى البصرة، وما اندلع من ألسنة هذه الخصومات جميعا فى خراسان. وهى-كما قدمنا-خصومات كانت تختلط فيها العصبيات القبلية بالسياسة وموقف القبائل من بنى أمية ونصرتهم لهم أو انفضاضهم عنهم. وإذا تركنا السياسة وأحزابها وأحداثها إلى المحافل ووفودها وجدنا لذلك آثارا قديمة منذ الجاهلية، وقد أخذت هذه الوفود تكثر منذ حياة الرسول ﷺ . وخاصة بعد فتح مكة. ولما فتحت الفتوح ومصرّت الأمصار واستبحرت الدولة واتسعت كان يقدم على الخلفاء الراشدين من ينبئونهم بالفتح، ومن يذكرون لهم حاجة قومهم فى المصر الجديد. وندخل فى عصر بنى أمية، فتتحول هذه الوفود إلى سيول، تقصد قصور الخلفاء وقصور الولاة، متحدثة فى شئون قومها. واشتهر معاوية باستقدامه الوفود من الأمصار حين تعنّ له فكرة سياسية كفكرة تولية ابنه يزيد الخلافة من بعده. وكانت هذه الوفود تنوب عن أقوامها

стр. 828

فى بيعة الخليفة الجديد وفى بثّ شكواها حين يلمّ بها ما يوجب الشكوى. وانبثقت فى هذه الأثناء خطب التهنئة والتعزية. وكانوا يسمّون محافل هذه الوفود باسم المقامات، وفى العادة كان ينوب عن القوم فى هذه المقامات سيدهم الذى يصدرون عن رأيه. ويتصادف فى بعض الأحيان أن تجتمع وفود مختلفة، حينئذ يتبارى خطباؤها، ويحاول كل منهم أن يكون له قصب السبق فى البيان والفصاحة. وبجانب المحافل والسياسة دفع الإسلام إلى نشاط واسع فى الخطابة، إذ جعلها جزءا لا يتجزأ من صلاة الجمعة والعيدين، فأيّان ركز الإسلام أعلامه انتصبت المنابر فى المساجد كى يعظ الخطباء الناس بالمواعظ الحسنة، يسهم فى ذلك الخلفاء والولاة، وجمهور كبير من الخطباء. ولم تلبث جماعة أن عاشت حياتها تعظ الناس مستلهمة هدى القرآن الكريم وتعاليم الرسول ﷺ ، وكثر أفراد هذه الجماعة فى كل مصر، وكثر بجانبهم جماعة من القصّاص، كانوا يقصون على الناس مازجين قصصهم بتفسير آى الذكر الحكيم وبكثير من مخلّفات أهل الكتب السماوية وتراثهم الدينى. وكانوا يستهوون الناس بما يوردون عليهم من أخبار عجيبة، وكان نفر منهم يتزيد فى هذه الأخبار تزيدا شديدا، مما جعل كثيرين من زهاد الأمة ونساكها ينفرون منهم، وخاصة حين رأوا معاوية وخلفاءه يستغلون بعضهم للدعوة لهم والإزراء على خصومهم (١)، فارضين لهم رواتب ومكافآت شهرية (٢). ولعل من الطريف أن هؤلاء القصاص كانوا ينبثّون فى الجيوش لتحميس الجند على القتال، كما كان ينبث معهم جماعة من الوعاظ، وفى الطبرى نصوص تدل على ذلك كثيرة، إذ نجد عتّاب بن ورقاء حين نازل شبيبا الخارجى يقصّ على جنده محمسا لهم (٣) كما نجد قتيبة بن مسلم فى خراسان يسأل عن واعظ جنده محمد بن واسع الأزدى الناسك المشهور (٤). ولم يكن ذلك قاصرا على جيوش الدولة، فقد كان الخوارج يذهبون نفس المذهب، ومن كبار قصّاصهم صالح بن مسرّح الصّفرىّ،

стр. 829

وفى الطبرى طرف من قصصه (١)، وكذلك كان يصنع أصحاب الثورات على نحو ما نعرف عن جهم بن صفوان وصنيعه فى فتنة الحارث بن سريج بخراسان (٢). وفى هذه البيئة الدينية، بيئة الوعظ والقصص، أخذ يتضح رقىّ العقل العربى بما أصاب من كنوز الثقافات الأجنبية، فإذا جدل كثير ينشب فى مسائل العقيدة، كمسألة ارتباط الإيمان بالعمل، وهل يعدّ المسلم مؤمنا وإن لم يؤدّ الفروض الدينية، ومثل مسألة حرية الإرادة وهل الإنسان مخيّر فى الحياة أو مسيّر لا حول له ولا قوة. ومثل مسألة صفات الله، هل هى عين الذات الإلهية أو غيرها، وسرعان ما تكونت فرق الجبرية والمرجئة والقدرية والمعتزلة، مما عرضنا له فى غير هذا الموضع. والمهم أن هذه الفرق تجادلت جدالا طويلا فى هذه المسائل العقيدية وهو جدال رشّح لقيام مناظرات عنيفة بينها، وهى مناظرات حشدوا لها كل ما يمكن من أدلة نقلية عن الكتاب والسنة وأدلة عقلية مدارها على البرهان المنطقى. ولم تكن هذه الفرق تتجادل فيما بينها فحسب، بل كانت تجادل أيضا طوائف من أصحاب الديانات السماوية وغير السماوية، وكانوا يرونهم فى جدالهم يستعينون بالمنطق اليونانى وبشعب مختلفة من الفلسفة والثقافات الأجنبية، فطلبوا الوقوف على ذلك كله. وهم من هذه الناحية يعدّون أسبق الطوائف العربية فى معرفة شئون الفكر الأجنبى ودقائق احتجاجاته. وعلى هذا النحو انبثق علم الكلام فى عصر بنى أمية، وانبثقت معه صور خطابية جدلية هى صور المناظرة والمحاورة، وهى صور جديدة ضمّت إلى صور الخطابة السياسية والحفلية والدينية، صور كانت تسعى إلى نقض أدلة الخصوم وبيان أنهم مخدوعون فيما يذهبون إليه من آراء. وكان الناس يجتمعون من حول أصحاب هذه الصور فى حلقات، يقف فيها المناظر ومعه أصحابه، فيعلن رأيه ويدعمه بكل دليل، ويتقدم خصمه بين أنصاره فيحاول أن يحطم له كل دليل قدّمه، وأن يثبت رأيه هو بما يجمع له من براهين. وسنرى مدى ما كان لهذه المناظرات من أثر فى رقى الخطابة رقيّا بعيدا.

стр. 830

٢ - خطباء السياسة نمت الخطابة السياسية فى هذا العصر ونهضت نهوضا عظيما، إذ دارت على كل لسان مؤيد أو معارض للدولة، فأيان وليت وجهك فى السلم والحرب وجدت الخطباء متراصّين فى صفوف متلاحقة يخطبون الناس محاولين أن يستميلوهم إلى آرائهم داحضين بكل ما وسعهم آراء خصومهم. وتموج كتب الأدب والتاريخ بما نثروه من خطبهم وأقوالهم وارجع إلى الطبرى فستراه لا يعرض عليك أى رأى دون أن يشفعه غالبا بما خطب به صاحبه وأورد من حجج تؤيده، وكثيرا ما يناقضه خصومه مظهرين ما فى رأيه من تمويه. وليس هناك حزب ولا ثورة كبيرة أو صغيرة إلا وخطباء كثيرون ينبرون للترويج لهذا الحزب، أو تلك الثورة، فللخوارج خطباؤهم، وكذلك للشيعة وللزبيريين ولابن الأشعث وغيره من الثوار. وكان يقابل هؤلاء الخطباء المعارضين للدولة خطباء كثيرون يؤيدون بنى أمية من ذات أنفسهم أو من ولاتهم وقوادهم. وهناك فى أطراف الدولة شرقا وغربا خطباء مفوهون يستحثون الجيوش على الجهاد فى سبيل الله والتنكيل بأعدائهم تنكيلا شديدا. وبذلك انتشرت الخطابة السياسية فى كل مكان وعلى كل لسان. ولعل حزبا لم يكثر خطباؤه كما كثروا فى الخوارج، إذ كانوا شديدى الحماسة لعقيدتهم، ولم يدعوا لها سرّا كما دعا الشيعة فى أكثر الأمر، بل دعوا لها جهارا، شاهرين سيوفهم فى وجوه بنى أمية وولاتهم. على أنه ينبغى أن نلاحظ أن جمهور خطبهم سقط من يد الزمن ولم يصلنا، لأن الناس من غير بيئتهم كانوا يتحرجون من روايتها، إذ كانوا يرون فيهم ثوارا خارجين على الجماعة، ويظهر أنهم أنفسهم لم يحرصوا على تسجيلها وروايتها. ومع ذلك فقد بقيت منها بقية احتفظت بها كتب الأدب والتاريخ، وأيضا فإنها احتفظت، وخاصة كتاب البيان والتبيين، بأسمائهم (١).

стр. 831

وأول من يلقانا من خطبائهم حيّان بن ظبيان السّلمى والمستورد بن علّفة لعهد المغيرة بن شعبة فى ولايته على الكوفة لمعاوية. ولا نلبث أن نلتقى بنافع ابن الأزرق وطائفة من زعمائهم لدى عبد الله بن الزبير يناظرونه حتى إذا لم يجدوه على رأيهم انصرفوا عنه إلى البصرة، وهناك انقسموا-على نحو ما مرّ بنا-إلى أزارقة ونجدات وصفريّة وإباضية، وأسرع الأزارقة فأعلنوا ثورتهم وشهروا سيوفهم فى وجوه ولاة ابن الزبير ثم من خلفوهم من ولاة بنى أمية، وتصدّى لهم المهلب ابن أبى صفرة وقواد آخرون، ومزّقوهم شر ممزّق. وقد ظلت نيران هذه الحروب مع الأزارقة مستعرة نحو خمسة عشر عاما كانت تحتدم فيها المعارك الحربية واللسانية من الشعر والخطابة، ومن أهم خطبائهم نافع بن الأزرق والزبير بن على الذى وليهم بعد نافع وابن الماحوز، وله خطب مختلفة يحرضهم فيها على القتال والاستشهاد طلبا لما عند الله من الثواب. وتلقانا فى خطابتهم نفس الروح التى وصفناها فى أشعارهم، إذ نراهم يدعون للترامى على الموت ترامى الفراش على النار غير آبهين بالحياة الدنيا، إنها حياة زائفة، وهم يريدون الحياة الخالدة فى الدار الآخرة. وهم إنما يحاربون فى سبيل الحق، يحاربون تلك الفئة التى ضلت فى رأيهم، وكل منهم يلتمس الشهادة، يقول الزبير فى بعض خطبه (١): «إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر، وهو على الكافرين عقوبة وخزى. وثقوا بأنكم المستخلفون فى الأرض والعاقبة للمتقين». فهم فى رأيه الفئة المحقة وخصومهم الفئة المبطلة، وهم المؤمنون حقّا وغيرهم الكافرون، وقتلاهم فى الجنة أما قتلى غيرهم ففى النار، وهم لذلك يطلبون الاستشهاد، بل يطلبون العجلة إليه، حتى يتخلصوا من الدنيا ومتعها الزائلة، وكأنما يرون فى الموت نفسه ضربا من الغلبة على خصومهم الذين غلبوا على الدنيا، ولا يريدون أن يغلبوهم أيضا على الآخرة. وإذا كنا لاحظنا فى شعرهم تنفيرا من الدنيا، حتى ليتحول فى بعض جوانبه إلى موعظة خالصة فكذلك الشأن فى خطبهم، على نحو ما يلقانا فى خطبة قطرىّ ابن الفجاءة قائدهم بعد الزبير بن على، وهو يستهلها على هذا النمط (٢):

стр. 832

«أما بعد فإنى أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة (١)، حفّت بالشهوات. . . مع أن امرأ لم يكن منها فى حبرة (٢)، إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرّائها بطنا، إلا منحته من ضرّائها ظهرا، ولم تطلّه غبية (٣) رخاء، إلا هطلت عليه مزنة (٤) بلاء، وحرىّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسى له خاذلة متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى (٥) أمرّ عليه منها جانب وأوبى (٦)، وإن آتت امرءا من غضارتها (٧) ورفاهتها نعما أرهقته من نوائبها نقما، ولم يمس امرؤ منها فى جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم (٨) خوف، غرّارة غرور ما فيها، فانية، فان من عليها، لا خير فى شئ من زادها إلا التقوى». وتمضى الخطبة وهى طويلة على هذا النحو من الوعظ والترغيب والترهيب، وواضح ما فيها من جمال اللفظ وروعة أسره، وقد اختار لها قطرى السجع حتى يؤثر فى نفوس سامعيه أقوى تأثير، ولم يكتف بالسجع، بل أضاف إليه التصوير، كما أضاف الطباق، حتى يبلغ كل ما يريد من تنميق معانيه. وممن اشتهر من خطباء الأزارقة عبيدة بن هلال اليشكرى وزيد بن جندب الإيادى وعبد ربّ الصغير. ويلقانا بين خطباء الصّفرية عمران بن حطّان وصالح بن مسرّح الذى كان يعظهم ويقص فيهم قصصا كثيرا وكان فى وعظه وقصصه يحمل على بنى أمية ومن معهم من الجماعة الإسلامية حملات شعواء، حتى إذا بلغ من إثارة أصحابه فى الجزيرة والموصل ما أراد خرج على الحجّاج، وقتل، فخلفه شبيب الذى دوّخ جيوش الحجاج طويلا، ومن قول صالح فى بعض مواعظه (٩): «أوصيكم بتقوى الله والزهد فى الدنيا والرّغبة فى الآخرة وكثرة ذكر الموت، وفراق الفاسقين وحب المؤمنين، فإن الزهادة فى الدنيا ترغّب العبد فيما عند الله وتفرّغ بدنه لطاعة الله، وإن كثرة ذكر الموت تخيف العبد من ربه، حتى

стр. 833

يجأر (١) إليه ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله فى كتابه: ﴿(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ)﴾ وإن حبّ المؤمنين للسّبب الذى ينال به كرامة الله ورحمته، جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين». ومضى على هذه الشاكلة يعظ من حوله من الصّفرية ويحرضهم على قتال بنى أمية أئمة الضلال الظّلمة كما يقول، حاثّا لهم أن يلحقوا بإخوانهم المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة ابتغاء رضوان الله. وممن اشتهر بين الصّفرية بالخطابة الطّرمّاح بن حكيم وشبيل بن عزرة الضّبعى والضحاك بن قيس الذى خرج لعهد مروان بن محمد وغلب على العراق فترة من الوقت. ولم تحدثنا كتب الأدب والتاريخ عن خطباء النّجدات، أما الإباضية فقد اشتهر من بينهم بالخطابة عبد الله بن يحيى الكندى الملقب بطالب الحق، وقد دعا إلى الثورة على الأمويين فى سنة ١٢٩ واستطاع أن يستولى على حضرموت واليمن، واتجهت جيوشه بقيادة أبى حمزة قائده إلى الحجاز فاستولت عليه. ولم تلبث جيوش مروان بن محمد أن ردّت الأمر إلى نصابه. ولأبى حمزة خطب مأثورة تدل دلالة بينة على أنه كان من راضة الكلام، وربما كان أروع خطبه كلمته التى ألقاها فى مكة، ويقال بل ألقاها فى المدينة (٢)، وهو يستهلها بالثناء على أبى بكر وعمر ولا يلبث أن يطعن فى عثمان ومن جاء بعده من خلفاء بنى أمية، مصورا تعطيلهم لحدود الله وأحكامه وأخذهم للرعية بالبطش والظلم، منددا بمن اشتهروا منهم باللهو والمجون مثل يزيد بن معاوية ويزيد بن عبد الملك. وينتقل إلى تصوير الخوارج وإخلاصهم لعقيدتهم وتقواهم وزهدهم فى الدنيا وجهادهم فى سبيل الله مستعذبين للاستشهاد إذ يرون فيه الحياة كل الحياة، الحياة الباقية التى لا تفنى، يقول متحدثا عن شبابهم: «شباب والله مكتهلون (٣) فى شبابهم غضيضة عن الشرّ أعينهم، ثقيلة عن

стр. 834

الباطل أرجلهم، أنضاء (١) عبادة وأطلاح (٢) سهر، ينظر الله إليهم فى جوف الليل، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مرّ بآية من ذكر النار شهق شهقة كأنّ زفير جهنم بين أذنيه. موصول كلالهم (٣) بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار. . حتى إذا رأوا السّهام قد فوّقت (٤) والرماح قد أشرعت (٥) والسيوف قد انتضيت (٦)، ورعدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت استخفّوا بوعيد الكتيبة لوعد الله، ومضى الشباب منهم قدما، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضّبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت عليه طير السماء. فكم من عين فى منقار طائر طالما بكى صاحبها فى جوف الليل من خوف الله، وكم من كفّ زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها فى جوف الليل بالسجود لله». وهى صورة رائعة لشباب الخوارج أحكم أبو حمزة إخراجها فى ألفاظ طلية تستميل القلوب بعذوبتها، ومعان تحيط بكل ما أراد من تمثيل تقوى الخوارج وإيثارهم لما عند الله من النعيم، وتمثيل اندفاعهم على حياض الموت كلّ يودّ أن يكون السابق إلى دار الخلود وأن يموت قعصا بالرماح، وأن تنوشه سباع الحيوان والطير، حتى يستحقّ رضوان ربه. وعلى نحو ما كان للخوارج خطباؤهم كان للشيعة خطباء كثيرون، وكانوا على شاكلة خطباء الخوارج ينددون دائما ببنى أمية، وأنهم اغتصبوا الخلافة، وساروا فيها سيرة جائرة عطّلوا فيها أحكام الشريعة وما رسمه القرآن ورسوله الكريم. وكانوا لا يزالون يردّدون أن أبناء على هم أصحاب الخلافة الشرعيون بغى عليهم بنو أمية إذ انتزعوا منهم ميراثهم عن الرسول الكريم. وتدور هذه الأفكار دائما فى خطابتهم وخطابة أئمتهم، على نحو ما نجد عند الحسين حين اقترب من الكوفة واجتمع

стр. 835

الناس من حوله ولقيته مقدمات الجيش الذى أرسله له عبيد الله بن زياد، فقد انصرف إلى القوم بوجهه، يقول فى كلمة له (١). «أما بعد أيها الناس فإنكم إن تتقوا وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله. ونحن-أهل البيت-أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان». وتتطور الأمور ويقتل الحسين، ويتخذ الشيعة من مقتله دليلا واضحا على ظلم بنى أمية وأنهم يسوسون الأمة سياسة جائرة، فقد استباحوا دم حفيد الرسول ﷺ . ويتوفّى يزيد بن معاوية فيتجمع كثير من شيعة الكوفة بقيادة سليمان بن صرد، فيعلنون توبتهم من السكوت عن الثأر للحسين وما كان من القعود عن نصرته. ويخطب سليمان وكثيرون غيره محرضين على الثورة، وهم فى تضاعيف ذلك يقررون حق آل البيت فى الخلافة لقرابتهم من الرسول مستثيرين الناس على الأمويين لما سفكوا من دم الحسين الطاهر ابن بنت الرسول، من ذلك قول سليمان بن صرد فى إحدى خطبه (٢): «قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة (٣) من لحمه ودمه. . اتخذه الفاسقون غرضا للنّبل. . ألا انهضوا فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا إلى الحلائل (٤) والأبناء حتى يرضى الله. والله ما أظنه راضيا دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا (٥)». وكان من زعماء التّوابين معه عبيد الله بن عبد الله المرّى، وكان خطيبا لا يبارى، فمضى يعظ الناس ويحرّضهم على الانتقاض على الأمويين بمثل قوله (٦): «هل خلق ربكم فى الأولين والآخرين أعظم حقّا على هذه الأمة من نبيّها؟ وهل ذرّية أحد من النبيين والمرسلين أو غيرهم أعظم حقّا على هذه الأمة من ذرية رسولها؟ لا والله ما كان ولا يكون، ألم تروا ويبلغكم ما اجترم (٧) إلى ابن بنت نبيكم. . وترميلهم (٨) إياه بالدم وتجرارهموه على الأرض؟ لم يراقبوا فيه ربهم

стр. 836

ولا قرابته من الرسول ﷺ . . ابن أول المسلمين إسلاما وابن بنت رسول ربّ العالمين، قتله عدوه وخذله وليّه، فويل للقاتل وملامة للخاذل. . إلا أن يناصح لله فى التوبة، فيجاهد القاتلين. . وعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة. . إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته وإلى جهاد المحلّين والمارقين». وخرج التوابون من الكوفة إلى الشمال فالتقوا بجيش أموى نكّل بهم وفرق جموعهم، فارتدوا إلى الكوفة، وهناك تلقّاهم المختار الثقفى، زاعما أن ابن الحنفية-على الرغم من تبرئه منه-بعثه على الشيعة أميرا وأمره بقتال الملحدين والطلب بدماء أهل بيته. وهو يعدّ المؤسس الحقيقى لفرقة الكيسانية المشهورة فى تاريخ الشيعة، وقد مرّ بنا تصوير عقيدتها ومدى ما ذهبت إليه من غلو وإسراف، وكيف أنها كانت تدعو لابن الحنفية محمد بن على، وتعده وصيّه والإمام المهدى المنتظر. وكان المختار خارجيّا ثم صار زبيريّا ثم صار كيسانيّا (١) وكان لسنا فصيحا، من أهل الدهاء، فجمع الشيعة حوله، ووجههم بقيادة إبراهيم بن الأشتر لحرب أهل الشام فالتقوا بهم فى «خازر» وعصفوا بهم عصفا. ولم يلبث مصعب بن الزبير والى البصرة لأخيه عبد الله أن قضى عليه بعد معارك طاحنة. وكانت فى المختار شعوذة كثيرة، جعلته يتأثر فى خطابته كهنة الجاهلية، حتى كان يزعم- على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، أنه يوحى إليه، مصوّرا هذا الوحى فى فقرات من السجع يوشّيها بالأيمان واللفظ الغريب على شاكلة قوله (٢): «أما وربّ البحار، والنخيل والأشجار، والمهامه (٣) والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلنّ كل جبّار، بكل لدن خطّار (٤)، ومهنّد بتّار (٥)، فى جموع من الأنصار، ليسوا بميل أغمار (٦)، ولا بعزل (٧) أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين ورأبت شعب (٨) صدع المسلمين، وشفيت

стр. 837

غليل صدور المؤمنين، وأدركت بثأر النبيين، لم يكبر علىّ زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى». وأكبر الظن أنه قد اتضحت لنا المعانى التى كان يردّدها خطباء الشيعة، وهى معان تردّ إلى بيان حقوق آل البيت فى الخلافة، وأن على المسلمين أن ينصروهم، وأن يأخذوا بثأر من قتله الأمويون منهم. وفى تضاعيف ذلك يحمل خطباؤهم على بنى أمية حملات عنيفة مصورين ظلمهم ونقضهم لأحكام الكتاب والسنة. ومن أعلام الخطابة الشيعية زيد بن على وابنه يحيى، وإن كانت كتب الأدب والتاريخ الوثيقة لم تحتفظ بشئ من خطابتهما، وكذلك هى لم تحتفظ بشئ من خطابة بنى صوحان: صعصعة وزيد وسيحان وكانوا شيعة وفى الذروة من البيان والفصاحة. وقد احتفظ ابن أبى الحديد بكثير من المخاصمات والمحاورات بين الحسن بن على وعمرو بن العاص وبعض بنى أمية، وهى مخاصمات يغلب عليها الانتحال، ومثلها المخاصمات التى دارت بين ابن عباس ومعاوية وبعض أصحابه مما احتفظ به ابن أبى الحديد والعقد الفريد والمسعودى. ولم يعش حزب الزبيريين طويلا، ولذلك لم يتكاثر خطباؤه، وعبد الله ابن الزبير خطيب هذا الحزب، وكان مفوها بليغا يعرف كيف يخلب الألباب بكلامه، ويستولى على النفوس بحلاوة منطقه، وهو فى خطابته يتناول الأمويين بالقدح والتجريح، وقد استغل مقتلهم للحسين ليبين غدرهم وما يتورطون فيه من آثام. وله مناظرة مع الخوارج تدل على قوة منطقه وحدة ذكائه (١)، وأيضا له خطبة مشهورة خطبها حين جاءه نعى أخيه مصعب واستيلاء عبد الملك بن مروان على العراق، وهى تصور رباطة جأشه وصدق يقينه، وفيها يقول (٢): «إن يقتل فقد قتل أبوه وعمه وابن عمه (٣)، وكانوا الخيار الصالحين، إنا والله لا نموت حتف أنوفنا (٤)، ولكن قعصا (٥) بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف،

стр. 838

وليس كما يموت بنو مروان، والله ما قتل منهم رجل فى زحف فى جاهلية ولا إسلام قط. ألا وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذى لا يزول سلطانه، ولا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا علىّ لم آخذها أخذ الأشر (١) البطر، وإن تدبر عنى لم أبك عليها بكاء الخرق المهين (٢)». ولأخيه مصعب خطب مدونة، وقد جعل إحداها آيات قرآنية خالصة (٣)، ولأمهما أسماء مع ابنها عبد الله محاورة (٤) طريفة حين حاصره الحجاج فى مكة وتخاذل عنه الناس. وإذا تركنا خطباء الأحزاب السياسية إلى خطباء الثورات كان أول من نلقاه منهم عبد الله بن حنظلة زعيم ثورة المدينة ضد يزيد بن معاوية، ثم عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق لبلاغته فى خطابته، وقد ثار على عبد الملك بالشام سنة ٦٩ للهجرة وقضى عليه. ويلقانا بعد ذلك عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث فى ثورته على الحجاج، وكان مدرها مفوّها، ومن خطباء ثورته عامر بن واثلة الكنانى وعبد المؤمن بن شبث بن ربعىّ. ولا نصل إلى عصر سليمان ابن عبد الملك حتى يثور عليه قتيبة بن مسلم الباهلى فى خراسان حاضّا الجند على متابعته. ونستقبل مع أوائل القرن الثانى ثورة يزيد بن المهلب على يزيد ابن عبد الملك، وكان خطيبا بليغا، وطالما خطب فى جنوده يحرضهم على أهل الشام. وكل من سميناهم من هؤلاء الثوار تتناثر خطبهم فى الطبرى وكتب الأدب، وهى كلها تدور على إثارة الناس ضد بنى أمية وبيان ما فى حكمهم من ظلم وما يأخذهم به ولاتهم من عسف وكيف أنهم جميعا عطّلوا أحكام الشريعة واستأثروا بالفئ، حتى لنرى يزيد بن المهلب فى بعض خطبه يجعل جهادهم أعظم ثوابا من جهاد الترك والديلم (٥). وكان يقف فى الصف المقابل من هؤلاء الخطباء المعارضين خطباء بنى أمية، يتقدمهم الخلفاء، ثم الولاة والقواد، وممن اشتهر من الخلفاء بإحكام الصنعة فى

стр. 839

الخطابة مع جهارة المنطق وطلاوة الكلم معاوية وعبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد الناقص، وقد وصف بعض الشعراء مهارة معاوية فى خطابته فقال (١): ركوب المنابر وثّابها ... معنّ بخطبته مجهر (٢) تريع إليه هوادى الكلام ... إذا ضلّ خطبته المهذر (٣) وخطابته قسمان: قسم سياسة خالصة، وقسم مواعظ وترغيب وترهيب، وهو فى القسم الأول يدعو إلى الطاعة ملوّحا بما فى يديه من قوة ومن عطايا وهبات، ومن خير ما يمثّل ذلك خطبته فى عام الجماعة سنة ٤١ للهجرة بالمدينة (٤). وهو فى القسم الثانى ينفّر من الدنيا والتعلق بمتاعها الزائل، ومن خير ما يمثل هذا القسم خطبة رواها له الجاحظ (٥)، وقد اتهم نسبتها إليه وقال إنها حرية بأن تنسب إلى على بن أبى طالب. والجاحظ بهذا الاتهام يقسو على معاوية، وكأنه نسى أنه من كتّاب الوحى وأنه من جلّة الصحابة. وتتردد فى خطابة عبد الملك مطالبة الرعية بالطاعة لخليفتهم، مع التهديد والوعيد لمن تحدّثهم نفوسهم بالخروج عليه (٦)، أما عمر بن عبد العزيز فخطبه مواعظ خالصة، يتحدث فيها عما ينتظر الإنسان من الموت وانتقاله إلى دار الخلود ومحاسبته على ما قدّمت يداه على شاكلة قوله فى كلمة له (٧): «أيها الناس! إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا يحكّم الله نبيّكم فيه، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التى وسعت كل شئ وحرم الجنة التى عرضها السموات والأرض. واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف الله اليوم وباع قليلا بكثير وفائتا بباق، ألا ترون أنكم فى أسلاب الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون، كذلك حتى تردّوا إلى خير الوارثين». وليزيد الناقص حين ولى الخلافة بعد قتله ابن عمه الوليد بن يزيد خطبة

стр. 840

بديعة (١) يصور فيها سياسته ودستوره فى الحكم معلنا أنه إن وفّى بما عاهد عليه الله فعلى الناس السمع والطاعة وإلا فلهم أن يخلعوه، ويقول إنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. وكان ولاة بنى أمية وقوادهم لا يزالون يستوجبون على الناس الطاعة والولاء لخلفائهم، نجد ذلك عند عتبة بن أبى سفيان والى مصر وعند ولاة العراق من أمثال زياد والحجاج وخالد القسرى، وكانوا يضيفون إلى ذلك وعيدا وتهديدا باستخدام القوة. ولعل أحدا لم يبلغ من ذلك ما بلغه الحجاج، ومن خير ما يمثل ذلك خطبته فى الكوفة حين قدم على العراق واليا من قبل عبد الملك، وفيها يقول (٢): «إنى لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإنى لصاحبها، وإنى لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللّحى. إنى والله يا أهل العراق والشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق ما أغمز تغماز التّين ولا يقعقع لى بالشّنان (٣)، ولقد فررت (٤) عن ذكاء وفتّشت عن تجربة. إن أمير المؤمنين كبّ كنانته (٥) ثم عجم (٦) عيدانها، فوجدنى أمرّها عودا، وأصلبها عمودا، فوجّهنى إليكم، فإنكم طالما أوضعتم (٧) فى الفتن واضطجعتم فى مراقد الضلال وسننتم سنن الغىّ. أما والله لألحونّكم (٨) لحو العصا ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل (٩). . أما والله لتستقيمنّ على طريق الحق أو لأدعنّ لكل رجل منكم شغلا فى جسده». وهو يفتتح هذه الخطبة بأشعار تمتلئ باللفظ الغريب، حتى يأخذ على سامعيه أنفاسهم. وقد زخرت خطبته بأسلوب تصويرى قوى، وهو يعدّ فى الذروة من أهل الخطابة والبيان فى العصر، حتى ليوضع مع زياد بن أبيه فى طبقة واحدة، وإن فضله زياد بحلاوة منطقه، فقد كان يمتاز بجزالة اللفظ وفخامته،

стр. 841

ولعل من الطريف أن كتب الأدب احتفظت له بمواعظ كثيرة، ويروى أن الحسن البصرى كان يقول عنه إنه «يعظ عظة الأزارقة ويبطش بطش الجبّارين» (١) ومن قوله فى بعض مواعظه: «اللهم أرنى الهدى هدى فأتبعه وأرنى الغىّ غيّا فأجتنبه ولا تكلنى إلى نفسى فأضلّ ضلالا بعيدا (٢)». وكان خالد القسرى خطيبا مفوها، مع لحن كان فيه، وكان إذا تكلم ظنّ الناس أنه يصنع كلامه لجمال لفظه وبلاغة منطقه، وله خطب كثيرة يحثّ فيها على طاعة الخلفاء منذرا متوعدا من ينقض حبل الجماعة. وأكثر فى خطب الجمع من المواعظ، حتى سمّى خطيب الله (٣)، ويروى أنه كان يخطب يوما فسقطت جرادة على ثوبه، فقال (٤): «سبحان من الجرادة من خلقه، أدمج قوائمها، وطوّقها جناحها، ووشّى جلدها، وسلّطها على ما هو أعظم منها». وإذا كان قواد المعارك الدامية من خوارج وشيعة وثائرين مختلفين حاربوا بنى أمية غضبا لدينهم كما دار على ألسنة خطبائهم فإن قواد بنى أمية فى الصفوف المقابلة كانوا يزعمون نفس الزعم، على نمط قول مسلم بن عقبة قائد أهل الشام فى وقعة الحرّة: «يا أهل الشام أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا عن دينهم وأن يعزّوا به نصر إمامهم (٥)» وقول المهلب بن أبى صفرة فى حثّ جنده على قتال الأزارقة: «يا أيها الناس إنكم قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج وإنهم إن قدروا عليكم فتنوكم فى دينكم وسفكوا دماءكم (٦)». فقواد بنى أمية فى هذه الحروب الداخلية كانوا مثل خصومهم يرون أن الحق فى جانبهم وأن أعداءهم أهل غىّ وضلال. وكان قواد الفتوح شرقا وغربا وفى بلاد الروم لا يزالون يحثّون جنودهم على الاستشهاد فى سبيل الله مقتبسين من آى الذكر الحكيم ما يشعل حماستهم،

стр. 842

ويذكى جذوة شجاعتهم وبسالتهم، ومن خير ما يمثّل ذلك خطبة قتيبة بن مسلم الباهلى وقد تهيأ لغزو طخارستان سنة ٨٦ للهجرة وفيها يقول (١): «وعد الله نبيه ﷺ النصر بحديث صادق وكتاب ناطق، فقال: ﴿(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)﴾ ووعد المجاهدين فى سبيله أحسن الثواب وأعظم الذّخر عنده، فقال: ﴿(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾ وأخبر عمن قتل فى سبيله أنه حىّ مرزوق فقال: ﴿(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)﴾ فتنجّزوا موعود ربكم». واشتهر فى خراسان بعد قتيبة غير قائد بالخطابة مثل أسد القسرى ونصر ابن سيّار، ويلقانا فى الغرب طارق بن زياد فاتح الأندلس، وخطبته فى جنده حين دخلها مشهورة (٢)، ولعل من الخير أن نقف قليلا عند زياد بن أبيه حتى نتمثّل تمثلا واضحا ما أصاب الخطابة السياسية فى هذا العصر من نهوض ورقى. زياد (٣) بن أبيه ولد فى عام الهجرة أو قبله بقليل لسميّة جارية فارسية كانت للحارث بن كلدة الثقفى المشهور بطبّه، ويقال إنه زوجها ثقفيّا يسمى عبيدا، ومن ثم كان يسمّى فى بعض الروايات زياد بن عبيد. ويذهب بعض الرواة إلى أنه إنما ولد على فراش الحارث وأن عبيدا كان عبدا روميّا، ولم يكن ثقفيّا،

стр. 843

وما نتقدم معه إلى عهد عمر، حتى نجد أبا سفيان ينسبه إلى نفسه مدعيا أبوته، وقد تكون نسبة صحيحة، وإن تضمنت أنه لم يولد لرشدة. وليس بين أيدينا شئ واضح عن نشأته. ونراه يخرج مع الجيوش الغازية فى الشرق، وسرعان ما يعهد إليه عتبة بن غزوان قائد عمر فى فتوح الأبلّة تسجيل الغنائم وقسمها فى الناس، مما يدلّ على إتقانه الكتابة والحساب. ويلزم ولاة البصرة يكتب لهم، ويوفده واليها أبو موسى الأشعرى إلى عمر، فيعجب بذكائه ولسنه، ولكنه يأمر بعزله، فيقول له: يا أمير المؤمنين أعن عجز أم عن خيانة صرفتنى، فيرد عليه: لا عن واحدة منهما ولكنى أكره أن أحمل على العامة فضل عقلك (١). ويعود إلى البصرة حتى إذا كان عهد عثمان اتخذه عبد الله بن عامر واليها كاتبا له، ويفسد ما بينهما فيعزله، حتى إذا صار العراق لعلى وولّى على البصرة ابن عباس جعله على خراجها، وأنابه عنه أحيانا، وأظهر فى أثناء نيابته له حنكة، ذلك أن معاوية دسّ إلى تميم بعض من أفسدها على علىّ، فاستجار زياد بالأزد واستطاع بما أوقع بينهما أن يعيد الأمر إلى نصابه، وأن يعود بتميم إلى طاعة إمامه. ولما فسدت فارس على علىّ أرسل به إليها واليا عليها، فرمّ الفساد وأصلح الشّعث ورأب الصّدع متوسلا إلى ذلك بمهارة سياسية فائقة، إذ «بعث إلى رؤسائها، فوعد من نصره ومنّاه، وخوّف قوما وتوعّدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودلّ بعضهم على عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، وقتل بعضهم بعضا، وصفت له فارس فلم يلق فيها جمعا ولا حربا، وفعل مثل ذلك بكرمان (٢). ويقال إن أهل فارس كانوا يقولون: «ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنو شروان. من سيرة هذا العربى فى اللين والمداراة (٣)». ولما قتل علىّ ظل على عهده لابنه الحسن. حتى إذا تحوّلت مقاليد الأمور إلى معاوية اعتصم بفارس، فكاتبه معاوية متوعدا، ثم أخذ يتلطف له ووسّط لديه المغيرة بن شعبة الثقفى، ذاكرا ما بينهما من الرّحيم، وما زال به، حتى دخل فى طاعته. وفرح به فرحا عظيما. إذ كان يعرف فضله، وأنه لا غنى له عنه فى استصلاح العراق، ولما صار إليه

стр. 844

جمع الناس وصعد المنبر، وأجلسه بين يديه، وأشهد الحاضرين على نسبته لأبيه، وشهدت بذلك منهم جماعة. غير أن كثيرين ظلوا يشكّون فى هذا النسب ويتهمونه. ولم يلبث معاوية أن ولاّه البصرة وخراسان وسجستان سنة ٤٥ للهجرة. فأظهر من الحزم وحسن التدبير ما جعل معاوية يضم إليه الكوفة حين مات واليها المغيرة بن شعبة، وبذلك أصبح واليا على العراق جميعه حتى وفاته سنة ٥٣ للهجرة. وقد أخذ الفسّاق والجناة بالعنف والشدة، وكذلك صنع بالخوارج والشيعة وقصته مع حجر بن عدى مشهورة، فقد أرسل به إلى معاوية، وهناك لقى حتفه. على أنه كان يخلط سياسته باللين، ولم يكن يعمد إلى سفك الدماء إلا حين تعجزه الحيلة، وقد اتبع سياسة ضرب القبائل بعضها ببعض حتى يشغلهم عنه وعن الدولة. ومن المحقق أنه كان سياسيّا ماهرا بعيد النظر يحسن تصريف الأمور إلى أبعد غاية. وكان خطيبا لا يبارى فى جودة خطابته، يعرف كيف يصوغ كلمه صوغا تهشّ له الأسماع وتصغى له القلوب والأفئدة، وقد نوّه بخطابته كثير من معاصريه على شاكلة قول الشّعبى: «ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا من أن يسيئ إلا زيادا فإنه كلما أكثر كان أجود كلاما (١)». وخطبه مثل خطب الحجاج تدور فى موضوعين هما السياسة والمواعظ الدينية، وقد بقيت من خطبه الأولى شظايا وفقر وخطبة طويلة هى أروع خطبة سياسية خلّفها هذا العضر، وهى الملقبة بالبتراء (٢)، سمّيت بذلك لأنها لم تبتدئ بالتحميد والتمجيد (٣)، وقد أدخله عليها بعض الرواة. والخطبة تجمل سياسة زياد التى اشتهر بها والتى ردّت إلى البصرة أمنها بعد أن عاث فيها الفسّاق واللصوص واضطرب حبل النظام، وقد بدأها بتصوير ما صار إليه أهلها من الفساد وشيوع الفسق والانحراف عما رسم الله للمسلمين فى كتابه من السيرة المستقيمة الطاهرة، يقول:

стр. 845

«أما بعد فإن الجهالة الجهلاء (١) والضلالة العمياء والغىّ الموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير ولا ينحاش (٢) عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته فى الزمن السّرمد (٣) الذى لا يزول، أتكونون كمن طرفت (٤) عينيه الدنيا وسدّت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم فى الإسلام الحدث الذى لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله وهذه المواخير (٥) المنصوبة والضعيفة المسلوبة فى النهار المبصر، والعدد غير قليل. ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج (٦) الليل وغارة النهار؟ ! قرّبتم القرابة وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر وتغضون على المختلس. أليس كل امرئ منكم يذبّ عن سفيهه صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما يرون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام». وعلى هذا النحو استهلّ خطبته بتجسيم صور الفساد التى انتهت إليها حياة الناس فى البصرة، وهو فى أثناء ذلك يقرّع سامعيه بأنهم انتبذوا كتاب الله وراء أظهرهم مؤثرين الفانية على دار الخلود، وكأنما عادوا يجترّون حياتهم الوثنية القديمة وكل ما كان فيها من إثم. حتى إذا بلغ من ذلك كل ما أراد انتقل يصور خطّته فى حكمهم وما أعدّه لهم من ضروب العقوبات، يقول: «إنى رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين فى غير ضعف وشدة فى غير عنف، وإنى أقسم بالله لآخذنّ الولىّ بالمولى (٧) والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصى والصحيح منكم فى نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: (انج سعد فقد هلك سعيد) أو تستقيم لى قناتكم. . من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب له، وإياى ودلج الليل فإنى لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه. . وإياى ودعوى (٨) الجاهلية فإنى لا آخذ
следующие страницы →