← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ولعل من الطريف أن كتب الأدب احتفظت له بمواعظ كثيرة، ويروى أن الحسن البصرى كان يقول عنه إنه «يعظ عظة الأزارقة ويبطش بطش الجبّارين» (١) ومن قوله فى بعض مواعظه: «اللهم أرنى الهدى هدى فأتبعه وأرنى الغىّ غيّا فأجتنبه ولا تكلنى إلى نفسى فأضلّ ضلالا بعيدا (٢)». وكان خالد القسرى خطيبا مفوها، مع لحن كان فيه، وكان إذا تكلم ظنّ الناس أنه يصنع كلامه لجمال لفظه وبلاغة منطقه، وله خطب كثيرة يحثّ فيها على طاعة الخلفاء منذرا متوعدا من ينقض حبل الجماعة. وأكثر فى خطب الجمع من المواعظ، حتى سمّى خطيب الله (٣)، ويروى أنه كان يخطب يوما فسقطت جرادة على ثوبه، فقال (٤): «سبحان من الجرادة من خلقه، أدمج قوائمها، وطوّقها جناحها، ووشّى جلدها، وسلّطها على ما هو أعظم منها». وإذا كان قواد المعارك الدامية من خوارج وشيعة وثائرين مختلفين حاربوا بنى أمية غضبا لدينهم كما دار على ألسنة خطبائهم فإن قواد بنى أمية فى الصفوف المقابلة كانوا يزعمون نفس الزعم، على نمط قول مسلم بن عقبة قائد أهل الشام فى وقعة الحرّة: «يا أهل الشام أهذا القتال قتال قوم يريدون أن يدفعوا عن دينهم وأن يعزّوا به نصر إمامهم (٥)» وقول المهلب بن أبى صفرة فى حثّ جنده على قتال الأزارقة: «يا أيها الناس إنكم قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج وإنهم إن قدروا عليكم فتنوكم فى دينكم وسفكوا دماءكم (٦)». فقواد بنى أمية فى هذه الحروب الداخلية كانوا مثل خصومهم يرون أن الحق فى جانبهم وأن أعداءهم أهل غىّ وضلال. وكان قواد الفتوح شرقا وغربا وفى بلاد الروم لا يزالون يحثّون جنودهم على الاستشهاد فى سبيل الله مقتبسين من آى الذكر الحكيم ما يشعل حماستهم،

стр. 842

ويذكى جذوة شجاعتهم وبسالتهم، ومن خير ما يمثّل ذلك خطبة قتيبة بن مسلم الباهلى وقد تهيأ لغزو طخارستان سنة ٨٦ للهجرة وفيها يقول (١): «وعد الله نبيه ﷺ النصر بحديث صادق وكتاب ناطق، فقال: ﴿(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)﴾ ووعد المجاهدين فى سبيله أحسن الثواب وأعظم الذّخر عنده، فقال: ﴿(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾ وأخبر عمن قتل فى سبيله أنه حىّ مرزوق فقال: ﴿(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)﴾ فتنجّزوا موعود ربكم». واشتهر فى خراسان بعد قتيبة غير قائد بالخطابة مثل أسد القسرى ونصر ابن سيّار، ويلقانا فى الغرب طارق بن زياد فاتح الأندلس، وخطبته فى جنده حين دخلها مشهورة (٢)، ولعل من الخير أن نقف قليلا عند زياد بن أبيه حتى نتمثّل تمثلا واضحا ما أصاب الخطابة السياسية فى هذا العصر من نهوض ورقى. زياد (٣) بن أبيه ولد فى عام الهجرة أو قبله بقليل لسميّة جارية فارسية كانت للحارث بن كلدة الثقفى المشهور بطبّه، ويقال إنه زوجها ثقفيّا يسمى عبيدا، ومن ثم كان يسمّى فى بعض الروايات زياد بن عبيد. ويذهب بعض الرواة إلى أنه إنما ولد على فراش الحارث وأن عبيدا كان عبدا روميّا، ولم يكن ثقفيّا،

стр. 843

وما نتقدم معه إلى عهد عمر، حتى نجد أبا سفيان ينسبه إلى نفسه مدعيا أبوته، وقد تكون نسبة صحيحة، وإن تضمنت أنه لم يولد لرشدة. وليس بين أيدينا شئ واضح عن نشأته. ونراه يخرج مع الجيوش الغازية فى الشرق، وسرعان ما يعهد إليه عتبة بن غزوان قائد عمر فى فتوح الأبلّة تسجيل الغنائم وقسمها فى الناس، مما يدلّ على إتقانه الكتابة والحساب. ويلزم ولاة البصرة يكتب لهم، ويوفده واليها أبو موسى الأشعرى إلى عمر، فيعجب بذكائه ولسنه، ولكنه يأمر بعزله، فيقول له: يا أمير المؤمنين أعن عجز أم عن خيانة صرفتنى، فيرد عليه: لا عن واحدة منهما ولكنى أكره أن أحمل على العامة فضل عقلك (١). ويعود إلى البصرة حتى إذا كان عهد عثمان اتخذه عبد الله بن عامر واليها كاتبا له، ويفسد ما بينهما فيعزله، حتى إذا صار العراق لعلى وولّى على البصرة ابن عباس جعله على خراجها، وأنابه عنه أحيانا، وأظهر فى أثناء نيابته له حنكة، ذلك أن معاوية دسّ إلى تميم بعض من أفسدها على علىّ، فاستجار زياد بالأزد واستطاع بما أوقع بينهما أن يعيد الأمر إلى نصابه، وأن يعود بتميم إلى طاعة إمامه. ولما فسدت فارس على علىّ أرسل به إليها واليا عليها، فرمّ الفساد وأصلح الشّعث ورأب الصّدع متوسلا إلى ذلك بمهارة سياسية فائقة، إذ «بعث إلى رؤسائها، فوعد من نصره ومنّاه، وخوّف قوما وتوعّدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودلّ بعضهم على عورة بعض، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، وقتل بعضهم بعضا، وصفت له فارس فلم يلق فيها جمعا ولا حربا، وفعل مثل ذلك بكرمان (٢). ويقال إن أهل فارس كانوا يقولون: «ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنو شروان. من سيرة هذا العربى فى اللين والمداراة (٣)». ولما قتل علىّ ظل على عهده لابنه الحسن. حتى إذا تحوّلت مقاليد الأمور إلى معاوية اعتصم بفارس، فكاتبه معاوية متوعدا، ثم أخذ يتلطف له ووسّط لديه المغيرة بن شعبة الثقفى، ذاكرا ما بينهما من الرّحيم، وما زال به، حتى دخل فى طاعته. وفرح به فرحا عظيما. إذ كان يعرف فضله، وأنه لا غنى له عنه فى استصلاح العراق، ولما صار إليه

стр. 844

جمع الناس وصعد المنبر، وأجلسه بين يديه، وأشهد الحاضرين على نسبته لأبيه، وشهدت بذلك منهم جماعة. غير أن كثيرين ظلوا يشكّون فى هذا النسب ويتهمونه. ولم يلبث معاوية أن ولاّه البصرة وخراسان وسجستان سنة ٤٥ للهجرة. فأظهر من الحزم وحسن التدبير ما جعل معاوية يضم إليه الكوفة حين مات واليها المغيرة بن شعبة، وبذلك أصبح واليا على العراق جميعه حتى وفاته سنة ٥٣ للهجرة. وقد أخذ الفسّاق والجناة بالعنف والشدة، وكذلك صنع بالخوارج والشيعة وقصته مع حجر بن عدى مشهورة، فقد أرسل به إلى معاوية، وهناك لقى حتفه. على أنه كان يخلط سياسته باللين، ولم يكن يعمد إلى سفك الدماء إلا حين تعجزه الحيلة، وقد اتبع سياسة ضرب القبائل بعضها ببعض حتى يشغلهم عنه وعن الدولة. ومن المحقق أنه كان سياسيّا ماهرا بعيد النظر يحسن تصريف الأمور إلى أبعد غاية. وكان خطيبا لا يبارى فى جودة خطابته، يعرف كيف يصوغ كلمه صوغا تهشّ له الأسماع وتصغى له القلوب والأفئدة، وقد نوّه بخطابته كثير من معاصريه على شاكلة قول الشّعبى: «ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا أحببت أن يسكت خوفا من أن يسيئ إلا زيادا فإنه كلما أكثر كان أجود كلاما (١)». وخطبه مثل خطب الحجاج تدور فى موضوعين هما السياسة والمواعظ الدينية، وقد بقيت من خطبه الأولى شظايا وفقر وخطبة طويلة هى أروع خطبة سياسية خلّفها هذا العضر، وهى الملقبة بالبتراء (٢)، سمّيت بذلك لأنها لم تبتدئ بالتحميد والتمجيد (٣)، وقد أدخله عليها بعض الرواة. والخطبة تجمل سياسة زياد التى اشتهر بها والتى ردّت إلى البصرة أمنها بعد أن عاث فيها الفسّاق واللصوص واضطرب حبل النظام، وقد بدأها بتصوير ما صار إليه أهلها من الفساد وشيوع الفسق والانحراف عما رسم الله للمسلمين فى كتابه من السيرة المستقيمة الطاهرة، يقول:

стр. 845

«أما بعد فإن الجهالة الجهلاء (١) والضلالة العمياء والغىّ الموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ينبت فيها الصغير ولا ينحاش (٢) عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته فى الزمن السّرمد (٣) الذى لا يزول، أتكونون كمن طرفت (٤) عينيه الدنيا وسدّت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم فى الإسلام الحدث الذى لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله وهذه المواخير (٥) المنصوبة والضعيفة المسلوبة فى النهار المبصر، والعدد غير قليل. ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج (٦) الليل وغارة النهار؟ ! قرّبتم القرابة وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر وتغضون على المختلس. أليس كل امرئ منكم يذبّ عن سفيهه صنع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا. ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما يرون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام». وعلى هذا النحو استهلّ خطبته بتجسيم صور الفساد التى انتهت إليها حياة الناس فى البصرة، وهو فى أثناء ذلك يقرّع سامعيه بأنهم انتبذوا كتاب الله وراء أظهرهم مؤثرين الفانية على دار الخلود، وكأنما عادوا يجترّون حياتهم الوثنية القديمة وكل ما كان فيها من إثم. حتى إذا بلغ من ذلك كل ما أراد انتقل يصور خطّته فى حكمهم وما أعدّه لهم من ضروب العقوبات، يقول: «إنى رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين فى غير ضعف وشدة فى غير عنف، وإنى أقسم بالله لآخذنّ الولىّ بالمولى (٧) والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصى والصحيح منكم فى نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: (انج سعد فقد هلك سعيد) أو تستقيم لى قناتكم. . من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب له، وإياى ودلج الليل فإنى لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه. . وإياى ودعوى (٨) الجاهلية فإنى لا آخذ

стр. 846

داعيا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرّق قوما غرّقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه. ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنّاه فيه حيّا، فكفّوا عنى أيديكم وألسنتكم أكفّ عنكم يدى ولسانى، ولا تظهر على أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بينى وبين أقوام إحن (١) جعلتها دبر (٢) أذنى وتحت قدمى، فمن كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته. إنى والله لو علمت أن أحدكم قتله السّلّ من بغضى لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا، حتى يبدى لى صفحته (٣)، فإذا فعل ذلك لم أناظره. فاستأنفوا أموركم وأرعوا (٤) على أنفسكم، فربّ مسوء بقدومنا سنسرّه، ومسرور بقدومنا سنسوءه». وهذه الفقرة من الخطبة تصور بجلاء سياسة زياد ودستوره فى حكم البصرة، وهو دستور أوضح فيه موادّ العقوبة وأنه سيأخذ بالظّنّة ويعاقب على الشبهة، وأنه قد جرّ دسيفه لقتل من لا يرعوى، وأن من عاد إلى العصبية الجاهلية يستثير قومه سيقطع لسانه. ونجحت هذه السياسة فى إعادة الأمور إلى نصابها فى ولايته واستقرار الأمن، حتى قالوا إن المرأة كانت تبيت وبابها مفتوح عليها لا تخشى لصّا، وكان الشئ يسقط فلا يعرض له أحد حتى يرجع إليه صاحبه، فيأخذه، وقالوا أيضا إن الناس هابوه هيبة لم يهابوها أحدا من الولاة قبله. وفى نفس هذه الفقرة ما يصور رفق زياد برعيته، فهو لا يبطش للبطش، وإنما يبطش على الجرم، أما بعد ذلك فليّن رفيق بالناس، وهو يجهر بذلك حين يلخّص خطته فى الحكم بأنها لين فى غير ضعف وشدة فى غير عنف، وأيضا حين يجهر فى ختام الفقرة بأنه سيصانع الناس حتى أعداءه ما صانعوه. ويمضى فى فقرة ثالثة، يبين ما يجب على الناس من الطاعة للخليفة وولاته، يقول: «أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذى أعطانا، ونذود عنكم بفئ (٥) الله الذى خوّلنا، فلنا عليكم السمع والطاعة

стр. 847

فيما أحببنا، ولكم علينا العدل والإنصاف فيما ولّينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنّا بمناصحتكم لنا. . وادعوا الله بالصلاح لأتتكم فإنهم ساستكم المؤدّبون وكهفكم الذى إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتدّ لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا به حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرّا لكم. أسأل الله أن يعين كلاّ على كلّ. وإذا رأيتمونى أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله (١)، وأيم الله إن لى فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاى». وزياد فى هذه الفقرة يستلهم فكرة التفويض الإلهى المعروفة عند الفرس، إذ كانوا يؤمنون بأن ملوكهم مفوّضون لحكمهم من قبل ربهم، وفى ذلك دلالة واضحة على تأثر الخطباء بالأفكار الأجنبية. وهو يلوّح لسامعيه بما فى يد الدولة من أموال الخراج ومغانم الحروب وأنها ستنثرها على رعاياها المطيعين الموالين لها نثرا، ولا يلبث أن يهدّد من تحدّثهم أنفسهم بنقض الطاعة أنهم إن صنعوا فالسيف ينتظرهم وضرب الرقاب. والخطبة على هذا النحو خطبة سياسية خالصة، إذ ترسم سياسة زياد وطريقته فى الحكم من جميع أطرافهما. وهى مقسّمة إلى فقر تتسلسل فيها الأفكار تسلسلا دقيقا، وكل لفظة تقع فى مكانها وقرارها مع جمال الديباجة ووضوح الدلالة، فلا توعّر ولا تعقيد ولا كلم غريب. وكان زياد بحكم خطابته فى الجمع والأعياد يعمد إلى الوعظ كثيرا، وهو فيه يبدع، كما يبدع فى خطبه السياسية، ونسوق له من هذا الباب موعظة يقال إن عبد الملك بن مروان كتبها بيده، وهى تطرّد على هذا السياق (٢): «إن الله جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته وأثابهم بها على طاعته، فالناس بين محسن بنعمة الله ومسئ بخذلان الله إياه. ولله النعمة على المحسن والحجة على المسئ. فما أولى من تمت عليه النعمة فى نفسه ورأى العبرة فى غيره أن يضع الدنيا بحيث وضعها الله، فيعطى ما عليه منها ولا يتكثّر

стр. 848

مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله ، فأحذرّكم الله الذى حذرّكم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرّته العجزة، قبل أن تصيروا إلى الدار التى صاروا إليها، فلا تقدروا فيها على توبة، وليست لكم منها أوبة». وواضح ما فى هذه الموعظة من حسن التقسيم ودقة التفكير وسلامة المنطق والقدرة على الإقناع بالحجة، وحقّا ما قاله عنه بعض معاصريه، وقد استمع إليه فى بعض خطبه، من أنه أوتى حسن البيان وبراعة الخطاب. ٣ - خطباء المحافل مرّ بنا أن العرب عرفوا من قديم هذا اللون من الخطابة، إذ كانوا يقدمون على ملوكهم وأمرائهم، فيخطبون بين أيديهم مثنين عليهم، ومفاخرين بقبائلهم. وكانوا يخطبون فى أقوامهم مصلحين بين العشائر أو منافرين أو حاثين على الحرب أو داعين لأن تضع أوزارها. وكثيرا ما خطبوا فى الأسواق وفى عقد المصاهرات. ونراهم بعد فتح مكة يقدمون على الرسول زرافات، يتقدمهم خطباؤهم وكانوا كثيرا ما يخطبون بين أيدى الخلفاء الراشدين. ولا نتقدم فى عصر بنى أمية، حتى تنشط هذه الخطابة نشاطا واسعا، وكان مما أذكى جذوتها فى نفوسهم أن الأمويين وولاتهم فتحوا أبوابهم للعرب، كى يطمئنوا إلى حسن ولائهم لدولتهم، فكانت وفودهم تمثل بين أيديهم، وكانوا يغدقون عليها إغداقا واسعا. ومعاوية هو أول من فتح أبوابه على مصاريعها لتلك الوفود، فكانت ترد تباعا إلى ساحته، تعلن تارة ولاءها، وتارة تعرض ظلامة لها، وهو دائم الحفاوة بها، يضفى عليها من نواله الغمر، وتبعه الخلفاء الأمويون من بعده يستنوّن سنّته. وممن اشتهر بالخطابة بين يديه سحبان، خطيب وائل، وقد اشتهر بخطبته «الشّوهاء» التى خطب بها عنده، فلم ينشد شاعر ولم يخطب خطيب (١)،

стр. 849

ويقول الجاحظ: «إنه كان أذكر الناس لأول كلامه وأحفظهم لكل شئ سلف من منطقه (١)». ومنهم الأحنف بن قيس خطيب تميم الذى لا يدافع وصحار بن عيّاش العبدى، الذى قال له معاوية: «ما هذه البلاغة التى فيكم؟ قال: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا (٢)» ومعاوية يشير إلى ما اشتهر به قومه بنو عبد القيس من الخطابة. ويذكر الجاحظ من خطبائهم بنو صوحان وكانوا شيعة، ومصقلة بن رقبة ورقبة بن مصقلة وكرب بن مصقلة (٣)، ويقول إنه كان لهم خطبة تسمى «العجوز» ومتى تكلموا فلا بد لهم منها أو من بعضها (٤) ويقابل آل رقبة وصوحان فى بنى عبد القيس آل الأهتم فى تميم، وعلى رأسهم عمرو بن الأهتم الذى قال فيه الرسول ﷺ وقد استمع إلى بعض كلامه البليغ «إن من البيان لسحرأ» وكان أخوه عبد الله على مثاله خطيبا رائعا، وله مقامات ووفادات (٥)، ومثله ابناه صفوان وعبد الله، وخالد بن صفوان وشبيب بن شيبة بن عبد الله. ومن الخطباء الأبيناء عبد العزيز بن زرارة الكلابى، وهو الذى خاطب معاوية بقوله (٦): «يا أمير المؤمنين لم أزل أستدلّ بالمعروف عليك، وأمتطى النهار إليك، فإذا ألوى (٧) بى الليل فقبض البصر وعفّى الأثر أقام بدنى وسافر أملى، والنفس تلوّم والاجتهاد يعذر، وإذ قد بلغتك فقطنى (٨)». وواضح ما فى هذه الخطبة القصيرة من دقة التعبير وجمال التصوير. وعلى هذا النحو تمضى خطابة المحافل، إذ كان الخطيب يروّى فيها طويلا حتى يروق لفظه الخليفة ومن بحضرته، وربما جعلهم ذلك يسجعون فى خطابتهم حتى يخلبوا الألباب بحسن بيانهم. وبلغ من إحسانهم لمنطقهم أن كان شباب الكتّاب فى دواوين دمشق يحضرون مقاماتهم حريصين على استماعهم. وكانت هناك مواقف سياسية كثيرة تدعو هؤلاء الخطباء إلى المنافسة الحادة بينهم وأن يحاول كل منهم إحراز الغلبة على نحو ما كان من خطباء الوفود الذين تباروا يوم عقد معاوية

стр. 850

البيعة لابنه يزيد (١)، وعلى نحو ما كان من عمران بن عصام العنزىّ فى خطبته التى صدر فيها عن رغبة عبد الملك فى خلع عبد العزيز أخيه والبيعة لابنه الوليد (٢). ومن ذلك الجمع بين التهنئة بالخلافة والتعزبة، وكان أول من فتح هذا الباب عبد الله بن همام السلولى الكوفى، فقد دخل على يزيد بن معاوية حين استخلف والناس مجموعون على بابه ينهيّبون القول، فقال (٣): «يا أمير المؤمنين آجرك الله على الرّزيّة، وبارك لك فى العطية، وأعانك على الرعية، فلقد رزئت عظيما، وأعطيت جسيما، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر له على ما رزيت، فقد فقدت خليفة الله، ومنحت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزيلا». . وبذلك انفتح باب الكلام للخطباء. وتلقانا من هذا التأبين الممزوج بالتعزية نصوص متعددة فى المناسبات المماثلة. وممن اشتهر بكثرة الوفادات عليه من خلفاء بنى أمية عبد الملك بن مروان، فكانت ترد على بابه الوفود من كل قطر، وكان الحجّاج كثيرا ما يستصحب معه طائفة من وجوه أهل العراق ويقوم خطباؤهم بين يديه. وكان سليمان ابنه يتأله فوفد عليه غير واعظ من مثل أبى حازم (٤)، ولم يكثر الوعاظ على باب كثرتهم على باب عمر بن عبد العزيز (٥)، منهم خالد بن صفوان وعبد (٦) الله بن الأهتم ومحمد (٧) بن كعب القرظى. وكان هشام بن عبد الملك يوسع لخالد بن (٨) صفوان فى مجالسه، ولما فرّ الكميت من سجن خالد القسرى وضاقت به الأرض بما رحبت لجأ إلى ساحته متوسلا ببعض أهله، حتى إذا مثل بين يديه خطب خطبة طويلة (٩) يستنزل بها عطفه عليه، فرقّ له وعفا عنه.

стр. 851

ولم تكثر هذه الوفادات على أبواب الخلفاء فحسب، فقد كان الخطباء يفدون على الولاة، واشتهر عمران بن حطّان بوفادة له على زياد بن أبيه، ألقى فيها خطبة رائعة (١). ومن وفدوا على الحجاج كثيرون، منهم جامع المحاربى وقد تسخّطه ببعض قوله (٢)، وكان قواده لا ينون يرسلون إليه من يخبره بانتصاراتهم على نحو ما أرسل إليه المهلب كعب بن معدان الأشقرى ينبئه بقضائه على الأزارقة (٣). وتلقانا بجانب هذه الوفادات أخبار عن خطبهم فى المصاهرات (٤) وفى إصلاح ذات البين (٥). وهناك خطب تأخد شكل المنافرات القديمة، وهى تلك التى يقال إنها حدثت بين بعض بنى هاشم وعمرو بن العاص وبعض الأمويين وقد سبق أن ضعّفناها، ورجّحنا انتحالها، ومثلها ما يروى فى بعض كتب الأدب من خصومة أبى الأسود الدّؤلى وزوجه وارتفاعهما إلى زياد. وربما كان أهم خطيب اشتهر فى هذه المحافل الأحنف بن قيس ، ويحسن أن نقف عنده وقفة قصيرة. الأحنف (٦) بن قيس اسمه صخر، وقيل الضحاك، من بنى سعد إحدى عشائر تميم لقّب بالأحنف لحنف (٧) كان فى رجليه جميعا، وكان دميم الهيئة تقتحمه العين، ولكنه كان يجمع خصال السيادة والشرف، من حنكة وحلم وحزم ومروءة وثقة بالنفس ومصارحة بالرأى مع حسن البيان وذلاقة اللسان. وقد نزل البصرة مع عشيرته لأول العهد بالفتوح مشاركا فيها، وأرسله بعض ولاتها فى وفد إلى عمر سنة سبع عشرة للهجرة، وكان لا يزال فى مطالع شبابه، ليعرضوا عليه شئون بلدتهم وما يحتاجون إليه فيها من زيادة

стр. 852

الأرزاق ومن شقّ بعض القنوات والأنهار، وتكلم الوفد، وهو ساكت، فطلب إليه عمر أن يتكلم، فما كاد يتمّ كلامه حتى أعجب بروعة منطقه إعجابا شديدا، يقول الجاحظ: «نظر عمر إلى الأحنف وعنده الوفد، والأحنف ملتفّ فى بتّ (١) له، فترك جميع القوم واستنطقه، فلما تبعّق (٢) منه ما تبعق، وتكلّم بذلك الكلام البليغ المصيب وذهب ذلك المذهب لم يزل عنده فى علياء، ثم صار إلى أن عقد الرياسة ثابتة له (فى تميم) إلى أن فارق الدنيا» (٣). ويقولون إنه استبقاه عنده حولا كاملا ليبالغ فى تصفح حاله. وعاد إلى البصرة وأخذ يفد على عمر من حين إلى حين كما أخذ يسهم مساهمة قوية فى فتوح فارس وخراسان لعهد عمر وعثمان، وأظهر براعة نادرة فى قيادة الكتائب والجيوش، إذ كان النصر دائما يرافقه. ونراه فى وقعة الجمل يقف موقف الحياد من خصومة على والسيدة عائشة وطلحة والزبير، ومعه أربعة آلاف سيف من قومه أغمدت استجابة لرأيه، حتى إذا انتصر علىّ دخل هو ومشايعوه من تميم فى طاعته، وأصفاه ولاءه، حتى إذا كانت وقعة صفّين أبلى فيها بلاء حسنا هو وقومه. وتذكر الروايات أنه كان ممن رأوا مواصلة القتال مع أهل الشام وأنه أشار على علىّ أن يحكّم شخصا آخر غير أبى موسى الأشعرى ينهض أمام خبث عمرو بن العاص ودهائه. وما زال على ولائه لعلى إلى أن لبىّ ربه فدخل فيما دخل فيه الناس من البيعة لمعاوية. وكان معاوية وولاته وخاصة زيادا يكبرونه إكبارا عظيما، ونراه يصبح سفيرا لقومه لدى معاوية، فهو يفد عليه من حين إلى حين، ويوسع له فى مجالسه، بل لقد كان يختصه بالجلوس فى جواره على سريره. وفى هذه الحقبة من حياته يصبح أكبر شخصية فى البصرة، بعد ولاتها، وفى الحق أنه كان يجمع كل مزايا السؤدد من حلم وأناة وبعد نظر وعمل على مصلحة القبيلة، حتى قالوا إنه كان إذا غضب غضب له مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب. وبلغ من سؤدده أنه لم يكن يدارى، وأنه كان يجهر برأيه

стр. 853

لا يخشى لومة لائم، حتى الخليفة مع اصطناعه له وولائه كان إذا سأله فى شئ يعرف رغبته فيه، وهو لا يريده، جاهره برأيه فى رفق، ومن خير ما يمثل ذلك كلمته عقب الوفود التى استقدمها معاوية للبيعة لابنه يزيد، فإنه حين جاء دوره فى الكلام قال (١): «يا أمير المؤمنين أنت أعلم بيزيد فى ليله ونهاره وسرّه وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله رضا ولهذه الإمة فلا تشاور الناس فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا وأنت تذهب إلى الآخرة». وكأنه لم يكن يرضى خلافة يزيد، فدخل إلى تصوير رأيه هذا المدخل الرفيق. ويتوفّى يزيد، ويضطرّ عبيد الله بن زياد إلى مغادرة البصرة ويسلم أمورها إلى الأزد وزعيمها مسعود، وتثور تميم وتقتله، وتنشب الحرب بينها وبين الأزد، ويقع بعض الصرعى، فيتدخل الأحنف، ويحقن الدماء بين الطرفين المتنازعين، مؤديا ديات القتلى من ماله. وتخضع العراق لابن الزبير، وتدخل تميم بزعامة الأحنف فى طاعته، ويقرّبه مصعب ويصبح من خلصائه، فيقف معه فى حرب المختار الثقفى، ولا يمتد به أجله، إذ يتوفى فى أواخر العقد السابع من القرن الأول مبكيّا من قومه وعارفيه، ويروى أن فرغانة بنت أوس بن حجر التميمية وقفت على قبره، فأبّنته قائلة (٢): «﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾، رحمك الله أبا بحر (٣) من مجنّ (٤) فى جنن، ومدرج فى كفن، فو الذى ابتلانا بفقدك، وأبلغنا يوم موتك، لقد عشت حميدا، ومتّ فقيدا، ولقد كنت عظيم الحلم، فاضل السّلم، رفيع العماد، وارى الزّناد، منيع الحريم، سليم الأديم، وإن كنت فى المحافل لشريفا، وعلى الأرامل لعطوفا، ومن الناس لقريبا، وفيهم لغريبا، وإن كنت لمسوّدا، وإلى الخلفاء لموفدا، وإن كانوا لقولك لمستمعين، ولرأيك لمتبعين». ومرّ بنا آنفا كيف أن عمر بن الخطاب أعجب ببلاغته وحسن بيانه، ووصفه الجاحظ فقال إنه «أنف مضر الذى تعطس عنه وأبين العرب والعجم

стр. 854

قاطبة (١)». ونحن لا نقرأ خطبه التى كان يلقيها بين أيدى الخلفاء، حتى يروعنا منطقه، لقدرته على حوك الكلام وتوشيته أحيانا بالسجع وأساليب التصوير. ولم يكن يطيل فى هذه الخطب، بل كان يعمد إلى الإيجاز والكلم القصار، فيبلغ بها كل ما يريد من حاجته وحاجة قومه، ونسوق له كلمتين تصوران منطقه، فقد وفد على معاوية مرة، فقال يصف أهل البصرة وما يؤملونه فى الخليفة من مدّ يد العون والمساعدة (٢): يا أمير المؤمنين أهل البصرة عدد يسير وعظم كسير، مع تتابع من المحول واتصال من الذّحول (٣)، فالمكثر فيها قد أطرق (٤)، والمقلّ قد أملق، وبلغ منه المخنق، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير، ويجبر الكسير، ويسهل العسير، ويصفح عن الذّحول ويداوى المحول، ويأمر بالعطاء ليكشف البلاء، ويزيل الّلأواء (٥). وإن السيد من يعمّ ولا يخصّ ومن يدعو الجفلى (٦)، ولا يدعو النّقرى (٧)، إن أحسن إليه شكر وإن أسئ إليه غفر، ثم يكون من وراء ذلك لرعيته عمادا يدفع عنها الملمات، ويكشف عنها المعضلات». وبمثل هذا اللحن من القول كان يقدّمه الخلفاء لبلاغته وحسن تأتّيه فى تصوير ما جاء من أجله، إذ كان يسلك إليه المداخل الدقيقة، فيمضونه فى التوّ والساعة. ويظهر أنه قال هذه الكلمة عقب حروب على ومعاوية ولذلك مضى يطلب إليه الصفح الجميل، مستعطفا، ولكنه الاستعطاف الذى يبقى فيه الرجل الكريم على مروءته. ودائما كلما قرأناه أحسسنا عنده رجاحة العقل وأنه لا يرسل كلامه إرسالا، بل ما يزال يتمهل فيه، سواء عمد إلى السجع أو لم يعمد، موردا من اللفظ ما يحيط بالمعانى التى يعبّر عنها إحاطة تامة، وتصور ذلك كلمته الثانية التى أشرنا إليها كما صورته كلمته الآنفة، وقد ألقى بها حين ادلّهم الأمر بعد وفاة يزيد بن معاوية واصطدام الأزد بقبيلة تميم، فقد توجه إلى الأولين يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه (٨):

стр. 855

«يا معشر الأزد وربيعة أنتم إخواننا فى الدين وشركاؤنا فى الصّهر وأشقّاؤنا فى النسب وجيراننا فى الدار، ويدنا على العدو. والله لأزد البصرة أحبّ إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام، فإن استشرى (١) شنآنكم، وأبى حسك (٢) صدوركم ففى أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم». ونزلت الكلمة على الأزد بردا وسلاما، فأغمدت الأسنة وحقنت الدماء. وعلى هذا النحو تثبت خطب الأحنف وسيرته صدق فراسة ابن الخطاب فيه، إذ اعتبره سيد قومه وخطيب مصره. ٤ - خطباء الوعظ والقصص نشط الوعظ والقصص الدينى فى هذا العصر نشاطا عظيما، فقد كان الوعّاظ والقصّاص فى كل بلدة إسلامية لا ينون عن وعظ المسلمين، وقد أفرد لهم الجاحظ فى بيانه صحفا كثيرة، أورد فيها أسماء طائفة من مبرّزيهم وكثيرا مما كانوا يعظون به الناس. ومن أشهر من وقف عندهم هو وغيره من أصحاب كتب الأدب والتاريخ الأسود بن سريع وهو أول من قصّ بالبصرة (٣)، وكان يقابله فى الكوفة زيد (٤) بن صوحان وفى المدينة عبيد بن عمير (٥) وكان عبد الله بن عمر يتأثر بقصصه ووعظه حتى ليبكى من شدة تأثره. ومن القصّاص أيضا إبراهيم (٦) التّيمى الكوفى وسعيد بن جبير، وكان يقص بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر (٧)، ومسلم (٨) بن جندب قاصّ مسجد المدينة، وذرّ (٩) بن عبد الله، وكان بليغا، وهو الذى كان يقصّ فى جند ابن الأشعث حاثّا الناس على حرب الحجاج، ومطرّف

стр. 856

ابن عبد الله الشّخيّر وكان يقصّ فى مكان أبيه بمسجد البصرة (١)، ومنهم وهب (٢) بن منبّه ويزيد بن أبان الرّقاشى، ويذكر الجاحظ من وعظه (٣). «ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلّد». فالقصّاص كانوا وعّاظا فى الوقت نفسه، بل هم لا يقصّون إلا من أجل الوعظ، وممن اشتهروا بوعظهم عبد (٤) الله بن عمرو بن العاص فى مصر ورجاء (٥) ابن حيوة والأوزاعى (٦) فى الشام وسعيد (٧) بن المسيّب وأبى حازم الأعرج فى المدينة، ولثانيهما مواعظ كثيرة كان يعظ بها سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ومن قوله فى بعض هذه المقامات وقد سئل ما مالك؟ قال: مالان: الثقة بما عند الله واليأس مما فى أيدى الناس (٨). ومن وعاظ المدينة أيضا محمد (٩) بن كعب القرظى واعظ عمر بن عبد العزيز. وكان العراق يموج بالوعاظ موجا، من مثل ابن (١٠) شبرمة ومورّق (١١) العجلى وبكر (١٢) بن عبد الله المزنىّ والشّعبى (١٣) وأيوب (١٤) السّختيانى ومحمد بن واسع الأزدى البصرى، وقد تولى الوعظ فى جيش قتيبة بن مسلم بخراسان وفيه يقول إنه أحب إلىّ من مائة ألف سيف شهير وسنان طرير (١٥). ومن كبار الوعاظ والقصاص مالك (١٦) بن دينار، وكان يقول فى قصصه: ما أشد فطام الكبير، وينشد: وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم

стр. 857

ومنهم إياس بن معاوية قاضى البصرة، وكان يضرب به المثل فى الذكاء وصدق الفراسة (١)، ومنهم خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة الأهتميان التميميان، وفيهما يقول الجاحظ: «ما علمت أنه كان فى الخطباء أحد كان أجود خطبا من خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة للذى يحفظه الناس ويدور على ألسنتهم من كلاهما (٢)» ويقول فى خالد: «ومن الخطباء المشهورين فى العوام والمقدّمين فى الخواص خالد بن صفوان. . ولكلامه كتاب يدور فى أيدى الورّاقين (٣)» وقد لحق خالد عصر أبى العباس السفاح، وكان من سمّاره، ويؤثر عنه أنه كان يقول: «احذروا مجانيق الضعفاء يعنى الدعاء (٤)» ومن قوله: «بتّ ليلتى كلها أتمنى فملأت البحر الأخضر بالذهب الأحمر فإذا الذى يكفينى من ذلك رغيفان وكوزان وطمران (٥)» وروى له ابن قتيبة موعظة طويلة وعظ بها سليمان ابن عبد الملك وأبكاه (٦). ومن كبار وعّاظ العصر وقصّاصه الحسن البصرى، وفيه يقول الجاحظ: «أما الخطب (الدينية) فإنا لا نعرف أحدا يتقدم الحسن البصرىّ فيها (٧)» وممن يأتى بعده فى الوعظ عبد الله بن شداد، وهو القائل: «أرى داعى الموت لا يقلع وأرى من مضى لا يرجع (٨)». ومن كبار القصّاص والوعّاظ الفضل بن عيسى الرقاشى، وكان يسجع فى وعظه (٩)، ويقول الجاحظ إنه «كان من أخطب الناس وكان متكلما قاصّا مجيدا (١٠)» وهو الذى يقول فى قصصه: «سل الأرض فقل من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا (١١)». ومن أشهر الوعاظ وأنبههم واصل (١٢) بن عطاء رأس المعتزلة، وكان أغزر خطباء عصره

стр. 858

وأبلغهم وأعجبهم وأبينهم، ويروى أنه حضر يوما مجلس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز فى إمارته على العراق (١٢٦ - ١٢٩ هـ) وحضره معه خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل بن عيسى الرقاشى، وتبارى الأربعة بين يديه فى الخطابة، ففضلهم بخطبته المشهورة التى جانب فيها الراء، إذ كان يلثغ فيها لثغا فاحشا، ونوّه بذلك بشار بن برد طويلا، قبل أن يفسد رأى واصل فيه، على شاكلة قوله (١): أبا حذيفة قد أوتيت معجبة ... فى خطبة بدهت من غير تقدير وقوله: تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا ... وحبّروا خطبا ناهيك من خطب فقام مرتجلا تغلى بداهته ... كمرجل القين لما حفّ باللهب (٢) وجانب الراء لم يشعر بها أحد ... قبل التّصفّح والإغراق فى الطلب ولا نستطيع أن نزعم كما زعم بشار أن واصلا ألقى هذه الخطبة على البديهة فإن من يرجع إليها يحسّ أثر التروية والتحضير وأنه تأتّى لها فى أناة حتى اتسقت فى نسقها البديع، وهى من خير مواعظ العصر وأجملها وأبرعها، وقد استهلّها بتحميد وتمجيد أطنب فيهما إطنابا لا نعرفه لأحد من رصفائه، على هذا النمط (٣): «الحمد لله القديم بلا غاية، والباقى بلا نهاية، الذى علا فى دنوّه، ودنا فى علوّه، فلا يحويه زمان ولا يحيط به مكان، ولا يئوده (٤) حفظ ما خلق، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعا، وعدّله اصطناعا، فأحسن كلّ شئ خلقه، وتمّم مشيئته، وأوضح حكمته، فدلّ على ألوهيته، فسبحانه لا معقّب (٥) لحكمه ولا دافع لقضائه، تواضع كل شئ لعظمته، وذلّ كل شئ لسلطانه، ووسع كلّ شئ فضله، لا يعزب عنه مثقال حبّة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده إلها تقدّست أسماؤه، وعظمت آلاؤه، وعلا عن صفات

стр. 859

كل مخلوق، وتنزّه عن شبيه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول والأفهام، يعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون». وواضح أن واصلا يستظهر فى هذا التحميد والتمجيد آى القرآن الكريم فى وصف عظمة الله وجلاله، حتى ليستعين بلفظها. وأيضا فإنه يستظهر ما كان يقرّره من نفى التجسيم عن الله، وأنه ليس كمثله شئ من مخلوقاته. وقد مضى يصلى على الرسول الكريم ﷺ مطيلا فى صلاته كما أطال فى حمده. وبقبس من صنيعه أخذ الكتّاب من أمثال عبد الحميد يطيلون فى تحميداتهم وصلاتهم على الرسول. ويأخذ بعد ذلك فى الحث على التقوى والعمل الصالح والتنفير من الدنيا ومتاعها الزائل، يقول: «أوصيكم عباد الله مع نفسى بتقوى الله والعمل بطاعته والمجانبة لمعصيته، وأحضّكم على ما يدنيكم منه ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد وأحسن عاقبة فى معاد، ولا تلهينّكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها وفواتن لذاتها وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل ومدة إلى حين، وكل شئ فيها يزول. فكم عانيتم من أعاجيبها وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت من جنح إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلوا، ومزجت لهم سمّا». وواصل فى هذه الفقرة يردّد ما كان يجرى على لسان الوعاظ من الدعوة إلى تقوى الله حق تقواه، ويحذر من الدنيا وبرقها الخلّب وما يطوى فيها من نعيم لا يلبث أن يزول، وإنها لتحت أعينهم تمدّ لهم فى غوايات الشهوات، والعاقل من ازورّ عنها وكبح جماح نفسه وردّها عن أهوائها، فالموت بالمرصاد وعمّا قليل لا يكون للمرء سوى ما قدّم من عمل صالح، فليتزود كلّ لمعاده قبل فوات الفرصة وحلول الأجل. ويسترسل على هدى القرآن الكريم يتحدث عن الدول والأمم الغابرة، متخذا من ذلك العبرة يقول: «أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيّدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجّاب، وأعدّوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التّلاد، قبضتهم بمحملها (١)

стр. 860

وطحنتهم بكلكلها (١)، وعضّتهم بأنيابها، وعاضتهم من السّعة ضيقا، ومن العزة ذلا، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللّحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحسّ منهم من أحد، ولا تسمع لهم نبسا». وهذا الشطر من موعظة واصل يصور لنا كيف كان القصاص يتحدثون طويلا عن الأمم الداثرة والدول الزائلة حديثا أطالوا فيه مستوعبين لقصص الرسل وشعوبهم وخاصة تلك التى عصتهم، وما صبّ الله عليها من عذابه مما دفعهم دفعا إلى جلب ما ورثه أهل الديانات السماوية من أخبار عن الأنبياء، يقصدون بذلك إلى الموعظة الحسنة. ويعود واصل إلى الوصية بالتقوى والانتفاع بالقرآن وما به من أحسن القصص وأبلغ المواعظ، وكفى به واعظا هاديا. ويشيد الجاحظ ببلاغة واصل وأنه كان أحد الأعاجيب فى بلاغته، إذ كان فاحش اللّثغة فى الراء، فخلّص كلامه منها تخليصا، بحيث لم يكن أحد يفطن لذلك لبيانه الرائع، يقول: إنه كان داعية ورئيس نحلة. وعرف أن مخرج لثغته شنيع وأنه يقارع أرباب النحل وزعماء الملل وأن لا بد له من حسن البيان وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة، ومن أجل الحاجة إلى ذلك «رام إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتّى لستره والراحة من هجنته حتى انتظم له ما حاول واتّسق له ما أمّل. ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا ولطرافته معلما لما استجزنا الإقرار به والتأكيد له. ولست أعنى خطبه المحفوظة ورسائله المخلّدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة، وإنما عنيت محاجّة الخصوم ومناقلة (٢) الأكفاء ومفاوضة الإخوان. . وذكر ذلك أبو الطّروق الضّبىّ فقال عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يغلب الحقّ باطله (٣)» ولا شك فى أن عدول واصل عن الكلمات ذوات الراء فى جميع محاوراته آية بينة على تمام آلته فى البلاغة وإحكام صنعته. وكان رأسا فى الوعظ والاعتزال

стр. 861

معا، وخرّج كثيرين على مذهبه، طافوا البلاد يعظون الناس ويدعون إلى مقالته، وكان من أهم ما يدعو إليه حرية الإرادة، وأن الفاسق فى منزلة بين منزلتى المؤمن والكافر. والطريف أننا نجد صفوان الأنصارى يصف أتباعه فيقول (١): له خلف شعب الصّين فى كل ثغرة ... إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر (٢) رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم ... تهكّم جبّار ولا كيد ماكر وأوتاد أرض الله فى كل بلدة ... وموضع فتياها وعلم التشاجر (٣) وما كان سحبان يشقّ غبارهم ... ولا الشّدق من حيّى هلال بن عامر (٤) وهو لا ينوّه بوعظهم فحسب، بل ينوه أيضا بقدرتهم على الجدل والإقناع وتقرير الأدلة فى عقول الناس. ويمضى فيصور براعة واصل فى هذا العلم الجديد، علم التشاجر، وكيف كان يقتدر على إيراد الحجج ودفع الشّبه عند خصومه من أرباب الملل والنحل، مستطردا من ذلك إلى وصف تقواه وتقوى أتباعه، يقول: تلقّب بالغزّال واحد عصره ... فمن لليتامى والقبيل المكاثر (٥) ومن لحرورىّ وآخر رافض ... وآخر مرجىّ وآخر جائر (٦) وأمر بمعروف وإنكار منكر ... وتحصين دين الله من كل كافر يصيبون فصل القول فى كل موطن ... كما طبّقت فى العظم مدية جازر وسيماهم معروفة فى وجوههم ... وفى المشى حجّاجا وفوق الأباعر وفى ركعة تأتى على الليل كلّه ... وظاهر قول فى مثال الضمائر

стр. 862

ويهمنا ما وقف عنده صفوان والجاحظ بعده من محاجّة واصل لخصومه من أرباب الملل: من الحروريّة ورافضة الشيعة والمرجئة، فقد انبثقت من الوعظ شعبة من الجدل فى العقيدة، هيأت لظهور علم التشاجر كما يقول صفوان أو علم الكلام كما اصطلح المتأخرون، فظهر القدرية بزعامة الحسن البصرى، وظهر المرجئة بزعامة غيلان الدمشقى وغيره من دعاة هذا المذهب فى العراق وخراسان. وفى كل مكان نسمع عن مجادلات أصحاب هذه الفرق بعضهم مع بعض، ومع الخوارج والشيعة وبعض خلفاء بنى أمية (١). واحتدمت هذه المجادلات احتداما شديدا، وقد احتفظت الكتب ببقايا منها تدل دلالة بينة على أنها شحذت العقول كما شحذت الألسنة، ومن خير ما يصورها محاورة واصل بن عطاء مع عمرو ابن عبيد بمجلس الحسن البصرى فى مرتكب الكبيرة، وكان الحسن يراه مؤمنا فاسقا، ويراه الخوارج كافرا، وتراه المرجئة مؤمنا غير فاسق ولا كافر، لأنهم كما قدمنا كانوا يفصلون الإيمان عن العمل. ورأى واصل أن مرتكب الكبيرة فى منزلة وسطى بين منزلتى المؤمن والكافر، فهو ليس مؤمنا ولا كافرا. وكان عمرو بن عبيد من تلاميذ الحسن البصرى، فجمع بينه وبين واصل ليناظره فى رأيه. ويقص علينا المرتضى هذه المناظرة (٢)، ويقدم لها بأن واصلا أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن وفيها عمرو بن عبيد، فحاوره فى رأيه، وردّ عليه واصل ردّا مفحما مستخدما بعض آى الذكر الحكيم، شافعا ذلك بقياس منطقى دقيق. واقتنع عمرو فترك مقالة الحسن إلى مقالة واصل، وأصبح بعد ذلك من رءوس المعتزلة. والحق أن واصل بن عطاء يعدّ رمزا لكل ما أصاب عقل الوعّاظ وأصحاب المقالات فى هذا العصر من دقة لا فى مناظراته ومحاوراته فحسب، بل أيضا فى آزائه، فإن فكرة المنزلة بين المنزلتين التى وضع فيها مرتكبى الكبائر فكرة لا يؤتاها إلا من استبصر المعانى وعرف حدودها ومقاديرها ومداخلها ولطائفها، وكان واصل يجمع إلى ذلك قدرة واسعة فى الجدل والظفر بخصومه، وهو ظفر

стр. 863

لا يأتى عفوا، وإنما يأتى من تصفّح الأدلة ومعرفة صحيحها من سقيمها وجيدها من زائفها. فإذا قلنا إن الخطابة العربية تطورت تطورا واسعا بتأثير عقول هؤلاء المتكلمين لم نكن مغالين، إذ دعمت فيها الأدلة ودقّت المعانى، واستتمت شعبا كثيرة من خفياتها ودفائنها. وليس هذا فحسب، فإن هؤلاء الوعاظ المتكلمين وازنوا بين خطابتهم والجماهير التى كانت تستمع إليهم، وكانت أخلاطا من خاصة وعامة ومن عرب وموال، ومن ثمّ فتحوا الأبواب واسعة للأسلوب المولّد الجديد، وهو أسلوب لا يرتفع عن الموالى وفئات العامة بما قد يكون فيه من لفظ غريب، ولا يهبط عن العرب وفئات الخاصة بما فيه من لفظ مبتذل، أسلوب وسط، عماده الفصاحة والوضوح. ولم يكونوا يخطبون غالبا وقوفا شأن خطباء السياسة والمحافل، إنما كانوا يخطبون جلوسا، ومن حولهم تلاميذهم ومستمعوهم فى حلقات، وهم من هذه الناحية يعدّون محاضرين أكثر منهم خطباء بالمعنى الدقيق، وهيأ لهم ذلك شيئا من التروّى والتمهل كان له أثره فى روعة الأداء، حتى لنرى فريقا منهم يعمد إلى السجع فى وعظه مثل أسرة الرقاشيين (١)، وكان بينها غير متكلم مثل الفضل ابن عيسى الرقاشى. ولكن هذا ليس الأسلوب الذى شاع فى تلك البيئة، إنما شاع أسلوب آخر كان يقوم على الازدواج والترادف، وهو واضح فى خطبة واصل التى مرّت بنا، وفى خطابة الحسن البصرى وغيلان (٢) الدمشقى، وإنما ألجأهم إليه ضيق معانى الوعظ، فاضطروا إلى الترادف وترداد الكلام. ومن غير شك هم الذين أعدّوا لهذا الأسلوب الذى نراه ينتقل منهم إلى عبد الحميد ومن تلاه من كتاب العصر العباسى أمثال الجاحظ، ولا أغلو إذا قلت إنهم أعدوا لشيوع لون الطباق فى كتابات العباسيين، فقد جعلهم حديثهم عن الطاعة والعصيان والحياة والموت والجنة والنار يصوغون خطابتهم على المطابقة والمقابلة بين المعانى.

стр. 864

وليس هذا كل ما أهدوه إلى النثر العربى، فإنهم أهدوا إليه أيضا كثيرا من الوصايا البلاغية التى يموج بها كتاب البيان والتبيين للجاحظ، إذ تحولوا يعلّمون شباب البصرة والكوفة كيف يحسنون خطابتهم سواء من حيث إشاراتهم أم من حيث منطقهم أم من حيث تنقيح معانيهم أم من حيث تصفية ألفاظهم، وكيف يلائمون بين اللفظ والمعنى وبين كلامهم ومستمعيهم وطبقاتهم، ومتى يستحبّ الإيجاز ومتى يستحب الإطناب، وكيف أن المعوّل دائما على وضوح الدلالة حتى يصنع الكلام فى القلوب صنيع الغيث فى التربة الكريمة. وبذلك هيأوا لظهور قواعد البلاغة العربية، ولعل من الطريف أن أقدم النصوص المتصلة بماهيتها تضاف إلى أحد متكلميهم ووعّاظهم، فقد روى الجاحظ أن سائلا سأل عمرو بن عبيد ما البلاغة؟ فأجاب (١): «ما بلغ بك الجنة وعدل بك عن النار، وما بصّرك مواقع رشدك وعواقب غيّك، قال السائل: ليس هذا أريد، قال عمرو: فكأنك إنما تريد تحبير اللفظ فى حسن إفهام؟ قال: نعم، قال: إنك إن أردت تقرير حجة الله فى عقول المكلّفين وتخفيف المئونة على المستمعين وتزيين تلك المعانى فى قلوب المريدين بالألفاظ الحسنة فى الآذان المقبولة عند الأذهان رغبة فى سرعة استجابتهم ونفى الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب، واستحققت على الله جزيل الثواب». وعلى هذا النحو كان تلاميذهم لا يزالون يدفعونهم إلى الحديث عن آلات البلاغة، وكيف يحرزون لأنفسهم التفوق فى الخطابة وفى المحاورة والمناظرة، ويؤثر عن خالد بن صفوان أنه كان يقول: «اعلم-رحمك الله-أن البلاغة ليست بخفة اللسان وكثرة الهذيان، ولكنها بإصابة المعنى والقصد إلى الحجة» (٢) وكان شبيب بن شيبة يقول: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه، وأنا موكّل بتفضيل جودة القطع وبمدح صاحبه، وحظّ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت (٣)». ولم يكونوا يتفقدون

стр. 865

مطالع كلامهم وخواتمه فحسب، بل كانوا يتفقدون أيضا ثناياه ومقاطعه. ونحن نتوقف قليلا عند الحسن البصرى وخطابته، إذ يعدّ أخطب خطبائهم وأبلغ بلغائهم. الحسن (١) البصرى ولد بالمدينة سنة إحدى وعشرين للهجرة لأب أعجمى يسمى يسارا من سبى ميسان بجوار البصرة استرقه رجل من الأنصار، ثم أعتقه، فكان ولاؤه فيهم، وكانت أمه خيرة مولاة لأم سلمة زوج الرسول ﷺ ، وأعتقت هى الأخرى. وكان له أخ يسمى سعيدا. وقد عاشت هذه الأسرة فى وادى القرى، وترددت على المدينة. ولم تتصل أمه بأم سلمة وحدها من أزواج الرسول، فقد كانت تختلف إليهن جميعا، ويختلف معها الحسن، فاقتبسا معا من نورهن ونور الرسالة النبوية، وأعان أمه على هذا الاقتباس أنها استطاعت أن تحسن العربية، فكانت تروى أحاديث عن أم سلمة وتدمجها بوعظ كثير، مما كان له أثره العميق فى نفس ابنيها الحسن وسعيد. وأخذ الحسن منذ صباه يختلف إلى المسجد الجامع، وفى أثناء ذلك حفظ القرآن وتعلم الكتابة، وأخذ ينهل مما فى المدينة من فيض الرسالة. ولا نتقدم إلى خلافة علىّ حتى نجد أسرته تنزح إلى وطنه، فينزل البصرة، ونرى الحسن يجنح عن المشاركة فى الأحداث القائمة، وهو مذهب اتبعه طول حياته أن لا يشارك فى الأحداث والفتن، وكأنما وهب نفسه للدين بمعناه الدقيق، فهو يعيش لمدارسة القرآن الكريم ورواية الحديث محاولا الوقوف على جوانب التشريع الإسلامى. ونراه يخرج بعد اجتماع الأمة على معاوية مع الجيوش الغازية فى الشرق، ويعمل كاتبا لبعض الولاة فى خراسان، ويظل هناك نحو عشر

стр. 866

سنوات يعود بعدها إلى البصرة ويظل بها حتى وفاته سنة ١١٠ للهجرة ويخلص للدرس الدينى، ولا يترك نبعا من ينابيعه دون أن يرتشفه ارتشافا، وسرعان ما يصبح واعظا كبيرا ويقبل عليه شباب البصرة إقبالا منقطع النظير. ولا نصل إلى عصر الحجاج حتى يصبح أكبر واعظ فى مصره إذ كان لا يجارى فى بلاغته وبيانه. ويكبره عصره كما تكبره العصور التالية لزهده الذى لم يكن يتعمّل فيه ولا يتكلف، زهد بناه على آداب الإسلام، إذ استقاه من مناهله الحقيقية فى المدينة دار النبوة، ومن ثمّ أخذت الفرق الدينية تتنازعه، حتى تسوّغ آراءها فى عقول الناس، فكل فرقة تنسب إليه من عقائدها ما يجعله ينتظم بين روّادها الأولين، فالجبرية يقولون إنه كان ينفى حرية الإرادة ويذهب إلى أن كل شئ بقضاء من الله، ويقول القدرية إنه من القائلين بحرية الإرادة وأن الإنسان حر مختار فى أفعاله، ويجعله الصوفية إمامهم. ونستطيع أن نستخلص من النصوص المتضاربة أنه كان قدريّا، إذ كان يقول من زعم أن المعاصى من الله جاء يوم القيامة مسودّا وجهه، ولو كان من الجبرية ما نوّه به الجاحظ المعتزلى هذا التنويه العريض الذى نلقاه دائما كلما ذكره فى صفحات كتابه البيان والتبيين. ويزعم صاحب «المنية والأمل» أن الحجاج كتب إليه يسأله عن رأيه فى القدر، فكتب إليه رسالة ضمّنها ما كان يراه من حرية الإرادة والعدل على الله (١)، وتلتقى بهذه الرسالة فى نفس المعنى رسالة يقال إنه أرسل بها إلى عبد الملك (٢). والذى لا شك فيه أن الحسن كان أحد أئمة الزهاد فى عصره وأنه كان يدعو إلى الزهد فى الحياة الدنيا دعوة واسعة، ولكنه لم يكن متصوفا، فالتصوف شئ والزهد شئ آخر، حقّا كل متصوف زاهد، ولكن ليس كل زاهد متصوفا، ومعروف أن التصوف إنما نشأ بعد عصره. وقد صوّر إحسان عباس شخصيته الزاهدة تصويرا دقيقا مبينا كيف صرف نفسه عن متع الحياة وكيف تعمقته تجربة الزهد وكيف مضى يدعو إليه فى مواعظه دعوة لا تفتر. وكانت

стр. 867

خلافة عمر بن عبد العزيز الزاهد له عيدا، فوفد عليه واعظا وراسله، وقبل أن يتولى القضاء إلى فترة فى عهده. وكان بارع الفصاحة، حتى ليصفه بعض من سمعه من الأعراب بأنه «عربى محكّك (١)» ويؤثر عن الحجاج أنه كان يقول: «أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص (٢) البصرة إذا شاء خطب وإذا شاء سكت (٣)» وهو إنما يعنيه، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: «لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج (٤)». وكان يجمع إلى فصاحته حسّا لغويّا دقيقا، ومما يصور ذلك ما يروى عن رجل من بنى مجاشع قال: «جاء الحسن فى دم كان فينا فخطب، فأجابه رجل بأن قال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم، فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم، وآجرك الله (٥)». وتموج بعظاته كتب البيان والتبيين وعيون الأخبار والعقد الفريد كما تموج بها ترجمته فى الكتب المختلفة وكتب المتصوفة مثل اللمع للسراج وحلية الأولياء لأبى نعيم، وقد نوّه به الغزالى فى الإحياء مرارا. وهو فى مواعظه يستمد من القرآن الكريم وهدى الرسول ﷺ وصحابته الورعين، وخاصة عمر بن الخطاب، فإنه يروى عنه كثيرا من أقواله وعظاته (٦). وهو فى وعظه ينفّر دائما من الدنيا ومتاعها الزائل، مذكّرا باليوم الآخر وما ينتظر العصاة فيه من العقاب الزاجر حاثّا على التقوى والعمل الصالح والتأسى بالرسول وصحابته الذين رفضوا الدنيا وطلبوا الآخرة، فكانوا كالكرمة التى حسن ورقها وطاب ثمرها. ومن مواعظه التى رواها له الجاحظ قوله (٧): «يابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. يابن آدم إذا رأيت الناس فى الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم فى الشر فلا تغبطهم به. الثّواء هاهنا قليل والبقاء هناك طويل. أما إنه والله لا أمة بعد أمتكم ولا نبىّ بعد نبيكم ولا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس

стр. 868

والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأولكم أن يلحق آخركم. من رأى محمدا ﷺ فقد رآه غاديا رائحا (١) لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. . ﴿(لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).﴾ يابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل فى هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمك، فرحم الله رجلا نظر فتفكر، وتفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر، وأبصر فصبر. . يابن آدم اذكر قوله: ﴿(وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً، اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)﴾ عدل، والله، عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا صفاء الدنيا وذروا كدرها، دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. لقد صحبت أقواما (٢) ما كانت صحبتهم إلا قرّة العين وجلاء الصدر، ولقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن تردّ عليهم منكم من سيئاتكم أن تعذّبوا عليها، وكانوا فيما أحلّ الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم عليكم منها. . لو تكاشفتم ما تدافنتم (٣)، تهاديتم الأطباق ولم تتهادوا النصائح، قال ابن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوينا. أعدّوا الجواب فإنكم مسئولون. . يابن آدم ليس الإيمان بالتحلّى ولا بالتمنى، ولكنه ما وقر فى القلوب وصدّقته الأعمال». وواضح كيف كان يمزج عظته بآى الذكر الحكيم مستعيرا من أحاديث الرسول ما يضئ به كلامه من مثل قوله: «دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم» ففى الحديث النبوى: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» واستعار قول الرسول: «لو تكاشفتم ما تدافنتم» واستشهد بكلمة لعمر. واستشهاده بآيات القرآن كثير، تارة يأتى بها فى تضاعيف كلامه، وتارة يتلو الآية ثم يعقب عليها بعظته، من ذلك أنه تلا يوما قوله تعالى: ﴿(إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً)﴾ ثم عقّب عليها بقوله (٤):

стр. 869

«إن قوما غدوا فى المطارف (١) العتاق والعمائم الرقاق يطلبون الإمارات ويضيّعون الأمانات، يتعرضون للبلاء وهم منه فى عافية، حتى إذا أخافوا من فوقهم من أهل العفّة وظلموا من تحتهم من أهل الذّمّة أهزلوا دينهم وأسمنوا براذينهم (٢) ووسعوا دورهم وضيّقوا قبورهم. ألم ترهم قد جدّدوا الثياب وأخلقوا الدين، يتكئ أحدهم على شماله، فيأكل من غير ماله. . يدعو بحلو بعد حامض وبحارّ بعد بارد وبرطب بعد يابس، حتى إذا أخذته الكظّة (٣) تجشّأ من البشم (٤)، ثم قال يا جارية هاتى حاطوما (٥) يهضم الطعام، يا أحيمق لا والله لن تهضم إلا دينك أين جارك؟ أين يتيمك؟ أين مسكينك؟ أين ما أوصاك الله به؟ » وبمثل هذه العظة كان يحمل على من يطلبون الدنيا والظفر فيها بحكم الناس، حتى إذا حكموهم ظلموهم وعاشوا للذاتهم يلبسون فاخر الثياب ويركبون أنفس الدواب، ويطعمون طعاما مختلفة ألوانه، غير مفكرين فى حقوق الرعية بل طارحين وراء ظهورهم ما أوصى به الدين الحنيف من رعاية الجار واليتيم والمسكين. وكان يعنف بالأغنياء عنفه بالحكام، فقد شغلهم متاع الدنيا عن طلب الآخرة حتى أصبحوا كالشجرة التى قلّ ورقها وكثر شوكها، وإنه ليجزع من انصرافهم إلى نعيم الحياة وسلعها البائرة وقعودهم عن الآخرة وسلعها الرابحة، ومن قوله (٦): «رحم الله امرأ كسب طيبا، وأنفق قصدا، وقدّم فضلا، وجّهوا هذه الفضول حيث وجّهها الله، وضعوها حيث أمر الله، فإن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم ويؤثرون بالفضل. ألا إن هذا الموت قد أضرّ بالدنيا، ففضحها، فلا والله ما وجد ذو لبّ فيها فرحا، فإياكم وهذه السبل المتفرقة التى جماعها الضلالة وميعادها النار. أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا أجنّهم الليل فقيام على أطرافهم، يفترشون وجوههم، تجرى دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم فى فكاك رقابهم (٧). . يابن آدم إن كان لا بغنيك

стр. 870

ما يكفيك فليس ها هنا شئ يغنيك، وإن كان يغنيك ما يكفيك فالقليل من الدنيا يغنيك». ويكرر الحسن دائما ذكر الموت والآخرة والإعراض عن الدنيا والخوف من؟ ؟ ؟ وما أعدّ للعصاة من الجحيم والعذاب المقيم، ويجلّل الحزن مواعظه، فهو دائما مهموم لما يفكر فيه من مصيره ولقاء ربه يوم يفوز المحسنون ويخسر المبطلون، فطوبى لمن قنع بالكفاف وذكر فى غدوّه ورواحه المعاد، وأعدّ عدته ليوم الحساب يوم موقفه بين يدى الله، وهو لا يدرى أيؤمر به إلى الجنة أم إلى النار. وإن التفكير فى ذلك حرىّ أن يملأ نفس المؤمن بالحزن والهم آناء الليل وأطراف النهار. ولعل فى هذا كله ما يوضح المعانى التى كان يخوض فيها الحسن البصرى، وقد كان يختار لها كسوة حسنة من هذا الأسلوب الذى يشيع فيه الازدواج، كما يشيع فيه الطباق والتصوير، وأيضا فإنه كان يشيع فيه التقسيم من مثل قوله: «لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيما أبلاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين كسبه وفيما أنفقه». وهو بلا ريب أكبر من ثبّتوا فى هذا العصر ذلك الأسلوب المونق الذى تأثّر به عبد الحميد ومن خلفوه من الكتّاب إذ كان يقتدر على تصريف الكلم مع السلامة من التكلف والبراءة من التعقيد، وليس ذلك فحسب بل أيضا مع تحلية لفظه بالمزاوجات والمقابلات والتشبيهات والاستعارات والتقسيمات الدقيقة.

стр. 871

الفصل السابع الكتابة والكتّاب ١ - التدوين كان العرب فى الجاهلية أميين، لا يعرف القراءة والكتابة إلا قليل منهم، فلما جاء الإسلام أخذ يحضّهم-كما مرّ بنا-على تعلم الكتابة وعلى العلم والتعلم. وكان اختلاطهم بعد الفتوح بالأعاجم مهيّئا لهم أن يقفوا منهم على فكرة الكتاب وأنه صحف يجمع بعضها إلى بعض فى موضوع معين. وقد أخذوا يتحولون سريعا من أمة أمّية لا تعرف من المعارف إلا ما حواه الصدر ووعته الآذان إلى أمة كاتبة، تدوّن معارفها العربية والإسلامية واضعة بعض المصنّفات ومضيفة إلى ذلك بعض المعارف الأجنبية. وكان من أوائل ما عنوا به من معارفهم العربية الخالصة أخبار آبائهم فى الجاهلية وأنسابهم وأشعارهم، ومن ثمّ كثير بينهم علماء النسب وأصحاب الأخبار (١) ومن أشهرهم دغفل (٢) بن حنظلة السّدوسى المتوفّى سنة ٧٠ للهجرة، وله مجالس عند معاوية دوّنت فى كتاب له اسمه «التضافر والتناصر» (٣) وهى تدور بينهما فى أسلوب حوارى، إذ يسأل معاوية عن قبائل العرب ويجيبه دغفل بعبارات بليغة، وقد احتفظ الجاحظ منها فى بيانه ببعض إجابات طريفة. (٤)

стр. 872

وبجانب ذلك نجد القبائل تعنى بأخبارها فى الجاهلية وأشعارها فتدونها، وتكاثر هذا التدوين فى الكوفة حيث كانت تعيش الأرستقراطية العربية، مما أتاح الفرصة للرواة من أمثال حماد الراوية أن يحملوا مادة غزيرة من الشعر الجاهلى وكل ما يتصل به من أخبار وأيام (١). وبين أيدينا أخبار مختلفة تدل على أن الشعر الإسلامى كان يكتب ويدوّن، من ذلك ما يرويه الجاحظ عن ذى الرّمّة من أنه كان يقول لعيسى بن عمر: «اكتب شعرى فالكتاب أحبّ إلىّ من الحفظ، لأن الأعرابىّ ينسى الكلمة وقد سهر فى طلبها ليلته، فيضع فى موضعها كلمة فى وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاما بكلام» (٢)، وفى أخبار جرير أنه كان يأمر راويته حسينا بإعداد ألواح ودواة ليملى عليه بعض أشعاره (٣) وأنه كان يقول لسامعيه بالمربد قيّدوا قيّدوا أى اكتبوا (٤)، وفى الأغانى أن خالد بن كلثوم الكلبى كان يدوّن شعره وشعر الفرزدق (٥). ونحن لا نصل إلى عصرهما حتى يتكون بالبصرة والكوفة جيل من الرواة، يعنى بتدوين أخبار العرب فى الجاهلية وأشعارهم، لعل خير من يمثّله أبو عمرو بن العلاء، وفيه يقول الجاحظ: «كانت كتبه التى كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له، إلى قريب من السّقف، ثم إنه تقرّأ (تنسّك) فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظ بقلبه، وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية» (٦). وعناية العرب فى هذا العصر بتدوين أخبارهم الجاهلية وأنسابهم وأشعارهم لا تقاس إلى عنايتهم بتدوين كل ما اتصل بدينهم الحنيف فقد تأسست فى كل بلدة إسلامية مدرسة دينية عنيت بتفسير الذكر الحكيم ورواية الحديث النبوى وتلقين الناس الفقه وشئون التشريع. وكان كثيرون من المتعلمين فى هذه المدارس يحرصون على تدوين ما يسمعونه. وقد اشتهر ابن عباس فى مكة بما كان يحاضر فى تفسير القرآن الكريم، وحمل عنه تفسيره نفر من التابعين

стр. 873

أمثال مجاهد وعطاء، ويقول ابن حنبل «بمصر صحيفة فى التفسير عن ابن عباس رواها على بن أبى طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا (١)». ولا يحمل تفسير الطبرى تفسير ابن عباس وحده، بل يحمل أيضا كلّ ما رواه الرواة عن معاصريه أمثال عبد الله بن مسعود وأبىّ بن كعب. وقد أخذت تعظم هذه المادة بما أضاف إليها التابعون، وما نشكّ فى أن كثيرا منها دوّن فى هذا العصر، وإلا ما وصلت إلى الطبرى. وكان الصحابة والجيل الأول من التابعين كما مر بنا فى غير هذا الموضع يتردّدون فى تدوين الحديث، غير أن بينهم قوما كانوا لا يكتفون بالحفظ خشية النسيان، فعمدوا إلى كتابة ما سمعوه على نحو ما يصوّر لنا ذلك البغدادى فى كتابه «تقييد العلم». ونحن لا نصل إلى عصر عمر بن عبد العزيز حتى نراه يأمر بتدوين الحديث، ويعنى بذلك كما مر بنا الزّهرى المتوفى سنة ١٢٤ للهجرة فيدونه، ويتتابع التدوين فيه. وعلى نحو ما أخذوا فى تدوين الحديث والتفسير أخذوا فى تدوين الفقه، وخاصة تلاميذ ابن مسعود كما يلاحظ ذلك ابن قيم الجوزية، فإنهم حرّروا فتياه ومذهبه فى التشريع (٢). ويذكر جولد تسيهر أن عروة (٣) بن الزبير كانت له كتب فقه احترقت يوم الحرة (٤). ويظهر أن عناية الشيعة بكتابة الفقه كانت قوية لاعتقادهم فى أئمتهم أنهم الهادون المهديون الذين ينبغى أن يلتزموا بفتاواهم ومن ثم عنوا بفتاوى على وأقضيته، ويظهر أن أول من ألّف فيها سليم بن قيس الهلالى معاصر الحجاج (٥)، وذكر جولد تسيهر أنه يوجد فى المكتبة الأمبروزية بميلانو مختصر فى الفقه اسمه «مجموعة زيد بن على» (٦). وأخذت تدوّن منذ القرن الأول مغازى الرسول ﷺ وممن عنوا

стр. 874

بها عروة بن الزبير وأبان (١) بن عثمان بن عفان المتوفى سنة ١٠٥ للهجرة ووهب (٢) ابن منبّه المتوفى سنة ١١٤. وأخذت تنضم إليها مادة تاريخية إسلامية عن الفتوح وأخبار الخلفاء الراشدين وخلفاء بنى أمية وخلافة ابن الزبير ومقتل الحسين، ومن كل ذلك ألف المؤرخون المخضرمون الذين عاشوا فى العصرين الأموى والعباسى كتبهم التاريخية التى يفيض الفهرست لابن النديم فى بيان أسمائها، وعلى رأسهم محمد بن السائب الكلبى المتوفّى سنة ١٤٦. وابن إسحق المتوفى سنة ١٥٠. ومنذ أوائل العصر نجد عناية بأخبار الأمم السالفة، وتمثلت هذه العناية فى معاوية، إذ استقدم عبيد (٣) بن شريّة الجرهمى اليمنى ليحدثه فى مجالسه عن أخبار ملوك العرب الماضين، وأمر معاوية بعض غلمانه بكتابة ما كان يسرده من تاريخهم، فتألف من ذلك كتابه «أخبار الأمم الماضية» وكان متداولا فى عصر المسعودى (٤). وقد طبع له فى «حيدرآباد» كتاب باسم «أخبار عبيد بن شرية الجرهمى فى أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها» وهو يدور فى أسلوب حوارى، إذ يسأل معاوية ويجيب عبيد، ويستهلّ بأخبار عاد ولقمان وثمود ثم يتحدث عن هجرة جرهم من اليمن وأخبار تبّع إلى زمان مملكة طسم وجديس، وتتخلله أشعار كثيرة. ومن نمطه كتاب التيجان لوهب بن منبه، وهو مطبوع معه، وهو يتحدث عن ملوك حمير والقرون الغابرة. ولوهب كتاب يسمى «المبتدأ فى الأمم الخالية» ذكره المقدسى (٥) وقال السخاوى إنه كثير الخرافات (٦). وله فى الإسرائيليات كتاب نقل عنه المفسرون كثيرا، وفى مكتبة بلدية الإسكندرية كتاب ينسب إليه باسم «قصص الأنبياء». ويلمع فى هذا الاتجاه من أخبار أهل الكتب السماوية اسم كعب (٧)

стр. 875

الأحبار المتوفى سنة ٣٢ للهجرة وكان من يهود اليمن وأسلم وقد طبع له فى القرن الماضى كتاب بمطبعة بولاق «فى حديث ذى الكفل». وتلقانا بجانب ذلك إشارات إلى مصنفات تاريخية وأدبية وعقيدية، من ذلك وضع زياد بن أبيه لكتاب فى المثالب (١) ووضع ابن مفرّغ الشاعر قصة تبّع وأشعاره (٢) وتأليف كل من علاقة الكلابى (٣) معاصر يزيد بن معاوية وصحار (٤) العبدى كتابا فى الأمثال. ومن ذلك كتاب (٥) فى الوصايا والحكم للمستورد بن علّفة الخارجى. ومن ذلك أيضا تصنيف وهب بن منّبه لكتاب فى القدر (٦)، ويقول صاحب الفهرست إن لغيلان (٧) المرجئ رسائل فى ألفى ورقة (٨)، ومع أنها كانت تدور فى المواعظ (٩) نؤمن بأنها حملت آراءه فى الإرجاء. ويقول الجاحظ إن رسائل واصل بن عطاء رأس المعتزلة وخطبه كانت مدونة. (١٠) ومرّ بنا فى الفصل السابق ذكر رسالتين للحسن البصرى أرسل بهما إلى الحجاح وعبد الملك يحتج لرأيه فى القدر، وهو ممن أملوا تفسيرا حمل عنه (١١). ونجد يونس الكاتب يضع أول كتاب فى الغناء (١٢)، وقد نسب له صاحب الفهرست فيه ثلاثة كتب (١٣). وفى ذلك كله ما يدل على اتساع حركة التدوين فى عصر بنى أمية، ولا نشك فى أن القوم دوّنوا جملة رسائلهم السياسية، وإلا ما استطاع الطبرى وغيره أن يرووها وكذلك قل فى رسائلهم الوعظية والشخصية فإنهم دونوا منها كثيرا ويسوق لنا صاحب الفهرست أسماء طائفة من الكتّاب البلغاء لهذا العصر كانت رسائلهم مدونة. (١٤) وبالمثل كانوا يدوّنون كثيرا من خطبهم، وخاصة خطب

стр. 876

الخلفاء والخطباء النابهين وعّاظا وغير وعّاظ، من مثل الحسن البصرى وواصل ومثل خالد بن صفوان (١) المتوفى سنة ١٣٥ وفيه يقول الجاحظ كما أسلفنا: «لكلامه كتاب يدور فى أيدى الوراقين» (٢) ومرت بنا فى الفصل السالف موعظة لزياد بن أبيه كان يتداولها الناس وكتبها عبد الملك بن مروان بيده. وأخذوا منذ أوائل هذا العصر ينقلون عن الموالى بعض معارفهم، وقد مرّ بنا فى حديثنا عن الثقافة كيف كان خالد بن يزيد بن معاوية مشغوفا بكتب النجوم والكيمياء والطب. ويقول صاحب الفهرست: «رأيت من كتبه كتاب الحرارات، وكتاب الصحيفة الكبير وكتاب الصحيفة الصغير وكتاب وصيته فى الصنعة» (٣). ومرّ بنا أيضا أن عمر بن عبد العزيز أمر ماسرجويه بنقل كتاب القس أهرن فى الطب، ويروى الرواة أن ثياذوق طبيب الحجاج ابن يوسف نظم فى علم الصحة قصيدة ظل الناس يتناقلونها حتى عصر ابن سينا (٤) وذكرنا أيضا أن سالما مولى هشام نقل بعض رسائل أرسططاليس من اليونانية، وقد اشتهر تلميذه عبد الحميد بنقل بعض رسائل الفرس السياسية (٥). ويقال إنه نقل لهشام كتاب عن الفارسية فى تاريخ الساسانيين ونظمهم السياسية. (٦) ومعنى كل ما قدمنا أن التدوين أخذ يذيع وينتشر بين العرب لهذا العصر فى جميع فروع المعرفة دينية وغير دينية وعربية وغير عربية. ونقف الآن لنتحدث عما خلّف العصر من رسائل مختلفة. ٢ - كثرة الرسائل المدوّنة تزخر كتب التاريخ والأدب برسائل سياسية كثيرة أثرت عن هذا العصر،

стр. 877

وحقّا هناك كتب تزيّدت فى هذه الرسائل ونقصد كتب الشيعة من مثل شرح ابن أبى الحديد على نهج البلاغة وكذلك كتاب الإمامة والسياسة المنسوب إلى ابن قتيبة. ولكن إذا نحّينا هذين الكتابين وأضرابهما واعتمدنا على الكتب الوثيقة من مثل الطبرى والبيان والتبيين والكامل للمبرد استقبلتنا وخاصة فى الطبرى سيول من هذه الرسائل كتبتها على مرّ العصر وأحداثه فرق الخوارج والشيعة والزبيريين ومن ثاروا على الدولة الأموية أمثال ابن الأشعث، كما كتبها خلفاء بنى أمية وولاتهم وقوادهم. ولن نستطيع أن نعرض كل ما روى للخوارج من رسائل، لكثرتها، ومن ثمّ سنكتفى بالحديث عن أهم رسائلهم، ومعروف ما شجر بينهم من خلاف أدّى كما مرّ بنا إلى تفرقهم أربع فرق، هى الأزارقة والنّجدية والصّفرية والإباضية، وقد مضى الأولون بقيادة نافع بن الأزرق يحرّمون القعود عن الخروج ويستحلّون دماء المسلمين وقتل أطفالهم، وخالفتهم فى ذلك الفرق الأخرى. ويسوق المبرد فى تصوير هذا الخلاف رسالتين (١) متبادلتين بين نجدة بن عامر الحنفى زعيم النّجدات ونافع بن الأزرق، فنجدة يراجعه فى مقالته، ونافع يحتج لها. والرسالتان وثيقتان طريفتان فى بيان مقالتى النجدات والأزارقة. ومرّ بنا كيف قاد الأزارقة مع قواد مصعب بن الزبير حربا عنيفة على الرغم من قتل قائدهم نافع فى وقعة دولاب، فقد ظلوا يحاربون قائده المهلب، حتى إذا دخلت العراق فى طاعة عبد الملك مضوا فى ثورتهم، وظلت الجيوش توجّه إليهم، يوجّهها ولاة العراق وخاصة الحجاج، وكان زعيمهم لعهده قطرى ابن الفجاءة، ونرى الحجاج يراسله مهددا متوعدا، ويرد عليه قطرى بنفس الصورة من التهديد والتوعّد، ونحن نسوق رسالتين (٢) لهما تصوّران كيف كان يتراسل الولاة مع الثائرين من خوارج وغير خوارج، أما رسالة الحجاج فتجرى على هذا النمط. «سلام عليك. أما بعد فإنك مرقت من الدين مروق السّهم من الرّميّة، وقد علمت حيث تجرثمت، (٣) ذاك أنك عاص لله ولولاة أمره. غير أنك أعرابى

стр. 878

جلف (١) أمىّ تستطعم (٢) الكسرة وتستشفى (٣) بالتمرة، والأمور عليك حسرة، خرجت لتنال شبعة (٤)، فلحق بك طغام (٥) صلوا بما صليت به من العيش فهم يهزّون الرماح ويستنشئون (٦) الرياح، على خوف وجهد من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثم أهلكهم الله بنزحتين (٧). والسلام». وأجابه قطرى: «سلام على الهداة من الولاة الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه، فالحمد لله على ما أظهر من دينه، وأظلع به أهل السّفال (٨) وهدى به من الضلال ونصر به عند استخفافك بحقّه. كتبت إلىّ تذكر أنى أعرابىّ جلف أمىّ أستطعم الكسرة، وأستشفى بالتمرة، ولعمرى يا ابن أمّ الحجاج (٩) إنك لمتيّه فى جبلّتك (١٠)، مطلخمّ (١١) فى طريقتك، واه فى وثيقتك (١٢)، لا تعرف الله ولا تجزع من خطيئتك، يئست واستيأست من ربك، فالشيطان قرينك، لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك. فالحمد لله الذى لو شاء أبرز لى صفحتك، وأوضح لى صلعتك (١٣)، فو الذى نفس قطرىّ بيده لعرفت أن مقارعة الأبطال ليس كتصدير (١٤) المقال، مع أنى أرجو أن يدحض الله حجّتك، وأن يمنحنى مهجتك». وواضح أن كلا منهما يرمى صاحبه بالضلالة والغواية، وقد عنيا جميعا بالتأنق فى أسلوبهما. ومن ثمّ زيّنا كلامهما بالسجع. وإذا تركنا الأزارقة إلى الصّفرية وجدنا شبيبا يراسل صالح بن مسرّح حاضّا على الخروج (١٥). ولم تحتفظ المصادر برسائل للنجدات والإباضية.

стр. 879

ورسائل الشيعة فى هذا العصر كثيرة، وأول حادث تكثر رسائلهم فيه استدعاء أهل الكوفة للحسين وما كان بينه وبينهم من مراسلات (١) تحضّ على الثورة على بنى أمية لظلمهم الرعية واغتصابهم الخلافة من أصحابها الشرعيين. ونمضى بعد مقتله فتلقانا حركة التوّابين، ويصوّر زعيمهم سليمان بن صرد فى مكاتبته لبعض أصحابه ندمهم على خذلان الحسين، وأنه ليس لهم من مخرج ولا توبة إلا بالثأر من قاتليه (٢). وسرعان ما تنشب حركة المختار الثقفى لعهد ابن الزبير، ويستولى على الكوفة، ويكثر من المكاتبة إلى شيعته وإلى ابن الحنفية، ويكتب إلى بعض زعماء البصرة مهددا متوعدا إن لم يتبعوه على شاكلة هذه الرسالة التى أرسل بها إلى الأحنف زعيم تميم، وفيها يقول (٣): «بسم الله الرحمن الرحيم، من المختار بن أبى عبيد إلى الأحنف بن قيس ومن قبله، فسلم أنتم، أما بعد فويل امّ ربيعة من مضر (٤)، فإن الأحنف مورد قومه سقر (٥)، حيث لا يستطيع لهم الصّدر (٦)، وإنى لا أملك ما خطّ فى القدر، وقد بلغنى أنكم تسمّوننى كذابا، وإن كذّبت فقد كذّبت رسل من قبلى، ولست بخير من كثير منهم». وفى الرسالة خصائصه التى مرت بنا فى خطابته، إذ كان يعنى باختيار ألفاظه والسجع فى كلامه، وفيها إيهاماته وادعاءاته إذ يشير من طرف خفىّ إلى أنه يوحى إليه. ومن ثم كان يستخدم السجع كثيرا فى خطابته وأحاديثه كما استخدمه فى الرسالة الآنفة (٧). وأثرت عن ابن الزبير وولاته فى العراق رسائل كثيرة احتفظ بها الطبرى، كما احتفظ برسالة كتب بها إليه المختار (٨) الثقفى. ونرى ولاته يكاتبون من يوجّهونهم إلى الخوارج (٩). ونلتقى فى عصر الحجاج بثورة ابن الأشعث ومعروف أنه اتخذ كاتبا له أيوب بن القرّيّة المشهور بسجعه.

стр. 880

وإذا كانت الكتابات السياسية قد كثرت فى البيئات المعارضة للدولة فإن الدولة نفسها كانت تستخدمها استخداما أكثر وأغزر، إذ كان الخلفاء يكتبون بالعهود إلى من يتولون الخلافة بعدهم (١)، سنّة وضعها أبو بكر وعمر وسار عليها خلفاء بنى أمية. وكذلك كانوا يكتبون بالعهود إلى من يولّونهم على الولايات (٢). وكانت الكتب لا تزال ذاهبة آيبة بينهم وبين ولاتهم فى كل كبيرة وصغيرة. وكان قوّادهم كلما فتحوا بلدا واستجاب إليهم أهلها عقدوا معهم المعاهدات. ولا نستطيع أن نعرض بالتفصيل لكل ما دار بينهم وبين ولاتهم وقوادهم من مراسلات يطفح بها الطبرى وغيره، ويكفى أن نقول إنه ليس هناك حادث مهم ولا ثورة إلا والرسائل تتساقط كالغيث، فزياد بن أبيه يكتب مرارا لمعاوية فى شأن حجر بن عدىّ وأصحابه من الشيعة (٣)، ويرد عليه. ويكتب يزيد إلى ولاته فى الحجاز بشأن عبد الله بن الزبير والحسين بن على (٤)، وتكثر الرسائل بينه وبين عبيد الله بن زياد فى وفود الحسين على العراق وما كان من مصرعه. (٥) ولم تكثر الرسائل السياسية بين الخلفاء وولاتهم كما كثرت فى عهد عبد الملك وخاصة بينه وبين الحجاج لكثرة الفتن والثورات التى نشبت فى العراق وخراسان. وكان الحجاج نفسه يكثر من الكتابة إلى قواده، ويكثرون من الرد عليه، وكان يكتب أحيانا إلى الثوار أنفسهم على شاكلة رسالته الآنفة التى أرسل بها إلى قطرى. ولا بد أن نقف قليلا عنده إذ كان يعنى بتحبير رسائله على نحو ما كان يعنى بتحبير خطبه. ونراه يكثر من مراسلة المهلب وحثّه على الفتك بالخوارج الأزارقة حتى لا تقوم لهم قائمة (٦)، كما يكثر من مراسلة قواده فى حروب الخوارج الشبيبية (٧) وفى فتنة ابن الأشعث (٨) وحروب خراسان (٩). ورسائله مثل سياسته التى اشتهر بها تقطر شدة وحدّة، حتى فى مخاطبته لبعض الأمراء، فقد كتب إلى سليمان بن عبد الملك-وهو لا يزال وليا للعهد-من رسالة له: «إنما
следующие страницы →