← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الخلفاء والخطباء النابهين وعّاظا وغير وعّاظ، من مثل الحسن البصرى وواصل ومثل خالد بن صفوان (١) المتوفى سنة ١٣٥ وفيه يقول الجاحظ كما أسلفنا: «لكلامه كتاب يدور فى أيدى الوراقين» (٢) ومرت بنا فى الفصل السالف موعظة لزياد بن أبيه كان يتداولها الناس وكتبها عبد الملك بن مروان بيده. وأخذوا منذ أوائل هذا العصر ينقلون عن الموالى بعض معارفهم، وقد مرّ بنا فى حديثنا عن الثقافة كيف كان خالد بن يزيد بن معاوية مشغوفا بكتب النجوم والكيمياء والطب. ويقول صاحب الفهرست: «رأيت من كتبه كتاب الحرارات، وكتاب الصحيفة الكبير وكتاب الصحيفة الصغير وكتاب وصيته فى الصنعة» (٣). ومرّ بنا أيضا أن عمر بن عبد العزيز أمر ماسرجويه بنقل كتاب القس أهرن فى الطب، ويروى الرواة أن ثياذوق طبيب الحجاج ابن يوسف نظم فى علم الصحة قصيدة ظل الناس يتناقلونها حتى عصر ابن سينا (٤) وذكرنا أيضا أن سالما مولى هشام نقل بعض رسائل أرسططاليس من اليونانية، وقد اشتهر تلميذه عبد الحميد بنقل بعض رسائل الفرس السياسية (٥). ويقال إنه نقل لهشام كتاب عن الفارسية فى تاريخ الساسانيين ونظمهم السياسية. (٦) ومعنى كل ما قدمنا أن التدوين أخذ يذيع وينتشر بين العرب لهذا العصر فى جميع فروع المعرفة دينية وغير دينية وعربية وغير عربية. ونقف الآن لنتحدث عما خلّف العصر من رسائل مختلفة. ٢ - كثرة الرسائل المدوّنة تزخر كتب التاريخ والأدب برسائل سياسية كثيرة أثرت عن هذا العصر،

стр. 877

وحقّا هناك كتب تزيّدت فى هذه الرسائل ونقصد كتب الشيعة من مثل شرح ابن أبى الحديد على نهج البلاغة وكذلك كتاب الإمامة والسياسة المنسوب إلى ابن قتيبة. ولكن إذا نحّينا هذين الكتابين وأضرابهما واعتمدنا على الكتب الوثيقة من مثل الطبرى والبيان والتبيين والكامل للمبرد استقبلتنا وخاصة فى الطبرى سيول من هذه الرسائل كتبتها على مرّ العصر وأحداثه فرق الخوارج والشيعة والزبيريين ومن ثاروا على الدولة الأموية أمثال ابن الأشعث، كما كتبها خلفاء بنى أمية وولاتهم وقوادهم. ولن نستطيع أن نعرض كل ما روى للخوارج من رسائل، لكثرتها، ومن ثمّ سنكتفى بالحديث عن أهم رسائلهم، ومعروف ما شجر بينهم من خلاف أدّى كما مرّ بنا إلى تفرقهم أربع فرق، هى الأزارقة والنّجدية والصّفرية والإباضية، وقد مضى الأولون بقيادة نافع بن الأزرق يحرّمون القعود عن الخروج ويستحلّون دماء المسلمين وقتل أطفالهم، وخالفتهم فى ذلك الفرق الأخرى. ويسوق المبرد فى تصوير هذا الخلاف رسالتين (١) متبادلتين بين نجدة بن عامر الحنفى زعيم النّجدات ونافع بن الأزرق، فنجدة يراجعه فى مقالته، ونافع يحتج لها. والرسالتان وثيقتان طريفتان فى بيان مقالتى النجدات والأزارقة. ومرّ بنا كيف قاد الأزارقة مع قواد مصعب بن الزبير حربا عنيفة على الرغم من قتل قائدهم نافع فى وقعة دولاب، فقد ظلوا يحاربون قائده المهلب، حتى إذا دخلت العراق فى طاعة عبد الملك مضوا فى ثورتهم، وظلت الجيوش توجّه إليهم، يوجّهها ولاة العراق وخاصة الحجاج، وكان زعيمهم لعهده قطرى ابن الفجاءة، ونرى الحجاج يراسله مهددا متوعدا، ويرد عليه قطرى بنفس الصورة من التهديد والتوعّد، ونحن نسوق رسالتين (٢) لهما تصوّران كيف كان يتراسل الولاة مع الثائرين من خوارج وغير خوارج، أما رسالة الحجاج فتجرى على هذا النمط. «سلام عليك. أما بعد فإنك مرقت من الدين مروق السّهم من الرّميّة، وقد علمت حيث تجرثمت، (٣) ذاك أنك عاص لله ولولاة أمره. غير أنك أعرابى

стр. 878

جلف (١) أمىّ تستطعم (٢) الكسرة وتستشفى (٣) بالتمرة، والأمور عليك حسرة، خرجت لتنال شبعة (٤)، فلحق بك طغام (٥) صلوا بما صليت به من العيش فهم يهزّون الرماح ويستنشئون (٦) الرياح، على خوف وجهد من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثم أهلكهم الله بنزحتين (٧). والسلام». وأجابه قطرى: «سلام على الهداة من الولاة الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه، فالحمد لله على ما أظهر من دينه، وأظلع به أهل السّفال (٨) وهدى به من الضلال ونصر به عند استخفافك بحقّه. كتبت إلىّ تذكر أنى أعرابىّ جلف أمىّ أستطعم الكسرة، وأستشفى بالتمرة، ولعمرى يا ابن أمّ الحجاج (٩) إنك لمتيّه فى جبلّتك (١٠)، مطلخمّ (١١) فى طريقتك، واه فى وثيقتك (١٢)، لا تعرف الله ولا تجزع من خطيئتك، يئست واستيأست من ربك، فالشيطان قرينك، لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك. فالحمد لله الذى لو شاء أبرز لى صفحتك، وأوضح لى صلعتك (١٣)، فو الذى نفس قطرىّ بيده لعرفت أن مقارعة الأبطال ليس كتصدير (١٤) المقال، مع أنى أرجو أن يدحض الله حجّتك، وأن يمنحنى مهجتك». وواضح أن كلا منهما يرمى صاحبه بالضلالة والغواية، وقد عنيا جميعا بالتأنق فى أسلوبهما. ومن ثمّ زيّنا كلامهما بالسجع. وإذا تركنا الأزارقة إلى الصّفرية وجدنا شبيبا يراسل صالح بن مسرّح حاضّا على الخروج (١٥). ولم تحتفظ المصادر برسائل للنجدات والإباضية.

стр. 879

ورسائل الشيعة فى هذا العصر كثيرة، وأول حادث تكثر رسائلهم فيه استدعاء أهل الكوفة للحسين وما كان بينه وبينهم من مراسلات (١) تحضّ على الثورة على بنى أمية لظلمهم الرعية واغتصابهم الخلافة من أصحابها الشرعيين. ونمضى بعد مقتله فتلقانا حركة التوّابين، ويصوّر زعيمهم سليمان بن صرد فى مكاتبته لبعض أصحابه ندمهم على خذلان الحسين، وأنه ليس لهم من مخرج ولا توبة إلا بالثأر من قاتليه (٢). وسرعان ما تنشب حركة المختار الثقفى لعهد ابن الزبير، ويستولى على الكوفة، ويكثر من المكاتبة إلى شيعته وإلى ابن الحنفية، ويكتب إلى بعض زعماء البصرة مهددا متوعدا إن لم يتبعوه على شاكلة هذه الرسالة التى أرسل بها إلى الأحنف زعيم تميم، وفيها يقول (٣): «بسم الله الرحمن الرحيم، من المختار بن أبى عبيد إلى الأحنف بن قيس ومن قبله، فسلم أنتم، أما بعد فويل امّ ربيعة من مضر (٤)، فإن الأحنف مورد قومه سقر (٥)، حيث لا يستطيع لهم الصّدر (٦)، وإنى لا أملك ما خطّ فى القدر، وقد بلغنى أنكم تسمّوننى كذابا، وإن كذّبت فقد كذّبت رسل من قبلى، ولست بخير من كثير منهم». وفى الرسالة خصائصه التى مرت بنا فى خطابته، إذ كان يعنى باختيار ألفاظه والسجع فى كلامه، وفيها إيهاماته وادعاءاته إذ يشير من طرف خفىّ إلى أنه يوحى إليه. ومن ثم كان يستخدم السجع كثيرا فى خطابته وأحاديثه كما استخدمه فى الرسالة الآنفة (٧). وأثرت عن ابن الزبير وولاته فى العراق رسائل كثيرة احتفظ بها الطبرى، كما احتفظ برسالة كتب بها إليه المختار (٨) الثقفى. ونرى ولاته يكاتبون من يوجّهونهم إلى الخوارج (٩). ونلتقى فى عصر الحجاج بثورة ابن الأشعث ومعروف أنه اتخذ كاتبا له أيوب بن القرّيّة المشهور بسجعه.

стр. 880

وإذا كانت الكتابات السياسية قد كثرت فى البيئات المعارضة للدولة فإن الدولة نفسها كانت تستخدمها استخداما أكثر وأغزر، إذ كان الخلفاء يكتبون بالعهود إلى من يتولون الخلافة بعدهم (١)، سنّة وضعها أبو بكر وعمر وسار عليها خلفاء بنى أمية. وكذلك كانوا يكتبون بالعهود إلى من يولّونهم على الولايات (٢). وكانت الكتب لا تزال ذاهبة آيبة بينهم وبين ولاتهم فى كل كبيرة وصغيرة. وكان قوّادهم كلما فتحوا بلدا واستجاب إليهم أهلها عقدوا معهم المعاهدات. ولا نستطيع أن نعرض بالتفصيل لكل ما دار بينهم وبين ولاتهم وقوادهم من مراسلات يطفح بها الطبرى وغيره، ويكفى أن نقول إنه ليس هناك حادث مهم ولا ثورة إلا والرسائل تتساقط كالغيث، فزياد بن أبيه يكتب مرارا لمعاوية فى شأن حجر بن عدىّ وأصحابه من الشيعة (٣)، ويرد عليه. ويكتب يزيد إلى ولاته فى الحجاز بشأن عبد الله بن الزبير والحسين بن على (٤)، وتكثر الرسائل بينه وبين عبيد الله بن زياد فى وفود الحسين على العراق وما كان من مصرعه. (٥) ولم تكثر الرسائل السياسية بين الخلفاء وولاتهم كما كثرت فى عهد عبد الملك وخاصة بينه وبين الحجاج لكثرة الفتن والثورات التى نشبت فى العراق وخراسان. وكان الحجاج نفسه يكثر من الكتابة إلى قواده، ويكثرون من الرد عليه، وكان يكتب أحيانا إلى الثوار أنفسهم على شاكلة رسالته الآنفة التى أرسل بها إلى قطرى. ولا بد أن نقف قليلا عنده إذ كان يعنى بتحبير رسائله على نحو ما كان يعنى بتحبير خطبه. ونراه يكثر من مراسلة المهلب وحثّه على الفتك بالخوارج الأزارقة حتى لا تقوم لهم قائمة (٦)، كما يكثر من مراسلة قواده فى حروب الخوارج الشبيبية (٧) وفى فتنة ابن الأشعث (٨) وحروب خراسان (٩). ورسائله مثل سياسته التى اشتهر بها تقطر شدة وحدّة، حتى فى مخاطبته لبعض الأمراء، فقد كتب إلى سليمان بن عبد الملك-وهو لا يزال وليا للعهد-من رسالة له: «إنما

стр. 881

أنت نقطة من مداد، فإن رأيت فىّ ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجاج وأنت النقطة فإن شئت محوتك وإن شئت أثبتّك (١)» وكان الخلاف دبّ بينهما، ومن ثمّ حاول كما قدمنا أن يصرف ولاية العهد عنه، ولكن الموت عاجله وعاجل الوليد بن عبد الملك قبل تنفيذ هذه المحاولة. ومعروف أنه كان صنيعة عبد الملك، فهو الذى أظهره، وما زال يرفع من أمره حتى ولاّه العراق وخراسان، وكان إذا كتب إليه تأنّق ما استطاع فى تعبيره، ومن خير ما يصوّر ذلك رسالة احتفظ بها الجاحظ، يصف فيها لعبد الملك خصبا بعد جدب ومطرا بعد قحط، وهى تجرى على هذا النمط (٢): «أما بعد فإنا نخبر أمير المؤمنين أنه لم يصب أرضنا وابل منذ كتبت أخبره عن سقيا الله إيانا إلا ما بلّ وجه الأرض من الطّشّ والرّشّ والرّذاذ (٣)، حتى دقعت (٤) الأرض واقشعرّت (٥) واغبرّت (٦) وثارت فى نواحيها أعاصير تذرو (٧) دقاق الأرض من ترابها، وأمسك الفلاّحون بأيديهم من شدة الأرض واعتزازها (٨) وامتناعها، وأرضنا أرض سريع تغيّرها، وشيك تنكّرها، سيئ ظنّ أهلها عند قحوط المطر، حتى أرسل الله بالقبول (٩) يوم الجمعة، فأثارت زبرجا متقطعا متمصّرا (١٠)، ثم أعقبته الشّمال (١١) يوم السبت، فطحطحت (١٢) عنه جهامه (١٣) وألّفت متقطّعه، وجمعت متمصّره، حتى انتضد فاستوى، وطما وطحا (١٤)، وكان (١٥) جونا (١٦) مرثعنّا (١٧)، قريبا رواعده، ثم عادت عوائده بوابل منهمل

стр. 882

منسجل (١)، يردف (٢) بعضه بعضا، كلما أردف شؤبوب أردفته شآبيب (٣) لشدة وقعه فى العراض (٤). وكتبت إلى أمير المؤمنين، وهى ترمى بمثل قطع القطن، قد ملأ اليباب (٥). وسدّ الشّعاب (٦)، وسقى منها كلّ ساق. فالحمد لله الذى أنزل غيثه ونشر رحمته من بعد ما قنطوا (٧)، وهو الولىّ الحميد، والسلام». ويتضح فى الرسالة ما اشتهر به الحجاج فى خطبه من تزيينها بالصور الدقيقة والألفاظ الغريبة. وكان غيره من الولاة والقواد لا يزالون يحتالون لكلامهم، وينمقونه صورا مختلفة من التنميق، وسنرى عما قليل طبقة من الكتاب المحترفين تتوفر على إدراك هذه الغاية بكل وسيلة، وهم كتّاب الدواوين. وأخذت تشيع، وخاصة منذ أواخر القرن، كتابات وعظية كثيرة، وقد اشتهر عمر بن عبد العزيز بأنه كان يكتب إلى الوعّاظ أن يرسلوا إليه بعظاتهم، ويروى أنه لما ولى الخلافة أرسل إلى الحسن البصرى أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل، فدبّج له رسالة طويلة استهلها بقوله (٨). «اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائلة وقصد (٩) كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة (١٠) كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعى الشفيق على إبله، الرفيق بها، الذى يرتاد لها أطيب المراعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السّباع، ويكفيها من أذى الحرّ والقرّ. (١١) والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحانى على ولده، يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم فى حياته، ويدّخر لهم بعد مماته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرّة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربته طفلا، تسهر بسهره،

стр. 883

وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتمّ بشكايته». ومضى يذكر له حقوق الرعية عليه وحقوق الدين وما ينتظره من الموت والبعث والوقوف بين يدى الله وما ينبغى أن يتزوّد لذلك من التقوى والحكم الصالح. والحسن فى هذه الرسالة يستخدم نفس أسلوب خطابته الذى مرّ بنا وصفه، والذى يقوم على الازدواج وتزيين المعانى بالصور حتى تتمكن فى النفر، وكان يزيدها تمكينا بمقابلاته وطباقاته الكثيرة. وكان يجاريه-كما قدمنا-فى هذا الأسلوب كثير من الوعاظ، وعلى رأسهم غيلان الدمشقى، ويروى أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يعظه فى رسالة طويلة، منها قوله (١): «اعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خلقا باليا، ورسما عافيا، فيا ميّت بين الأموات لا ترى أثرا فتتّبع ولا تسمع صوتا فتنتفع، طفئ أمر السنة، وظهرت البدعة، أخيف العالم فلا يتكلم، ولا يعطى الجاهل فيسأل». وقد أشاد الجاحظ ببلاغته (٢)، مشيرا إلى أن أدباء العصر العباسى كانوا يتحفظون كلامه وكلام الحسن البصرى، حتى يبلغوا ما يريدون من المهارة البيانية (٣). وما نشك كما أسلفنا-فى أن بلغاء الكتّاب فى عصرهما كانوا يجارونهما فى أساليبهما هما وأضرابهما من الوعاظ، فنحن لا نقرأ فى سالم وعبد الحميد الكاتب حتى نجد عندهما نفس هذا الأسلوب الذى يتحلى بالطباق والتصوير والذى يقوم على التوازن فى الكلام توازنا ينتهى به إلى الازدواج، حتى يؤثّرا فى أنفس من يقرءونهما ويستوليا على ألبابهم. وبجانب الكتابات الوعظية والسياسية شاعت فى هذا العصر الكتابات الشخصية، بحكم تباعد العرب فى مواطنهم، وبتأثير بعض الظروف من موت يقتضى التعزية أو ولاية تقتضى التهنئة، أو شفاعة عند وال لقريب أو صديق، أو عتاب أو اعتذار. وطبيعى أن لا يعنى أصحاب هذه الكتابات بتسجيلها، لأنها لم تكن تتصل بحياة الأمة، ومن ثم سقط جمهورها من يد الزمن إلا بقية قليلة، فمن ذلك رسالة عقال بن شبّة إلى خالد القسرى فى شفاعة تجرى على هذه الصورة (٤):

стр. 884

«إن الله انتجبك (١) من جوهرة كرم، ومنبت شرف، وقسم لك خطرا (٢) شهرته العرب، وتحدثت به الحاضرة والبادية، وأعان خطرك بقدرة مقسومة، ومنزلة ملحوظة، فجميع أكفائك من جماهير العرب يعرف فضلك، ويسرّه ما خار (٣) الله لك، وليس كلهم أداله (٤) الزمان ولا ساعده الحظ. وأحقّ من تعطّف على أهل البيوتات، وعاد لهم بما يبقى له ذكره، ويحسن به نشره، مثلك. وقد وجّهت إليك فلانا، وهو من دنية (٥) قرابتى، وذوى الهيئة من أسرتى، عرف معروفك، وأحببت أن تلبسه نعمتك، وتصرفه إلىّ، وقد أودعتنى وإياه ما تجده باقيا على النّشر، جميلا فى الغبّ» (٦). وتدل هذه الرسالة دلالة واضحة على أن كتّاب الرسائل الشخصية أو على الأقل طائفة منهم كانت تعنى عناية شديدة باختيار ألفاظها وتنسيقها، متوسلة إلى ذلك بكل ما تستطيع من انتخاب الألفاظ الرشيقة وإحداث التوازن الموسيقى فى الكلام، مع دقة التعبير وتجليته عن المعنى، والفقه الحسن بمداخل التأثير فى نفس القارئ وما ينبغى أن يسلك إليه الكاتب من طرق كى يستولى على عقله، فيقضى له حاجته. وممن اشتهر فى هذا اللون من الرسائل الشخصية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الذى قتل بخراسان بأخرة من هذا العصر، فقد كان لسنا بليغا، يعرف كيف يحوك الكلم ويصوغه صياغة باهرة على نحو ما نجد فى هذه الرسالة التى كتب بها إلى بعض إخوانه معاتبا، إذ يقول (٧): «أما بعد فقد عاقنى الشكّ فى أمرك عن عزيمة الرأى فيك، ابتدأتنى بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتنى جفاء عن غير ذنب، فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك من وفائك، فلا أنا فى اليوم مجمع لك اطّراحا، ولا أنا فى غد وانتظاره منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأى فى أمرك عن عزيمة فيك، فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام».

стр. 885

وكل كلمة من هذه الرسالة تنبئ عن دقة الكاتب وحذقه، وأنه يعرف كيف يتخيّر ألفاظه وكيف يصوغها وكأنها عقود جميلة تتألف من جواهر أنيقة. وهو لا يقتدر على اللفظ فحسب، بل هو أيضا يقتدر على جلب المعانى الظريفة، التى تروع بما فيها من منطق عقلى دقيق، وهو يعرضها فى أسلوب من الازدواج الرشيق تزينه الاستعارات والطباقات. وعلى هذا النحو أخذت الكتابة ترقى لا فى الرسائل الشخصية فحسب، فقد رأينا كتّاب العظات والسياسة يحقّقون نفس الرقى، وحرى بنا الآن أن نتحول إلى كتّاب الدواوين، لنرى ما أصاب الكتابة على أيديهم من تجويد وتحبير. ٣ - كتّاب الدواوين معروف أن عمر أول من دوّن الدواوين فى الإسلام، وتؤكد الروايات التى رافقت صنيعه بأنه استعار هذا النظام من الفرس الأعاجم (١)، إذ أحسّ حاجته إلى سجلاّت يدوّن فيها الناس وأعطياتهم وأموال الفيئ والغنائم، وبذلك وضع أساس ديوانى الخراج والجند، حتى إذا ولى معاوية الخلافة وجدناه يتخذ ديوانين هما ديوان الرسائل، وديوان الخاتم (٢)، وفيه كانت تختم الرسائل الصادرة عنه، حتى لا يغيّر فيها من يحملونها إلى الولاة. وظل ديوان الخراج يكتب فى الشام ومصر بالرومية وفى العراق بالفارسية إلى عصر عبد الملك ابن مروان، إذ نراه يطلب إلى سليمان بن سعد الخشنى كاتبه على ديوان الرسائل أن يترجم ديوان الشام الرومى (٣)، وفى الوقت نفسه يطلب الحجاج إلى صالح ابن عبد الرحمن كاتبه هو الآخر على ديوان الرسائل أن يترجم ديوان العراق

стр. 886

الفارسى (١)، ويظهر أن ديوان مصر تحول سريعا إلى العربية، أما ديوان خراسان فتأخر نقله إلى عصر (٢) هشام بن عبد الملك. وليس معنى ذلك أن الأجانب خرجوا من الدواوين منذ عصر عبد الملك، فقد أخذوا يحسنون العربية ويشاركون فيها، وكانت هذه المشاركة منذ أول الأمر داعية لأن يطلب العرب معرفة ما يتصل بهذه الدواوين من نظم، وما تواصى به أهلها وخاصة من الفرس فى إتقان العمل بها، ولعل ذلك ما جعل الجهشيارى يقدم لكتابه «الوزراء والكتاب» بمقدمة طويلة عن نظم الدواوين الفارسية. ونحن فى الواقع إنما يهمنا ديوان الرسائل، لأن أصحابه هم الذين كانوا يدبّجون الكتب على ألسنة الخلفاء والولاة، وبحكم وظيفتهم كانوا يختارون من أرباب الكلام وأصحاب اللّسن والبيان، وكان كل منهم يحاول أن يظهر براعته ومهارته وحذقه فى تصريف الألفاظ وصياغة المعانى، حتى يروق من يكتب على لسانه، وينال رضاه واستحسانه. وعلى هذا النحو تكونت طبقة كبيرة من كتّاب محترفين، تتابعت أجيالهم على مرّ الزمن فى هذا العصر، وكلّ جيل سابق يسلم إلى خلفه صناعته، وكل جيل لاحق يحاول أن يضيف إلى براعة سلفه براعة جديدة. وكانوا كثيرين، إذ لم تختص بهم دمشق، فقد كان لكل وال وقائد كاتب، وأحيانا كان يتخذ الوالى فى العمل الكبير أو الولاية الكبيرة طائفة من الكتاب. وكثيرا ما كان يطمح كتّاب الولايات إلى أن يلفتوا ببلاغتهم من يكتبون إليهم من الخلفاء، حتى يعّينوهم فى دواوينهم. واشتهر الحجاج بأنه كان كثير التعهد لرسائل قواده، حتى إذا لفتته رسالة ببلاغتها سأل عن كاتبها وطلب مثوله بين يديه (٣)، وكان إذا أعجبه كاتب وملأ نفسه ربما أرسل به إلى عبد الملك ابن مروان ليسلكه بين كتّابه، على نحو ما صنع بمحمد (٤) بن يزيد الأنصارى. ولم يعرض علينا الجهشيارى آثار هؤلاء الكتاب إلا قليلا، فقد اكتفى بعرض أسمائهم موزّعا لهم على عهود الخلفاء، وفى عهد كل خليفة يسرد أسماء

стр. 887

كتّاب الولاة. وإذا رجعنا فيه إلى أيام معاوية وجدناه يذكر بين كتّابه عمرو بن سعيد بن العاص الملقب بالأشدق لفصاحته وروعة منطقه وجهارة صوته، وكان خطيبا لا يبارى (١). ولم يؤثر عنه شئ من الرسائل فى عهد معاوية، وقد روى له الجاحظ رسالة فى عهد عبد الملك حين خرج عليه، إذ كتب إليه عبد الملك يتوعده، فأجابه عمرو (٢): «أما بعد فإن استدراج النّعم إياك أفادك البغى، ورائحة القدرة أورثتك الغفلة. زجرت عما واقعت مثله، وندبت إلى ما تركت سبيله، ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطلاب ما انتقل سلطان ولا ذلّ عزيز. وعمّا قليل تتبيّن من أسير الغفلة، وصريع الخدع، والرّحيم تعطف على الإبقاء عليك، مع دفعك ما غيرك أقوم به منك والسلام». والرسالة على قصرها تصور مهارته البيانية وقدرته على التعبير الموجز السريع مع طلاوة اللفظ وحسن الديباجة. وكان يتولّى ديوان الرسائل لمعاوية وابنه يزيد عبيد (٣) الله بن أوس الغسّانى، وروى له الجهشيارى رسالة على لسان يزيد إلى عبيد الله بن زياد ليتخذ العدّة فى مقاومة الحسين بن على حين نزوله العراق وهى تمضى على هذا النحو (٤): «أما بعد فإن الممدوح مسبوب يوما ما، وإن المسبوب ممدوح يوما ما وقد انتميت إلى منصب كما قال الأول: رفعت فجاورت السحاب وفوقه ... فما لك إلا مرقب الشمس مرقب وقد ابتلى بحسين زمانك دون الأزمان، وبلدك دون البلدان، ونكبت به من بين العمّال، فإما تعتق أو تعود عبدا، كما يعبّد العبد، والسلام». والرسالة قصيرة، ويظهر أنهم كانوا يستحبون القصر فى الرسائل الديوانية حتى هذا العهد. وكان أول من أطال فيها كاتب لعبيد الله بن زياد يسمى عمرو (٥) بن نافع، ولا شك فى أن هذا الطول رمز لما كان يأخذ به الكتاب أنفسهم فى هذا التاريخ من التفنن فى القول، وهو تفنن كان يفتقر إلى ترتيب

стр. 888

ورياضة فى نسق الكلام وضبط أساليبه، حتى يخلبوا ألباب من يقرءونهم. ونمضى إلى عصر عبد الملك بن مروان، فنجد بين كتّابه روح بن زنباع الجذامى، وقد وصفه عبد الملك بأنه فارسى (١) الكتابة، وليس بين أيدينا رسائل مأثورة له، وروى له الجهشيارى وغيره كلمة قالها لمعاوية وقد غضب عليه يوما لأمر كان منه، وهمّ به، فقال له (٢): «لا تشمتنّ بى عدوّا أنت وقمته (٣)، ولا تسوءنّ بى صديقا أنت سررته، ولا تهدمنّ منى ركنا أنت بنيته، هلا أتى حلمك وإحسانك على جهلى وإساءتى؟ ». فعفا معاوية عنه. ورأس كتّاب عبد الملك وأبنائه من بعده سليمان بن سعد الخشنىّ كاتب رسائله الذى حوّل الدواوين من الرومية إلى العربية، ولم تنصّ المصادر القديمة على ما كتب به بين يدى الخلفاء. ومما لا ريب فيه أنه كان من أرباب البلاغة والبيان، وفى الجهشيارى أنه خلا بيزيد بن عبد الله كاتب يزيد بن عبد الملك قبل تولّيه الخلافة وكان يزيد حين ولى أزمة الأمور استدعى أسامة بن زيد والى الخراج على مصر، فقال سليمان لابن عبد الله (٤): «لم بعث أمير المؤمنين إلى أسامة بن زيد؟ فقال: لا أدرى، قال: أفتدرى ما مثلك ومثل أسامة؟ قال: لا. قال: مثلك ومثله مثل حيّة كانت فى ماء وطين وبرد، فإن رفعت رأسها وقع عليها حافر دابّة، وإن بقيت ماتت بردا، فمرّ بها رجل، فقالت: أدخلنى فى كمّك حتى أدفأ ثم أخرج، فأدخلها، فلما دفئت قال لها: اخرجى، فقالت: إنى ما دخلت فى هذا المدخل قط فخرجت حتى أنقر نقرة، إما أن تسلم منها، وإما أن تموت، وو الله لئن دخل أسامة لينقرنّك نقرة إما أن تسلم معها وإما أن تموت». والكلمة تدل دلالة بينة على دقة مداخله ومسالكه إلى الإقناع، وإن فى نقله الدواوين ما يدل على سعة ثقافته وهى سعة كانت تقترن بعذوبة المنطق وتزبينه بالألفاظ المستحسنة السائغة على نحو ما توضحه كلمته.

стр. 889

وإذا ولّينا وجوهنا نحو العراق والشرق رأينا الكتّاب يعنون برسائلهم عناية لا تقل عن عناية كتاب دمشق، ومما يؤثر من هذه العناية أن نجد عبد الرحمن ابن الأشعث يقول لابن القرّيّة كاتبه حين ثار على الحجّاج: «إنى أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابا مسجّعا أعرّفه فيه سوء فعاله وأبصّره قبح سريرته» وينفذ ابن القرية مشيئته، ويردّ عليه الحجاج برسالة مسجوعة (١). ولا تهمنا الرسالتان بقدر ما تهمنا رغبة ابن الأشعث فى أن تكون الرسالة مسجوعة، وكأنما يريد أن يضيف إلى حجته فى الثورة حجة فنية من بلاغة كاتبه. وفى ذلك ما يدل دلالة صريحة على أن الكتابة السياسية أصبحت تقترن بها غايات بلاغية، وكلّ كاتب يأتى من هذه الغايات بما يتفق وذوقه. ومن طريف ما يروى فى هذا الصدد أن يحيى بن يعمر-أحد علماء اللغة الأوائل-كان يكتب ليزيد بن المهلب فى ولايته على خراسان للحجّاج، ولما انتصر يزيد على ملك الترك فى «باذغيس» انتصارا حاسما أمره أن يكتب إلى الحجاج بالفتح فكتب (٢): «إنا لقينا العدوّ، فمنحنا الله أكتافهم، فقتلنا طائفة، وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة بعرائر (٣) الأودية وأهضام (٤) الغيطان، وبتنا بعرعرة (٥) الجبل وبات العدو بحضيضه (٦)». وواضح أن ذوق يحيى بن يعمر اللغوى أدّاه إلى أن يسوق رسالته فى هذه الألفاظ الغريبة، وشجّعه على ذلك أنه كان يعرف ذوق الحجاج واستحسانه لأوابد الألفاظ، على نحو ما قدّمنا فى غير هذا الموضع. وفعلا راعت الرسالة الحجّاج، فقد روى الرواة أنه حين قرأها قال: ما يزيد بأبى عذرة هذا الكلام. فقيل له: إن معه يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد أن يشخصه إليه، فلما أتاه سأله عن مولده فقال له: الأهواز، فسأله: أنّى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبى (٧).

стр. 890

وعلى هذا النحو كان كتّاب الولاة والقواد فى الشرق يحبّرون رسائلهم، كلّ حسب فصاحته وذوقه وقدرته البيانية. وكان ديوان الحجاج نفسه أشبه بمدرسة كبيرة يتخرّج فيها الكتّاب على يد رئيسه صالح بن عبد الرحمن الذى نقل الدواوين من الفارسية إلى العربية، يقول الجهشيارى: «كان عامة كتّاب العراق تلامذة صالح، فمنهم المغيرة بن أبى قرّة كتب ليزيد بن المهلب (فى ولايته لسليمان بن عبد الملك) ومنهم قحذم بن أبى سليم وشيبة بن أيمن كاتبا يوسف بن عمر، ومنهم المغيرة وسعيد ابنا عطية، وكان سعيد يكتب لعمر بن هبيرة، ومنهم مروان بن إياس كتب لخالد القسرى، وغيرهم» (١). وتلقانا نصوص تدل على أنهم كانوا يعنون بالطّوامير والقراطيس (٢) التى كانوا يكتبون فيها، كما كانوا يعنون بنفس كتابتهم وخطوطهم، وفى الجهشيارى أن الوليد أول من كتب من الخلفاء فى الطوامير وأنه أمر بأن تعظّم كتبه ويجلّل (٣) الخط الذى يكتب به، وكان يقول: تكون كتبى والكتب إلىّ خلاف كتب الناس بعضهم إلى بعض (٤). ويظهر أن الكتاب غالوا فى النفقة على كتبهم، حتى لنرى عمر بن عبد العزيز يأمر بالاقتصاد فى القراطيس، طالبا من الكتّاب أن يوجزوا (٥)، وكأنما أصبح الإطناب ظاهرة عامة. ونحن لا نصل إلى ديوان هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٤) حتى نحس أنه كان مدرسة كبيرة، وهى مدرسة رقى فيها النثر الفنى لهذا العصر إلى أبعد غاية كانت تنتظره، إذ كان يتولّى ديوان الرسائل سالم مولى هشام، وأخذ يخرّج غير كاتب، وقد اشتهر له تلميذان أحدهما من بيته هو ابنه عبد الله والثانى من غير بيته، هو صهره وختنه عبد الحميد. وكان سالم يجيد اليونانية، ونقل منها-كما مر بنا-بعض رسائل لأرسططاليس، ونرى صاحب الفهرست يجعله أحد البلغاء العشرة الأول (٦)، ويقول عنه إن له رسائل تبلغ نحو مائة ورقة (٧). ومن يرجع إلى الجهشيارى

стр. 891

يجده ينص على أن هشاما كان يأمره بالكتابة عنه إلى ولاته فى الشئون التى تعرض له (١). فالخليفة لم يعد يملى كتبه على كتّابه كما كان الشأن فى القديم، بل أصبح الكاتب يكتب الرسالة، ثم يعرضها عليه، ومن ثمّ لم يعد الضمير فى الرسالة ضمير متكلم، بل أصبح ضمير غائب، فالكاتب يقول فى مستهل رسالته: «بلغ أمير المؤمنين كتابك» ونحو ذلك. ومن هنا كنا نزعم أن كتب هشام بصفة عامة لم يكتبها هو وإنما كتبها سالم وتلميذاه عبد الله وعبد الحميد. وقد ينصّ على التلميذين، أما سالم فقلما نصّت المصادر على اسمه. وتحوّل عبد الحميد من ديوان هشام إلى ديوان مروان بن محمد عامله على أرمينية. ولعل من الطريف أن الرسائل التى صدرت عن ديوان هشام تطبع بطوابع أسلوبية واحدة، إذ تجرى فى أسلوب من الازدواج ومن اللغة الجزلة الرصينة، على شاكلة القطعة التالية من رسالة على لسان هشام إلى يوسف بن عمر وقد استخفّ ببعض أهله (٢). «حللت هضبة أصبحت تنحو (٣) بها عليهم مفتخرا، هذا إن لم يدهده (٤) بك قلة شكرك متحطّما وقيذا (٥)، فهلا-يابن مجرّشة (٦) قومك-أعظمت رجلهم عليك داخلا، ووسّعت مجلسه إذ رأيته إليك مقبلا، وتجافيت له عن صدر فراشك مكرما، ثم فاوضته (٧) مقبلا عليه ببشرك إكراما لأمير المؤمنين». والرسالة طويلة، وهى كلها من هذا النسيج الأنيق الذى يزينه الازدواج والصور البيانية، وقد أثرت لسالم رسالة يشكر بها بعض إخوانه على صنيع قدّمه إليه، وهى على هذا النمط (٨). «أما بعد فقد أصبحت عظيم الشكر لما سلف إلىّ منك، جسيم الرجاء فيما بقى لى عندك. قد جعل الله مستقبل رجائى منك عونا لى على شكرك، وجعل

стр. 892

ما سلف إلىّ منك عونا على مؤتنف الرجاء فيك». وفى الرسالة ما يصوّر دقة تفكيره ولطف مداخله إلى ما يريد من إخوانه، فهو يشكر ويرجو، ويجعل ما سلف آية على تحقيق رجائه. واحتفظ المبرد فى كامله برسالة لابنه عبد الله كتب بها على لسان هشام سنة تسع عشرة ومائة إلى خالد القسرى حين أخذ ابن حسان النبطى وكيل هشام على ضياعه بالعراق فضربه بالسياط. وهو يفتتحها بقوله (١): «بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين عنك أمر لم يحتمله لك إلا لما أحبّ من ربّ (٢) الصنيعة قبلك واستتمام معروفه عندك. وكان أمير المؤمنين أحقّ من استصلح ما فسد عليه منك، فإن تعد لمثل مقالتك وما بلغ أمير المؤمنين عنك رأى فى معالجتك بالعقوبة رأيه. إن النعمة إذا طالت بالعبد ممتدّة أبطرته، فأساء حمل الكرامة، واستقلّ العافية، ونسب ما فى يديه إلى حيلته وحسبه وبيته ورهطه وعشيرته، فإذا نزلت به الغير (٣)، وانكشطت (٤) عنه عماية الغىّ والسلطان، ذلّ منقادا، وندم حسيرا، وتمكن من عدوه قادرا عليه قاهرا له. .». وأطنب عبد الله فى الرسالة مبينا لخالد ما بلغ هشاما من فلتات لسانه، ومصغرا لأمره بالقياس إلى سلفه الحجاج وقضائه على الفتن والثورات، وكيف أن هشاما أعلى من شأنه بتوليته على العراق مع وجود من يعلوه ويغمره. ويمضى يعدد عليه أخطاءه فى سياسته وكيف أنه يستعين بالمجوس فى أعماله، وكيف ضيّع أموالا كثيرة، هى أموال المسلمين، فى حفر نهر المبارك، وكيف يبتزّ أموال رعاياه باسم هدايا النّيروز والمهرجان وينجى عليه باللائمة فيما صنع بابن حسان، ويسجّل عليه نقص الخراج وأنه ولّى أسدا أخاه خراسان، مظهرا بها العصبية اليمنية متحاملا على المضرية. وهو فى ثنايا ذلك يتهدده برواجع بغيه وأنه إن لم يكف عن غيّه فقبل أمير المؤمنين كثيرون خير منه عاقبة وعملا. وطالت الرسالة، حتى لكانها تاريخ مختصر لخالد القسرى وولايته الطويلة

стр. 893

على العراق. وهى جميعها مكتوبة بهذا الأسلوب الذى رأيناه فى فاتحتها، والذى ثبّته سالم فى دواوين هشام، وقد انتهى هذا الأسلوب عند تلميذه عبد الحميد إلى الغاية المرتقبة. عبد الحميد (١) الكاتب اسم أبيه يحيى بن سعيد، من موالى بنى عامر بن لؤى، وهو فارسى الأصل. ويقول أكثر من ترجموا له إنه من أهل الأنبار بالعراق (٢) وسكن الرّقّة. وكان فى أول أمره يتنقل فى القرى معلما فى كتاتيبها، وعرف فى نفسه فصاحة ومهارة بيانية، فالتحق بديوان هشام بن عبد الملك، وأعجب به سالم فأصهر إليه، وما زال به حتى خرّجه كاتبا لا يبارى. وعرفه مروان ابن محمد، وكان عاملا لهشام، كما مرّ بنا، على أرمينية، فاتخذه كاتبا له. ولعلنا لا نخطئ فى الحكم إذا قلنا إن ما أثبته الطبرى من رسائل لمروان فى ولايته إلى هشام ومن تلاه من الخلفاء وإلى أبناء عمومته إنما كان بقلم عبد الحميد. ويتولّى مروان الخلافة (١٢٧ - ١٣٢ هـ) فيصبح عبد الحميد رئيس ديوانه، وتتوالى رسائله الرائعة، وعبتا حاول أن يلم الشّعث حين انقضّت جيوش أبى مسلم من خراسان، حتى إذا هزم مروان فى موقعة الزّاب ولّى وجهه معه إلى مصر حيث قتلا معا فى معركة بوصير. وهكذا كان وفيّا لمروان حتى الأنفاس الأخيرة من حياته. وزعم بعض الرواة أنه فرّ بعد موقعة الزاب على وجهه، واختفى مدة، ثم وقف عليه السفاح فأحضره وعذبه، حتى مات. وزعم آخرون أنه اختقى عند ابن المقفع قبل عثور السفاح عليه. وهى مزاعم لا تؤيدها الروايات الوثيقة، ولعل مما يدل

стр. 894

على أنه قتل فى مصر أننا نجد بها أبناءه وأحفاده، وقد استخدمهم بعض الولاة فى دواوينهم (١) وعبد الحميد بدون ريب أبلغ كتّاب هذا العصر وأبرعهم، وقد سماه الجاحظ فى بيانه عبد الحميد الأكبر، ونصح الكتاب أن يتخذوا كتابته نموذجا لهم (٢)، وظلت شهرته مدوية على القرون حتى قيل: «فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد» وفيه يقول ابن النديم: «عنه أخذ المترسّلون ولطريقته لزموا، وهو الذى سهّل سبيل البلاغة فى الترسل». وقد أجمع كثيرون على أنه أول من استخدم التحميدات فى فصول الكتب، وكأنه تأثر فى ذلك بتحميدات واصل وغيره من الوعّاظ، وقد احتفظ كتاب المنظوم والمنثور لابن طيفور بطائفة منها لا تقل كمّا ولا كيفا عن تحميد واصل الذى مرّ بنا فى أول خطبته المنزوعة الراء. ولا تلفتنا عند عبد الحميد براعته الأدبية فى صنع رسائله فحسب، وإنما يلفتنا أيضا أنه تحول بطائفة منها إلى رسائل أدبية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، محاكيا فى ذلك ما كان يعرفه من رسائل الفرس الأدبية التى أثرت عن الساسانيين والتى يقال إنه كان أحد نقلتها إلى العربية (٣). وليس معنى ذلك أنه وقف عند النقل والترجمة، فقد مضى يحاكى هذه الرسائل لا محاكاة طبق الأصل وإنما هذه المحاكاة التى تنتهى إلى التمثل وصنع الأعمال الأدبية المبتكرة، من ذلك رسالته إلى الكتّاب (٤) وهى رسالة عامة ليست موجّهة إلى شخص معين أو كاتب بعينه، إنما هى موجهة إلى هذه الطائفة التى أصبح لها كيان واضح فى حياة الدولة، وقد وصف فيها عبد الحميد صناعة الكتابة وأهمية الكتّاب فى تدبير الحكم وما ينبغى أن يتحلوا به من آداب ثقافية وأخرى خلقية وسياسية تتصل بالخلفاء والولاة والرعية. ونحن لا نقرنها إلى ما استهلّ به الجهشيارى كتابه «الوزراء والكتاب» من وصايا كان يوصى بها ملوك الفرس ووزراؤهم الكتّاب حتى نحس أن عبد الحميد تأثر هذه الوصايا فى رسالته التى تعدّ دستورا دقيقا لوظيفة الكاتب وما عليه من حقوق للخلفاء والولاة وحقوق للرعية فى سياستها

стр. 895

وضبط شئونها فى الخراج وغير الخراج، ونراه يرسم فيها ما ينبغى أن يحسنه الكتّاب من ضروب العلم والثقافة، يقول: «فنافسوا، معشر الكتاب، فى صنوف العلم والأدب، وتفقّهوا فى الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله ، والفرائض، ثم العربية، فإنها ثقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخطّ فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم. ولا يضعفن نظركم فى الحساب، فإنه قوام كتّاب الخراج منكم». فهو يطلب إليهم أن يتجمّلوا بحلى العلم والأدب، ويصرّح بأن عليهم أن يوسّعوا ثقافتهم فى الدين والفرائض حتى يقفوا على أحكام الشريعة فيما يتصل بمعاملة أهل الذمة ومعاملة المسلمين أنفسهم فى شئون الخراج. وقد طلب أن يضيفوا إلى ذلك إتقانا لعلم الحساب، وعيّن لهم الينابيع التى تعينهم على إحسان التعبير عما فى أنفسهم وعلى رأسها القرآن الكريم ثم الأشعار ليعرفوا غريبها ومعانيها. ومضى فطلب إليهم أن يتثقفوا بتاريخ العرب، وتاريخ العجم وأحاديث ملوكها وسيرها، لينتفعوا بذلك فى كتاباتهم السياسية. ونراه فى تضاعيف رسالته يطلب إلى الكتّاب أن يؤلفوا بينهم ما يشبه النّقابة فى عصرنا، فقد حضّهم على الأخذ بيد من ينبو به الزمان منهم ومساعدته، حتى يعود إلى ما كان عليه من الرّفه فى العيش. ولعبد الحميد بجانب هذه الرسالة رسالة فى وصف الإخاء رواها ابن طيفور (١) وهى فى رأينا تكملها، فقد عرض فى رسالة الكتّاب لأخوّتهم وما ينبغى أن يجمعهم من إلف الوداد والصداقة، ومضى فى هذه الرسالة يفصّل الحديث فى معنى الإخاء وحاجة الأفراد إليه مبينا دعائمه التى تكفل له البقاء وتجعل حياة الناس صفاء مستحبّا وعشرة عذبة، بما يبرّ به الأخ أخاه حين تنزل به عوارض الأقدار وحوادث الزمان. وبذلك تدخل الرسالة فى هذا الضرب من الأدب الأخلاقى الذى شاع فى بلاط الساسانيين، وصدر عنه ابن المقفع فى كتابيه

стр. 896

الأدب الكبير والأدب الصغير (١). وعلى نحو ما تتضح ثقافة عبد؟ ؟ ؟ بالأدب الأخلاقى الساسانى فى الرسالتين السابقتين تتضح ثقافته؟ ؟ ؟ السياسى فى رسالته الطويلة التى كتبها على لسان مروان إلى ابنه (٢)؟ ؟ ؟ عبد الله حين أمره بمحاربة الضحاك بن قيس الشيبانى الخارجى؟ ؟ ؟ ، وكانت ثورته قد استفحلت بالعراق والموصل سنة ١٢٨. ولا نكاد نلمّ بهذه الرسالة حتى نراها طويلة طولا غير مألوف، إذ امتدت إلى نحو أربعين صحيفة من القطع الكبير. وهو يستهلها بمقدمة يذكر فيها اختيار أمير المؤمنين له فى محاربة الضحاك وأصحابه الذين انتهكوا حرمة الإسلام وعاثوا فى الأرض مستحلّين دماء المسلمين، وأنه رأى أن يكتب إليه بعهد يؤدى به حقّ الله الواجب عليه فى إرشاده. ويمضى العهد بعد ذلك موزّعا على موضوعات ثلاثة كبيرة، وكل موضوع يتشعب شعبا كثيرة، وكل شعبة تستقل بفقرة محدودة تحيط بدقائقها. وأول هذه الموضوعات يتناول فيه عبد الحميد آداب قائد الجيش فى سلوكه مع نفسه ومع حاشيته ورؤساء جنده. ويتناول الموضوع الثانى سياسته فى لقاء العدو وما ينبغى أن يتخذ من عيون ترصد حركاته، ويفيض فى بيان الخصال التى ينبغى أن يتصف بها رؤساء جيشه والأخرى التى ينبغى أن تتصف بها طلائعه. وفى الموضوع الثالث يتناول نظام الجيش فى الحرب، ويقول إنه ينبغى أن لا يسير إلا فى مقدمة وميمنة وميسرة وساقة أو مؤخرة، ويصور له كيف يعدّ جيشه حين اللقاء وكيف يقسمه إلى وحدات، كل وحدة مائة رجل عليهم شخص من أهل المروءة والنجدة. ويشير إلى ما ينبغى أن يتحلى به خازن أمواله من خلال. وينصحه أن يتخذ كل وسيلة لإفساد رجال العدو عليه بمكاتبتهم ووعده لهم بالمنالات والولايات. ودائما ينصحه بالتقوى والاعتماد على الله فى غدوّه ورواحه ومنازلة خصمه. ويختم الرسالة بالدعاء له. والرسالة على هذا النحو دستور كبير لقائد الجيش، وهو دستور استعان

стр. 897

فيه عبد الحميد بما قرأه فى أدب الفرس السياسى من وصايا وتعاليم، كانوا يديرونها فى كتبهم. هى خلاصة تجاربهم فى حروبهم وسياسة حكّامهم وماوكهم. وقد شفعها بتعاليم الإسلام الزّكيّة واطّرد له فيها أسلوبه المرن الشفاف الذى لا يحجب شيئا من الفكرة، بل يوضّحها من جميع شعبها وأطرافها بما أتيح له من بيان باهر استطاع أن ينفذ من خلاله إلى صياغة محكمة، وهى صياغة لا تكاد تفترق فى شئ عن صياغة الحسن البصرى وواصل بن عطاء وأضرابهما من الوعاظ الذين ألانوا اللغة ومرّنوها لأداء معانيهم، وكأنما تحوّل إلى عبد الحميد أسلوبهم، حتى أصبح لا يفترق عنهم فى شئ، فهو يزاوج فى ألفاظه، وهو يتخذ إلى ذلك طريقتهم فى الترادف، موشّيا كلامه بالصور والطباقات والمقابلات الكثيرة. وقد حاول طه حسين أن يصل عبد الحميد بالثقافة اليونانية (١)، معتمدا فى ذلك على تقسيمه الجيش إلى وحدات كل وحدة مائة على شاكلة ما كان معروفا عند اليونان، وعلى أنه بالغ فى استخدام الحال ونشرها فى كلامه. ويضعف الحجة الأولى أن عبد الحميد كان يعيش فى الشام، وكانت الحروب قائمة بين العرب والبيزنطيين منذ الفتوح، وكان العرب بعامة يعرفون نظم الجيوش عند البيزنطيين والفرس جميعا، فمعرفة عبد الحميد بذلك لا تصله مباشرة بالثقافة اليونانية. أما مسألة استخدامه الحال فلم يوضّح طه حسين كيف كانت خاصة من خصائص اللغة اليونانية، ومعروف أنها من خواصّ اللغة العربية، وهى شائعة فى الشعر الجاهلى والقرآن الكريم، ومرّت بنا قطع من كتابات سالم وابنه عبد الله، وفيها الحال واضحة. والحق أن عبد الحميد إذا كان قد اتصل بالثقافة اليونانية، فعن طريق غير مباشر، نقصد طريق أستاذه سالم الذى كان يحسنها وينقل عنها أحيانا على نحو ما مرّ بنا. وليس من شك فى أن صلة عبد الحميد بالثقافة الفارسية أوضح منها بالثقافة اليونانية. وكان يضيف إلى ذلك ثقافة واسعة بالشعر العربى، وهى تتضح فى رسالة ولى العهد السالفة حين نراه يقف ليفصّل له ما ينبغى أن تكون عليه

стр. 898

أسلحته وخيله من صفات، وكأنه ينثر أشعار أوس بن حجر وغيره من الجاهليين فيها نثرا. ومن هذا الباب رسالته (١) التى وصف بها الصيد، وجوارحه ومعاركها مع الظباء والآرام وحمر الوحش، وما وقعوا عليه من بعض الغدران والرياض وما أصابهم من بعض الأمطار، وكأنه يتحدث بلسان امرئ القيس وزهير ومن على شاكلتهما من الشعراء الجاهليين. والحق أن النثر الفنى تطور تطورا واسعا عند عبد الحميد، فقد تحولت الرسائل عنده إلى رسائل أدبية حقيقية تكتب فى موضوعات مختلفة من الإخاء وقيادة الحروب والصيد. وهى لا تكتب فى ذلك كتابة موجزة، فلم تعد الكتابة وحدها كافية، بل أصبح أساسا فيها أن تسند بالتفنن فى القول وتشعيب المعانى معتمدة على ثقافات مختلفة: أجنبية وعربية. وأخذت تزحم الشعر وتحاول أن تقتحم عليه ميادينه أو على الأقل بعض هذه الميادين، إذ نرى عبد الحميد يجرى قلمه فى وصف الخيل والسلاح ووصف الصيد. ودائما تروعنا براعته البيانية، ولا نستطيع أن ننقل إلى القارئ إحدى رسائله الأدبية الطويلة ليتبين هذه البراعة، غير أنه ينبغى أن لا نمضى دون تقديم نموذج من كتابته، ونحن نسوق للقارئ هذه الرسالة (٢) التى كتب بها إلى أهله يعزّيهم عن نفسه، وهو منهزم مع مروان: «أما بعد فإن الله جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقساما مختلفة بين أهلها، فمن درّت (٣) له بحلاوتها، وساعده الحظّ فيها سكن إليها ورضى بها، وأقام عليها، ومن قرصته بأظفارها، وعضّته بأنيابها، وتوطأته بثقلها، قلاها (٤) نافرا عنها، وذمّها ساخطا عليها، وشكاها مستزيدا منها، وقد كانت الدنيا أذاقتنا من حلاوتها وأرضعتنا من درّها أفاويق (٥) استحلبناها، ثم شمست (٦) منا نافرة، وأعرضت عنا متنكرة، ورمحتنا (٧) مولّية، مالح عذبها، وأمرّ

стр. 899

حلوها، وخشن ليّنها، ففرّقتنا عن الأوطان، وقطّعتنا عن الإخوان، فدارنا نازحة، وطيرنا بارحة (١)، قد أخذت كلّ ما أعطت، وتباعدت مثلما تقرّبت، وأعقبت بالراحة نصبا (٢)، وبالجذل (٣) هما، وبالأمن خوفا، وبالعزّ ذلاّ، وبالجدة (٤) حاجة، وبالسرّاء ضراء، وبالحياة موتا، لا ترحم من استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبة له، منفبّين عن الأولياء، مقطوعين عن الأحياء». والرسالة تحمل جميع خصائص عبد الحميد التى تميّز بها فى أسلوبه ومعانيه، فالألفاظ منتخبة وليس فيها توعّر ولا غريب وحشىّ، وإنما فيها العذوبة والحلاوة. والمعانى غزيرة مرتبة ليس فيها غموض ولا خفاء، وإنما فيها الوضوح وانكشاف الدلالة. وهو يعنى بالترادف فى أسلوبه ترادفا ينتهى به إلى ازدواج واضح، ازدواج من شأنه أن يؤكّد المعانى بما يحمل من معادلات موسيقية تثبّتها فى الذهن وتجلوها جلاء تامّا. وهو يضيف إلى ذلك حلى من طباقات وتصويرات تضفى على أسلوبه روعة بيانية خلابة، بل إننا لا ندقق فى القول حين نزعم أنه يضيف هذه الحلى، فإنها عنده جزء لا يتجزأ من جوهر الكلام، وكأنها سداه ولحمته. والحق أن عبد الحميد أوفى بالكتابة الأدبية فى العصر الأموى على كل ما كان ينتظر لها من رقى وإبداع فنى.

стр. 900

خاتمة ١ - خلاصة انقسم العصر الإسلامى فى هذا الجزء إلى كتابين، اختص أولهما بعصر صدر الإسلام وثانيهما بعصر بنى أمية، وقد بدأت الكتاب الأول بالحديث عن الإسلام وقيمه الروحية والعقلية والاجتماعية والإنسانية، مبيّنا كيف أخرج العرب من الظلمات إلى النور وبعثهم بعثا جديدا استضاءوا فيه بهدى القرآن الكريم وحديث الرسول ﷺ . وقد مضى من أسلموا يجاهدون معه قريشا والعرب، حتى دخلوا فى دين الله أفواجا. وألمّت بالإسلام بعد وفاة الرسول أحداث خطيرة، فحروب الردة تتبعها الفتوح وفتنة عثمان تتبعها حروب على. وتأثّر الشعراء بذلك كله مستلهمين مثالية الإسلام الرفيعة، وهم حقا اختلفوا فى مدى تأثّرهم واستلهامهم لتلك المثالية، إذ كان منهم من مسّ الدين روحه مسّا عنيفا، ومنهم من مس روحه مسّا خفيفا. ولكن حتى هؤلاء الأخيرين وجدتهم يتأثرون بالدين الحنيف، على نحو ما يصور لنا ذلك الحطيئة، فقد قال القدماء عنه إنه كان رقيق الدين، ومع ذلك نراه يدعو إلى التقوى والعمل الصالح، معلنا أنه مسلم، وأنه من أجل ذلك لا يعمد إلى الإقذاع فى الهجاء فحسبه التهكم والسخرية. وكان بجانبه كثيرون يتعمقهم الإسلام من مثل حسان وكعب بن زهير، بل كان هناك من أثّر فى نفوسهم تأثيرا عنيفا مثل لبيد والنابغة الجعدىّ فإن بعض قصائدهما تتحول إلى مواعظ خالصة. وكان تأثر النثر بالإسلام أقوى قوة، فقد نزل فيه الذكر الحكيم المعجز ببلاغته، وألقى به الرسول ﷺ أحاديثه وخطبه الرائعة. وبذلك

стр. 901

تحولت العربية من لغة وثنية ساذجة إلى لغة ذات دين سماوى باهر، تخوض فى معان جديدة من عبادة الله الواحد الأحد ووصف الكون فى طرفيه من النشأة والدّثور ورسم الكمالات الروحية ووضع التشريعات المحكمة التى تحقّق للناس السعادة فى الدارين. وكانت خطابة الرسول تارة وعظا وتارة تشريعا، وقد تجمع بين الطرفين. ومضى الخلفاء الراشدون على هدى الرسول يعظون الناس، وأخذت تدفع أبا بكر وعمر مواقف جديدة للكلام، إذ أخذوا يخطبون فى الجيوش الفاتحة محمّسين وموصين باتباع تعاليم الإسلام السمحة فى معاملة الأمم المغلوبة. وسار فى نفس الدرب عثمان، ثم على بن أبى طالب، وكان خطيبا مفوّها، وقد اندلعت الحروب الداخلية طوال عهده واندلعت معها خطابة كثيرة فى صفوفه وفى الصفوف المعارضة كما اندلعت مناظرات مختلفة فى الآراء المتقابلة، وكل ذلك فسح طاقة النثر العربى فى صدر الإسلام، ومدّ أطنابها مدّا واسعا. وجدّت بجانب ذلك حاجة شديدة إلى الكتابة، لا كتابة الذّكر الحكيم فحسب بل أيضا كتابة معاملات المسلمين وعقودهم وكتابة مواثيق الرسول ﷺ وعهوده، وأخذ يفرغ لذلك كتّاب مختلفون ذكرهم الجهشيارى وغيره. وتحدث الفتوح، وتكثر الرسائل بين الخلفاء وقوّادهم وولاتهم، كما تكثر المعاهدات، وفى أثناء ذلك ينشأ النثر الكتابى عند العرب ويرقى، كما رقى النثر الخطابى، بما أخذ يحمل من تعاليم الإسلام وتشريعاته. وانتقلت إلى الكتاب الثانى الخاص بعصر بنى أمية، فتحدثت عن مراكز الشعر فى هذا العصر، ووقفت أولا عند المدينة ومكة وما غرقتا فيه من الحضارة والترف واللهو والغناء، مما كان له أثر واسع فى نمو الغزل بهما وذيوعه على كل لسان. وكان سكان نجد وبوادى الحجاز يعيشون فى شظف من العيش هيأ بتأثير الإسلام ومثاليته الروحية لظهور ضرب من الغزل العذرى العفيف وشيوعه. وحدث أن عشائر قيسية كثيرة رحلت مع الفتوح إلى الشام والجزيرة فاصطدمت هناك بالقبائل اليمنية وبقبيلة تغلب المضرية. ونشبت بين الطرفين سلسلة حروب دامية عادت فيها العصبية القبلية والحمية الجاهلية، فاشتعل الفحر والهجاء. وكانت الكوفة مستقرّا للشيعة وثوراتهم ضد بنى أمية فطبع شعرها فى جمهوره

стр. 902

بطابع شيعى حزين. وأخذت العصبيات تحتدم فى البصرة احتداما، وحملها منها الجنود المحاربون فى خراسان، فكثر الشعر الذى ينطق عنها فى البيئتين. وكثرت سيول المديح فيهما وفى الكوفة، ومضت أسراب تتغنّى بالزهد أو بالمجون، وأسراب أخرى تتغنى بنظرية الخوارج السياسية وخاصة فى البصرة وبين جيوش الأزارقة فى فارس. ولم ينشط الشعر فى الشام إلا قليلا، فإن أكثر ما أنشد فيها وفد عليها إما مع مدّاح الأمويين وإما مع العشائر القيسية التى هاجرت إلى الشمال وإما مع بنى أمية أنفسهم، فقد ظهر بينهم غير شاعر. وكان الشعر فى المراكز الأخرى خامدا، ومصر تتقدّمها لا بشعرائها الذين نبتوا فيها، ولكن بمن وفدوا على ولاتها مادحين. وكانت تؤثّر فى الشعر الأموى مؤثرات عامة مختلفة، فقد امتزج العرب فى البلدان المفتوحة بالموالى، وسرعان ما هجروا لغاتهم إلى العربية وعبّروا بها عن عقولهم وقلوبهم وأعماق وجدانهم، مما أحدث فيها صورا مختلفة من التطور، إذ دخلت فيها بعض الألفاظ الأعجمية وظهرت على ألسنة الموالى لكنات مختلفة وانتشر اللحن، وأخذت سلائق بعض العرب أنفسهم فى الضعف. وقد مضى الشعراء جميعا يستلهمون الإسلام فى أشعارهم سواء حين يتغزلون أو يمدحون أو يهجون أو يحمّسون للجهاد فى سبيل الله أو حتى حين يصفون الصحراء. وتوزعتهم الفرق السياسية من زبيرية وخوارج وشيعة وغيرهم. ونعموا بالحضارات الأجنبية، وساقهم ذلك إلى ضروب من المتاع الحسى واللهو والترف. ودعمت عقولهم بعناصر ثقافية مختلفة: جاهلية وإسلامية وأجنبية، وانبعثت بينهم فرق الجبرية والمرجئة والقدرية والمعتزلة، وخضعوا لمؤثرات اقتصادية مختلفة. وكل ذلك نرى أصداءه فى الشعر كما نرى فيه تعاونا وثيقا بين العرب والموالى، فقد عاشوا بنعمة الإسلام إخوانا، وكأنما محيت بينهم الفوارق الجنسية، حتى ليفتخر الأعاجم بمواليهم من العرب، إذ يشعرون فى قرارة أنفسهم بأنهم من أبناء هذه القبيلة أو تلك، ويتبادل العرب معهم نفس الشعور. وكثر شعراء المديح والهجاء كثرة مفرطة، فقد كان المدّاحون يغدون ويروحون على أبواب الولاة والقواد والأجواد ناثرين ورود الثناء محمّلين بنفائس

стр. 903

الأموال، وخير من يمثلهم نصيب والقطامى وكعب بن معدان الأشقرى وزياد الأعجم. وسعرت العصبيات القبلية شعراء الهجاء وخير من يمثلهم ابن مفرّغ والحكم بن عبدل وثابت قطنة. ومما لا ريب فيه أن أبرع شعراء الهجاء والمديح جميعا شعراء النقائض النابهون: الأخطل والفرزدق وجرير، فقد أتاحوا للنقيضة كل ما كان ينتظرها من رقى ونهوض، كما أتاحوا للمدحة كل ما كان ينتظرها من براعة وازدهار. ووقف كثير من الشعراء فى صفوف الفرق السياسية يحامون عنها ويناضلون وكانت لكل فرقة نظرية فى الخلافة تدافع عنها وتذود. أما الزبيريون فكانوا يرون من الواجب أن تعود حاضرة الخلافة إلى الحجاز وأن يستند الخليفة فى حكمه إلى قريش لا إلى كلب وغيرها من القبائل اليمنية التى يستند إليها الأمويون، وابن قيس الرّقيّات أهم من صدر فى شعره عن هذه النظرية. وكان الخوارج يرون أن الخلافة حقّ للمسلمين جميعا لا لقريش وحدها، وأنه ينبغى أن يتولاّها خير المسلمين تقوى وزهدا، ولو كان عبدا حبشيّا، وقد وهبوا أنفسهم للنضال عن نظريتهم مذيعين فى أشعارهم حماسة دينية ملتهبة ورغبة عنيفة فى الاستشهاد وزهدا قويّا فى الحياة ومتاعها الزائل، ويمثّلهم عمران بن حطّان والطّرمّاح. وكان الشيعة يرون أن الخلافة حقّ شرعى لأبناء على اغتصبه منهم الأمويون وينبغى أن يردّ عليهم، وكان استشهاد أئمتهم لا يبرح ذاكرتهم، فمضوا يبكونهم بدموع غزار، محفظين الناس على أن يثأروا لهم من الأمويين ويذيقوهم حتفهم، كما مضوا يصوّرون عقيدتهم فيهم وما يكنّون لهم ولأهل البيت من عواطف حارة متبتّلين بذلك إلى الله ورسوله الكريم، ويمثّلهم كثيّر والكميت. وكان كثير من أشراف العرب وخاصة فى الكوفة مغيظين محنقين على الأمويين لجعل الخلافة وراثية فيهم من دون العرب جميعا، وعبّر عن ذلك ابن الأشعث فى ثورته وشاعره أعشى همدان فى شعره واصطفّ مع الأمويين شعراء كثيرون يدعون لهم ويناضلون ضد كل هؤلاء الخصوم، على شاكلة ما نرى عند عبد الله بن الزّبير الأسدى الكوفى وعدىّ بن الرّقاع الدمشقى. وتلقانا طوائف من الشعراء عاشت حياتها فى اتجاه واحد أو على الأقل

стр. 904

فى اتجاه غلب على حياتها وساد، فمن ذلك أصحاب الغزل الصريح من أمثال ابن أبى ربيعة والأحوص والعرجى، وأصحاب الغزل العفيف من أمثال قيس ابن ذريح وجميل بثينة، وأصحاب الزهد من أمثال أبى الأسود الدّؤلى وسابق البربرى، وأصحاب اللهو والمجون من أمثال الوليد بن يزيد وأبى الهندى، وأصحاب شعر الطبيعة من أمثال ذى الرّمّة. ومن ذلك الرجّاز، وقد نهضوا بالأرجوزة من وجوه، إذ جعلوها تتسع لكل أغراض القصيدة، وأضافوا لذلك موضوعا جديدا هو الطّرديات، كما أضاف نفر منهم إلى غاياتها الوجدانية غاية تعليمية جديدة إذ تحرّوا أن يودعوا أراجيزهم كل ما استطاعوا من شواذ اللغة وشواردها الآبدة. وازدهرت الخطابة فى العصر الأموى ازدهارا، لعل العرب لم يعرفوه فى أى عصر من عصورهم القديمة، فقد كانوا أصحاب مواهب بيانية، وعملت بواعث كثيرة على أن تتوهج هذه المواهب فى الخطابة حينئذ، بسبب ما نشأ من خصومات سياسية عنيفة، فكان هناك خطباء الخوارج وخطباء الشيعة وخطباء الزبيريين والثوار المختلفين وخطباء الأمويين، وكلّ منهم يحاول استمالة القلوب إليه بالتفنن فى بيانه، وخير من يمثلهم زياد بن أبيه. ونمت بجانب هذه الخطابة خطابة المحافل بين أيدى الخلفاء والولاة، إذ أخذ أصحابها يعنون بتحبير كلامهم، وخير من يمثّلهم الأحنف بن قيس. واحتدمت خطابة الوعظ والقصص الدينى احتداما، وما فتئ أصحابها يطلبون كل وسيلة بيانية كى يؤثروا فى الناس حتى انتظم لهم أسلوب بديع ثبّتوه تثبيتا قويّا، وهو أسلوب نهض على حلى من الازدواج والخيالات والمقابلات ودقائق المعانى. وقد مضوا يعلّمون الشباب فى البصرة والكوفة كيف يبرعون فى الخطابة والمناظرة، وبذلك أعدّوا لنشأة علم البلاغة العربية، وخير من يمثّلهم الحسن البصرى. ونمى التدوين فى هذا العصر نموّا واسعا، إذ دوّنوا معارفهم التى تتصل بالجاهلية وأخبارها وأنسابها وأشعارها كما دونوا معارفهم التى تتصل بالإسلام وما يرتبط به من تفسير الذكر الحكيم والحديث النبوى والفقه والمغازى وقصص الأنبياء، ومضوا يدونون أخبار الأمم الماضية وأخبار الدولة الإسلامية وما صادفها

стр. 905

من أحداث وخطوب. وأخذت تظهر مصنفات فى المثالب والأمثال والمواعظ والحكم وفى مسائل العقيدة. ودونوا كثيرا من الرسائل والخطب، كما نقلوا إلى العربية بعض المعارف الأجنبية، وخاصة فى الكيمياء والطب والنجوم. وكثرت كثرة مفرطة الرسائل وخاصة السياسية. وأخذ كتاب الدواوين المحترفون ينهضون بالكتابة الديوانية، حتى كان سالم رئيس ديوان هشام بن عبد الملك، فإذا هو يتخذ فيها أسلوب خطباء الوعظ والقصص الدينى الذى تحدثنا عنه آنفا، وتبعه عبد الحميد الكاتب، فأوفى بالكتابة الديوانية على الغاية من غزارة المعانى وروعة الأسلوب وإعطائه حقوقه من الجزالة والرونق والطلاوة، ومضى يدبّج رسائل أدبية لا يقصد بها إلى سياسة، إنما يقصد بها إلى الأدب من حيث هو فن جميل. ٢ - تعليق كل الشعراء الذين ذكرناهم فى الخلاصة السابقة ترجمنا لهم ترجمات تختلف طولا وقصرا حسب شخصياتهم الأدبية، وقد نظم ابن سلام المخضرمين منهم فى طبقات الجاهليين العشر الذين أودعهم كتابه «طبقات فحول الشعراء» وقد جعل الطبقة الأولى للجاهليين وحدهم، أما الطبقة الثانية فأدخل فيها كعب ابن زهير والحطيئة من المخضرمين، وجعل الطبقة الثالثة للبيد والنابغة الجعدى وأبى ذؤيب الهذلى والشّماخ، وكلهم عاشوا فى العصرين الجاهلى والإسلامى وخص الطبقة الرابعة بمن عاشوا فى الجاهلية. ثم مضى فى الطبقات الست الباقية يمزج جاهليين بمخضرمين. وتحدث عن شعراء المراثى وشعراء القرى، مشيدا بحسان ابن ثابت شاعر الرسول ﷺ . وقد ترجمنا لمن وضعهما فى الطبقة الثانية مع بعض الجاهليين وهما كعب والحطيئة، كما ترجمنا لاثنين من الطبقة الثالثة، وهما لبيد والنابغة الجعدى، وترجمنا لحسان. ولم نترجم لأحد وراءهم من المخضرمين اكتفاء بهم، إذ يعدّون فى الذروة من شعراء عصرهم، ولأن لهم دواوين

стр. 906

كبيرة توضح شخصياتهم ومدى ما أثّر به الإسلام فى أشعارهم. ولم نغفل من سواهم، ممن داروا عند ابن سلام وفى الكتب الأدبية والتاريخية، بل مثّلنا لهم بأشعار كثيرة، ووضعنا بإزاء المجيدين منهم فى الهوامش مراجع أخبارهم وأشعارهم، ليستعين بها من يريد متابعة دراستهم. وإذا تركنا المخضرمين عند ابن سلام إلى شعراء عصر بنى أمية وجدناه يسلكهم فى طبقات عشر، يسميها طبقات الإسلام، ومن يقرن من سمّاهم فى تلك الطبقات إلى من ترجمنا لهم يرى أننا أعرضنا عن كثيرين ممن ذكرهم وعنينا بآخرين لم يجروا على لسانه، لأنهم فعلا يتقدمون من أعرضنا عنهم من حيث تمثل الحياة التى عاشوها، ومن حيث الشعر والشاعرية، ومن ثمّ اهتمّ بجمهورهم صاحب الأغانى، ففتح لهم فى كتابه فصولا طويلة، وعنى الرواة بدواوينهم أو على الأقل بكثير منها، فصنعوه صنعة محكمة. وكثرة من سمّاهم ابن سلام ليس لهم دواوين محفوظة ولا أخبار كثيرة مسجّلة، وهم غالبا من نجد، وكأنه إنما عنى بمن كانوا يدورون على ألسنة اللغويين متمثّلين بأشعارهم ومستشهدين، ونفس ترتيبه لطبقاتهم يدل على ذلك دلالة بينة، فقد سلك الراعى فى الطبقة الأولى مع جرير والفرزدق والأخطل، وهو شاعر مقلّ، ويدنو عن طبقتهم درجات. وإنما دعاه إلى ذلك ما اشتهر به فى بيئة اللغويين من إحسانه لنعت الإبل، وحشده فى هذا النعت لأوابد الألفاظ. ولو أنصف لأخّره عن طبقته ووضع فيها بدلا منه ذا الرّمّة الذى يتقدم جميع شعراء عصره فى وصف الصحراء وكل ما يتصل بها من إبل وغير إبل. وقد جعل ابن سلام ذا الرّمّة فى الطبقة الثانية وقرن به فيها البعيث والقطامى وكثيّرا، والبعيث مقل ولا يرتفع بجناحه إلى آفاقهم جميعا. ولذلك أهملناه كما أهملنا أصحاب الطبقات الثالثة والرابعة والخامسة، وهم على الترتيب كعب بن جعيل وعمرو بن أحمر وسحيم بن وثيل وأوس بن مغراء، ونهشل بن حرّى وحميد بن ثور الهلالى والأشهب بن رميلة وعمر بن لجأ التّيمى، وأبو زبيد الطّائى والعجير وعبد الله بن همّام السّلوليان ونفيع بن لقيط الأسدى، جميعهم مقلّون، ولا يمثّلون عصرهم لا فى أحداثه الجسام ولا فى تطور فنون الشعر وأغراضه.

стр. 907

وجعل فى الطبقة السادسة ابن قيس الرقيات والأحوص وجميلا ونصيبا، وهم أعلى من طبقتهم، وقد ترجمنا لهم جميعا. وقرن بالمتوكل الليثى فى الطبقة السابعة ابن مفرّغ وزيادا الأعجم وعدىّ بن الرقاع، وقد ترجمنا للثلاثة الأخيرين وأهملنا المتوكل لقلة أشعاره. وجعل فى الطبقة الثامنة عقيل بن علّفة وشبيب بن البرصاء، وشعرهما جميعا قليل قلة شديدة. وسلك فى الطبقة التاسعة أربعة من الرجّاز هم: الأغلب العجلى وأبو النجم والعجّاج ورؤبة، وقد ترجمنا للثلاثة الأخيرين وأهملنا الأغلب لقلة أراجيزه. وجعل الطبقة العاشرة لمزاحم العقيلى ويزيد بن الطّثريّة وأبى دؤاد الرّؤاسى والقحيف العقيلى، وجميعهم مقلون. وعلى هذا النحو وضع ابن سلام فى طبقات الإسلام شعراء مقلين لم يبلغوا فى الشعر مبلغا مذكورا، ونحّى كثيرين يغنون فيه غناء محمودا، مسوقا فى ذلك بدوافع لغوية خالصة، ومن ثمّ عنى بشعراء نجد والبوادى، ولم يكد يعنى بشعراء المدن مع أنهم يفضلونهم بما دفعوا إليه الشعر من تطور مع الحياة الجديدة وبما نظموا من آيات رائعة. وقد أهمل ابن أبى ربيعة، وهو أكبر شعراء الغزل فى عصره، وأهمل معه العرجى وأهمل شعراء الخوارج من أمثال عمران بن حطّان والطّرمّاح، ولم يعن من شعراء الشيعة إلا بكثيّر، وأهمل شعراء الزهد من أمثال أبى الأسود الدؤلى وسابق البربرى وشعراء المجون من أمثال الوليد بن يزيد وأبى الهندى. وبذلك كله كانت طبقات الإسلام عند ابن سلام قاصرة عن إعطاء صورة حقيقية لحياة الشعر الخصبة فى عهد بنى أمية. وقد ترجمت لكل من ذكرتهم آنفا ممن أهملهم ولآخرين لا يقلون عنهم إبداعا. ومضيت أمثّل فى كل جانب من جوانب العصر وفى كل فن من فنون الشعر بأشعار مختلفة لغير من ترجمت لهم ناثرا فى الهوامش مراجع كثيرين منهم، تعين على التوسع فى دراستهم. والذى لا شك فيه أن شعراء العصر الأموى تطوروا بالشعر فى جميع مناحيه واتجاهاته وأنهم استطاعوا أن يمثّلوا عصرهم فيه بجميع انطباعاته، ناطقين بلسانه نطقا أشاعوا فيه الروعة والجمال.

стр. 908

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة هذا الجزء من تاريخ الأدب العربى خاصّ ب العصر العباسى الأول ، وكان طبيعيّا أن أبدأ فيه بدراسة الحياة العباسية التى فرضت نفسها على الأدباء العباسيين فرضا، سواء الحياة السياسية وما كان يجرى فيها من نظم وظروف وأحداث مختلفة، أو الحياة الاجتماعيّة وما كان يشيع فيها من تحضر وترف وشغف بالغناء وإغراق فى المجون وزندقة وزهد ونسك، أو الحياة العقلية وما التحم بها من ترجمة الثقافات الأجنبية ونشاط الحركة العلمية ونقل علوم الشعوب المستعربة ووضع العلوم اللغوية والتاريخ والعلوم الدينية والكلامية. وقد بسطت القول فى ازدهار الشعر العربى حينئذ ازدهارا رائعا، إذ أكبّ الشعراء على العربية يتقنونها ويتمثلون ملكتها وسليقتها تمثلا دقيقا، نافذين بذوقهم المتحضّر إلى أسلوب مصفّى يجمع حينا بين الجزالة والرصانة، وحينا يجمع بين الرقة والعذوبة. وكان تأثرهم عميقا بالثقافات المترجمة وبما كانوا يستمعون إليه من محاورات المعتزلة مما أثار فى عقولهم ونفوسهم كثيرا من المعانى والخواطر التى لا تكاد تحصى، ودفعهم إلى التطور بموضوعات الشعر الموروثة تطورا نلمس فيه روح العصر وخصب الفكر ورهافة الشعور، وأضافوا إليها موضوعات جديدة بما نفذوا إليه من تحليل المعانى والملاءمة بين أشعارهم وبيئاتهم المتحضرة وحياتهم اليومية. وفتحوا صفحة لم تكن تخطر لأسلافهم على بال، هى صفحة الشعر التعليمى الذى صاغوا فيه من المعارف والتاريخ والأمثال والقصص الحيوانى منظومات طريفة. واكتشفوا للشعر أوزانا لم تكن معروفة وأنماطا من القوافى كانت مجهولة. ودرست دراسة نقدية تاريخية أعلام الشعر فى العصر، وهم بشار وأبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد وأبو تمام، وحاولت أن أرسم شخصياتهم الأدبية وأثرهم فى تطور الشعر العربى وتجديده، فأما بشار فسنّ للشعراء أن يزاوجوا مزاوجة

стр. 909

دقيقة بين عناصر الشعر التقليدية وعناصره التجديدية، بحيث يتدافع فيه نياز القديم الموروث دون تعويق لتيار الجديد المستحدث وسيوله الحضارية والاجتماعية والعقلية. وكان تأثير هذه السيول فى أبى نواس أشد عمقا وأكثر حدّة، فتعمّق مذاهب المتكلمين وأسرف على نفسه فى اللهو والمجون. وعكف أبو العتاهية على الحكمة الفارسية والهندية واليونانية عكوفا أفضى به إلى تنويع واسع فى أشعار الزهد والمواعظ والأمثال. وجذب مسلم بن الوليد الشعراء إلى أبنية الشعر المحكمة الشامخة مع التدقيق الشديد فى المعانى والإكثار من ألوان البديع. أما أبو تمام فامتزج الشعر عنده بالفلسفة امتزاجا رائعا، بحيث أصبح معرضا باهرا لطرائف البديع وطرائف المعانى والأخيلة البارعة. ووراء هؤلاء الأعلام كثيرون كان لكل منهم دور فى تطور الشعر فى العصر تطورا يتفاوت قوة وضعفا، مما دفعنى إلى رسم موجز لشخصياتهم وخصائصهم، ووضعهم فى فصائل متقابلة، والتمست لكل فصيلة صفوة من يمثّلونها، فللسياسة ممثلوها، وكذلك للمديح والهجاء والغزل والمجون والزندقة والزهد والنسك والاعتزال والنزعات الشعبية. وانتقلت أدرس النثر وما حدث من تطوره وكثرة فنونه بتأثير ما ثقفه الوعّاظ والمتكلمون والكتّاب من كنوز الثقافات والآداب الأجنبية. وقد نشطت الخطابة الدينية وما اتصل بها من وعظ ووعّاظ وقصص وقصّاص. ونفذ المتكلمون إلى فن نثرى مستحدث هو فن المناظرات، ونموّه ورقوا به رقيّا بعيدا. وازدهر النثر الديوانى وكلّ ما اتصل به من رسائل سياسية ومن عهود ووصايا وتوقيعات، وحبّر الكتّاب كثيرا من الرسائل الإخوانية البديعة متناولين فيها الأغراض التى كان ينظم فيها الشعراء والتى تصور عواطف الأفراد ومشاعرهم، ودبّج نفر منهم رسائل أدبية خالصة حلّلوا فيها النفس الإنسانية وأهواءها وسلوكها حينا، وحينا حاكوا قصص كليلة ودمنة قاصدين بمحاكاتهم إلى التربية السياسية والاجتماعية. وعنيت برسم شخصيات أعلام الكتّاب فى العصر وآثارهم الأدبية، وهم ابن المقفع وسهل بن هرون وأحمد بن يوسف وعمرو بن مسعدة وابن الزيات، فأما ابن المقفع فنقل إلى العربية أروع ما تحمل لغته من ذخائر فارسية وغير فارسية،

стр. 910

وكتب رسائل إخوانية وأدبية بديعة. وافتنّ سهل بن هرون فى كتابة رسائل قصصية وأخرى أدبية وإخوانية مع العناية بالازدواج وجمال الجرس والأداء. وبرع أحمد بن يوسف فى كتابة الرسائل الديوانية والإخوانية مضفيا على أساليبه كل ما يستطيع من صور التنميق. وحرص عمرو بن مسعدة على التأنق والاقتصاد المسرف فى التعبير. ولم يكن ابن الزيات يتأنّق فى كتاباته، غير أنه كان يعنى بحسن القول وجزالة اللفظ ورصانته. والله أسأل أن يلهمنى السّداد والإخلاص فى الفكر والقول والعمل، وهو حسبى ونعم الوكيل. شوقى ضيف القاهرة فى أول ديسمبر سنة ١٩٦٦ م

стр. 911

الفصل الأوّل الحياة السياسية ١ - الثورة العباسية تعدّ هذه الثورة نهاية الثورات الكثيرة التى نشبت ضد بنى أمية، وهى ثورات أراد بها أصحابها إلى الإصلاح الاجتماعى، ومنهم من كان يتخذ إلى ذلك طريق الرّفق على نحو ما هو معروف عن جماعة الفقهاء، وأكثرهم كان يتخذ طريق العنف يريد أن يمحو سلطان الأمويين محوا على نحو ما كان يريد ابن الزبير والخوارج والشيعة وابن الأشعث ويزيد بن المهلب. وقد شهر هؤلاء الثائرون السلاح فى وجوههم مرارا، كانت تتعرض فيها دولتهم للخطر أيما تعرض غير أنهم استطاعوا دائما أن يكبحوا جماح الثائرين خائضين إلى ذلك بحارا من الدماء، متخذين من القضاء على كل ثائر وأنصاره نكالا لكل من يحاول الثورة على نظمهم السياسية والاجتماعية. وقد انتهت ثورات ابن الزبير وابن الأشعث ويزيد بن المهلب بمجرد الفتك بهم وبأنصارهم، أما ثورة الخوارج، ومثلها ثورة الشيعة، فظلت تشتعل من حين إلى حين فى العراق وجنوبيه وشماليه وما وراءه من الشرق. وكانوا كلما قضوا على ثورة وقتلوا منها مقتلة عظيمة هبّت ثورة ثانية. وكلفتهم ثورات الخوارج خاصة جهودا هائلة، إذ كانوا لا يستيئسون أبدا، وكان قد استقر فى نفوسهم أن الأمويين نهبوا السلطان من الأمة وينبغى أن يعود إليها بحيث تتحقق المساواة بين أفرادها وبحيث يعم العدل الذى لا تستقيم حياة الناس بدونه. وقد مضوا يجاهدون الأمويين جهادا عنيفا، لا يصانعون فيه ولا يداهنون، بل يشهرون سيوفهم باذلين أرواحهم فى سبيل عقيدتهم، وكلما هزمت منهم طائفة امتشقت الحسام طائفة أخرى، فقد باعوا أنفسهم لله ودينه الحنيف يقاتلون فى سبيله، فيقتلون من خالفوا

стр. 912

الطريق السوىّ فى رأيهم ويقتلون راضين. وأهم ثورات الشيعة المسلحة ثورة المختار الثقفى بالكوفة، وقد تكفّل مصعب بن الزبير حين كان واليا لأخيه على العراق بالقضاء عليها قضاء مبرما. ولم تقم للشيعة بعده قائمة حتى كانت ثورة زيد ابن على زين العابدين فى أول العقد الثالث من القرن الثانى، وقد انتهت باخفاق ذريع، ولم يلبث ابنه يحيى أن قتل على أثره، كما قتل بعده بقليل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب. وكانت تنضم إلى كل هذه الثورات فئات من الموالى الذين اضطهدهم بنو أمية، وحرموهم المساواة بالعرب فى الحقوق، مخالفين نظرية الإسلام وما يدعو إليه من التسوية المطلقة بين العرب وغير العرب فى الضرائب وغير الضرائب وقد احتملوا فى ذلك ألوانا من البؤس الذى يطاق والذى لا يطاق. فكان طبيعيّا أن تكثر مطالبتهم بالعدل الاجتماعى وأن يطمحوا إلى حكّام جدد يقرّون فيهم مبادئ الإسلام الذى يوجب المساواة بين أفراد الأمة فى جميع الواجبات المالية وغير المالية والذى ينكر الظلم أشد الإنكار، كما ينكر أن تستغل طبقة من الأمة بعض الطبقات فيها لمآربها العاجلة. وقد وضعت كثرتهم آمالها فى أبناء على وأسرته الهاشمية لما تميز به حكمه من مساواة تامة بين العرب والموالى بحيث أصبحوا شيعتهم، غير أنهم فقدوا فى أسرة على وأبنائه وأحفاده الشخص الحصيف الجرئ الذى يستطيع تنظيم ثورتهم بحيث يكتب لها النجاح. وعرف ذلك فيهم أبناء عمومتهم العباسيون، ولكن كيف يلون هذه الزعامة، والشيعة من حولهم ينضوون تحت ألوية أبناء علىّ وحدهم دون من سواهم من الهاشميين؟ لقد أخذوا يفكرون فى ذلك، ولم يلبثوا أن نفذوا إلى أمنيتهم المبتغاة عن طريق فرقة الكيسانية الشيعية التى تكونت حول ابن الحنفية، فقد استوطن ابنه أبو هاشم -الذى ورث عنه زعامة هذه الفرقة وإمامتها-بلدة الحميمة ببلقاء الشام ونزلها معه على بن عبد الله بن العباس وأسرته، وسرعان ما توثقت الصلة بين ابنه محمد وبين أبى هاشم، ورأى فيه أبو هاشم خير خلف له على جماعته، فلما حضرته الوفاة سنة ثمان وتسعين للهجرة أوصى له وصية صريحة بالإمامة من بعده. وبذلك وجد محمد ركيزة يعتمد عليها فى إثبات حقه فى الخلافة، وكان حصيف الرأى بعيد

стр. 913

النظر، فعمد توّا إلى تنظيم الدعوة العباسية سرّا من مقرّه فى الحميمة متخذا من الكوفة دار التشيع ومستقره مهدا لها ومركزا (١)، ووضع خطة تنظيمها هناك فى يد ميسرة، وجعل له الإشراف على الدعوة بخراسان حيث كان الموالى هناك يمتلثون سخطا وموجدة على الأمويين الذين كانوا لا يزيلون عنهم ظلما إلا ليقيموا مكانه ظلما أشد عنفا. وقد اتخذ دعاته هناك من التجار وكانوا أخلاطا من عرب وموال، فمضوا يثيرون الناس هناك ضد بنى أمية مصورين ما ينبغى أن يسود فى الأرض من العدل وإزالة الظلم، ومات ميسرة سنة ١٠٥ فأقام محمد بن على مكانه بكير (٢) بن ماهان، وكان لا يقل عن سلفه دهاء ونهوضا بعظائم الأمور، فوثّق الدعوة ونظمها بخراسان خير تنظيم. وتوفى الإمام محمد بن على سنة ١٢٥ عاهدا بالإمامة من بعده لابنه إبراهيم فارتضاه الدعاة وتوفّى على إثره بكير فخلفه على الدعوة صهره أبو سلمة (٣) الحلاّل، فجدّ فى الأمر وجدّ معه الدعاة. وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك قد ولى الخلافة، وكان مدمنا للخمر منادما للفسّاق والمغانى، وكأنما كان إشارة الوقت لما أدرك الخلافة الأموية من ضعف وفساد، فاستغل ذلك أيما استغلال دعاة أبى سلمة فى خراسان، فقد بدا فى وضوح فساد الحكم كما بدا فساد النظم الاجتماعية التى رزح الموالى تحت أثقالها الباهظة. وتراءى حينئذ فى الأفق أن سلطان البيت الأموى يؤذن بالسقوط، لا لما انتشر فيه من فساد الترف فحسب، بل أيضا لما نشب من خلاف عنيف بين أفراده، إذ لم يلبثوا أن قتلوا الوليد وأخذوا يتطاحنون على عرش الخلافة تطاحنا مرّا، وتغلّب بأخرة مروان بن محمد، غير أنهم نابذوه وثاروا ضده، وانتهز الخوارج الفرصة، فنازلوه فى الموصل وفى اليمن والحجاز. وفى هذه الأثناء تولى أبو مسلم الخراسانى قيادة (٤) الدعوة فى موطنه، وكان من دهاة الرجال ومن أكفئهم فى النهوض بجلائل الأعمال، فأخذ يصور للناس فساد الحكم الأموى وما يسومهم به من خسف وظلم وكيف أنه سيملّكهم الأرض ويجعلهم

стр. 914

سادة بعد أن كانوا عبيدا مسترقيّن والناس يسمعون له ويحفّون به وينضمون إلى دعوته حتى كثف جمعهم وحتى غدا نزاله لنصر بن سيار والى الأمويين هناك قاب قوسين أو أدنى. غير أنه رأى أن يتمهل قليلا قبل أن يبدأ مغامرته الخطيرة متخذا لها من الأسباب ما يكفل النجاح المحقق، ولم يلبث أن عمد-بدهائه-إلى الإيقاع بين الكرمانى ومن معه من القبائل اليمنية وبين نصر بن سيار ومن معه من القبائل المضرية، واشتعلت الحروب بين الفئتين، وسفك فيها كثير من الدماء. حتى إذا وهنت قوة نصر أعلن أبو مسلم الثورة عليه وعلى من وراءه من الأمويين، وأخذت رايات العباسيين السوداء تخفق فوق جنوده، وحواضر خراسان تسقط-واحدة إثر أخرى-فى يده. ويستصرخ نصر بن سيار مروان بن محمد وابن هبيرة واليه على العراق أن يمداه بالنجدات، ولكنهما كانا فى شغل عنه بثورات الخوارج فى العراق وغير العراق، ويموت كمدا بين الرى وهمذان. وتتقدم جيوش أبى مسلم بقيادة قحطبة وابنه الحسن مستخلصة المدن والحصون مدينة مدينة وحصنا حصنا، وما تلبث أن تقتحم العراق ويسرع ابن هبيرة للقائها عبر الفرات، ويحاول قحطبة أن يتجنبه متجها إلى الكوفة، ثم يلتقى به فتدور عليه-كما دارت على نصر بن سيار من قبله-الدوائر، فينحاز بجيشه إلى واسط. ويقتل قحطبة فى ظروف غامضة، ويتولى القيادة بعده ابنه الحسن ويدخل الكوفة دون أن يلقى أى مقاومة، وحينئذ تبرز إلى النور حكومة بنى العباس السرية وعلى رأسها أبو سلمة الخلال. وكان مروان بن محمد قد قبض-قبل دخول الحسن بن قحطبة الكوفة بوقت قصير-على إبراهيم بن محمد الإمام، إذ عرف أنه هو الذى يدبر هذه الثورة من مقره فى الحميمة، وعرف إبراهيم أنه قاتله، فعهد بالأمر من بعده إلى أخيه أبى العباس السفاح. وقتل إبراهيم، ونقلت الأنباء إلى أبى العباس دخول الحسن ابن قحطبة الكوفة، فخرج إليها فى أهله يتقدمهم أعمامه: داود وعيسى وصالح وعبد الله وإسماعيل وعبد الصمد، وأخوه أبو جعفر، وابن عمه عيسى بن موسى ابن محمد. وظل العباسيون-طوال المدة السرية لدعوتهم-لا يذكرون للناس أنهم طلاّب خلافة، إنما يذكرون لهم أنهم يطلبون إسقاط الدولة الأموية الجائرة التى

стр. 915

طالما أرهقتهم بعسفها وظلمها وطالما احتكرتهم لمآربها وشهواتها مع الاستبداد بالشعب واستعباده ومع ما يعيش فيه الأمويون من ترف بالغ أفسد أداة الحكم إفسادا لا صلاح لها بعده إلا بمحوهم محوا. وبذلك وارى العباسيون أشخاصهم وقدموا القضية التى نصبوا أنفسهم للدفاع عنها، قضية نصرة الحكم الصالح ونصرة الحق والعدل على الباطل والظلم المتصل. ولكى يحكموا خطتهم كانوا لا يأخذون البيعة لأنفسهم بالخلافة، إنما يأخذونها لإمام رضا (١) من آل البيت النبوى، حتى لا يثيروا أبناء عمهم العلويين عليهم، بل حتى يجمعوهم تحت لوائهم. وكانوا يشيعون دائما أنهم نهضوا لهذا الأمر كى يثأروا للشهداء من أبناء فاطمة الزهراء. وكان أبو سلمة الخلال الذى لقبوه بلقب «وزير آل محمد» يرى أن يختار للخلافة أحد أحفاد على بن أبى طالب، ومن أجل ذلك أخفى أمر أبى العباس وأهله حين نزلوا الكوفة وعزلهم عزلا تامّا عن جند خراسان، غير أن أبا العباس استطاع الاتصال بأبى مسلم إذ وجّه إليه من أطلعه على نوايا أبى سلمة، فأرسل إليه وفدا من زعماء الدعوة بخراسان سلموا عليه بالخلافة، واضطرّ أبو سلمة اضطرارا أن يعلن تأييده (٢) له، واتّجه أبو العباس توّا إلى المسجد الجامع فى الكوفة، فبايعه الناس، وارتقى المنبر، فاشرأبّت إليه الأعناق وأصغت إليه الآذان، فإذا هو يحتج بآى القرآن الكريم على أن بيته العباسى أحق بالخلافة من بيت العلويين. وكان متوعكا فانقطع عن متابعة الكلام، وتابعه عمه داود متحدثا باسمه ومؤكدا فضل الخراسانيين فى تحرير الأمة من نير الأمويين (٣)، ومن حكمهم الباغى الفاسد. ولم يطمئن أبو العباس لمقامه فى الكوفة، دار العلويين من قديم، فتحول عنها إلى معسكر الخراسانيين، ثم فارقه إلى الحيرة وأخذ فى بناء الهاشمية لتكون مقر سلطانه، وأغرى أبا مسلم الخراسانى بأبى سلمة فدسّ إليه من قتله (٤). وكانت الجيوش قد اتجهت لمتابعة حرب مروان بن محمد بقيادة عبد الله بن على عم السفاح، فالتقت به على الزاب شمالى العراق، وهزمته هو وجيشه هزيمة
следующие страницы →