← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الفصل الأوّل الحياة السياسية ١ - الثورة العباسية تعدّ هذه الثورة نهاية الثورات الكثيرة التى نشبت ضد بنى أمية، وهى ثورات أراد بها أصحابها إلى الإصلاح الاجتماعى، ومنهم من كان يتخذ إلى ذلك طريق الرّفق على نحو ما هو معروف عن جماعة الفقهاء، وأكثرهم كان يتخذ طريق العنف يريد أن يمحو سلطان الأمويين محوا على نحو ما كان يريد ابن الزبير والخوارج والشيعة وابن الأشعث ويزيد بن المهلب. وقد شهر هؤلاء الثائرون السلاح فى وجوههم مرارا، كانت تتعرض فيها دولتهم للخطر أيما تعرض غير أنهم استطاعوا دائما أن يكبحوا جماح الثائرين خائضين إلى ذلك بحارا من الدماء، متخذين من القضاء على كل ثائر وأنصاره نكالا لكل من يحاول الثورة على نظمهم السياسية والاجتماعية. وقد انتهت ثورات ابن الزبير وابن الأشعث ويزيد بن المهلب بمجرد الفتك بهم وبأنصارهم، أما ثورة الخوارج، ومثلها ثورة الشيعة، فظلت تشتعل من حين إلى حين فى العراق وجنوبيه وشماليه وما وراءه من الشرق. وكانوا كلما قضوا على ثورة وقتلوا منها مقتلة عظيمة هبّت ثورة ثانية. وكلفتهم ثورات الخوارج خاصة جهودا هائلة، إذ كانوا لا يستيئسون أبدا، وكان قد استقر فى نفوسهم أن الأمويين نهبوا السلطان من الأمة وينبغى أن يعود إليها بحيث تتحقق المساواة بين أفرادها وبحيث يعم العدل الذى لا تستقيم حياة الناس بدونه. وقد مضوا يجاهدون الأمويين جهادا عنيفا، لا يصانعون فيه ولا يداهنون، بل يشهرون سيوفهم باذلين أرواحهم فى سبيل عقيدتهم، وكلما هزمت منهم طائفة امتشقت الحسام طائفة أخرى، فقد باعوا أنفسهم لله ودينه الحنيف يقاتلون فى سبيله، فيقتلون من خالفوا

стр. 912

الطريق السوىّ فى رأيهم ويقتلون راضين. وأهم ثورات الشيعة المسلحة ثورة المختار الثقفى بالكوفة، وقد تكفّل مصعب بن الزبير حين كان واليا لأخيه على العراق بالقضاء عليها قضاء مبرما. ولم تقم للشيعة بعده قائمة حتى كانت ثورة زيد ابن على زين العابدين فى أول العقد الثالث من القرن الثانى، وقد انتهت باخفاق ذريع، ولم يلبث ابنه يحيى أن قتل على أثره، كما قتل بعده بقليل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب. وكانت تنضم إلى كل هذه الثورات فئات من الموالى الذين اضطهدهم بنو أمية، وحرموهم المساواة بالعرب فى الحقوق، مخالفين نظرية الإسلام وما يدعو إليه من التسوية المطلقة بين العرب وغير العرب فى الضرائب وغير الضرائب وقد احتملوا فى ذلك ألوانا من البؤس الذى يطاق والذى لا يطاق. فكان طبيعيّا أن تكثر مطالبتهم بالعدل الاجتماعى وأن يطمحوا إلى حكّام جدد يقرّون فيهم مبادئ الإسلام الذى يوجب المساواة بين أفراد الأمة فى جميع الواجبات المالية وغير المالية والذى ينكر الظلم أشد الإنكار، كما ينكر أن تستغل طبقة من الأمة بعض الطبقات فيها لمآربها العاجلة. وقد وضعت كثرتهم آمالها فى أبناء على وأسرته الهاشمية لما تميز به حكمه من مساواة تامة بين العرب والموالى بحيث أصبحوا شيعتهم، غير أنهم فقدوا فى أسرة على وأبنائه وأحفاده الشخص الحصيف الجرئ الذى يستطيع تنظيم ثورتهم بحيث يكتب لها النجاح. وعرف ذلك فيهم أبناء عمومتهم العباسيون، ولكن كيف يلون هذه الزعامة، والشيعة من حولهم ينضوون تحت ألوية أبناء علىّ وحدهم دون من سواهم من الهاشميين؟ لقد أخذوا يفكرون فى ذلك، ولم يلبثوا أن نفذوا إلى أمنيتهم المبتغاة عن طريق فرقة الكيسانية الشيعية التى تكونت حول ابن الحنفية، فقد استوطن ابنه أبو هاشم -الذى ورث عنه زعامة هذه الفرقة وإمامتها-بلدة الحميمة ببلقاء الشام ونزلها معه على بن عبد الله بن العباس وأسرته، وسرعان ما توثقت الصلة بين ابنه محمد وبين أبى هاشم، ورأى فيه أبو هاشم خير خلف له على جماعته، فلما حضرته الوفاة سنة ثمان وتسعين للهجرة أوصى له وصية صريحة بالإمامة من بعده. وبذلك وجد محمد ركيزة يعتمد عليها فى إثبات حقه فى الخلافة، وكان حصيف الرأى بعيد

стр. 913

النظر، فعمد توّا إلى تنظيم الدعوة العباسية سرّا من مقرّه فى الحميمة متخذا من الكوفة دار التشيع ومستقره مهدا لها ومركزا (١)، ووضع خطة تنظيمها هناك فى يد ميسرة، وجعل له الإشراف على الدعوة بخراسان حيث كان الموالى هناك يمتلثون سخطا وموجدة على الأمويين الذين كانوا لا يزيلون عنهم ظلما إلا ليقيموا مكانه ظلما أشد عنفا. وقد اتخذ دعاته هناك من التجار وكانوا أخلاطا من عرب وموال، فمضوا يثيرون الناس هناك ضد بنى أمية مصورين ما ينبغى أن يسود فى الأرض من العدل وإزالة الظلم، ومات ميسرة سنة ١٠٥ فأقام محمد بن على مكانه بكير (٢) بن ماهان، وكان لا يقل عن سلفه دهاء ونهوضا بعظائم الأمور، فوثّق الدعوة ونظمها بخراسان خير تنظيم. وتوفى الإمام محمد بن على سنة ١٢٥ عاهدا بالإمامة من بعده لابنه إبراهيم فارتضاه الدعاة وتوفّى على إثره بكير فخلفه على الدعوة صهره أبو سلمة (٣) الحلاّل، فجدّ فى الأمر وجدّ معه الدعاة. وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك قد ولى الخلافة، وكان مدمنا للخمر منادما للفسّاق والمغانى، وكأنما كان إشارة الوقت لما أدرك الخلافة الأموية من ضعف وفساد، فاستغل ذلك أيما استغلال دعاة أبى سلمة فى خراسان، فقد بدا فى وضوح فساد الحكم كما بدا فساد النظم الاجتماعية التى رزح الموالى تحت أثقالها الباهظة. وتراءى حينئذ فى الأفق أن سلطان البيت الأموى يؤذن بالسقوط، لا لما انتشر فيه من فساد الترف فحسب، بل أيضا لما نشب من خلاف عنيف بين أفراده، إذ لم يلبثوا أن قتلوا الوليد وأخذوا يتطاحنون على عرش الخلافة تطاحنا مرّا، وتغلّب بأخرة مروان بن محمد، غير أنهم نابذوه وثاروا ضده، وانتهز الخوارج الفرصة، فنازلوه فى الموصل وفى اليمن والحجاز. وفى هذه الأثناء تولى أبو مسلم الخراسانى قيادة (٤) الدعوة فى موطنه، وكان من دهاة الرجال ومن أكفئهم فى النهوض بجلائل الأعمال، فأخذ يصور للناس فساد الحكم الأموى وما يسومهم به من خسف وظلم وكيف أنه سيملّكهم الأرض ويجعلهم

стр. 914

سادة بعد أن كانوا عبيدا مسترقيّن والناس يسمعون له ويحفّون به وينضمون إلى دعوته حتى كثف جمعهم وحتى غدا نزاله لنصر بن سيار والى الأمويين هناك قاب قوسين أو أدنى. غير أنه رأى أن يتمهل قليلا قبل أن يبدأ مغامرته الخطيرة متخذا لها من الأسباب ما يكفل النجاح المحقق، ولم يلبث أن عمد-بدهائه-إلى الإيقاع بين الكرمانى ومن معه من القبائل اليمنية وبين نصر بن سيار ومن معه من القبائل المضرية، واشتعلت الحروب بين الفئتين، وسفك فيها كثير من الدماء. حتى إذا وهنت قوة نصر أعلن أبو مسلم الثورة عليه وعلى من وراءه من الأمويين، وأخذت رايات العباسيين السوداء تخفق فوق جنوده، وحواضر خراسان تسقط-واحدة إثر أخرى-فى يده. ويستصرخ نصر بن سيار مروان بن محمد وابن هبيرة واليه على العراق أن يمداه بالنجدات، ولكنهما كانا فى شغل عنه بثورات الخوارج فى العراق وغير العراق، ويموت كمدا بين الرى وهمذان. وتتقدم جيوش أبى مسلم بقيادة قحطبة وابنه الحسن مستخلصة المدن والحصون مدينة مدينة وحصنا حصنا، وما تلبث أن تقتحم العراق ويسرع ابن هبيرة للقائها عبر الفرات، ويحاول قحطبة أن يتجنبه متجها إلى الكوفة، ثم يلتقى به فتدور عليه-كما دارت على نصر بن سيار من قبله-الدوائر، فينحاز بجيشه إلى واسط. ويقتل قحطبة فى ظروف غامضة، ويتولى القيادة بعده ابنه الحسن ويدخل الكوفة دون أن يلقى أى مقاومة، وحينئذ تبرز إلى النور حكومة بنى العباس السرية وعلى رأسها أبو سلمة الخلال. وكان مروان بن محمد قد قبض-قبل دخول الحسن بن قحطبة الكوفة بوقت قصير-على إبراهيم بن محمد الإمام، إذ عرف أنه هو الذى يدبر هذه الثورة من مقره فى الحميمة، وعرف إبراهيم أنه قاتله، فعهد بالأمر من بعده إلى أخيه أبى العباس السفاح. وقتل إبراهيم، ونقلت الأنباء إلى أبى العباس دخول الحسن ابن قحطبة الكوفة، فخرج إليها فى أهله يتقدمهم أعمامه: داود وعيسى وصالح وعبد الله وإسماعيل وعبد الصمد، وأخوه أبو جعفر، وابن عمه عيسى بن موسى ابن محمد. وظل العباسيون-طوال المدة السرية لدعوتهم-لا يذكرون للناس أنهم طلاّب خلافة، إنما يذكرون لهم أنهم يطلبون إسقاط الدولة الأموية الجائرة التى

стр. 915

طالما أرهقتهم بعسفها وظلمها وطالما احتكرتهم لمآربها وشهواتها مع الاستبداد بالشعب واستعباده ومع ما يعيش فيه الأمويون من ترف بالغ أفسد أداة الحكم إفسادا لا صلاح لها بعده إلا بمحوهم محوا. وبذلك وارى العباسيون أشخاصهم وقدموا القضية التى نصبوا أنفسهم للدفاع عنها، قضية نصرة الحكم الصالح ونصرة الحق والعدل على الباطل والظلم المتصل. ولكى يحكموا خطتهم كانوا لا يأخذون البيعة لأنفسهم بالخلافة، إنما يأخذونها لإمام رضا (١) من آل البيت النبوى، حتى لا يثيروا أبناء عمهم العلويين عليهم، بل حتى يجمعوهم تحت لوائهم. وكانوا يشيعون دائما أنهم نهضوا لهذا الأمر كى يثأروا للشهداء من أبناء فاطمة الزهراء. وكان أبو سلمة الخلال الذى لقبوه بلقب «وزير آل محمد» يرى أن يختار للخلافة أحد أحفاد على بن أبى طالب، ومن أجل ذلك أخفى أمر أبى العباس وأهله حين نزلوا الكوفة وعزلهم عزلا تامّا عن جند خراسان، غير أن أبا العباس استطاع الاتصال بأبى مسلم إذ وجّه إليه من أطلعه على نوايا أبى سلمة، فأرسل إليه وفدا من زعماء الدعوة بخراسان سلموا عليه بالخلافة، واضطرّ أبو سلمة اضطرارا أن يعلن تأييده (٢) له، واتّجه أبو العباس توّا إلى المسجد الجامع فى الكوفة، فبايعه الناس، وارتقى المنبر، فاشرأبّت إليه الأعناق وأصغت إليه الآذان، فإذا هو يحتج بآى القرآن الكريم على أن بيته العباسى أحق بالخلافة من بيت العلويين. وكان متوعكا فانقطع عن متابعة الكلام، وتابعه عمه داود متحدثا باسمه ومؤكدا فضل الخراسانيين فى تحرير الأمة من نير الأمويين (٣)، ومن حكمهم الباغى الفاسد. ولم يطمئن أبو العباس لمقامه فى الكوفة، دار العلويين من قديم، فتحول عنها إلى معسكر الخراسانيين، ثم فارقه إلى الحيرة وأخذ فى بناء الهاشمية لتكون مقر سلطانه، وأغرى أبا مسلم الخراسانى بأبى سلمة فدسّ إليه من قتله (٤). وكانت الجيوش قد اتجهت لمتابعة حرب مروان بن محمد بقيادة عبد الله بن على عم السفاح، فالتقت به على الزاب شمالى العراق، وهزمته هو وجيشه هزيمة

стр. 916

ساحقة، فولّى مع بعض فلول جيشه حتى حران وتركها إلى نهر أبى فطرس بفلسطين والأردن. وتبعه عبد الله بن على، وتلقاه بلدان الشام بالتهليل والترحيب إلا ما كان من دمشق ولكنها سرعان ما انقادت له. وبرحها إلى نهر أبى فطرس، فإذا مروان قد آوى إلى مصر، فأرسل وراءه أخاه صالحا فما زال يفر أمامه من بلدة إلى بلدة حتى لقى حتفه فى بوصير من بلدان الصعيد لأواخر سنة ١٣٢ للهجرة. وكان لا يزال يزيد بن عمر بن هبيرة يقاوم فى واسط، وقد ضرب من حوله الحصار، حتى إذا جاءه نعى مروان بن محمد أخذ يفاوض العباسيين فى التسليم لهم، وسرعان ما عقدوا له أمانا فتح على إثره أبواب واسط، غير أنهم عادوا ففتكوا به وبكثيرين ممن كانوا معه (١). وتذكر كتب التاريخ والأدب أن العباسيين مضوا يفتكون بأفراد البيت الأموى فتكا ذريعا يريدون أن يستأصلوهم من الأرض استئصالا، حتى ليتخذ ذلك شكل احتفالات دامية، وكان أول من بدأها عبد الله بن على إذ دعا فى أبى فطرس نحو ثمانين منهم إلى وليمة، ولم يكادوا يجتمعون لها حتى انبري بعض الشعراء يحرضونه على الفتك بهم ثأرا للإمام إبراهيم بن محمد ومن قتلوا من العلويين والهاشميين، فأمر بهم جميعا أن يضربوا بالعمد حتى يلقوا حتفهم (٢) نكالا لهم ولآبائهم. وصنع صنيعه بجماعات أخرى منهم السفاح وعماه داود وسليمان (٣)، وكأنهم لا يريدون أن يبقوا على وجه الأرض أحدا منهم، وحتى موتاهم لم يفلتوا من هذا العقاب الصارم، إذ يقال إنه نبشت قبور خلفائهم-ما عدا قبرى معاوية وعمر ابن عبد العزيز الخليفة الورع-وحرّقت بقايا جثثهم بالنار تحريقا (٤). وكان هذا البطش الذى لا يبقى ولا يذر دافعا لعبد الرحمن الداخل حفيد هشام بن عبد الملك إلى أن يلوذ بالفرار إلى الأندلس حيث أسس بها دولة أموية جديدة ظلت نحو ثلاثمائة عام. وعلى هذا النحو ظفرت الثورة العباسية بالبيت الأموى الذى كانت نفوس الرعية تمتلئ سخطا وحفيظة عليه لما أذاقهم من الظلم، ولما حرمهم من الإنصاف

стр. 917

والعدل الاجتماعى، ولما ازدرى من الحق والواجب. ورأى العباسيون أن يتخذوا من العراق موئلا لخلافتهم، فعلا نجمه، بينما هوى نجم الشام إذ أصبحت ولاية تابعة له بعد أن كان يتبعها. واتخذ السفاح-كما أسلفنا-الهاشمية مقر الدولة، ولم يلبث أبو جعفر المنصور أن اختار قرية صغيرة على الضفة الغربية لدجلة لتكون حاضرة الخلافة، هى بغداد. ٢ - بناء بغداد ثم سامرّاء رأى أبو جعفر المنصور أن يبتعد بحاضرة دولته عن الكوفة مركز العلويين من قديم حتى يأمن على نفسه مما قد ينشب فيها من ثورات، وحتى يعزل جنده عن أهلها فلا يفسدوهم. وكان مما دفعه إلى ذلك ثورة الراوندية، وهم نفر من شيعته كانوا يؤمنون بتناسخ الأرواح، وحدث أن اجتمعوا بالهاشمية هاتفين بأن المنصور ربهم، فلما خرج إليهم ينهاهم عن سوء معتقدهم تدافعوا إليه كالموج، وكادوا يفتكون به لولا دفاع معن بن زائدة الشيبانى عنه وحسن بلائه (١). ولما انتهت هذه الفتنة رأى المنصور-بثاقب نظره-أن يحوّل حاضرته من الهاشمية إلى موضع يأمن فيه الفتن، فبعث بجماعة من أصحابه يرتادون له المكان الذى يبتنى به مدينته المحصنة الجديدة، وخرج بنفسه يرتاد معهم. وأعجبته بقعة بغداد التى لا تبعد كثيرا عن موقع بابل القديمة، فأحضر صاحبها وأصحاب القرى المجاورة لها من بطارقة ورهبان، وأخذ يسألهم عن أحوالها، فانبرى صاحبها يذكر له أنه يحفّ بها أربعة طساسيج (٢): طسوجان فى الجانب الغربى هما قطربّل وبادوريا، وطسوجان فى الجانب الشرقى هما: نهر بوق وكلواذا، فإن أجدب طسوج أخصب طسوج ثان. ثم ذكر له قربها من الفرات وما يحمل فيه من طرائف الشام والمغرب ومصر ووقوعها على دجلة وما يحمل فيه من متاجر البصرة التى

стр. 918

تأتيها من المحيط الهندى وأيضا ما يحمل فيه من عروض أرمينية والجزيرة والموصل وما وراءه، وكيف أنها محجوزة وراء دجلة وأمام الفرات وكأنهما سدان منيعان أمام الأعداء، ثم هى وسط فى سواد العراق وبين مدنه. حينئذ اعتزم المنصور اتخاذ تلك القرية المسماة ببغداد عاصمة الدولة، وقد اختلف الباحثون فى أصل اسمها، فقال فريق إنه اسم فارسى وقال آخرون إنه اسم آرامى (١)، وسماها المنصور «دار السلام» أخذا من قوله جلّ وعزّ، (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) وبهذا الاسم كانت تضرب النقود العباسية. وقد كانت منطقتها موئلا لحضارات مختلفة إذ كانت تلتقى بها قبل الإسلام الحضارات: الكلدانية والفارسية والآرامية، وكانت تنبث حواليها أديرة كثيرة. وعنى المنصور عناية بالغة ببناء حاضرته، بل قلعته الحصينة، فأحضر لها المهندسين والفعلة والصناع من أطراف الأرض، ومثّل لهم صفتها التى فى نفسه، وهى أن تكون مدوّرة على شاكلة المدن الفارسية والآشورية القديمة، ووضع أول لبنة فيها بيده سنة ١٤٥ قائلا: «بسم الله، والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ويقال إنه جلب إليها كثيرا من مواد البناء التى كانت لا تزال قائمة فى المدائن حاضرة الساسانيين. وظل البناء قائما بها حتى سنة ١٤٩. ويمكن إجمال وصفها فى أنه كان يستدير حولها خندق (٢) كبير وسوران شاهقان عريضا الجدران وراءهما سور داخلى مبالغة فى تحصينها. وفتح فى كل سور أربعة أبواب متساوية الأبعاد: باب الشام فى الشمال الغربى ويقابله باب البصرة فى الجنوب الشرقى على الصراة التى تأخذ من الفرات وتمضى حتى تتصل بدجلة، وباب خراسان فى الشمال الشرقى بحذاء دجلة ويقابله باب الكوفة فى الجنوب

стр. 919

الغربى. وكان على كل باب خارجى مجلس يصعد إليه على الخليل وقباب مذهبة فى رأسها تماثيل تتجه مع الريح، وكان بين كل قبتين ثمانية وعشرون برجا مجهزة بأدوات الدفاع عن المدينة. وبنى فى الرحبة الداخلية مسجد كبير، وبنى بجواره قصر المنصور المسمى باسم قصر الذهب، وقد أقيم فى صدره إيوان شامخ يتصل بإيوان مثله جعلت فوقه قبة عظيمة عرفت باسم القبة الخضراء، وكان يعلوها تمثال فارس بيده رمح ولا يزال الفارس يدور مع الريح. وبنيت دور كثيرة للدواوين والخزائن. وأقطع المنصور قواده كثيرا من القطائع داخلها، ومن أجل ذلك نسبت دروبها إليهم، وأقطع الجند أرباضها كما أقطع أهل بيته أطرافها، وابتنى لنفسه قصرا صيفيّا على دجلة وراء باب خراسان سماه «قصر الخلد». وأجرى الماء إليها فى قناتين بطنّتا وغطّيتا بخشب الساج حتى لا تلوّثهما دواب السقائين، وتعددت فيها وفى ضواحيها بعد ذلك القنوات. وفى سنة ١٥١ أمر المنصور بإنشاء معسكر للمهدى أمامها شرقى دجلة، جعل له سورا وخندقا، ومن ورائهما قصر الرصافة بناه للمهدى. وسرعان ما أنشأ كبار القواد حول القصر منازل لهم وتكاثرت الأبنية وضمّ إليها كثير من الأرباض بحيث أصبح هذا المعسكر شطر بغداد الشرقى. ووصل المنصور بين الشطرين بجسرين كبيرين من السفن. وبذلك اتسعت بغداد فشملت المدينة المدورة فى الغرب والرصافة فى الشرق، كما شملت أرباضا ومحال كثيرة من أهمها محلة الحربية نسبة إلى حرب أحد قواد المنصور، ومحلة الكرخ وبها كانت أسواق التجار ودور الملاهى. ومن محلاتها الشرقية محلة الشماسية، وبها ابتنى البرامكة كثيرا من قصورهم. وما لبثت بغداد أن اصبحت أهم مدينة فى العالم العربى، إذ بنيت بها مئات المساجد وعشرات القصور الفخمة، وتكاثر بها التجار والصناع، وكان لكل طائفة منهم شارع خاص أو سوق خاصة، فهذا سوق العطارين وذاك سوق البزازين، وهذا سوق الصيارفة مستبدلى النقود وذاك سوق الورّاقين، وهذا سوق بائعى الحلى والطرف المعدنية وذاك سوق الرقيق المكتظ بالجوارى من كل جنس. وأمّها المغنون والمغنيات، ونزلها الأدباء والعلماء من كل صنف وعلى كل لون. فزخرت بالحياة، تزينها البساتين الملحقة بالدور والقصور والمتنزهات وميادين اللعب بالصولجان وغيره،

стр. 920

كما تزينها القوارب التى كانت تتلألأ على صفحات دجلة بأشكالها المتنوعة من طيارات وسميريات وحديديات وحراقات وزلالات وجعفريات. ولم تزل بغداد حاضرة للخلفاء العباسيين حتى استكثر المعتصم فى عسكره من الترك وآذوا العامة بما كانوا يجرون من خيلهم فى الأسواق والشوارع، فكانوا يرصدونهم ويقتلونهم. حينئذ رأى المعتصم أن يعتزل بجنده فى موضع ناء عن بغداد، حتى يبعد أذاهم عن العامة، ولم يزل يتخير لهم موضعا حتى انتهى إلى سامراء شرقى دجلة بين بغداد وتكريت، فأعجبه موقعها، وكان بها دير كبير فاشتراه من أصحابه، وأخذ فى بنائها سنة ٢٢١ واختلف الباحثون فى اسمها، كما اختلفوا فى بغداد، فقيل هو اسم فارسى، وقيل: بل هو آرامى (١). وأمر المعتصم أن تسمى «سرّ من رأى» وبهذا الاسم كانت تضرب النقود العباسية. وقد أحضر لها المعتصم المهندسين والفعلة والصناع من سائر الأمصار وابتدأ فيها ببناء قصره (٢) المسمى بالجوسق وابتنى بجواره مسجدا كبيرا، كما ابتنى دورا مختلفة للدواوين، وأخرى لقواده ورجال حاشيته وموظفيه الكبار. وابتنى لجنده قطائع فى المسطيرة جنوبيها، واختطّ فيها الشوارع والدروب، وأفرد لأهل كل صناعة وتجارة سوقا خاصة بهم. فارتفع بها البنيان وكثرت العمارة، ويقال إن المعتصم حمل إليها الساج وسائر الخشب من البصرة والرخام من أنطاكية واللاذقية. وأجرى فيها قنوات تأخذ من دجلة، وعقد عليه جسرا يصلها بجانبه الغربى، وأنشأ بها كثيرا من المتنزهات والملاعب. ويقال إنه جلب إليها الغروس من البصرة ومن الشام وخراسان وسائر البقاع. وظل الخلفاء بعد المعتصم يقيمون بها حتى سنة ٢٧٦ إذ تحولوا منها إلى بغداد، وكان ذلك سببا فى أن أسرع الخراب إليها، فلم يكد يتقدم القرن الرابع الهجرى حتى أصبحت أطلالا ورسوما إلا ما كان من مسجدها الذى تأنق المعتصم فى بنائه حتى قال المقدسى إنه يفضل مسجد الوليد بن عبد الملك بدمشق فى عمارته، ولا تزال مأذنته الشاهقة قائمة إلى اليوم.

стр. 921

٣ - النظم السياسية والإدارية كان تحول الخلافة من دمشق إلى بغداد على سواعد الجيوش الخراسانية إيذانا بغلبة الطوابع الفارسية على نظم الحكم السياسية والإدارية للدولة العباسية، فقد قامت فى المجال الفارسى وعاشت تتنفّس فيه. وقد بلغ الفرس قبل الفتوح الإسلامية مرتبة عالية فى تنظيم الحكم، حتى لنرى العرب بعد فتح ديارهم يسارعون إلى التأثر بهم فى هذا التنظيم، فقد روى الرواة أن عمر بن الخطاب اتخذ ديوان العطاء أو ديوان الجند، مقتديا فيه بصنيع الساسانيين، يقول ابن الطقطقى: «لما كانت سنة خمس عشرة من الهجرة، وهى خلافة عمر رضى الله عنه، رأى أن الفتوح قد توالت وأن كنوز الأكاسرة قد ملكت وأن الحمول من الذهب والفضة والجواهر النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت، فرأى التوسيع على المسلمين وتفريق تلك الأموال فيهم، ولم يكن يعرف كيف يصنع وكيف يضبط ذلك، وكان بالمدينة بعض مرازبة الفرس فلما رأى حيرة عمر قال له: يا أمير المؤمنين إن للأكاسرة شيئا يسمونه ديوانا جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذ منه شئ، وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل. فتنبّه عمر رضى الله عنه، وقال: صفه، فوصفه المرزبان. ففطن عمر لذلك ودوّن الدواوين وفرض العطاء (١)». وكان هذا الديوان الأصل الذى تأسست عليه الأداة الحكومية للخلافة الإسلامية. وارتضى عمر لولاته فى الشرق أن يستعينوا فى جمع الخراج بنفس عمّال الفرس الذين كان يستعين بهم الساسانيون فى جمع الضرائب وهم المسمون بالدهاقين لخبراتهم التامة بكل الشئون المتصلة بهذا الجمع، وخاصة من حيث تقدير الخراج. وبذلك استمرت فى أيدى هؤلاء الدهاقنة سجلاّت الخراج الإسلامى، وظلوا يكتبونها بالفارسية حتى أمر عبد الملك بن مروان بتعريبها فى العراق، كما أمر بتعريب الدواوين الرومية فى الشام ومصر. وصدع الحجاج واليه على العراق بأمره فعرّبها،

стр. 922

غير أنها ظلت لا تعرّب فى خراسان حتى سنة ١٢٤ وهى السنة التى أمر فيها نصر ابن سيار بتعريبها هناك. وعلى هذا النحو استعان العرب منذ أوائل الفتوح فى العراق وخراسان بدهاقنة الفرس فى إدارة شئون الخراج وجبايته. ولم يتوسع عمر فى الاقتباس من نظام الحكم الساسانى، فإنه لم يتعدّ فى اقتباسه ديوان العطاء، أما نظام الحكم الوراثى الذى كان متبعا عند القوم فإنه لم يخطر بباله، إذ أبقى الخلافة على أساس شورى انتخابى تؤخذ فيه البيعة للخليفة، حتى إذا كان عهد معاوية رأيناه يتأثر هذا النظام، فيجعل الخلافة وراثية فى بيته، وتبعه على ذلك مروان بن الحكم وأبناؤه. وتوسع معاوية بجانب ذلك فى التأثر بنظم الدواوين الفارسية، فاتخذ ديوانا للخاتم وديوانا للرسائل محاكيا بذلك الدواوين الساسانية. وإذا انتقلنا إلى العصر العباسى وجدنا النظم الساسانية تنتقل بحذافيرها فى كل شئون الحكم، وكأنما أصبح الخليفة العباسى ملكا ساسانيّا، فهو يحكم حكما مطلقا وهو حكم ينتقل بالوراثة ويطبعه الدين كما كان يطبع الحكم الساسانى، إذ كان الساسانيون يعدون أنفسهم رؤساء للدين وحماة له وحرّاسا. وكان العباسيون من بيت النبوة، فكانوا يعدون أنفسهم ورثة الخلافة الشرعيين، واتخذوا من علماء الفقه والكلام سندا لهم فيما يزعمون، وهو زعم باطل، لأن الولاية العامة على المسلمين لا تورث، وإلا ورثها العباس عم الرسول بعده، ولم يرثها أبو بكر الصديق، وحتى الأموال والأعيان التى تركها الرسول لا تورث، لما صح فى الحديث النبوى من قوله ﵇: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة». وإذا كان هذا الإرث ممنوعا فى الأعيان والأموال فمنعه فى ولاية الأمة ألزم وأوجب، إذ ينبغى أن يتولاها الكفء الصالح على نحو ما تولاها أبو بكر وعمر. ومهما يكن فقد أقام العباسيون خلافتهم على أنهم أحق الناس بإرث الرسول، ومضوا يحيطون أنفسهم بهالة كبيرة من التقديس كان لها أسوأ الأثر فى خنوع الناس وخضوعهم للظلم والفساد، ونعجب أن نرى الفقهاء والأتقياء الذين كانوا يعارضون بنى أمية ويعدونهم دنيويين ظالمين ينصاعون انصياعا أعمى للعباسيين ويعدّونهم رؤساء شرعيين للأمة من الناحيتين الزمنية والروحية.

стр. 923

وقد أخذ العباسيون يلقون-على شاكلة الساسانيين-فى وعى الناس أنهم أصحاب حق إلهى فى الحكم فهم «سلطان الله فى أرضه (١)». وأحاطوا أنفسهم -على مثالهم-بنظام تشريفات معقد، مختفين عن أعين الناس وراء أستار صفيقة، ومتخذين كثيرين من الحجّاب أو رؤساء التشريفات. وبذلك لم يعد العرب يدخلون على الخلفاء كلما أرادوا كما كان الشأن فى عصر بنى أمية، بل لا بد لهم قبل الدخول عليهم من استئذان هؤلاء الحجاب، وكانت كثرتهم من الأعاجم الذين احتكروا لأنفسهم أكثر شئون الحكم. وكان الخليفة يستقبل من يدخل عليه وكبير حجّابه فى جانب، وفى جانب آخر كبير حراسه المعروف باسم الجلاد (٢) والنّطع دائما أمامه، فمن غضب عليه أطاح برأسه توّا. وبذلك أصبحنا إزاء حكم استبدادى أشد ما يكون الاستبداد، حكم لا يحسب فيه أى حساب للرعية، فهى أدوات مسخرة للحاكم، وليس لها من الأمر أى شئ، ففى يده كل الأمر وكل السلطان، يولى الولاة والقضاة والوزراء والقواد وأصحاب الشرطة والمحتسبين الذين يراقبون الأسواق، ويعزلهم جميعا، حسب مشيئته وهواه. وكان يختار الوالى غالبا من أهل بيته أو من أكفاء حاشيته وخاصة الأعاجم، وكذلك كان يختار قواده. ومن البيوت العربية التى لمعت فى العصر بيت المهلبيين وبيت معن بن زائدة الشيبانى. واتسع الخلفاء فى محاكاة الدواوين الساسانية، وكان فى كل ولاية ديوان للخراج يقوم عليه موظف كبير ينفق منه على الولاية ويرسل ما تبقى من الأموال إلى بغداد حيث كان بها لكل ولاية ديوان خاص، ويسمى مجموع هذه الدواوين باسم ديوان الزمام أو بيت المال، وقد ولّى عليه السفاح خالد بن برمك كما ولاه على ديوان الجند (٣) الذى كان يعنى برواتبهم. وكان لدار الخلافة ديوان خاص يقوم على نفقاتها. ومن أهم الدواوين ديوان الرسائل الذى لعب دورا خطيرا فى نهضة النثر العربى، وكانت تصدر عنه رسائل الخلفاء. وكان بجواره ديوان الخاتم الذى تختم فيه تلك الرسائل بعد مراجعتها، وديوان التوقيع وهو خاص بالنظر

стр. 924

فى المظالم ورقاع أصحاب الشكوى وكانوا يسمونها باسم القصص، وكان من عادة ملوك الفرس ووزرائهم أن يوقعوا عليها بعبارات موجزة بليغة، فجاراهم خلفاء بنى العباس ووزراؤهم فى هذا الصنيع. وكان هناك ديوان كبير على رأسه صاحب الخبر، وكانت تأتيه أخبار الولايات بواسطة موظفين مهمتهم أن يوافوه بكل ما يجرى فى الولايات من أحداث وأسعار، وهم يشبهون-فى عصرنا-أدق الشبه مراسلى الصحف ومندوبيهم. وكانوا يحصون كل كبيرة وصغيرة للوالى ومن وراءه من قواد الجيش والقضاة وعمال الخراج والمحتسبين ورجال الشرطة ويبلغونها إلى صاحبهم، وهو بدوره يبلغها إلى الخليفة (١). وقد أحكم هذا النظام للبريد إحكاما دقيقا، فكان هناك رسل موقوفون على حمل تلك الأخبار فى سرعة شديدة على خيل مضمرات توجد فى عدة أماكن على الطرق الممتدة من الولايات إلى بغداد. وقد ألّفت من أجلهم كتب المسالك والممالك المشهورة لابن خرداذبة وغيره، وهى كتب تفيض بوصف الأحوال الجغرافية والاقتصادية لولايات الدولة وبلدانها المختلفة فى المشارق والمغارب. وليس هذا كل ما أخذه العباسيون عن ملوك بنى ساسان من النظم الإدارية والسياسية، فقد أخذوا عنهم أيضا نظام الوزارة، وكلمة وزير عربية فقد وردت فى القرآن الكريم يقول جلّ شأنه على لسان موسى: (واجعل لى وزيرا من أهلى هرون أخى) ومعناها فى الآية الكريمة المؤازر والمساعد، غير أنها أخذت تطلق منذ فاتحة العصر العباسى على المستشار الأول للخليفة فى إدارة شئون دولته. وهى وظيفة كانت معروفة فى الدولة الساسانية، إذ كانوا يقيمون-لاحتجابهم عن الرعية-وسطاء يصرّفون أمور الدولة ويرسمون سياستها ويعيّنون موظفيها، ومن أشهرهم بزرجمهر وزير أنوشروان الذى عرف بحكمته وحنكته. وكأن العباسيين رأوا أن يجاروهم فى هذا النظام، فاتخذوه لأول مرة فى تاريخ الخلافة العربية، وأطلقوا على صاحبه اسم الوزير، يقول ابن الطقطقى: «الوزير وسيط بين الملك ورعيته، فيجب أن يكون فى طباعه شطر يناسب طباع الملوك، وشطر يناسب طباع العوام، ليعامل كلا من الفريقين بما يوجب له القبول والمحبة والأمانة. . .

стр. 925

والوزارة لم تتمهد قواعدها وتتقرر قوانينها إلا فى دولة بنى العباس، فأما قبل ذلك فلم تكن مقنّنة القواعد ولا مقررة القوانين، بل كان لكل واحد من الملوك أتباع وحاشية، فإذا حدث أمر استشار ذوى الحجى والآراء الصائبة، فكل منهم يجرى مجرى وزير. فلما ملك بنو العباس تقررت قوانين الوزارة وسمى الوزير وزيرا وكان قبل ذلك يسمّى كاتبا أو مشيرا» (١). وقلما نجد للعباسيين وزيرا غير فارسى، وهو شئ طبيعى، إذ كانوا هم الذين يستأثرون بشئون الخلافة ويرقون إلى أعلى المناصب، وقد أحكموا للعباسيين هذا النظام وصاغوه صياغة على قوانينه الساسانية. وأول من اتخذه العباسيون وزيرا منهم أبو سلمة الخلاّل حتى إذا قضى نحبه اتخذ السفاح بعده خالد بن برمك، وكان قد جلّى تحت لواء أبى مسلم فى حروبه ضد بنى أمية، وأظهر بسالة وحنكة حربية. وهو ينحدر من أسرة كانت تقوم على سدانة معبد النوبهار البوذى فى بلخ. واتصلت وزارته فى عهد المنصور وناط به حكم بعض الولايات وقيادة بعض الجيوش فأظهر كفاءة نادرة، وولى ابنه يحيى أذربيجان فنهض بولايتها خير نهوض. وولى المهدى بعد أبيه المنصور، فاستدعى يحيى إلى بغداد ووصله بابنه هرون كاتبا له ومستشارا، وتوفّى المهدى وولى بعده ابنه الهادى، فحاول أن يخلع أخاه هارون عن ولاية العهد، غير أن يحيى البرمكى عرف بسعة حيلته كيف يصرفه عن فكرته، وكان لذلك وقع حسن فى نفس الرشيد، حتى إذا صارت الخلافة إليه خاطبه بالأبوة إجلالا له قائلا: «يا أبت أنت أجلستنى هذا المجلس ببركة رأيك وحسن تدبيرك وقد قلّدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقى إليك فاحكم بما ترى واستعمل من شئت واعزل من رأيت، وافرض (اعط راتبا) لمن رأيت، وأسقط من رأيت، فإنى غير ناظر معك فى شئ» (٢) ودفع إليه خاتم الخلافة، فصار بيده الحلّ والعقد، فقلّد ابنه الفضل المشرق كله من النّهروان إلى أقصى بلاد الترك، وقلّد ابنه جعفرا المغرب كله من الأنبار إلى إفريقية (٣). وشخص الفضل إلى عمله فأزال ما وقع على الناس من ظلم وبنى الحياض

стр. 926

والمساجد وزاد فى عطاء القواد والجند، أما جعفر فأقام بحضرة الرشيد وأرسل نوّابا عنه إلى أقاليم ولايته، إذ كان الرشيد لا يطيق صبرا على بعده عنه. وظل يحيى البرمكى وابناه جعفر والفضل يلون أمور الدولة سبعة عشر عاما كانوا هم المتصرفين أثناءها فى جميع شئونها، وأتاح ذلك لهم أن يصبغوها بصبغة فارسية خالصة، حتى إذا كانت سنة سبع وثمانين ومائة نكبهم الرشيد نكبتهم المشهورة، إذ أمر بقتل جعفر وحبس أبيه وإخوته ما عدا محمدا، ومات يحيى والفضل ابنه محبوس. واختلف المؤرخون وأصحاب السير فى هذه النكبة، فرّدها بعضهم إلى أسباب شخصية، وردّها ثانون إلى أنهم جردوا الرشيد من كل سلطان وكل أمر ونهى، وردّها ثالثون إلى أن الرشيد وقف على ما كانوا يبطنونه من الزندقة، ويظهر أن سببها الحقيقى يرجع إلى إطلاق جعفر لعلوى ثائر من محبسه، هو يحيى ابن عبد الله، كان قد استأمنه الرشيد عليه، فلم يوفّ أمانته (١). ونمضى إلى عصر المأمون فنجد أسرة بنى سهل الفارسية تتقلد منصب الوزارة له، وتمكّن بدورها للتقاليد الفارسية فى الحكم، وكان أول من وليها منهم الفضل ابن سهل الملقب بذى الرياستين: رياسة السيف والقلم، وكان قهرمانا ليحيى بن خالد البرمكى يلى شئون بيته، أما أبوه سهل فكان مجوسيّا وأسلم. وقد لزم المأمون منذ حياة أبيه الرشيد ودبّر أموره حتى أفضت الخلافة إليه فاستوزره، ويروى الرواة أنه كان إذا دخل عليه وهو لا يزال بمرو «يجلس على كرسى مجنّح ويحمل فيه، فلا يزال يحمل حتى تقع عين المأمون عليه، فإذا وقعت وضع الكرسى ونزل عنه، فمشى. وحمل الكرسى حتى يوضع بين يدى المأمون، ثم يسلّم، ويعود فيقعد على الكرسى. وإنما ذهب ذو الرياستين فى ذلك إلى مذهب الأكاسرة فإن وزيرا من وزرائها كان يحمل فى مثل ذلك الكرسى ويقعد بين أيديها عليه». (٢) فحتى تقاليد وزراء الساسانيين فى دخولهم على الأكاسرة وجلوسهم بين أيديهم كانت تحاكى محاكاة دقيقة. وكان من رسم ملوك الفرس أن يلبس أهل كل طبقة ممن فى خدمتهم لبسة لا يلبسها أحد ممن فى غير تلك الطبقة، فإذا وصل الرجل

стр. 927

إلى الملك عرف بلبسته صناعته والطبقة التى هو فيها» (١). وطبّق العباسيون هذا الرسم على موظفيهم تطبيقا دقيقا حكاه الحاحظ إذ يقول: «ولكل قوم زىّ، فللقضاة زىّ، ولأصحاب القضاة زىّ وللشرط زىّ، وللكتّاب زىّ، وللكتّاب الجند زىّ. . . وأصحاب السلطان ومن دخل الدار على مراتب، فمنهم من يلبس المبطّنة، ومنهم من يلبس الدّرّاعة (٢)، ومنهم من يلبس القباء (٣)، ومنهم من يلبس البازيكند (٤) ويعلق الخنجر ويأخذ الجرز (٥) ويتخذ الجمّة» (٦) وكان الفقهاء يلبسون المبطّنة والطيلسان (٧) والقلانس (٨) فتقاليد الساسانيين حوكيت حتى فى أزياء رجال الحاشية والموظفين وطبقاتهم، وكان ما دخل منها فى شئون الحكم أقوى قوة، مما دفع كثيرين من الفرس إلى ترجمة الكتب التى تصورها عن لغتهم، وعمل ابن المقفع فى هذا الميدان ذائع مستفيض، فقد نقل إلى العربية طائفة من الكتب والرسائل التى تتصل بالحكم الساسانى ورسومه من مثل كتاب «آيين نامه» ومعنى آيين النظم والتقاليد. ولم يقف عمله فى هذا الصدد عند الترجمة، فقد نقل فى رسائله القصيرة والطويلة كثيرا من وصايا الفرس فى السياسة والحكم على نحو ما يلقانا فى رسائله المعروفة باسم «الأدب الصغير» و «الأدب الكبير» و «رسالة الصحابة» وهو يريد بهم صحابة السلطان وحاشيته. وقد بعث البرامكة وبنو سهل-بعد ابن المقفع-المترجمين على نقل كثير من الكتب والرسائل التى تحمل تقاليد الساسانيين فى الحكم والسلطان وحقّا فقدت الكثرة الكثيرة من هذه الكتب، ولكن بقيت منها نصوص وفيرة تلقانا فى حديث الطبرى عن الفرس فى أوائل تاريخه الكبير وفى مقدمة كتاب الوزراء والكتاب للجهشيارى وفى عيون الأخبار لابن قتيبة. ولعلنا لا نغلو بعد ذلك كله إذا قلنا إن النظم السياسية والإدارية فى الدولة العباسية طبعت بطوابع فارسية

стр. 928

قوية، تحولت فى أثنائها الخلافة ملكا كسرويّا يقوم على الاستبداد والقهر والبطش الذى لا يعرف رفقا ولا لينا. ٤ - العلويون والخوارج مرّ بنا فى غير هذا الموضع أن العباسيين ظلوا طوال دعوتهم السرية يدعون للرضا من آل البيت. لكى لا يصطدموا بأبناء عمهم العلويين، وأيضا فإنهم أرادوا أن يثبّتوا الأصل الذى تعتمد عليه خلافتهم المبتغاة وهو ميراثها عن الرسول، فهى حق شرعى لآل بيته، وقد تحدثنا آنفا عما فى هذا الأصل من فساد، لأن الرسول لا يورث فى ماله فضلا عن الولاية العامة للمسلمين. ولم يكد العباسيون يستولون على مقاليد الخلافة، حتى أخذ العلويون يشيعون فى الناس أنهم اغتصبوها منهم، فهم ورثتها الحقيقيون، إذ هم أبناء بنت الرسول: فاطمة، وأبناء على ابن عمه. وردّ عليهم العباسيون بأنه ينبغى أن يرجع فى ذلك إلى أصل حكم الله فى المواريث، وما فرض فيها من حجب العم لابن العم وحرمان ابن البنت من ميراث جده لأمه، فهم يدلون للرسول بعمه العباس الذى آل إليه ميراثه، وهم لذلك أولو الأمر وأهله «خصّوا برحم رسول الله وقرابته ونشأوا من آبائه ونبتوا من شجرته» (١). وإذا كان العلويون يزعمون أن الرسول نصّ على إمامة على بن أبى طالب بعده وأن أبناءه ورثوا منه إمامته فقد زعم العباسيون أن الرسول قال لجدهم العباس: إن الخلافة تكون فى ولدك (٢). وأخذت الخصومة تشتد بين الفرعين الهاشميين فى أيهما أقرب إلى الرسول وأمس به رحما وأيهما أحق بميراث ولايته على الأمة، وسرعان ما أخذ المنصور يرصد العلويين فى دارهم: المدينة، ويضيق الخناق عليهم. وترامت إليه الأنباء بأن محمد بن عبد الله سليل الحسن بن على بن أبى طالب الملقب بالنفس الزكية يبث الدعاة له فى الحجاز والعراق، فأمر عامله على المدينة أن يجدّ فى طلب العلويين، وحجّ، فقبض على

стр. 929

جماعة منهم، وأوثقهم بالحديد، وحملهم معه إلى الحيرة، وهناك ألقى بهم فى سرداب تحت الأرض عند قنطرة الكوفة لا يعرفون ليلا ولا نهارا حتى ماتوا جميعا. ولا نصل إلى شهر رجب من سنة ١٤٥ حتى يعلن محمد بن عبد الله ثورته (١) ويغلب على المدينة وكان يحيى بن زيد بن على زين العابدين قد فوّض له الأمر من بعده (٢)، وأخيرا رأى إعلان الثورة على المنصور، وهى أول ثورة للزيدية. ويفزع المنصور فيكتب إليه كتابا يعرض عليه فيه الأمان له ولأهله وأن يعطيه ألف ألف درهم وينزل على أى بلد شاء. ويردّ عليه محمد بكتاب طويل يصور فيه اغتصابهم للخلافة من دون أصحابها الشرعيين فى رأيه قائلا: «إن الحق حقنا وإنكم إنما طلبتموه بنا ونهضتم فيه بشيعتنا. . وإن أبانا عليّا كان الوصى والإمام فكيف ورثتموه دوننا ونحن أحياء. . وإن الله ﵎ لم يزل يختار لى، فولدنى من النبيين أفضلهم محمد ﷺ ، ومن أصحابه أقدمهم إسلاما وأوسعهم علما وأكثرهم جهادا على بن أبى طالب، ومن نسائه أفضلهن خديجة بنت خويلد أول من آمن بالله وصلّى للقبلة، ومن بناته أفضلهن وسيدة نساء أهل الجنة». ولم يكد المنصور يقرأ هذا الكتاب حتى ردّ عليه بكتاب نقض فيه حجج النفس الزكية نقضا قائلا: «بلغنى كلامك فإذا جلّ فخرك بالنساء لتضلّ به الجفاة والغوغاء ولم يجعل الله النساء كالعمومة ولا الآباء كالعصبة (٣). . وإنكم بنو ابنة رسول الله وإنها لقرابة قريبة، غير أنها امرأة لا تحوز الميراث، ولا يجوز أن تؤمّ (فى الصلاة) فكيف تورث الإمامة من قبلها. . وأفضى أمر جدك إلى أبيك الحسن، فسلّمه إلى معاوية بخرق ودراهم، وأسلم فى يديه شيعته. . فإن كان لكم فيها شئ فقد بعتموه. . ولقد خرج منكم غير واحد، فقتلكم بنو أمية وحرّقوكم بالنار وصلبوكم على جذوع النخل حتى خرجنا عليهم فأدركنا بثأركم إذ لم تدركوه، ورفعنا أقداركم، وأورثناكم أرضهم وديارهم. . ولقد علمت أنه توفى رسول الله صلّى

стр. 930

الله عليه وسلم وليس من عمومته أحد إلا العباس فكان وارثه دون بنى عبد المطلب» (١). ولما لم تجد المفاوضة أرسل المنصور إلى النفس الزكية جيشا بقيادة ابن أخيه عيسى بن موسى، فالتقى به وبمن معه قرب المدينة، واحتدم القتال، فانهزم الناس عن النفس الزكية، وأحيط به فلم يستسلم ولم يلق السلاح، بل قاتل حتى قتل واحتزّ رأسه وحمل إلى المنصور. وكان أخوه إبراهيم قد مضى يدعو له فى البصرة وكثرت جموعه فاستولى عليها، وأذعنت له فارس وعظم خطره. وعاد عيسى بن موسى من الحجاز، فوجهه المنصور إلى إبراهيم فالتقى به وبجموعه عند «باخمرا» بالقرب من الكوفة، وسرعان ما دارت على إبراهيم الدوائر، فقتل ولاذت جموعه بالفرار، وأخذ كثير من العلويين فألقى بهم فى غياهب السجون (٢). وإذا كان المنصور قضى على هذه الثورة العنيفة للعلويين فى أيامه فإنه لم يقض على التشيع، بل لقد أخذ يزداد مع الأيام سرّا وجهرا، وأخذت فرقه تتكاثر، وأهمها حينئذ الزيدية والإمامية، أما الزيدية فكان مقرها البصرة حيث التحمت بالاعتزال، وأما الإمامية فكان مقرها الكوفة، وبذلك ورثت ما كان فيها من تراث شيعى، وقد انقسمت بمرور الزمن إلى فرق كثيرة أهمها الإسماعيلية والإثنا عشرية. والإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد توفى فى حياة أبيه فقالوا إن الإمامة انتقلت منه إلى ابنه محمد، لأنها تنتقل حتما إلى الابن الأكبر حتى لو مات فى عهد أبيه كما مات إسماعيل. ويتلو محمدا-عندهم-أربعة أئمة مستورون يعقبهم عبيد الله المهدى رأس الدولة الفاطمية. ومنهم خرجت شعبة القرامطة فى البحرين. أما الاثنا عشرية فذهبت إلى أن الإمام بعد جعفر الصادق هو ابنه موسى الكاظم الذى عاش بعده، وسموا بالإثنى عشرية لأن الإمامة تتوالى -عندهم-فى اثنى عشر إماما هم: على فالحسن فالحسين فابنه على زين العابدين، فمحمد الباقر فجعفر الصادق المتوفى بالمدينة سنة ١٤٨ فموسى الكاظم المتوفى فى سجن الرشيد سنة ١٨٣ فعلى الرضا المتوفى سنة ٢٠٣ فمحمد الجواد المتوفى سنة ٢٢٠ فعلى

стр. 931

الهادى، فالحسن العسكرى، فمحمد المهدى المنتظر المتوفى حوالى سنة ٢٦٠ وقد ذهبوا إلى أنه غاب وسيعود فيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، ولما لم يكن له ولد توقفت هذه الفرقة عنده. ومن المهم أن نعرف أنها كانت تعتنق-مثل فرقة الإسماعيلية-التقية، فلم تجنحا إلى ثورة علنية ضد العباسيين فى هذا العصر، وكأنما تركا ذلك لأبناء الحسن بن على بن أبى طالب من مثل النفس الزكية وكانوا يعتنقون نظرية الزيدية. والعجب العاجب أن نرى جمهور المسلمين فى هذا العصر لا يعودون بالخلافة إلى نظام الشورى وأن تصبح حقّا للأمة. فقد ضللتهم دعاية البيت الهاشمى وجعلتهم يقتنعون بأنها ميراث آل إليهم من الرسول، وانقسموا إزاء ذلك إلى معسكرين كبيرين: معسكر عباسى بيده مقاليد الحكم، ومعسكر علوى يحاول الوصول إلى الحكم، وبذلك انتكست الأمة صورتين من الانتكاس: صورة سياسية إذ شغلت بحروب وفتن داخلية ما زالت تنخر فيها حتى توزعت دولا، ولو أنها لم تشغل بها وظلت لها وحدتها لفتحت أكثر العالم ولتغير وجه التاريخ. وصورة اجتماعية إذ نظر الناس إلى الخليفة على أنه وريث شرعى وأن حقه فى الخلافة مقدس، ولو بغى وطغى وظلم، وعليهم دائما طاعته مهما أشاع من الطغيان والفساد. ومن غير شك تقع على الفقهاء تبعة ذلك، إذ كان من الواجب عليهم أن يوضحوا للناس نظرية الإسلام الحقيقية فى الخلافة وأنه لا يجعلها وراثية فى بنى هاشم بل يقيمها على الشورى ليتولاها الأجدر بها. وبذلك أخذ الصحابة الأولون فى تولية أبى بكر وعمر وعثمان، فأجدر المسلمين كفء للخلافة سواء أكان من البيت الهاشمى أو غيره، وسواء أكان من بيت شريف أم بيت مشروف، فالعبرة بالجدارة والكفاءة لا بالنسب. وشئ من هذه التبعة يقع على عاتق المتكلمين. وحقّا إنهم عنوا بالرد على الزنادقة والملاحدة والدهريين، ولكنهم قلما عنوا بالتفكير فى المصلحة العامة للأمة والخروج بالخلافة من نطاق فكرة الميراث إلى نطاق فكرة الشورى بحيث تختار الأمة الخليفة الصالح دون نظر إلى هاشميته أو قرشيته. وقد ظل العلويون يقاومون العباسيين سرّا وجهرا، وظل أتباعهم يزدادون، والعباسيون يرصدونهم جميعا، فمن حدثته نفسه بالثورة أو الفتنة قتل أو زجّ به

стр. 932

فى السجون. وكان بعض شيعتهم يصل إلى أرفع مناصب الدولة، فما هى إلا أن تعرف سريرته حتى ينكب فتصادر أملاكه ويلقى به فى غياهب السجون أو يقتل ويصلب نكالا لأمثاله. وأول ما يلقانا من ذلك بعد المنصور إيقاع المهدى بوزيره يعقوب بن داود حين علم بإطلاقه-وكان زيدى الهوى-أحد العلويين من السجن وردّ حريته إليه، فقد ألقى به فى السجن وظل سجينا إلى أن شفع له يحيى البرمكى عند الرشيد فأمر بإطلاقه (١). وفى عصر الهادى خرج الحسين بن على سليل الحسن بن على بن أبى طالب فى مكة والحجاز، فلقيه ومن معه جيش عباسى بالقرب من مكة، فى مكان يقال له «فخ» وقاتل قتالا عنيفا حتى قتل، وقتل معه كثيرون من أنصاره، وظلوا فى العراء حتى أكلتهم السباع والعقبان (٢). وهرب خاله إدريس بن عبد الله بن الحسن أخو النفس الزكية إلى المغرب، فغلب على فاس وأسس بها دولة الأدارسة (٣). وهرب أيضا خاله يحيى بن عبد الله إلى خراسان، وما زال الرشيد يتعقبه حتى طلب منه الأمان، فأجابه إلى طلبه وقدم عليه، فدفعه إلى جعفر بن يحيى البرمكى وأمره بحبسه، فحبسه، ورقّ له فأطلقه دون إذن الرشيد (٤) مما كان سببا فى نكبته ونكبة أسرته كما أسلفنا، ووقع يحيى فى يد الرشيد ثانية فسجنه حتى مات. واعتقل الرشيد موسى الكاظم بن جعفر الصادق الإمام السابع عند الشيعة الإثنى عشرية، وظل فى السجن إلى وفاته (٥). ونمضى إلى عصر المأمون فيخرج عليه قبل انتقاله إلى بغداد إبراهيم بن موسى سليل الحسين بن على بن أبى طالب باليمن وتعظم ثورته ويقضى عليه (٦). ويخرج محمد بن جعفر الصادق بمكة، وسرعان ما يؤخذ فيعفو عنه المأمون (٧). ويخرج بالكوفة أبو السرايا داعيا لمحمد بن إبراهيم سليل الحسن بن على بن أبى طالب

стр. 933

المعروف بابن طباطبا ويقضى على ثورته قضاء مبرما (١). وكان المأمون حر الفكر ويظهر أنه كان يأسى لما أصاب أبناء عمه العلويين فى دولتهم، واستغل ذلك فيه وزيره الفضل بن سهل، وكان فيه تشيع لهم، فزيّن له-وهو بمرو-أن يعهد بالخلافة من بعده إلى على الرضا بن موسى الكاظم الإمام الثامن فى ترتيب الشيعة الإثنى عشرية وكان مثالا للتقوى والورع وكان المأمون يبجّله ويعظمه، فاستصوب رأى وزيره وجعله ولىّ عهده من بعده، وكتب بذلك إلى الآفاق، وأمر بخلع السواد شعار العباسيين ولبس الخضرة شعار العلويين (٢). ولم يكد يصل هذا الصنيع إلى العباسيين ببغداد حتى وجدوا على المأمون موجدة شديدة، جعلتهم يسارعون إلى خلعه والبيعة لعمه إبراهيم بن المهدى. وأحسّ أن الأمر يوشك أن يخرج من يده، فتجهّز للمسير إلى بغداد، وفى طريقه بطوس توفّى على الرضا، فلم يتخذ وليّا لعهده من العلويين، بل عاد إلى بنى العباس واغتيل حينئذ الفضل بن سهل. وما إن وصل إلى بغداد حتى اختفى عمه إبراهيم وظل مستخفيا مدة حتى عفا عنه. وعاد ثانية إلى لبس السواد، وظل يعطف على أبناء عمه العلويين، على الرغم من خروجهم عليه مرارا (٣)، وكان مما وثّق هذا العطف فى نفسه ثمامة بن أشرس النمرى مقدم المعتزلة فى مجالسه، وكان شيعى الهوى، ولعله هو الذى دفعه إلى أن يأمر مناديا ينادى فى الناس سنة ٢١١: «برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير أو فضّله على أحد من الصحابة، وإن أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ على بن أبى طالب رضى الله عنه» (٤) وأيضا لعله هو الذى دفعه إلى أن يكتب فى شهر ربيع الأول من السنة التالية إلى الآفاق بتفضيل على بن أبى طالب-رضى الله عنه-على جميع الصحابة (٥). وربما كانت أهم ثورة للشيعة بعد المأمون

стр. 934

ثورة محمد بن القاسم بن على بن عمر بن على بن الحسين لعهد المعتصم سنة ٢١٩ فقد خرج بالطّالقان يدعو إلى الرضا من آل محمد فاجتمع عليه خلق كثير، وما زالت جيوش عبد الله بن طاهر والى خراسان تواقعه حتى انهزم وأسر، فأرسله ابن طاهر إلى المعتصم فحبسه، ولكنه هرب من السجن واختفى فلم يوقف له على أثر ولا على خبر (١). وقد استأثر التشيع فى هذا العصر بالجانب الأكبر من معارضة العباسيين. أما مذهب الخوارج فضعف شأنه بسبب فتك الأمويين بهم فتكا ذريعا، بحيث لم يبق منهم إلى العصر العباسى سوى فلول فى أنحاء متفرقة بعمان والجزيرة وخراسان وتونس. وكانت نظريتهم فى الخلافة وإمامة المسلمين صائبة، غير أنهم صرفوها إلى قتال إخوانهم المسلمين وبذلك لم يكتب لها النجاح من قديم، فقد كانوا يرون أن تردّ الخلافة إلى الأمة، بحيث يليها أجدر المسلمين بها ولو كان عبدا حبشيّا، غير أنهم مضوا فكفّروا المسلمين واستحلّت بعض فرقهم لا دماءهم فحسب، بل أيضا دماء أطفالهم ونسائهم، وبذلك ضلّوا الطريق، إذ أغمدوا الدعوة الحسنى وشهروا السيوف متهمين إخوانهم فى الدين بالكفر والردة، وبدلا من أن يتعاونوا معهم فى حرب أعدائهم جميعا من الأمم الأجنبية حاربوهم حربا عنيفة يريدون أن يمحوهم من الأرض محوا. وبذلك لم تعد المسألة مسألة تحقيق المساواة بين المسلمين فى حقوق الحكم وما يتبع ذلك من إقرار العدالة التى لا تطيب الحياة إلا بها ولا تستقيم إلا عليها، بل أصبحت مسألة كفر وإيمان وسيوف مشرعة ودماء مسفوحة. وأول ثورة تلقانا لهم فى هذا العصر ثورة خوارج عمان الإباضيين بقيادة الجلندى وقد جرّد له السفاح جيشا جرّارا بقيادة خازم بن خزيمة، فقضى عليه (٢). وفى عهد المنصور ثار ملبد بن حرملة الشيبانى بالجزيرة فقضى عليه أيضا خازم ابن خزيمة (٣)، وثار الإباضية بتونس وقضى عليهم يزيد (٤) بن حاتم المهلبى. وفى عهد المهدى ثار بخراسان فى طائفة من الخوارج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم، فتصدّى له يزيد بن مزيد الشيبانى، وأسره فى جماعة من أصحابه،

стр. 935

وبعث بهم جميعا إلى المهدى، فأمر بقتلهم وصلبهم (١)، وثار بقنسرين عبد السلام الخارجى وقضى عليه بعض (٢) القواد. وفى عهد الرشيد ثار الوليد بن طريف الشيبانى بالجزيرة واشتدت شوكته، فوجه إليه إبراهيم بن خازم بن خزيمة ففتك به، وسار إلى أرمينية وكثرت بها جموعه، فجرّد له الرشيد يزيد بن مزيد فى جيش كثيف، فمحقه محقا (٣). وعاث حمزة الشارى فى خراسان ولقى حتفه (٤)، كما عاث ثروان الحرورى فى ضواحى البصرة ولقى نفس المصير (٥). وفى عهد المأمون خرج مهدى بن علوان الحرورى بسواد العراق وباءت ثورته بالفشل (٦) على نحو ما باءت ثورة بلال الشارى (٧). ولا نسمع بعد ذلك عن ثورات للخوارج إلا ما كان من ثورة محمد بن عمرو الشيبانى بديار ربيعة وقضاء أبى سعيد محمد بن يوسف الثغرى عليه (٨). وعلى هذا النحو كان الخوارج لا يلبثون-حين يثورون-أن يقضى عليهم، وفرق بعيد بين ثوراتهم فى هذا العصر وثوراتهم فى العصر الأموى، فقد أخذت دعوتهم تضعف ضعفا شديدا، ولعلها من أجل ذلك لم تترك أثرا واضحا حينئذ فى الحياة الأدبية إذ قلما نجد لهم شاعرا معروفا. ٥ - أحداث مختلفة لم تطل مدة أبى العباس السّفّاح إذ سرعان ما توفى سنة ١٣٦ وخلفه أبو جعفر المنصور، وهو يعدّ المؤسس الحقيقى للدولة العباسية، فهو الذى أصّلها «وضبط المملكة ورثّب القواعد وأقام الناموس» (٩) ولم يكد يتسلم مقاليد الحكم حتى ثار عليه عمه عبد الله فى شمالىّ سوريا وكان يقود جيشا ضخما لحرب البيزنطيين،

стр. 936

فوجه إليه المنصور أبا مسلم الخراسانى فى جيش جرار، فهزمه هزيمة منكرة فرّ على إثرها إلى البصرة عند أخيه سليمان بن على واليها، فأخذ يستعطف له هو وأخوه عيسى ابن على والى الأهواز المنصور حتى رضى أن يكتب له كتاب أمان، وتولى ابن المقفّع كتابته فشدد فيه العهد والميثاق على المنصور حتى أحفظه عليه. ومازال المنصور يمكر بعمه حتى وفد على بابه، فحبسه مدة إلى أن مات فى حبسه (١). ولم يكن همّ المنصور بعد القضاء على ثورة عمه إلا أخذ أبى مسلم الخراسانى وكان قد عزم بعد هزيمته لعبد الله بن علىّ أن يعود إلى خراسان، وخشى المنصور أن تحدثه نفسه بخلعه حين يرجع إلى موطنه، إذ كان كل منهما يجد على صاحبه موجدة شديدة، فكتب إليه بالقدوم عليه، وخشى أبو مسلم مغبة قدومه، فكتب إليه بالطاعة وأنه متوجه إلى خراسان. وقلق المنصور، وكان مدبرا داهية، فكتب إليه يؤكد له حسن رأيه فيه ذاكرا خدماته لدولتهم، وأرسل له رسلا يزينون له المثول بين يديه، فما زالوا به حتى قدم عليه، وكان بالقرب من المدائن، فلما دخل إليه لقيه بالتوبيخ والتقريع، ولم يلبث أن قتله، وبادر إلى من كانوا معه من القواد فأعطاهم جوائز سنية وفرّق فى جنده أموالا كثيرة، فرضخوا للواقع ورضوا به (٢). وغضب أتباع أبى مسلم فى خراسان حين علموا بمصيره، ولم يلبث أن ظهر بينهم سنباذ، فقادهم معلنا أن أبا مسلم لم يمت وإنما اختفى وسيعود ليرفع الظلم وينشر العدل، وتابعه كثيرون مكونين فرقة المسلمية أو الخرّمية (٣)، وقدم بهم إلى الرّى فغلب عليها، والتقى به المنصور بن جمهور العجلى فى جيش كثيف، فقضى عليه وعلى ثورته (٤)، ولكنه لم يقض على عقيدة فرقته، فقد أخذت تسرى فى نفوس كثير من الخراسانيين والايرانيين مختلطة بالعقائد المزدكية. وكان السفاح قد جعل ولاية العهد بعد المنصور لعيسى بن موسى فرأى المنصور أن يحولها عنه إلى ابنه المهدى وما زال به حتى خلع نفسه منها، فصيّرها فى ابنه،

стр. 937

وبايعه الناس (١)، وأقرّت بذلك بلدان الخلافة ما عدا باذغيس إذ ثار بها شخص يسمى أستاذ سينس ادّعى النبوة وتبعه خلق كثير وتفاقم شره، فتصدى له خازم ابن خزيمة التميمى وفضّ جموعه، وحمله إلى المنصور أسيرا، فأمر بقتله (٢). وولى المهدى بعد أبيه سنة ١٥٨ وفى عهده تحركت الخرّمية حركتين، أما أولاهما فحركة رجل من أتباع أبى مسلم يسمى حكيما من أهل مرو، وقد أعلن ثورته فى سنة ١٦١ واتخذ لوجهه قناعا من ذهب ركبّه عليه حتى لا يرى، ولذلك اشتهر باسم المقنّع الخراسانى. وكان يقول بتناسخ الأرواح، فزعم أنه نبى وأنه التجسد الجديد للذات الإلهية بعد أبى مسلم. وبايعه خلق عظيم أضلهم واستغواهم حتى كانوا يسجدون إلى ناحيته، ووثب بهم على بعض ما وراء النهر، فوجه إليه المهدى القواد وعلى رأسهم سعيد الحرسىّ، فاعتصم منهم بقلعة من أعمال كش على مقربة من جرجان، ولما يئس من المقاومة أضرم نارا عظيمة أحرق بها كل ما فى القلعة من دواب وثياب ومتاع وألقى فيها بنفسه وأولاده ونسائه، ويقال: بل مصّ سمّا وأسقى نساءه وأولاده فتلف وتلفوا، وبذلك خمدت حركته (٣). أما الحركة الثانية فكانت فى سنة ١٦٢ إذ ظهرت طائفة من الخرمية بجرجان تسمى المحمّرة لحمرة راياتها، وكان على رأسهم شخص يسمى عبد القهار، فقتلوا وأفسدوا وعاثوا فى الأرض، فسار إليه من طبرستان عمر بن العلاء ممدوح بشار، وقتله ودمّر جنده (٤). وعظمت-فى عهد المهدى-حركة الزندقة ببغداد والعراق، ورأى المهدى فيها شرّا مستطيرا يتهدّد كيان الدولة والإسلام جميعا، فجدّ فى طلب الزنادقة منذ سنة ١٦٦ (٥) وقيل بل منذ سنة ١٦٣ واتخذ لهم ديوانا يتعقبهم، جعل عليه عمر الكلواذانىّ (٦)، وأخذ يقتلهم ويصلبهم نكالا لغيرهم، وكان ممن قتله عبد الله ابن وزيره أبى عبيد الله وبشار بن برد وتوفّى الكلواذانى سنة ١٦٨ فخلفه على الديوان حمدويه (٧) وهو محمد بن عيسى من أهل ميسان.

стр. 938

وفى عهد المهدى أغار الروم على سميساط (١) ونكّلوا بأهلها، فجرّد إليهم جيشا ضخما بقيادة العباس بن محمد فبلغ أنقرة. وتوالى غزو الروم حتى إذا كانت سنة ١٦٣ تولى هرون الرشيد قيادة الجيوش الغازية، فعصف بهم عصفا، حتى إذا كانت سنة ١٦٥ بلغ خليج القسطنطينية دون مقاومة تذكر، وامتلأ الروم هولا ورعبا وفزعا، فتعهدوا أن يؤدوا الجزية كل عام سبعين ألف دينار وهم صاغرون (٢). ومما يؤثر للمهدى إجراؤه الرواتب على المجذّمين. وتوفى سنة ١٦٩ فخلفه ابنه الهادى، وسار على سنته فى تتبع الزنادقة وقتلهم، وفى عهده خرج دحية بن المصعب ابن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان بناحية أهناس فى صعيد مصر وملك أكثر بلاده، وهزم جيوش الولاة مرارا، وأخيرا قضى عليه فى سنة ١٦٩ (٣). واعتزم الهادى خلع الرشيد من ولاية عهده، ولكن يحيى البرمكى عرف-كما قدمنا-كيف يصرفه عن ذلك، وسرعان ما توفى بعد أربعة عشر شهرا من خلافته. وولى الرشيد سنة ١٧٠ وامتدت خلافته إلى سنة ١٩٣ ويعدّ عصره العصر الذهبى للخلافة العباسية بما بلغته من أبهة الملك وفخامته، ولا تزال ذكراه حيّة فى نفوس العرب إلى اليوم، وربما كان للقصص المحكية عنه فى «ألف ليلة وليلة» أثر فى ذلك فإن مترجميها وواضعى بعض قصصها رأوا أن يدخلوه فى ثنايا القصص حتى يصوروا ما بلغته بغداد من الرّفه والترف والبذخ. وحفلت حينئذ بالعلماء من كل صنف والمترجمين والأطباء والشعراء والمغنين والمغنيات والجوارى من كل جنس وعلى كل لون. وكان الرشيد كلفا بالسماع والمتاع بنعيم الحياة مع إعطاء الدين حقوقه، يقول ابن الطقطقى: «كان الرشيد من أفاضل الخلفاء وفصحائهم وعلمائهم وكرمائهم، وكان يحج سنة ويغزو سنة كذلك مدة خلافته إلا سنين قليلة، وكان يصلى فى كل يوم مائة ركعة، وحجّ ماشيا، وكان إذا حجّ حجّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم. . ولم ير خليفة أسمح منه بالمال، وكان يحب الشعر

стр. 939

والشعراء ويميل إلى أهل الأدب والفقه» (١) وكان إذا لم يحجّ أحجّ ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة، وكان يتصدّق من صلب ماله فى كل يوم بألف درهم بعد زكاته (٢)، وكانت أيامه تشبّه بأيام العروس لما امتازت به من بهاء وجمال. ولم تخل أيامه من الفتن والثورات، وقد ذكرنا آنفا ما كان من حركات بعض العلويين والخوارج، وفى عهده هاجت العصبية بالشام بين اليمنية والمضرية وأطفأ نائرتها جعفر بن يحيى البرمكى (٣)، وثار أهل الحوف بمصر وقضى على ثورتهم هرثمة بن أعين كما قضى على ثورة أخرى بإفريقية (٤). وثار المحمّرة بجرجان وفضّ جموعهم على (٥) بن عيسى بن ماهان، وانتقض الخزر فى انقوقاز وأرمينية وقلم أظافرهم خازم (٦) بن خزيمة ويزيد بن مزيد الشيبانى. وثار الخرّمية بأذربيجان وعصف بهم عبد الله (٧) بن مالك، وثارت بلاد الزاب جنوبى الجزائر، وأعاد الأمن إلى نصابه هناك إبراهيم بن الأغلب فكافأه الرشيد بكتابة عهد له على إفريقية نظير خراج يؤديه سنويّا، فأنشأ هناك دولة الأغالبة، واتخذ حاضرة له «العباسة» التى بناها جنوبى القيروان. وامتنع نقفور إمبراطور بيزنطة عن أداء الجزية التى فرضت على بلاده فى عهد المهدى، كما أسلفنا، ولم يكتف بذلك فقد كتب إلى الرشيد يطالبه برد ما أدّوه منها فى السنوات الماضية، وكتب إليه الرشيد على ظهر كتابه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من هرون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام (٨)» وشخص إليه على رأس حملة قوية اخترق بها آسيا الصغرى وغنم مغانم كثيرة وافتتح هرقلة، فارتاع نقفور وفزع فزعا شديدا وتعهد بأداء الجزية صاغرا (٩). ورأى الرشيد-فيما يقال-أن يصطنع شارلمان ملك الفرنجة فى غربى أور با حتى يؤيده ضد إمبراطور

стр. 940

بيزنطة، وكان شارلمان يود لو أيده الرشيد ضد الأمويين فى الأندلس، وسفرت بينهما السفارات وتبادلا هدايا ثمينة (١). وفى سنة ١٩٠ ثار رافع بن الليث بسمرقند وتفاقمت ثورته، فرأى الرشيد أن يسير إليه بنفسه فى سنة ١٩٢. ولكنه توفى فى طريقه إليه بطوس سنة ١٩٣، وتمت الغلبة بعد ذلك على رافع وشيعته. وكان الرشيد قد عقد ولاية العهد من بعده لابنه محمد سنة ١٧٣ ولقبه بالأمين، وضمّ إليه الشام ومصر، ثم عقد لابنه عبد الله ولاية العهد من بعد أخيه سنة ١٨٣ ولقبه بالمأمون، وضمّ إليه الولايات الشرقية، وأكّد هذا العقد بين الأخوين بتوقيعهما عليه وقسمهما على الوفاء به وتعليقه (٢) فى الكعبة سنة ١٨٦ وفيها بايع الرشيد بولاية العهد لابنه القاسم بعد أخويه ولقبه المؤتمن وضم إليه الجزيرة والثغور وكان لا يزال صبيّا. وكان هذا الصنيع من الرشيد نذير شؤم فإن بساطا قد يتسع لنوم عشرة من الناس، ولكن مملكة بأسرها لا تتسع لسلطان حاكمين. فلم يكد ينتقل الرشيد إلى جوار ربه حتى شجر الخلاف (٣) بين الأمين والمأمون إذ أخذت حاشية الأمين تسوّل له أن ينقض العهد الموثق فى البيت الحرام. وشاءت الظروف أن يقع الأخوان فريسة للتنافس بين الحزبين: العربى والفارسى، وكان الحزب الأول يغلب على الأمين بينما كان الحزب الثانى يغلب على المأمون، وكانت أم الأمين هاشمية عربية فهى زبيدة بنت جعفر بن المنصور، بينما كانت أم المأمون أمة فارسية تسمّى مراجل. وما زال الحزب العربى-فيما يقال-يغوى الأمين بخلع أخيه وتولية ابنه موسى ولاية العهد من بعده، حتى استجاب له، وتردّدت المراسلات بينه وبين المأمون وأوشك أن يجيبه إلى ما يريد من خلع نفسه، ولكن الفضل بن سهل وزيره ردّه عن ذلك ونهض بأمره، واستمال له الناس، وضبط الثغور. ولم يلبث الأمين أن أمر بقطع اسم المأمون من خطبة الجمعة وصنع المأمون صنيعه بخراسان، وأخذا فى إعداد الجيوش، وسارع الأمين فأنفذ على بن عيسى

стр. 941

ابن ماهان فى جيش جرار لمنازلة المأمون وجنده والتقى به فى الرىّ طاهر بن الحسين، فقتله ومزّق جيشه تمزيقا. وشغب الحسين بن على بن عيسى بن ماهان على الأمين فخلعه وحبسه، غير أن بعض العسكر خلصوه، ونعجب إذ نراه يعفو عنه ويوليه قيادة جيشه ويوجهه إلى طاهر، ويلقاه، غير أنه سرعان ما يفر ويقتل فى فراره، كما يقتل قواد آخرون أرسل بهم الأمين. وفى هذه الأثناء تدخل مكة والمدينة فى طاعة المأمون، ويحاصر قائداه طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين بغداد لنحو خمسة عشر شهرا ويرميانها بالمجانيق فيكثر بها الحرق والهدم وتفضى الحياة فيها إلى هول هائل، فتنهب الأموال وتقترف المنكرات، ويحاول سهل بن سلامة الأنصارى وابن الدريوش أن يقمعا الفساد وشذوذ الدّعّار (١) ولكن أنّى لهما أن يدفعا ما تردّت فيه بغداد من أهوال الشر، والنيران تأخذها من كل جانب أياما طوالا والمساجد قد عطلت والصلاة قد أهملت. ويبكى الشعراء من أمثال الخريمى بغداد بكاء مرّا، وتسقط محلاتها محلة إثر محلة فى يد الجيوش المحاصرة، ولا يجد الأمين أخيرا مفرّا من الاستسلام، فيسلم نفسه لأعدائه، ويقتل فى طريقه لخمس بقين من المحرم سنة ١٩٨ ويصبح الأمر خالصا للمأمون، وما توافى سنة ٢٠١ حتى يعزل أخاه القاسم من ولاية العهد ويولى عليها مكانه على الرضا كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، وتثور عليه أسرته ببغداد، وتبايع عمه إبراهيم بن المهدى فيعزم على المسير إلى دار السلام، ويدخلها فى شهر ربيع الأول سنة ٢٠٤، فيتوارى عمه إبراهيم مدة ويعفو عنه كما أسلفنا. وعصر المأمون من أزهى عصور الدولة العباسية، فقد كان حر الفكر شغوفا بالمعرفة، ولم يكد يستقر فى بغداد حتى جعل من مجلسه ندوة علمية كبيرة يتحاور فيها ويتناظر الفقهاء والمتكلمون والعلماء من كل صنف، وجعله اتصاله بعلماء الكلام وفى مقدمتهم ثمامة بن أشرس النمرى وبشر بن غياث المريسى يعنى بالفلسفة وعلوم الأوائل حتى مهر فيهما، وقد استطاعا أن يجرّاه إلى الاعتزال وإلى القول بأن القرآن مخلوق، وأن من لا يقول بذلك يدخل فى عداد المشبّهة، وما توافى سنة ٢١٢ حتى يجعل المأمون من فكرة خلق القرآن عقيدة رسمية للدولة، ويكتب إلى الآفاق

стр. 942

بامتحان (١) الفقهاء فيها، فمن لم يقر بأنه مخلوق ضرب وحبس وأشخص إلى بغداد. وتوفّى ثمامة سنة ٢١٣ وتولى كبر هذه المحنة بشر المريسى المتوفى سنة ٢١٨ ثم أحمد ابن أبى دؤاد أحد رءوس المعتزلة، لا فى عهد المأمون فحسب، بل أيضا فى عهد المعتصم والواثق أى إلى نهاية هذا العصر. وأعظم سنة اشتدت فيها هذه المحنة سنة ٢١٨ إذ عنف المأمون بالفقهاء عنفا شديدا، فضرب من لم يقروا بأن القرآن مخلوق وأهينوا وردعوا بالسيف وغيره، وكان ممن ثبت على رأيه أحمد بن حنبل فقيّد وأمر المأمون بأن يحمل إليه هو ومن امتنع مثله عن الإقرار بخلق القرآن، وكان يغزو بأرض الروم شمالى الشام، فأوثقوا بالحديد، وحملوا إليه. وما إن وصلوا إلى الرقة، حتى جاء الخبر بنعى المأمون، فردّوا إلى بغداد، وعاد المعتصم إلى امتحان ابن حنبل، فثبت للمحنة ولم يرجع عن رأيه. وقد حدثت فى عصر المأمون ثورات كثيرة كان يعهد فى إخمادها إلى قواده الأكفاء من مثل طاهر بن الحسين، وقد ولاّه خراسان فى سنة ٢٠٥ فقضى على رءوس الفتن بها، ويقال إنه فكر فى خلع طاعة الأمون ولكن الموت عاجله، وجعل المأمون بعده ولاية خراسان لابنه طلحة فظل بها إلى وفاته سنة ٢١٣ وولى المأمون عليها من بعده أخاه عبد الله فأسس هناك الدولة الطاهرية التى ظلت نحو قرن من الزمان. وكان عبد الله قد أدّى للدولة خدمات جليلة، إذ ولاّه المأمون الرقة لحرب نصر بن شبث العقيلى وضيق عليه الخناق حتى ألقى له عن يد طالبا الأمان (٢) لسنة ٢٠٩ وكانت نار الفتنة مشتعلة (٣) بمصر منذ حروب الأمين والمأمون، إذ ناصرت القيسية الأمين واليمنية المأمون، واشتبكت الفئتان فى حروب دامية ظلت مضطرمة، وظلت معها القلاقل، وزاد فيها نزول جموع من الأندلس فى الإسكندرية كان قد طردهم الحكم أمير قطرهم فولّوا وجوههم إليها واستولوا عليها. فرأى المأمون أن يولّى على مصر عبد الله بن طاهر حتى يقمع ما بها من فتن وحتى يرد الأندلسيين

стр. 943

عن الإسكندرية، فدخلها فى ربيع الأول سنة ٢١١ وهزم عبيد الله بن السرى وأعاد الأمن إلى نصابه، وأكره الأندلسيين على الانسحاب إلى جزيرة إقريطش (كريت) فنزلوها واستوطنوها لسنة ٢١٢، وعاد ابن طاهر إلى بغداد فى رجب من نفس السنة واستخلف عليها عيسى بن يزيد الجلودى فأقرّه المأمون على إمرتها، وعزله فى السة التالية وولّى عليها أخاه المعتصم، فاستخلف عليها عمير بن الوليد، وثار عليه القيسية واليمنية، وخرج لحربهم بالحوف فى ربيع الأول لسنة ٢١٤ غير أنه قتل فى المعركة، فاستخلف عليها المعتصم عيسى بن يزيد الجلودى ثانية، واشتبك مع اليمنية والقيسية وهزموه هزيمة منكرة، فخرج إليها المعتصم بنفسه، فقمع ما بها من فساد، وعاد إلى الموصل. وثار القبط فى مستهل سنة ٢١٦ وقضى على ثورتهم الأفشين، غير أن الفتن ظلت قائمة بمصر حتى دخلها المأمون لخمس خلون من المحرم سنة ٢١٧ فمهّدها ورتب أحوالها واستقرت، وقد ظل بها تسعة وأربعين يوما. وكانت قد اندلعت فى أذربيجان منذ سنة ٢٠١ ثورة عنيفة للخرمية بقيادة بابك، فوجّه إليه المأمون محمد بن حميد الطوسى سنة ٢١٢ فواقعه مرارا منكّلا به وبأنصاره، حتى إذا كانت سنة ٢١٤ خانه الحظ فى بعض معاركه معه، فخرّ صريعا (١)، وكان لذلك رنّة حزن عميقة فى العالم العربى جعلت الشعراء يبكونه طويلا. وبعث المأمون إلى بابك من بعده على بن هشام وخالد بن يزيد الشيبانى، فاشتبكا معه فى غير موقعة، ولكنهما لم يستطيعا القضاء عليه. وعلم المأمون أن إمبراطور بيزنطة يعين بابك فى حروبه، فاستشاط غضبا، وأخذ منذ سنة ٢١٥ يقود بنفسه حملات عنيفة ضده وضد البيزنطيين (٢)، يتقدمه قواده من أمثال أخيه المعتصم والأفشين وخالد بن يزيد الشيبانى وجعفر الخياط، ومضى فى بعض حملاته حتى بلغ أنقرة، فارتعدت فرائص تيوفيل إمبراطور بيزنطة وطلب الصلح والمهادنة، غير أن المأمون ظل يوالى حملاته حتى إذا كان فى آخر حملة له سنة ٢١٨ نزل به مرض شديد، ولم يلبث أن لبّى نداء ربه فى موضع يسمّى «البدندون»

стр. 944

وقد حمل منه جثمانه إلى طرسوس. ويخلف المعتصم أخاه المأمون وتظل فى عهده محنة القول بخلق القرآن قائمة وإن كان قد خفّف من حدّتها كثيرا. وكان قد استكثر من الترك وآذوا العامة فى بغداد فبنى لهم سامرّاء، كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. وفى أوائل عهده ثار الزّطّ بالبصرة وقضى على ثورتهم عجيف (١) بن عنبسة. وماتوا فى سنة ٢٢٠ حتى يعد جيشا ضخما لحرب بابك بقيادة الأفشين ويمده بكثير من القواد أمثال أبى دلف العجلى ومحمد بن يوسف الثغرى، وتتوالى انتصارات هذا الجيش على بابك وشيعته، حتى إذا كانت سنة ٢٢ سحققت جموعه سحقا، واستسلم صاغرا (٢)، ولم يلبث أن أدخل إلى بغداد مقيدا مغلولا، فتعالى التكبير، وقتل وعلّقت رأسه وأحرق جسده عبرة ونكالا. وكان إمبراطور بيزنطة-كما ذكرنا آنفا-يضع يده فى يد بابك، وحدث أن أغار على زبطرة (٣) وأعالى الفرات فأمر المعتصم بإعداد جيش جرّار لتأديبه قاده بنفسه، ووطئت جنوده بلدان (٤) الروم فى آسيا الصغرى بقيادة الأفشين وجعفر بن دينار وخالد بن يزيد الشيبانى ومحمد بن يوسف الثغرى وغيرهم ممن ساموا البيزنطيين ذلاّ وصغارا، وقد أخربوا فيما أخربوا أنقرة وسلطوا مجانيقهم على عمورية حتى فتحت أبوابها عنوة. وعاد المعتصم قرير العين، وعلم فى عودته أن العباس ابن أخيه المأمون يدبر مؤامرة ضده، فأحبط مؤامرته. وثار مازيار بطبرستان سنة ٢٢٤ وحاءت به الجيوش التى حاربته مكبلا بالحديد إلى بغداد، فقتل وصلب (٥). ثبت أن الأفشين كان يكاتبه سرّا آملا فى عودة دين آبائهما المجوس، فسجنه المعتصم سنة ٢٢٥ وظل فى سجنه حتى مات وصلب بعد موته (٦). وتوفى المعتصم سنة ٢٢٧ فخلفه ابنه الواثق، وقد أعاد محنة القول بخلق القرآن

стр. 945

جذعة، إذ نراه يكتب إلى الولايات المختلفة بامتحان الفقهاء والعنف بمن لا يقرّون بأنه مخلوق. ولم تحدث فى سنواته الخمس فتوق كثيرة سوى ما كان من شغب بعض. الأعراب فى الحجاز وقد قضى على شغبهم بغا الكبير (١). وشغب بعض الأكراد وسحق شغبهم وصيف (٢) التركى. وسرعان ما توفّى الواثق سنة ٢٣٢ للهجرة.

стр. 946

الفصل الثانى الحياة الاجتماعية ١ - الحضارة والثراء والترف لما فتح العرب العراق وإيران والشام ومصر ورثوا ما فى الأولى والثانية من الحضارات الساسانية والكلدانية والآرامية وما فى الثالثة والرابعة من حضارات بيزنطية وسامية قديمة ومصرية، وأخذوا يكوّنون من ذلك ومن تراثهم العربى الخالص حضارتهم الإسلامية، وكان طبيعيّا أن تغلب على الأمويين بدمشق الحضارة البيزنطية وما كان بالشام من عناصر سامية حضارية، حتى إذا نقل العباسيون حاضرة الخلافة إلى العراق غلبت عليهم الحضارة الساسانية وغلبت على ما كان به من عناصر كلدانية وآرامية، وهى تبدو واضحة فى بناء بغداد إذ أقامها المنصور مستديرة على شاكلة طيسيفون المعروفة باسم المدائن حاضرة الساسانيين، وابتنى فيها قصره المعروف بقصر الذهب على طراز قصورهم ذات الأواوين الفخمة. وقد كشفت حفائر سامرّاء عن طريق بناء الدور والقصور لا فيها فحسب، بل أيضا فى بغداد، فقد كان يصل بين الدار والقصر وبين الشارع أو الدرب دهليز مسقوف (١) يفضى إلى فناء واسع يسلم إلى القاعة الكبرى أو الإيوان، وتتناثر فى الدهليز والفناء غرف متجاورات للسكنى والمرافق المنزلية، وتتصل بالإيوان بعض الغرف الصغيرة. وبجانب الفناء الكبير للدار أفنية صغرى ثانوية تعلوها بعض القباب، وأكبرها جميعا قبة الإيوان. وفى الدار حمامات ومجار تحت الأرض وسراديب معدة للسكى، وتكثر الأساطين فى الأفنية، وتكثر الشرفات وتلحق بها

стр. 947

بعض البساتين وبعض النافورات والبرك. وكانت مصاريع الأبواب تصنع من الخشب المحلّى بالنقوش وتتألق النوافذ بالزجاج الملوّن، وتزخرف الحيطان بالنقوش المستوحاة من الطير والحيوان والأشجار والأزهار، وقد يذهّب السقف والأبواب والحيطان وتعلق هنا وهناك ستائر الحرير المزركشة، وقد تحفر على الحيطان بعض الصور كالعنقاء، أما أرض الدار فكانت تموج بالبسط الإيرانية والأرمنية والطنانس ومناضد الآبنوس والتحف الثمينة وتماثيل العقيان والجامات المذهبة والأوانى المرصعة بالجواهر. ولا ريب فى أن هذا البذخ إنما كان يتمتع به الخلفاء وحواشيهم من البيت العباسى ومن الوزراء والقواد وكبار رجال الدولة ومن اتصل بهم من الفنانين شعراء ومغنين ومن العلماء والمثقفين، وكأنما كتب على الشعب أن يكدح ليملأ حياة هؤلاء جميعا بأسباب النعيم، أما هو فعليه أن يتجرع غصص البؤس والشقاء وأن يتحمل من أعباء الحياة ما يطاق وما لا يطاق. ومردّ ذلك إلى طغيان الخلفاء العباسيين الذين حرموا الشعب حقوقه وطوقوه بالاستعباد والاستبداد والعنف الشديد، وقد مضوا هم وبطاناتهم يحتكرون لأنفسهم أمواله وموارده الضخمة، بحيث كانت هناك طبقة تنعم بالحياة إلى غير حد، وطبقات قتّر عليها فى الرزق، فهى تشقى إلى غير حد، واضطرب أوساط الناس من التجار وغيرهم بين الشقاء والنعيم. وكانت خزائن الدولة هى المعين الغدق الذى هيأ لكل هذا الترف، فقد كانت تحمل إليها حمول الذهب والفضة من أطراف الأرض، حتى قالوا إن المنصور خلّف حين توفى أربعة عشر مليونا من الدنانير وستمائة مليون من الدراهم (١) وإن دخل بيت المال سنويّا لعهد الرشيد كان نحو سبعين مليونا من الدنانير (٢) وكانت هذه الأنهار الدافقة من الأموال تصبّ فى حجور الخلفاء ومن يحف بهم من بيتهم ومن الوزراء والقواد والولاة والعلماء والشعراء والمغنين ونسوق من ذلك أطرافا تصور ما آل إليه ذلك من شيوع الإقطاع والثراء العريض فى الطبقة الحاكمة وحواشيها ومن يلوذون بها، فقد روى عن المنصور أنه فرض لكل شخص من أهل بيته ألف ألف درهم فى كل عام (٣)، ويقال إن غلّة

стр. 948

الخيزران زوجة المهدى من إقطاعاتها كانت تبلغ سنويّا مائة وستين مليونا من الدراهم (١)، وكانت إقطاعات محمد بن سليمان بن على العباسى والى البصرة تدرّ عليه كل يوم مائة ألف درهم (٢)، وكانت للفضل بن الربيع وزير الرشيد والأمين قطيعة تغلّ له سنويّا مليون درهم (٣)، ولعلنا لا نعجب بعد ذلك إذا عرفنا أن عمرو ابن مسعدة وزير المأمون خلّف بعد وفاته ثمانين ألف ألف دينار ونقل ذلك إلى المأمون فلم يأخذه العجب، بل قال: هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا (٤). وكان الخلفاء والوزراء والولاة والقواد يغدقون على العلماء والأطباء والشعراء والمغنين، ورسم المهدى لمروان بن أبى حفصة مائة ألف درهم على مدحته ذائع مشهور، وكان يصنع الصنيع نفسه مع المغنين (٥) حين يطرب لبعض أصواتهم، وتجاوز رسمه لمروان ابنه الهادى فأعطاه يوما على مدحته فيه مائة وثلاثين ألف درهم (٦)، وأطربه مغن فأهداه سبعمائة (٧) ألف دينار. وكان الرشيد بحرا فياضا ما بنى ينهلّ على العلماء والفقهاء من أمثال قاضيه أبى يوسف والأصمعى والكسائى، والأطباء من مثل جبرائيل بن بختيشوع، ويقال إنه صار إليه فى عهده ما يزيد على أربعة ملايين من الدراهم (٨)، وكان يجزل للشعراء والمغنين من نواله، ويكفى أن نعرف أنه وصل سلما الخاسر وحده لمدائحه فيه بعشرين ألف دينار (٩)، وطرب يوما لغناء مخارق فأقطعه ضيعة ودارا ووصله بثلاثة آلاف دينار (١٠)، أما مغنيه الأثير عنده وهو إبراهيم الموصلى فيقال إن صلاته له تجاوزت مائتى ألف دينار (١١) أما الأمين فقد تجاوز بصلاته كل حدّ حتى قالوا إنه أجاز عبد الله بن أيوب التيمى الشاعر يوما بمائتى ألف درهم (١٢)، وطرّب ليلة لغناء إسحق الموصلى، فأعطاه ألف ألف درهم (١٣)، وكان يعجب بمغنّية تسمى بذلا، فأنفق عليها أموالا طائلة،

стр. 949

ويقال إنه أهداها من الجوهر ما لم تملك واحدة مثله (١). وكان المأمون كثير الإغداق على حاشيته حتى قالوا إنه فرق فى ساعة واحدة أربعة وعشرين ألف ألف درهم (٢)، ويروى ابن تغرى بردى أنه أمر يوما لكل من ابنه العباس وأخيه المعتصم وعبد الله ابن طاهر بخمسمائة ألف دينار، وعجب ابن تغرى بردى من تفريقه هذه المبالغ الطائلة، فعقب على ذلك بقوله: لعل الدينار يوم ذلك لم يكن مثل دينارنا اليوم (٣) وكأنما ذهب عن ابن تغرى بردى أن أموال الدولة كلها كانت فى أيدى المأمون وسابقيه وتاليه يبذلونها للناس حسب مشيئتهم وينثرونها عليهم نثرا. ونافسهم الوزراء فى هذا البذل الواسع، وللبرامكة فيه ما ليس لأحد، حتى ليقال إنه لم يكن يرى لجليس خالد البرمكى دار إلا وخالد بناها له، ولا ضيعة إلا وخالد ابتاعها له، ولا دابة إلا وخالد حمله عليها (٤)، وصنيع ابنه يحيى وولديه جعفر والفضل فى هذا الباب فوق صنيعه درجات، فقد كانت بأيديهم خزائن الدولة لعهد الرشيد، فملأوا منها أيدى العلماء والأطباء والمترجمين والمغنين والشعراء بالأموال، بل بالثروات الضخمة، على نحو ما يحكى من أنهم أعطوا إبراهيم الموصلى يوما ستمائة ألف درهم وضيعة بمائة وستين ألفا (٥)، وأعطى يحيى البرمكى يوما ابنه إسحق مائة ألف درهم ليبتاع بها دارا وأعطاه ابنه جعفر مائة ألف لفرشها، وأعطاه ابنه الفضل مائة ألف لزخرفتها، وأعطاه ابنه محمد مائة ألف رابعة لنفقتها (٦)، وبلغ-فيما يقال-ما أعطوه لسلم الخاسر الشاعر عشرين ألف دينار (٧)، وكأنهم كانوا يبارون فيه الرشيد. وكان ينافسهم فى هذا البذل الواسع الفضل بن الربيع وبنو سهل وكبار الولاة والقواد من أمثال معن بن زائدة وابن أخيه يزيد بن مزيد الشيبانى وابنه خالد ويزيد بن حاتم المهلبى وأخيه روح ومحمد بن حميد الطوسى وأبى دلف العجلى، وآل طاهر وفى مقدمتهم طاهر نفسه، ويقال إن صلاته بلغت يوما ألفى درهم وسبعمائة ألف وأن ابنه عبد الله تجاوز بصلاته يوما هذا الرقم، بل لقد ضاعفه إذ بلغ به أربعة آلاف ألف درهم وسبعمائة ألف (٨).

стр. 950

وكان لهذه السيول التى كانت ما تنى تسيل إلى حجور العلماء والأطباء والمترجمين والشعراء والمغنين أثرها الواسع فى نهضة العلوم والآداب والفنون، فقد كفى أصحابها مئونة العيش، وكان منهم كثيرون يرتّب لهم رزق معلوم يأخذونه فى كل شهر أو فى كل سنة، بل لقد كان منهم وخاصة من المغنين والشعراء من يثرى ثراء فاحشا حتى ليقال إنه صار إلى إبراهيم الموصلى المغنى أربعة وعشرون مليون درهم سوى رزقه أو راتبه الجارى وهو عشرة آلاف درهم فى كل شهر وسوى غلاّت ضياعه (١)، ويقال إن سلما الخاسر خلّف حين توفى خمسين ألف دينار (٢)، وما وصل الأصمعى من الرشيد والبرامكة يتجاوز كل حد، وكذلك ما وصل أبا يوسف القاضى من الرشيد، ويقال إنه دخل عليه وفى يده درتان بديعتان يقلّبهما وينظر فيهما، فقال له: هل رأيت أحسن منهما؟ فأجابه: نعم الوعاء الذى هما فيه، فألقى بهما إليه (٣)، ويروى أن زبيدة زوجة الرشيد مرّت بإحدى فتاواه فأهدته حقّا من فضة بداخله حقان مملوءان طيبا، وبأحدهما جام من ذهب مملوء دراهم وبالثانى جام فضة مملوء ذهبا، مع غلمان وتخوت من ثياب وبعض الدواب الفارهة (٤). وسنعرض فى الفصل التالى لما سكبه الخلفاء والوزراء والولاة وعلية القوم من أموال على العلماء والمؤدبين والأطباء والمترجمين مما جعل حياتهم نعيما خالصا. وطبيعى أن تدفع هذه الأموال لا إلى النعيم فحسب، بل أيضا إلى الترف فى الحياة وكل أسبابها المادية من دور مزخرفة وفرش وثيرة وثياب أنيقة معطرة ومطاعم ومشارب من كل لون والتماس لكل أدوات الزينة والتفنن فيها تفننا يتيح كل ما يمكن من استمتاع بالحياة. ويصور ذلك من بعض الوجوه ما يروى عن مجلس للمهدى كان يجلس فيه على فرش موردة وعليه ثياب موردة وعلى رأسه جارية تلبس هى الأخرى ثيابا موردة (٥)، وما يروى عن مجلس الرشيد من أنه كان يعبق بالطيب والرعفران والأفاويه من كل شكل (٦)، وأيضا ما يروى عن زواج المأمون ببوران بنت ويره الحسن بن سهل، فقد أنفق فيه ما يفوق أغرب القصص الخيالية، إذ قيل إن أباها فرق على حاشية المأمون رقاعا بأسماء كثير من الضياع وبدرا من
следующие страницы →