← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الفصل الثانى الحياة الاجتماعية ١ - الحضارة والثراء والترف لما فتح العرب العراق وإيران والشام ومصر ورثوا ما فى الأولى والثانية من الحضارات الساسانية والكلدانية والآرامية وما فى الثالثة والرابعة من حضارات بيزنطية وسامية قديمة ومصرية، وأخذوا يكوّنون من ذلك ومن تراثهم العربى الخالص حضارتهم الإسلامية، وكان طبيعيّا أن تغلب على الأمويين بدمشق الحضارة البيزنطية وما كان بالشام من عناصر سامية حضارية، حتى إذا نقل العباسيون حاضرة الخلافة إلى العراق غلبت عليهم الحضارة الساسانية وغلبت على ما كان به من عناصر كلدانية وآرامية، وهى تبدو واضحة فى بناء بغداد إذ أقامها المنصور مستديرة على شاكلة طيسيفون المعروفة باسم المدائن حاضرة الساسانيين، وابتنى فيها قصره المعروف بقصر الذهب على طراز قصورهم ذات الأواوين الفخمة. وقد كشفت حفائر سامرّاء عن طريق بناء الدور والقصور لا فيها فحسب، بل أيضا فى بغداد، فقد كان يصل بين الدار والقصر وبين الشارع أو الدرب دهليز مسقوف (١) يفضى إلى فناء واسع يسلم إلى القاعة الكبرى أو الإيوان، وتتناثر فى الدهليز والفناء غرف متجاورات للسكنى والمرافق المنزلية، وتتصل بالإيوان بعض الغرف الصغيرة. وبجانب الفناء الكبير للدار أفنية صغرى ثانوية تعلوها بعض القباب، وأكبرها جميعا قبة الإيوان. وفى الدار حمامات ومجار تحت الأرض وسراديب معدة للسكى، وتكثر الأساطين فى الأفنية، وتكثر الشرفات وتلحق بها

стр. 947

بعض البساتين وبعض النافورات والبرك. وكانت مصاريع الأبواب تصنع من الخشب المحلّى بالنقوش وتتألق النوافذ بالزجاج الملوّن، وتزخرف الحيطان بالنقوش المستوحاة من الطير والحيوان والأشجار والأزهار، وقد يذهّب السقف والأبواب والحيطان وتعلق هنا وهناك ستائر الحرير المزركشة، وقد تحفر على الحيطان بعض الصور كالعنقاء، أما أرض الدار فكانت تموج بالبسط الإيرانية والأرمنية والطنانس ومناضد الآبنوس والتحف الثمينة وتماثيل العقيان والجامات المذهبة والأوانى المرصعة بالجواهر. ولا ريب فى أن هذا البذخ إنما كان يتمتع به الخلفاء وحواشيهم من البيت العباسى ومن الوزراء والقواد وكبار رجال الدولة ومن اتصل بهم من الفنانين شعراء ومغنين ومن العلماء والمثقفين، وكأنما كتب على الشعب أن يكدح ليملأ حياة هؤلاء جميعا بأسباب النعيم، أما هو فعليه أن يتجرع غصص البؤس والشقاء وأن يتحمل من أعباء الحياة ما يطاق وما لا يطاق. ومردّ ذلك إلى طغيان الخلفاء العباسيين الذين حرموا الشعب حقوقه وطوقوه بالاستعباد والاستبداد والعنف الشديد، وقد مضوا هم وبطاناتهم يحتكرون لأنفسهم أمواله وموارده الضخمة، بحيث كانت هناك طبقة تنعم بالحياة إلى غير حد، وطبقات قتّر عليها فى الرزق، فهى تشقى إلى غير حد، واضطرب أوساط الناس من التجار وغيرهم بين الشقاء والنعيم. وكانت خزائن الدولة هى المعين الغدق الذى هيأ لكل هذا الترف، فقد كانت تحمل إليها حمول الذهب والفضة من أطراف الأرض، حتى قالوا إن المنصور خلّف حين توفى أربعة عشر مليونا من الدنانير وستمائة مليون من الدراهم (١) وإن دخل بيت المال سنويّا لعهد الرشيد كان نحو سبعين مليونا من الدنانير (٢) وكانت هذه الأنهار الدافقة من الأموال تصبّ فى حجور الخلفاء ومن يحف بهم من بيتهم ومن الوزراء والقواد والولاة والعلماء والشعراء والمغنين ونسوق من ذلك أطرافا تصور ما آل إليه ذلك من شيوع الإقطاع والثراء العريض فى الطبقة الحاكمة وحواشيها ومن يلوذون بها، فقد روى عن المنصور أنه فرض لكل شخص من أهل بيته ألف ألف درهم فى كل عام (٣)، ويقال إن غلّة

стр. 948

الخيزران زوجة المهدى من إقطاعاتها كانت تبلغ سنويّا مائة وستين مليونا من الدراهم (١)، وكانت إقطاعات محمد بن سليمان بن على العباسى والى البصرة تدرّ عليه كل يوم مائة ألف درهم (٢)، وكانت للفضل بن الربيع وزير الرشيد والأمين قطيعة تغلّ له سنويّا مليون درهم (٣)، ولعلنا لا نعجب بعد ذلك إذا عرفنا أن عمرو ابن مسعدة وزير المأمون خلّف بعد وفاته ثمانين ألف ألف دينار ونقل ذلك إلى المأمون فلم يأخذه العجب، بل قال: هذا قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا (٤). وكان الخلفاء والوزراء والولاة والقواد يغدقون على العلماء والأطباء والشعراء والمغنين، ورسم المهدى لمروان بن أبى حفصة مائة ألف درهم على مدحته ذائع مشهور، وكان يصنع الصنيع نفسه مع المغنين (٥) حين يطرب لبعض أصواتهم، وتجاوز رسمه لمروان ابنه الهادى فأعطاه يوما على مدحته فيه مائة وثلاثين ألف درهم (٦)، وأطربه مغن فأهداه سبعمائة (٧) ألف دينار. وكان الرشيد بحرا فياضا ما بنى ينهلّ على العلماء والفقهاء من أمثال قاضيه أبى يوسف والأصمعى والكسائى، والأطباء من مثل جبرائيل بن بختيشوع، ويقال إنه صار إليه فى عهده ما يزيد على أربعة ملايين من الدراهم (٨)، وكان يجزل للشعراء والمغنين من نواله، ويكفى أن نعرف أنه وصل سلما الخاسر وحده لمدائحه فيه بعشرين ألف دينار (٩)، وطرب يوما لغناء مخارق فأقطعه ضيعة ودارا ووصله بثلاثة آلاف دينار (١٠)، أما مغنيه الأثير عنده وهو إبراهيم الموصلى فيقال إن صلاته له تجاوزت مائتى ألف دينار (١١) أما الأمين فقد تجاوز بصلاته كل حدّ حتى قالوا إنه أجاز عبد الله بن أيوب التيمى الشاعر يوما بمائتى ألف درهم (١٢)، وطرّب ليلة لغناء إسحق الموصلى، فأعطاه ألف ألف درهم (١٣)، وكان يعجب بمغنّية تسمى بذلا، فأنفق عليها أموالا طائلة،

стр. 949

ويقال إنه أهداها من الجوهر ما لم تملك واحدة مثله (١). وكان المأمون كثير الإغداق على حاشيته حتى قالوا إنه فرق فى ساعة واحدة أربعة وعشرين ألف ألف درهم (٢)، ويروى ابن تغرى بردى أنه أمر يوما لكل من ابنه العباس وأخيه المعتصم وعبد الله ابن طاهر بخمسمائة ألف دينار، وعجب ابن تغرى بردى من تفريقه هذه المبالغ الطائلة، فعقب على ذلك بقوله: لعل الدينار يوم ذلك لم يكن مثل دينارنا اليوم (٣) وكأنما ذهب عن ابن تغرى بردى أن أموال الدولة كلها كانت فى أيدى المأمون وسابقيه وتاليه يبذلونها للناس حسب مشيئتهم وينثرونها عليهم نثرا. ونافسهم الوزراء فى هذا البذل الواسع، وللبرامكة فيه ما ليس لأحد، حتى ليقال إنه لم يكن يرى لجليس خالد البرمكى دار إلا وخالد بناها له، ولا ضيعة إلا وخالد ابتاعها له، ولا دابة إلا وخالد حمله عليها (٤)، وصنيع ابنه يحيى وولديه جعفر والفضل فى هذا الباب فوق صنيعه درجات، فقد كانت بأيديهم خزائن الدولة لعهد الرشيد، فملأوا منها أيدى العلماء والأطباء والمترجمين والمغنين والشعراء بالأموال، بل بالثروات الضخمة، على نحو ما يحكى من أنهم أعطوا إبراهيم الموصلى يوما ستمائة ألف درهم وضيعة بمائة وستين ألفا (٥)، وأعطى يحيى البرمكى يوما ابنه إسحق مائة ألف درهم ليبتاع بها دارا وأعطاه ابنه جعفر مائة ألف لفرشها، وأعطاه ابنه الفضل مائة ألف لزخرفتها، وأعطاه ابنه محمد مائة ألف رابعة لنفقتها (٦)، وبلغ-فيما يقال-ما أعطوه لسلم الخاسر الشاعر عشرين ألف دينار (٧)، وكأنهم كانوا يبارون فيه الرشيد. وكان ينافسهم فى هذا البذل الواسع الفضل بن الربيع وبنو سهل وكبار الولاة والقواد من أمثال معن بن زائدة وابن أخيه يزيد بن مزيد الشيبانى وابنه خالد ويزيد بن حاتم المهلبى وأخيه روح ومحمد بن حميد الطوسى وأبى دلف العجلى، وآل طاهر وفى مقدمتهم طاهر نفسه، ويقال إن صلاته بلغت يوما ألفى درهم وسبعمائة ألف وأن ابنه عبد الله تجاوز بصلاته يوما هذا الرقم، بل لقد ضاعفه إذ بلغ به أربعة آلاف ألف درهم وسبعمائة ألف (٨).

стр. 950

وكان لهذه السيول التى كانت ما تنى تسيل إلى حجور العلماء والأطباء والمترجمين والشعراء والمغنين أثرها الواسع فى نهضة العلوم والآداب والفنون، فقد كفى أصحابها مئونة العيش، وكان منهم كثيرون يرتّب لهم رزق معلوم يأخذونه فى كل شهر أو فى كل سنة، بل لقد كان منهم وخاصة من المغنين والشعراء من يثرى ثراء فاحشا حتى ليقال إنه صار إلى إبراهيم الموصلى المغنى أربعة وعشرون مليون درهم سوى رزقه أو راتبه الجارى وهو عشرة آلاف درهم فى كل شهر وسوى غلاّت ضياعه (١)، ويقال إن سلما الخاسر خلّف حين توفى خمسين ألف دينار (٢)، وما وصل الأصمعى من الرشيد والبرامكة يتجاوز كل حد، وكذلك ما وصل أبا يوسف القاضى من الرشيد، ويقال إنه دخل عليه وفى يده درتان بديعتان يقلّبهما وينظر فيهما، فقال له: هل رأيت أحسن منهما؟ فأجابه: نعم الوعاء الذى هما فيه، فألقى بهما إليه (٣)، ويروى أن زبيدة زوجة الرشيد مرّت بإحدى فتاواه فأهدته حقّا من فضة بداخله حقان مملوءان طيبا، وبأحدهما جام من ذهب مملوء دراهم وبالثانى جام فضة مملوء ذهبا، مع غلمان وتخوت من ثياب وبعض الدواب الفارهة (٤). وسنعرض فى الفصل التالى لما سكبه الخلفاء والوزراء والولاة وعلية القوم من أموال على العلماء والمؤدبين والأطباء والمترجمين مما جعل حياتهم نعيما خالصا. وطبيعى أن تدفع هذه الأموال لا إلى النعيم فحسب، بل أيضا إلى الترف فى الحياة وكل أسبابها المادية من دور مزخرفة وفرش وثيرة وثياب أنيقة معطرة ومطاعم ومشارب من كل لون والتماس لكل أدوات الزينة والتفنن فيها تفننا يتيح كل ما يمكن من استمتاع بالحياة. ويصور ذلك من بعض الوجوه ما يروى عن مجلس للمهدى كان يجلس فيه على فرش موردة وعليه ثياب موردة وعلى رأسه جارية تلبس هى الأخرى ثيابا موردة (٥)، وما يروى عن مجلس الرشيد من أنه كان يعبق بالطيب والرعفران والأفاويه من كل شكل (٦)، وأيضا ما يروى عن زواج المأمون ببوران بنت ويره الحسن بن سهل، فقد أنفق فيه ما يفوق أغرب القصص الخيالية، إذ قيل إن أباها فرق على حاشية المأمون رقاعا بأسماء كثير من الضياع وبدرا من

стр. 951

الدنانير والدراهم كل بدرة عشرة آلاف، وأعطى المأمون بوران ألف ياقوتة وأوقد لها شموع العنبر وبسط لها حصيرا منسوجا بالذهب مكللا بالدر والياقوت، ونثرت جدتها عليها حين جلس إليها المأمون ألف درة (١). وينوّه المؤرخون بأناقة المعتصم حتى قيل إن ثيابه كانت تشبّه بالزّهرة لتألقها (٢)، واشتهر بلبس قلانس طويلة ذات ألوان مختلفة سميت بالمعتصميات، كما اشتهر بأنه ألبس قواده وكبار جنده دراعات الديباج المنسوجة بالذهب المرصعة باليواقيت والأكاليل المرصعة بالدرر من كل لون (٣)، ويصف بعض المغنين مجلس الواثق فيقول: «لم يزل الخدم يسلموننى من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن ملبسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك، وإذا الواثق فى صدره على سرير مرصّع بالجوهر وعليه ثياب منسوجة بالذهب» (٤). وكان الوزراء وغير الوزراء من علية القوم يحيون هذه الحياة المترفة وينغمسون فيها انغماسا، جامعين لقصورهم ومجالسهم كل ما يمكنهم من طرف، ويصور ذلك-من بعض الوجوه-ما يروى عن الأصمعى من أنه دخل على الفضل بن يحيى البرمكى فى يوم بارد من أيام الشتاء «فإذا هو فى بهو قد فرش بالسّمّور (ضرب من الفراء) وهو فى دست منه وعلى ظهره دوّاج (ثوب) سمّور أشهب مبطن بخزّ، وبين يديه كانون فضة فوقه أثفيّة ذهب فى وسطها تمثال أسد رابض فى عينيه ياقوتتان تتوقدان» (٥). وطبيعى أن يشيع فى هذا الجو الزاخر بالترف التأنق فى الملبس والثياب، وقد عمّ حينئذ ببغداد لبس الأزياء الفارسية، ومرّ بنا فى الفصل السابق كيف كانت كل طائفة من طوائف الموظفين ورجال الدولة تلبس زيّا خاصّا بها يميزها من الطوائف الأخرى. وكان المنصور أول من دفع إلى ذلك إذ رسم للوزراء لبس الدّرّاعات والطيلسانات والشاشيات، وأمر أفراد حاشيته بلبس القلانس الطوال

стр. 952

مما جعل أبا دلامة مضحكة ينشده (١): وكنا نرجّى من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى فى القلانس تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جلّلت بالبرانس (٢) وكان الشعراء يلبسون الوشى والمقطعات الحريرية (٣)، ويلبس المغنون قطوع الديباج والخزّ (٤)، ويقال إنه كان لعمارة بن حمزة أحد كتّاب الخراج ألف دوّاج من صوف وفراء (٥) واستكثروا حينئذ من العطور وأنواع الطيب من الغالية والمسك والكافور والعنبر والروائح الأرجة التى كانت تستخلص من البنفسج والنرجس والنّيلوفر وغير ذلك من الأزهار، واشتهرت جور الفارسية بماء الورد وأدهنة الزعفران. وبالغ النساء حرائر وجوارى فى زينتهن وأناقتهن، فكن يرفلن فى الثياب الحريرية ويختلن فى الحلى والجواهر متخذات منها تيجانا وأقراطا وخلاخيل وعقودا وقلائد، وقد ينظمنها على شعرهن (٦) أو على عصائبهن (٧)، ويقال إن دنانير جارية البرامكة كانت تتحلّى بعقد من الجوهر بلغت قيمته ثلاثين ألف دينار كان قد أهداه إليها الرشيد (٨). وكن يتعطون بأنواع الطيب من مفرقهن إلى أقدامهن، ويقال إن عريب المغنية كانت تغسل شعرها من جمعة إلى جمعة وتغلفه فى كل غسلة بستين مثقالا مسكا وعنبرا (٩). وكن يمشطن شعورهن بأمشاط من الصّدف والصّندل (١٠) ويعقصنه أو يرسلنه غدائر تنوس، وقد يلوينه على أصداغهن فى هيئة النون أو هيئة العقرب، وفى ذلك يقول أبو نواس واصفا طائفة منهن (١١): أصداغهنّ معقربا ... ت والشّوارب من عبير

стр. 953

وكنّ يلبسن جوارب الحرير ويتحلين بعقود الأزهار من بنفسج وغير بنفسج، ويقول الجاحظ إن المرأة حين كانت تزوّج ابنتها تحليها بالذهب والفضة وتكسوها المروزىّ والوشى والقزّ والخزّ وتعلّق لها المعصفر وتدق الطيب حتى تعظّم أمرها فى عين زوجها وأهله (١). ولعل امرأة لم تبلغ من التأنق ما بلغته زبيدة زوجة الرشيد وفيها يقول المسعودى إنها: «أول من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجوهر وصنع لها الرفيع من الوشى حتى بلغ الثوب من الوشى الذى اتّخذ لها خمسين ألف دينار. . وهى أول من اتخذ القباب من الفضة والآبنوس والصندل. . ملبسة بالوشى والسمور (الفراء) والديباج وأنواع الحرير. . واتخذت الخفاف (النعال) المرصعة بالجوهر، وشمع العنبر، وتشبّه الناس بها» (٢). ولا ريب فى أن هذا كله كان على حساب العامة المحرومة التى كانت تحيا حياة بؤس تقوم على شظف العيش لينعم الخلفاء والوزراء والولاة والقواد وكبار رجال الدولة وأمراء البيت العباسى الذين بلغوا هم وأبناؤهم نحو ثلاثين ألفا لعهد المأمون (٣). وطبيعى أن يعم البؤس والشقاء من جانب، بينما يعم النعيم والترف من جانب آخر، بل لقد كان للشقاء والبؤس أكثر الجوانب فى الحياة العباسية، فالجمهور يعيش فى الضنك والضيق لا الرقيق منه فحسب الذى كان يعمل فى القصور والضياع، بل أيضا جمهور الناس من الأحرار، وكأنما كانوا جميعا أرقاء فى هذا النظام الذى كفلت فيه أسباب النعيم ووسائل الترف لأقلية محدودة استأثرت لنفسها بطيبات الأرض والرزق وزينة الحياة. ولعل هذا البذخ وما صحبه من اعتصار الشعب هو السبب الحقيقى فى كثرة الثورات على العباسيين وخاصة فى إيران، مما عرضنا له فى الفصل السابق، وأيضا لعله السبب الحقيقى فى تعلق الناس بالمهدى المنتظر من أبناء على الذى ينشر العدل الاجتماعى فى الأرض، مما هيأ لكثرة الجمعيات السرية واعتناق الناس لعقيدة التشيع على اختلاف فرقها. غير أن المسألة لم توضع وضعا سليما صريحا على أساس مشكلة العدالة الاجتماعية واستنزاف الشعب لمصلحة طبقة تعيش معيشة

стр. 954

باذخة مسرفة فى البذخ، بل وجهت توجيها خاطئا، على أساس دعوات دينية مارقة كدعوة الخرمية التى استوجت آراء المزدكية والمانوية، وحتى الشيعة وفرقهم أعلوا المقاصد الدينية على مقاصد العدالة الاجتماعية. وبذلك أخفقت هذه الثورات جميعا، لأنها لم تضع للشعب اللافتات والشعارات الحقيقية التى يلتف حولها ويعمل من أجلها، ومضى العباسيون وحواشيهم يغرقون إلى آذانهم فى البذخ والترف. وقد هيأ هذا الترف لنشوء طبقة وسطى فى بغداد ومدن العراق من التجار والصناع الذين كانوا يقومون على مطالب الترف وأدواته، أما التجار فكانت سفنهم وقوافلهم غادية رائحة فى البحر والبر تجلب الطرف النفيسة من جميع أنحاء العالم، وأما الصناع فكانوا يتفننون فى صوغ التحف الثمينة. وكان مركزهم جميعا فى الأسواق حيث تتجمع حوانيت كل طائفة منهم فى سوق أو شارع. وكانت رءوس أموالهم تختلف قلة وكثرة وضيقا وسعة، فمنهم من كان رأس ماله ثلاثة آلاف دينار (١) ومنهم من بلغ رأس ماله مائة وأربعين ألف دينار ومليونين وستمائة ألف من الدراهم (٢)، ويقال إن ربح بعض التجار بلغ فى صفقة واحدة مائة ألف دينار (٣). وكان أكثرهم ثراء البزّازين والعطّارين وتجار التحف النفيسة. ومن أهم الجوانب التى يتضح فيها بذخ الطبقة المترفة مطاعمها ومشاربها، فقد طعموا وشربوا فى أوانى الذهب والفضة وصحاف الصينى المزخرفة والصحاف الزجاجية المنقوشة والمحفورة، وتفنّن لهم الطهاة فى ألوان الطعام والشراب، وكانوا يسمّون باسم ما يعدونه منها من خبّاز وشوّاء وطبّاخ وخبّاص وهو الذى يصنع الحلوى وسرابى وهو صانع الشراب وألوانه. وفى كتاب البخلاء للجاحظ حشد كبير من الأطعمة والمشارب وهى فى جمهورها فارسية، فمنها السّباج وهو لحم يطبخ بخلّ مع شئ من الزعفران لتطيب رائحته، والطّباهج وهو طعام من لحم وبيض وبصل، والشّبارقات وهى شرائح مشوية من اللحم، ومنها الفانيذ وهو حلوى من الدقيق والسكر والسمن، والخشكنان وهو كعك بحشى بالجوز والسكر، والفالوذج وهو حلوى من النشا وعسل النحل والسمن، ومنها الجلاّب وهو شراب من ماء الورد.

стр. 955

وكانوا يتفننون تفننا واسعا فى إضافة الأفاويه إلى الأطعمة وصنع المشهيّات والمخلّلات الحرّيفة وصنوف النّقل من مثل مملوح البندق والجوز واللوز والفستق. وتكثر عندهم أسماء الفواكه من مثل التين والعنب والموز والكمّثرى والخوخ والرمان والإجّاص والسفرجل والتفاح، وكان البطيخ لديهم كثيرا حتى نسبوا إليه سوق الفاكهة، فسموها باسم سوق البطيخ ودار البطيخ. ومما يدل على كثرة أفانين الطهاة فى الأطعمة ما يروى من أن مائدة المأمون ضمت ذات يوم ثلاثمائة لون (١)، وقد انبهر الأصمعى لكثرة ما رآه على مائدة الفضل بن يحيى البرمكى من ألوان الطعام وما غسلوا به أيديهم بعد الأكل من ألوان الطيب والغالية والعنبر (٢). ويقال إن المأمون كان ينفق على طعامه يوميّا ستة آلاف دينار بينما كان ينفق وزيره ابن أبى خالد على طعامه يوميّا ألف درهم (٣)، وهو نفس المبلغ الذى كان ينفقه إبراهيم الموصلى يوميّا على طعامه وطيبه (٤). ومن تتمة هذا الترف فى المطعم أن نراهم يتواضعون على طائفة من آداب المائدة اقتبسوا كثيرا منها عن الفرس (٥)، فمن ذلك أن يضم الآكل شفتيه فى أثناء المضغ وأن لا يستأثر لنفسه بشئ من محاسن الطعام وأن لا يمسح فمه بكمه وأن لا يتناول إلا ما بين يديه وأن لا ينظر إلى ما بين يدى غيره وأن لا يطلب ما عسى أن لا يكون موجودا. وعلى نحو ما كان للمائدة آدابها كان لمجالس الخلفاء والوزراء وعلية القوم أيضا آدابها، وهى تعرف بآداب المسامرة (٦)، وكان لا بد للنديم من إحسانها، حتى يخفّ على قلب منادمه، وكثير من هؤلاء الندماء استطاع أن يعتلى منصب الوزارة بما كان يحسنه من التبسط إلى الخليفة فى الحديث فى ساعات صفوه وغضبه، ومن لم يعتل منهم منصب الوزارة سالت عليه الصلات السنية، ولذلك لا نعجب أن يصبح الحذق بالمنادمة وما تتطلب من كياسة مطمحا لكثير من العلماء والأدباء ومن اللغويين والفقهاء وكل من يريد الحظوه عند خليفة أو وزير. وتلمع فى هذا الجانب أسماء الأصمعى وأبى يوسف منادمى الرشيد وثمامة بن أشرس نديم المأمون.

стр. 956

وكان النديم يورد فى أحاديثه أخبار العامة ونوادرهم وبعض الحكايات القصيرة وبعض الطرف الأدبية. وكان بين هؤلاء الندماء مضحكون لا يزالون يوردون فكاهات مضحكة، ومن أشهرهم أبو دلامة الشاعر مضحك السفاح والمنصور والمهدى، وله فكاهات كثيرة تدور فى كتب الأدب، ومنهم ابن أبى مريم مضحك الرشيد «وكان محدثا فكها، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته، وكان ممن جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجان» (١) ومنهم أبو الشمقمق وكان الناس يتهافتون على جمع نوادره (٢). وكانت هناك أدوات للتراويح ولعب كثيرة، من ذلك سباق الخيل (٣) وسباق الحمام الزاجل (٤) ولعبة الصولجان وهو كرة تضرب من فوق ظهور الخيل، ومن ذلك المحادثة بين الديوك والكباش والكلاب، ولعب أبى نواس بالكلاب هو الذى أتاح له التفوق فى وصفها بطردياته، ومن ذلك لعبة الشطرنج حتى ليشتهر شخص بإحسانها يسمى أبا حفص الشطرنجى، ولعبة النّرد (الطاولة) ويقال إن واضعه أراد به تمثيل الحياة، فرقعته تقابل الأرض المبسوطة لسكانها، ومنازله الأربع تقابل الطبائع الأربع وخطوطها وهى أربعة وعشرون تقابل ساعات الليل والنهار وبيادقة (حجارته) الثلاثون تقابل عدد أيام الشهر واختلاف ألوانها بين البياض والسواد تقابل اختلاف الليل والنهار وفصّاه (الزهر) يقابلان القضاء. ويظهر أنهم عرفوا لعبة خيال الظل، فقد هدّد دعبل ابنا لأحد طبّاخى المأمون بأنه سيهجوه، فقال له: والله إن فعلت لأخرجنّ أمك فى الخيال (٥). ومن أسباب اللهو التى فتن بها الخلفاء الصيد بالبزاة والشواهين والصقور والكلاب والفهود، والصيد قديم عند العرب والفرس جميعا، ومن الملوك الذين اشتهروا به عند الأخيرين بهرام جور (٦)، وأولع به المهدى، فكان يخرج إليه فى مواكب كبيرة ومعه الحرس والوصفاء وبعض حاشيته، ويروى أن على بن سليمان العباسى خرج معه يوما فعرض لهما ظبى سانح، فرماه هو والمهدى بسهمين،

стр. 957

أما المهدى فأصابه وأما على بن سليمان فأصاب كلبا كان قد أرسل عليه وقتلاهما جميعا، فقال أبو دلامة متندّرا (١): قد رمى المهدىّ ظبيا ... شكّ بالسهم فواده وعلىّ بن سليما ... ن رمى كلبا فصاده فهنيئا لهما ك ... لّ امرئ يأكل زاده وشغف بالصيد كل من جاء بعد المهدى من الخلفاء (٢)، وكان يشغف به الفضل بن يحيى البرمكى شغفا شديدا (٣). وكان للعامة ملاهيهم وفى مقدمتها الفرجة على القرّادين والحوّائين، وكانوا يتجمعون حول قصّاص يطرفونهم بحكايات خيالية، كما كانوا يتجمعون حول طائفة من الحكّائين الذين كانوا يحكون فى دقة لهجات سكان بغداد ونازليها من الأعراب والنبط والخراسانيين والزنوج والفرس والهنود والروم، ويصور الجاحظ عملهم، فيقول: «إنا نجد الحاكية من الناس يحكى ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئا وكذلك تكون حكايته للخراسانى والأهوازى والزّنجى والسّندى والأحباش وغير ذلك، نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة فى كل فأفاء فى الأرض فى لسان واحد، وتجده يحكى الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدا يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان فى أعمى واحد، ولقد كان أبو دبّوبة الزنجى مولى آل زياد يقف بباب الكرخ بحضرة المكارين، فينهق، فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بهير إلا نهق، وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث لذلك، ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبّوبة فيحركها، وقد كان جمع جميع

стр. 958

الصور التى تجمع نهيق الحمار فجعلها فى نهيق واحد، وكذلك كان فى نباح الكلاب» (١). ٢ - الرقيق والجوارى والغناء كثر الرقيق فى العصر العباسى كثرة مفرطة بسبب كثرة من كانوا يؤسرون فى الحروب وبسبب انتشار تجارته ومعروف أن الإسلام يقصر الاسترقاق على أسرى الحروب من الأجانب، غير أن تجارة الرقيق كانت منتشرة فى إيران وخراسان وما وراءهما وفى الدولة البيزنطية، وعظمت هذه التجارة فى الإسلام على مر السنين، حتى كان فى بغداد شارع خاص بها يسمى شارع الرقيق (٢)، وكان يقوم عليه موظف يسمّى قيّم الرقيق. وكان الرقيق حينئذ يجلب من بلاد الزّنج وإفريقية الشرقية ومن الهند وأواسط آسيا ومن بيزنطة وجنوبى أوربا وكان الزنوج يعملون فى فلاحة الأرض غالبا، أما غيرهم فكانوا يقومون بالأعمال اليدوية والخدمة فى المنازل والقصور. وقد دعا الإسلام دعوة واسعة إلى تحرير الرقيق فكان كثير منهم يحرّرون، وقد يصل بعضهم إلى أرفع المناصب فى الدولة مثل الربيع بن يونس مولى المنصور وحاجبه ثم وزيره (٣). وكان الرشيد يستكثر منهم حتى قال إنه سار يوما وبين يديه أربعمائة منهم (٤)، ومعروف شغف المعتصم بالرقيق التركى، وما زال يشتريهم من أيدى مواليهم ومن النخاسين حتى اجتمعوا له بالآلاف وحتى اضطرّ أن يبنى لهم-كما أسلفنا-مسرّ من رأى كى يجنّب العامة شرهم وأذاهم. وكان يشيع بينهم الخصيان ونحن نعرف أن الإسلام يحرم خصاء الإنسان احتراما لآدميته، ولكنه كان منتشرا فى العالم القديم بين البيزنطيين (٥) وغيرهم،

стр. 959

وما نصل إلى العصر العباسى حتى نجد القصور فى بغداد وغيرها من بلدان العالم الإسلامى تكتظ بهم، ومن المؤكد أن المسلمين لم يكونوا هم الذين يقومون بهذا العمل البغيض من الحضارة، إنما كان يقوم بذلك اليهود والنصارى متحملين وزره وإثمه. وقد اشتهر الأمين بكلفه بهم كلفا شديدا حتى تندر عليه معاصروه (١). وكان رقيق النساء من الجوارى أكثر عددا من رقيق الرجال فقد ذخرت بهن الدور والقصور، إذ أحلّ الإسلام للشخص أن يتملك من الإماء والحوارى ما شاء، وبينما قيّد حريته إزاء الحرائر فحرّم عليه أن يتزوج منهن بأكثر من أربع أطلق حريته إزاء الجوارى فلم يقيّده بعدد منهن، وإن كان قد حرم عليه بيع من يستولدها وردّ إليها حريتها بعد وفاته وجعل أولاده منها أحرارا منذ ولادتهم. وكان الرجال بعامة يفضلونهن على الحرائر، لأنهن كن من أجناس مختلفة، فمنهن السنديات والفارسيات والحبشيات والخراسانيات والأرمنيات والتركيات والروميات، وأيضا ربما كان للحجاب دخل فى ذلك، فقد كانوا لا يرون من يريدون الاقتران بهن من الحرائر، أما الجوارى فكن معروضات بدور النخاسة تحت أعينهم، فكانوا يختارونهن حسب مشيئتهم وهواهم، وصوّر ذلك الجاحظ فقال: «قال بعض من احتجّ للعلة التى من أجلها صار أكثر الإماء أحظى عند الرجال من أكثر المهيرات أن الرجل قبل أن يملك الأمة قد تأمّل كل شئ منها وعرفه ما خلا حظوة الخلوة، فأقدم على ابتياعها بعد وقوعها بالموافقة، والحرّة إنما يستشار فى جمالها النساء، والنساء لا يبصرن من جمال النساء وحاجات الرجال وموافقتهن لا قليلا ولا كثيرا، والرجال بالنساء أبصر، وإنما تعرف المرأة ظاهر الصفة، وأما الخصائص التى تقع بموافقة الرجال فإنها لا تعرف ذلك. وقد تحسن المرأة أن تقول كأن أنفها السيف وكأن عينها عين غزال وكأن عقها إبريق فضة وكأن ساقها جمّارة وكأن شعرها العناقيد وكأن أطرافها المدارى وما أشبه ذلك، وهناك أسباب أخربها يكون الحب والبغض» (٢). وكانت هؤلاء الجوارى والإماء من أجناس وثقافات وديانات وحضارات مختلفة، فأثّرن آثارا واسعة فى أبنائهن ومحيطهن، وهى آثار امتدت إلى قصر الخلافة وعملت فيه عملا بعيد الغور، فقد كان أكثر الخلفاء من أبنائهن، فالمنصور

стр. 960

أمه حبشية والهادى والرشيد أمهما الخيزران رومية والمأمون أمه مراجل فارسية وكذلك أم المعتصم ماردة. وكانت أم الواثق رومية وتسمى قراطيس. وقد أخذ هؤلاء الجوارى يكثرن فى القصر منذ المهدى وكان بينهن من يعلقن الصّلبان ويقال إنه اشترى جاريته مكنونة بمائة ألف درهم (١). وقد استكثر الرشيد وزوجه زبيدة من الجوارى والإماء حتى قيل إنه كان عند كل منهما زهاء ألفى جارية فى أحسن زى من الثياب والجوهر (٢)، وكانت سحر وضياء وخنث من بينهن يشغفن قلبه، وفيهن يقول، وقيل: بل نظم ذلك العباس بن الأحنف على لسانه (٣): ملك الثلاث الآنسات عنانى ... وحللن من قلبى بكل مكان مالى تطاوعنى البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ فى عصيانى ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... -وبه عززن-أعزّ من سلطانى وكان قصر الأمين يزخر بالجوارى الغلاميات اللائى يلبسن لبس الغلمان (٤)، وزخر قصر المأمون بالجوارى المسيحيات (٥)، كما زخر بهن وبغيرهن قصر المعتصم والواثق (٦). وكانت قصور الوزراء والأمراء تمتلئ بهن، حتى ليروى أنه كان لعتّابة زوج يحيى بن خالد البرمكى مائة وصيفة، لبوس كل واحدة منهن وحليّها خلاف لبوس الأخرى وحليّها (٧). ويفيض كتاب الأغانى بأخبارهن فى دور علية القوم وفى دور النخاسة والقيان ويصوّر كيف كان يغشى الدور الأخيرة الشعراء، والجوارى يستصبين قلوبهم وكثيرا ما يقع حب جارية فى قلب شاعر ويصبح محنة لا يجد إلى التخلص منها سبيلا، وكان من الشعراء من يقاوم إغراءهن. ولكنه يغاديهنّ صباح مساء مفتونا بهن. وعلى هذا النحو كانت دور النخاسة وانقيان معارض للجمال، وهى معارض مفتوحة ليلا ونهارا يجتمع فيها الفتيان من الشعراء وغير

стр. 961

الشعراء يتملّون بالجمال ومفاتنه، وفى ذلك يقول أبو دلامة (١): إن كنت تبغى العيش حلوا صافيا ... فالشعر أعزبه وكن نخّاسا تنل الطرائف من ظراف نهّد ... يحدثن كل عشيّة أعراسا وهى أعراس ظلت قائمة طوال العصر، وظل الشعراء يختلفون إليها، وكن أحيانا يزرنهم فى دورهم ويبتن عندهم، وقد يشترى الجارية الخليفة أو وزير أو أمير أو قائد مشهور أو أحد العلية من أبناء البيوتات فيظل الشاعر متعلقا بها وتظل تملك عليه كل شئ من أمره على نحو ما كانت تملك عتبة إحدى جوارى قصر المهدى قلب أبى العتاهية وجنان جارية الثقفيين قلب أبى نواس وفوز جارية محمد بن المنصور فتى العسكر قلب العباس بن الأحنف. وكانت كثيرات منهن يثقّفن بفنون الآداب، فكن يجمعن إلى جمالهن عذوبة الحديث، فيملأن على الشعراء وغيرهم قلوبهم وعقولهم، بل كان منهن من يتقنّ نظم الشعر مثل عنان جارية الناطفى وسكن جارية محمود الوراق وقد عرض عليه بعض الطاهريين أن يشتريها منه بمائتى ألف درهم فأبى التفريط فيها (٢) لما كانت تسعر به قلبه من الحب المضطرم. وكان منهن من يضفن إلى ذلك إجادة الغناء فكنّ فتنة من فتن العصر على نحو ما كانت دنانير جارية البرامكة ومتيّم جارية على بن هشام أحد قواد المأمون وعريب جارية الأمين والمأمون. وكان للغناء فى الناس لهذا العصر أثر أى أثر، فقد شغلوا به أى شغل، وكأنه نعيمهم من دنياهم الذى لا يؤثرون سواه لما يبعث فى نفوسهم من غبطة وابتهاج، ومعروف أنه انتقل من الحجاز إلى العراق لأواخر عصر بنى أمية، إذ نرى ابن رامين الكوفى يستقدم مغنيات الحجاز (٣)، ويقيم دارا واسعة يقصدها الناس. وما تنشأ بغداد ويطلّ عصر المهدى حتى تصبح دارا كبيرة للغناء، فقد جذبت إليها المغنين والمغنيات من كل فجّ، ونثرت الأموال عليهم نثرا-بل كالتها كيلا. وأول من كالها من الخلفاء المهدى، واقتدى به الهادى، وخلفهما الرشيد فجعل المغنين

стр. 962

مراتب وطبقات على نحو ما جعلهم أردشير (١) بن بابك، وهو الذى طلب إلى إبراهيم لموصلى وإسماعيل بن جامع وفليح بن أبى العوراء أن يختاروا له الأصوات المائة التى أدار أبو الفرج الأصبهانى-فيما بعد-كتابه الأغانى عليها. وكان الأمين يعيش للسماع والقصف، ويقال إنه اشترى بذلا المغنية بعشرين ألف ألف درهم (٢). وكان فى المأمون وقار فامتنع عن السماع بعد قدومه من خراسان أربع سنوات، ثم أقبل عليه فملأ مجالسه بإسحق الموصلى ومخارق، ويقال إنه اشترى عريب المغنية المحسنة الشاعرة بمائة ألف درهم، واشتراها المعتصم بنفس الثمن بعد وفاته (٣)، وكان الواثق أشد كلفا بالغناء لإحسانه الضرب على آلاته، وله فيه أصوات سجلها صاحب الأغانى، ويقال إنه اشتريت له قلم الصالحية المغنية بعشرة آلاف دينار (٤). ومن أبرز المغنين حينئذ إبراهيم الموصلى، ويقال إنه خلّف تسعمائة صوت صنعها ابتداء (٥)، وكان يغنى الرشيد على ضرب زلزل وزمر برصوما (٦)، وفى ذلك ما يدل على أنهم عرفوا غناء الجوقات. ومنهم ابن جامع مغنى الرشيد وكان يقال فيه إنه زقّ عسل حلو، وطرب الهادى لصوت غناه فأعطاه ثلاثين ألف دينار (٧). ومنهم مخارق وكان الناس يبكون لجمال غنائه ورقته، وسمعه أبو العتاهية فقال له: يا دواء المجانين لقد رققت حتى كدت أن أحسوك، فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما، ولو كان شرابا لكان ماء الحياة (٨). ومنهم علّويه، وكان يقول فيه الواثق: غناء علّويه مثل نقر الطست يبقى فى السمع ساعة بعد سكوته (٩) وأنبه المغنين فى العصر إسحق الموصلى، وقد تلقن الغناء عن إبراهيم أبيه والضرب على العود عن زلزل، وفى ترجمته بالأغانى أنه أعطاه على تعليمه له مائة ألف درهم. وكانت صنعته محكمة الأصول، وكان يتصرف فى جميع بسط الإيقاعات. ويظهر أنه استطاع أن ينتقل بالغناء من حد التطريب إلى حد التعبير، بل لعل

стр. 963

ذلك كان شأوا ارتفع إليه المغنون فى عصره، فقد روى صاحب الأغانى أن مغنيا تغنى فى مجلس الواثق بصوت له، فنظر إليه مخارق نظرا شزرا حتى إذا خلا به قال له: «ويحك أتدرى أى صوت غنيت؟ إن إسحق جعل صيحة هذا الصوت بمنزلة طريق ضيق وعر صعب المرتقى، أحد جانبى ذلك الطريق حرف الجبل، وعن جانبه الآخر الوادى، فإن مال مرتقيه عن محجته إلى جانب الوادى هوى، وإن مال إلى الجانب الآخر نطحه حرف الجبل فتكسّر» (١). ولعله بفضل ما كانت تحمل أصوات الغناء من صور التعبير كانت تعلّم وتباع بأعلى الأثمان حتى لقد بيع صوت بمائة ألف دينار (٢)، وكان سراة بغداد يتهادونها كما يتهادون التحف الثمينة (٣). وبلغ من رقى هذا الفن وارتفاع شأنه فى النفوس أن أقبل أبناء الخلفاء وعلية القوم على تعلمه وإتقانه حتى لنراهم يصنعون فيه ألحانا وأصواتا تنسب إليهم، على نحو ما أشرنا إلى ذلك آنفا عند الواثق، وقد فتح أبو الفرج فى أغانيه فصلا بل فصولا طويلة (٤) لأبناء الخلفاء وما أثر عنهم من أصوات. وأشهرهم فى هذا الباب إبراهيم ابن المهدى وأخته علية وكان إبراهيم يعدّ فى كبار المغنين المحسنين، وله أصوات (٥) كثيرة، وكانت علية مثله تجيد الغناء وقد خلّفت فيه ثلاثة وسبعين صوتا (٦) وممن برع فى الغناء وأثرت عنه أصوات بديعة فيه عبد الله (٧) بن طاهر، وأبو دلف (٨) العجلى قائد المأمون المشهور وقد جعل هذا الغناء الذى ملأ حياة الناس واستأثر بقلوبهم يرفع من أثمان الجوارى المسمّين بالقيان اللائى كن يتقنّه ويدلعن ناره فى القلوب ونسيمه الحلو الصافى، وقد مرّ بنا ما بيعت به عريب مرارا وما بيعت به بذل وفلم الصالحية، ويقال إن صالح بن على عم المنصور اشترى سعدة بتسعين ألف درهم واشترى ابن أخيه جعفر بن سليمان ربيحة بمائة ألف والزرقاء بمائة ألف ثانية (٩)، والثلاث

стр. 964

من جوارى ابن رامين اللائى استقدمهن من الحجاز، واشترى المهدى سرّا من أبيه المنصور بصيص جارية ابن نفيس بسبعة عشر ألف دينار (١)، واشترى الرشيد ذات الخال بسبعين ألف درهم (٢)، بينما اشترى على بن هشام أحد قواد المأمون متيّم الهاشمية بعشرين ألف درهم (٣). وكانت هذه الأثمان الباهظة التى تدفع فى شراء الجوارى اللاتى يحسنّ الغناء سببا فى أن يعنى المقيّنين بتعليمهن هذا الفن حتى يصيبوا من ورائهن الأرباح الطائلة، وجاراهم فى ذلك بعض المغنين الحاذقين من أمثال إبراهيم الموصلى، حتى يقال إنه كان عنده ثمانون جارية يعلمهن فن الغناء (٤). وكان ابنه إسحق على شاكلته يعلم الجوارى والغلمان جميعا، ويقال إنه علم غلامين-لبعض أمراء البيت العباسى-الغناء نظير مائة ألف درهم (٥). ولم يكن هو وأبوه وحدهما يحترفان هذا التعليم والتثقيف، فقد شركهما فيه كبار المغنين لعصرهما من مثل ابن جامع ويزيد بن حوراء وبعض الجوارى المحسنات للغناء، وهذا هو سر ما نجده عند صاحب الأغانى من نصه دائما على أساتذة المغنى المتقن والقينة المحسنة وتلامذتهما. ويخيل إلى الإنسان أنه لم يبق فى بغداد ولا فى الكوفة ولا فى البصرة سرىّ إلا عمل على أن يقتنى قينة أوقيانا يشعن المرح فى داره. وكان من لا يستطيع اقتناء قينة يمكنه أن يستأجر من المقيّنين إحدى قيانهم لتغنيه ليلة أو ليالى متصلة، فالرواة يذكرون أنه كان لأبى النضير عمر بن عبد الملك جوار يغنين ويخرجن إلى أهل البصرة (٦)، وكانت قيان بربر فى الكوفة ما يزلن يختلفن إلى مطيع بن إياس ورفقته (٧)، وبالمثل كانت قيان بغداد يكثرن من الاختلاف إلى دور الشعراء، وكان الشعراء وغيرهم من فتيان بغداد يزورونهن فى دور أصحابهن من المقيّنين، وكانت أشبه بنواد كبيرة للغناء والموسيقى، فالناس يذهبون إليها شعراء وغير شعراء للمتعة بالسماع ورؤية الجمال من كل شكل وعلى كل لون، وكثيرا

стр. 965

ما كان يقع الشعراء فى حب بعض الجوارى المكتملات الخلق الجميلات الجسد، فيستأثرن بكل ما فيهم من عاطفة وهوى على نحو استئثار ريم بقلب مطيع (١) بن إياس، وعبادة بقلب عبد الله (٢) بن محمد البواب وعنان بقلب أبى النضير (٣)، وسلسل بقلب أبان (٤) بن عبد الحميد. وكن يتبارين فى جذب الشعراء بما يشعن فى أحاديثهن من عذوبة حلوة وبما يحسن من صنوف الغزل والعبث بقلوب الرجال. وكثيرات من هؤلاء القيان والجوارى كن يحسن الرقص، ويظهر أنه بلغ حينئذ حظّا واسعا من الرقى على نحو ما يصور لنا ذلك المسعودى بما ضبط من إيقاعاته على الغناء ورسم من صفاته (٥)، ويذكر ابن خلدون أنه كان للرقص عندهم آلات خاصة فى الملبس وما يستخدمن من قضبان مع ما يترنمن به من أشعار، ويقول إنه كان عندهم ضرب آخر من الرقص يتخذن فيه آلات تسمى الكرّج وهى تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلّقة بأطراف أقبية، يلبسها النساء ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكررن ويفررن كأنهن فى حرب (٦)، وفى كتاب الأغانى أن الأمين كان يرتكض فى الكرّج بصحن قصره، بينما الوصائف من حوله يغنين على الطبول والسّرنايات والمخنثون يزمرون ويطربون (٧). وقد أشاع هؤلاء الجوارى والقيان فى المجتمع كثيرا من ضروب الرقة والظّرف، فقد جعلت كثرة معاشرتهن الرجال لهن يتعودون كيف يتلطفون لقلوبهن، وكيف يستنزلونهن بالكلام الرقيق إلى ودّهم، وكيف يحيطونهن بأشراك الحديث الساحر الذى يشغف قلوبهن ويملؤها بالعطف والحنان، وكان لذلك أثره البالغ فى الشعر والشعراء، فقد شاعت فى كثير من معانيهم الرقة المفرطة والإشارة الدالة واللمحة المعبرة. واقترنت بهذا الظرف مظاهر كثيرة فى الأزياء وفى العطور وآداب الطعام والسمر، ومن أهم مظاهره تهادى القوم بالأزهار والرياحين رامزين بأسمائها وأشكالها

стр. 966

إلى معانى المودة والمحبة (١)، وكان الجوارى والقيان يكلفن بالورود كلفا شديدا، ويروى أن متيم الهاشمية جارية على بن هشام ومغنيته كان يعجبها البنفسج جدّا فكانت لا تخلى منه كمّها (٢). وكان لهذا الإعجاب والكلف أثره فى العناية بالأزهار والرياحين وتغنى الشعراء بها غناء كثيرا (٣). وكان الجوارى يهدين التفاح كثيرا إلى من يكلفون بهن أو يتعلقن هن بهم، وكن يضعن عليه أثر أخذه بأفواههن، وقد يفلّجنه ويشقّقنه بالمسك وغيره من أنواع الطيب، وقد يكتبن عليه بعض أبيات رقيقة، تصور صبابتهن، وفى أخبار المهدى أن جارية من جواريه أهدت إليه تفاحة وطيّبتها وكتبت عليها (٤): هديّة منى إلى المهدى ... تفاحة تقطف من خدّى محمّرة مصفرّة طيّبت ... كأنها من جنّة الخلد واستغللن أبيات الحب والعشق كثيرا لا فى أحاديثهن فحسب، بل فى كل ما يتصل بهن، فكن يكتبنها على المناديل الحريرية التى يرسلن بها تذكارا إلى عاشقيهن، وقد يكتبنها على عصائبهن وذوائبهن وثيابهن وأكمامهن وفرشهن وما يمسكن به من مراوح، ويروى بعض الأشخاص أنه دخل على هرون فرأى الوصائف من ورائه وقد تزيّن بعصابات نظمت فيها الدّرر واليواقيت وكتبت عليها أبيات فى صفائح الذهب، مثل قول بعض الشعراء (٥): مالى رميت فلم تصبك سهامى ... ورميتنى فأصبتنى يا رامى وقول آخر على لسان إحدى الجوارى: أفلت من حور الجنان ... وحلقت فتنة من يرانى ويذكر إسحق الموصلى أنه دخل على الأمين يوما فوجد من حوله وصائف

стр. 967

يختلن فى حسنهن، وبأيديهن مراوح نقشت عليها أبيات غزل مختلقة، منها هذا البيت (١): أتهوون الحياة بلا جنون ... فكفّوا عن ملاحظة العيون وكن يتبارين فى التهادى بالتحف النفيسة، من ذلك ما يروى عن مؤنسة جارية المأمون من أنها أهدت إلى متيم الهاشمية جارية على بن هشام فى يوم احتجمت فيه مخنقة (قلادة) فى وسطها حبّة-لها قيمة جليلة-كبيرة وعن يمين الحبة ويسارها أربع يواقيت وأربع زمردات وما بينها من شذور الذهب، وغمستها فى الغالية (٢). وعلى هذا النحو كانت الجوارى والقيان فى هذا العصر من العوامل الفعالة فى انتشار الظرف والرقة فى المجتمع العباسى حتى أصبحا سمتين بارزتين فيه، وبذلك رقّت المشاعر والأحاسيس ودقت الأذواق وأرهفت إرهافا شديدا. ٣ - المجون ورث المجتمع العباسى كل ما كان فى المجتمع الساسانى الفارسى من أدوات لهو ومجون، وساعد على ذلك ما دفعت إليه الثورة العباسية من حرية مسرفة، فإذا الفرس المنتصرون يمعنون فى مجونهم ويمعن معهم الناس، فقد مضوا يعبون الخمر عبّا ويحتسون كئوسها حتى الثمالة، وحاكاهم من عايشوهم حتى أصبح الإدمان عليها ظاهرة عامة على الرغم من نهى القرآن الكريم عنها وحضّه على اجتنابها إذ يقول عزّ شأنه: ﴿(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)﴾. وكان من أسباب انتشارها وإقبال الناس عليها أن أدّى اجتهاد بعض فقهاء العراق إلى تحليل بعض الأنبذة كنبيذ التّمر والزبيب المطبوخ أدنى طبخ ونبيذ العسل والبرّ والتّين (٣). فشرب الخلفاء هذه الأنبذة وشربها الناس، وتهالك بعض الناس-إمعانا فى

стр. 968

المجون-على أنواعها المحرمة بإجماع الفقهاء. والمعروف أن الهادى أول خليفة عباسى أغرى بالخمر (١)، وتبعه الرشيد (٢) ومن جاءوا بعده، وأغلب الظن أنهم لم يكونوا يتجاوزون الأنواع المحلّلة إلى الأنواع المحرمة إلا ما كان من الأمين الذى كان يعيش للخمر المسكرة يشربها أرطالا (٣)، وكأنما كان فى قلبه جذوة من الغرام بها لا سبيل إلى إطفائها إلا بشرابها متتابعا، حتى ليصل أحيانا مساءه فيها بصباحه، حدّث ابن المعتز أنه اصطبح بها يوما مع أبى نواس وطائفة من ندمائه: «فأتى بالشراب كأنه الزعفران، أصفى من وصال المعشوق وأطيب ريحا من نسيم المحبوب، وقام سقاة كالبدور بكئوس كالنجوم فطافوا عليهم، وضربت المغنيات خلف الستائر بمزاهرها. فشربوا معه من صدر نهارهم إلى آخره فى مذاكرة (أحاديث) كقطع الرياض، ونشيد كالدرّ المفصّل بالعقيان، وسماع يحيى النفوس ويزيد فى الأعمار. فلما كان آخر النهار دعا بعشرة آلاف دينار فى صوانىّ فأمر فنثرت عليهم فانتهبوها والشراب-بعد- يدور عليهم بالكبير والصغير من الصرف والممزوج» حتى إذا نام واستيقظ فى السحر طلب إلى أبى نواس أن ينشطه إلى متابعة السكر ببعض الأبيات، فأنشده: نبّه نديمك قد نعس ... يسقيك كأسا فى الغلس صرفا كأن شعاعها ... فى كفّ شاربها قبس تذر الفتى وكأنما ... بلسانه منها حرس يدعى فيرفع رأسه ... فإذا استقلّ به نكس فهش الأمين ونشط ودعا بالشراب يصطبح به لليوم التالى وينعم بنشوته (٤)، غير مفكر فى وقار خلافة ولا فى دين، فقد احتلت قلبه وبسطت سلطانها عليه فأحبها وهام بها هياما. والأمين فى خمره ومجونه ليس شذوذا فى عصره بل هو امتداد لموجة حادّة

стр. 969

بدأها الوليد بن يزيد فى دمشق لآخر عصر بنى أمية ثم مطيع بن إياس ورفقاؤه من أمثال والبة بن الحباب فى الكوفة وبشار وأضرابه المجّان فى البصرة. ومن الحق لو أن العصر العباسى لم يقبل ويقبل معه الخراسانيون من الشرق لما اتسعت تلك الموجة ولا نحصرت فى حيز ضيق، فقد أحسّ الفرس أن الحياة واتتهم وأخذوا يعبّون كئوس الخمر مترعة، وتهالك الشعراء عليها من حولهم حتى أصبحت من أهم الموضوعات الجديدة فى الشعر العباسى، واشتهر فيها غير شاعر بخمرياته، على نحو ما هو معروف عن أبى نواس. ومن يقرأ فى الأغانى لأبى الفرج يخيّل إليه أن الناس جميعا شرفاء ومشروفين قد تورطوا فى إثمها تورطا، وكان منهم من يسرف فى شربها إسرافا شديدا حتى ليتناول منها عشرة (١) أرطال دفعة واحدة. ويؤثر عنهم أنهم كانوا يكرهون أن يدور الشراب بين اثنين، لأن أحدهما قد ينهض لحاجة فيبقى صاحبه واجما، ومن أجل ذلك استحبّوا أن يدور الشراب بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة، بحيث لا يزيدون عن ذلك، حتى لا يستحيل الشراب إلى لون من ألوان الشغب، وفى ذلك يقول أبو نواس (٢): ثلاثة فى مجلس طيّب ... وصاحب الدعوة والضارب فإن تجاوزت إلى سادس ... أتاك منهم شغب شاغب وقد تفنن الشعراء فى وصف نشوتها وآثارها فى الجسد والعقل ووصف دنانها وكئوسها ومجالسها وندمانها وسقاتها وكانوا عادة من النصارى والمجوس واليهود، وكانوا يزينون رءوسهم بأكاليل الزهر كما يزينون قاعة الشراب بالرياحين، وفى ذلك يقول أبو نواس خمريته (٣) التى كان يعجب بها الجاحظ إعجابا شديدا: ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس (٤) مساحب من جرّ الزّقاق على الثّرى ... وأضعاث ريحان جنىّ ويابس (٥)

стр. 970

حبست بها صحبى فجدّدت عهدهم ... وإنى على أمثال تلك لحابس أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحّل خامس تدار علينا الرّاح فى عسجديّة ... حبتها بألوان التصاوير فارس (١) قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مهى تدّريها بالقسىّ الفوارس (٢) فللخمر ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس (٣) وهى خمرية تقطر حنينا وحبّا للخمر، فقد بثّ فى مطلعها لوعة عشاق العرب إزاء الرسوم الداثرة لوعة تجعلهم يحبسون مطيهم عندها وفاء لحق حبهم فيها، حتى إذا استتم هذه الصورة مضى يعلن صبابته بتلك الدار وكيف حبس بها صحبه أياما يتداولون كئوس الخمر التى كانت تشيع فيهم البهجة والفرحة بشكلها المادى وما ارتسم عليها من صور فارسية بديعة وبما تسكب فى بطونهم من رحيق الخمر ومتاعها المتصل. ومنذ أول العصر نجد الخمر تقترن بالغناء والرقص، إذ تحول المقيّنون فى كرخ بغداد وفى البصرة والكوفة بدورهم إلى حانات كبيرة للشرب والقصف كل مساء، فكان الشعراء وغيرهم يؤمونها للشراب على غناء القيان وضرب الطبول والدفوف، ومن أشهر تلك الدور دار ابن رامين المقيّن فى الكوفة، فقد جلب إليها طائفة من قيان الحجاز، كان يختلف إليهن للشراب والسماع مطيع بن إياس وصحبه من الشعراء وابن المقفع ومعن بن زائدة الشيبانى وروح بن حاتم الباهلى (٤). وعلى شاكلتها دار إسماعيل القراطيسى المقيّن فى بغداد، وكانت مألفا لأبى نواس والحسين بن الضحاك وأبى العتاهية وغيرهم من الشعراء (٥). وكانت البساتين فى ضواحى بغداد تمتلئ بالحانات التى يختلف إليها الشعراء وغيرهم من الفتيان كحانة بستان صبّاح التى وصفها مطيع بن إياس فى بعض شعره (٦)، ويروى الصولى أن أبان بن عبد الحميد أظهر من التهالك على الشراب

стр. 971

والمجون ما جعل أباه ينصحه أن يخرج إلى بعض البساتين لعله يسلو الخمر، وغاب فيها طويلا، فكتب إليه أبوه يتشوقه، وما كان أشد عجبه حين أجابه بقوله (١): يا أبى لا ترث لى من غيبتى ... أنا فى خير ولهو ودعه ومعى فى كل يوم مسمع ... حاذق يطربنى أو مسمعه وندامى كمصابيح الدّجى ... كلهم يأخذ كأسا مترعه لا يبالى من لحا فى شربها ... أبدا حتى يوارى مصرعه فالبساتين أو على الأقل طائفة منها تحولت إلى حانات كبيرة للخمر والقصف والمتعة بسماع بعض المغنين والقيان. وكانت الأديرة تقدم لروّادها الخمر المعتقة وقد استحالت قاعات شرابها إلى مجتمعات لطلاب الخمر والمجون من الشعراء وغيرهم، وكانت متناثرة فى ضواحى بغداد وغيرها من مدن العراق، ونرى الشعراء الماجنين يذكرون خمرها ونشوتها ورهبانها وراهباتها من مثل قول أبى نواس (٢): يا دير حنّة من ذات الأكيراح ... من يصح عنك فإنى لست بالصاحى رأيت فيك ظباء لا قرون لها ... يلعبن منا بألباب وأرواح بل لقد كثرت أشعارهم فيها كثرة مفرطة دفعت كثيرين إلى تخصيص مؤلفات لها على نحو ما هو معروف عن كتاب الديارات للشابشتى، وفيه نزاها تتحول فى العراق إلى دور واسعة للهو والعبث. وكثير من دور الشعراء أنفسهم فى بغداد وغير بغداد تحولوا بها إلى مقاصف للخمر والمجون على نحو ما كانت دور مطيع بن إياس ورفقائه فى الكوفة ودار بشار فى البصرة ودار أبى نواس فى بغداد. وكانت هناك أيام على مدار السنة يخرجون فيها للهو والقصف والعبث والمجون، وهى أيام الأعياد: أعياد الإسلام وأعياد الفرس والنصارى وكانت تأخذ شكل كرنقالات عظيمة، يخرج فيها الناس للشراب

стр. 972

واللهو المباح وغير المباح والفرجة على أصحاب المساخر، وكان منهم من يتهادون على صفحة دجلة فى القوارب الجميلة ومنهم من يبعد فى البساتين. أما أعياد الإسلام فهى عيد الفطر وعيد الأضحى، وأما أعياد الفرس فكانت كثيرة، مثل عيد السّدق وهو عيد مجوسى للنار وكانوا يوقدونها طوال الليل متغنين من حولها وراقصين، ومن أعيادهم عيد هرمزد إله الخير، وفيه يقول والبة بن الحباب (١): قد قابلتنا الكئوس ... ودابرتنا النحوس واليوم هرمزد روز ... قد عظّمته المجوس وأهم أعيادهم عيد النّيروز، وهو عيد الربيع، وكانوا يحتفلون به احتفالات صاخية لأول الربيع حين تدخل الشمس برج الحمل، وفيه يقول أبو نواس (٢): أما ترى الشمس حلّت الحملا ... وقام وزن الزمان فاعتدلا وغنّت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا واكتست الأرض من زخارفها ... وشى نبات تخاله حللا فاشرب على جدّة الزمان فقد ... أصبح وجه الزمان مقتبلا وكانوا يحتفلون بعيد المهرجان بعده بمائة وأربعة وتسعين يوما. وكانت أعياد النصارى كثيرة أيضا، فمنها عيد الميلاد وعيد الفصح وعيد دير الثعالب فى الجانب الغربى لبغداد وعيد دير أشمونى بقطربّل، ومنها عيد الشّعانين وكان عيدا قديما للأشجار وخاصة أشجار الزيتون، وكانت الجوارى النصرانيات يحتفلن به فى قصر الخلافة، إذ يروى أحمد بن صدقة المغنى أنه دخل على المأمون فى هذا العيد، فرأى بين يديه عشرين وصيفة رومية أدرن الزّنّار حول أوساطهن وتزيّن بالديباج وعلّقن فى أعناقهن صلبان الذهب وأمسكن فى أيديهن بالخوص والزيتون، ولم يكد المأمون يراه حتى طلب إليه أن يغنيه فى أبيات تصفهن، تجرى على هذا النمط: ظباء كالدّنانير ... ملاح فى المقاصير

стр. 973

جلاهنّ الشّعانين ... علينا فى الزّنانير (١) وقد زرّقن أصداغا ... كأذناب الزرازير (٢) وأقبلن بأوساط ... كأوساط الزّنابير (٣) وغناه فيها ابن صدقة ورقصت الوصائف فى أثناء الغناء، وشرب المأمون على رقصهن وغنائه وأكثر من شربه حتى تغشاه السكر (٤). ومما لا ريب فيه أن إدمان الخمر حينئذ دفع إلى كثير من المجون والعبث والإباحية، وكان المجتمع زاخرا بزنادقة وملاحدة وأناس من ديانات شتى مجوسية وغير مجوسية، فمضى كثيرون يطلقون لأنفسهم العنان فى ارتكاب الآثام متحررين من كل قانون للخلق والعرف والدين. وكان من أهم العوامل التى هيأت لذلك السلع التى كانت تباع وتشترى من الجوارى والقيان، فقد كن من أجناس وشعوب مختلفة، ولم يكن يشعرن إلا فى النادر بشئ من الكرامة ولا كن يصطنعن شيئا من التحفظ والاحتشام وسعر ذلك فى قلوبهن النخاسون والمقينون الذين يبتزون عن طريق علاقتهن بالشباب والفتيان أموال السّراة. وبذلك تحولت كثرتهن إلى أدوات فتنة وإغراء وريبة ومجون وعبث، وأخذن يتفنّنّ فى الحيل التى يجذبن بها قلوب الرجال من شعراء وغير شعراء، مداعبات لهم بالتبسم وغامزات بطرف العين وناشطات معهم بالسكر، ولم تكن الواحدة منهن تكتفى برجل واحد، فقد كن يستكثرن من اتخاذ الخلان سالكات إلى ذلك طرقا مستقيمة ومعوجة، ووصف ذلك الجاحظ فقال: «ربما اجتمع عند القينة من معشوقيها ثلاثة أو أربعة. . فتبكى لواحد بعين وتضحك للآخر بالأخرى، وتغمز هذا بذاك، وتعطى واحدا سرّها والآخر علانيتها وتوهمه أنها له دون الآخر وأن الذى يظهر خلاف ضميرها، وتكتب لهم عند الانصراف كتبا على نسخة واحدة، تذكر لكل واحد منهم تبرّمها بالباقين وحرصها على الخلوة به دونهم، فلو لم يكن لإبليس شرك يقتل به ولا علم يدعو

стр. 974

إليه ولا فتنة يستهوى بها إلا القيان لكفاه» (١). ويمضى الجاحظ فيصور العلة التى جرّت إلى فجر القينة وتهالكها على الإثم وأوزاره، فيقول: «كيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة وإنما تكتسب الأهواء وتتعلّم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهى إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها فيما يصدّ عن ذكر الله من لهو الحديث. . . وبين الخلعاء والمجّان ومن لا يسمع منه كلمة جدّ، ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ولا صيانة مروءة، وتروى الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت (أغنية) فصاعدا، يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، وعدد ما يدخل فى ذلك من الشعر إذا ضرب بعضه ببعض عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة ولا ترهيب من عقاب ولا ترغيب فى ثواب، وإنما بنيت كلها على ذكر. . القيادة والعشق والصبوة والشوق والغلمة، ثم لا تنفكّ من الدراسة لصنعتها منكبّة عليها تأخذها من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش وإنشادهم مراودة». وقد دفع هذا الفساد الخلقى الذى كان يشيعه القيان والجوارى فى هذا العصر إلى انتشار الغزل المكشوف الذى لا تصان فيه كرامة المرأة والرجل جميعا، فقد كانت المرأة غير الحرة تبتذل ابتذالا، وتطورت الحياة فلم يعد العرب هم الذين يستبدون بالشعر مصورين فيه مروءتهم وارتفاعهم بالمرأة عن الصغار والامتهان، بل مضى شعراء الفرس يستبدون به، إذ كان أكثر الشعراء حينئذ منهم، فلم يعرفوا للمرأة حقها من الصيانة والارتفاع عن الفجر الفاجر، بل لعلهم كانوا يدفعونها إليه دفعا، بما كانوا ينظمون من أشعار صريحة عاهرة، على نحو ما يلقانا عند مطيع بن إياس ورفقته فى الكوفة وبشار بن برد ومعاصريه فى البصرة، وقد استحال شعر بشار إلى نداء صارخ للغريزة الجسدية، نداء يندى له جبين الشرف والخلق مما جعل وعاظ بلدته من أمثال واصل بن عطاء ومالك بن دينار يصرخون به أن يكفّ عن غيّه، وتعالى صياحهم هم ونظرائهم حتى وصل سمع (٢) المهدى، فهدّده وأنذره أن ينزل به عقابه إن هو لم يزدجر ولم يرعو، واضطرّ أن ينزل على مشيئته

стр. 975

وبكى ذلك طويلا فى أشعاره. على أن تدخل المهدى جاء متأخرا، فقد عمّ طوفان هذا الغزل لا فى البصرة والكوفة وحدهما بل أيضا فى بغداد عند أبى نواس وأضرابه، بحيث عدّ ظهور العباس بن الأحنف بغزله الطاهر العفيف شذوذا على جيله ومجتمعه. وليس معنى ذلك أن الحياة فى بغداد كانت كلها مجونا وتهالكا على الفجر والعهر، فإن تعدد الزوجات الذى أباحه الإسلام وما أعطاه للرجل من حق تسرّى الجوارى، كل ذلك كان يحول دون سقوط بغداد جميعها فى هوة الفساد، ومن أجل ذلك ينبغى أن لا نبالغ فى تصور موجة المجون والعبث حينئذ وأن نظن أن أهل بغداد جميعا قد تخلوا عن الحياة المستقيمة الطاهرة التى يحوطها الخلق والتقاليد والدين، إنما هو الكرخ حيث بيوت النخاسين والمقينين ومن يفدون عليها من الفتيان والشعراء للشراب والمجون فى غير استخفاء ولا حياء. وقد أشاع هؤلاء المجان والخلعاء آفة مزرية هى آفة التعلق بالغلمان المرد، وكان أول من اشتهر بالغزل فيهم والبة بن الحباب، وهو يصرح بذلك تصريحا فى غير مواربة ولا استحياء (١)، ويقال إنه هو الذى يتحمل وزر إفساد أبى نواس، بل هو فى رأينا الذى يتحمل وزر العصر كله وما شاع فيه من هذا الغزل المقيت الذى يخنق كرامة الشباب والرجال خنقا. وربما كان من أسباب شيوعه كثرة الغلمان الخصيان فى بغداد وغيرها من مدن العراق، وكان منهم من تسقط عنه رجولته حتى ليلبس لبس النساء. وكان من الجوارى من يلبس لبس الغلمان لفتا للشباب والرجال، ويروى أن الأمين حين أفضت إليه الخلافة قدّم الخصيان وآثرهم، فشاعت قالة السوء فيه، ورأت أمه زبيدة درءا لتلك القالة أن تبعث إليه بعشرات من الجوارى، ألبستهن لبس الرجال، حتى ينصرف عن الخصيان فكن يختلفن بين يديه، وأبرزهن للناس، ولم يلبث كثيرون أن جاروه فى هذا الصنيع (٢)، وكن يسميّن بالغلاميات، وعمّت هذه البدعة فى الساقيات (٣) بالحانات، ولعل ذلك هو السر فى أن أبا نواس كثيرا ما يتحدث عن بعض

стр. 976

الجوارى بضمير المذكر. ومن تتمة هذا التبادل بين الجوارى والخصيان فى الزى والهيئة حينئذ كثرة المخنثين بين المغنين والضاربين على الدفوف، وكانوا يتشبهون بالنساء فى عاداتهن وثيابهن وضفر شعورهن وصبغ أظافرهن بالحناء (١). ٤ - الشعوبية والزندقة نادى الإسلام فى قوة بهدم الفوارق العصبية للقبائل والفوارق الجنسية للشعوب، حتى يسود الوئام بين أفراد الأمة الإسلامية، فلا عدنانى ولا قحطانى ولا عربى ولا أعجمى، إنما هى أمة واحدة يتساوى أفرادها فى جميع الحقوق ولا تفاضل فيها إلا بالتقوى والعمل الصالح، يقول جلّ شأنه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) ويقول الرسول ﷺ فى خطبة حجة الوداع: «أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى» (٢). وهذا بلا ريب مثل أعلى أراده الإسلام لأمته، غير أنا لا نصل إلى عصر على بن أبى طالب وما نشب لعهده من حرب صفّين حتى نرى العصبيات القبلية تعود جذعة بين القبائل، وكأنهم لم ينسوا حياتهم القديمة، بل لقد اضطرمت اضطراما لم تهدأ ثائرته طوال عصر بنى أمية. وقد مضى الأمويون ينحرفون عن جادّة الدين فى معاملة الموالى، فهم يرهقونهم بكثرة الضرائب، وهم لا يسوون بينهم وبين العرب فى الحقوق، إلا ما كان من عمر بن عبد العزيز، ولكن مدة حكمه كانت قصيرة، فلم يؤت عمله فى هذا الجانب أى ثمرة. وكانت هذه المعاملة السيئة للموالى سببا فى اضطغانهم على العرب، أو بعبارة أدق على الدولة الأموية، فشاركوا الخوارج والشيعة فى الثورة عليها، يأخذ فريق منهم يمثلهم إسماعيل (٣) بن يسار النسائى يفاخر العرب بحضارة أمته الفارسية وملوكها

стр. 977

الساسانيين الذين غلبوا على الأرض. وعظم حقد الموالى على الدولة، وملأت الحفيظة والموجدة صدورهم، والتفّت منهم جماعات كثيرة حول أبى مسلم داعية العباسيين بخراسان، وما لبثوا أن زحفوا فى جيش ضخم أدالوا به للعباسيين من الأمويين وللفرس من العرب إدالة نفذوا فى أثنائها إلى مناصب الدولة العباسية العليا، بحيث كان منهم أكثر القواد وأكثر الولاة، وخاصة حين استولى على أزمّة الحكم البرامكة فى عهد الرشيد وبنو سهل فى عهد المأمون. وكان هذا التحول الخطير فى مقاليد الحكم وما أصبح للفرس من مكانة رفيعة فى المجتمع العباسى الجديد سببا فى بروز نزعة الشعوبية نسبة إلى الشعوب الأعجمية، وهى نزعة كانت تقوم على مفاخرة تلك الشعوب-وفى مقدمتها الشعب الفارسى- للعرب مفاخرة تستمد من حضارتهم وما كان العرب فيه من بداوة وحياة خشنة غليظة. وكان منهم معتدلون وقفوا عند حد التسوية بين العرب وغيرهم من الشعوب حسب تعاليم الإسلام فلا عربى يفضل أعجميّا ولا أعجمى يفضل عربيّا، إذ ليست العروبة ولا العجمة ميزة فى نفسها تعلى من شأن صاحبها، فالناس جميعا سواء وقد خلقوا من تراب ويعودون إلى التراب. وكان بجانب هؤلاء المعتدلين متطرفون تجاوزوا التسوية بين العرب وغيرهم من الشعوب إلى الإزراء عليهم والنزول بهم دونها مرتبة أو مراتب، وهؤلاء هم الذين تصدق عليهم كلمة الشعوبيين، إذ قدموا الشعوب الأجنبية على العرب وتنقّصوا قدرهم وصغّروا شأنهم، وكانوا طوائف مختلفة فمنهم رجال السياسة الذين يريدون أن يستأثروا دون العرب بالحكم والسلطان، ومنهم قوميون كانوا يستشعرون مشاعر قوميتهم ضد العرب الذين اجتاحوا ديارهم وقوّضوا دولهم وهى مشاعر ما زالت تحتدم فى نفوس الفرس حتى أحيوا لغتهم ودولتهم فيما بعد، ومنهم مجان خلعاء أعجبتهم الحضارات الأجنبية وما اقترن بها من خمر ومجون واستمتاع بالحياة. وأشد من كل هؤلاء عنفا وغيظا من العرب الملاحدة الزنادقة الذين كانوا يبغضون الدين الحنيف وكل ما اتصل به من عرب وعروبة، وفيهم يقول الجاحظ: «إن عامة من ارتاب بالإسلام إنما كان أول ذلك رأى الشعوبية والتمادى فيه وطول الجدال المؤدّى إلى الضلال، فإذا أبغض شيئا أبغض أهله، وإن أبغض تلك اللغة أبغض تلك

стр. 978

الجزيرة، وإذا أبغض تلك الجزيرة أحبّ من أبغض تلك الجزيرة، فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الإسلام، إذ كانت العرب هى التى جاءت به، وهى السلف والقدوة» (١). وكانت أهم مطاعنهم التى وجههوها إلى العرب أنهم كانوا بدوا (٢) رعاة أغنام وإبل، ولم يكن لهم ملك ولا حضارة ولا مدنية ولا معرفة بالعلوم، فأين هم قديما من ملك الأكاسرة والقياصرة؟ وأين هم من الحضارة الفارسية والرومية؟ وأين هم من علوم الهند والفرس والكلدان واليونان والرومان؟ وقد مضوا يزرون على خطابتهم واعتمادهم فيها على العصى وإشارتهم بها واتكائهم على أطراف القسّى كما أزروا على أسلحتهم الساذجة وأطعمتهم الخشنة. وأخذوا يتتبعون مثالبهم ويحصونها عليهم ويستقصونها، وكان العرب بسبب أهاجيهم القبلية العنيفة قد وضعوا تحت أيديهم مادة وفيرة منها، فاستغلوها فى ذمهم وأضافوا إليها مادة مختلقة صاغوها فى قصص وأشعار وأضافوها إليهم. وبلغ من سوء نيتهم وشدة موجدتهم عليهم أن حاولوا تقبيح بعض شيمهم الرفيعة كشيمة الكرم، وقايسوا بين ما عندهم من المعارف والتعمق فى السياسة وبين ما للعرب من حكم منثورة. وزعموا-فيما زعموا- أن الرسول فضلهم على العرب بمثل قوله: «لأنابهم أوثق منى بكم» (٣) والوضع فى هذا الحديث لا يحتاج دليلا. وحاولوا أن يستلّوا قريشا قوم الرسول من العرب ويدخلوهم فى غمارهم فزعموا أن سائلا سأل الرسول عن أهله وأصل قريش. فقال: نحن قوم من نبط كوثى (٤). ومن المحقق أن رجال الفرس البارزين من أمثال البرامكة وآل سهل وآل طاهر ابن الحسين كانوا يذكون نار هذه الشعوبية فيمن حولهم من الفرس، وقد اختلف الناطقون عنها بين عالم وأديب وشاعر، نذكر منهم أبا عبيدة اللغوى الإخبارى المشهور، وأصله من يهود فارس، وقد صبّ عنايته على تسجيل مثالب العرب

стр. 979

وبلغ من فساد طويته أن طعن فى بعض أسباب (١) الرسول ﷺ . وليس من شك فى أن عنايته بتلك المثالب هى التى دفعته إلى شرح نقائص جرير والفرزدق لما تحمل منها من وقود جزل، وكان فى الوقت نفسه يعنى بالكتابة فى فضائل الفرس (٢). ومنهم علاّن الشعوبى الفارسى وكان منقطعا إلى البرامكة ونسخ فى بيت الحكمة للرشيد والمأمون، وألّف فى مثالب القبائل العربية كتابا سماه الميدان (٣). وكان يستشعر هذه النزعة فى أعماقه الكاتب الأديب سهل بن هرون الفارسى أحد صنائع البرامكة، وقد أسند إليه المأمون الإشراف على بعض خزائن بيت الحكمة، وكان يتعصب على العرب تعصبا مسرفا، وصنف فى ذلك كتبا كثيرة (٤). وقد افتتح الجاحظ كتابه البخلاء برسالة له أشاد فيها بالبخل وغضّ غضّا شديدا من فضيلة الكرم العربية. وأهم شاعر فى العصر أوقد نيران هذه الخصومة وظل يمدها بحطب جزل من أشعاره بشار بن برد وكان فى عصر بنى أمية يكثر من الفخر بمواليه من قيس، حتى إذا حدث الانقلاب العباسى انقلب معه يتبرأ من العرب وولائهم ناسبا ولاءه إلى الله ذى الجلال، يقول (٥): أصبحت مولى ذى الجلال وبعضهم ... مولى العريب فخذ بفضلك فافخر وقد مضى يشنّ حربا عنيفة على العرب، وكان أبوه طيّانا يضرب اللّبن، فاعتزى إلى أشراف العجم وملوكهم داخلا-كما يقول الجاحظ-بذلك فى باب فسيح لا حجاب عليه ونسب واسع لا مدافع عنه. ولم يكتف بهذا النسب الذى ادعاه فقد مضى يزعم أنه ينتسب من قبل أمه إلى قياصرة الرّوم على نحو ما نجد فى قصيدته (٦): هل من رسول مخبر ... عنى جميع العرب

стр. 980

وهى تصور ضراوة حقده العنيف على العرب، وقد مضى فيها يقارن بين بداوتهم الجافية وحضارة آبائه اللينة من الفرس والروم. وفى الحق أن شعوبيته كانت صارخة، إذ كان زنديقا وعدوّا للعرب ودينهم الحنيف عداوة ترسب فى ضميره وفؤاده. وممن يسلكون فى شعراء الشعوبية أبو يعقوب الخريمى، ولم يكن جادّا فى تعصبه على العرب وخصومتهم، إنما كان يطلب التسوية بينهم وبين غيرهم من الشعوب، ولذلك ينبغى أن ينحّى عن جماعة الشعوبيين، وأدخل منه فيهم أبو نواس وشعوبيته إنما ترجع إلى شغفه بالخمر وعكوفه على المجون وإعجابه بالحضارات الأجنبية، فهى شعوبية ناشئة عن الاستمتاع باللذات، وكان يبتغيها ما وجد إليها سبيلا، ويجعلها غاية الغايات من حياته، وقد مضى يصور ذلك بدعوته إلى الانصراف عن الحياة المتبدّية الخشنة وما يتصل بها من بكاء الأطلال والوقوف برسوم الديار إلى الحياة الناعمة المترفة وما يتصل بها من النشوة بالخمر والغلو فى الشراب والإغراق فى اللذات، وله فى ذلك أشعار كثيرة. وكانت تسقط أسراب من هذه النزعة إلى شعراء النبط والهند، من مثل قول أبى الأصلع الهندى يفخر بالهند وما أخرجت بلاد الهند (١): لقد يعذلنى صحبى ... وما ذلك بالأمثل وفى مدحتى الهند ... وسهم الهند فى المقتل وفيه السّاج والعاج ... وفيه الفيل والدّغفل (٢) وينبغى أن نعرف أن الروح العربية-على الرغم من هذه الشعوبية-ظلت شامخة مسيطرة، يسندها الخلفاء وزعماء العرب من الولاة والقواد ومستشارى الدولة، كما يسندها الفقهاء والمحدثون وعلماء اللغة ورواة الشعر. وقد ردّ بعض شعراء العرب على الشعوبية وأصحابها على نحو ما نجد عند أبى الأصبع الأموى فى تصدّيه لعبد الله بن طاهر حين افتخر فى قصيدة له بنسبه من الفرس وبأبيه طاهر بن

стр. 981

الحسين قاتل الأمين، فقد نقضها نقضا بقصيدته (١): لا يرعك القال والقيل ... كلّ ما بلّغت تضليل وتجرّد نفر من الموالى أنفسهم للرد على أصحاب هذه النزعة الخبيثة وما تحمل من كيد للعرب ودينهم الحنيف على نحو ما يلقانا عند الجاحظ فى كتابه البيان والتبيين وابن قتيبة فى رسالته التى سماها «كتاب العرب» ومر بنا منذ قليل رأى الجاحظ فى أنها كانت تدفع الموغلين فيها دفعا إلى الإلحاد فى الدين والزندقة. وكلمة الزندقة ليست عربية إنما هى تعريب لمصطلح إيرانى كان يطلقه الفرس على صنيع من يؤوّلون «الأقستا» كتاب داعيتهم زرادشت تأويلا ينحرف عن ظاهر نصوصه، ومن أجل ذلك نعتوا به دعوة مانى ومن فتنوا بها من الفرس. وأخذ مدلول الكلمة يتسع فى العصر العباسى ليشمل كل من استظهر نحلة من نحل المجوس، واتسعت أكثر من ذلك فشملت كل إلحاد بالدين الحنيف وكل مجاهرة بالفسق والإثم. ومعروف أن جمهور الفرس قبل الإسلام كانوا مجوسا على دين زرادشت الذى ظهر فى ديارهم حوالى منتصف القرن السابع قبل الميلاد وما وضعه لهم من تعاليم (٢) ضمّنها كتابه «الأقستا» وفيه زعم أن للعالم إلهين هما «أهورا مزد» إله النور خالق كل خير و «أهرمن» إله الظلمة خالق كل شر، وأن وراء الحياة الدنيا حياة أخرى يكون فيها حساب الشخص على أعماله فإما النعيم وإما الجحيم، وأن النار مقدسة طاهرة مما جعل الإيرانيين يقيمون لها المعابد فى كل مكان. وظهر عندهم فى القرن الثالث الميلادى داع يسمى مانى مزج فى تعاليمه بين الزرادشتية والبوذية والنصرانية (٣)، فأبقى من الأولى على عقيدة إلهى النور والظلمة واستباحة الزواج بالبنات والأخوات، وأخذ من الثانية عقيدة التناسخ وتحريم ذبح الحيوان والطيور، وأخذ من الثالثة الزهد والنّسك، وفرض على أصحابه صلوات وأدعية

стр. 982

كثيرة. وفى أواخر القرن الخامس للميلاد يظهر فى إيران داع جديد هو مزدك وكان ثنويّا (١) يؤمن بإلهى النور والظلمة وتقديس النار، وقد مضى يدعو دعوة صارحة إلى العكوف على اللذات والشهوات والإمعان فيها، وأحلّ النساء وأباح الأموال وجعلها شركة للناس، وكان له-كما كان لمانى-أتباع كثيرون. وقد عامل الإسلام والمسلمون المجوس معاملة أهل الكتب السماوية، وبذلك ظلت المجوسية حية حياة قوية حتى العصر العباسى، ومرّ بنا ما كان من ثورات سنباذ والخرمية فى خراسان وأذربيجان وطبرستان، وهى ثورات كانت تستوحى هذه الملل المجوسية السابقة، وكانت تسرى فى نفوس كثيرين من نازلة بغداد والعراق سرّا وجهرا، وكانت المانوية أخطرها جميعا لما كانت تأخذ به من الزهد ومن بعض التعاليم المسيحية، مما جعلها تقترب من دعوات الديانات السماوية فى السلوك وفى التخلق بالخلق الحسن، وإن افترقت عنها بعد ذلك افتراقا شديدا فى ثنويتها وتحليلها الزواج بالبنات والأخوات وما جلبته من بعض مذاهب الهند. وتنبه المهدى لانتشار هذه الملل المجوسية المارقة فى أمصار العراق ورأى فيها خطرا أى خطر على الدولة والإسلام، فأمر-كما أسلفنا فى الفصل السابق- باتخاذ ديوان خاص لتعقب من يعتنقها من المسلمين ونصب لهم حربا لا هوادة فيها ولا لين، فكل من تثبت عليه زندقته قدّم وقودا لتلك الحرب التى ظلت قائمة إلى عهد ابنه الرشيد. ويظهر أن الفرس كانوا قد نشطوا نشاطا واسعا فى نشرها بين الناس ونشط معهم كثير من الزنادقة أنفسهم يترجمون كتب النحل الفارسية ويصنّفون فى الدعوة لها وفى تعاليمها، وأيضا فهم وبعض النصارى نقلوا إلى العربية كتب بعض مارقة النصارى وملحدتهم مثل مرقيون (٢) وابن ديصان (٣)، يقول المسعودى: «أمعن المهدى فى قتل الملحدين والمداهنين فى الدين لظهورهم فى أيامه وإعلانهم باعتقاداتهم فى خلافته لما انتشر من كتب مانى وابن ديصان ومرقيون

стр. 983

مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره وترجمه من الفارسية والفهلوية إلى العربية وما صنّف من ذلك ابن أبى العوجاء وحماد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس من تأييد المذاهب المنانية (١) والديصانية والمرقيونية، فكثرت بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم فى الناس» (٢) ويقول الجاحظ: «لولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى أغبيائنا وظرفائنا ومجّاننا وأحداثنا شئ من كتب المنّانية والدّيصانية والمرقيونية. . ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها ومخبّأة فى أيدى ورثتها فكل سخنة عين رأيناها فى أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها» (٣). ولم ينصب المهدى وخلفاؤه للزنادقة حرب السيف وحدها، فقد نصبوا لهم أيضا حرب اللسان: لسان المتكلمين انذين مضوا يجادلونهم ويفحمونهم وينقضون شبهاتهم بالبرهان القاطع والدليل الساطع، وصنفوا فى ذلك الرسائل والكتب الطوال، ومن يقرأ كتاب الحيوان للجاحظ يجده يتوقف كثيرا ليورد ردّ النظام وغيره من المتكلمين على هؤلاء الزنادقة وكيف كانوا يسددون إليهم أدلة مصمية رادعة، وكان للمعتزلة فى ذلك القدح المعلّى، فهم الذين عاشوا يناظرونهم ويدفعون شرهم عن العامة والخاصة موضحين ما فى شبههم من زيف وتمويه وما فى عقائدهم من فساد ومناقضة للعقل المنطقى السليم. وقد قتل كثيرون من رءوس الزنادقة لهذا العصر، يتقدمهم ابن المقفع الذى قتل لعهد المنصور، وفيه يقول المهدى: «ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع (٤)» وقتل منهم كثيرون لعهد المهدى، منهم-فى بعض الروايات- صالح بن عبد القدوس (٥)، وكان يعتنق المانوية، ويحاضر فيها ويناظر فقتل وصلب على الجسر ببغداد (٦) نكالا للناس وعظة، ومنهم بشار وكان يعلن إشادته بالنار معبودة قومه المجوس ويفضلها على الطين كما يفضل إبليس على الإنسان، وبلغ من تحمس المهدى لقتله أن خرج بنفسه إلى البصرة ليشهد مقتله (٧). وكانت

стр. 984

البصرة-فما يظهر-أكبر وكر حينئذ للزنادقة والملاحدة، ففيها نبت وعاش بشار وصالح بن عبد القدوس، ونرى محمد بن سليمان العباسى واليها للمهدى يقتل من ملاحدتها زنديقين كبيرين هما عبد الكريم (١) بن أبى العوجاء وحماد (٢) عجرد «وكان عبد الكريم مانويّا يؤمن بالتناسخ ويتخذ من سيرة مانى وسيلة لدعوته إلى الزندقة وتشكيك الناس فى عقائدهم» (٣) ولما قدم للقتل قال: «لئن قتلتمونى لقد وضعت فى أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة» (٤). وفى ذلك ما يصور جانبا من دسّ هؤلاء الزنادقة على الإسلام ومحاولة تشويه هديه الكريم. وقد تنبّه لهم رواة الحديث النبوى فأسقطوا ما وضعوه وبينوا كذبه واختلاقه. ومرّ بنا آنفا أن حماد عجرد كان ممن يؤلفون الكتب فى تأييد الإلحاد والزندقة استغواء للعامة وإفسادا لها وقد سلك معه المسعودى فى هذا الاتجاه يحيى بن زياد الحارثى ومطيع بن إياس، ولا نجد ذكرا لقتلهما ولا لحبسهما على الزندقة، وربما لم تثبت عليهما ثبوتا قاطعا. واشتد الهادى مثل أبيه فى طلب الزنادقة حين ولى الخلافة لسنة ١٦٩ وقتل منهم جماعة (٥) من بينهم أحد أبناء عمه داود بن على ويعقوب بن الفضل من سلالة الحارث بن عبد المطلب. وسرعان ما خلفه هرون الرشيد لسنة ١٧٠ فسار فيهم نفس السيرة، وممن تعقبهم يزيد (٦) بن الفيض، ويونس بن أبى فروة وكان قد ألف كتابا فى مثالب العرب وعيوب الإسلام-بزعمه-وصار به إلى ملك الروم فأغدق عليه مالا كثيرا (٧). وطلب الرشيد أيضا على بن الخليل الشاعر لما ذاع من زندقته، غير أنه تبرّأ منها فأطلقه (٨). وكان المأمون إذا سمع بزنديق أو زنادقة أمر بحملهم إليه وأحضرهم مجالسه حيث المتكلمون ودفعهم جميعا إلى المناظرة، لعلهم يقنعونهم ويردونهم إلى الإسلام ومحجته المستقيمة، وكان يناظرهم هو نفسه أحيانا (٩)، فإذا لم يكفوا عن غوايتهم

стр. 985

أمر بقتلهم، ويقال إنه بلغه خبر عشرة رجال فى البصرة يجتمعون على المانوية، فأمر بحملهم إليه، فلما أدخلوا عليه امتحنهم، وحاول أن يردّهم عن ضلالهم، غير أنهم ثبتوا على عقيدتهم الفاسدة فأمر بقتلهم جميعا (١). ومرّ بنا فى الفصل السالف ما كان من ثبوت الزندقة على الأفشين قائد المعتصم التركى، مما جعله يزج به فى غياهب السجن حتى مات وصلب بعد موته. ومما لا ريب فيه أن خلفاء بنى العباس لم يكونوا يقتلون على الزندقة إلا بعد ثبوتها على صاحبها ثبوتا لا يرقى إليه شك، ويظهر أنهم إنما كانوا يقتلون من ينزع نزعة مجوسية وخاصة أصحاب النزعة المانوية كما تشهد بذلك الأخبار السابقة، فكثرة المقتولين تضاف إليهم صفة المانوية، ويؤكد هذا تأكيدا قويّا وصية المهدى لابنه الهادى بتتبع الزنادقة، فقد وصفهم له وصفا يدل على أنه إنما أراد من يعتنقون تعاليم المانوية (٢). ومعنى ذلك أنهم لم يكونوا يقتلون على الإباحة المسرفة والإمعان فى المجون ولا كانوا يعاقبون عليهما عقابا صارما، وكان حريّا بهم أن يشددوا فى ذلك حتى لا تؤول الحياة فى أمصار العراق إلى ما آلت إليه فى بعض جوانبها من الفساد والتحلل الخلقى. ٥ - الزهد ليس معنى ما قدمنا من حديث عن الزندقة والمجون أن المجتمع العباسى كان مجتمعا منحلاّ أسلم نفسه للإلحاد والشهوات، فالإلحاد والزندقة إنما شاعا فى طبقة محدودة من الناس كان جمهورها من الفرس، وكانت موجة المجون أكثر حدة، ولكنها لم تكن عامة فى المجتمع، بل كانت خاصة بالمترفين ومن حولهم من الشعراء والمغنين. أما عامة الشعب فإنها لم تكن تعرف زندقة ولا مجونا، أما من حيث الزندقة فإنها لم تكن تعادى الإسلام وصاحبه، بل كانت مسلمة حسنة الإسلام تهتدى بأضوائه وتجرى على سننه، وأما من حيث المجون فإنها لم تكن مترفة ولا
следующие страницы →