وأخرج الطّبراني عن عصمة بن مالك قال: لمّا ماتت بنت رسول اللّه ﷺ تحت عثمان، قال رسول اللّه ﷺ : «زوّجوا عثمان، ولو كان لي ثالثة لزوّجته، وما زوّجته إلاّ بوحي من اللّه».
وأخرج ابن عساكر (١) عن عليّ ﵁، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول لعثمان: «لو أنّ لي اربعين ابنة زوّجتك واحدة بعد واحدة حتّى لا يبقى منهنّ واحدة».
وأخرج ابن عساكر (٢) عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «مرّ بي عثمان وعندي ملك من الملائكة فقال: شهيد يقتله قومه، إنا نستحي منه».
وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من اللّه ورسوله».
وأخرج ابن عساكر (٣) عن الحسن، أنّه ذكر عنده حياء عثمان، فقال: إن كان ليكون جوف البيت - والباب عليه مغلق - فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه.
فصل في خلافته، ﵁
بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال؛ فروي أنّ النّاس كانوا يجتمعون في تلك الأيّام إلى عبد الرّحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه، فلا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا؛ ولمّا جلس عبد الرّحمن للمبايعة، حمد اللّه وأثنى عليه وقال في كلامه: إنّي رأيت النّاس يأبون إلاّ عثمان.
стр. 177
أخرجه ابن عساكر (١) عن المسور بن مخرمة.
وفي رواية (٢): «أمّا بعد يا عليّ، فإنّي قد نظرت في النّاس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلا؛ ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنّة اللّه وسنّة رسوله وسنّة الخليفتين بعده؛ فبايعه عبد الرّحمن، وبايعه المهاجرون والأنصار [وأمراء الأجناد، وبايعه المسلمون].
وأخرج ابن سعد (٣) عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة، فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النّفر أصحاب الشّورى، فإنّهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثّالث حتّى يؤمّروا أحدهم.
وفي مسند أحمد عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرّحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليّا؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعليّ فقلت: أبايعك على كتاب اللّه وسنّة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: فيما استطعت؛ ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم.
ويروى أن عبد الرّحمن قال لعثمان في خلوة: إن لم أبايعك فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ، وقال لعليّ: إن لم أبايعك فمن تشير عليّ؟ قال: عثمان؛ ثم دعا الزّبير قال: إن لم أبايعك فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ أو عثمان، ثم دعا سعدا فقال: من تشير عليّ؟ فأمّا أنا وأنت فلا نريدها، فقال: عثمان، ثم استشار عبد الرّحمن الأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان.
وأخرج ابن سعد (٤) والحاكم عن ابن مسعود ﵁، أنّه قال: لمّا بويع عثمان: أمّرنا خير من بقي ولم نأل.
وفي هذه السّنة (٥) من خلافته فتحت الرّيّ، وكانت فتحت وانتقضت.
стр. 178
وفيها أصاب النّاس رعاف كثير، فقيل لها: سنة الرّعاف، وأصاب عثمان رعاف حتّى تخلّف عن الحجّ وأوصى.
وفيها فتح من الرّوم حصون كثيرة.
وفيها ولّى عثمان الكوفة سعد بن أبي وقّاص وعزل المغيرة بن شعبة.
وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعدا عن الكوفة، وولّى الوليد بن عقبة ابن أبي معيط - وهو صحابي أخو عثمان لأمّه - وذلك أوّل ما نقم عليه؛ لأنه آثر أقاربه بالولايات، وحكي أنّ الوليد صلّى بهم الصّبح أربعا وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟.
وفي سنة ستّ وعشرين زاد عثمان في المسجد الحرام ووسّعه، واشترى أماكن للزّيادة، وفيها فتحت سابور.
وفي سنة سبع وعشرين غزا معاوية قبرس، فركب البحر بالجيوش، وكان معهم عبادة ابن الصّامت وزوجته أمّ حرام بنت ملحان الأنصاريّة، فسقطت عن دابتها، فماتت شهيدة هناك - وكان النّبيّ ﷺ أخبرها بهذا الجيش، ودعا لها بأنت تكون منهم - فدفنت بقبرس.
وفيها فتحت أرجان، ودرابجرد.
وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولّى عليها عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، فغزا أفريقيّة فافتتحها سهلا وجبلا، فأصاب كلّ إنسان من الجيش ألف دينار، وقيل: ثلاثة آلاف دينار.
ثم فتحت الأندلس في هذا العام.
لطيفة كان (١) معاوية يلحّ على عمر بن الخطّاب في غزوة قبرس، وركوب البحر لها، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: أن صف لي البحر وراكبه، فكتب إليه: إنّي رايت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول، تزداد
стр. 179
فيه العقول قلّة والسّيّئات كثرة (١)، وهم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق (٢)؛ فلمّا قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية: واللّه لا أحمل فيه مسلما أبدا.
قال ابن جرير (٣): فغزا معاوية قبرس في أيّام عثمان فصالحه أهلها على الجزية.
وفي سنة تسع وعشرين فتحت إصطخر عنوة، وفسا، وغير ذلك.
وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة ووسّعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة، وسقفه بالسّاج وجعل طوله ستّين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع.
وفي سنة ثلاثين فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان، وفتحت نيسابور صلحا، وقيل: عنوة، وطوس وسرخس كلاهما صلحا، وكذا مرو، وبيهق.
ولمّا فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان، وأتاه المال من كلّ وجه، حتّى اتّخذ له الخزائن وأدرّ الأرزاق، وكان يأمر للرّجل بمائة ألف بدرة، في كل بدرة أربعة آلاف أوقيّة.
وفي سنة إحدى وثلاثين توفى أبو سفيان بن حرب والد معاوية.
وفيها مات الحكم بن ابي العاص عمّ عثمان ﵁.
وفي سنة اثنتين وثلاثين توفي العبّاس بن عبد المطلّب عمّ رسول اللّه ﷺ ، وصلّى عليه عثمان.
وفيها توفي عبد الرّحمن بن عوف أحد العشرة من السّابقين الأوّلين؛ تصدّق مرّة بأربعين ألفا وبقافلة جاءت من الشّام كما هي.
وفيها مات عبد اللّه بن مسعود الهذليّ، أحد القرّاء الأربعة، ومن أهل السّوابق في الإسلام، ومن علماء الصّحابة المشهورين بسعة العلم.
وفيها مات أبو الدّرداء الخزرجيّ الزّاهد الحكيم، ولي قضاء دمشق لمعاوية.
стр. 180
وفيها توفي أبو ذرّ جندب بن جنادة الغفاريّ، صادق اللّهجة.
وفيها مات عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري (١) الذي أري الأذان.
وفي سنة ثلاث وثلاثين توفي المقداد بن الأسود في أرضه بالجرف وحمل إلى المدينة.
وفيها غزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح الحبشة.
وفي سنة أربع وثلاثين أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص ورضوا بأبي موسى الأشعري.
وفي سنة خمس وثلاثين كان مقتل عثمان.
قال الزّهري (٢): ولي عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة يعمل ستّ سنين لا ينقم النّاس عليه شيئا، وإنّه لأحبّ إلى قريش من عمر بن الخطّاب؛ لأنّ عمر كان شديدا عليهم، فلمّا وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في السّتّ الأواخر، وكتب لمروان بخمس إفريقيّة (٣)، وأعطى أقرباءه وأهل بيته المال، وتأوّل في ذلك الصّلة التي أمر اللّه بها، وقال: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإنّي أخذته فقسمته في أقربائي؛ فأنكر النّاس عليه ذلك.
أخرجه ابن سعد.
وأخرج ابن عساكر (٤) من وجه آخر عن الزّهريّ، قال: قلت لسعيد بن المسيّب:
هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان؟ وما كان شأن النّاس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد ﷺ ؟ فقال ابن المسيّب: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله كان ظالما، ومن خذله
стр. 181
كان معذورا؛ فقلت: كيف كان ذلك؟ قال: إن عثمان لمّا ولي كره ولايته نفر من الصّحابة؛ لأنّ عثمان كان يحبّ قومه، فولي النّاس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولّي بني أمية ممّن لم يكن له مع رسول اللّه ﷺ صحبة؛ فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد، وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، وذلك في سنة خمس وثلاثين، فلما كان في السّتّ [حجج] الأواخر استأثر بني عمّه فولاهم وما أشرك معهم، وأمرهم بتقوى اللّه؛ فولّى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين، فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلّمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد اللّه بن مسعود، وأبي ذرّ، وعمّار بن ياسر؛ فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكان بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذرّ في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمّار بن ياسر، وجاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، فكتب إليه كتابا يتهدّده فيه، فأبى ابن ابي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممّن كان أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل، فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصّحابة في مواقيت الصّلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم، فقام طلحة بن عبيد اللّه فكلّم عثمان بكلام شديد، وأرسلت عائشة ﵂ إليه فقالت: تقدّم إليك أصحاب محمد ﷺ وسألوك عزل هذا الرّجل فأبيت؛ فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك؛ ودخل عليه عليّ بن أبي طالب فقال: إنّما يسألونك رجلا مكان رجل، وقد ادّعوا قبله دما؛ فاعزله عنهم واقض بينهم؛ فإن وجب عليه حقّ فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أولّيه عليكم مكانه؛ فأشار النّاس عليه بمحمد بن أبي بكر، فقالوا: استعمل علينا محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاّه، وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظروه فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح؛ فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاثة ايّام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد ﷺ : ما قصّتك وما شانك؟ كأنك هارب أو طالب. فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، وجّهني إلى عامل مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر، قال: ليس هذا أريد. وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر، فبعث في طلبه رجلا، فأخذه، فجاء به إليه فقال: غلام من
стр. 182
أنت؟ فاقبل مرّة يقول: أنا غلام أمير المؤمنين، ومرّة يقول: أنا غلام مروان؛ حتّى عرفه رجل أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر، قال: بماذا؟ قال: برسالة، قال: معك كتاب؟ قال: لا، ففتّشوه فلم يجدوا معه كتابا، وكانت معه إداوة قد يبست، فيها شيء يتقلقل، فحرّكوه ليخرج، فلم يخرج، فشقّوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فكّ الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقرّ على عملك حتّى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إليّ يتظلّم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء اللّه تعالى؛ فلما قرءوا الكتاب فزعوا وأزمعوا فرجعوا إلى المدينة، وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه، ودفع الكتاب إلى رجل منهم، وقدموا المدينة، فجمعوا طلحة، والزّبير، وعليّا، وسعدا، ومن كان من أصحاب محمد ﷺ ، ثم فضّوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصّة الغلام وأقرءوهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلاّ حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذرّ وعمّار بن ياسر حنقا وغيظا، وقام أصحاب محمد ﷺ فلحقوا بمنازلهم، ما منهم أحد إلاّ وهو مغتّم لمّا قرءوا الكتاب، وحاصر النّاس عثمان سنة خمس وثلاثين، وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، فلمّا رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة والزّبير وسعد وعمّار ونفر من الصّحابة كلّهم بدريّ، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب، والغلام، والبعير، فقال له عليّ: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، قال: والبعير بعيرك؟ قال: نعم، قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا؛ وحلف باللّه ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا علم لي به، قال له عليّ: فالخاتم خاتمك؟ قال:
نعم، قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف باللّه ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به، ولا وجّهت هذا الغلام إلى مصر قطّ؛ وأمّا الخطّ فعرفوا أنّه خطّ مروان، وشكّوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان، فأبى، وكان مروان عنده في الدّار، فخرج أصحاب محمد ﷺ من عنده غضابا، وشكّوا في أمره، وعلموا أنّ عثمان لا يحلف بباطل، إلاّ أنّ قوما قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلاّ أن يدفع إلينا مروان حتّى نبحثه، ونعرف حال الكتاب، وكيف
стр. 183
يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد ﷺ بغير حقّ؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منّا في أمر مروان؛ ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشي عليه القتل؛ وحاصر النّاس عثمان، ومنعوه الماء، فأشرف على النّاس فقال: أفيكم عليّ؟ فقالوا: لا، قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا، فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ عليّا فيسقينا ماء؟ فبلغ ذلك عليّا، فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدّة من موالي بني هاشم وبني أميّة حتّى وصل الماء إليه، فبلغ عليّا أنّ عثمان يراد قتله، فقال: إنّما أردنا منه مروان، فأمّا قتل عثمان فلا؛ وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتّى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه، وبعث الزّبير ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدّة من أصحاب رسول اللّه ﷺ أبناءهم يمنعون النّاس أن يدخلوا على عثمان، ويسألونه إخراج مروان؛ فلمّا رأى ذلك محمد بن ابي بكر حاصر الدار، ورمى الناس باب عثمان بالسّهام حتّى خضّب الحسن بن عليّ بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخضّب محمد بن طلحة، وشجّ قنبر مولى عليّ؛ فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة، فأخذ بيد الرّجلين فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشفوا النّاس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مرّوا بنا حتّى نتسوّر عليه الدّار فنقتله من غير أن يعلم به أحد؛ فتسوّر محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتّى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممّن كان معه؛ لأنّ كل من كان معه كانوا فوق البيوت، ولم يكن معه إلاّ امرأته، فقال لهما محمد: مكانكما؛ فإنّ معه امرأته حتّى أبدأ كما بالدّخول، فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجّئاه حتّى تقتلاه؛ فدخل محمد فأخذ بلحيته، فقال له عثمان: واللّه لو رآك أبوك لساءه مكانك منّي. فتراخت يده، ودخل الرّجلان عليه فتوجّئاه حتّى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدّار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى النّاس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل؛ فدخل النّاس فوجدوه مذبوحا، وبلغ الخبر عليّا، وطلحة، والزّبير، وسعدا، ومن كان بالمدينة فخرجوا - وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم - حتّى دخلوا على عثمان، فوجدوه مقتولا، فاسترجعوا، وقال عليّ لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟
стр. 184
ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة، و [لعن] عبد اللّه بن الزّبير، وخرج - وهو غضبان - حتّى أتى منزله، وجاء النّاس يهرعون إليه، فقالوا له: نبايعك فمدّ يدك، فلا بدّ من أمير، فقال عليّ: ليس ذلك إليكم، إنّما ذلك إلى أهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة، فلم يبق أحد من أهل بدر إلاّ أتى عليّا، فقالوا له: ما نرى أحدا أحقّ بها منك؟ مدّ يدك نبايعك، فبايعوه، وهرب مروان وولده، وجاء عليّ إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت:
لا أدري، دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت عليّا والنّاس بما صنع محمد، فدعا عليّ محمدا فسأله عمّا ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب، قد واللّه دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكّرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى اللّه تعالى، واللّه ما قتلته ولا أمسكته. فقالت امرأته: صدق ولكنّه أدخلهما.
وأخرج ابن عساكر (١) عن كنانة مولى صفيّة وغيره، قالوا: قتل عثمان رجل من أهل مصر أزرق أشقر، يقال له: حمار.
وأخرج أحمد (٢) عن المغيرة بن شعبة، أنّه دخل على عثمان - وهو محصور - فقال: إنّك إمام العامّة، وقد نزل بك ما ترى، وإنّي أعرض عليك خصالا ثلاثا اختر إحداهنّ: إمّا أن تخرج فتقاتلهم فإنّ معك عددا وقوّة، وأنت على الحقّ وهم على الباطل؛ وإما أن تخرق لك بابا سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك، فتلحق بمكة؛ فإنّهم لن يستحلّوك وأنت بها؛ وإمّا أن تلحق بالشّام فإنّهم أهل الشّام وفيهم معاوية؛ فقال عثمان: أمّا أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول اللّه ﷺ في أمّته بسفك الدّماء، وأمّا أن أخرج إلى مكة فإنّي سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «يلحد رجل من قريش بمكّة يكون عليه نصف عذاب العالم، فلن أكون أنا، وأمّا أن ألحق الشّام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول اللّه ﷺ ».
стр. 185
وأخرج ابن عساكر (١) عن أبي ثور الفهمي قال: دخلت على عثمان - وهو محصور - فقال: لقد اختبأت عند ربّي عشرا، إنّي لرابع أربعة في الإسلام، و [لقد] أنكحني رسول اللّه ﷺ ابنته، ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى، وما تغنيت (٢)، ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول اللّه ﷺ ، وما مرّت بي جمعة منذ أسلمت إلاّ وأنا أعتق فيها رقبة إلاّ أن لا يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قطّ، ولا سرقت في جاهليّة ولا إسلام قط، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول اللّه ﷺ .
وكان قتل عثمان في أوسط أيّام التّشريق من سنة خمس وثلاثين.
وقيل: قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجّة، ودفن ليلة السّبت، بين المغرب والعشاء في حشّ كوكب بالبقيع، وهو أوّل من دفن به.
وقيل: كان قتله يوم الأربعاء.
وقيل: يوم الاثنين لست بقين من ذي الحجّة، وكان له يوم قتل اثنتان وثمانون سنة، وقيل: إحدى وثمانون سنة، وقيل: أربع وثمانون، وقيل: ستّ وثمانون، وقيل: ثمان أو تسع وثمانون، وقيل: تسعون.
قال قتادة: صلّى عليه الزّبير ودفنه وكان أوصى بذلك إليه.
وأخرج ابن عديّ وابن عساكر (٣) من حديث أنس مرفوعا «إنّ للّه سيفا مغمودا في غمده ما دام عثمان حيّا، فإذا قتل عثمان جرّد ذلك السّيف فلم يغمد إلى يوم القيامة».
تفرّد به عمرو بن فائد، وله مناكير.
وأخرج ابن عساكر (٤) عن يزيد بن أبي حبيب قال: بلغني أن عامّة الرّكب الذين ساروا إلى عثمان عامّتهم جنّوا.
стр. 186
وأخرج عن حذيفة قال: أوّل الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدّجّال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبّة من حبّ قتل عثمان إلاّ تبع الدّجّال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره.
وأخرج عن ابن عبّاس قال: لو لم يطلب النّاس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء.
وأخرج (١) عن الحسن قال: قتل عثمان وعليّ غائب في أرض له، فلمّا بلغه قال: اللّهمّ إنّي لم أرض ولم أمالئ.
وأخرج الحاكم وصحّحه عن قيس بن عبّاد، قال: سمعت عليّا يوم الجمل يقول: اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: واللّه إنّي لأستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان، وإنّي لأستحي من اللّه أن أبايع وعثمان لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلمّا رجع النّاس فسألوني البيعة قلت: اللّهمّ إنّي مشفق ممّا أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت، فقالوا:
يا أمير المؤمنين، فكأنّما صدع قلبي، وقلت: اللّهمّ خذ منّي لعثمان حتّى ترضى.
وأخرج ابن عساكر (٢) عن أبي خلدة الحنفيّ قال: سمعت عليّا يقول؛ إنّ بني أميّة يزعمون أني قتلت عثمان، ولا واللّه الذي لا إله إلاّ هو ما قتلت ولا مالأت، ولقد نهيت فعصوني.
وأخرج عن سمرة قال: إنّ الإسلام كان في حصن حصين، وإنّهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان لا تسدّ إلى يوم القيامة، وإنّ أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها ولم تعد فيهم.
وأخرج (٣) عن محمد بن سيرين قال: لم نفقد الخيل البلق في المغازي والجيوش حتّى قتل عثمان، ولم نختلف في الأهلّة حتّى قتل عثمان، ولم نر هذه الحمرة التي في آفاق السّماء حتّى قتل الحسين.
стр. 187
وأخرج عبد الرّزّاق في «مصنّفه» (١) عن حميد بن هلال قال: كان عبد اللّه بن سلاّم يدخل على محاصري عثمان فيقول: لا تقتلوه، فو اللّه لا يقتله رجل منكم إلاّ لقي اللّه أجذم لا يد له، وإنّ سيف اللّه لم يزل مغمودا، وإنّكم واللّه إن قتلتموه ليسلّنه اللّه، ثم لا يغمده عنكم أبدا، وما قتل نبيّ قطّ إلاّ قتل به سبعون ألفا، ولا خليفة إلاّ قتل به خمسة وثلاثون ألفا قبل أن يجتمعوا.
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرّحمن بن مهدي قال: خصلتان لعثمان ليستا لأبي بكر ولا لعمر ﵄: صبره على نفسه حتّى قتل، وجمعه النّاس على المصحف.
وأخرج الحاكم عن الشّعبي قال: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب ابن مالك حيث قال (٢): [من الطويل]:
فكفّ يديه ثمّ أغلق بابه … وأيقن أنّ اللّه ليس بغافل
وقال لأهل الدّار: لا تقتلوهم … عفا اللّه عن كلّ امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت اللّه صبّ عليهم ال … عداوة والبغضاء بعد التّواصل؟
وكيف رأيت الخير أدبر بعده … عن النّاس إدبار الرّياح الجوافل؟
فصل
أخرج ابن سعد (٣) عن فصل موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة - وعليه ثوبان أصفران - فيجلس على المنبر فيؤذن المؤذّن وهو يتحدّث يسأل الناس عن أسعارهم وعن أخبارهم (٤) وعن مرضاهم.
وأخرج (٥) عن عبد اللّه الرّومي قال: كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه، فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، قال: لا، اللّيل لهم يستريحون فيه.
стр. 188
وأخرج ابن عساكر (١) عن عمرو بن عثمان بن عفّان قال: كان نقش خاتم عثمان «آمنت بالذي خلق فسوّى».
وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» (٢) عن ابن عمر أن جهجاه الغفاري قام إلى عثمان وهو [على المنبر] يخطب، فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته، فما حال الحول [على جهجاه] حتّى ارسل اللّه في رجله الأكلة، فمات منها.
فصل في أوليّات عثمان، ﵁
قال العسكري في «الأوائل» (٣): هو أوّل من أقطع القطائع، وأوّل من حمى الحمى، وأوّل من خفض صوته بالتكبير، وأوّل من خلّق المسجد (٤)، وأوّل من أمر بالأذان الأوّل في الجمعة، وأوّل من رزق المؤذنين، وأوّل من أرتج عليه في الخطبة فقال: أيّها النّاس، إنّ أوّل مركب صعب، وإنّ بعد اليوم أيّاما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنّا خطباء وسيعلّمنا اللّه؛ أخرجه ابن سعد (٥).
وأوّل من قدّم الخطبة في العيد على الصّلاة، وأوّل من فوّض إلى النّاس إخراج زكاتهم، وأوّل من ولي الخلافة في حياة أمّه، وأوّل من اتّخذ صاحب شرطة، وأوّل من اتّخذ المقصورة في المسجد خوفا أن يصيبه ما أصاب عمر، هذا ما ذكره العسكري، قال: وأوّل ما وقع الاختلاف بين الأمّة فخطّأ بعضهم بعضا في زمانه في أشياء نقموها عليه، وكانوا قبل ذلك يختلفون في الفقه، ولا يخطّئ بعضهم بعضا.
قلت: بقي من أوائله، أنّه أوّل من هاجر إلى اللّه بأهله من هذه الأمّة كما تقدّم،
стр. 189
وأوّل من جمع النّاس على حرف واحد في القراءة.
وأخرج ابن عساكر (١) عن حكيم بن عبّاد بن حنيف قال: أوّل منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدّنيا وانتهى سمن النّاس (٢): طيران الحمام، والرّمي على الجلاهقات (٣)، فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته فقصّها وكسر الجلاهقات.
فصل فيمن مات من الأعلام في أيّام عثمان، ﵁
مات في أيّام عثمان من الأعلام، سراقة بن مالك بن جعشم، وجبّار بن صخر، وحاطب بن أبي بلتعة، وعياض بن زهير، وأبو أسيد السّاعدي، وأوس بن الصّامت، والحارث بن نوفل، وعبد اللّه بن حذافة، وزيد بن خارجة الذي تكلّم بعد الموت، ولبيد الشّاعر، والمسيّب والد سعيد، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ومعبد بن العبّاس، ومعيقب بن أبي فاطمة الدّوسي، وابو لبابة بن عبد المنذر، ونعيم بن مسعود الأشجعي، وآخرون من الصّحابة.
ومن غير الصّحابة: الحطيئة الشّاعر، وأبو ذؤيب الشّاعر الهذلي.
* * *
стр. 190
عليّ بن أبي طالب، ﵁ (١)
عليّ بن أبي طالب ﵁ واسم أبي طالب عبد مناف - بن عبد المطّلب - واسمه شيبة - بن هاشم - واسمه عمرو - بن مناف - واسمه المغيرة بن قصيّ - واسمه زيد بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة.
أبو الحسن، وأبو تراب، كنّاه بها النّبي ﷺ .
وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أوّل هاشميّة ولدت هاشميّا؛ قد أسلمت وهاجرت.
وعلي ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأخو رسول اللّه ﷺ بالمؤاخاة، وصهره على فاطمة سيّدة نساء العالمين ﵂، وأحد السّابقين إلى الإسلام، واحد العلماء الرّبّانيّين، والشّجعان المشهورين، والزّهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول اللّه ﷺ ؛ وعرضه عليه أبو الأسود الدّؤلي، وأبو عبد الرّحمن السّلميّ، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى.
وهو أوّل خليفة من بني هاشم، وأبو السّبطين، أسلم قديما، بل قال ابن عبّاس وأنس وزيد بن أرقم وسلمان الفارسيّ وجماعة: إنه أوّل من أسلم، ونقل بعضهم الإجماع عليه.
وأخرج أبو يعلى عن عليّ ﵁ قال: بعث رسول اللّه ﷺ يوم الاثنين
стр. 191
وأسلمت يوم الثّلاثاء؛ وكان عمره حين أسلم عشر سنين، وقيل: تسع، وقيل:
ثمان، وقيل: دون ذلك.
قال الحسن بن زيد بن الحسن: ولم يعبد الأوثان قطّ لصغره.
أخرجه ابن سعد (١).
ولمّا (٢) هاجر ﷺ إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكّة أيّاما حتّى يؤدّي عنه أماناته، الودائع والوصايا التي كانت عند النّبيّ ﷺ ، ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك، وشهد مع رسول اللّه ﷺ بدرا وأحدا وسائر المشاهد، إلاّ تبوك فإنّ النّبيّ ﷺ استخلفه على المدينة؛ وله في جميع المشاهد آثار مشهورة، وأعطاه النّبيّ ﷺ اللّواء في مواطن كثيرة؛ وقال سعيد بن المسيّب: أصابت عليّا يوم أحد ستّ عشرة ضربة.
وثبت في الصّحيحين «أنه ﷺ أعطاه الرّاية يوم خيبر، وأخبر أنّ الفتح يكون على يديه».
وأحواله في الشّجاعة، وآثاره في الحروب مشهورة.
وكان عليّ شيخا، سمينا، أصلع، كثير الشّعر، ربعة إلى القصر، عظيم البطن، عظيم اللّحية جدّا، قد ملأت ما بين منكبيه، بيضاء كأنّها قطن، آدم شديد الأدمة.
وقال جابر بن عبد اللّه: حمل عليّ الباب على ظهره يوم خيبر حتّى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وإنّهم جرّبوه بعد ذلك، فلم يحمله إلاّ أربعون رجلا. أخرجه ابن عساكر (٣).
وأخرج ابن إسحاق في «المغازي وابن عساكر (٣) عن أبي رافع، أنّ عليّا تناول بابا عند الحصن - حصن خيبر - فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّى فتح اللّه علينا، ثم ألقاه، فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه.
стр. 192
وروى البخاري في «الأدب» عن سهل بن سعد (١)، قال: إن كان أحبّ أسماء عليّ ﵁ إليه «أبا تراب»، وإن كان ليفرح أن يدعى به، وما سمّاه أبا تراب إلاّ النّبيّ ﷺ ، وذلك أنّه غاضب يوما فاطمة فخرج، فاضطجع إلى الجدار في المسجد، فجاءه النّبيّ ﷺ ، وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل النّبيّ ﷺ يمسح الترّاب عن ظهره ويقول: «اجلس أبا تراب».
روي له عن رسول اللّه ﷺ خمسمائة حديث وستّة وثمانون حديثا.
روى عنه بنوه الثّلاثة: الحسن، والحسين، ومحمد بن الحنفيّة، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزّبير، وأبو موسى، وأبو سعيد، وزيد بن أرقم، وجابر بن عبد اللّه، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وخلائق من الصّحابة والتّابعين رضوان اللّه عليهم أجمعين.
فصل في الأحاديث الواردة في فضله
قال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب رسول اللّه ﷺ من الفضائل ما ورد لعليّ ﵁. أخرجه الحاكم.
وأخرج الشّيخان (٢) عن سعد بن أبي وقّاص، أنّ رسول اللّه ﷺ خلّف عليّ بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول اللّه، تخلّفني في النّساء والصّبيان؟ فقال: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبيّ بعدي».
أخرجه أحمد، والبزّار من حديث أبي سعيد الخدري، والطّبراني من حديث
стр. 193
أسماء بنت عميس (١)، وأمّ سلمة، وحبشيّ بن جنادة، وابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم.
وأخرجا عن سهل بن سعد (٢)، أن رسول اللّه ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ الرايّة غدا رجلا يفتح اللّه على يديه؛ يحبّ اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله» فبات النّاس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها؟ فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول اللّه ﷺ كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟» فقيل: هو يشتكي عينيه، قال:
«فأرسلوا إليه» فأتي به، فبصق رسول اللّه ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرئ حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية.
يدوكون: أي يخوضون ويتحدّثون.
وقد أخرج هذا الحديث الطّبرانيّ من حديث ابن عمر، وعليّ، وابن أبي ليلى، وعمران بن حصين؛ والبزّار من حديث ابن عبّاس.
وأخرج مسلم (٣) عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ﴾ (٤) دعا رسول اللّه ﷺ عليّا، وفاطمة، وحسنا، وحسينا فقال: «اللّهم هؤلاء أهلي».
وأخرج التّرمذي (٥) عن أبي سريحة، أو زيد بن أرقم، عن النّبيّ ﷺ قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه».
وأخرجه أحمد عن عليّ، وأبي أيّوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وعمرو ذي مرّ (٦)؛ وأبو يعلى عن أبي هريرة؛ والطّبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث وحبشيّ بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقّاص، وأبي سعيد الخدري، وأنس؛
стр. 194
والبزّار عن ابن عبّاس، وعمارة، وبريدة؛ وفي أكثرها زيادة «اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».
ولأحمد عن أبي الطّفيل قال: جمع عليّ النّاس سنة خمس وثلاثين في الرّحبة، ثم قال لهم: أنشد باللّه كلّ امرئ مسلم سمع رسول اللّه ﷺ يقول يوم غدير خمّ ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من النّاس، فشهدوا أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه».
وأخرج التّرمذي (١)، والحاكم وصحّحه، عن بريدة قال: قال رسول اللّه ﷺ «إنّ اللّه أمرني بحبّ أربعة، وأخبرني أنّه يحبّهم» قيل: يا رسول اللّه، سمّهم لنا.
قال: «عليّ منهم - يقول ذلك ثلاثا - وأبو ذرّ، والمقداد، وسلمان».
واخرج التّرمذي والنّسائيّ وابن ماجة (٢) عن حبشي بن جنادة، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «علي منّي، وأنا من عليّ».
وأخرج التّرمذي (٣) عن ابن عمر قال: آخى رسول اللّه ﷺ بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عيناه، فقال: يا رسول اللّه آخيت بين أصحابك، ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فقال رسول اللّه ﷺ : «أنت أخي في الدّنيا والآخرة».
وأخرج مسلم (٤) عن عليّ قال: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إنّه لعهد النّبيّ الأمّيّ إليّ أنّه لا يحبّني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.
وأخرج التّرمذي (٥) عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا نعرف المنافقين ببغضهم عليّا.
وأخرج البزّار، والطّبراني في «الأوسط» عن جابر بن عبد اللّه؛ وأخرج
стр. 195
التّرمذي (١)، والحاكم عن عليّ، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها».
هذا حديث حسن على الصّواب، لا صحيح كما قال الحاكم، ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنّووي؛ وقد بيّنت حاله في «التّعقبات على الموضوعات».
وأخرج الحاكم وصحّحه (٢) عن عليّ قال: بعثني رسول اللّه ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللّه، بعثتني وأنا شابّ أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء، فضرب صدري بيده ثم قال: «اللّهم اهد قلبه، وثبّت لسانه» فو الّذي فلق الحبّة ما شككت في قضاء بين اثنين.
وأخرج ابن سعد (٣) عن علي أنّه قيل له: ما لك أكثر أصحاب رسول اللّه ﷺ حديثا؟ قال: إنّي كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتّ ابتدأني.
وأخرج (٤) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال عمر بن الخطاب: عليّ أقضانا.
وأخرج الحاكم (٥) عن ابن مسعود ﵄ قال: كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة عليّ.
وأخرج ابن سعد (٦) عن ابن عبّاس، قال: إذا حدّثنا ثقة عن عليّ بفتيا لا نعدوها (٧).
стр. 196
وأخرج (١) عن سعيد بن المسيّب قال: كان عمر بن الخطّاب يتعوّذ باللّه من معضلة ليس فيها أبو حسن.
وأخرج (٢) عنه قال: لم يكن أحد من الصّحابة يقول «سلوني» إلاّ عليّ.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها عليّ بن أبي طالب.
وأخرج (٤) عن عائشة ﵂ أنّ عليّا ذكر عندها، فقالت: أما إنّه أعلم من بقي بالسّنّة.
وقال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول اللّه ﷺ إلى عمر، وعليّ، وعبد اللّه (٥) ﵃.
وقال (٦) عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة: كان لعليّ ما شئت من ضرس قاطع في العلم، وكان له البسطة في العشيرة، والقدم في الإسلام، والعهد برسول اللّه ﷺ ، والفقه في السّنّة، والنّجدة في الحرب، والجود في المال.
وأخرج الطّبراني في «الأوسط» بسند ضعيف عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ﷺ : «النّاس من شجر شتّى، وأنا وعليّ من شجرة واحدة».
وأخرج الطّبراني وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس قال: ما أنزل اللّه ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلاّ وعليّ أميرها وشريفها، ولقد عاتب اللّه أصحاب محمّد في غير مكان وما ذكر عليّا إلاّ بخير.
стр. 197
وأخرج ابن عساكر (١) عن ابن عبّاس قال: ما نزل في أحد من كتاب اللّه تعالى ما نزل في عليّ.
وأخرج ابن عساكر (٢) عن ابن عبّاس قال: نزلت في عليّ ثلاثمائة آية.
وأخرج البزّار (٣) عن سعد قال: قال رسول اللّه ﷺ لعليّ: «لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك».
وأخرج الطّبراني، والحاكم وصحّحه، عن أمّ سلمة ﵂، قالت: كان رسول اللّه ﷺ إذا غضب لم يجترئ أحد أن يكلمه إلاّ عليّ.
وأخرج الطّبراني والحاكم عن ابن مسعود ﵁، أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«النّظر إلى وجه عليّ عبادة». إسناده حسن.
وأخرجه الطّبراني، والحاكم أيضا، من حديث عمران بن حصين.
وأخرجه ابن عساكر (٤) من حديث أبي بكر الصّدّيق، وعثمان بن عفّان، ومعاذ بن جبل، وأنس، وثوبان، وجابر بن عبد اللّه، وعائشة، ﵃.
وأخرج الطّبراني في «الأوسط» عن ابن عبّاس، قال: كانت لعليّ ثمان عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمّة.
وأخرج أبو يعلى (٥) عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطّاب: لقد أعطي عليّ ثلاث خصال، لأن تكون لي خصلة منها أحبّ إليّ من أن أعطى حمر النّعم. فسئل وما هنّ؟ قال: تزويجه فاطمة [بنت رسول اللّه ﷺ ]، وسكناه المسجد [مع رسول اللّه ﷺ ] لا يحل لي فيه ما يحلّ له، والرّاية يوم خيبر.
وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه.
стр. 198
وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن عليّ، قال: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول اللّه ﷺ وجهي، وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الرّاية.
وأخرج أبو يعلى والبزّار عن سعد بن أبي وقّاص، قال: قال رسول اللّه ﷺ :
«من آذى عليّا فقد آذاني».
وأخرج الطّبراني بسند صحيح عن أمّ سلمة، عن رسول اللّه ﷺ قال: «من أحبّ عليّا فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ اللّه، ومن أبغض عليّا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض اللّه».
وأخرج أحمد، والحاكم وصحّحه، عن أمّ سلمة، سمعت رسول اللّه ﷺ يقول:
«من سبّ عليّا فقد سبّني».
وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه ﷺ قال لعليّ: «إنّك تقاتل على تأويل (١) القرآن كما قاتلت على تنزيله».
وأخرج البزّار وأبو يعلى والحاكم (٢) عن عليّ، قال: دعاني رسول اللّه ﷺ فقال:
«إن فيك مثلا من عيسى، أبغضته اليهود حتّى بهتوا أمّه، وأحبّته النّصارى حتّى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به»، ألا وإنّه يهلك فيّ اثنان: محبّ مفرط يقرّظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني.
وأخرج الطّبراني في «الأوسط» و «الصغير» عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض».
وأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح، عن عمّار بن ياسر، أنّ النّبيّ ﷺ قال لعليّ (٣): «أشقى النّاس رجلان: أحيمر ثمود الّذي عقر النّاقة، والّذي يضربك يا عليّ على هذه - يعني قرنه - حتّى تبتلّ منه هذه - يعني لحيته».
стр. 199
وقد ورد ذلك من حديث عليّ، وصهيب، وجابر بن سمرة، وغيرهم.
وأخرج الحاكم وصحّحه (١)، عن أبي سعيد الخدريّ قال: اشتكى النّاس عليّا فقام رسول اللّه ﷺ فينا خطيبا فقال: «لا تشكوا عليّا؛ فو اللّه إنّه لأخيشن (٢) في ذات اللّه، أو في سبيل اللّه».
فصل في مبايعة عليّ ﵁ بالخلافة، وما نشأ عن ذلك
قال ابن سعد (٣): بويع عليّ بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة، فبايعه جميع من كان بها من الصّحابة ﵃، ويقال: إنّ طلحة والزّبير بايعا كارهين غير طائعين، ثم خرجا إلى مكّة وعائشة ﵂ بها، فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان، وبلغ ذلك عليّا، فخرج إلى العراق، فلقي بالبصرة طلحة والزّبير وعائشة ومن معهم، وهي وقعة الجمل، وكانت في جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين، وقتل بها طلحة، والزّبير، وغيرهما، وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا، وأقام عليّ بالبصرة خمس عشرة ليلة، ثم انصرف إلى الكوفة، ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشّام، فبلغ عليّا فسار إليه، فالتقوا بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، ودام القتال به أيّاما، فرفع أهل الشّام المصاحف يدعون إلى ما فيها، مكيدة من عمرو بن العاص، فكره النّاس الحرب، وتداعوا إلى الصّلح، وحكّموا الحكمين، فحكّم عليّ أبا موسى الأشعريّ، وحكّم معاوية عمرو بن العاص، وكتبوا بينهم كتابا على أن يوافوا رأس الحول بأذرح (٤)، فينظروا في أمر الأمّة، فافترق النّاس، ورجع معاوية إلى الشّام، وعليّ إلى الكوفة، فخرجت عليه الخوارج من
стр. 200
أصحابه ومن كان معه وقالوا: لا حكم إلاّ اللّه، وعسكروا بحروراء (١)، فبعث إليهم ابن عبّاس، فخاصمهم وحجّهم (٢)، فرجع منهم قوم كثير، وثبت قوم، وساروا إلى النّهروان (٣)، فعرضوا للسّبيل، فسار إليهم عليّ فقتلهم بالنّهروان، وقتل منهم ذا الثّديّة (٤)، وذلك سنة ثمان وثلاثين، واجتمع النّاس بأذرح في شعبان من هذه السّنة، وحضرها سعد بن أبي وقّاص وابن عمر وغيرهما من الصّحابة، فقدّم عمرو أبا موسى الأشعريّ مكيدة منه، فتكلّم فخلع عليّا، وتكلّم عمرو فأقرّ معاوية، وبايع له، فتفرّق النّاس على هذا، وصار عليّ في خلاف من أصحابه حتّى صار يعضّ على إصبعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية!
وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرّحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد اللّه التّميمي، وعمرو بن بكير التّميمي، فاجتمعوا بمكّة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلنّ هؤلاء الثّلاثة: عليّ بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعليّ، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا على ذلك ليلة سبع عشرة من شهر رمضان، ثم توجّه كلّ منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم ابن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين، فاستيقظ عليّ سحرا، فقال لابنه الحسن: رأيت اللّيلة رسول اللّه ﷺ ، فقلت: يا رسول اللّه ما لقيت من أمّتك من الأود واللّدد؟ فقال لي:
«ادع اللّه عليهم» فقلت: اللّهمّ أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرّا لهم منّي، ودخل ابن النّبّاح المؤذن على عليّ، فقال: الصّلاة، فخرج عليّ من الباب ينادي:
أيّها النّاس، الصّلاة الصّلاة؛ فاعترضه ابن ملجم، فضربه بالسّيف، فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فشدّ عليه النّاس من كلّ جانب، فأمسك وأوثق، وأقام عليّ الجمعة والسّبت، وتوفي ليلة الأحد؛ وغسّله الحسن والحسين، وعبد اللّه بن
стр. 201
جعفر؛ وصلّى عليه الحسن، ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا، ثم قطعت أطراف ابن ملجم، وجعل في قوصرّة وأحرقوه بالنّار.
هذا كلّه كلام ابن سعد، وقد أحسن في تلخيص هذه الوقائع، ولم يوسّع فيها الكلام كما صنع غيره؛ لأن هذا هو اللاّئق بهذا المقام؛ قال ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال: «بحسب أصحابي القتل».
وفي «المستدرك» عن السّدّيّ، قال: كان عبد الرّحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها: قطام، فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم، وقتل عليّ، وفي ذلك قال الشاعر (١): [من الطويل]
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة … كمهر قطام من فصيح وأعجم (٢)
ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وضرب عليّ بالحسام المصمّم
فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا … ولا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم
قال أبو بكر بن عيّاش: عمّي قبر عليّ ليلا لئلاّ ينبشه الخوارج.
وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة.
وقال المبرّد عن محمد بن حبيب: أوّل من حوّل من قبر إلى قبر في الإسلام عليّ ﵁ (٣).
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لمّا قتل عليّ بن أبي طالب ﵁، حملوه ليدفنوه مع رسول اللّه ﷺ ، فبينما هم في مسيرهم ليلا إذ ندّ الجمل الذي هو عليه، فلم يدر أي ذهب، ولم يقدر عليه؛ قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السّحاب؛ وقال غيره إنّ البعير وقع في بلاد طيّئ فأخذوه فدفنوه.
стр. 202
وكان لعلي حين قتل ثلاث وستّون سنة؛ وقيل: أربع وستون؛ وقيل: خمس وستّون؛ وقيل: سبع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون، وكان له تسع عشرة سرّيّة.
فصل في نبذ من أخبار عليّ، وقضاياه، وكلماته، ﵁
قال سعيد بن منصور في «سننه»: حدّثنا هشيم، حدّثنا حجّاج، حدّثني شيخ من فزارة [قال:] سمعت عليّا يقول: الحمد للّه الذي جعل عدوّنا يسألنا عمّا نزل به من أمر دينه؛ إنّ معاوية كتب إليّ يسألني عن الخنثى المشكل، فكتبت إليه أن يورّثه من قبل مباله (١).
وقال هشيم عن مغيرة عن الشّعبيّ عن عليّ مثله.
وأخرج ابن عساكر (٢) عن الحسن قال: لمّا قدم عليّ البصرة قام إليه ابن الكوّاء، وقيس بن عباد، فقالا له: ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه، تتولّى على الأمّة تضرب بعضهم ببعض؛ أعهد من رسول اللّه ﷺ عهده إليك؟ فحدّثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت. فقال: أمّا أن يكون عندي عهد من النّبيّ ﷺ في ذلك فلا، واللّه لئن كنت أوّل من صدّق به فلا أكون أوّل من كذب عليه، ولو كان عندي من النّبيّ ﷺ عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرّة وعمر بن الخطّاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلاّ بردي هذا، ولكن رسول اللّه ﷺ لم يقتل قتلا، ولم يمت فجأة؛ مكث في مرضه أيّاما وليالي، يأتيه المؤذّن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلّي بالنّاس، وهو يرى مكاني؛ ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر، فأبى وغضب، وقال: «أنتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلّي
стр. 203
بالنّاس» فلما قبض اللّه نبيّه ﷺ نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبيّ اللّه ﷺ لديننا؛ وكانت الصّلاة أصل الإسلام، وهي أمير الدّين، وقوام الدّين، فبايعنا أبا بكر، وكان لذلك أهلا، لم يختلف عليه منّا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأدّيت إلى ابي بكر حقّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي؛ فلما قبض تولاّها عمر، فأخذها بسنّة صاحبه، وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر، ولم يختلف عليه منّا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم تقطع منه البراءة، فأدّيت إلى عمر حقّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلمّا قبض تذكّرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي، وأنا أظنّ أن لا يعدل بي، ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبا إلاّ لحقه في قبره، فأخرج منها نفسه وولده، ولو كانت محاباة منه لآثر بها ولده، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستّة أنا أحدهم، فلمّا اجتمع الرّهط ظننت أن لا يعدلوا بي، فأخذ عبد الرّحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاّه اللّه أمرنا، ثم أخذ بيد عثمان بن عفّان، وضرب بيده على يده، فنظرت في أمري، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري، فبايعنا عثمان، فأدّيت له حقّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جيوشه، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي؛ فلمّا أصيب نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللّذان أخذاها بعهد رسول اللّه ﷺ إليهما بالصّلاة قد مضيا، وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب، فبايعني أهل الحرمين، وأهل هذين المصرين، فوثب فيها من ليس مثلي، ولا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كاسبقتي، وكنت أحقّ بها منه.
وأخرج أبو نعيم في «الدّلائل» (١) عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعليّ رجلان في خصومة، فجلس في أصل جدار، فقال له رجل: الجدار يقع، فقال عليّ: امض، كفى باللّه حارسا. فقضى بينهما، فقام، ثم سقط الجدار.
стр. 204
وفي «الطّيوريّات» بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعليّ بن أبي طالب: نسمعك تقول في الخطبة: اللّهمّ أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الرّاشدين المهديّين، فمن هم؟ فاغرورقت عيناه، فقال: هم حبيباي أبو بكر وعمر، إماما الهدى، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول اللّه ﷺ ؛ من اقتدى بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلى الصّراط المستقيم، ومن تمسّك بهما فهو من حزب اللّه.
وأخرج عبد الرّزّاق عن حجر المدريّ قال: قال لي عليّ بن أبي طالب: كيف بك إذا أمرت أن تلعنني؟ قلت: وكائن ذلك؟ قال: نعم؛ قلت: فكيف أصنع؟ قال:
العنّي ولا تبرأ منّي؛ قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجّاج - وكان أميرا على اليمن - أن ألعن عليّا، فقلت: إنّ الأمير أمرني أن ألعن عليّا فالعنوه، لعنه اللّه. فما فطن لها إلاّ رجل.
وأخرج الطّبراني في «الأوسط» وأبو نعيم في «الدّلائل» (١) عن زاذان: أنّ عليّا حدّث بحديث، فكذّبه رجل، فقال له علي: أدعو عليك إن كنت كاذبا؟ قال: ادع؛ فدعا عليه، فلم يبرح حتّى ذهب بصره.
وأخرج عن زرّ بن حبيش قال: جلس رجلان يتغدّيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلمّا وضعا الغداء بين أيديهما مرّ بهما رجل، فسلّم، فقالا: اجلس وتغدّ، فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرّجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضا ممّا أكلت لكما، ونلته من طعامكما؛ فتنازعا، فقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثّلاثة: لا أرضى إلاّ أن تكون الدّراهم بيننا نصفين؛ فارتفعا إلى أمير المؤمنين عليّ، فقصّا عليه قصّتهما فقال لصاحب الثّلاثة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض، وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثّلاثة؛ فقال: واللّه لا رضيت عنه إلاّ بمرّ الحقّ، فقال عليّ: ليس لك في مرّ الحقّ إلاّ درهم
стр. 205
واحد، وله سبعة دراهم؛ فقال الرّجل: سبحان اللّه! قال: هو ذلك، قال: فعرّفني الوجه في مرّ الحق حتّى أقبله، فقال عليّ: أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثا؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقلّ؟ فتحملون في أكلكم على السّواء، قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنّما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية، وبقي له سبعة أكلها صاحب الدّراهم، واكل لك واحدا من تسعة، فلك واحد بواحدك، وله سبعة، فقال الرّجل: رضيت الآن.
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» عن عطاء قال: أتى عليّ برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق، فأخذ في شيء من أمور النّاس، وتهدّد شهود الزّور، وقال:
لا أوتى بشاهد زور إلاّ فعلت به كذا وكذا، ثم طلب الشّاهدين، فلم يجدهما، فخلّى سبيله.
وقال عبد الرّزّاق في «المصنف»: حدّثنا الثّوريّ، عن سليمان الشّيباني، عن رجل، عن عليّ، أنّه أتى برجل، فقيل له: زعم هذا أنه احتلم بأمّي، فقال: اذهب بهذا فأقمه بالشّمس، فاضرب ظلّه.
وأخرج ابن عساكر (١) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أنّ خاتم علي ابن أبي طالب كان من ورق نقشه «نعم القادر اللّه».
وأخرج (٢) عن عمرو بن عثمان بن عفّان قال: كان نقش خاتم علي «الملك للّه».
وأخرج (٣) عن المدائني قال: لمّا دخل عليّ الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب، فقال: واللّه يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.
وأخرج عن مجمّع، أنّ عليّا كان يكنس بيت المال، ثم يصلّي فيه، رجاء أن يشهد له أنّه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.
стр. 206
وقال أبو القاسم الزّجّاجي في «أماليه» (١): حدّثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطّبري، حدّثنا أبو حاتم السّجستاني، حدّثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدّثني سعيد بن سلم الباهلي، حدّثنا ابي، عن جدّي، عن أبي الأسود الدّؤلي، أو قال: عن جدّي أبي الأسود، عن أبيه، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فرأيته مطرقا مفكّرا، فقلت له: فيم تفكّر يا أمير المؤمنين؟ قال: إنّي سمعت ببلدكم هذا لحنا فأردت أن اضع كتابا في أصول العربيّة، فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا، وبقيت فينا هذه اللغة؛ ثم أتيته بعد ثلاث، فألقى إليّ صحيفة فيها: بسم اللّه الرّحمن الرحيم، الكلام كلّه اسم، وفعل، وحرف؛ فالاسم: ما أنبأ عن المسمّى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المسمّى، والحرف: ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل؛ ثم قال: تتبّعه وزد فيه ما وقع لك، واعلم يا أبا الأسود أنّ الأشياء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر، وإنّما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر؛ قال أبو الأسود: فجمعت منه أشياء، وعرضتها عليه، فكان من ذلك حروف النّصب، فذكرت منها إنّ، وأنّ، وليت، ولعلّ، وكأنّ، ولم أذكر لكنّ، فقال لي: لم تركتها؟ فقلت: لم أحسبها منها؛ فقال: بل هي منها، فزدها فيها.
وأخرج ابن عساكر (٢) عن ربيعة بن ناجد قال: قال عليّ: كونوا في النّاس كالنّحلة في الطّير، إنّه ليس في الطّير شيء إلاّ وهو يستضعفها، لو يعلم الطّير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها؛ خالطوا النّاس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم؛ فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحبّ.
وأخرج (٣) عن عليّ قال: كونوا بقبول العمل أشدّ اهتماما منكم بالعمل، فإنّه لن يقلّ عمل مع التّقوى، وكيف يقلّ عمل يتقبّل؟.
وأخرج (٤) عن يحيى بن جعدة قال: قال عليّ بن ابي طالب: يا حملة القرآن،
стр. 207
اعملوا به، فإنّما العالم من علم ثم عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقا فيباهي بعضهم بعضا، حتّى إنّ الرّجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى اللّه.
وأخرج (١) عن علي قال: التّوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشدّ من العجب.
وأخرج عن الحارث قال: جاء رجل إلى عليّ فقال: أخبرني عن القدر. فقال:
طريق مظلم لا تسلكه؛ قال: أخبرني عن القدر. قال: بحر عميق لا تلجه؛ قال:
أخبرني عن القدر. قال: سرّ اللّه قد خفي عليك فلا تفتّشه؛ قال: أخبرني عن القدر.
قال: يا أيّها السّائل إنّ اللّه خلقك لما شاء أو لما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال:
فيستعملك لما شاء.
وأخرج (٢) عن علي، قال: إنّ للنّكبات نهايات، ولا بدّ لأحد إذا نكب من أن ينتهى إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتّى تنقضي مدّتها، فإنّ في دفعها قبل انقضاء مدّتها زيادة في مكروهها.
وأخرج (٣) عن عليّ، أنّه قيل له: ما السّخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرّم.
وأخرج عن عليّ، أنّه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه، وكان قد بلغه عنه قبل ذلك، فقال له عليّ: إنّي لست كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
وأخرج (٤) عن عليّ، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضّيق في المعيشة، والنّقص في اللّذّة، قيل: وما النّقص في اللّذّة؟ قال: لا ينال شهوة حلالا إلاّ جاءه ما ينغّصه إيّاها.
стр. 208
وأخرج عن علي بن ربيعة، أنّ رجلا قال لعليّ: ثبّتك اللّه - وكان يبغضه - قال عليّ: على صدرك.
وأخرج (١) عن الشّعبيّ قال: كان أبو بكر يقول الشّعر، وكان عمر يقول الشّعر، وكان عثمان يقول الشّعر، وكان عليّ أشعر الثّلاثة.
وأخرج (٢) عن نبيط الأشجعيّ، قال: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: [من الوافر]
إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق بما به الصّدر الرّحيب
وأوطنت المكاره واطمأنّت … وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الضّرّ وجه … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث … يجيء به القريب المستجيب
وكلّ الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب
وأخرج (٣) عن الشّعبيّ، قال: قال عليّ بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل:
[من الهزج]
فلا تصحب أخا الجهل … وإيّاك وإيّاه
فكم من جاهل أردى … حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … إذا ما هو ماشاه
وللشّيء من الشّيء … مقاييس وأشباه
قياس النّعل بالنّعل … إذا ما هو حاذاه
وللقلب على القلب … دليل حين يلقاه
وأخرج عن المبرد قال: كان مكتوبا على سيف علي بن أبي طالب ﵁ (٤): [من البسيط]
стр. 209
للنّاس حرص على الدّنيا بتدبير … وصفوها لك ممزوج بتكدير
لم يرزقوها بعقل عند ما قسمت … لكنّهم رزقوها بالمقادير
كم من أديب لبيب لا تساعده؟ … وأحمق نال دنياه بتقصير (١)
لو كان عن قوّة أو عن مغالبة … طار البزاة بأرزاق العصافير
وأخرج (٢) عن حمزة بن حبيب الزّيّات قال: كان عليّ بن أبي طالب يقول: [من المتقارب]
ولا تفش سرّك إلاّ إليك … فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإنّى رأيت غواة الرّجا … ل لا يدعون أديما صحيحا
وأخرج (٣) عن عقبة بن أبي الصّهباء قال: لمّا ضرب ابن ملجم عليّا دخل عليه الحسن وهو باك، فقال له عليّ: يا بنيّ احفظ عنّي أربعا وأربعا، قال: وما هنّ يا أبت؟ قال: أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق، قال: فالأربع الأخر؟ قال: إيّاك ومصاحبة الأحمق، فإنّه يريد أن ينفعك فيضرك؛ وإيّاك ومصادقة الكذّاب، فإنّه يقرّب عليك البعيد ويبعّد عليك القريب؛ وإيّاك ومصادقة البخيل، فإنّه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه؛ وإيّاك ومصادقة الفاجر فإنّه يبيعك بالتّافه.
وأخرج ابن عساكر عن عليّ، أنّه أتاه يهوديّ فقال له: متى كان ربّنا؟ فتمعّر وجه عليّ وقال: لم يكن فكان هو، كان ولا كينونة، كان بلا كيف، ليس له قبل ولا غاية، انقطعت الغايات دونه فهو غاية كلّ غاية؛ فأسلم اليهوديّ.
وأخرج الدّرّاج في «جزئه» المشهور بسند مجهول، عن ميسرة عن شريح القاضي قال: لمّا توجّه عليّ إلى صفّين افتقد درعا له، فلمّا انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدّرع في يد يهوديّ، فقال لليهوديّ: الدّرع درعي، لم أبع ولم أهب، فقال اليهوديّ: درعي وفي يدي؛ فقال: نصير إلى القاضي؛ فتقدّم عليّ فجلس إلى جنب
стр. 210
شريح وقال: لولا أنّ خصمي يهوديّ لاستويت معه في المجلس، ولكنّي سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «أصغروهم من حيث أصغرهم اللّه» فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال: نعم هذه الدّرع الّتي في يد هذا اليهوديّ درعي، لم أبع ولم أهب؛ فقال شريح: أيش تقول يا يهوديّ؟ قال: درعي وفي يدي؛ فقال شريح: ألك بيّنة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أنّ الدّرع درعي؛ فقال شريح:
شهادة الابن لا تجوز للأب؛ فقال عليّ: رجل من أهل الجنّة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة؛ فقال اليهوديّ: أمير المؤمنين قدّمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه! أشهد أنّ هذا هو الحقّ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه واشهد أنّ محمدا رسول اللّه، وأنّ الدّرع درعك.
فصل
وأما كلامه في تفسير القرآن فكثير، وهو مستوفى في كتابنا «التّفسير المسند» بأسانيده.
وقد أخرج ابن سعد (١) عن عليّ قال: واللّه ما نزلت آية إلاّ وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت؛ إنّ ربّي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا صادقا ناطقا.
وأخرج ابن سعد (٢) وغيره عن أبي الطّفيل، قال: قال عليّ: سلوني عن كتاب اللّه، فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، وفي سهل أم في جبل.
وأخرج ابن ابي داود (٣) عن محمد بن سيرين قال: لمّا توفي رسول اللّه ﷺ أبطأ عليّ عن بيعة أبي بكر، فلقيه أبو بكر فقال: أكرهت إمارتي؟ فقال: لا، ولكن آليت أن لا أرتدي بردائي إلاّ إلى الصّلاة، حتّى أجمع القرآن؛ فزعموا أنّه كتبه على تنزيله، فقال محمد: لو أصيب ذلك الكتاب كان فيه العلم.
стр. 211
فصل في نبذ من كلماته الوجيزة المختصرة البديعة
قال عليّ ﵁: الحزم سوء الظّنّ؛ أخرجه أبو الشّيخ وابن حبّان.
وقال: القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه، والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه، ولا شيء أقرب من يد إلى جسد، وإنّ اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت. أخرجه أبو نعيم.
وقال: خمس خذوهنّ عنّي: لا يخافنّ أحد منكم إلاّ ذنبه، ولا يرجو إلاّ ربّه، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلّم، ولا يستحيي من لا يعلم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: اللّه أعلم؛ وإنّ الصّبر من الإيمان بمنزلة الرّأس من الجسد، إذا ذهب الصّبر ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرّأس ذهب الجسد. أخرجه سعيد بن منصور في «سننه».
وقال: الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنّط النّاس من رحمة اللّه، ولم يرخّص لهم في معاصي اللّه، ولم يؤمّنهم من عذاب اللّه، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم معه، ولا قراءة لا تدبّر فيها.
أخرجه ابن الضّريس في «فضائل القرآن».
وقال: وابردها على كبدي إذا سئلت عمّا لا أعلم أن أقول: اللّه أعلم. أخرجه ابن عساكر (١).
وقال: من أراد أن ينصف النّاس من نفسه فليحبّ لهم ما يحبّ لنفسه. أخرجه ابن عساكر.
وقال: سبع من الشّيطان: شدّة الغضب، وشدّة العطاس، وشدّة التثاؤب
стр. 212
والقيء، والرّعاف، والنّجوى، والنّوم عند الذّكر.
وقال: كلوا الرّمّان بشحمه فإنّه دباغ المعدة. أخرجه الحاكم في «التاريخ».
وقال: قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء.
وقال: يأتي على النّاس زمان المؤمن فيه أذلّ من الأمة. أخرجه سعيد بن منصور.
ولأبي الأسود الدّؤليّ يرثي عليّا ﵁ (١): [من الوافر]
ألا يا عين ويحك أسعدينا … ألا نبكي أمير المؤمنينا
تبكّي أمّ كلثوم عليه … بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا … فلا قرّت عيون الحاسدينا:
أفي شهر الصّيام فجعتمونا … بخير النّاس طرّا أجمعينا؟
قتلتم خير من ركب المطايا … وذلّلها، ومن ركب السّفينا
ومن لبس النّعال ومن حذاها … ومن قرأ المثاني والمبينا
وكلّ مناقب الخيرات فيه … وحبّ رسول ربّ العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانت … بأنّك خيرهم حسبا ودينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين … رأيت البدر فوق النّاظرينا
وكنّا قبل مقتله بخير … نرى مولى رسول اللّه فينا
يقيم الحقّ لا يرتاب فيه … ويعدل في العدى والأقربينا
وليس بكاتم علما لديه … ولم يخلق من المتكبرينا (٢)
كأنّ النّاس إذ فقدوا عليّا … نعام حار في بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن صخر … فإن بقيّة الخلفاء فينا
стр. 213
فصل فيمن مات في زمنه من الأعلام
مات في أيّام عليّ من الأعلام موتا وقتلا: حذيفة بن اليمان، والزّبير بن العوّام، وطلحة، وزيد بن صوحان، وسلمان الفارسيّ، وهند بن أبي هالة، وأويس القرنيّ، وخبّاب بن الأرتّ، وعمّار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وصهيب الرّومي، ومحمد ابن أبي بكر الصّدّيق، وتميم الدّاري، وخوّات بن جبير، وشرحبيل بن السّمط، وأبو مسعود (١) البدري، وصفوان بن عسّال، وعمرو بن عبسة (٢)، وهشام بن حكيم، وأبو رافع مولى النّبي ﷺ ، وآخرون.
* * *
стр. 214
الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ﵁ (٤)
الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁، أبو محمد، سبط رسول اللّه ﷺ ، وريحانته، وآخر الخلفاء بنصّه.
أخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة، ما سمّت العرب بهما في الجاهليّة.
ولد (١) الحسن ﵁ في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة.
وروي له عن النّبيّ ﷺ أحاديث.
وروت عنه عائشة ﵂ وخلائق من التّابعين: منهم ابنه الحسن، وأبو الحوراء ربيعة بن شيبان (٢)، والشّعبيّ، وأبو وائل، وابن سيرين.
وكان شبيها بالنّبيّ ﷺ ، سمّاه النّبيّ ﷺ الحسن، وعقّ عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أن يتصدّق بزنة شعره فضّة، وهو خامس أهل الكساء.
قال [أبو أحمد] العسكري: لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهليّة.
وقال المفضّل: إن اللّه حجب اسم الحسن والحسين حتّى سمّى بهما النّبيّ ﷺ ابنيه [الحسن والحسين].
وأخرج البخاري (٣) عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنّبيّ ﷺ من الحسن بن عليّ.
стр. 215
وأخرج الشّيخان (١) عن البراء قال: رأيت رسول اللّه ﷺ والحسن على عاتقه وهو يقول: «اللهم إنّي أحبّه فأحبّه».
وأخرج البخاري (٢) عن أبي بكرة قال: سمعت النّبيّ ﷺ على المنبر والحسن إلى جانبه ينظر إلى النّاس مرّة وإليه مرّة يقول: «إنّ ابني هذا سيّد، ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين».
وأخرج البخاري (٣) عن ابن عمر قال: قال النّبيّ ﷺ : «هما ريحانتاي من الدّنيا» يعني الحسن والحسين.
وأخرج التّرمذي (٤) والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه ﷺ :
«الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة».
وأخرج التّرمذي (٥) عن أسامة بن زيد، قال: رأيت النّبيّ ﷺ والحسن والحسين على وركيه فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللّهم إنّي أحبّهما فأحبّهما وأحبّ من يحبّهما».
وأخرج (٦) عن أنس قال: سئل رسول اللّه ﷺ : أيّ أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال:
«الحسن والحسين».
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النّبيّ ﷺ وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام! فقال رسول اللّه ﷺ : «ونعم الرّاكب هو».
وأخرج ابن سعد عن عبد اللّه بن الزّبير قال: أشبه أهل النّبيّ ﷺ به وأحبّهم إليه الحسن بن عليّ، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته - أو قال: ظهره - فما ينزله حتّى