فصل في نبذ من كلماته الوجيزة المختصرة البديعة
قال عليّ ﵁: الحزم سوء الظّنّ؛ أخرجه أبو الشّيخ وابن حبّان.
وقال: القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه، والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه، ولا شيء أقرب من يد إلى جسد، وإنّ اليد إذا فسدت قطعت، وإذا قطعت حسمت. أخرجه أبو نعيم.
وقال: خمس خذوهنّ عنّي: لا يخافنّ أحد منكم إلاّ ذنبه، ولا يرجو إلاّ ربّه، ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلّم، ولا يستحيي من لا يعلم إذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: اللّه أعلم؛ وإنّ الصّبر من الإيمان بمنزلة الرّأس من الجسد، إذا ذهب الصّبر ذهب الإيمان، وإذا ذهب الرّأس ذهب الجسد. أخرجه سعيد بن منصور في «سننه».
وقال: الفقيه كلّ الفقيه من لم يقنّط النّاس من رحمة اللّه، ولم يرخّص لهم في معاصي اللّه، ولم يؤمّنهم من عذاب اللّه، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فهم معه، ولا قراءة لا تدبّر فيها.
أخرجه ابن الضّريس في «فضائل القرآن».
وقال: وابردها على كبدي إذا سئلت عمّا لا أعلم أن أقول: اللّه أعلم. أخرجه ابن عساكر (١).
وقال: من أراد أن ينصف النّاس من نفسه فليحبّ لهم ما يحبّ لنفسه. أخرجه ابن عساكر.
وقال: سبع من الشّيطان: شدّة الغضب، وشدّة العطاس، وشدّة التثاؤب
стр. 212
والقيء، والرّعاف، والنّجوى، والنّوم عند الذّكر.
وقال: كلوا الرّمّان بشحمه فإنّه دباغ المعدة. أخرجه الحاكم في «التاريخ».
وقال: قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء.
وقال: يأتي على النّاس زمان المؤمن فيه أذلّ من الأمة. أخرجه سعيد بن منصور.
ولأبي الأسود الدّؤليّ يرثي عليّا ﵁ (١): [من الوافر]
ألا يا عين ويحك أسعدينا … ألا نبكي أمير المؤمنينا
تبكّي أمّ كلثوم عليه … بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا … فلا قرّت عيون الحاسدينا:
أفي شهر الصّيام فجعتمونا … بخير النّاس طرّا أجمعينا؟
قتلتم خير من ركب المطايا … وذلّلها، ومن ركب السّفينا
ومن لبس النّعال ومن حذاها … ومن قرأ المثاني والمبينا
وكلّ مناقب الخيرات فيه … وحبّ رسول ربّ العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانت … بأنّك خيرهم حسبا ودينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين … رأيت البدر فوق النّاظرينا
وكنّا قبل مقتله بخير … نرى مولى رسول اللّه فينا
يقيم الحقّ لا يرتاب فيه … ويعدل في العدى والأقربينا
وليس بكاتم علما لديه … ولم يخلق من المتكبرينا (٢)
كأنّ النّاس إذ فقدوا عليّا … نعام حار في بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن صخر … فإن بقيّة الخلفاء فينا
стр. 213
فصل فيمن مات في زمنه من الأعلام
مات في أيّام عليّ من الأعلام موتا وقتلا: حذيفة بن اليمان، والزّبير بن العوّام، وطلحة، وزيد بن صوحان، وسلمان الفارسيّ، وهند بن أبي هالة، وأويس القرنيّ، وخبّاب بن الأرتّ، وعمّار بن ياسر، وسهل بن حنيف، وصهيب الرّومي، ومحمد ابن أبي بكر الصّدّيق، وتميم الدّاري، وخوّات بن جبير، وشرحبيل بن السّمط، وأبو مسعود (١) البدري، وصفوان بن عسّال، وعمرو بن عبسة (٢)، وهشام بن حكيم، وأبو رافع مولى النّبي ﷺ ، وآخرون.
* * *
стр. 214
الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ﵁ (٤)
الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁، أبو محمد، سبط رسول اللّه ﷺ ، وريحانته، وآخر الخلفاء بنصّه.
أخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة، ما سمّت العرب بهما في الجاهليّة.
ولد (١) الحسن ﵁ في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة.
وروي له عن النّبيّ ﷺ أحاديث.
وروت عنه عائشة ﵂ وخلائق من التّابعين: منهم ابنه الحسن، وأبو الحوراء ربيعة بن شيبان (٢)، والشّعبيّ، وأبو وائل، وابن سيرين.
وكان شبيها بالنّبيّ ﷺ ، سمّاه النّبيّ ﷺ الحسن، وعقّ عنه يوم سابعه، وحلق شعره، وأمر أن يتصدّق بزنة شعره فضّة، وهو خامس أهل الكساء.
قال [أبو أحمد] العسكري: لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهليّة.
وقال المفضّل: إن اللّه حجب اسم الحسن والحسين حتّى سمّى بهما النّبيّ ﷺ ابنيه [الحسن والحسين].
وأخرج البخاري (٣) عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنّبيّ ﷺ من الحسن بن عليّ.
стр. 215
وأخرج الشّيخان (١) عن البراء قال: رأيت رسول اللّه ﷺ والحسن على عاتقه وهو يقول: «اللهم إنّي أحبّه فأحبّه».
وأخرج البخاري (٢) عن أبي بكرة قال: سمعت النّبيّ ﷺ على المنبر والحسن إلى جانبه ينظر إلى النّاس مرّة وإليه مرّة يقول: «إنّ ابني هذا سيّد، ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين».
وأخرج البخاري (٣) عن ابن عمر قال: قال النّبيّ ﷺ : «هما ريحانتاي من الدّنيا» يعني الحسن والحسين.
وأخرج التّرمذي (٤) والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه ﷺ :
«الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة».
وأخرج التّرمذي (٥) عن أسامة بن زيد، قال: رأيت النّبيّ ﷺ والحسن والحسين على وركيه فقال: «هذان ابناي وابنا ابنتي، اللّهم إنّي أحبّهما فأحبّهما وأحبّ من يحبّهما».
وأخرج (٦) عن أنس قال: سئل رسول اللّه ﷺ : أيّ أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال:
«الحسن والحسين».
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النّبيّ ﷺ وقد حمل الحسن على رقبته، فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام! فقال رسول اللّه ﷺ : «ونعم الرّاكب هو».
وأخرج ابن سعد عن عبد اللّه بن الزّبير قال: أشبه أهل النّبيّ ﷺ به وأحبّهم إليه الحسن بن عليّ، رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته - أو قال: ظهره - فما ينزله حتّى
стр. 216
يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتّى يخرج من الجانب الآخر.
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن قال: كان رسول اللّه ﷺ يدلع لسانه للحسن بن عليّ، فإذا رأى الصّبيّ حمرة اللّسان يهشّ إليه.
وأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن عليّ يخطب، فقام رجل من أزدشنوءة فقال: أشهد لقد رأيت رسول اللّه ﷺ واضعه في حبوته وهو يقول: «من أحبّني فليحبّه، وليبلّغ الشّاهد الغائب» ولولا كرامة رسول اللّه ﷺ ما حدّثت به أحدا.
فصل
كان (١) الحسن ﵁ له مناقب كثيرة، سيّدا، حليما، ذا سكينة ووقار وحشمة، جوادا، ممدّحا، يكره الفتن والسّيف، تزوّج كثيرا (٢)، وكان يجيز الرّجل الواحد بمائة ألف درهم.
وأخرج الحاكم عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير قال: لقد حجّ الحسن خمسا وعشرين حجّة ماشيا، وإنّ النّجائب (٣) لتقاد معه.
وأخرج ابن سعد (٤) عن عمير بن إسحاق قال: ما تكلّم عندي أحد كان أحبّ إذا تكلّم أن لا يسكت من الحسن بن عليّ، وما سمعت منه كلمة فحش قطّ إلاّ مرّة، فإنّه كان بين الحسن وعمرو بن عثمان خصومة في أرض، فعرض الحسن أمرا لم يرضه عمرو، فقال الحسن: فليس له عندنا إلاّ ما رغم أنفه؛ قال: فهذه أشدّ كلمة فحش سمعتها منه.
وأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميرا علينا، فكان يسبّ عليّا كلّ جمعة على المنبر، والحسن يسمع فلا يردّ شيئا، ثم أرسل إليه رجلا يقول له: بعليّ وبعليّ وبعليّ وبك وبك، وما وجدت مثلك إلاّ مثل البغلة، يقال لها: من
стр. 217
أبوك؟ فتقول: أمّي الفرس؛ فقال له الحسن: ارجع إليه فقل له: إنّي واللّه لا أمحو عنك شيئا ممّا قلت بأن أسبّك، ولكن موعدي وموعدك اللّه، فإن كنت صادقا جزاك اللّه بصدقك، وإن كنت كاذبا فاللّه أشدّ نقمة.
وأخرج ابن سعد (١) عن زريق بن سوار قال: كان بين الحسن وبين مروان كلام، فأقبل عليه مروان، فجعل يغلظ له - والحسن ساكت - فامتخط مروان بيمينه، فقال له الحسن:
ويحك، أما علمت أنّ اليمين للوجه، والشّمال للفرج؟ أف لك! فسكت مروان.
وأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار عن رجل، قال: جلس رجل إلى الحسن، فقال: إنّك جلست إلينا على حين قيام منّا، أفتأذن؟.
وأخرج ابن سعد عن عليّ بن زيد بن جدعان قال: خرج الحسن من ماله للّه مرتين، وقاسم اللّه ماله ثلاث مرّات، حتّى إنّه كان يعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفّا ويمسك خفّا.
وأخرج ابن سعد عن عليّ بن الحسين قال: كان الحسن مطلاقا للنّساء، وكان لا يفارق امرأة إلاّ وهي تحبّه، وأحصن تسعين (٢) امرأة.
وأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: كان الحسن يتزوّج ويطلّق، حتّى خشينا أن يورّثنا عداوة في القبائل.
وأخرج ابن سعد (٣) عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: قال عليّ: يا أهل الكوفة، لا تزوّجوا الحسن فإنّه رجل مطلاق؛ فقال رجل من همدان:
واللّه لنزوّجنه، فما رضي أمسك، وما كره طلّق.
وأخرج ابن سعد عن عبد اللّه بن حسن، قال: كان حسن رجلا كثير نكاح النّساء، وكن قلّما يحظين عنده، وكان قلّ امرأة تزوّجها إلاّ أحبّته وضنّت به (٤).
стр. 218
فصل
وأخرج ابن عساكر (١) عن جويرية بن أسماء قال: لمّا مات الحسن بكى مروان في جنازته، فقال له الحسين: أتبكيه وقد كنت تجرّعه ما تجرّعه؟ فقال: إنّي كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا؛ وأشار بيده إلى الجبل.
وأخرج ابن عساكر (٢) عن المبرّد قال: قيل للحسن بن عليّ: إنّ أبا ذرّ يقول:
الفقر أحبّ إليّ من الغنى، والسّقم أحبّ إليّ من الصّحّة، فقال: رحم اللّه أبا ذرّ! أمّا أنا فأقول: من اتّكل على حسن اختيار اللّه له لم يتمنّ أنّه في غير الحالة التي اختارها اللّه له؛ وهذا حدّ الوقوف على الرّضا بما تصرّف به القضاء.
ولي (٣) الحسن ﵁ الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعته أهل الكوفة، فأقام فيها ستّة أشهر وأيّاما، ثم سار إليه معاوية - والأمر إلى اللّه - فأرسل إليه الحسن يبذل له تسليم الأمر إليه، على أن تكون له الخلافة من بعده، وعلى أن لا يطالب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء ممّا كان أيّام أبيه، وعلى أن يقضي عنه ديونه، فأجابه معاوية إلى ما طلب، فاصطلحا على ذلك، فظهرت المعجزة النّبويّة في قوله ﷺ :
«يصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين» ونزل له عن الخلافة.
وقد استدلّ البلقيني بنزوله عن الخلافة - التي هي أعظم المناصب - على جواز النّزول عن الوظائف.
وكان نزوله عنها في سنة إحدى وأربعين، في شهر ربيع الأوّل - وقيل: الآخر، وقيل: في جمادى الأولى - فكان أصحابه يقولون له: يا عار المؤمنين، فيقول:
العار خير من النّار؛ وقال له رجل (٤): السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين، فقال: لست بمذلّ المؤمنين، ولكنّي كرهت أن أقتلكم على الملك.
стр. 219
ثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها.
وأخرج الحاكم (١) عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن: إنّ النّاس يقولون: إنّك تريد الخلافة، فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه اللّه وحقن دماء أمّة محمد ﷺ ، ثم أبتزّها باتّياس (٢) أهل الحجاز؟.
فصل
توفي الحسن ﵁ بالمدينة مسموما، سمّته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، دسّ إليها يزيد بن معاوية أن تسمّه فيتزّوجها، ففعلت، فلمّا مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال: إنّا لم نرضك للحسن، أفنرضاك لأنفسنا؟.
وكانت وفاته سنة تسع وأربعين، وقيل: في خامس ربيع الأول سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين.
وجهد به أخوه الحسين أن يخبره بمن سقاه، فلم يخبره، وقال: اللّه أشدّ نقمة إن كان الذي أظنّ، وإلاّ فلا يقتل بي واللّه بريء.
وأخرج ابن سعد (٣) عن عمران بن عبد اللّه بن طلحة قال: رأى الحسن كأنّ بين عينيه مكتوبا ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ (٤) فاستبشر به أهل بيته، فقصّوها على سعيد بن المسيّب، فقال: إن صدقت رؤياه فقلّ ما بقي من أجله؛ فما بقي إلاّ أيّاما حتّى مات.
وأخرج البيهقي وابن عساكر (٥) من طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه، قال: أضاق الحسن بن علي، وكان عطاؤه في كلّ سنة مائة ألف، فحبسها عنه معاوية في إحدى السّنين، فأضاق إضافة شديدة، قال: فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية
стр. 220
لأذكّره نفسي، ثم أمسكت، فرأيت رسول اللّه ﷺ في المنام، فقال: «كيف أنت يا حسن؟» فقلت: بخير يا أبت؛ وشكوت إليه تأخّر المال عنّي، فقال: «أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكّره ذلك؟» فقلت: نعم يا رسول اللّه، فكيف أصنع؟ فقال: «قل: اللّهمّ اقذف في قلبي رجاءك، واقطع رجائي عمّن سواك، حتّى لا أرجو أحدا غيرك؛ اللّهمّ وما ضعفت عنه قوّتي، وقصر عنه عملي، ولم تنته إليه رغبتي، ولم تبلغه مسألتي، ولم يجر على لساني ممّا أعطيت أحدا من الأوّلين والآخرين من اليقين فخصّني به يا ربّ العالمين».
قال: فو اللّه ما ألححت به أسبوعا حتّى بعث إليّ معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف. فقلت: الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره، ولا يخيّب من دعاه؛ فرأيت النبيّ ﷺ في المنام، فقال: «يا حسن كيف أنت؟» فقلت: بخير يا رسول اللّه؛ وحدّثته بحديثي، فقال: «يا بنيّ هكذا من رجا الخالق، ولم يرج المخلوق».
فصل
وفي «الطّيوريّات» عن سليم بن عيسى قارئ أهل الكوفة قال: لمّا حضرت الحسن الوفاة جزع، فقال له الحسين: يا أخي ما هذا الجزع؟ إنّك ترد على رسول اللّه ﷺ وعلى عليّ وهما أبواك، وعلى خديجة وفاطمة وهما أمّاك، وعلى القاسم والطّاهر وهما خالاك، وعلى حمزة وجعفر وهما عمّاك؛ فقال له الحسن: أي أخي إنّي داخل في أمر من أمر اللّه تعالى لم أدخل في مثله، وأرى خلقا من خلق اللّه لم أر مثله قطّ.
قال ابن عبد البرّ (١): وروينا من وجوه أنّه لمّا احتضر قال لأخيه: يا أخي إنّ أباك استشرف لهذا الأمر، فصرفه اللّه عنه ووليها أبو بكر، ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر، ثم لم يشكّ وقت الشّورى أنّها لا تعدوه؟، فصرفت عنه إلى عثمان، فلمّا قتل عثمان بويع عليّ، ثم نوزع حتّى جرّد السّيف فما صفت له، وإنّي واللّه ما أرى أن يجمع اللّه فينا النّبوّة والخلافة، فلا أعرفنّ ما استخلفك سفهاء الكوفة فأخرجوك، وقد
стр. 221
كنت طلبت من عائشة ﵂ أن أدفن مع رسول اللّه ﷺ ، فقالت: نعم، فإذا متّ فاطلب ذلك إليها، وما أظنّ القوم إلاّ سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم.
فلمّا مات أتى الحسين إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ فقالت: نعم وكرامة؛ فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السّلاح حتّى ردّه أبو هريرة، ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمّه ﵂.
* * *
стр. 222
معاوية بن أبي سفيان، ﵁ (٣)
هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ، الأموي، أبو عبد الرّحمن.
أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة، وشهد حنينا، وكان من المؤلّفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان أحد الكتّاب لرسول اللّه ﷺ .
روي له عن النّبيّ ﷺ مائة حديث وثلاثة وستّون حديثا.
روى عنه من الصّحابة: ابن عبّاس، وابن عمر، وابن الزّبير، وأبو الدّرداء، وجرير البجليّ، والنّعمان بن بشير، وغيرهم؛ ومن التّابعين: ابن المسيّب، وحميد بن عبد الرّحمن، وغيرهما.
وكان من الموصوفين بالدّهاء، والحلم.
وقد ورد في فضله أحاديث قلّما تثبت.
أخرج التّرمذي (١) وحسّنه، عن عبد الرّحمن بن أبي عميرة الصّحابي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال لمعاوية: «اللّهمّ اجعله هاديا مهديّا [واهد به]».
وأخرج أحمد في «مسنده» (٢) عن العرباض بن سارية: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «اللّهمّ علّم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب».
стр. 223
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» والطّبراني في «الكبير» عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول اللّه ﷺ :
«يا معاوية إذا ملكت فأحسن».
وكان معاوية رجلا طويلا، أبيض، جميلا، مهيبا، وكان عمر ينظر إليه فيقول:
هذا كسرى العرب؛ وعن عليّ قال: لا تكرهوا إمرة معاوية؛ فإنّكم لو فقدتموه لرأيتم الرّءوس تندر عن كواهلها.
وقال المقبري: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية؟.
وكان يضرب بحمله المثل، وقد أفرد ابن أبي الدّنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفا في حلم معاوية.
قال ابن عون (١): كان الرّجل يقول لمعاوية: واللّه لتستقيمنّ بنا يا معاوية، أو لنقومنّك. فيقول: بماذا؟ فيقول: بالخشب؛ فيقول: إذن نستقيم.
وقال قبيصة بن جابر: صحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما، ولا أبطأ جهلا، ولا أبعد أناة منه.
ولمّا بعث أبو بكر الجيوش إلى الشّام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان، فلمّا مات يزيد استخلفه على دمشق، فأقرّه عمر، ثم أقرّه عثمان وجمع له الشّام كلّه، فأقام أميرا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة.
قال كعب الأحبار: لن يملك أحد هذه الأمّة ما ملك معاوية.
قال الذّهبيّ: توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية؛ قال: وصدق كعب فيما نقله؛ فإنّ معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض، بخلاف غيره ممّن بعده؛ فإنّه كان لهم مخالف، وخرج عن أمرهم بعض الممالك، خرج معاوية على عليّ، كما تقدّم، وتسمّى بالخلافة، ثم خرج على الحسن، فنزل له الحسن عن الخلافة، فاستقرّ فيها من ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين؛ فسمّي هذا العام عام الجماعة؛ لاجتماع الأمّة فيه على خليفة واحد.
стр. 224
وفيه ولّى معاوية مروان بن الحكم المدينة.
وفي سنة ثلاث وأربعين فتحت الرّخّج وغيرها من بلاد سجستان، وودّان من برقة، وكور من بلاد السّودان.
وفيها استلحق معاوية زياد بن أبيه، وهي أوّل قضيّة غيّر فيها حكم النّبيّ ﷺ في الإسلام، ذكره الثّعالبي (١) وغيره.
وفي سنة خمس وأربعين فتحت القيقان (٢).
وفي سنة خمسين فتحت قوهستان عنوة.
وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد، فبايعوه، وهو أوّل من عهد بالخلافة لابنه، وأوّل من عهد بها في صحّته، ثم إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة، فخطب مروان فقال: إنّ أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سنّة أبي بكر وعمر، فقام عبد الرّحمن بن أبي بكر الصّدّيق فقال: بل سنة كسرى وقيصر؛ إنّ أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما، ولا في أحد من أهل بيتهما.
ثم حجّ معاوية سنة إحدى وخمسين، وأخذ البيعة لابنه، فبعث إلى ابن عمر فتشهّد وقال: أمّا بعد يا ابن عمر، إنّك كنت تحدّثني أنّك لا تحبّ أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير، وإنّي أحذّرك أن تشقّ عصا المسلمين أو تسعى في فساد ذات بينهم.
فحمد ابن عمر اللّه وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد؛ فإنّه قد كان قبلك خلفاء، لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، ولكنّهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنّك تحذّرني أن أشقّ عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، وإنّما أنا رجل من المسلمين؛ فإذا اجتمعوا على أمر فإنّما أنا رجل منهم.
стр. 225
فقال: يرحمك اللّه؛ فخرج ابن عمر.
ثم أرسل إلى ابن أبي بكر، فتشهّد ثم أخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه، وقال:
إنك لوددت أنّا وكلناك في أمر ابنك إلى اللّه، وإنّا واللّه لا نفعل، واللّه لتردّنّ هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنّها عليك جذعة؛ ثم وثب ومضى، فقال معاوية: اللّهمّ اكفنيه بما شئت؛ ثم قال: على رسلك أيّها الرّجل، لا تشرفن على أهل الشام، فإنّي اخاف أن يسبقوني بنفسك حتّى أخبر العشيّة أنّك قد بايعتنا، ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك.
ثم أرسل إلى ابن الزّبير، فقال: يا ابن الزّبير، إنّما أنت ثعلب روّاغ، كلّما خرج من جحر دخل في آخر، وإنّك عمدت إلى هذين الرّجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما؛ فقال ابن الزّبير، إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيّكما نسمع ونطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبدا؛ ثم راح.
فصعد معاوية المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: إنّا وجدنا أحاديث النّاس ذات عوار، زعموا أنّ ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزّبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له؛ فقال أهل الشّام: واللّه لا نرضى حتّى يبايعوا له على رءوس الأشهاد، وإلاّ ضربنا أعناقهم؛ فقال: سبحان اللّه! ما أسرع النّاس إلى قريش بالشّرّ، لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم؛ ثم نزل، فقال النّاس: بايع ابن عمر وابن أبي بكرو ابن الزّبير؛ وهم يقولون: لا واللّه ما بايعنا، فيقول النّاس:
بلى، وارتحل معاوية فلحق بالشّام.
وعن ابن المنكدر قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد: إن كان خيرا رضينا، وإن كان بلاء صبرنا.
وأخرج الخرائطيّ في «الهواتف» (١) عن حميد بن وهب قال: كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة
стр. 226
يغشاه النّاس فيه من غير إذن، فخلا البيت ذات يوم، فقام الفاكه وهند فيه [في وقت القائلة]، ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته، وأقبل رجل ممّن كان يغشى البيت، فولجه، فلمّا رأى المرأة ولّى هاربا، فأبصره الفاكه [وهو خارج من البيت]، فانتهى إليها فضربها برجله وقال: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا، ولا انتبهت حتّى أنبهتني. فقال لها: الحقي بأهلك؛ وتكلّم فيها النّاس، فخلا بها أبوها فقال لها:
يا بنيّة، إنّ النّاس قد أكثروا فيك فأنبئيني نبأك، فإن يكن الرجل صادقا دسست إليه من يقتله فتنقطع عنّا القالة، وإن يكن كاذبا حاكمته إلى بعض كهّان اليمن. قال: فحلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهليّة أنّه كاذب عليها، فقال عتبة للفاكه: إنّك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهّان اليمن؛ فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهنّ، فلمّا شارفوا البلاد تنكّرت حال هند وتغيّر وجهها، فقال لها أبوها: يا بنيّة، إنّي قد أرى ما بك من تغيّر الحال، وما ذاك إلاّ لمكروه عندك. قالت: لا واللّه يا أبتاه، وما ذاك لمكروه، ولكنّي أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب، فلا آمنه أن يسمني بسيماء تكون عليّ سبّة في العرب؛ فقال لها: إنّي سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك؛ فصفر لفرسه حتّى أدلى، ثم أدخل في إحليله حبّة من الحنطة، وأوكأ عليها بسير، وصبّحوا الكاهن، فنحر لهم وأكرمهم؛ فلما قعدوا قال له عتبة: إنّا قد جئناك في أمر، وقد خبأت لك خبيئا أختبرك به، فانظر ما هو؟ قال: برّة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبّة من برّ في إحليل مهر! فقال عتبة: صدقت، انظر في أمر هؤلاء النّسوة. فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول: انهضي، حتّى دنا من هند فضرب كتفها وقال: انهضي غير وسخاء ولا زانية، ولتلدنّ ملكا يقال له معاوية؛ فنظر إليها الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده وقالت: إليك، واللّه لأحرصنّ أن يكون ذلك من غيرك؛ فتزوّجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية.
مات معاوية في شهر رجب سنة ستّين، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير، وقيل: إنّه عاش سبعا وسبعين سنة، وكان عنده شيء من شعر رسول اللّه ﷺ وقلامة أظفاره، فأوصى أن تجعل في فمه وعينيه ومنافذ وجهه، وقال: افعلوا ذلك وخلّوا بيني وبين أرحم الرّاحمين.
стр. 227
فصل في نبذ من أخباره
أخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» عن سعيد بن جمهان قال: قلت لسفينة: إنّ بني أميّة يزعمون أنّ الخلافة فيهم؛ قال: كذب بنو الزّرقاء، بل هم ملوك من أشدّ الملوك، وأوّل الملوك معاوية.
وأخرج البيهقي وابن عساكر (١) عن إبراهيم بن سويد الأرمني، قال: قلت لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ. قلت:
فمعاوية؟ قال: لم يكن أحقّ بالخلافة في زمان عليّ من عليّ.
وأخرج السّلفيّ في «الطّيوريّات» عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن عليّ، ومعاوية، فقال: اعلم انّ عليّا كان كثير الأعداء، ففتّش له أعداؤه عيبا فلم يجدوا، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله، فأطروه كيادا منهم له.
وأخرج ابن عساكر (٢) عن عبد الملك بن عمير قال: قدم جارية بن قدامة السّعدي على معاوية، فقال: من أنت؟ قال: جارية بن قدامة، قال: وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلاّ نحلة؟ قال: لا تفعل، فقد شبّهتني بها حامية اللّسعة، حلوة البصاق؛ واللّه ما معاوية إلاّ كلبة تعاوي الكلاب، وما أميّة إلاّ تصغير أمة!
وأخرج (٢) عن الفضل بن سويد قال: وفد جارية بن قدامة على معاوية، فقال له معاوية: أنت السّاعي مع عليّ بن أبي طالب، والموقد النّار في شعلك تجوس قرى عربيّة تسفك دماءهم؟ قال جارية: يا معاوية دع عنك عليّا، فما أبغضنا عليّا منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه، قال: ويحك يا جارية! ما كان أهونك على أهلك إذا سمّوك جارية! قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سمّوك
стр. 228
معاوية؛ قال: لا أمّ لك. قال: أمّ ما ولدتني؛ إنّ قوائم السّيوف الّتي لقيناك بها بصفّين في أيدينا؛ قال: إنك لتهدّدني! قال: إنّك لم تملكنا قسرة، ولم تفتتحنا عنوة، ولكن أعطيتنا عهودا ومواثيق، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا، وأذرعا شدادا، وأسنّة حدادا، فإن بسطت إلينا فترا من غدر دلفنا إليك بباع من ختر (١)؛ قال معاوية: لا أكثر اللّه في النّاس أمثالك!.
وأخرج (٢) عن أبي الطّفيل عامر بن واثلة الصّحابي أنّه دخل على معاوية فقال له معاوية: ألست من قتلة عثمان؟ قال: لا، ولكنّي ممّن حضره فلم ينصره؛ قال:
وما منعك من نصره؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار؛ فقال معاوية: أما لقد كان حقّه واجبا عليهم أن ينصروه؛ قال: فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشّام؟ فقال معاوية: أما طلبي بدمه نصرة له؟ فضحك أبو الطّفيل ثم قال: أنت وعثمان كما قال الشاعر (٣): [من البسيط]
لا ألفينّك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زوّدتني زادي
وقال الشّعبي: أوّل من خطب النّاس قاعدا معاوية، وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه. أخرجه ابن أبي شيبة.
وقال الزّهريّ: أوّل من أحدث الخطبة قبل الصّلاة في العيد معاوية. أخرجه عبد الرّزّاق في «مصنّفه».
وقال سعيد بن المسيّب: أوّل من أحدث الأذان في العيد معاوية. أخرجه ابن أبي شيبة.
وقال: أوّل من نقص التّكبير معاوية. أخرجه ابن أبي شيبة.
وفي «الأوائل» (٤) للعسكري، قال: معاوية أوّل من وضع البريد في الإسلام، وأوّل من اتّخذ الخصيان لخاصّ خدمته، وأوّل من عبثت به رعيّته، وأوّل من قيل له:
стр. 229
السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمه اللّه وبركاته، الصّلاة يرحمك اللّه؛ وأوّل من اتّخذ ديوان الخاتم، وولاّه عبيد اللّه بن أوس الغسّاني، وسلّم إليه الخاتم وعلى فصّه مكتوب: لكلّ عمل ثواب، واستمر ذلك في الخلفاء الأمويين والعبّاسيّين إلى آخر وقت؛ وسبب اتخاذه له أنه أمر لرجل بمائة ألف، ففكّ الكتاب وجعله مائتي ألف، فلمّا رفع الحساب إلى معاوية أنكر ذلك، واتّخذ ديوان الخاتم من يومئذ؛ وهو أوّل من اتّخذ المقصورة بالجامع، وأوّل من أذن في تجريد الكعبة، وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئا فوق شيء.
وأخرج الزّبير بن بكّار في «الموفّقيّات» (١) عن ابن أخي الزّهري قال: قلت للزّهري: من أوّل من استحلف في البيعة؟ قال: معاوية، استحلفهم باللّه، فلمّا كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطّلاق والعتاق.
وأخرج العسكري في «كتاب الأوائل» (٢) عن سليمان بن عبد اللّه بن معمر قال:
قدم معاوية مكّة أو المدينة، فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عبّاس وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأقبلوا عليه، وأعرض عنه ابن عبّاس فقال: وأنا أحقّ بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمّه؛ فقال ابن عبّاس: ولم؟ ألتقدّم في الإسلام، أم سابقة مع رسول اللّه ﷺ ، أو قرابة منه؟ قال: لا، ولكنّي ابن عمّ المقتول؛ قال:
فهذا أحقّ به - يريد ابن أبي بكر - قال: إنّ أباه مات موتا؛ قال: فهذا أحقّ به - يريد ابن عمر - قال: إنّ أباه قتله كافر؛ قال: فذاك أدحض لحجّتك، أن كان المسلمون عتبوا على ابن عمّك فقتلوه.
وقال (٣) عبد اللّه بن محمد بن عقيل: قدم معاوية المدينة، فلقيه أبو قتادة الأنصاري، فقال معاوية: تلقّاني النّاس كلّهم غيركم يا معشر الأنصار؛ قال: لم يكن لنا دوابّ؛ قال: فأين النّواضح؟ قال: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. ثم قال أبو قتادة: إنّ رسول اللّه ﷺ قال لنا: إنّكم سترون بعدي أثرة؛ قال معاوية: فما
стр. 230
أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر؛ قال: فاصبروا؛ فبلغ ذلك عبد الرّحمن بن حسان بن ثابت، فقال: [من الوافر]
ألا أبلغ معاوية بن حرب … أمير المؤمنين ثنا كلامي
فإنّا صابرون ومنظروكم … إلى يوم التّغابن والخصام
وأخرج ابن أبي الدّنيا وابن عساكر (١) عن جبلة بن سحيم، قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان - وهو في خلافته - وفي عنقه حبل، وصبيّ يقوده، فقلت له:
يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا؟ قال: يا لكع، اسكت، فإنّي سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «من كان له صبيّ فليتصاب له».
قال ابن عساكر: غريب جدّا.
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» عن الشّعبيّ قال: دخل شابّ من قريش على معاوية، فأغلظ عليه، فقال له: يا بن أخي، أنهاك عن السّلطان؛ إنّ السّلطان يغضب غضب الصّبيّ، ويأخذ أخذ الأسد.
وأخرج (٢) عن الشّعبيّ، قال: قال زياد: استعملت رجلا، فكسر خراجه، فخشي أن أعاقبه، ففرّ إلى معاوية؛ فكتبت إليه: إنّ هذا أدب سوء لمن قبلي؛ فكتب إليّ: إنّه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس النّاس بسياسة واحدة؛ أن نلين جميعا فيمرح النّاس في المعصية، أو نشتدّ جميعا فنحمل النّاس على المهالك؛ ولكن تكون للشّدّة والفظاظة، وأكون للّين والرّأفة.
وأخرج عن الشّعبيّ، قال: سمعت معاوية يقول: ما تفرّقت أمّة قطّ إلاّ ظهر أهل الباطل على أهل الحقّ إلاّ هذه الأمّة.
وفي «الطّيوريّات» (٣) عن سليمان المخزومي قال: أذن معاوية للنّاس إذنا عامّا، فلمّا احتفل المجلس قال: أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كلّ بيت قائم
стр. 231
بمعناه؛ فسكتوا، ثم طلع عبد اللّه بن الزّبير، فقال: هذا مقوال العرب وعلاّمتها أبو خبيب، قال: مهيم؟ قال: أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كلّ بيت قائم بمعناه؛ قال: بثلاثمائة ألف، قال: وتساوي؟ قال: أنت بالخيار وأنت واف كاف، قال: هات؛ فأنشده للأفوه الأوديّ، قال (١): [من الوافر]
بلوت النّاس قرنا بعد قرن … فلم أر غير ختّال وقال
قال: صدق، هيه؛ قال:
ولم أر في الخطوب أشدّ وقعا … وأصعب من معاداة الرّجال
قال: صدق، هيه؛ قال:
وذقت مرارة الأشياء طرّا … فما طعم أمرّ من السّؤال
قال: صدق، ثم أمر له بثلاثمائة ألف.
وأخرج البخاري (٢) والنّسائي وابن أبي حاتم في «تفسيره»، واللفظ له، من طرق: أنّ مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل معاوية فقال: إنّ اللّه قد أرى أمير المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر - وفي لفظ: سنّة أبي بكر وعمر - فقال عبد الرّحمن بن أبي بكر: بل سنّة هرقل وقيصر، إنّ أبا بكر واللّه ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، [وما جعلها عمر في أحد من ولده ولا من أهل بيته] (٣)، ولا جعلها معاوية إلاّ رحمة وكرامة لولده؛ فقال مروان: ألست ﴿اَلَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ (٤)؟ فقال عبد الرّحمن: ألست ابن اللّعين الذي لعن أباك رسول اللّه ﷺ ؟ فقالت عائشة ﵂: كذب مروان، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ولكنّ
стр. 232
رسول اللّه ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان بعض من لعنه اللّه.
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» عن عروة قال: قال معاوية: لا حلم إلا التّجارب.
وأخرج ابن عساكر (١) عن الشّعبيّ قال: دهاة العرب أربعة: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد؛ فأمّا معاوية فللحم والأناة، وأمّا عمرو فللمعضلات، وأمّا المغيرة فللمبادهة، وأمّا زياد فللكبير والصغير.
وأخرج أيضا عنه قال: كان القضاة أربعة والدّهاة أربعة فأمّا القضاة فعمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت؛ وأمّا الدّهاة فمعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة، وزياد.
وأخرج (٢) عن قبيصة بن جابر قال: صحبت عمر بن الخطّاب، فما رأيت رجلا اقرأ لكتاب اللّه ولا أفقه في دين اللّه منه، وصحبت طلحة بن عبيد اللّه، فما رأيت رجلا أعطى لجزيل المال من غير مسألة منه، وصحبت معاوية، فما رأيت رجلا أثقل حلما ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه، وصحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أنصع طرفا ولا أحلم جليسا منه، وصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلاّ بمكر لخرج من أبوابها كلّها.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن حميد بن هلال، أن عقيل بن ابي طالب سأل عليّا فقال: إنّي محتاج وإنّي فقير فأعطني، فقال: اصبر حتّى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم؛ فألح عليه، فقال لرجل: خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السّوق فقل: دقّ هذه الأقفال، وخذ ما في هذه الحوانيت؛ قال: تريد أن تتّخذني سارقا؟ قال: وأنت تريد أن تتّخذني سارقا؟ أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم! قال:
لآتين معاوية؛ قال: أنت وذاك؛ فأتى معاوية، فسأله، فأعطاه مائة ألف ثم قال:
اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به عليّ وما أوليتك؛ فصعد فحمد اللّه وأثنى عليه،
стр. 233
ثم قال: أيّها الناس، إنّي أخبركم أنّي أردت عليا على دينه فاختار دينه، وأنّى أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه.
وأخرج ابن عساكر (١) عن جعفر بن محمد عن أبيه، أنّ عقيلا دخل على معاوية فقال معاوية: هذا عقيل وعمّه أبو لهب؛ فقال عقيل: هذا معاوية وعمّته حمّالة الحطب.
وأخرج ابن عساكر ٢ عن الأوزاعيّ قال: دخل خريم بن فاتك على معاوية ومئزره مشمّر، وكان حسن السّاقين، فقال معاوية: لو كانت هاتان السّاقان لامرأة! فقال خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين!.
فصل
مات في أيام معاوية من الأعلام: صفوان بن أميّة، وحفصة، وأم حبيبة، وصفيّة، وميمونة، وسودة، وجويرية، وعائشة أمّهات المؤمنين، ﵅؛ ولبيد الشّاعر، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمرو بن العاص، وعبد اللّه بن سلاّم الحبر، ومحمد بن مسلمة، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وأبو بكرة، وكعب بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلي، وأبو أيّوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعيد بن زيد، وأبو قتادة الأنصاري، وفضالة بن عبيد، وعبد الرّحمن بن أبي بكر، وجبير بن مطعم، وأسامة بن زيد، وثوبان، وعمرو بن حزم، وحسّان بن ثابت، وحكيم بن حزام، وسعد بن أبي وقاص، وأبو اليسر، وقثم بن العبّاس، وأخوه عبيد اللّه، وعقبة بن عامر.
وأبو هريرة، في سنة تسع وخمسين؛ وكان يدعو ويقول: اللّهم إنّي أعوذ بك من رأس السّتّين، وإمارة الصّبيّين؛ فاستجيب له.
وخلائق آخرون ﵃.
* * *
стр. 234
يزيد بن معاوية، أبو خالد الأموي (١)
هو يزيد بن معاوية بن صخر بن حرب، أبو خالد، الأمويّ.
ولد سنة خمس أو ستّ وعشرين.
كان ضخما، كثير اللّحم، كثير الشّعر.
وأمّه ميسون بنت بحدل الكلبيّة.
روى عن أبيه؛ وعنه: ابنه خالد، وعبد الملك بن مروان.
جعله أبوه وليّ عهده، وأكره النّاس على ذلك كما تقدّم.
قال الحسن البصريّ: أفسد أمر النّاس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف فحملت، وقال: أين القرّاء؟ فحكّم الخوارج، فلا يزال هذا التّحكيم إلى يوم القيامة؛ والمغيرة بن شعبة، فإنّه كان عامل معاوية على الكوفة فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابى فأقبل معزولا؛ فأبطأ عنه، فلمّا ورد عليه قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطّئه واهيّئه؛ قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك! قال: أوقد فعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك؛ فلمّا خرج قال له أصحابه:
ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غيّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة.
قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة.
وقال ابن سيرين: وفد عمرو بن حزم على معاوية، فقال له: أذكّرك اللّه في أمّة
стр. 235
محمد ﷺ بمن تستخلف عليها؛ فقال: نصحت وقلت برأيك، وإنّه لم يبق إلاّ ابني وأبناؤهم، وابني أحقّ.
وقال عطيّة بن قيس: خطب معاوية فقال: اللّهمّ إن كنت إنّما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلّغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنّما حملني حبّ الوالد لولده، وأنّه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك؛ فلمّا مات معاوية بايعه أهل الشام، ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة، فأبى الحسين وابن الزّبير أن يبايعاه، وخرجا من ليلتهما إلى مكّة.
فأمّا ابن الزّبير فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه.
وأمّا (١) الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، وهو يأبى، فلمّا بويع يزيد أقام على ما هو عليه مهموما، يزمع الإقامة مرّة ويريد المسير إليهم أخرى، فأشار عليه ابن الزّبير بالخروج، وكان ابن عبّاس يقول له: لا تفعل؛ وقال له ابن عمر: لا تخرج، فإن رسول اللّه ﷺ خيّره اللّه بين الدّنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنّك بضعة منه، ولا تنالها - يعني الدّنيا - واعتنقه وبكى وودّعه؛ فكان ابن عمر يقول: غلبنا الحسين بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة؛ وكلّمه في ذلك أيضا جابر بن عبد اللّه وأبو سعيد وأبو واقد اللّيثي وغيرهم فلم يطع أحدا منهم، وصمّم على المسير إلى العراق؛ فقال له ابن عبّاس: واللّه إنّي لأظنّك ستقتل بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان؛ فلم يقبل منه، فبكى ابن عبّاس، وقال: أقررت عين ابن الزّبير؛ ولمّا رأى ابن عبّاس عبد اللّه بن الزّبير قال له: قد أتى ما أحببت، هذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز، ثم تمثل (٢): [من الرجز]:
يا لك من قنبرة بمعمر … خلالك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقّري
وبعث أهل العراق إلى الحسين الرّسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجّة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبيانا، فكتب يزيد
стр. 236
إلى واليه بالعراق عبيد اللّه بن زياد يأمره بقتاله، فوجّه إليه جيشا أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص، فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله، فلمّا أرهقه السّلاح عرض عليهم الاستسلام والرّجوع أو المضيّ إلى يزيد فيضع يده في يده، فأبوا إلاّ قتله، فقتل وجيء برأسه في طست حتّى وضع بين يدي ابن زياد؛ لعن اللّه قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضا.
وكان قتله بكربلاء يوم عاشوراء؛ وفي قتله قصّة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها؛ فإنا للّه وإنّا إليه راجعون، وقتل معه ستّة عشر رجلا من أهل بيته.
ولمّا قتل الحسين مكثت الدّنيا سبعة ايّام والشّمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة، والكواكب يضرب بعضها بعضا؛ وكسفت الشّمس ذلك اليوم، واحمرّت آفاق السّماء ستّة أشهر بعد قتله، ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله.
وقيل: إنّه لم يقلب حجر ببيت المقدس يومئذ إلاّ وجد تحته دم عبيط، وصار الورس الذي في عسكرهم رمادا، ونحروا ناقة في عسكرهم، فكانوا يرون في لحمها مثل النّيران، وطبخوها فصارت مثل العلقم؛ وتكلّم رجل في الحسين بكلمة، فرماه اللّه بكوكبين من السماء فطمس بصره.
قال الثّعالبي (١): روت الرّواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير اللّيثي قال:
رأيت في هذا القصر - وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة - رأس الحسين بن عليّ بين يدي عبيد اللّه بن زياد على ترس، ثم رأيت رأس عبيد اللّه بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزّبير، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك بن مروان، فحدّثت بهذا الحديث عبد الملك، فتطيّر منه وفارق مكانه، وقيل: أمر بهدمه.
وأخرج التّرمذي (٢) عن سلمى قالت: دخلت على أمّ سلمة وهي تبكي، فقلت:
ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول اللّه ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التّراب،
стр. 237
فقلت: ما لك يا رسول اللّه؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفا».
وأخرج البيهقي في «الدلائل» عن ابن عبّاس قال: رأيت رسول اللّه ﷺ نصف النهار أشعث أغبر، وبيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول اللّه، ما هذا؟ قال: «هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم» فأحصي ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ.
وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن أمّ سلمة قالت: سمعت الجنّ تبكي على حسين وتنوح عليه.
وأخرج ثعلب في «أماليه» (١) عن أبي جناب الكلبيّ، قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب: أخبرني بما بلغني أنّكم تسمعون نوح الجنّ؛ فقال:
ما تلقى أحدا إلاّ أخبرك أنه سمع ذلك؛ قلت: فأخبرني بما سمعت أنت؛ قال:
سمعتهم يقولون: [من مجزوء الكامل]
مسح الرّسول جبينه … فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قري … ش وجدّه خير الجدود
ولمّا قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برءوسهم إلى يزيد، فسرّ بقتلهم أوّلا، ثم ندم لمّا مقته المسلمون على ذلك، وأبغضه النّاس، وحقّ لهم أن يبغضوه.
وأخرج أبو يعلى في «مسنده» بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال: قال رسول اللّه ﷺ : لا يزال أمر أمّتي قائما بالقسط، حتّى يكون أوّل من يثلمه رجل من بني أميّة يقال له: يزيد.
وأخرج الرّوياني في «مسنده» عن أبي الدّرداء ﵁ قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «أوّل من يبدّل سنّتي رجل من بني أميّة يقال له يزيد».
وقال نوفل بن الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكّر رجل يزيد، فقال:
قال أمير المؤمنين يزيد بن معاوية؛ فقال له عمر: تقول يزيد أمير المؤمنين؟ وأمر به، فضرب عشرين سوطا.
стр. 238
فصل
وفي سنة ثلاث وستّين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشا كثيفا وأمرهم بقتالهم، ثم المسير إلى مكّة لقتال ابن الزّبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرّة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرّة؟ ذكرها الحسن مرة فقال: واللّه ما كاد ينجو منهم أحد، قتل فيها خلق من الصّحابة ﵃ ومن غيرهم، ونهبت المدينة، وافتضّ فيها ألف عذراء؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون!.
قال ﷺ : «من أخاف أهل المدينة أخافه اللّه، وعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين» رواه مسلم.
وكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي.
وأخرج الواقدي من طرق أنّ عبد اللّه بن حنظلة بن الغسيل قال: واللّه ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء! إنه رجل ينكح أمّهات الأولاد، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصّلاة.
قال الذّهبي: ولمّا فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل - مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات - اشتد عليه النّاس، وخرج عليه غير واحد، ولم يبارك اللّه في عمره، وسار جيش الحرّة إلى مكة لقتال ابن الزّبير، فمات أمير الجيش بالطّريق، فاستخلف عليهم أميرا غيره، وأتوا مكة، فحاصروا ابن الزّبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق، وذلك في صفر سنة أربع وستّين، واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنا الكبش الذي فدى اللّه به إسماعيل وكانا معلقين في السّقف، وأهلك اللّه يزيد في نصف شهر ربيع الأوّل من هذا العام، فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمرّ؛ فنادى ابن الزّبير:
يا أهل الشّام إنّ طاغيتكم قد هلك، فانفلّوا وذلّوا وتخطّفهم النّاس، ودعا ابن الزّبير إلى البيعة لنفسه، وتسمّى بالخلافة، وأمّا أهل الشّام فبايعوا معاوية بن يزيد بن معاوية، ولم تطل مدّته كما سيأتي.
ومن شعر يزيد بن معاوية (١): [من المديد]
стр. 239
آب هذا الهمّ فاكتنعا … وأمرّ النّوم فامتنعا
راعيا للنّجم أرقبه … فإذا ما كوكب طلعا
حام حتّى إنّني لأرى … أنّه بالغور قد وقعا
ولها بالماطرون إذا … أكل النّمل الذي جمعا
نزهة حتّى إذا بلغت … نزلت من جلّق بيعا
في قباب وسط دسكرة … حولها الزّيتون قد ينعا
وأخرج ابن عساكر عن عبد اللّه بن عمر قال: أبو بكر الصّديق أصبتم اسمه؛ عمر الفاروق قرن من حديد، أصبتم اسمه؛ ابن عفّان ذو النّورين يقتل مظلوما، يؤتى كفلين من الرّحمة؛ معاوية وابنه ملكا الأرض المقدّسة، والسّفّاح، وسلاّم، والمنصور، وجابر، والمهديّ، والأمين، وأمير الغضب، كلّهم من بني كعب بن لؤيّ، كلّهم صالح لا يوجد مثله.
قال الذّهبي: له طرق عن ابن عمر، ولم يرفعه أحد.
وأخرج الواقدي عن أبي جعفر الصّادق، محمد الباقر قال: أوّل من كسا الكعبة الدّيباج يزيد بن معاوية.
مات في أيّام يزيد من الأعلام سوى الذين قتلوا مع الحسين، وفي وقعة الحرة: أمّ سلمة أمّ المؤمنين، وخالد بن عرفطة (١)، وجرهد الأسلميّ، وجابر بن عتيك، وبريدة بن الحصيب، ومسلمة بن مخلد، وعلقمة بن قيس النّخعي الفقيه، ومسروق، والمسور بن مخرمة، وغيرهم، ﵃.
وعدّة المقتولين بالحرّة من قريش والأنصار ثلاثمائة وستّة رجال.
* * *
стр. 240
معاوية بن يزيد (١)
هو معاوية بن يزيد بن معاوية.
أبو عبد الرّحمن - ويقال له: أبو يزيد، ويقال: أبو ليلى.
استخلف بعهد من أبيه في ربيع الأوّل سنة أربع وستّين، وكان شابّا صالحا؛ ولمّا استخلف كان مريضا، فاستمر مريضا إلى أن مات، ولم يخرج إلى النّاس، ولا فعل شيئا من الأمور، ولا صلّى بالنّاس؛ وكانت مدّة خلافته أربعين يوما، وقيل:
شهرين، وقيل: ثلاثة أشهر؛ ومات وله إحدى عشرون سنة، وقيل عشرون سنة؛ ولمّا احتضر قيل له: الا تستخلف؟ قال: ما أصبت من حلاوتها فلم أتحمل مرارتها؟.
* * *
стр. 241
عبد اللّه بن الزّبير (١)
هو عبد اللّه بن الزّبير بن العوّام بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ، الأسديّ.
كنيته أبو بكر، وقيل: أبو خبيب - بضمّ الخاء المعجمة - صحابيّ ابن صحابيّ.
وأبوه أحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأمّه أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق، ﵂، وأمّ أبيه صفيّة عمّة رسول اللّه ﷺ .
ولد بالمدينة بعد عشرين شهرا من الهجرة - وقيل: في السّنة الأولى - وهو أوّل مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة، وفرح المسلمون بولادته فرحا شديدا؛ لأنّ اليهود كانوا يقولون: سحرناهم فلا يولد لهم ولد، فحنّكه رسول اللّه ﷺ بتمرة لاكها، وسمّاه عبد اللّه، وكنّاه أبا بكر باسم جده الصّدّيق وكنيته، وكان صوّاما قوّاما، طويل الصّلاة، وصولا للرّحم، عظيم الشّجاعة، قسم الدّهر ثلاث ليال: ليلة يصلّي قائما حتّى الصّباح، وليلة راكعا حتّى الصّباح، وليلة ساجدا حتى الصباح.
روي له عن النّبيّ ﷺ ثلاثة وثلاثون حديثا؛ روى عنه أخوه عروة، وابن أبي مليكة، وعبّاس بن سهل، وثابت البناني، وعطاء، وعبيدة السّلماني، وخلائق آخرون.
وكان ممّن أبى البيعة ليزيد بن معاوية، وفرّ إلى مكة ولم يدع إلى نفسه لكن لم يبايع، فوجد عليه يزيد وجدا شديدا، فلمّا مات يزيد بويع له بالخلافة، وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وجدّد عمارة الكعبة، فجعل لها بابين على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ستّة أذرع من الحجر، لما حدّثته خالته عائشة ﵂، عن
стр. 242
النّبيّ ﷺ ؛ ولم يبق خارجا عنه إلاّ الشّام ومصر، فإنّه بويع بهما معاوية بن يزيد، فلم تطل مدّته، فلمّا مات أطاع أهلهما ابن الزّبير وبايعوه، ثم خرج مروان بن الحكم فغلب على الشّام ثم مصر، واستمرّ إلى أن مات سنة خمس وستّين، وقد عهد إلى ابنه عبد الملك.
والأصحّ ما قاله الذّهبيّ أنّ مروان لا يعدّ في أمراء المؤمنين، بل هو باغ خارج على ابن الزّبير، ولا عهده إلى ابنه بصحيح، وإنّما صحّت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزّبير.
وأمّا ابن الزّبير فإنّه استمرّ بمكّة خليفة إلى أن تغلّب عبد الملك فجهّز لقتاله الحجّاج في أربعين ألفا، فحصروه بمكة أشهرا ورمى عليه بالمنجنيق، وخذل ابن الزّبير أصحابه، وتسلّلوا إلى الحجّاج، فظفر به وقتله وصلبه، وذلك يوم الثّلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - سنة ثلاث وسبعين.
وأخرج ابن عساكر (١) عن محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر قال: إنّي لفوق أبي قبيس حين وضع المنجنيق على ابن الزّبير، فنزلت صاعقة كأنّي انظر إليها تدور كأنّها خمار أحمر، فأحرقت [من] أصحاب المنجنيق نحوا من خمسين رجلا.
وكان ابن الزّبير فارس قريش في زمانه، له المواقف المشهورة.
أخرج أبو يعلى في «مسنده» (٢) عن ابن الزّبير، أنّ النّبيّ ﷺ احتجم، فلمّا فرغ قال له: «يا عبد اللّه، اذهب بهذا الدّم فأهرقه حيث لا يراك أحد» فلمّا ذهب به شربه، فلمّا رجع قال: «ما صنعت بالدّم؟» قال: عمدت إلى أخفى موضع علمته فجعلته فيه، قال: «لعلّك شربته»! قال: نعم، قال: «ويل للنّاس منك وويل لك من النّاس!» فكانوا يرون أنّ القوّة التي به من ذلك الدّم.
وأخرج (٣) عن نوف البكالي قال: إنّي لأجد في كتاب اللّه المنزل، أنّ ابن الزّبير فارس الخلفاء.
стр. 243
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصلّيا أحسن صلاة من ابن الزّبير، وكان يصلّي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه، فما يلتفت إليه.
وقال مجاهد: ما كان باب من العبادة يعجز النّاس عنه إلاّ تكلّفه ابن الزّبير، ولقد جاء سيل طبّق البيت فجعل يطوف سباحة.
وقال عثمان بن طلحة: كان ابن الزّبير لا ينازع في ثلاثة: لا شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة، وكان صيّتا إذا خطب تجاوبه الجبال.
وأخرج ابن عساكر عن عروة، أن النّابغة الجعديّ أنشد عبد اللّه بن الزّبير (١): [من الطويل]
حكيت لنا الصّدّيق لمّا وليتنا … وعثمان، والفاروق؛ فارتاح معدم
وسوّيت بين الناس في الحقّ فاستوى … فعاد صباحا حالك اللّون أسحم
وأخرج (٢) عن هشام بن عروة وخبيب، قال: أوّل من كسا الكعبة الدّيباج عبد اللّه ابن الزّبير، وكانت كسوتها المسوح والأنطاع.
وأخرج (٣) عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزّبير مائة غلام، يتكلّم كلّ غلام منهم بلغة، وكان ابن الزّبير يكلّم كلّ أحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد اللّه طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدّنيا طرفة عين.
وأخرج (٤) عن هشام بن عروة قال: كان أوّل ما أفصح به عمّي عبد اللّه بن الزّبير - وهو صغير -: السّيف، فكان لا يضعه من فيه، فكان أبوه إذا سمع ذلك منه يقول:
أما واللّه ليكوننّ لك منه يوم ويوم وأيّام.
وأخرج (٥) عن أبي عبيدة قال: جاء عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ إلى عبد اللّه بن الزّبير
стр. 244
ابن العوّام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ بيني وبينك رحما من قبل فلانة؛ فقال ابن الزّبير: نعم، هذا كما ذكرت، وإن فكّرت في هذا أصبت النّاس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ نفقتي نفدت. قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنّها تكفيك إلى أن ترجع إليهم. قال: يا أمير المؤمنين فإنّ ناقتي قد نقبت. قال: أنجد بها تبرد خفّها، وارقعها بسبت، واخصفها بهلب، وسر عليها البردين (١). قال: يا أمير المؤمنين، إنّما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفا؛ لعن اللّه ناقة حملتني إليك! فقال ابن الزّبير: إنّ وراكبها؛ فخرج ابن الزّبير الأسديّ يقول (٢): [من الوافر]
أرى الحاجات عند أبي خبيب … نكدن، ولا أميّة في البلاد
من الأعياص أو من آل حرب … أغرّ كغرّة الفرس الجواد
وقلت لصحبتي: أدنوا ركابي … أفارق بطن مكّة في سواد
ومالي حين أقطع ذات عرق … إلى ابن الكاهليّة من معاد
وأخرج عبد الرّزّاق في «مصنّفه» عن الزّهري قال: لم يحمل إلى رسول اللّه ﷺ رأس إلى المدينة قطّ، ولا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك، وأوّل من حملت إليه الرءوس عبد اللّه بن الزّبير.
وفي أيّام ابن الزّبير كان خروج المختار الكذّاب الذي ادّعى النّبوّة، فجهّز ابن الزّبير لقتاله، إلى أن ظفر به في سنة سبع وستّين، وقتله؛ لعنه اللّه!.
مات في أيّام ابن الزّبير من الأعلام أسيد بن حضير، وعبد اللّه بن عمرو ابن العاص، والنّعمان بن بشير، وسليمان بن صرد، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، وعديّ بن حاتم، وابن عبّاس، وأبو واقد اللّيثيّ، وزيد بن خالد الجهنيّ، وأبو الأسود الدّؤلي، وآخرون.
стр. 245
عبد الملك بن مروان (١)
عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصيّ بن كلاب.
أبو الوليد؛ ولد سنة ست وعشرين.
بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزّبير، فلم تصحّ خلافته، وبقي متغلّبا على مصر والشّام، ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزّبير سنة ثلاث وسبعين؛ فصحّت خلافته من يومئذ، واستوثق له الأمر.
ففي هذا العام هدم الحجّاج الكعبة، وأعادها على ما هي عليه الآن، ودسّ على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة، فمرض منها ومات.
وفي سنة أربع وسبعين سار الحجّاج إلى المدينة، وأخذ يتعنّت على أهلها، ويستخفّ ببقايا من فيها من صحابة رسول اللّه ﷺ ، وختم في أعناقهم وأيديهم، يذلّهم بذلك، كأنس بن مالك، وجابر بن عبد اللّه، وسهل بن سعد السّاعدي؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون!.
وفي سنة خمس وسبعين حجّ بالنّاس عبد الملك بن مروان الخليفة، وسيّر الحجّاج أميرا على العراق.
وفي سنة سبع وسبعين فتحت هرقلة، وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر، وزاد فيه من جهاته الأربع.
стр. 246
وفي سنة اثنتين وثمانين فتح حصن سنان من ناحية المصّيصة، وكانت غزوة أرمينية، وصنهاجة بالمغرب.
وفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط؛ بناها الحجّاج.
وفي سنة أربع وثمانين فتحت المصّيصة وأولية (١) من المغرب.
وفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة دبيل (٢)، ومدينة برذعة، بناهما عبد العزيز بن حاتم بن النّعمان الباهلي.
وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق، وحصن الأخرم.
وفيها كان طاعون الفتيات، وسمي بذلك لأنه بدأ في النّساء.
وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوّال، وخلّف سبعة عشر ولدا.
قال أحمد بن عبد اللّه العجلي (٣): كان عبد الملك أبخر الفم، وإنّه ولد لستة أشهر.
وقال ابن سعد (٤): كان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة.
وقال يحيى الغسّاني (٥): كان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يجلس إلى أمّ الدّرداء، فقالت له مرّة: بلغني يا أمير المؤمنين أنّك شربت الطّلا بعد النّسك والعبادة؛ قال: إي واللّه والدّماء قد شربتها.
وقال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشدّ تشميرا ولا أفقه ولا أنسك
стр. 247
ولا أقرأ لكتاب اللّه من عبد الملك بن مروان.
وقال أبو الزّناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيّب، وعبد الملك بن مروان، وعروة بن الزّبير، وقبيصة بن ذؤيب.
وقال ابن عمر: ولد النّاس أبناء وولد مروان أبا.
وقال عبادة بن نسيّ: قيل لابن عمر: إنّكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إنّ لمروان ابنا فقيها فاسألوه.
وقال سحيم مولى أبي هريرة ﵁: دخل عبد الملك - وهو شابّ - على أبي هريرة ﵁ فقال أبو هريرة: هذا يملك العرب.
وقال عبدة (١) بن رياح الغسّاني: قالت أم الدّرداء لعبد الملك: ما زلت أتخيّل هذا الأمر فيك منذ رأيتك؛ قال: وكيف ذاك؟ قالت: ما رأيت أحسن منك محدّثا ولا أعلم منك مستمعا.
وقال الشّعبيّ: ما جالست أحدا إلاّ وجدت لي عليه الفضل إلاّ عبد الملك بن مروان فإنّي ما ذاكرته حديثا إلاّ وزادني فيه، ولا شعرا إلاّ وزادني فيه.
وقال الذهبي: سمع عبد الملك من عثمان، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأمّ سلمة، وبريرة، وابن عمر، ومعاوية.
روى عنه: عروة، وخالد بن معدان، ورجاء بن حيوة، والزّهري، ويونس بن ميسرة، وربيعة بن يزيد، وإسماعيل بن عبيد اللّه، وحريز بن عثمان، وطائفة.
وقال بكر بن عبد اللّه المزني (٢): أسلم يهوديّ اسمه يوسف، وكان قرأ الكتب، فمرّ بدار مروان فقال: ويل لأمّة محمد من أهل هذه الدّار؛ فقلت له: إلى متى؟ قال: حتّى تجيء رايات سود من قبل خراسان.
وكان صديقا لعبد الملك بن مروان، فضرب يوما على منكبه، وقال: اتّق اللّه في
стр. 248
أمّة محمد إذا ملكتهم؛ فقال: دعني ويحك، ما شأني وشأن ذلك؟ فقال: اتّق اللّه في أمرهم؛ قال: وجهّز يزيد جيشا إلى أهل مكة فقال عبد الملك: أعوذ باللّه! أيبعث إلى حرم اللّه؟ فضرب يوسف منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم [من جيش يزيد بن معاوية].
وقال يحيى الغسّاني: لمّا نزل مسلم بن عقبة المدينة دخلت مسجد رسول اللّه ﷺ فجلست إلى جنب عبد الملك، فقال لي عبد الملك: أمن هذا الجيش أنت؟ قلت:
نعم، قال: ثكلتك أمّك! أتدري إلى من تسير؟ إلى أوّل مولود ولد في الإسلام، وإلى ابن حواريّ رسول اللّه ﷺ ، وإلى ابن ذات النّطاقين، وإلى من حنّكه رسول اللّه ﷺ ؛ أما واللّه إن جئته نهارا وجدته صائما، ولئن جئته ليلا لتجدنّه قائما، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبّهم اللّه جميعا في النّار؛ فلمّا صارت الخلافة إلى عبد الملك وجّهنا مع الحجاج حتّى قتلناه.
وقال ابن أبي عائشة (١): أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.
وقال مالك (٢): سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوّل من صلّى في المسجد ما بين الظّهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، كانوا إذا صلّى الإمام الظّهر قاموا فصلّوا إلى العصر؛ فقيل لسعيد بن المسيّب: لو قمنا فصلّينا كما يصلّي هؤلاء؛ فقال سعيد بن المسيّب: ليست العبادة بكثرة الصّلاة والصّوم، وإنّما العبادة التّفكّر في أمر اللّه والورع عن محارم اللّه.
وقال مصعب بن عبد اللّه: أوّل من سمّي في الإسلام عبد الملك: عبد الملك بن مروان.
وقال يحيى بن بكير: سمعت مالكا يقول: أوّل من ضرب الدّنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن.
стр. 249
وقال مصعب: كتب عبد الملك على الدّنانير ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ وفي الوجه الآخر «لا إله إلا اللّه» وطوّقه بطوق فضّة، وكتب فيه «ضرب بمدينة كذا» وكتب خارج الطّوق «محمد رسول اللّه أرسله بالهدى ودين الحقّ».
وفي «الأوائل» للعسكري (١) بسنده: كان عبد الملك أوّل من كتب في صدور الطّوامير ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ وذكر النّبيّ ﷺ مع التّاريخ، فكتب ملك الرّوم: إنّكم أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيّكم، فاتركوه وإلاّ أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون؛ فعظم ذلك على عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فشاوره، فقال: حرّم دنانيرهم، واضرب للنّاس سككا فيها ذكر اللّه وذكر رسوله ﷺ ، ولا تعفهم مما يكرهون في الطّوامير؛ فضرب الدّنانير للنّاس سنة خمس وسبعين.
قال العسكري (٢): وأوّل خليفة بخل عبد الملك، وكان يسمّى «رشح الحجارة» لبخله، ويكنى «أبا الذّبان» لبخره.
قال (٣): وهو أوّل من غدر في الإسلام، وأوّل من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وأوّل من نهى عن الأمر بالمعروف.
ثم أخرج (٤) بسنده عن ابن الكلبي قال: كان مروان بن الحكم ولّى العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أوّل غدر في الإسلام؛ فقال بعضهم: [من البسيط]
يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جرّبتم الغدر من أبناء مروانا
أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا … يدعون غدرا بعهد اللّه كيسانا
ويقتلون الرّجال البزل ضاحية … لكي يولّوا أمور النّاس ولدانا
تلاعبوا بكتاب اللّه فاتّخذوا … هواهم في معاصي اللّه قربانا
стр. 250
وأخرج (١) بإسناد فيه الكديميّ - وهو متّهم بالكذب - عن ابن جريج عن أبيه قال:
خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزّبير عام حجّ سنة خمس وسبعين، فقال بعد حمد اللّه والثّناء عليه: أمّا بعد، فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإنّ من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإنّي لا أداوي أدواء هذه الأمّة إلاّ بالسّيف حتّى تستقيم لي قناتكم، تكلّفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم؟ فلن تزدادوا إلاّ عقوبة حتّى يحكم السّيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه، قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا، ألا وإنّا نحمل لكم كلّ شيء إلاّ وثوبا على منبر أو نصب راية، ألا وإنّ الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، واللّه لا يفعل أحد فعله إلاّ جعلتها في عنقه، واللّه لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه؛ ثم نزل.
ثم قال العسكري (٢): وعبد الملك أوّل من نقل الدّيوان من الفارسيّة إلى العربيّة، وأوّل من رفع يديه على المنبر.
قلت: فتمّت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» بسنده عن محمد بن سيرين قال: أوّل من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان، فإمّا أن يكون عبد الملك أو أحدا من أولاده.
وأخرج عبد الرّزّاق عن ابن جريج قال: أخبرني غير واحد أنّ أوّل من كسا الكعبة بالدّيباج عبد الملك بن مروان، وإنّ من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب، ما نعلم لها من كسوة أوفق منه.
وقال يوسف بن الماجشون: كان عبد الملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسّيوف.