وفي سنة اثنتين وثمانين فتح حصن سنان من ناحية المصّيصة، وكانت غزوة أرمينية، وصنهاجة بالمغرب.
وفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط؛ بناها الحجّاج.
وفي سنة أربع وثمانين فتحت المصّيصة وأولية (١) من المغرب.
وفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة دبيل (٢)، ومدينة برذعة، بناهما عبد العزيز بن حاتم بن النّعمان الباهلي.
وفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق، وحصن الأخرم.
وفيها كان طاعون الفتيات، وسمي بذلك لأنه بدأ في النّساء.
وفيها مات الخليفة عبد الملك في شوّال، وخلّف سبعة عشر ولدا.
قال أحمد بن عبد اللّه العجلي (٣): كان عبد الملك أبخر الفم، وإنّه ولد لستة أشهر.
وقال ابن سعد (٤): كان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة.
وقال يحيى الغسّاني (٥): كان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يجلس إلى أمّ الدّرداء، فقالت له مرّة: بلغني يا أمير المؤمنين أنّك شربت الطّلا بعد النّسك والعبادة؛ قال: إي واللّه والدّماء قد شربتها.
وقال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشدّ تشميرا ولا أفقه ولا أنسك
стр. 247
ولا أقرأ لكتاب اللّه من عبد الملك بن مروان.
وقال أبو الزّناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيّب، وعبد الملك بن مروان، وعروة بن الزّبير، وقبيصة بن ذؤيب.
وقال ابن عمر: ولد النّاس أبناء وولد مروان أبا.
وقال عبادة بن نسيّ: قيل لابن عمر: إنّكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إنّ لمروان ابنا فقيها فاسألوه.
وقال سحيم مولى أبي هريرة ﵁: دخل عبد الملك - وهو شابّ - على أبي هريرة ﵁ فقال أبو هريرة: هذا يملك العرب.
وقال عبدة (١) بن رياح الغسّاني: قالت أم الدّرداء لعبد الملك: ما زلت أتخيّل هذا الأمر فيك منذ رأيتك؛ قال: وكيف ذاك؟ قالت: ما رأيت أحسن منك محدّثا ولا أعلم منك مستمعا.
وقال الشّعبيّ: ما جالست أحدا إلاّ وجدت لي عليه الفضل إلاّ عبد الملك بن مروان فإنّي ما ذاكرته حديثا إلاّ وزادني فيه، ولا شعرا إلاّ وزادني فيه.
وقال الذهبي: سمع عبد الملك من عثمان، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأمّ سلمة، وبريرة، وابن عمر، ومعاوية.
روى عنه: عروة، وخالد بن معدان، ورجاء بن حيوة، والزّهري، ويونس بن ميسرة، وربيعة بن يزيد، وإسماعيل بن عبيد اللّه، وحريز بن عثمان، وطائفة.
وقال بكر بن عبد اللّه المزني (٢): أسلم يهوديّ اسمه يوسف، وكان قرأ الكتب، فمرّ بدار مروان فقال: ويل لأمّة محمد من أهل هذه الدّار؛ فقلت له: إلى متى؟ قال: حتّى تجيء رايات سود من قبل خراسان.
وكان صديقا لعبد الملك بن مروان، فضرب يوما على منكبه، وقال: اتّق اللّه في
стр. 248
أمّة محمد إذا ملكتهم؛ فقال: دعني ويحك، ما شأني وشأن ذلك؟ فقال: اتّق اللّه في أمرهم؛ قال: وجهّز يزيد جيشا إلى أهل مكة فقال عبد الملك: أعوذ باللّه! أيبعث إلى حرم اللّه؟ فضرب يوسف منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم [من جيش يزيد بن معاوية].
وقال يحيى الغسّاني: لمّا نزل مسلم بن عقبة المدينة دخلت مسجد رسول اللّه ﷺ فجلست إلى جنب عبد الملك، فقال لي عبد الملك: أمن هذا الجيش أنت؟ قلت:
نعم، قال: ثكلتك أمّك! أتدري إلى من تسير؟ إلى أوّل مولود ولد في الإسلام، وإلى ابن حواريّ رسول اللّه ﷺ ، وإلى ابن ذات النّطاقين، وإلى من حنّكه رسول اللّه ﷺ ؛ أما واللّه إن جئته نهارا وجدته صائما، ولئن جئته ليلا لتجدنّه قائما، فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبّهم اللّه جميعا في النّار؛ فلمّا صارت الخلافة إلى عبد الملك وجّهنا مع الحجاج حتّى قتلناه.
وقال ابن أبي عائشة (١): أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.
وقال مالك (٢): سمعت يحيى بن سعيد يقول: أوّل من صلّى في المسجد ما بين الظّهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، كانوا إذا صلّى الإمام الظّهر قاموا فصلّوا إلى العصر؛ فقيل لسعيد بن المسيّب: لو قمنا فصلّينا كما يصلّي هؤلاء؛ فقال سعيد بن المسيّب: ليست العبادة بكثرة الصّلاة والصّوم، وإنّما العبادة التّفكّر في أمر اللّه والورع عن محارم اللّه.
وقال مصعب بن عبد اللّه: أوّل من سمّي في الإسلام عبد الملك: عبد الملك بن مروان.
وقال يحيى بن بكير: سمعت مالكا يقول: أوّل من ضرب الدّنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن.
стр. 249
وقال مصعب: كتب عبد الملك على الدّنانير ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ وفي الوجه الآخر «لا إله إلا اللّه» وطوّقه بطوق فضّة، وكتب فيه «ضرب بمدينة كذا» وكتب خارج الطّوق «محمد رسول اللّه أرسله بالهدى ودين الحقّ».
وفي «الأوائل» للعسكري (١) بسنده: كان عبد الملك أوّل من كتب في صدور الطّوامير ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ وذكر النّبيّ ﷺ مع التّاريخ، فكتب ملك الرّوم: إنّكم أحدثتم في طواميركم شيئا من ذكر نبيّكم، فاتركوه وإلاّ أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون؛ فعظم ذلك على عبد الملك، فأرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية فشاوره، فقال: حرّم دنانيرهم، واضرب للنّاس سككا فيها ذكر اللّه وذكر رسوله ﷺ ، ولا تعفهم مما يكرهون في الطّوامير؛ فضرب الدّنانير للنّاس سنة خمس وسبعين.
قال العسكري (٢): وأوّل خليفة بخل عبد الملك، وكان يسمّى «رشح الحجارة» لبخله، ويكنى «أبا الذّبان» لبخره.
قال (٣): وهو أوّل من غدر في الإسلام، وأوّل من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وأوّل من نهى عن الأمر بالمعروف.
ثم أخرج (٤) بسنده عن ابن الكلبي قال: كان مروان بن الحكم ولّى العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه، فقتله عبد الملك، وكان قتله أوّل غدر في الإسلام؛ فقال بعضهم: [من البسيط]
يا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد … جرّبتم الغدر من أبناء مروانا
أمسوا وقد قتلوا عمرا وما رشدوا … يدعون غدرا بعهد اللّه كيسانا
ويقتلون الرّجال البزل ضاحية … لكي يولّوا أمور النّاس ولدانا
تلاعبوا بكتاب اللّه فاتّخذوا … هواهم في معاصي اللّه قربانا
стр. 250
وأخرج (١) بإسناد فيه الكديميّ - وهو متّهم بالكذب - عن ابن جريج عن أبيه قال:
خطبنا عبد الملك بن مروان بالمدينة بعد قتل ابن الزّبير عام حجّ سنة خمس وسبعين، فقال بعد حمد اللّه والثّناء عليه: أمّا بعد، فلست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأفون - يعني يزيد - ألا وإنّ من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال، ألا وإنّي لا أداوي أدواء هذه الأمّة إلاّ بالسّيف حتّى تستقيم لي قناتكم، تكلّفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم؟ فلن تزدادوا إلاّ عقوبة حتّى يحكم السّيف بيننا وبينكم، هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه، قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا، ألا وإنّا نحمل لكم كلّ شيء إلاّ وثوبا على منبر أو نصب راية، ألا وإنّ الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، واللّه لا يفعل أحد فعله إلاّ جعلتها في عنقه، واللّه لا يأمرني أحد بتقوى اللّه بعد مقامي هذا إلاّ ضربت عنقه؛ ثم نزل.
ثم قال العسكري (٢): وعبد الملك أوّل من نقل الدّيوان من الفارسيّة إلى العربيّة، وأوّل من رفع يديه على المنبر.
قلت: فتمّت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» بسنده عن محمد بن سيرين قال: أوّل من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان، فإمّا أن يكون عبد الملك أو أحدا من أولاده.
وأخرج عبد الرّزّاق عن ابن جريج قال: أخبرني غير واحد أنّ أوّل من كسا الكعبة بالدّيباج عبد الملك بن مروان، وإنّ من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب، ما نعلم لها من كسوة أوفق منه.
وقال يوسف بن الماجشون: كان عبد الملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسّيوف.
стр. 251
وقال الأصمعيّ (١): قيل لعبد الملك: يا أمير المؤمنين عجل عليك الشّيب، فقال: كيف لا وأنا أعرض عقلي على النّاس في كلّ جمعة؟
وقال محمد بن حرب الزّيادي: قيل لعبد الملك بن مروان: من أفضل النّاس؟ قال: من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوّة.
وقال ابن عائشة (٢): كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال:
أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت: لا تكذبني فإنّ الكذوب لا رأي له، ولا تجبني فيما لا أسألك فإنّ فيما أسألك عنه شغلا، ولا تطرني فإنّي أعلم بنفسي منك، ولا تحملني على الرّعيّة فإنّي إلى الرّفق بهم أحوج.
وقال المدائني (٣): لمّا أيقن عبد الملك بالموت قال: واللّه لوددت أنّي كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمّالا؛ ثم أوصى بنيه بتقوى اللّه، ونهاهم عن الفرقة والاختلاف، وقال: كونوا بني أمّ بررة، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا، فإنّ الحرب لم تدن منيّة قبل وقتها، وإنّ المعروف يبقى أجره وذكره، واحلولوا في مرارة، ولينوا في شدّة، وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشّيباني: [من الكامل]
إنّ القداح إذا اجتمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش باليد (٤)
عزّت فلم تكسر، وإن هي بدّدت … فالكسر والتّوهين للمتبدّد
يا وليد، اتّق اللّه فيما أخلّفك فيه؛ إلى أن قال: وانظر الحجّاج فأكرمه، فإنّه هو الذي وطّأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك، فلا تسمعنّ فيه قول أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع النّاس إذا متّ إلى البيعة؛ فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.
стр. 252
وقال غيره (١): لمّا احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد، فتمثل بهذا: [من الكامل]
كم عائد رجلا وليس يعوده … إلاّ ليعلم هل يراه يموت
فبكى الوليد، فقال له: ما هذا؟ أتخنّ خنين الأمة؟ إذا [أنا] متّ، فشمّر، وائتزر، والبس جلد النّمر، وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسه فاضرب عنقه، ومن سكت مات بدائه.
قلت: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلاّ الحجّاج وتوليته إيّاه على المسلمين وعلى الصّحابة والتّابعين، يهينهم ويذلّهم قتلا وضربا وشتما وحبسا، وقد قتل من الصّحابة وأكابر التّابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم، وختم في عنق أنس وغيره من الصّحابة ختما، يريد بذلك ذلّهم؛ فلا ﵀ ولا عفا عنه.
ومن شعر عبد الملك قوله (٢): [من الطويل]
لعمري لقد عمّرت في الدّهر برهة … ودانت لي الدّنيا بوقع البواتر
فأضحى الذي قد كان ممّا يسرّني … كلمح مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أغن في الملك ساعة … ولم أله في لذّات عيش نواضر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة … من الدّهر حتّى زار ضنك المقابر
وفي «تاريخ» ابن عساكر (٣)، عن إبراهيم بن عدي قال: رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكّر ولا تغيّر وجهه: قتل عبيد اللّه بن زياد بالعراق، وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز، وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الرّوم، وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق.
وفيه عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جدّ ولا هزل: الشّعبيّ، وعبد الملك بن مروان، والحجّاج بن يوسف، وابن القرّيّة.
стр. 253
وأسند السّلفيّ في «الطّيوريّات»: أن عبد الملك بن مروان خرج يوما فلقيته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، قال: ما شأنك؟ قالت: توفي أخي وترك ستمائة دينار، فدفع إليّ من ميراثه دينار واحد، وقيل لي: هذا حقّك؛ فعمّي الأمر فيها على عبد الملك، فأرسل إلى الشّعبي فسأله، فقال: نعم، هذا رجل توفي فترك ابنتين فلهما الثّلثان أربعمائة، وأمّا فلها السّدس مائة، وزوجة فلها الثّمن خمسة وسبعون، واثني عشر أخا لهم أربعة وعشرون، وبقي لهذه دينار.
وقال ابن أبي شيبة في «المصنّف»: حدّثنا أبو سفيان الحميريّ، حدّثنا خالد بن محمد القرشيّ قال: قال عبد الملك بن مروان: من أراد أن يتخذ جارية للتّلذّذ فليتّخذها بربريّة، ومن أراد أن يتّخذها للولد فليتّخذها فارسيّة؛ ومن أراد أن يتّخذها للخدمة فليتّخذها روميّة.
وقال أبو عبيدة: لمّا أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها (١): [من البسيط]
شمس العداوة حتّى يستقاد لهم … وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
قال: خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره؛ ثم قال: إنّ لكل قوم شاعرا، وشاعر بني أميّة الأخطل.
وقال الأصمعيّ (٢): دخل الأخطل على عبد الملك فقال: ويحك! صف لي السّكر، قال: أوله لذّة، وآخره صداع، وبين ذلك ساعة لا أصف لك مبلغها، فقال له: ما مبلغها؟ قال: لملكك يا أمير المؤمنين أهون عليّ من شسع نعلي؛ وأنشأ يقول (٣): [من الطويل]
إذا ما نديمي علّني ثمّ علّني … ثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذّيل تيها كأنّني … عليك أمير المؤمنين أمير
стр. 254
قال الثّعالبي (١): كان عبد الملك يقول: ولدت في رمضان، وفطمت في رمضان، وختمت القرآن في رمضان، وبلغت الحلم في رمضان، وولد لي في رمضان، وأتتني الخلافة في رمضان، وأخشى ان أموت في رمضان؛ فلمّا دخل شوّال وأمن مات.
وممّن مات في أيّام عبد الملك من الأعلام: عبد اللّه بن عمر، وأسماء بنت الصّدّيق، وأبو سعيد بن المعلّى، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع، والعرباض بن سارية، وجابر بن عبد اللّه، وعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، والسائب بن يزيد، وأسلم مولى عمر، وأبو إدريس الخولاني، وشريح القاضي، وأبان بن عثمان بن عفّان، والأعشى [الهمداني] الشاعر، وأيّوب بن القرّية الذي يضرب بفصاحته المثل، وخالد بن يزيد بن معاوية، وزرّ بن حبيش، وسنان بن سلمة بن المحبّق، وسويد بن غفلة، وأبو وائل (٢)، وطارق بن شهاب، ومحمد بن الحنفيّة، وعبد اللّه بن شدّاد بن الهاد، وأبو عبيدة بن عبد اللّه بن مسعود، وعتبة بن النّدّر، وعمرو بن حريث، وعمرو بن سلمة الجرميّ، وآخرون.
* * *
стр. 255
الوليد بن عبد الملك (٥)
الوليد بن عبد الملك، أبو العبّاس.
قال الشّعبيّ: كان أبواه يترفانه، فشبّ بلا أدب.
قال روح بن زنباع (١): دخلت يوما على عبد الملك - وهو مهموم - فقال لي: فكّرت فيمن أولّيه أمر العرب، فلم أجده، فقلت: أين أنت من الوليد؟ قال: إنّه لا يحسن النّحو؛ فسمع ذلك الوليد، فقام من ساعته، وجمع أصحاب النّحو، وجلس معهم في بيت ستّة أشهر، ثم خرج وهو أجهل ممّا كان، فقال عبد الملك: أما إنّه قد أعذر.
وقال أبو الزّناد: كان الوليد لحّانا، قال على منبر المسجد النّبويّ: يا أهل المدينة.
وقال أبو عكرمة الضّبّيّ (٢): قرأ الوليد على المنبر، يا ليتها ﴿كانَتِ اَلْقاضِيَةَ﴾ وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك، فقال سليمان:
وددتها واللّه.
وكان الوليد جبّارا ظالما.
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (٣) عن ابن شوذب قال: قال عمر بن عبد العزيز:
الوليد بالشّام، والحجّاج بالعراق، وعثمان بن حيّان (٤) بالحجاز، وقرّة بن شريك بمصر؛ امتلأت الأرض واللّه جورا.
стр. 256
وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن إبراهيم بن أبي زرعة، أنّ الوليد قال له:
أيحاسب الخليفة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنت أكرم على اللّه أم داود؟ إنّ اللّه جمع له النّبوّة والخلافة ثم توعّده في كتابه فقال: ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ﴾ (١) الآية.
لكنّه أقام الجهاد في أيّامه، وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة، وكان مع ذلك يحسن (٢) إلى الأيتام، ويرتّب لهم المؤدّبين، ويرتّب للزّمني من يخدمهم، وللأضرّاء من يقودهم، وعمّر المسجد النّبويّ ووسّعه، ورزق الفقهاء والضّعفاء والفقراء، وحرّم عليهم سؤال النّاس، وفرض لهم ما يكفيهم، وضبط الأمور أتمّ ضبط.
وقال ابن أبي عبلة: رحم اللّه الوليد! وأين مثل الوليد؟ افتتح الهند والأندلس، وبنى مسجد دمشق، وكان يعطيني صاعا من الفضّة (٣) أقسمها على قرّاء مسجد بيت المقدس.
ولي الوليد الخلافة بعهد من أبيه في شوّال سنة ست وثمانين.
ففي سنة سبع وثمانين شرع في بناء جامع دمشق، وكتب بتوسيع المسجد النّبويّ وبنائه.
وفيها فتحت بيكند، وبخارى، وسردانية، وممطورة، وقميقم، وبحيرة الفرسان عنوة.
وفيها حجّ بالنّاس عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فوقف يوم النّحر غلطا، وتألّم لذلك.
وفي سنة ثمان وثمانين فتحت جرثومة وطوانة.
وفي سنة تسع وثمانين فتحت جزيرتا منورقة وميورقة.
وفي سنة إحدى وتسعين فتحت نسف، وكشّ، وشومان، ومدائن وحصون من بحر أذربيجان.
стр. 257
وفي سنة اثنتين وتسعين فتح إقليم الأندلس بأسره، ومدينة أرمائيل، وقتّر بوز (١).
وفي سنة ثلاث وتسعين فتحت الدّيبل، وغيرها، ثم الكيرج، وبرهم، وباجة، والبيضاء، وخوارزم، وسمرقند، والصّغد.
وفي سنة أربع وتسعين فتحت كابل، وفرغانة، والشّاش، وسندرة وغزالة.
وفي سنة خمس وتسعين فتحت الموقان، ومدينة الباب.
وفي سنة ستّ وتسعين فتحت طوس، وغيرها.
وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الآخرة، وله إحدى وخمسون سنة.
قال الذّهبي: أقام الجهاد في أيامه، وفتحت فيها الفتوحات العظيمة، كأيّام عمر بن الخطّاب.
قال عمر بن عبد العزيز: لمّا وضعت الوليد في لحده إذا هو يركض في أكفانه، يعني يضرب الأرض برجله.
ومن كلام الوليد: لولا أنّ اللّه ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أنّ أحدا يفعل هذا.
مات في أيام الوليد من الأعلام: عتبة بن عبد السّلميّ، والمقدام بن معدي كرب، وعبد اللّه بن بسر المازني، وعبد اللّه بن أبي أوفى، وأبو العالية [الرياحي]، وجابر بن زيد، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد، والسائب بن خلاد، وخبيب بن عبد اللّه بن الزّبير، وبلال بن أبي الدّرداء، وسعيد بن المسيّب، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وسعيد بن جبير شهيدا، قتله الحجّاج لعنه اللّه، وإبراهيم النّخعيّ، ومطرّف، وإبراهيم بن عبد الرّحمن بن عوف، والعجّاج الشّاعر، وآخرون.
стр. 258
سليمان بن عبد الملك (٤)
سليمان بن عبد الملك، أبو أيّوب، كان من خيار ملوك بني أميّة.
ولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه، في جمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين.
روى قليلا عن أبيه، وعبد الرّحمن بن هبيرة؛ روى عنه ابنه عبد الواحد، والزّهري.
وكان فصيحا، مفوّها، مؤثرا للعدل، محبّا للغزو؛ ومولده سنة ستّين.
ومن محاسنه: أنّ عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير، فكان يتمثل أوامره في الخير؛ فعزل عمّال الحجّاج، وأخرج من كان في سجن العراق، وأحيا الصّلاة لأوّل مواقيتها، وكان بنو أميّة أماتوها بالتّأخير.
قال ابن سيرين (١): يرحم اللّه سليمان؛ افتتح خلافته [بخير، وختمها بخير؛ افتتح خلافته] بإحيائه الصلاة لمواقيتها، واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.
وكان سليمان ينهى عن الغناء؛ وكان (٢) من الأكلة المذكورين، أكل في مجلس واحد سبعين رمّانة، وخروفا، وستّ دجاجات، ومكّوك زبيب طائفيّ.
قال يحيى الغسّاني: نظر سليمان في المرآة، فأعجبه شبابه وجماله، فقال: كان محمد ﷺ نبيّا، وكان أبو بكر صدّيقا، وكان عمر فاروقا، وكان عثمان حييّا (٣)،
стр. 259
وكان معاوية حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك سائسا، وكان الوليد جبّارا، وأنا الملك الشابّ؛ فما دار عليه الشّهر حتّى مات.
وكانت وفاته يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين.
وفتح في أيّامه جرجان، وحصن الحديد، وسردانية، وشقّى (١)، وطبرستان، ومدينة الصقالبة.
مات في أيّامه من الأعلام: قيس بن أبي حازم، ومحمود بن لبيد، والحسن بن الحسن (٢) بن علي، وكريب مولى ابن عبّاس، وعبد الرّحمن بن الأسود النّخعيّ، وآخرون.
قال عبد الرّحمن بن حسّان الكناني (٣): مات سليمان غازيا بدابق، فلما مرض قال لرجاء بن حيوة: من لهذا الأمر بعدي؟ أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب، قال:
فابني الآخر؟ قال: صغير؛ قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز، قال: أتخوف إخوتي لا يرضون، قال: تولّي عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتابا، وتختم عليه، وتدعوهم إلى بيعته مختوما، قال: لقد رأيت، فدعا بقرطاس، فكتب فيه العهد ودفعه إلى رجاء، وقال: اخرج إلى النّاس فليبايعوا على ما فيه مختوما، فخرج، فقال: إنّ أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب؛ قالوا: ومن فيه؟ قال: هو مختوم، لا تخبروا بمن فيه حتّى يموت؟ قالوا: لا نبايع، فرجع إليه فأخبره، فقال: انطلق إلى صاحب الشّرط والحرس، فاجمع النّاس ومرهم بالبيعة، فمن أبى فاضرب عنقه، ففعل، فبايعوا.
стр. 260
قال رجاء: فبينما أنا راجع إذا هشام بن عبد الملك، فقال لي: يا رجاء، قد علمت موقعك منّا، وإن أمير المؤمنين قد صنع شيئا ما أدري ما هو؟ وإنّي تخوّفت أن يكون قد أزالها عنّي، فإن يكن قد عدلها عنّي فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتّى انظر؛ فقلت: سبحان اللّه! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا أطلعك عليه؟ لا يكون ذلك أبدا؛ ثم لقيت عمر بن عبد العزيز، فقال لي: يا رجاء، إنّه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرّجل، أتخوّف أن يكون قد جعلها إلي، ولست أقوم بهذا الشّأن، فأعلمني ما دام في الأمر نفس، لعلّي أتخلّص منه ما دام حيّا؛ قلت: سبحان اللّه! يستكتمني أمير المؤمنين أمرا وأطلعك عليه؟.
ثم مات سليمان وفتح الكتاب، فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فتغيّرت وجوه بني عبد الملك، فلمّا سمعوا «وبعده يزيد بن عبد الملك» تراجعوا، فأتوا عمر، فسلّموا عليه بالخلافة، فعقر به، فلم يستطع النّهوض حتّى أخذوا بضبعيه، فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه، فجلس طويلا لا يتكلّم، فقال لهم رجاء: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه؟ فبايعوه، ومدّ يده إليهم، ثم قام، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيّها النّاس، إنّي لست بقاض ولكنّي منفّذ، ولست بمبتدع، ولكنّي متبع، وإنّ من حولكم من الأمصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوال؛ ثم نزل؛ فأتاه صاحب المراكب، فقال: ما هذا؟ قال: مركب الخليفة، قال: لا حاجة لي فيه، ائتوني بدابّتي؛ فأتوه بدابته، وانطلق إلى منزله، ثم دعا بدواة، وكتب بيده إلى عمّال الأمصار.
قال رجاء: كنت أظنّ أنّه سيضعف، فلمّا رأيت صنيعه في الكتاب، علمت أنّه سيقوى.
يروى أنّ مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام (١)، فقال له سليمان: يا ابن اللّخناء، ففتح مروان فاه ليجيبه، فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه،
стр. 261
وقال: أنشدك اللّه، إمامك وأخوك وله السّنّ؛ فسكت، وقال: قتلتني واللّه، لقد رددت في جوفي أحرّ من النّار؛ فما أمسى حتّى مات.
وأخرج ابن أبي الدّنيا عن زياد بن عثمان، أنّه دخل على سليمان بن عبد الملك لمّا مات ابنه أيّوب، فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الرّحمن بن أبي بكر كان يقول: من أحبّ البقاء فليوطّن نفسه على المصائب.
* * *
стр. 262
عمر بن عبد العزيز، ﵁ (٣)
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان، الخليفة الصّالح، أبو حفص، خامس الخلفاء الرّاشدين.
قال سفيان الثّوريّ: الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وعمر ابن عبد العزيز. أخرجه أبو داود في «سننه».
ولد عمر بحلوان، قرية بمصر، وأبوه أمير عليها سنة إحدى، وقيل: ثلاث وستّين؛ وأمّه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب.
وكان بوجه عمر شجّة، ضربته دابّة في جبهته - وهو غلام - فجعل أبوه يمسح الدّم عنه، ويقول إن كنت أشجّ بني أميّة إنّك لسعيد؛ أخرجه ابن عساكر (١).
وكان عمر بن الخطّاب يقول: من ولدي رجل بوجهه شجّة يملأ الأرض عدلا؛ أخرجه التّرمذي في «تاريخه»، فصدّق ظنّ أبيه فيه.
وأخرج ابن سعد أنّ عمر بن الخطّاب قال: ليت شعري، من ذو الشّين (٢) من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جورا.
وأخرج عن ابن عمر قال: كنّا نتحدّث أنّ الدّنيا لا تنقضي حتّى يلى رجل من آل عمر، يعمل بمثل عمل عمر، فكان بلال بن عبد اللّه بن عمر بوجهه شامة، وكانوا يرون أنّه هو حتّى جاء اللّه بعمر بن عبد العزيز.
стр. 263
روى عمر بن عبد العزيز عن أبيه، وأنس، وعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وابن قارظ، ويوسف بن عبد اللّه بن سلاّم، وعامر بن سعد، وسعيد ابن المسيّب، وعروة بن الزّبير، وأبي بكر بن عبد الرّحمن، والرّبيع بن سبرة (١)، وطائفة.
روى عنه: الزّهري، ومحمد بن المنكدر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومسلمة بن عبد الملك، ورجاء بن حيوة؛ وخلائق كثيرون.
جمع القرآن وهو صغير، وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدّب بها، فكان يختلف إلى عبيد اللّه بن عبد اللّه يسمع منه العلم، فلمّا توفى أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوّجه ابنته فاطمة.
وكان قبل الخلافة على قدم الصّلاح أيضا، إلاّ أنّه كان يبالغ في التّنعّم، فكان الذين يعيبونه من حسّاده لا يعيبونه إلاّ بالإفراط في التّنعّم والاختيال في المشية؛ فلمّا ولي الوليد الخلافة أمّر عمر على المدينة، فوليها من سنة ستّ وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين؛ ثم عزل، فقدم الشّام.
ثم إنّ الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد، وأن يعهد إلى ولده، فأطاعه كثير من الأشراف طوعا وكرها، فامتنع عمر بن عبد العزيز، وقال: لسليمان في أعناقنا بيعة؛ وصمّم، فحبسه وطيّن عليه الوليد (٢)، ثم شفع فيه بعد ثلاث، فأدركوه، وقد مالت عنقه؛ فعرفها له سليمان، فعهد إليه بالخلافة.
قال زيد بن أسلم عن أنس ﵁: ما صلّيت وراء إمام بعد رسول اللّه ﷺ أشبه صلاة برسول اللّه ﷺ من هذا الفتى؛ يعني عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة.
قال زيد بن أسلم: فكان يتمّ الرّكوع والسّجود، ويخفّف القيام والقعود.
له طرق عن أنس؛ أخرجه البيهقي في «سننه» وغيره.
وسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز، فقال: هو نجيب بني أمية، وإنّه يبعث يوم القيامة أمّة وحده.
стр. 264
وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة.
وأخرج أبو نعيم (١) بسند صحيح عن رباح بن عبيدة، قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصّلاة، وشيخ متوكّئ على يده، فقلت في نفسي: إنّ هذا الشيخ جاف؛ فلمّا صلّى ودخل لحقته، فقلت: أصلح اللّه الأمير، من الشّيخ الذي كان يتكئ على يدك؟ قال: يا رباح رأيته؟ قلت: نعم، قال: ما أحسبك إلاّ رجلا صالحا، ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أنّي سألي أمر هذه الأمّة، وأني سأعدل فيها.
وأخرج أيضا (٢) عن أبي هاشم، أنّ رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز، فقال:
رأيت النّبيّ ﷺ في النّوم، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس، فقال لك: يا عمر، إذا عملت فاعمل بعمل هذين - لأبي بكر وعمر - فاستحلفه عمر: باللّه لرأيت هذا؟ فحلف له؛ فبكى عمر.
بويع له بالخلافة بعهد من سليمان، في صفر سنة تسع وتسعين كما تقدّم، فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر، نحو خلافة الصّدّيق ﵁، ملأ فيها الأرض عدلا، وردّ المظالم، وسنّ السّنن الحسنة.
ولمّا قرئ كتاب العهد باسمه عقر وقال: واللّه إنّ هذا الأمر ما سألته اللّه قط؟ وقدّم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى وقال: ائتوني ببغلتي.
قال الحكم بن عمر: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمها؟ قال: ابعث بها إلى أمصار الشّام يبيعونها ممّن يريد، واجعل أثمانها في مال اللّه؛ تكفيني بغلتي هذه الشّهباء.
وقال عمر بن ذرّ (٣): لمّا رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه: مالي أراك مغتما؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتمّ، ليس أحد من الأمّة إلاّ وأنا أريد أن أوصل إليه حقّه غير كاتب إليّ فيه ولا طالبه منّي.
стр. 265
وعن عمرو بن مهاجر وغيره، أنّ عمر لمّا استخلف قام في النّاس، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس، إنّه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبيّ بعد محمد ﷺ ، ألا وإنّي لست بقاض ولكنّي منفّذ، ولست بمبتدع، ولكنّي متّبع، ولست بخير من أحدكم، ولكنّي أثقلكم حملا؛ وإنّ الرّجل الهارب من الإمام الظّالم ليس بظالم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وعن الزّهري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد اللّه يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطّاب في الصّدقات؛ فكتب إليه بالذي سأل، وكتب إليه: إنّك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله، في مثل زمانك ورجالك كنت عند اللّه خيرا من عمر.
وعن حمّاد (١)، انّ عمر لمّا استخلف بكى فقال: يا أبا فلان، أتخشى عليّ؟ قال: كيف حبّك للدّرهم؟ قال: لا أحبّه؛ قال: لا تخف، فإنّ اللّه سيعينك.
وعن مغيرة قال (٢): جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إنّ رسول اللّه ﷺ كانت له فدك ينفق منها ويعود منها على صغير بني هاشم، ويزوّج منها أيّمهم، وإنّ فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر، ثم أقطعها مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمرا منعه رسول اللّه ﷺ فاطمة ليس لي بحقّ، وإنّي أشهدكم أنّي قد رددتها على ما كانت عليه على عهد رسول اللّه ﷺ .
وعن اللّيث قال (٣): لمّا ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم، وسمّى أموالهم مظالم.
وقال أسماء بن عبيد: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناها، ولي عيال وضيعة، أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي؟ فقال عمر:
أحبّكم إلينا من كفانا مؤونته؛ ثم قال له: أكثر ذكر الموت، فإن كنت في ضيق من
стр. 266
العيش وسّعه عليك، وإن كنت في سعة من العيش ضيّقه عليك.
وقال فرات بن السّائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك - وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله -: اختاري، إمّا أن تردّي حليّك إلى بيت المال، وإمّا أن تأذني لي في فراقك؛ فإنّي أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد؛ قالت: لا، بل أختارك عليه وعلى أضعافه؛ فأمر به فحمل حتّى وضع في بيت مال المسلمين؛ فلمّا مات عمر واستخلف يزيد قال لفاطمة: إن شئت رددته إليك؛ قالت: لا واللّه لا أطيب به نفسا في حياته وأرجع فيه بعد موته.
وقال عبد العزيز (١): كتب بعض عمّال عمر بن عبد العزيز إليه: إنّ مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمّها به فعل؛ فكتب إليه عمر: إذا قرأت كتابي هذا فحصّنها بالعدل، ونقّ طرقها من الظّلم، فإنّه مرمّتها، والسّلام.
وقال إبراهيم السّكوني: قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله.
وقال قيس بن جبير: مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون.
وقال ميمون بن مهران: إنّ اللّه كان يتعاهد النّاس بنبيّ بعد نبيّ، وإنّ اللّه تعاهد النّاس بعمر بن عبد العزيز.
وقال وهب بن منبّه: إن كان في هذه الأمّة مهديّ فهو عمر بن عبد العزيز.
وقال محمد بن فضالة: مرّ عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة؛ فنزل إليه الرّاهب ولم ينزل لأحد قبله، وقال: أتدري لم نزلت إليك؟ قال: لا، قال: لحقّ أبيك؛ إنّا نجده في أئمّة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم؛ قال:
ففسره أيّوب بن سويد بثلاثة متوالية: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرّم: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز.
وقال حسن القصّاب (٢): رأيت الذّئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر بن
стр. 267
عبد العزيز، فقلت: سبحان اللّه، ذئب في غنم لا يضرّها! فقال الرّاعي: إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس.
وقال مالك بن دينار: لمّا ولي عمر عبد العزيز قالت رعاء الشّاء: من هذا الصّالح الذي قام على النّاس خليفة؟ عدله كفّ الذّئاب عن شائنا.
وقال موسى بن أعين (١): كنّا نرعى الشّاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز، فكانت الشّاة والذّئب ترعى في مكان واحد؛ فبينا نحن ذات ليلة إذ عرض الذّئب لشاة فقلت: ما نرى الرّجل الصّالح إلاّ قد هلك؛ فحسبوه فوجدوه قد مات تلك اللّيلة.
وقال الوليد بن مسلم: بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشجّ بني مروان فانطلق فبايعه، فإنّه إمام عدل؛ فجعلت أسأل كلّما قام خليفة، حتّى قام عمر بن عبد العزيز، فأتاني ثلاث مرّات في المنام، فارتحلت إليه فبايعته.
وعن حبيب بن هند الأسلميّ قال (١): قال لي سعيد بن المسيّب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعمر؛ قلت له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما، فمن عمر؟ قال: إن عشت أدركته، وإن متّ كان بعدك.
قلت: ومات ابن المسيّب قبل خلافة عمر.
وقال ابن عون: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطّلا قال: نهى عنه إمام الهدى، يعني عمر بن عبد العزيز.
وقال الحسن: إن كان مهديّ فعمر بن عبد العزيز، وإلاّ فلا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم.
وقال مالك بن دينار: النّاس يقولون: مالك زاهد، إنّما الزّاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدّنيا فتركها.
وقال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وإنّ حجزة إزاره لغائبة في عكنه، ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعدّ أضلاعه من غير أن أمسّها لفعلت.
стр. 268
وقال ولده عبد العزيز: سألني أبو جعفر المنصور: كم كانت غلّة أبيك حين أفضت الخلافة إليه؟ فقلت: أربعين ألف دينار، قال: فكم كانت حين توفّي؟ قلت: أربعمائة دينار، ولو بقي لنقصت.
وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ؛ فقلت لفاطمة بنت عبد الملك: ألا تغسلون قميصه؟ قالت: واللّه ما له قميص غيره.
قال أبو أميّة الخصيّ غلام عمر: دخلت يوما على مولاتي فغدّتني عدسا، فقلت:
كلّ يوم عدس؟ قالت: يا بنيّ هذا طعام مولاك أمير المؤمنين.
قال: ودخل عمر الحمّام يوما فاطّلى فولي عانته بيده.
قال: ولمّا احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدّير، وقال: إن بعتموني موضع قبري وإلاّ تحولت عنكم؛ فأتيتهم فقالوا: لولا أنّا نكره أن يتحوّل عنا ما قبلناه.
وقال عون بن المعمّر: دخل عمر على امرأته فقال: يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنبا؟ فقالت: لا؛ وقالت: وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنبا؟! قال: هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غدا في جهنّم.
وقالت فاطمة امرأته: ما أعلم أنّه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه اللّه حتّى قبضه.
وقال سهل بن صدقة: لمّا استخلف عمر سمع في منزله بكاء، فسألوا عن ذلك، فقالوا: إن عمر خيّر جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكنّ، فمن أحبّ أن أعتقه أعتقته، ومن أحب أن أمسكه أمسكته، وإن لم يكن منّي إليها حاجة؛ فبكين إياسا منه.
وقالت فاطمة امرأته: كان إذ دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتّى تغلبه عيناه، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع.
وقال الوليد بن أبي السّائب: ما رأيت أحدا قطّ أخوف من عمر.
وقال سعيد بن سويد: صلّى عمر بالنّاس الجمعة، وعليه قميص مرقوع الجيب
стр. 269
من بين يديه ومن خلفه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه قد أعطاك، فلو لبست؛ فنكس مليّا ثم رفع رأسه فقال: إنّ أفضل القصد عند الجدة، وأفضل العفو عند القدرة.
وقال ميمون بن مهران: سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاما ما استكملت فيكم العدل، إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعا من الدّنيا، فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا.
وقال إبراهيم بن ميسرة: قلت لطاوس: هو المهديّ؟ - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: هو مهديّ، وليس به، إنّه لم يستكمل العدل كله.
وقال عمر بن أسيد: واللّه ما مات عمر حتّى جعل الرّجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كلّه، قد أغنى عمر النّاس.
وقال جويرية: دخلنا على فاطمة بنت علي بن أبي طالب ﵂ فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت: لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحد.
وقال عطاء بن أبي رباح: حدّثتني فاطمة امرأة عمر أنّها دخلت عليه وهو في مصلاّه تسيل دموعه على لحيته، فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال:
يا فاطمة إني تقلّدت من أمر أمّة محمد ﷺ أسودها وأحمرها؛ فتفكّرت في الفقير الجائع، والمريض الضّائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشّيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد؛ فعلمت أنّ ربّي سائلي عنهم يوم القيامة؛ فخشيت أن لا تثبت لي حجّة؛ فبكيت.
وقال الأوزاعيّ: إنّ عمر بن عبد العزيز كان جالسا في بيته وعنده أشراف بني أميّة فقال: أتحبّون أن أولّي كلّ رجل منكم جندا؟ فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إنّي لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء، وإنّي أكره أن تدنّسوه بأرجلكم، فيكف أولّيكم أعراض المسلمين وأبشارهم؟ هيهات لكم هيهات! فقالوا له: لم؟ أما لنا قرابة؟ أما لنا حقّ؟ قال: ما أنتم وأقصى رجل من
стр. 270
المسلمين عندي في هذا الأمر إلاّ سواء، إلاّ رجلا من المسلمين حبسه عنّي طول شقّته.
وقال حميد: أملى علي الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ، ثم شكا الحاجة والعيال؛ فأمر له بعطائه.
وقال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيّام، ثم عاقبه، كراهة أن يعجل في أوّل غضبه.
قال جويرية بن أسماء: قال عمر بن العزيز: إنّ نفسي توّاقة، لم تعط من الدّنيا شيئا إلاّ تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلمّا أعطيت ما لا شيء فوقه من الدّنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه - يعني الجنّة -.
وقال عمرو بن مهاجر: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كلّ يوم درهمين.
وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي: كان عمر يلبس الفروة الكبل (١)، وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين.
وقال عطاء الخراساني: أمر عمر غلامه أن يسخّن له ماء، فانطلق فسخّن قمقما في مطبع العامّة، فأمره عمر أن يأخذ بدرهم حطبا يضعه في المطبخ.
وقال عمرو بن مهاجر: كان عمر يسرج عليه الشّمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها، ثم أسرج عليه سراجه.
وقال الحكم بن عمر: كان للخليفة ثلاثمائة حرسيّ وثلاثمائة شرطيّ، فقال عمر للحرس: إنّ لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا، من أقام منكم فله عشرة دنانير، ومن شاء فليلحق بأهله.
وقال عمرو بن مهاجر: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفّاحا، فأهدى له رجل من أهل بيته تفّاحا؛ فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه! ارفعه يا غلام - للّذي أتى به - وأقرئ فلانا السّلام وقل له: إنّ هديّتك وقعت عندنا بحيث نحبّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، ابن عمّك، ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أنّ النّبيّ ﷺ كان يأكل الهديّة؛ فقال:
стр. 271
ويحك! إنّ الهدية كانت للنّبيّ ﷺ هديّة، وهي لنا اليوم رشوة.
وقال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحدا في خلافته، غير رجل واحد تناول من معاوية، فضربه ثلاثة أسواط.
وقال الأوزاعي: لمّا قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصّة، كلّموه في ذلك، فقال: لن يتّسع مالي لكم، وأمّا هذا المال فإنما حقّكم فيه كحقّ رجل بأقصى برك الغماد.
وقال أبو عمر: كتب عمر بن عبد العزيز بردّ أحكام من أحكام الحجّاج مخالفة لأحكام النّاس.
وقال يحيى الغسّاني (١): لمّا ولاّني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقبا، فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله: آخذ الناس بالظّنّة وأضربهم على التّهمة، أو آخذهم بالبيّنة وما جرت عليه السّنّة؟ قال: فكتب إليّ أن آخذ النّاس بالبيّنة وما جرت عليه السّنّة؛ فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم اللّه؛ قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتّى كانت من أصلح البلاد وأقلّها سرقة ونقبا.
وقال رجاء بن حيوة: سمرت ليلة عند عمر، فغشي السّراج - وإلى جانبه وصيف - قلت: ألا أنبّهه؟ قال: لا؛ قلت: أفلا أقوم؟ قال: ليس من مروءة الرّجل استخدامه ضيفه؛ فقام إلى بطّة الزّيت وأصلح السّراج، ثم رجع؛ وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
وقال نعيم كاتبه: إنه كان ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.
وقال مكحول: لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف للّه من عمر ابن عبد العزيز.
وقال سعيد بن أبي عروبة: كان عمر بن عبد العزيز، إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.
стр. 272
وقال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كلّ ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون حتّى كأنّ بين أيديهم جنازة.
وقال عبيد اللّه بن العيزار: خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشّام على منبر من طين، فقال: أيّها النّاس، أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم، واعلموا أنّ رجلا ليس بينه وبين آدم أب حيّ لمعرق له في الموت، والسّلام عليكم.
وقال وهيب بن الورد: اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لابنه عبد الملك: قل لأبيك: إنّ من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا، وإنّ أباك قد حرمنا ما في يديه؛ فدخل على أبيه فأخبره، فقال لهم: إنّ أبي يقول لكم: ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
وقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرّأي ما يصدّق من كان قبلكم، ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم؛ فإنّهم خير منكم وأعلم.
وقال: قدم جرير، فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز ولم يلتفت إليه، فكتب إلى عون بن عبد اللّه وكان خصّيصا بعمر (٢): [من البسيط]
يا أيّها القارئ المرخي عمامته … هذا زمانك إنّي قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه … أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن
وقال جويرية بن أسماء: لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه بلال بن أبي بردة فهنّأه وقال (٣): من كانت الخلافة شرّفته فقد شرّفتها، ومن كانت زانته فقد زنتها، وأنت كما قال مالك بن أسماء: [من الخفيف]
وتزيدين أطيب الطّيب طيبا … أن تمسّيه، أين مثلك أينا؟
стр. 273
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه … كان للدّرّ حسن وجهك زينا
قال جعونة: لمّا مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه، فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين، لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال: لا؛ قال: ولم وأنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زيّن في عيني منه ما زيّن في عين الوالد من ولده.
وقال غسّان عن رجل من الأزد: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني: قال:
أوصيك بتقوى اللّه وإيثاره، تخفّ عنك المؤونة، وتحسن لك من اللّه المعونة.
وقال أبو عمرو: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقام لها ومشى إليها، ثم أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلاّ قضاها.
وقال الحجّاج بن عنبسة: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح، فدخلوا، فتكلّم رجل منهم فمزح، فنظر إليه عمر، فوصل له رجل كلامه بالمزاح، فقال: لهذا اجتمعتم؟ لأخسّ الحديث، ولما يورث الضّغائن؟ إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب اللّه، فإن تعدّيتم ذلك ففي السّنّة عن رسول اللّه ﷺ ، فإن تعدّيتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.
وقال إياس بن معاوية بن قرّة: ما شبّهت عمر بن عبد العزيز إلاّ برجل صناع حسن الصّنعة ليس له أداة يعمل بها؛ يعني لا يجد من يعينه.
وقال عمر بن حفص: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشّرّ ما وجدت لها محملا من الخير.
وقال يحيى الغسّاني (١): كان عمر ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحروريّة ويقول: ضمّنهم الحبس حتّى يحدثوا توبة، فأتي سليمان بحروريّ، فقال له سليمان: هيه؛ فقال الحروريّ: وما ذا أقول يا فاسق ابن الفاسق؟ فقال سليمان:
عليّ بعمر بن عبد العزيز، فلمّا جاء قال: اسمع مقالة هذا، فأعادها الحروريّ، فقال سليمان لعمر: ما ذا ترى عليه؟ فسكت، قال: عزمت عليك لتخبرنّي بماذا ترى
стр. 274
عليه؛ قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك؛ قال: ليس إلاّ كذلك؟ فأمر به سليمان فضربت عنقه، وخرج عمر فأدركه خالد (١) صاحب الحرس، فقال: يا عمر كيف تقول لأمير المؤمنين: ما أرى عليه إلاّ أن تشتمه كما شتمك؟ واللّه لقد كنت متوقّعا أن يأمرني بضرب عنقك؛ قال: ولو أمرك لفعلت؟ قال: إي واللّه.
فلمّا أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس، فقال عمر:
يا خالد، ضع هذا السّيف عنك؛ وقال: اللّهمّ إنّي قد وضعت لك خالدا فلا ترفعه أبدا؛ ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري وقال: يا عمرو، واللّه لتعلمنّ أنّه ما بيني وبينك قرابة إلاّ قرابة الإسلام، ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن، ورأيتك تصلّي في موضع تظنّ أن لا يراك أحد؛ فرأيتك تحسن الصّلاة، وأنت رجل من الأنصار، خذ هذا السّيف فقد ولّيتك حرسي.
وقال شعيب: حدّثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربّك غدا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنّة فلم تحيها؟ فقال أبوه: رحمك اللّه وجزاك من ولد خيرا يا بنيّ، إنّ قومك قد شدّوا هذا الأمر عقدة عقدة، وعروة عروة، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليّ فتقا يكثر فيه الدّماء، واللّه لزوال الدّنيا أهون عليّ من أن يراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيّام الدّنيا إلاّ وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنّة؟.
وقال معمر: قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم من المراء، والغضب، والطمع.
وقال أرطاة بن المنذر: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتّخذت حرسا واحترزت في طعامك وشرابك؛ فقال: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّي أخاف شيئا دون يوم القيامة فلا تؤمّن خوفي.
وقال عديّ بن الفضل: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب، فقال: اتّقوا اللّه أيّها
стр. 275
النّاس، وأجملوا في الطّلب؛ فإنّه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته.
وقال أزهر: رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب النّاس وعليه قميص مرقوع.
وقال عبد اللّه بن العلاء: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يردّدها ويفتتحها بسبع كلمات: الحمد للّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضلّ له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، من يطع اللّه ورسوله فقد رشد، ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى، ثم يوصي بتقوى اللّه، ويتكلّم، ثم يختم خطبته الأخيرة بهؤلاء الآيات: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى تمامها (١).
وقال حاجب بن خليفة البرجميّ: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنّ رسول اللّه ﷺ وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه.
أسند جميع ما قدّمته أبو نعيم في «الحلية».
وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد - والنّاس يسلّمون عليه - ويقولون: تقبّل اللّه منّا ومنك يا أمير المؤمنين؛ فيردّ عليهم، ولا ينكر عليهم.
قلت: هذا أصل حسن للتّهنئة بالعيد، والعام، والشّهر.
وأخرج عن جعونة قال: ولّى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السّكوني الصّائفة، فقال: اقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، ولا تكن في أوّلهم فتقتل، ولا في آخرهم فتفشل، ولكن كن وسطا حيث يرى مكانك، ويسمع صوتك.
وأخرج عن السّائب بن محمد قال: كتب الجرّاح بن عبد اللّه إلى عمر بن
стр. 276
عبد العزيز: إنّ اهل خراسان قوم ساءت رعيتهم، وإنّه لا يصلحهم إلاّ السّيف والسّوط؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك؛ فكتب إليه عمر: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أنّ أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنّه لا يصلحهم إلاّ السّيف والسّوط، فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحقّ، فابسط ذلك فيهم، والسّلام.
وأخرج عن أميّة بن زيد القرشي قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى عليّ كتابه قال: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرّ لساني.
واخرج عن صالح بن جبير قال: ربّما كلّمت عمر بن عبد العزيز في الشّيء فيغضب، فأذكر أنّ في الكتاب مكتوبا: اتّق غضبة الملك الشابّ، فأرفق به حتّى يذهب غضبه، فيقول لي بعد ذلك: لا يمنعك يا صالح ما ترى منّا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته.
وأخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال: قدم جرير بن [عطية بن] الخطفى على عمر بن عبد العزيز، فذهب ليقول، فنهاه عمر، فقال: إنّما أذكر رسول اللّه ﷺ ، قال: أمّا رسول اللّه ﷺ فاذكره، فقال (١): [من الكامل]
إنّ الذي ابتعث النّبيّ محمّدا … جعل الخلافة للأمير العادل
ردّ المظالم حقّها بيقينها … عن جورها، وأقام ميل المائل
إنّى لأرجو منك خيرا عاجلا … والنّفس مولعة بحبّ العاجل (٢)
فقال له عمر: ما أجد لك في كتاب اللّه حقّا، قال: بلى يا أمير المؤمنين، إنّني ابن سبيل، فأمر له من خاصّة ماله بخمسين دينارا.
وفي «الطّيوريّات» أنّ جرير بن عثمان الرّحبيّ دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز، فسأله عمر عن حال ابنه، ثم قال له: علّمه الفقه الأكبر، قال: وما الفقه الأكبر؟ قال: القناعة وكفّ الأذى.
وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر
стр. 277
ابن عبد العزيز، فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ بخ! سألت عن أمر جسيم؛ كن لصغير الناس أبا، ولكبيرهم ابنا، وللمثل منهم أخا، وللنّساء كذلك؛ وعاقب النّاس على قدر ذنوبهم، وعلى قدر أجسادهم، ولا تضربنّ لغضبك سوطا واحدا فتعدّ من العادين.
وأخرج عبد الرّزّاق في «مصنّفه» عن الزّهري أنّ عمر بن عبد العزيز كان يتوضّأ ممّا مسّت النار، حتّى كان يتوضّأ من السّكّر.
وأخرج عن وهيب، أنّ عمر بن عبد العزيز قال: من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه.
وقال الذّهبي: أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز فاستتابه فقال غيلان: لقد كنت ضالاّ فهديتني؛ فقال عمر: اللّهمّ إن كان صادقا وإلاّ فاصلبه واقطع يديه ورجليه؛ فنفذت فيه دعوته، فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك وقطعت أربعته، وصلب بدمشق في القدر.
وقال غيره: كان بنو أميّة يسبّون عليّ بن أبي طالب في الخطبة، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز أبطله، وكتب إلى نوّابه بإبطاله، وقرأ مكانه ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسانِ﴾ (١) الآية، فاستمرّت قراءتها في الخطبة إلى الآن.
وقال القالي في «أماليه» (٢): حدّثنا أبو بكر بن الأنباري، حدّثنا أحمد بن عبيد قال: قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته: [من مجزوء الكامل]
انه الفؤاد عن الصّبا … وعن انقياد للهوى
فلعمر ربّك إنّ في … شيب المفارق والجلى (٣)
لك واعظا لو كنت تتّ … عظ اتّعاظ ذوي النّهى
حتّى متّى لا ترعوي … وإلى متى، وإلى متى؟
ما بعد أن سمّيت كه … لا واستلبت اسم الفتى
стр. 278
بلي الشّباب وأنت إن … عمّرت رهن للبلى
وكفى بذلك زاجرا … للمرء عن غي، كفى
فائدة: قال الثّعالبي في «لطائف المعارف» (١): كان عمر بن الخطّاب أصلع، وعثمان، وعليّ، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز، ثم انقطع الصّلع عن الخلفاء.
فائدة: قال الزّبير بن بكّار (٢): قال الشّاعر في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز: [من الكامل]
بنت الخليفة والخليفة جدّها … أخت الخلائف والخليفة زوجها
قال: فلم تكن امرأة تستحقّ هذا البيت إلى يومنا هذا غيرها.
قلت: ولا يقال هذا في غيرها إلى يومنا هذا.
فصل ذكر مرضه ووفاته
قال أيّوب: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو أتيت المدينة، فإن متّ دفنت في موضع القبر الرّابع مع رسول اللّه ﷺ ؛ فقال: واللّه لأن يعذّبني اللّه بكلّ عذاب إلاّ النّار أحبّ إليّ من أن يعلم اللّه منّي أنّي أراني لذلك الموضع أهلا.
وقال الوليد بن هشام: قيل لعمر في مرضه: ألا تتداوى؟ فقال: لقد علمت السّاعة التي سقيت فيها، ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي ما فعلت.
стр. 279
وقال عبيدة بن حسّان (١): لمّا احتضر عمر بن عبد العزيز قال: اخرجوا عنّي؛ فقعد مسلمة وفاطمة على الباب، فسمعاه يقول: مرحبا بهذه الوجوه، ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قال: ﴿تِلْكَ اَلدّارُ اَلْآخِرَةُ﴾ (٢) الآية، ثم هدأ الصّوت، فدخلوا فوجدوه قد قبض، ﵁.
وقال هشام (٣): لمّا جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصريّ: مات خير النّاس.
وقال خالد الرّبعي: إنّا نجد في التّوراة أنّ السّماوات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحا.
وقال يوسف بن ماهك (٤): بينا نحن نسوّي التّراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا كتاب رقّ من السّماء فيه: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أمان من اللّه لعمر بن عبد العزيز من النّار».
وقال قتادة: كتب عمر بن عبد العزيز إلى وليّ العهد من بعده:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
من عبد اللّه عمر إلى يزيد بن عبد الملك، سلام عليك؛ فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد؛
فإنّي كتبت وأنا دنف من وجعي، وقد علمت أنّي مسئول عمّا ولّيت، يحاسبني عليه مليك الدّنيا والآخرة، ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئا؛ فإن رضي عنّي فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطّويل، وإن سخط عليّ فيا ويح نفسي إلى ما أصير؛ أسأل اللّه الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النّار برحمته، وأن يمنّ عليّ برضوانه والجنّة؛ فعليك بتقوى اللّه، والرعيّة الرعيّة فإنّك لن تبقى بعدي إلاّ قليلا، والسّلام.
стр. 280
أسند هذا كله أبو نعيم في «الحلية».
توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ بدير سمعان - بكسر السّين - من أعمال حمص، لعشر بقين - وقيل: لخمس بقين - من رجب سنة إحدى ومائة، وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستّة أشهر؛ وكانت وفاته بالسّمّ، كانت بنو أميّة قد تبرّموا به لكونه شدّد عليهم وانتزع من أيديهم كثيرا ممّا غصبوه، وكان قد أهمل التحرّز فسقوه السّمّ.
قال مجاهد: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول النّاس فيّ؟ قلت: يقولون:
مسحور؛ قال: ما أنا بمسحور، وإنّي لأعلم السّاعة التي سقيت فيها؛ ثم دعا غلاما له فقال له: ويحك! ما حملك على أن تسقيني السّمّ؟ قال: ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق؛ قال: هاتها، قال: فجاء بها فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد.
مات في أيّامه من الأعلام: أبو أمامة [سعد] بن سهل بن حنيف، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسالم بن أبي الجعد، وبسر بن سعيد، وأبو عثمان النّهدي، وأبو الضّحى.
* * *
стр. 281
يزيد بن عبد الملك بن مروان (٥)
هو يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو خالد، الأموي، الدّمشقيّ.
ولد سنة إحدى وسبعين، وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان، كما تقدّم.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم (١): لمّا ولي يزيد قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز، فأتي بأربعين شيخا فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب.
وقال ابن الماجشون (٢): لمّا مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد: واللّه ما عمر بأحوج إلى اللّه منّي؛ فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز، ثم عدل عن ذلك.
وقال سليم بن بشير (٣): كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلام عليك، أمّا بعد؛ فإنّي لا أراني إلاّ لما بي، فاللّه اللّه في أمّة محمد ﷺ فإنّك تدع الدّنيا لمن لا يحمدك، وتفضي إلى من لا يعذرك، والسّلام.
وفي سنة اثنتين ومائة خرج يزيد بن المهلّب على الخلافة، فوجّه إليه مسلمة بن عبد الملك بن مروان فهزم يزيد [بن المهلّب] وقتل، وذلك بالعقر (٤)، موضع بقرب كربلاء.
стр. 282
قال الكلبيّ: نشأت وهم يقولون: ضحّى بنو أميّة يوم كربلاء بالدّين، ويوم العقر (١) بالكرم.
مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة.
وممّن مات في خلافته من الأعلام: الضّحّاك بن مزاحم، وعديّ بن أرطاة، وأبو المتوكل النّاجي، وعطاء بن يسار، ومجاهد، ويحيى بن وثّاب مقرئ الكوفة، وخالد بن معدان، والشعبيّ عالم العراق، وعبد الرحمن بن حسّان بن ثابت، وأبو قلابة الجرميّ، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، وآخرون.
* * *
стр. 283
هشام بن عبد الملك (٣)
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو الوليد.
ولد سنة نيّف وسبعين، واستخلف بعهد من أخيه يزيد.
قال مصعب الزّبيري (١): رأى عبد الملك في منامه أنّه بال في المحراب أربع مرّات، فسأل سعيد بن المسيّب؛ فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة؛ فكان آخرهم هشام.
وكان هشام حازما عاقلا، كان لا يدخل بيت ماله مالا حتّى يشهد أربعون قسامة:
لقد أخذ من حقّه، ولقد أعطي لكلّ ذي حقّ حقّه.
وقال الأصمعيّ: أسمع رجل مرّة هشاما كلاما، فقال له: يا هذا، ليس لك أن تسمع خليفتك.
قال: وغضب مرّة على رجل فقال: واللّه لقد هممت أن أضربك سوطا.
وقال سحبل بن محمد (٢): ما رأيت أحدا من الخلفاء أكره إليه الدّماء ولا أشدّ عليه من هشام.
وعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذّات الدّنيا إلاّ وقد نلته، إلاّ شيئا واحدا؛ أخا أرفع مؤونة التّحفظ فيما بيني وبينه.
وقال الشّافعي: لمّا بنى هشام الرّصافة بقنّسرين أحبّ أن يخلو يوما لا يأتيه فيه
стр. 284
غمّ، فما انتصف النّهار حتّى أتته ريشة بدم من بعض الثّغور، فأوصلت إليه، فقال:
ولا يوما واحدا!.
وقيل: إنّ هذا البيت له، ولم يحفظ له سواه (١): [من الطويل]
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وفي سنة سبع من أيّامه فتحت قيصريّة الرّوم بالسّيف.
وفي سنة ثمان فتحت خنجرة على يد البطّال (٢)، الشّجاع المشهور.
وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
وممّن مات في أيّامه من الأعلام: سالم بن عبد اللّه بن عمر، وطاوس، وسليمان بن يسار، وعكرمة مولى ابن عبّاس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّدّيق، وكثيّر عزّة الشّاعر، ومحمد بن كعب القرظيّ، والحسن البصري، ومحمد ابن سيرين، وأبو الطّفيل عامر بن واثلة الصّحابي وهو آخر الصحابة موتا، وجرير، والفرزدق، وعطيّة العوفي، ومعاوية بن قرّة، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر الباقر، ووهب بن منبّه، وسكينه بنت الحسين، والأعرج، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، وابن عامر مقرئ الشّام، وابن كثير مقرئ مكة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، وابن محيصن المقرئ، وابن شهاب الزّهري، وخلائق آخرون.
ومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال (٣): أراد هشام بن عبد الملك أن يولّيني خراج مصر، فأبيت، فغضب حتّى اختلج وجهه، وكان في عينيه الحول، فنظر إليّ نظر منكر، وقال: لتلينّ طائعا، أو لتلينّ كارها؛ فأمسكت عن الكلام حتّى سكن غضبه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال:
نعم، قلت: إنّ اللّه تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿إِنّا عَرَضْنَا اَلْأَمانَةَ عَلَى اَلسَّماواتِ﴾
стр. 285
﴿وَاَلْأَرْضِ وَاَلْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾
(١)
الآية، فو اللّه يا أمير المؤمنين، ما غضب عليهنّ إذ أبين ولا أكرههنّ إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب عليّ إذ أبيت، وتكرهني إذا كرهت؛ فضحك وأعفاني.
وأخرج عن خالد بن صفوان قال (٢): وفدت على هشام بن عبد الملك، فقال:
هات يا ابن صفوان؛ قلت: إنّ ملكا من الملوك خرج متنزّها إلى الخورنق، وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة، فنظر وقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا: للملك، قال: فهل رأيتم أحدا أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجّة فقال: إنّك قد سألت عن أمر، أفتأذن لي بالجواب؟ قال: نعم، قال: أرأيت ما أنت فيه، هو شيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا، وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذا هو، قال: أفتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلاّ قليلا، وتنتقل عنه طويلا فيكون عليك حسابا؟ قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة، قال: إمّا أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة اللّه على ما ساءك وسرّك، وإمّا أن تنخلع من ملكك، وتضع تاجك، وتلقي عنك أطمارك، وتعبد ربّك. قال: إنّي مفكّر اللّيلة وأوافيك السّحر؛ فلمّا كان السحر قرع عليه بابه فقال: إنّي اخترت هذا الجبل، وفلوات الأرض، وقد لبست عليّ أمساحي، فإن [اخترت ذلك] كنت لي رفيقا لا تخالف؛ فلزما الجبل حتّى ماتا؛ وفيه يقول عديّ بن زيد بن الحمار العباديّ (٣): [من الخفيف]
أيّها الشّامت المعيّر بالدّه … ر أأنت المبرّأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من الأيّ … ام؟ بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير؟
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا … سان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال … رّوم لم يبق منهم مذكور