Полный текст (2 812 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
[٣٠٨] قوله: (خرج إلينا) قال الحافظ والعيني: إن خروجه ﵊ لم يكن إلى المسجد بل إلى البيت، وقال الحافظ: إنه ﵊ لم يصل في المسجد في مرض موته حين جعل
стр. 597
أبا بكر إمام القوم إلا صلاة واحدة، ونقل عن الشافعي أنه ﵊ صلى في المسجد واحدة، وقال البيهقي: إنه ﵊ غاب في مرض موته في سبع عشرة صلاة إلا الصلاتين ظهر يوم السبت أو يوم الأحد وأمَّ الناس، وصلاة صبح، واقتدى بأبي بكر الصديق وسبق بركعة وأدرك أخرى، ووافقه الزيلعي وتبعه ابن همام، ونقل الزيلعي عن الحافظ ابن ناصر: من لم يقل بتعدد دخوله ﵊ في المسجد فقد أخطأ، فتمشى ابن حجر على تحقيقه، وكان حديث الباب تخالفه تأول فيه، وأقول: إنه ﵊ شهد في المسجد النبوي في مرض موته أربع صلوات، والبحث طويل سيأتي في البخاري، وأذكر أدلتي ثمة، وأثبت عن الشافعي شهوده ﵊ في صلاتين، وعندي أنه ﵊ خرج إلى المسجد في واقعة الباب، وعَضَّ الحافظ على ظاهر ما في النسائي ص (١٦٤) عن أم الفضل لفظ في بيته. . إلخ، وإني أرى فيه علّة، ولو سلم عدم الإعلال فأخرج المحمل فيه بأن في بيته حال أم الفضل لا حال النبي ﷺ والنبي ﷺ كان في المسجد، واقتدت أم الفضل خلفه وهي في البيت وهو في المسجد، وروي عن مالك أن الناس كانوا يقتدون بالإمام من حجرات أمهات المؤمنين.
قوله: (فقرأ بالمرسلات الخ) يستحب عندنا قصار المفصل في المغرب ولا ننكر جواز غيرها، وأكثر عادته ﵊ القصار في المغرب، ولنا في هذا كتاب عمر إلى أبي موسى وهو في يمن، وقال الطحاوي: لا يدل هذا على أنه ﵊ أتم السورة، بل لعله تلا بعض الآيات، وتعقبه البيهقي على هذا وأتى برواية أنه ﵊ قرء الطور، وادعى أبو داود ص (١٢٥) النسخ، وكيف يقال بالنسخ والحال أن الواقعة واقعة آخر عمره ومرض موته؟ إلا أن يقال بأنه استعمل النسخ بنسخ الطحاوي كما نقل الحافظ في الفتح عن ابن حزم أن تهجير صلاة الظهر منسوخ، والناسخ إبرادها، ولا يقول أحد بعدم جواز تهجيرها فنسخ الطحاوي أخذه بعض المحدثين.
стр. 598
باب ما جاء في القراءة في صلاة العشاء
стр. 599
[٣٠٩] نسب إلى الأحناف أنهم لا يبالون بما وردت السور المعينة في الصلاة المعينة عنه ﵊ ويقولون: لا تعين سورة، وقد صرح في البحر باستحباب قراءة السور الواردة في الأحاديث، ولكنه يتركها أحياناً قليلة كيلا يتوهم الناظر عدم صحة الصلاة بدونها فلا يتمشى على ظواهر متوننا كما زعمه أهل العصر، وصرح المحقق ابن أمير الحاج في الحلية بجواز الأذكار الواردة في الأحاديث في التطوع، والمكتوبة بلا نكير لكنه لا يثقل على الناس.
стр. 600
باب ما جاء في القراءة خلف الإمام
стр. 601
[٣١١] مسألة الباب طويلة الذيل، ولقد صنف فيها الشافعية كثيراً من الأجزاء والكتب، وصنف البيهقي كتاب القراءة، ولنا فيه حديثان صحيحان صريحان، ما أخرجها البخاري في أجزاء القراءة، وتكلم البيهقي في أسانيد مستدلاتنا، وبه عمل البخاري، وما صنف حنفي في هذه المسألة تصنيفاً مستقلاً إلا أن البيهقي يرد على حنفي، وهذا يدل على أن حنفياً صنف فيها شيئاً والله أعلم.
وحديث الباب أخرجه الشيخان في صحيحهما بدون القصة المذكورة في حديث الباب.
وأقول: إن قطعة «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ليست في حق الجماعة بل في أحكام الصلاة، وأما في حق الجماعة فحديث: وإذا قرأ فأنصتوا» إلخ فإنه سوق الجماعة، وظاهر حديث الباب للشافعي، فإن الواقعة واقعة الجهرية، وسيجيء الكلام في هذا إن شاء الله تعالى، وأما مذاهب الأئمة: فالجمهور من أبي حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي وليث بن سعد وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم إلى عدم الجواز في الصلاة الجهرية، وأما في السرية فلهم أقوال من الوجوب والاستحباب أو الإباحة، والقول القديم للشافعي عدم الجواز في الجهرية لا السرية، ثم لما دخل مصر قال بالوجوب فيهما، وكذلك في مختصر المزني بلغني عن بعض أصحابنا أن الشافعي قال بالوجوب فيهما، وقال الشافعية: إن المراد من بعض الأصحاب هو ربيع بن سليمان، فهذا مسكة الشافعية في نقل المذهب لهم عن إمامهم، ولم يسمع المزني بإذنه الوجوب عن الشافعي، وكتاب الأم للشافعي خالٍ عن الوجوب في الجهرية، في كتب المتقدمين منهم ذكر القولين واشتهر في كتب المتأخرين القول الجديد، فتفرد الشافعي في الوجوب في الجهرية، واعلم أن المروي عن أبي حنيفة عدم القراءة في السرية والجهرية، وقالوا في الجهرية بعدم الجواز، وفي السرية تحت ما روي عن أبي حنيفة أقوال خمسة، والمشهور في المتأخرين ما قال ابن همام من عدم الجواز والكراهة تحريماً، وتمسك ابن همام بآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] إلخ، وقال: إن الاستماع في الجهرية والإنصات في السرية والجهرية، والمذكور في الآية النهي عن القراءة خلف الإمام في الجهرية، ولا تعلق لها بالسرية، والإنصات معناه في اللغة (كان لگانا أورسننا) ويكون في الجهرية سيما إذا اجتمع الاستماع والإنصات، وما من كلام فصيح يكون الإنصات فيه في السر، وفي حديث:
стр. 602
(من أتى الجمعة واستمع وأنصت) استعمل في الجهرية، وكذلك في حديث: صور إسرافيل أنه قائم استمع وأنصت في الجهرية، وكذلك في:
~ يا من يؤمل أن تكون صفاته … كصفات عبد الله أنصت واسمع
~ إذا قالت حذام فانصتوها … فإن القول ما قالت حذام
وقال الشيخ: إن ما ذكر صاحب الهداية من استحسانها في السرية لعله ليس بصحيح فإنه ينفيها في موطأه وكتاب الأثار وأقول: إن رواية الاستحسان لعلها قد تكون عن محمد فإن صاحب الهداية مثبت وأما ما في الموطأ وكتاب الآثار فلا يدل على عدم الجواز، بل يدل على عدم الرضاء، ولا يدل على الكراهة أيضاً. بل الأولى عدم القراءة في السرية، والمتحقق عندي عن مذهب أبي حنيفة عدم جواز القراءة في الجهرية، وكونها غير مرضية في السرية، واختار مولانا عبد الحي الجواز في السرية بلا كراهة، وأتى بأقوال المشائخ وما أتى بالرواية، وأتى بما في المجتبى لصاحب القنية شرح القدوري، وبعمل أبي حفص الكبير تلميذ محمد، وبعمل الشيخ نظام الدين شيخ التسليم معاصر شارح الوقاية، وعندي أيضاً فقول المتقدمين في جوازها في السرية، منها ما في الذخيرة للبرهاني جد صاحب شرح الوقاية فإنه ذكر اختلاف مشائخنا في القراءة في السرية، ولكنه اختار من جانبه نفي القراءة في السرية ومنها ما في المقدمة الغزنوية القلمية: أن أبا حنيفة أجاز القراءة في السرية ثم رجع عنه، والجمع بين المرويين عنه للرجوع، ومنها تفسير أبي منصور الماتريدي التأويلات السمرقندي، ومنها ما في الأسرار للقاضي أبي زيد الدبوسي، ومنها ما في شرح مختصر الطحاوي لأبي بكر الرازي.
(اطلاع) : في استذكار أبي عمر أن ليثت بن سعد موافق للشافعي فكان مخالفاً لما ذكرت من مذهبه، وكنت متردداً في ما نقل أبو عمر، لأن ليثاً يروي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة إلخ، وله سماع عن أبي يوسف، فكيف يقول مثل ما قال الشافعي؟ مع رواية هذا الحديث أخرجه الطحاوي ص١٢٨ عن أحمد بن عبد الرحمن عن ابن وهب عن ليث عن يعقوب عن نعمان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ والسند أقوى، فإنه قلما يوجد مثل هذا لأن فيه أربعة أئمة، حتى أن وجدت في فتاوى ابن تيمية، وفيه أن ليثاً قائل باستحباب القراءة في السِّرية، فعلم أن ما في الاستذكار مسامحة، وفي كتاب الخراج رواية يعقوب عن الليث هذا المذكور مذاهب الأئمة، وأما مذاهب الصحابة فلا أعلم من قال بالقراءة خلف الإمام في الجهرية إلا قليل، وعنهم أيضاً اختلاف النقل إلا عبادة بن صامت، وهو أيضاً محتمل فيه بالقول بالوجوب أو الاستحباب، ومذهب الشافعية وجوبها ومن الذين عنهم اختلاف النقل عمر بن
стр. 603
الخطاب، فإنه أمر بالقراءة في الجهرية في سنن الدارقطني، وكتاب القراءة للبيهقي، وفي جزء القراءة للبخاري أيضاً القراءة عن عمر، لكنه خال عن قيد الجهرية وما في سنن الدارقطني فيه رجل متكلم فيه، وعندي يبلغ مرتبة الحسن، ثم روي عن عمر خلاف هذا في موطأ محمد بن الحسن، ولكنه منقطع، والمنقطع من الآثار مقبول ورجاله ثقات، وكذلك في مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، ومنهم ابن عباس ففي جزء القراءة للبخاري القراءة خلف الإمام، وفي الطحاوي ص (١٢١) خلافه، وهو النهي عن القراءة خلف الإمام، ومنهم صحابي آخر، وعنه أيضاً اختلاف النقل فلم يبق من الصحابة قائل بالقراءة في الجهرية إلا عُبادة، وفي مذهبه أيضاً احتمال الاستحباب، ويمكن حمل قول عمر: «وإن جهرت» الخ في سنن الدارقطني على ثالثة العشاء ورابعتها، أي في الركعة السرية للصلاة الجهرية، ولا يقال: إنه حمل على ما هو ليس مذهب أحد، أقول: إنه وإن لم يكن مذهب من الأئمة الأربعة لكنه مذهب بعض السلف، كما وقع في كتاب القراءة للبيهقي في موضعين: أن بعض العلماء يقولون بالقراءة في الركعات السرية للصلاة الجهرية، ووجدت هذا المذهب في جزء القراءة للبخاري أيضاً، وفيه: «إذا لم يجهر الإمام في الصلاة فاقرأ بأم القرآن في الأوليين من الظهر والعصر، وفي الأخريين من العشاء، وفي الآخرة في المغرب» فلا يكون حمل قول عمر على البدعة، ولكن الحمل على هذا بعيد، وأما مذاهب التابعين ففي القراءة في السرية طائفتان؛ قالت طائفة بالقراءة في السرية، وقالت أخرى بتركها فيها، وأما القائلون في الجهرية فشرذمة قليلة منهم مكحول، وعد البخاري في جزء القراءة جماعة التابعين لكن بعد فرق السرية والجهرية لا يبقى إلا شرذمة قليلة، ومأخذ المذاهب الجزئيات المروية عن ذويها، والإجمال في فتاوى ابن تيمية فإنه أثبت النفي في الجهرية، والاستحباب في السرية كما هو مذهبهم،
وأما التفقه ففي المسألة أحاديث: أحدها حديث إيجاب الفاتحة، وهو صحيح بلا ريب، والثاني: حديث أمر الإنصات، وهو صحيح بلا ريب وتردد، وإن تردد فيه البخاري في جزء القراءة، وحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وهو صحيح إن شاء الله تعالى، كما سيأتي عن قريب، فاختلفوا في الجمع بين الأحاديث فالتفت الأحناف إلى أحوال الأشخاص، واستثنوا المقتدي من ظواهر أوامر إيجاب الفاتحة، وأما الجمهور فخصصوا أوامر إيجابها بالسرية وقصروا الإنصات على الجهرية، وأما الشافعية فتمشوا على ظواهر أوامر الإيجاب، واستثنوا الفاتحة من أمر الإنصات، وحديث: «قراءة الإمام له قراءة» .
وأما حديث الباب فظاهره للشافعية فإن الواقعة واقعة الجهرية، وتصدى الأحناف إلى الجواب عنه، وكذلك توجه الجمهور إلى الجواب عنه، فأذكر ما أجاب مولانا المرحوم الگنگوهي ﵀ مع إضافة أشياء من جانبي، فقال مولانا ﵀: لا يخرج من الحديث وجوب القراءة بل إباحتها،
стр. 604
والإباحة أيضاً غير مرضية ثم نسخت الإباحة بحديث الباب اللاحق، والوجه أن في الحديث استثناء من النهي، وهو لا يدل على الوجوب ولا يتوهم الوجوب من قطعة «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» فإنها في حق الإمام والمنفرد، ومرادها أن جنس الصلاة لا تكون خالية عن الفاتحة، ويؤيد مولانا ما في أبي داود ص (١١٩) قال سفيان: هذا لمن يصلي وحده، ثم لما كان شأن صلاتهما عدم خلوها عن الفاتحة تحملت الفاتحة في حق المقتدي أيضاً إباحة، والفاتحة في حقهما واجبة معينة، وسائر السور واجبة مخيرة ثم بعده ارتفعت الإباحة أيضاً، وتلخيص الدعوى أن قطعة: «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، ليس بتعليل لما سبق بل شاهد عليه والتعليل ما يجري في الجزئية التي نحن فيها والشاهد ما لا يلائم تلك الجزئية وإن لم يجر فيها، وأمثلة الشواهد مروية عنه فإنه ﵊ يتلو آية ولا تكون واردة فيما تلافيه إلا أنها تكون ملائمة له، ويقول كبار الشارحين إنه استشهاد، وكما في النسائي ص (١١٣) عن أبي سعيد الخدري قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «هو مسجدي هذا» فالآية واردة في مسجد قباء، واستشهد النبي ﷺ على مسجده النبوي، والدليل على أنه استشهاد: أن حديث الباب حديث محمد بن إسحاق، وحديث الزهري السابق حديث الصحيحين حديث واحد، وفي حديث الزهري زيادة «فصاعداً» أيضاً، أخرجها أرباب السنن كما في أبي داود ص (١١٩) وغيره فتفهم الزيادة بحديث الباب أيضاً، فإذن تناقض صَدْر حديث الباب وعَجُزُه لو كانت القطعة الثانية في حق المقتدي أيضاً، ولو قلنا بأنه استشهاد لا يلزم التناقض، وأما اتحاد الحديثين فأقرَّ به الحافظ ابن حجر
في الفتح فإنه قال: إن الحديثين واحد، إلا أنه يذكر الحكم ومورده في بعض الطرق، والحكم فقط في بعضها، وكذلك أشار الترمذي في اتحاد الحديثين بقوله: وروى هذا الحديث الزهري، الخ أي سابقاً، وهذا أصح، أي المختصر السابق أصح، وأشار إليه البخاري في جزء القراءة وابن حبان في كتاب الثقات إلا أن إشارة ابن حبان خفية لا يدركها عامة الناس. وأما إثبات زيادة «فصاعداً» وإن تردد فيها البخاري في جزء القراءة فمطلوب منا، وقال البخاري: إن راوي الزيادة عبد الرحمن بن إسحاق، ولم يبالِ بعبد الرحمن، وراويها معمر وهو متفرد، وأقول: إن عدم المبالاة بعبد الرحمن غير صحيح، فإن عبد الرحمن اثنان: ابن إسحاق أبو شيبة الواسطي، وهو متفق على ضعفه، والثاني ابن إسحاق المدني، وهو ثقة من رواة مسلم، وقد أخذ عنه البخاري مطلقاً في موضعين، وراوي الزيادة هو المدني وهو ثقة.
(تنبيه) زعم ابن الهمام أن عبد الرحمن الواسطي والمدني واحد، وذكر عبارة تخريج الزيلعي بعينها، مع أنها إما من سهو الكاتب، أو مسامحة الزيلعي، فإنه لا يمكن عدم اطلاع الزيلعي على كون عبد الرحمن بن إسحاق اثنين، وذكر الزيلعي في حديث أبي داود: «ولا تدعوا سنتي الفجر، ولو طردتكم الخيل» ما في التخريج بعينها، مع أن الواسطى ضعيف متفق على ضعفه، والمدني ثقة، وإن تكلم فيه البعض ـ وأقول: لا يمكن إسقاط زيادة «فصاعداً» رواها معمر في مسلم والنسائي باب
стр. 605
النوافل (١٢) ، وتابعه سفيان بن عيينة في سنن أبي داود ص (١١٩) ، وتابعه الأوزاعي وشعيب بن أبي حمزة كما في كتاب القراءة للبيهقي، فلما رواها عبد الرحمن المدني والأوزاعي وسفيان ومعمر وشعيب بن أبي حمزة لا يمكن إسقاطها ولها شواهد، أيضاً رواها بعض الصحابة عن أبي هريرة وأبي سعيد، ورفاعة، وجابر بن عبد الله، فصح زيادة «فصاعداً» ثم زعم الأحناف مراد الحديث وجوب الفاتحة، ووجوب ضم السورة ولكنه يخالف اللغة، فإن أرباب اللغة متفقون على أن ما بعد الفاء يكون غير ضروري، وصرح به سيبويه في «الكتاب» في باب الإضافة، وقال أيضاً: إن بعه بدرهم وصاعد في هذا المراد غلط، وكذلك بعه بدرهم فصاعدٍ ـ بجر صاعد ـ أيضاً غلط بل صاعداً، منصوباً عطف جملة على الجملة، فعلى هذا يمكن للشافعية قول: إن لا صلاة إلا بأم القرآن بدون فصاعداً في حق المقتدي، وبزيادتها في حق الإمام والمقتدي، وأقول: وإن كان التأويل ممكناً ولكنه يوجب سوء الربط في نظم الحديث، ولا يشير الحديث إلى التقسيم أصلاً، ولنا أن نقول: بأنا نحمل على المعنى فيه حسن الربط، ثم إني تتبعت الأحاديث الكثيرة فالتعبيرات أنواع، أحدها ما فيه صيغة الأمر وبعدها ذكر الفاتحة وضم السورة، وفي هذا التعبير صح حديثان؛ حديث رفاعة في أبي داود: «ثم إقرأ بأم القرآن أو ما شاء الله أن تقرأ» فدل على وجوبهما، والثاني حديث أبي سعيد: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» أخرجه النسائي وأبو داود ص (٢٤) ، وفي التعبير الثاني نفي الصلاة بانتفاء القراءة، وأخذ فيه الفاتحة والسورة وصح في هذا التعبير عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله، وأخرج الطحاوي ص (١٢٤) رواية جابر وأخرجها ابن ماجه أيضاً، وحديث أبي هريرة أخرجه أبو داود ص (١٢٥) ، وفي هذا التعبير في بعض الطرق «مازاد» بالواو وفي بعضها: «فما زاد» بالفاء، وفي التعبير الثالث: الحكم على الفاتحة
فقط، وذكر فيه: «فصلاته خداج» أخرجه الترمذي، فأقول بعد هذا: إن حديث الباب حديث عبادة على أسلوب التعبير الثاني، فيكون فيه أيضاً لفط «فصاعداً» ثم في حديث جابر ورفاعة «وما زاد» أو «وما تيسر» بالواو، وفي حديث أبي هريرة في بعضها «واو» وفي بعضها «فاء» والواو تدل على وجوب ما قبل الواو وما بعدها، فيوجب وجوب الفاتحة، ووجب ضم السورة وهو مذهبنا، فإذن خالف حديث الباب بزيادة «فصاعداً» الشافعيةَ، فإنهم يقولون بعدم وجوب ضم السورة، ووقع التعارض بين صدر الحديث وعجُزِه، فلا بد من قول: إن في الحديث استشهاداً لا تعليلاً ثم أقول: إن ما ذكر أرباب اللغة أن مصداق ساعداً يكون أولى غير واجب لا بد من قصره على الفاء، ويكون مصداق صاعداً بعد الواو ضرورياً، فعليهم الترميم في ضابطتهم، فإذن لا يمكن للشافعية قول التقسيم في الحديث.
(زائدة) أقول: إن بفاتحة الكتاب في «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» الخ لو كان متعلقاً بالنفي لا يكون للشافعية مخلص مذكور، ولو يتعلق بالمثبت يكون لهم مخلص، وبحث ابن حاجب في أماليه، في أن المتعلقات الواردة بعد المنفي هل هي متعلقة بالنفي أو المثبت أي المنفي وأطنب، وحاصله تعلقها بالمثبت، وأقول: كيف قال ابن حاجب هذا مع أنها متعلقة بالنفي أيضاً في القرآن
стр. 606
العظيم وغيره من كلام الفصحاء؟ والآية من ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] ، ثم أورد الأحناف على الشافعية في متن الحديث، بأن قراءة الفاتحة لو كانت فريضة على المقتدي، كيف قال الشارع ﵊ بلفظ: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» ؟ وأجاب الشافعية بوجهين، أحدهما: أن سؤاله ﵊ ليس عن أصل القراءة، بل عن الجهر، وكان حق المقتدي الإسرار وقال مولانا: إنه مستبعد، فإن الرجل كان من عن يمينه ويساره يسر، فكيف يجهر هذا؟ وثاني وجه الجواب ذكره البيهقي: بأن مورد السؤال السورة لا الفاتحة، فيكون في كلامه ﵊ قصر إفراد، وأقول: يرده الرواية الصريحة، أخرجها الدارقطني في سننه وحسن إسنادها، وفيها «منكم من أحد يقرأ شيئاً من القرآن» ففي هذه الرواية نكرات ودلت على أن أحداً قرأ شيئاً من القرآن، فلم يجهر هذا الرجل ولم يزد على الفاتحة، ويمكن للشافعية وله رواية قوية عن ابن مسعود، أنهم كانوا يجهرون فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] إلخ، أخرجها الدارقطني، والبيهقي في كتاب القراءة، ولم يتوجه إليها شافعي العرض في الجواب، وأقول مجيباً من جانب الأحناف: إني تتبعت طرق الحديث واستقريتها، فما وجدت في أحدها لفظ الجهر في سؤاله ﵊، فيقال: إن جهرَ الرجل كان ذريعة لعلمه ﵊، ولم يكن مورد سؤاله ﵊، ولم يكن سؤاله ﵊ إلا عن القراءة، فمثار الصلاة القراءة لا الجهر فبعد اللتيا والتي لا يخرج من الحديث إلا إباحة الفاتحة، وهي أيضاً غير مرضية، والقرائن على هذا: أن حديث الاختلاف في القراءة والمنازعة فيها رواه غير عبادة عن أنس وأبي هريرة وابن مسعود بأسانيد قوية والحال أن مذاهب الثلاثة ترك القراءة في الجهرية، فزعموا مراد الحديث ما زعمنا، وأما حديث المنازعة
عن أبي هريرة فأخرجه الترمذي ص٤٢ وفيه مذهبه من ترك القراءة في الجهرية، وفتوى عائشة من تركها في الجهرية، ذكرها مولانا في رسالته من السنن الكبرى، وقع فيها غلط في السند من الناسخ، وأخرجها البخاري أيضاً في جزء القراءة والسند فيه صحيح وفي متنه فيه غلط فاحش من الناسخ ويخالفنا، والصحيح ما في كتاب القراءة للبيهقي ص (٦٦) : «كان عائشة وأبو هريرة يأمران بالقراءة في الظهر والعصر» وفيه مروي بسندين، والمتن التام في السند الأول وهو متكلم فيه، لأن فيه عكرمة بن عمار وهو ضعيف، والتمسك بالسند الثاني، وهو يضم به المتن التام، وهذا أقوى ومروي بطريق قاسم بن بهدلة، وليضم هذا الفتوى بقول أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، أي اقرأ بها في السرية، وأما مرفوع أنس ففي آثار السنن ص (٨٠) رواه البخاري في جزء القراءة وأعله البيهقي، وأقول: قد صححه البيهقي في كتاب القراءة، وأما فتوى أنس ففي مصنف ابن أبي شيبة أنه كان يسبح خلف الإمام، فعلم أنه لا يقرأ خلف الإمام، وفي سند فتواه ثعلبة ولم أعرفه إلا أنه أبو بحر، وهو من رجال الأربعة، للحافظ لا السنن الأربعة وأما مرفوع ابن مسعود ففي آثار السنن ص (٨٢ رواه الطحاوي
стр. 607
والطبراني، وأما فتواه فمشهور وقرائن أخر على دعاوينا في رواية أنس مرفوعة، فإنه روى عنه ابن أبي شيبة في مصنفه مرسلة عن أبي قلابة: هل تقرؤون خلف إمامكم؟ فقال أحدهم: نعم، وقال أحدهم: لا، فقال ﷺ : «إن كنتم لا بد فاعلين، فليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» إلخ، فمن قال: لا، لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، ولم يشنع عليه، وأيضاً قال: إنكم لا بد فاعلين، ولم يجد عليهم بل دل على عدم الرضاء بها، وأيضاً قال: «فليقرأ أحدكم» ولم يأمر كلهم استغراقاً، ولفظ أحد لا يدل على العموم، وعندي في هذا كثير من الشواهد مثل آية ﴿ [الكهف: ١٩] إلخ هذا ما تيسر لي الآن، وأما حديث الباب حديث ابن إسحاق فحسنه الترمذي، وصححه بعض الشافعية، وقال الحافظ: صححه البخاري، والحال أنه لم يصححه بل متردد في صحته، نعم أخرجه في جزء القراءة، وأعله أبو عمر في التمهيد في عبارتين ونقل ابن رشد في بداية المجتهد عن أبي عمر أنه يصححه، والله أعلم أنه من أين أخذ، فإن عبارتي أبي عمر عندي موجودتان، وفيهما إعلال، ولعله تصحف من ابن حزم، وأعله أحمد ذكره ابن تيمية في فتاواه وأشار ابن حبان إلى الإعلال في كتاب الثقات، وأعله الحافظ ابن رجب الحنبلي تلميذ ابن تيمية، وأعله ابن تيمية في فتاواه، وقال: صنفت في إعلاله كتاباً مستقلاً، وذكر ابن تيمية وجه الإعلال في فتاواه أن واقعة الباب لم يقع في عهده ﵊، بل قرأ عبادة بنفسه خلف إمامه فسأله سائل فروى عنده حديث: لا «صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقريب من هذا ما في أبي داود ص (١١٩) عن الربيع بن سليمان عن عبد الله بن يوسف عن الهيثم إلخ، إلا أن فيه ذكر القصة أيضاً، أي وقعت الواقعة في عهده ﵊، وليعلم أن في ذلك الحديث قلب من الراوي، وأساء في ذكر ترتيب ألفاظ
الحديث: «فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرتُ إلا بأم القرآن» ، وعندي أنه من الراوي، وأقول: إن إعلال ابن تيمية هذا غير جار، ويمكن في وجه الإعلال بأن في حديث عبادة بأنه روي عنه ثلاث مضامين؛ أحدها: أنه قرأ بنفسه، فسأله سائل لم قرأت خلف الإمام؟ فتمسك بعموم حديث: «لا صلاة لمن لم» إلخ، وما احتج بالقصة، وليس فيه ذكر القصة الواقعة في عهده ﵊، وهذا قوي سنداً، والثاني: ما بين أيدينا من حديث الباب، والثالث: قوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ولا قصة فيه أصلاً، هذا وأيضاً صحيح، والحديث بالمضمون الأول مروي عن نافع بن محمود، والحديث الثالث مروي عن محمود بن ربيع، وأخطأ مكحول في الجمع بين ما عنده عن نافع، وما عنده عن محمود، وتفرد مكحول في ذكر القصة والحديث القولي، فالعلة هذا لا ما قال ابن تيمية.
واعلم أنه قد سهى البخاري في الجزء فإنه ذكر في السند ابن ربيع، وكتب الكاتب ابن ربيعة، وزعمه البخاري محمود بن ربيع، والحال أنه هو نافع بن محمود بن ربيع، وسهى الحافظ حيث قال:
стр. 608
إن حديث عبد الله بن عمرو قوَّى سنده البخاري كما في التهذيب، والحال أن البخاري متردد فيه، وسهى الحافظ حيث قال في تلخيص الحبير: إن البخاري صحح حديث محمد بن إسحاق، والحال أن البخاري متردد فيه نعم أخرجه في جزء القراءة.
قوله: (وفي الباب الخ) رواية أبي هريرة ليست في الصلاة الجهرية بل في السرية، ورواية عائشة في وجوب الفاتحة كما في مسلم، وقد مر مذهب عائشة في كتاب القراءة ص (٦٦) ، ورواية أنس مختلفة في الرفع أي الاتصال والإرسال، وقالوا: إن الصواب الإرسال كما قال الدارقطني في علله، وفيه: «إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» وهو أيضاً في السرية لا الجهرية، والحمل على الجهرية بعيد كل البعد، ونقول: إن إسرار القراءة في الصلاة النهارية، والجهر في صلوات الليل مجمع عليه، فقول الشافعي بالإسرار للمقتدي في الجهرية غير المجمع عليه، فلا بد من دليل قوي غاية القوة، وحمل مالك حديث أنس: «في نفسك» إلخ على ما حملت قبل.
قوله: (وهو قول مالك بن أنس) هذا خلاف الواقع، فإن مالكاً ينفي القراءة في الجهرية كما في موطأه ص (٢٨) ، وكذلك مذهب ابن المبارك لا يوافق الشافعي في الجهرية كما سيأتي في الترمذي، وكذلك ليس مذهب أحمد مذهب الشافعي كما سيأتي، وكذلك ليس مذهب إسحاق بن راهويه مذهب الشافعي، كما هو موجود في الخارج، فلا يصح قول الترمذي: إلا بحمله على أنهم قائلون بالقراءة خلف الإمام في الجملة.
стр. 609
باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة
стр. 610
هذا الباب للعراقيين بل للجمهور.
стр. 611
[٣١٢] قوله: (مالي أنازع في الخ) قال رجل فاضل حنفي: إن لفط المنازعة يدل على أن الفاتحة حق الإمام، ويختلس المقتدي عنه وليس حقه، فإن المنازعة خلس حق الغير بالخصومة وإني متردد في هذا فإن في المنازعة محاورة خاصة فصيحة، وهو أخذ الكلام نوبة بنوبة كما قال الأعشى:
~ نازعتهم قضب الريحان متكئاً … وقهوة مزة راووقها خضل
وقال الحويدرة أو الحادرة:
~ وإذا تنازعك الحديث رأيتها … حسناً تبسمها لذيذ المكرع
قوله: (قال فانتهى الناس إلخ)
قال الشافعية: إنه قول الزهري وليس قول أبي هريرة، فيكون مرسلاً، وأقول:
أولاً: إن الزهري رأى عمل كثير من الصحابة فلا يكون قوله مخالفاً لهم.
وثانياً: إن الجمهور من المحدثين من أبي داود والذهبي والبخاري وغيرهم، على أنه قول الزهري، والحق أنه قول أبي هريرة، ومنشأ حكمهم أن الزهري روى الحديث، ولما روى عن أبي هريرة «فانتهى الناس» لم يبلغ صوته بعض تلامذته فلم يسمع، وسأل عن الآخر ما قال الزهري؟ قال: قال الزهري: «فانتهى الناس عن القراءة» فزعمه المحدثون أنه قول الزهري من جانبه، والدليل على هذا ما في أبي داود ص١٢٠: قال ابن السرح في حديثه: قال معمر عن الزهري قال أبو هريرة: «فانتهى الناس» إلخ، وقال عبد الله بن محمد: الزهري من بينهم، قال سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها، فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس عن القراءة» إلخ، ونظائر هذا عندي كثيرة، وقالوا فيها: إنه قول من الراوي كما قالوا هاهنا، وهو في الأصل موصول منها ما في البخاري ص (٦٠٠) ، حفظت بعضه وثبتني معمر، ومنها ما في الترمذي المجلد الثاني وهو عين نظير ما في أبي داود، وفي كتاب القراءة للبيهقي بسند قوى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما كان من صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة فليس لأحد أن يقرأ معه» ومر عليه البيهقي في كتاب القراءة، وقال: إنه منكر ولو صح،
стр. 612
إلخ، وأقول: كيف يقال بأنه منكر مع ثقة الرجال؟ وحديث الباب لنا، وقال مولانا المرحوم الگنگوهي: إن حديث الباب ناسخ للإباحة المستفادة من حديث الباب السابق، وبناؤه على كون حديث الباب غير ذلك الحديث ونقل الحافظ أبو بكر الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ: إن بعض العلماء على تعدد الحديثين، فإذا كان حديث الباب غير ذلك الحديث، فمن الظاهر أن حديث الباب متأخر عن ذلك الحديث ويظن أن الحديثين واحد، وفي حديث الباب في أبي داود: وقال راوٍ: أظن أنها الصبح، وقال رأوٍ. إنها الصبح بالجزم، لكنه يلزم الخلاف بين الحديثين، فإن في السابق ذكر قراءة الفاتحة خلف الإمام، وفي حديث الباب انتهاء الناس عن القراءة، فأقول: إنه ﵊ استثنى الفاتحة لكنه كان غير مرضي عنده ﵊، ولما زعم الصحابة عدم رضاءه ﵊، انتهى عنها الجمهور إلا عبادة، فعبر الرواي بـ «فانتهى الناس عن القراءة» فيكون الحديثان متحداً ثم نكتة ترك أبي هريرة ذكر إجازته ﵊ الفاتحة أنه لو ذكر مع قوله: «فانتهى الناس» عن القراءة لما صار الكلام مربوطاً ومسد كلام أبي هريرة وغرضه بيان انتهاء الناس عن القراءة وتركهم القراءة ولا مدخل استثناء الفاتحة في غرضه ومسده ثم قال الشافعية: ولو سلمنا أن «فانتهى الناس عن القراءة» قول أبي هريرة لكان المراد من الانتهاء الانتهاء عن الجهر، وأقول: إن هذا التأويل محض تأويل لا يقبل العقل السليم، ولو قيل: إنهم تركوا السورة وانتهوا عنها لا عن الفاتحة فلا بد من النص عليه.
ولما حققت من مذهب أبي حنيفة عدم جواز القراءة في الجهرية وجوازها في السرية مع اختيار تركها فيها فأذكر الأدلة: فلنا في السرية ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» أخرجه الدارقطني والبيهقي مرسلاً وصله أبو حنيفة وقالا: الصواب الإرسال، وتكلم الدارقطني في وصل أبي حنيفة، وذكره جابر بن عبد الله، ورد تكلمه في حقه وأقول: إن حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» صحيح بلا ريب وأما قول: إنه مرسل فجوابه من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه لو سلمنا أن الصواب الإرسال كما اعترفتم فنقول: إن المرسل المؤيد بفتيا الصحابة يكون مقبولاً عند المحدثين بلا نكير، ووافقه كثير من فتاوى الصحابة حتى إن ألفاظ بعض الفتاوى قريبة من ألفاظ الحديث، منها فتوى ابن عمر أخرجها مالك في موطأه، ومنها فتوى زيد بن ثابت أخرجها مسلم في صحيحه باب سجدة التلاوة، ومنها فتوى جابر بن عبد الله أخرجها الترمذي في سننه كما سيأتي فلا وجه لتركه.
والوجه الثاني: إن منتهى السند المرسل عبد الله بن شداد، وأقر الحافظ في الفتح بكونه صحابياً صغيراً، وعن أحمد بن حنبل أنه وجد رؤيته ﵊ ولم يسمع عنه فيكون مرسل الصحابي، ومن المعلوم أن مرسل الصحابي مقبول بلا ريب، فإنهم اتفقوا على قبول مراسيل الصحابة.
стр. 613
والوجه الثالث: أن الشيخ ابن همام أخرج الحديث متصلاً من مسند أحمد بن منيع أستاذ البخاري وغيره بسند على شرط الشيخين، صورة السند هذا: حدثنا إسحاق الأزرق، أنا سفيان وشريك عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله وليس في هذا السند أبو حنيفة فلا يكون أبو حنيفة متفرداً، وأما تفصيل رواة الإسناد فإسحاق الأزرق من رواة الصحيحين، وسفيان هو الثوري وشريك ابن عبد الله النخعي، وموسى بن أبي عائشة ثقة اتفاقاً، وعبد الله وجابر صحابيان وفي البدر المنير حاشية فتح القدير لأبي حسن السندهي حكاية ولازمها تصحيح أحمد بن منيع والحكاية، أن العلامة قاسم بن قطلوبغا كتب لحضرة شيخه الشيخ ابن همام يسأله عن مأخذ حديثه، وقدوته في تصحيح الحديث، فأجاب الشيخ: أخذته من إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري.
(زائدة) اختلف الناقلون في تعيين اسم الكتاب، فقيل: إتحاف المهرة، وقيل: إتحاف الخبرة، وقيل: إتحاف الخِيَرة، والمعروف الأول، وفيه قال البوصيري: أخذت بقراءة السند بحضرة الشيخ حافظ الدنيا فما وصلت إلى متن الحديث، قال الحافظ: هذا رائحة حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» فتعجبت من ذكاء الحافظ، أقول: عرضت الحكاية على شيخنا مولانا دام ظله العالي على رؤوس المسترشدين، فقال: إن الحافظ لم يرض بالحديث، قلت: إن الحافظ وإن لم يرض به لكنه لم يقدر على بيان العلة أيضاً، فالحاصل أن الحديث صحيح، وأما أنا فما وجدت الحديث في النسخة التي تحت مطالعتي لإتحاف المهرة لكني أقطع بأن الحديث صحيح، وأن في نسختي سقطاً من الناسخ فإن القصة المفصلة المذكورة لا يمكن انكارها، ثم أخرجه الشيخ بن همام بسند آخر من مسند عبد بن حميد عن أبي نعيم فضل بن دُكَين عن حسن بن صالح الخ وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، وأقول: فيه تردد فإن في سنده جابر الجعفي ولعله ليس من المزيد في متصل الأسانيد كما هو مذكور في سنن ابن ماجه ص٦١، ولكن السند الذي وجده الشيخ حذف منه جابر وربما يقلد الشيخ جمال الدين الزيلعي ولم يأت بالزائد على تخريج الزيلعي إلا في عدة مواضع، منها ما في باب المهر، ومنها ما في باب التطوع، ومنها ما في هذا الموضع الحديث الذي نحن فيه، ثم إن قيل: إن في حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» احتمال وهم الراوي وخطؤه نقول: لا يمكن هذا الاحتمال فإن فتاوى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مؤيدة له سيما إذا كانت ألفاظ الفتاوى قريبة من ألفاظ الحديث المرفوع، واعلم أن حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» أخرجه الحاكم ولم أجده في نسخة المستدرك، وإنما ذكره ابن الهمام بسند أبي حنيفة وفيه ذكر صلاة الظهر، وذكر أن الرجلين تنازعا بعد الفراغ عن الصلاة، فقال أحدهما بالقراءة خلف
الإمام وقال الآخر بتركها، فقال النبي ﷺ : «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراء» ة فدل الحديث على ترك القراءة في السرية، ولكنه لا يدل على عدم جوازها في السرية نعم يدل على تركها في السرية، ولنا حديثان آخران في تركها في السرية وأما أدلة عدم جوازها في الجهرية فكثيرة منها آية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
стр. 614
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وأجاب عنها الشوافع شافياً، ونقل الزيلعي عن البيهقي عن أحمد بن حنبل أجمع العلماء على أن الآية واردة في الصلاة، وقال رجل: إن البيهقي لم ينقل عن أحمد في كتاب القراءة، وغرضه الاعتراض على الزيلعي أقول: إن الزيلعي لم يحل إلى كتاب القراءة ليلزم ذلك الرجل الجاهل على أن أبا عمر أيضاً نقل عن أحمد بن حنبل في التمهيد إلا أن الزيلعي نقل بالسند بخلاف أبي عمر ومن أدلتنا حديث الباب أخرجه مالك في الموطأ وحسنه الترمذي وصححه أبو حاتم، وحديث: «وإذا قرأ فأنصتوا» قد صححه أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أثرم تلميذ أحمد وابن جرير في تفسيره، وأبو عمر وابن حزم الأندلسي وزكي الدين المنذري والحافظ ابن حجر العسقلاني، وكل من الحنابلة والموالك والأحناف، وأخرجه أبو داود والنسائي حديث: «وإذا قرأ فأنصتوا» عن أبي موسى وأبي هريرة صححهما مسلم فإنه أخرج حديث أبي موسى في تشهد مسلم وسأله تلميذه عن حديث أبي هريرة فأجاب مسلم بأنه صحيح، ولنا حديثان صحيحان في كتاب القراءة أحدهما في ص (٩٩) حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن الطمامي المقرئ نا أحمد بن سلمان الفقيه نا إبراهيم بن الهيثم نا آدم نا ابن أبي ذئب نا محمد بن عمرو عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما كان من صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة فليس لأحد أن يقرأ فيها» إلخ
وقال البيهقي: هذه رواية منكرة لم أجدها فإن صحت فالمراد بها ليس لأحد أن يجهر بها أو يقرنها مع سورة، إلخ، فكلامه يشير إلى الصحة ولا يمكن إنكار هذه الرواية ورجال السند ثقات فإن أبا الحسن علي بن أحمد ليس من رواة الستة لأنه متأخر عنهم نعم ثقة وبترجمة موجودة في الأنساب تحت لفظ الحمامي، وأما أحمد بن سلمان ففي أكثر الكتب سلمان بلا ياء وفي بعضها سليمان بالياء، وظني أنه بالياء ولقبه نجاد في تذكرة الحفاظ، وإبراهيم ثقة، وآدم بن أبي إياس من رجال الصحيحين، وكذلك ابن أبي ذئب، وأما محمد بن عمرو فمن رجال مسلم، ومحمد بن عبد الرحمن ثقة مشهور، ورواية أخرى لنا عن أبي هريرة بواسطة عبد الرحمن بن إسحاق في كتاب القراءة وضعفها البيهقي من جانب عبد الرحمن، والحال أنه مدني وهو ثقة وليس بواسطي وهو ضعيف، ولنا أدلة أخر لا أذكرها. واعلم أن تلخيص الدعوى: أن آية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]
نزلت في مكة ودلت على نفي القراءة خلف الإمام في الجهرية، ثم ورد حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» في المدينة في حق الإمام والمنفرد وكذلك قال أحمد في الصفحة اللاحقة. إن الحديث في حق المنفرد ولا تعلق للحديث بالمقتدي ولا يتناوله، ثم بعده قرأ رجل في الفجر خلفه ﵊ بدون تعليم من صاحب الشريعة، فقال النبي الكريم: «إن كنتم لا بد فاعلين فليقرأ أحدكم في نفسه» وكذلك ورد حديث محمد بن إسحاق، وفي هذا الحديث إحالة إلى ما سبق أولاً فلا يتناول الحديث المقتدي فإن حال المقتدي كان مفروغاً عنه حين نزول الآية، فلا يكون في حديث ابن إسحاق إلا استشهاداً، وعرضت الإباحة غير مرضية ومرجوحة فكف جمهور الصحابة لما رأو الإباحة العارضة غير مرضية، وهذا المذكور سابقاً كان على مشرب مولانا المرحوم، ويمكن لنا
стр. 615
بحث آخر ولكنه بحث وإفحام الخصم ولا يبقي الإباحة أيضاً على هذا، ويكون فيه تسليم تناول الحديث المقتدي وهو أنه في الحديث: «لا تفعلوا إلا أيام القرآن» فعل القرءة وأعم من قراءة الفاتحة حقيقة كما في حال الإمام والمنفرد أو حكماً كما في حق المقتدي، وكذلك يقال في فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها حقيقةً أو حكماً فيكون في الحديث إحالة إلى الأحاديث الأخر الدالة على قراءة الإمام والمنفرد وسكوت المقتدي، ونظيره كما يقال: لا تفعلوا إلا بالأذان لقوم يثوبون بتثويب بدعة فليس، مراده أن يؤذن كل واحد منهم بنفسه، ويمكن أن يقال: إنَّ (لا تفعلوا إلا بأم القرآن) من قبيل قتلوه بنو فلان أي صدر فيهم فعل القتل لا إن قتله كل واحد وباشر بقتله كما في آية: [البقرة: ٧٢] إلخ، ولكن هذا البحث لإسكات المناظر وليس حقيقة الأمر.
قوله: (ما يدخل) من الدخل بمعنى الغش لا من الدخول.
قوله: (وفي الباب) ثبت القراءة في السرية وتركها عن ابن مسعود وحديث عمران بن حصين أخرجه مسلم وغيره حين قرأ: «سبح اسم ربك الأعلى» إلخ، وأقول: إنه قرأ «سبح اسم ربك الأعلى» بدون قراءة الفاتحة، وأما حديث جابر فسيأتي في الكتاب عن قريب.
قوله: (فهي خداج) إلخ، خدجت الناقة من المجرد إذا ولدت قبل تمام المدة كان الفصيل تام الأعضاء أو غيرها، وأحذجت الناقة من المزيد إذا ولدت فصيلاً ناقص الأعضاء سواء كان على تمام المدة أو قبلها، وعنه الخديجة اسم من أسماء نساء العرب، وبعض علماء اللغة لا يذكرون الفرق بين المجرد والمزيد، فدل الحديث على أن الصلاة بدون الفاتحة ناقصة غير باطلة كما يقول الأحناف، ولا يلزم على هذا إدخال المكروه تحريماً في أمر الشارع فإنه ليس ها هنا أمر بل نفي الشيء بانتفاء شيء آخر بخلاف آية: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] أو حديث: فاقرأ بما تيسر معك من القرآن» أو حديث ضعيف السند: «من تشهد تمت صلاته» ، قال الشيخ عبد الحق الدهلوي ﵀: إن الحديث يدل على عدم ركنية السلام فيلزمه إدخال الكراهة تحريماً في أمر الشارع وذا غير جائز، وفي كتبنا تصريح أنه إذا أحدث بعد التشهد يذهب ويتوضأ ثم يأتي ويسلم.
стр. 616
قوله: (اقرأ بها في نفسك. . إلخ) هذا مقيد بالصلاة السرية ولا يكون في الجهرية لما في كتاب القراءة للبيهقي من مذهب أبي هريرة وعائشة، ولما في موطأ مالك ص (٤) : «ومن فاتته فاته خير كثير» إلخ، قال البخاري في جزء القراءة: بأن مُدرِكَ الركوع ليس بمُدرِكِ الركعة، ولم يقل بإدراكها بإدراكه إلا من قال بترك القراءة خلف الإمام، وذكر من موافقيه أبا هريرة ويخالفه صراحة ما في موطأ مالك ص (٤) ، وأتى البخاري بأثر أبي هريرة الذي يوهم إلى وفاق البخاري ولكن مراد ذلك الأثر أن المسبوق يجب عليه أن يدرك الإمام قبل انحطاطه إلى الركوع، ولا يجب وجدان الفاتحة فلا يختلط، ثم رأيت مذهب أبي هريرة بعين ما ذكرت من أنه يقول أن يدرك المقتدى إمامه قبل انحطاط الإمام ولا يجب وجدان الفاتحة لوجدان الركعة، وإن أدرك إمامه بعد انحطاطه فلم يدرك الركعة ذكره ابن رشد في البداية.
واعلم أن ما في موطأ مالك ص٤ فهو من المبلغات ولكن أبا عمرو صنف التمهيد لوصل مبلغات مالك ووصل كلها الأربعة، وما ذكر البخاري في جزء القراءة من مذهبه لا يوافقه السلف ولا علماء المذاهب الأربعة إلا أبو بكر الضبعي تلميذ ابن خزيمة وتقي الدين السبكي والشوكاني، ثم رجع الشوكاني في الفتح الرباني ونسب إلى ابن خزيمة وفاقه البخاري، وقال الحافظ: وجدت في صحيحه خلافه، أقول: إنه كان مذهب تلميذه أبي بكر فنسب إلى ابن خزيمة سهواً هذا المذكور من حمل «اقرأ بها في نفسك» على السرية لما في كتاب القراءة حقيقة الأمر، وأما ما قال المدرِّسون: من أن المراد بالقراءة في نفسه التدبر والتفكر فلا يوافقه اللغة فإنه لم يثبت معنى التفكر للقراءة في النفس، نعم ثبت التفكر معنى القول في النفس، ويمكن لنا حمل القراءة في نفسك على السرية بدون الالتفات إلى ما في كتاب القراءة بأن الإسرار في صلوات النهار والجهر في صلوات الليل مما أجمع عليه، وقول الإسرار في الصلوات الجهرية كما يقول الشافعية للمقتدي غير ما أجمع عليه فنحمل قول أبي هريرة على ما أجمع عليه وعلى الشوافع ذكر نص شاف في ما ادعوا.
قوله: (يتبع سكتات الإمام) قال الشافعية: المستحب للإمام أن يسكت ليأتي المقتدي بالفاتحة، وأقول: إنه خلاف قواعد الشريعة فإن الشريعة تنبئ بـ (إنما جعل الإمام ليؤتم به) إلخ، وتجعل
стр. 617
الشريعة الإمام متبوعاً، ولزم على ما قالوا كونه تابعاً، وذكر الشوافع أربع سكتات منها سكتة بعد «ولا الضالين» قبل آمين قدر ما يسع فيه فاتحة المقتدي، ويلزم عليهم إشكالات كثيرة ذكرتها في باب آمين وأيضاً ما من حديث يدل على هذه السكتة الطويلة حتى أن اختلف صحابيان في وجوبها أيضاً كما مر سابقاً، وبالجملة يلزم إشكالات على قول القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية.
قوله: (وتأول) التأول في عرف السلف والحديث بيان المصداق لا ما تعارف بين أهل العصر من صرف الكلام عن ظاهره.
قوله: (واختار أحمد) مذهب أحمد القراءة خلف الإمام في السرية كما في فتاوى ابن تيمية وفي الجهرية إذا كان المقتدي بموضع لا يبلغه صوت قراءة الإمام.
стр. 618
قوله: (سمع جابر بن عبد الله يقول) إلخ هذه فتوى جابر، والأكثر وقفوها على جابر والبعض رفعوه إلى صاحب الشريعة كما في الطحاوي ص (١٣٨) ، لكنه فيه كلام من وجهين:
أحدهما: أنه مروي بسند مالك ووقفه مالك في موطأه بهذا السند.
والثاني: أن في سنده يحيى بن سلام وهو متكلم فيه، ووثقه أربعة من أئمة الحديث، وفيه شيء آخر أخذه البيهقي، وهو أن في الطحاوي ص (١٢٨) قال: قلت لمالك: أرفعه، قال: خذو برجله. . إلخ، فزعم البيهقي أن مالكاً شنع على رفعه، وأقول: لعله لم يشنع على رفعه بل غرض مالك أن المسألة هكذا فغضب مالك تعنته في المسألة، فالحاصل أن قول جابر مختلف في رفعه ووقفه.
قوله: (عن أبي نعيم) روى أبو نعيم هاهنا موافقاً لنا، وروى في سنن الدارقطني عن عبادة حديثه موافقاً للشافعية، وأخرج العيني في العمدة حديث عبادة بسند أبي نعيم من مستدرك الحاكم وعبارته يدل على جزمه بأن راوي حديث عبادة هو أبو نعيم وهب بن كيسان، ولكني متردد في هذا ولأن وهب بن كيسان يروي عن الصحابة الصغار والكبار الذين طالت أعمارهم، وربما يروي عن ابن عمر، وجابر قد يروي عن أبي هريرة أيضاً، وأما عبادة فمتقدم الوفاة، ولأن أرباب كتب الرجال ما ذكروا أخذ وهب بن كيسان عن عبادة فلهذا صرت متردداً، ثم رأيت الذهبي تردد فيه في تلخيص المستدرك، واعلم أن لنا في نفي القراءة ما في مصنف عبد الرزاق عن موسى عن عقبة وهو من صغار التابعين أنه روى النهي عن القراءة عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فيكون هذا مرفوعاً حكماً، والله أعلم، وعلمه أتم.
المراجعة إلى ما سبق من رفع اليدين ومسألة آمين، فاذكر وجه ترك رفع اليدين وإخفاء آمين فأقول: إن حديث الترك حديث ابن مسعود، وفي الرفع أحاديث كثيرة ولم يتكلم في حديثنا إلا من اختار عمل رفع اليدين مثل البخاري لا غيره كالنسائي وأبي داود والترمذي وغيرهم، ويتوهم من هذا أن ترك الرفع حامل لوحدة الحديث وكثرة أحاديث الرفع، ولكني أدعي أن أحاديث الترك كثيرة فإن كثيراً من الصحابة يروون صفة صلاته ﵊ ولا يذكرون رفع اليدين، وإني أدمجهم في رواة الترك، ثم إن قيل: إنهم ساكتون والساكت يحمل على الناطق، فأقول: إنهم ليسوا كثير بساكتين بل نافون، وتوضيح هذا موقوف على ما قال ابن تيمية تحت اختياره إخفاء بسم الله: إن الجهر بالتسمية نادر والإخفاء كثير لأن أكثر الأحاديث خالية عن ذكر جهر التسمية ولا يقال: يحمل الساكت على الناطق لأنها ليست بساكتة بل نافية فإن المهتم بذكره هو الشيء الوجودي، ولا يتعرض الراوي إلى ذكر الشيء العدمي لأنه غير معقول فعلى هذا الساكت عن ترك رفع اليدين نافٍ فتصير ذخيرة الترك كثيرة من ذخيرة الرفع، وأما حديث ابن مسعود حيث تعرض إلى ذكر ترك رفع اليدين، فأيضاً غنيمته
стр. 619
ونعمته غير مترقبة لتعرضه إلى الشيء العدمي، فعلم أن ترك رفع اليدين كثير عملاً في عهده ﵊، ولكنه قليلٌ ذكراً لأنه شيء عدمي، فهذا الكلام مما يشفي ما في الصدور، وهذا هو حقيقة الحال، وإن قيل: إن رفع اليدين عزيمة، وتركه رخصة، والعمل بالعزيمة أولى، فيستفاد جوابه مما ذكرت تحت كلام ابن تيمية في فتاواه ثم إن قيل: إن رفع اليدين عبادة، والترك ترك عبادة، نقول: إن جواب النكتة بالنكتة وهي أن هيأة اليدين في كل ركن تكون مناسبة لتلك الوظيفة كما في القيام والسجود وغيرها فعلى هذا ترك الرفع عبادة فهذا وجه رجحان ترك رفع اليدين، وأما وجه رجحان إخفاء آمين فهو عمل أكثر السلف بإقرار ابن جرير الطبري، كما حررت تفصيل كلامه سابقاً.
стр. 620
باب ما جاء ما يقول عند دخوله المسجد
стр. 621
عيّن الشارع ﵊ الأذكار في الأحوال المتواردة.
стр. 622
[٣١٤] قوله: (صلِّ على محمد إلخ) قال العلماء: أن يصلي الداخل في المسجد عليه ﵊ الآن أيضاً، وإني متردد في مراد الحديث لعل الغرض منه دعاء رجل لنفسه، ولما كان النبي ﷺ معلماً للدعاء لكل واحد لنفسه وكان ﵊ متكلماً فعبر بهذه الدعوة، والله أعلم.
قوله: (أبواب فضلك) خص الفضل بوقت الخروج لأن الفضل في الرزق وهذا تعليمه ﵊ للأمة المرحومة.
قوله: (حديث حسن. . إلخ) حسن الترمذي الحديث مع انقطاعه، وكذلك فعل في عدة مواضع، لأن الحذاق يتمشون على ذوقهم، ولا يتبعون الضوابط والقواعد.
стр. 623
باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين
стр. 624
[٣١٦] هذه الصلاة تحية المسجد سنة عندنا وعند غيرنا، وتتأدى عندنا في ضمن الفرائض والسنن أيضاً لو صلى، وإن لم يصلِّ بشيء في المسجد لم يحرز سنة تحية المسجد، وقال الشافعية بجوازها في الأوقات المكروهة أيضاً، الضابطة حمل العام على الخاص، وقال داود الظاهري بوجوب تحية المسجد ولم يقل غيره.
قوله: (قبل أن يجلس إلخ) عمل الجهلة من أهل العصر خلاف نص الحديث وهو جلوسهم قبل أداء الركعتين وهذا من سوء الجهل.
стр. 625
باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام
стр. 626
[٣١٧] المقبرة بالتاء ما فيه قبور، وأما الذي فيه قبر واحد لا يطلق عليه المقبرة بل المقبر بلا تاء، هذا
стр. 627
فرق لغة، وفي الجامع الصغير لمحمد تكره الصلاة تجاه المقبرة إلا أن تكون سترة حائلة أو كان المصلي بيمين أو شمال من المقبرة، وكون الأرض كلها مسجداً من خصائص الأمة المرحومة، وأقول كان عيسى ﵊ سياحاً ولعل البِيعَ والكنائس كانت في الشام كثيرة، والله أعلم.
قوله: (كان رواية الثوري الخ) رجح المرسل، وجعل الاتصال مرجوحاً.
стр. 628
باب ما جاء في فضل بنيان المسجد
стр. 629
[٣١٨] قوله: (مثله في الجنة) المماثلة في الفضل والثواب وفي أن مكانه يكون ذا شرف من بنية الجنة
стр. 630
كما أن المسجد يكون ذا شرف في الدنيا، وليست المماثلة في الطول والعرض أو غيره كما قيل.
واعلم أن المسجد النبوي بني في عهده ﵊ مرتين مرة ستين ذراعاً، وأخرى مائة في مائة ثم بناه أبو بكر الصديق في عهده على هيأته الأولى وبلا زيادة في عرصة الأرض، ثم بناه عمر في عهده، وزاد في بقعة المسجد، واختار الهيأة الأولى الساذجة، ثم بناه عثمان وشيده بالأحجار والخشب، ولم تكن الأحجار منقوشة بالنقش المتعارف، فاعترض السلف على عثمان لتشييده المسجد وعدم اختياره الساذجية السابقة مع أنه بناه من مال نفسه، فلما امتد اعتراضهم قام عثمان خطيباً وتمسك بحديث: «من بنى مسجداً لِلّه جل مجده بنى الله له مثله في الجنة» وأما بناء المسجد النبوي الآن فبناه السلطان عبد المجيد، وقد ميز في الحدود التي كانت في عهده ﵊ وعهد عمر وعهد عثمان، وما اطلع بعضهم على تكرار بناء المسجد النبوي في عهده ﵊، ونبه عليه الشيخ السيد السمهودي في الوفا بدار المصطفى.
مسألة: إحكام المسجد جائز بلا ريب، وأما نقشه المتعارف في عصرنا ففي بعض كتبنا لا بأس به من غير مال بيت المال، وقيل: يكره من غير بيت المال، وأما من مال بيت المال فغير جائز، وأقول: الآن يجوز القولان الأولان في النقش من مال المسجد أيضاً، فإن غرض الواقفين في هذا العصر يكون النقش ولا ينهون عنه، والله أعلم، وفي ابن ماجة رواية: «ولو كمفحص قطاة» إلخ، وترددوا في شرحه فإنه لا يمكن فيه الصلاة فقالوا ما قالوا، منها ما قيل: إنه في حق من اشترك في المتفرقات لبناء المسجد فإن من أدخل فيها شيئاً قليلاً يحرز الثواب أيضاً، وإن تهيأ من متفرقة قدر مفحص قطاة من أجزاء المسجد، أقول: إن في الحديث مبالغة ولا تكون المبالغة كذباً أصلاً فلا إشكال، ثم قيل: إن وجه اختصاص القطاة بالذكر أن مفحصه يكون على الأرض كالمسجد على الأرض سطحها.
قوله: (محمود بن الربيع) اختلف المحدثون في سن تميز الراوي للرواية، فقيل: خمسة سنين لحصول التميز لمحمود على خمسة سنين.
стр. 631
باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا
стр. 632
[٣٢٠] أي بناء المسجد على قبر كان سابقاً، وأما بناء الأبنية على القبور كما هو عمل أهل العصر من اتخاذ القبة على القبر فغير جائز في المذاهب الأربعة، ونقل الشيخ عبد الحق الدهلوي جوازه عن محمد بن سلمة الحنفي وفي هذا النقل تردد ما لم تراجع عبارة محمد بن سلمة بعينها فإن نقل المذهب عسير جداً.
قوله: (زائرات القبور إلخ) في زيارة القبور للنساء عن أبي حنيفة روايتان ذكرهما في رد المحتار، وبناء رواية النهي أنه ﵊ نهى عن زيارة القبور ثم أجاز، وقال: «ألا فزوروها» إلخ والإجازة للرجال وبناء رواية الجواز أن حكم النسوان والرجال واحد كما هو دأب أكثر آيات القرآن فإن الحكم فيها للرجال وتكون النسوان تابعة لهم دأب هاهنا، ثم تردد ابن عابدين في الروايتين، وعندي يجمع في الروايتين ويقال باختلاف الحكم باختلاف الأحوال للركن يجزعن يمنعن وإلا فلا.
قوله: (والسرج) لا يجوز إنارة السراج على القبر على زعم أنه مفيد للميت وأما لإفادة الزائرين فأباحه العلماء.
стр. 633
باب ما جاء في النوم في المسجد
стр. 634
[٣٢١] يكره النوم في المسجد للمقيم عندنا وعند غيرنا ويجوز للمسافر، وأما نوم ابن عمر فكان لأنه
стр. 635
لم يكن له بيت وكان عزباً، وكذلك ثبت النوم عن بعض الصحابة في شرح مسلم للنووي وحملوه على حالة العذر.
مسألة: يكره تحريماً إخراج الريح في المسجد كما في شرح الهداية لشمس الدين السروجي، وكذلك في شرح المهذب للنووي، وفي الكبير شرح المنية: أنه سيء ولعله يستثنى منه المعتكف لكونه معذوراً.
وفي فتاوى الشيخ السيوطي: أن إلقاء القمل في المسجد ارتكاب الكبيرة لأن جلدها نجسة.
في فتح القدير أن الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب وقال صاحب البحر: هذا إذا دخل المسجد لإرادة الكلام فيه ولو عرضه فلا.
следующие страницы →